Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينُهُ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّذِي اتَّفَقَ عليه الشيخان
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَهِيعَة حَدَّثَنَا مُوسَى بْن وَرْدَان عَنْ عُبَيْد الْأَعْرَج حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي يَعْنِي الصَّمَّاء أَنَّهَا دَخَلَتْ علي رسول الله ﷺ يَوْم السَّبْت وَهُوَ يَتَغَدَّى
فَقَالَ تَعَالَيْ تَغَدِّي
فَقَالَتْ إِنِّي صَائِمَة
فَقَالَ لَهَا أَصُمْت أَمْس قَالَتْ لَا قَالَ كُلِي فَإِنَّ صِيَام يَوْم السَّبْت لَا لَك وَلَا عَلَيْك وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَاده مَنْ لَا يُحْتَجّ بِهِ إِذَا اِنْفَرَدَ لَكِنْ يَدُلّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث
وَعَلَى هَذَا فَيَكُون مَعْنَى قَوْله ﷺ لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت أَيْ لَا تَقْصِدُوا صَوْمه بِعَيْنِهِ إِلَّا فِي الْفَرْض فَإِنَّ الرَّجُل يَقْصِد صَوْمه بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ إِلَّا صَوْم يَوْم السَّبْت كَمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الشَّهْر إِلَّا يَوْم السَّبْت فَإِنَّهُ يَصُومهُ وَحْده
وَأَيْضًا فَقَصْده بِعَيْنِهِ فِي الْفَرْض لَا يُكْرَه بِخِلَافِ قَصْده بِعَيْنِهِ فِي النَّفْل فَإِنَّهُ يُكْرَه
وَلَا تَزُول الْكَرَاهَة إِلَّا بِضَمِّ غَيْره إِلَيْهِ أَوْ مُوَافَقَته عَادَة
فَالْمُزِيل لِلْكَرَاهَةِ فِي الْفَرْض مُجَرَّد كَوْنه فَرْضًا لَا الْمُقَارَنَة بَيْنه وَبَيْن غَيْره
وَأَمَّا فِي النَّفْل فَالْمُزِيل لِلْكَرَاهَةِ ضَمُّ غَيْره إِلَيْهِ أَوْ مُوَافَقَته عَادَة وَنَحْو ذَلِكَ
قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيل التَّنَاوُل إِلَى آخِره فَلَا رَيْب أَنَّ الِاسْتِثْنَاء أَخْرَجَ صُورَة الْفَرْض مِنْ عُمُوم النَّهْيِ
فَصُورَة الِاقْتِرَان بِمَا قَبْله أَوْ بِمَا بَعْده أُخْرِجَتْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَكِلَا الصُّورَتَيْنِ مُخْرَج
أَمَّا الْفَرْض فَبِالْمُخْرَجِ الْمُتَّصِل
وَأَمَّا صَوْمه مُضَافًا فَبِالْمُخْرَجِ الْمُنْفَصِل فَبَقِيَتْ صُورَة الْإِفْرَاد وَاللَّفْظ مُتَنَاوِل لَهَا وَلَا مُخْرِج لَهَا مِنْ عُمُومه فَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَيْهَا
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فعللها بن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة منتفية في الأحد
ولا يقال فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة
وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون
وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد غير للنصارى كَمَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ اليوم لنا وغدا لليهود وبعد للنصارى ومع ذلك فلا يكره صومه
وأيضا فإذا كان يوم عيد فقد يقال مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى بن عباس قال أرسلني بن عباس وناس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياما فقالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد
стр. 2172
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينُهُ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّذِي اتَّفَقَ عليه الشيخان
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم وصححه بعض الحفاظ
فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدا لهم وفي جامع الترمذي عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم مِنْ الشَّهْر السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ
وَمِنْ الشَّهْر الْآخَر الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء والخميس قال الترمذي حديث حسن
وقد روى بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم
وعلله طائفة بأنهم يتركون العمل فيه والصوم مظنة ذلك فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها الاضطراب والاختلاف وتبين تصديق بعضها بعضا
فإن قيل
فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين قِيلَ قَدْ كَرِهَهُ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وَأَكْثَر أَصْحَاب أَحْمَد عَلَى الْكَرَاهَة
قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْنه عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس وَالْحَسَن أَنَّهُمَا كَرِهَا صَوْم يَوْم النَّيْرُوز وَالْمِهْرَجَان قَالَ عَبْد اللَّه قَالَ أَبِي الرَّجُل أَبَان بْن أَبِي عَيَّاش
فَلَمَّا أَجَابَ أَحْمَد بِهَذَا الْجَوَاب لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صِيَام هَذَيْنَ الْيَوْمَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اِخْتَارَهُ
وَهَذِهِ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ لِأَصْحَابِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ
وَقِيلَ لَا يَكُون هَذَا اِخْتِيَارًا لَهُ وَلَا يُنْسَب إِلَيْهِ الْقَوْل الَّذِي حَكَاهُ وَأَكْثَر الْأَصْحَاب عَلَى الْكَرَاهَة وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّار فَيَكُون تَخْصِيصهمَا بِالصِّيَامِ دُون غَيْرهمَا مُوَافَقَة لَهُمْ فِي تَعْظِيمهمَا فَكُرِهَ كَيَوْمِ السَّبْت
قَالَ صَاحِب الْمُغْنِي وَعَلَى قِيَاس هَذَا كُلّ عِيد لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْم يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّه رُوحه وَقَدْ يُقَال يُكْرَه صَوْم يَوْم النَّيْرُوز وَالْمِهْرَجَان وَنَحْوهمَا مِنْ الْأَيَّام الَّتِي لَا تُعْرَف بِحِسَابِ الْعَرَب بِخِلَافِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث مِنْ يَوْم السَّبْت وَالْأَحَد لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ صَوْم مِثْل هَذَا الْأَيَّام الْعَجَمِيَّة أَوْ الْجَاهِلِيَّة كَانَ ذَرِيعَة إِلَى إِقَامَة شِعَار هَذِهِ الْأَيَّام وَإِحْيَاء أَمْرهَا وَإِظْهَار حَالهَا بِخِلَافِ السَّبْت وَالْأَحَد فَإِنَّهُمَا مِنْ حِسَاب الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِي صَوْمهمَا مَفْسَدَة فَيَكُون اِسْتِحْبَاب صَوْم أَعْيَادهمْ الْمَعْرُوفَة بِالْحِسَابِ الْعَرَبِيِّ الْإِسْلَامِيِّ مَعَ كَرَاهَة الْأَعْيَاد الْمَعْرُوفَة بِالْحِسَابِ الْجَاهِلِيِّ الْعَجَمِيِّ تَوْفِيقًا بَيْن الْآثَار
والله أعلم
стр. 2173
٥٢ - بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي بَيَانِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَهَكَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ أَبُو أَيُّوبَ الْمَرَاغِي الْعَتْكِيُّ الْبَصْرِيُّ رَوَى عَنْ جُوَيْرِيَةَ وَسَمُرَةَ وَعَنْهُ عِمْرَانُ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ
وَوَهِمَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ هَذَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ (الْعَتْكِيُّ) صِفَةُ أَبِي أَيُّوبَ أَيْ قَالَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْعَتْكِيِّ (عَنْ جُوَيْرِيَةَ) تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ (بِنْتِ الْحَارِثِ) الْمُصْطَلِقِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهِيَ صَائِمَةٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (أَصْمُتِ أَمْسِ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَكَسْرِ سِينِ أَمْسِ عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِ أَيْ يَوْمَ الْخَمِيسِ (تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا) أَيْ يَوْمَ السَّبْتِ (فَأَفْطِرِي) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِذًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنَ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وأخرجه أيضا النسائي
(أنه) أي بن شِهَابٍ (إِذَا ذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَهُ) أَيْ لِابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ (نُهِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِيٌّ) يُرِيدُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ عَبْد الْحَقّ وَلَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا جَعَلَهُ كَذِبًا مِنْ أَجْل رِوَايَة ثَوْر بْن يَزِيد الْكُلَاعِيّ فَإِنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْقَدْرِ وَلَكِنَّهُ كَانَ ثِقَة فِيمَا يَرْوِي
قَالَهُ يَحْيَى وَغَيْره
وَرَوَى عَنْهُ الْجِلَّة مِثْل يَحْيَى بْن سَعِيد القطان وبن الْمُبَارَك وَالثَّوْرِيّ وَغَيْرهمْ وَقِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ عَمَّته الصَّمَّاء وَهُوَ أَصَحّ وَاسْمهَا بَهِيَّة وَقِيلَ بَهِيمَة آخر كلامه
стр. 2174
تَضْعِيفَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسر راويان حمصيان أَحَدُهُمَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدُ وَثَانِيهِمَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ تَكَلَّمَ فِيهِمَا بَعْضٌ وَوَثَّقَهُمَا بَعْضٌ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ تَضْعِيفَهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا كَذِبٌ أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَأَبْلَغُ لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ مَا ذَكَرُوا عَدَمُ ظُهُورِ الْمَعْنَى حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْسُوخٌ وَبَعْضُهُمْ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٣ - (بَاب فِي صَوْمِ الدَّهْرِ تَطَوُّعًا)
(فَغَضِبَ رسول الله ﷺ من قَوْلِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ غَضَبِهِ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ وَيَخْشَى مِنْ جَوَابِهِ مَفْسَدَةً وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ السَّائِلُ وُجُوبَهُ أَوِ اسْتَقَلَّهُ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَقْتَضِي حَالُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لِشُغْلِهِ لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِهِمْ وَحُقُوقِ أَزْوَاجِهِ وَأَضْيَافِهِ وَالْوَافِدِينَ عَلَيْهِ وَلِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّي الضَّرَرَ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ
وَكَانَ حَقُّ السَّائِلِ أَنْ يَقُولَ كَمْ أَصُومُ وَكَيْفَ أَصُومُ فَيَخُصَّ السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ كَمَا أَجَابَ غَيْرَهُ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (لَا صَامَ ولا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ صَوْم يَوْم وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَل مِنْ سَرْد الصِّيَام وَلَوْ كَانَ سَرْد الصِّيَام مَشْرُوعًا أَوْ
стр. 2175
أَفْطَرَ) مَعْنَاهُ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ وَقَدْ تُوضَعُ لَا بِمَوْضِعِ لَمْ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا صدق ولا صلى أَيْ لَا تَصَدَّقَ وَلَمْ يُصَلِّ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ كَرَاهَةً لِصُنْعِهِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ
هُوَ أَنْ يَسْرُدَ الصِّيَامَ أَيَّامَ السَّنَةِ كُلِّهَا لَا يُفْطِرُ مِنْهَا الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْ صِيَامِهَا
وَقَدْ سَرَدَ الصَّوْمَ دَهْرَهُ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ لَا يُفْطِرُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ فَلَمْ يُعِبْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نها عَنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا خَافَ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ لِنِسَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِحُظُوظِهِنَّ مِنْهُ لَا لِضَعْفِ جِبِلَّتِهِ عَنِ احْتِمَالِ الصِّيَامِ أَوْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنِ الطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ وَدِدْتُ أَنَّ أُمَّتِي تُطَوِّقُهُ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُطِيقُهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَانَ يواصل
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مُسْتَحَبًّا لَكَانَ أَكْثَر عَمَلًا فَيَكُون أَفْضَل إِذْ الْعِبَادَة لَا تَكُون إِلَّا رَاجِحَة فَلَوْ كَانَ عِبَادَة لَمْ يَكُنْ مَرْجُوحًا
وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ لِلْمُخَاطَبِ وَحْده لِمَا عُلِمَ مِنْ حَاله وَمُنْتَهَى قُوَّته وَأَنَّ مَا هُوَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ يُضْعِفهُ عَنْ فَرَائِضه وَيَقْطَعهُ عَنْ الْقِيَام بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل مِنْ وُجُوه
أَحَدهَا أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَرُدّهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ عَنْ الْمُطِيق فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ فَسَبَب الْحَدِيث فِي الْمُطِيق فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ لِلْمُطِيقِ الَّذِي سَأَلَ
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَنْ يُفَضِّل السَّرْد
وَقَالَ إِنِّي أُطِيق أَفْضَل مِنْ صَوْم يَوْمٍ وَفِطْر يَوْمٍ لَقَالَ لَهُ السَّرْدُ أَفْضَل
الثَّانِي أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُ بِثَلَاثِ جُمَل إِحْدَاهَا أَنَّهُ أَعْدَل الصِّيَام
وَالثَّانِيَة أَنَّهُ صَوْم دَاوُدَ
وَالثَّالِثَة أَنَّهُ لَا أَفْضَل مِنْهُ
وَهَذِهِ الْأَخْبَار تَمْنَع تَخْصِيصه بِالسَّائِلِ
الثَّالِث أَنَّ فِي بَعْض أَلْفَاظ مُسْلِم فِيهِ فَإِنِّي أَقْوَى
قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَإِنَّهُ أَفْضَل الصِّيَام وَهُوَ صَوْم أَخِي دَاوُدَ فَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أَفْضَل الصِّيَام وَأَنَّهُ صَوْم دَاوُدَ مَعَ إِخْبَاره لَهُ بِقُوَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ فَإِنْ قَوِيت فالسرد أفضل
стр. 2176
وَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي
أَوْ يُقَالُ إِنَّمَا قَالَهُ لِحُقُوقِ نِسَائِهِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُتَعَلِّقِينَ بِهِ وَالْقَاصِدِينَ إِلَيْهِ
(وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ إِلَخْ) مَعْنَاهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ صَائِمِهِ فِي السَّنَتَيْنِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّغَائِرُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَغَائِرُ يُرْجَى التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَفَعَتْ دَرَجَاتٌ
وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ بَيَانُ رِفْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأُمَّتِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ وَحَثِّهِمْ عَلَى مَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَخَافُ عَلَيْهِمُ الْمَلَلُ بِسَبَبِهَا أَوْ تَرْكُهَا أَوْ تَرْكُ بَعْضِهَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا أَكْثَرُوا الْعِبَادَةَ ثُمَّ فَرَّطُوا فِيهَا فَقَالَ تَعَالَى وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رضوان الله فما رعوها حق رعايتها وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى مَنْعِ صِيَامِ الدَّهْرِ لِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِهِ إِذَا لَمْ يَصُمُ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ سَرْدَ الصِّيَامِ إِذَا أَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا فَإِنْ تَضَرَّرَ أَوْ فَوَّتَ حَقًّا فَمَكْرُوهٌ
قَالَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الرَّابِع أَنَّ هَذَا مُوَافِق لِقَوْلِهِ فِيمَنْ صَامَ الْأَبَد لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَمَعْلُوم أَنَّ السَّائِل لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الصَّوْم الْمُحَرَّم الَّذِي قَدْ اِسْتَقَرَّ تَحْرِيمه عِنْدهمْ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِيُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ بَلْ كَانَ يُجِيب عَنْهُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ
وَالسِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ الصَّوْم الْمَأْذُون فِيهِ لَا الْمَمْنُوع مِنْهُ وَلَا يُعَبِّر عَنْ صِيَام الْأَيَّام الْخَمْسَة وَعَنْ الْمَنْع مِنْهَا بِقَوْلِهِ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد وَلَا هَذِهِ الْعِبَارَة مُطَابِقَة لِلْمَقْصُودِ بَلْ هِيَ بَعِيدَةٌ مِنْهُ جِدًّا
الْخَامِس أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ أَحَبَّ الصِّيَام إِلَى اللَّه صِيَام دَاوُدَ وَأَحَبَّ الْقِيَام إِلَى اللَّه قِيَام دَاوُدَ وَأَخْبَرَ بِهِمَا مَعًا
ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ كَانَ يَنَام نِصْف اللَّيْل وَيَقُوم ثُلُثه وَيَنَام سُدُسه وَكَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِر يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَحَبّ إِلَى اللَّه لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْف وَهُوَ مَا يَتَخَلَّل الصِّيَام وَالْقِيَام مِنْ الرَّاحَة الَّتِي تَجِمّ بِهَا نَفْسه وَيَسْتَعِين بِهَا عَلَى الْقِيَام بِالْحُقُوقِ
وَبِاَللَّهِ التوفيق
стр. 2177
المنذري وفي رواية قال يارسول اللَّهِ أَرَأَيْتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ قَالَ فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِ الْخَمِيسِ لِمَا نَرَاهُ وَهْمًا وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُفَرَّقًا
(فِيهِ وُلِدْتُ) أَيْ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ (وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ) أَيْ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ
(أَلَمْ أُحَدَّثْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ السَّرْدِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ السَّرْدِ وَتَخْصِيصِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَتَقْدِيرُهُ لَا أَفْضَلَ مِنْ هَذَا فِي حَقِّكَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو عَنِ السَّرْدِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى يَوْمٍ وَيَوْمٍ وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ لَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ لَهُ فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ وَمِنْ صِيَامِ يَوْمٍ الدَّهْرَ بِلَا صِيَامِ أَيَّامِ الْكَرَاهَةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ عَلَى النَّفْسِ فَمِنْهُ لَا يُعْتَادُ الصَّوْمُ وَلَا الْإِفْطَارُ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 2178
٥٤ - (بَاب فِي صَوْمِ أَشْهُرِ الْحُرُمِ)
(ثُمَّ قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ شَهْرُ الصَّبْرِ هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ فَسُمِّيَ الصِّيَامُ صَبْرًا لِمَا فِيهِ مِنْ حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الطَّعَامِ وَمَنْعِهَا عَنْ وَطْءِ النِّسَاءِ وَغِشْيَانِهِنَّ فِي نَهَارٍ (صُمْ مِنَ الْحُرُمِ) بِضَمَّتَيْنِ أَيْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ منها أربعة حرم وَهِيَ شَهْرُ رَجَبٍ وَذِي الْقِعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ
وَقِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ كَمُ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَقَالَ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ انْتَهَى (وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ صُمْ مِنْهَا مَا شِئْتَ وَأَشَارَ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ الْمُتَوَالِيَاتِ وَبَعْدَ الثَّلَاثِ يَتْرُكُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثًا وَيَتْرُكُ ثَلَاثًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ السندي
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ قَالَ فِيهِ عَنْ مجيبة الباهلي عن عمه وقال بن مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ فِيهِ عَنْ مُجِيبَةَ يَعْنِي الْبَاهِلِيَّةَ قَالَتْ حَدَّثَنِي أَبِي أَوْ عَمِّي وَسَمَّى أَبَاهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ فَقَالَ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَبُو مُجَيِّئَةَ الْبَاهِلِيَّةِ أَوْ عَمُّهَا سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا ولم يسمه وذكر هذا الحديث وذكره بن قانع فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ فِيهِ عَنْ مُجِيبَةَ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا وَسَمَّاهُ أَيْضًا
стр. 2179
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ هَذَا الِاخْتِلَافُ كَمَا تَرَى
وَأَشَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إِلَى تَضْعِيفِهِ لِذَلِكَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ
وَمُجِيبَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرُ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ انْتَهَى
٥ - (بَاب فِي صَوْمِ الْمُحَرَّمِ)
(عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي الْأَطْرَافِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو بَشِيرٍ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ وَلَا يَصِحُّ (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ لِلصَّوْمِ
وَأَمَّا إِكْثَارُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ فَضْلَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَالثَّانِي لَعَلَّهُ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ مِنَ اللَّيْلِ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ
وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْفَرَائِضَ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَوْفَقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ) قَالَ النَّوَوِيُّ الظَّاهِرُ أن مراد
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ النَّبِيّ ﷺ مُرْسَلًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ شُعْبَة وَأَبُو عَوَانَة فَقَالَ أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبِي بِشْر حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
وَقَالَ شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ حُمَيْد عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ
стр. 2180
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ وَلَا نَدْبَ فِيهِ لِعَيْنِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ بَاقِي الشُّهُورِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ نَهْيٌ وَلَا نَدْبٌ وَلَا نَهْيٌ لِعَيْنِهِ وَلَكِنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ إِلَى الصَّوْمِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَجَبٌ أَحَدُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وبن مَاجَهْ
٦ - (بَاب فِي صَوْمِ شَعْبَانَ)
(كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ) خَبَرُ كَانَ لِكَوْنِهِ صِفَةً وَشَعْبَانُ اسْمُهُ (أَنْ يَصُومَهُ) وَفِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَحَبِّ الشُّهُورِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى أَحَبِّ الشُّهُورِ (شَعْبَانُ) اسْمُ كَانَ بِحَذْفِ الْمُضَافِ تَقْدِيرُهُ كَانَ شَعْبَانُ أَيْ صَوْمُهُ صَوْمَ أحب الشهور إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهَا أَنْ يَصُومَهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى أَحَبِّ الشُّهُورِ تَقْدِيرُهُ كَانَ شَعْبَانُ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ يَصُومَ أَحَبِّ الشُّهُورِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَوْنَ شَعْبَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي أَمْرِ الصَّوْمِ فَقَطْ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَيْهِ ﷺ فِي غَيْرِ أَمْرِ الصَّوْمِ غَيْرَ شعبان والوجه الأول هو القوي
قال بن رَسْلَانَ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخُصُّ شَعْبَانَ بِصِيَامِ التَّطَوُّعِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ فَالْجَوَابُ أَنَّ جَمَاعَةً أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ غَيْرِ قَوِيَّةٍ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ صِيَامَ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ كَمَا قَالَ النووي أفضل الشهر لِلصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ وَيَلِي الْمُحَرَّمَ فِي الْفَضْلِ رَجَبٌ وَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَعْبَانُ لِمُحَافَظَتِهِ ﷺ عَلَى صَوْمِهِ أَوْ صَوْمِ أَكْثَرِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ الْمُحَرَّمُ مَحْمُولًا عَلَى التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ وَكَذَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْضِيلُ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ دُونَ السُّنَنِ وَالرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ قَبْلَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ شَوَّالٍ تَشْبِيهًا لَهُ بِالسُّنَنِ وَالرَّوَاتِبِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 2181
٥٧ - (بَاب فِي صَوْمِ شَوَّالٍ)
(إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) وَالصَّوْمُ يُضْعِفُ الْإِنْسَانَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الْأَهْلِ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُفَتِّرَ الْهِمَّةَ عَنِ القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره (صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ) قِيلَ أَرَادَ السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ شَعْبَانَ (وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ) بِالْمَدِّ وَعَدَمِ الِانْصِرَافِ (وَخَمِيسٍ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ (فَإِذًا) بِالتَّنْوِينِ (أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِنْ فَعَلْتَ مَا قُلْتُ لَكَ فَقَدْ صُمْتَ وَإِذًا جواب جيء لتأكيد الربط
قاله على القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ هَارُونَ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ الرِّوَايَتَيْنِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ
٨ - (بَاب فِي صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ)
(قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ) وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَأَوْرَدَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه
وَضَعَّفَهُ غَيْره وَقَالَ هُوَ مِنْ رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد أَخِي يَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه سَعْد بْن سَعِيد ضَعِيف كَذَلِكَ قَالَ
стр. 2182
الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يُكْرَهُ صَوْمُهَا وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ وُجُوبَهَا وَهُوَ بَاطِلٌ فِي مُقَابَلَةِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ
وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِمَا قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّاسَ إِذَا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِسُنَّةٍ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُمْ دَلِيلًا تُرَدُّ بِهِ السُّنَّةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُصَامَ السِّتَّ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْمِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحْمَد بْن حَنْبَل يَحْيَى بْن سَعِيد
الثِّقَة الْمَأْمُون أَحَد الْأَئِمَّة وَعَبْد رَبّه بْن سَعِيد لَا بَأْس بِهِ وَسَعْد بْن سَعِيد ثَالِثهمْ ضَعِيف
وَذَكَر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْحُمَيْدِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْنَده وَقَالَ الصَّحِيح مَوْقُوفًا
وَقَدْ رَوَى الْإِخْوَة الثَّلَاثَة هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُمَر بْن ثَابِت
فَمُسْلِم أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَة سَعْد بْن سَعِيد
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثه مَرْفُوعًا وَمِنْ حَدِيث عَبْد رَبّه بْن سَعِيد مَوْقُوفًا
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد مَرْفُوعًا
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا ثَوْبَان عَنْ النبي قَالَ صِيَام شَهْر رَمَضَان بِعَشْرَةِ أَشْهُر وَصِيَام سِتَّة أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَاكَ صِيَام سَنَةٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله يَقُول جَعَلَ اللَّه الْحَسَنَة بِعَشْرَةٍ فَشَهْر بِعَشْرَةٍ أَشْهُر وَسِتَّة أَيَّام بَعْد الْفِطْر تَمَام السَّنَة قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَة وَثَوْبَان وَقَدْ أُعِلَّ حَدِيث أَبِي أَيُّوب مِنْ جِهَة طُرُقه كُلّهَا
أَمَّا رِوَايَة مُسْلِم فَعَنْ سَعْد بْن سَعِيد وَأَمَّا رِوَايَة أَخِيهِ عَبْد رَبّه فَقَالَ النَّسَائِيّ فِيهِ عُتْبَة لَيْسَ بِالْقَوِيِّ يَعْنِي رَاوِيه عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر عَنْ يَحْيَى
وَأَمَّا حَدِيث عَبْد رَبّه فَإِنَّمَا رَوَاهُ مَوْقُوفًا
وَهَذِهِ الْعِلَل وَإِنْ مَنَعَتْهُ أَنْ يَكُون فِي أَعْلَى دَرَجَات الصَّحِيح فَإِنَّهَا لَا تُوجِب وَهَنَهُ وَقَدْ تَابَعَ سَعْدًا وَيَحْيَى وَعَبْد رَبّه عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عُثْمَان بْن عَمْرو الْخُزَاعِيّ عَنْ عُمَر لَكِنْ قَالَ عَنْ عُمَر عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَبِي أَيُّوب
وَرَوَاهُ أَيْضًا صَفْوَان بْن سليم عن عمر بن ثابت ذكره بن حِبَّان فِي صَحِيحه وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة يَحْيَى وَسَعِيد وَعَبْد رَبّه بَنُو سَعِيد وَصَفْوَان بْن سليم وَعُثْمَان بْن عَمْرو الْخُزَاعِيّ كُلّهمْ رَوَوْهُ عَنْ عَمْرو
فَالْحَدِيث صَحِيح
وَأَمَّا حديث ثوبان فقد رواه بن حِبَّان فِي صَحِيحه
وَلَفْظه مَنْ صَامَ رَمَضَان وَسِتًّا مِنْ شَوَّال فَقَدْ صَامَ السَّنَة وَرَوَاهُ بن مَاجَةَ
وَلَفْظه مَنْ صَامَ رَمَضَان وَسِتَّة أَيَّام بَعْد الْفِطْر كَانَ تَمَام السَّنَة مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا وَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَرَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي عَبْد الرحمن المقرئ عَنْ سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب عَنْ عَمْرو بْن جَابِر الْحَضْرَمِيّ عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ وَعَمْرو بْن جَابِر ضَعِيف وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حاتم
стр. 2183
الْفِطْرِ قَالَ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِلِ شَوَّالٍ إِلَى آخِرِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ
قَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَرَمَضَانُ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الرَّازِيّ هُوَ صَالِح لَهُ نَحْو عِشْرِينَ حَدِيثًا
وَقَالَ أَبُو نُعَيْم الْأَصْبِهَانِيّ رُوِيَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار وَمُجَاهِد عَنْ جَابِر مِثْله
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ حَدِيث لَيْث بْن أَبِي سليم عَنْ مُجَاهِد عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد عن أبي هريرة عن النبي
قَالَ أَبُو نُعَيْم وَرَوَاهُ عَمْرو بْن دِينَار عن عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أَبِيهِ وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن رَافِع عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
وَهَذِهِ الطُّرُق تَصْلُح لِلِاعْتِبَارِ وَالِاعْتِضَاد
وَقَدْ اِحْتَجَّ أَصْحَاب السُّنَن الْأَرْبَعَة بِلَيْثٍ وَقَدْ رَوَى حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم فِي كِتَاب الْعِلَل سَمِعْت أَبِي وَذَكَر حَدِيثًا رَوَاهُ سُوَيْد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ يَحْيَى بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ عَنْ أَبِي أَسْمَاء عَنْ ثَوْبَان مَرْفُوعًا مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال قَالَ أَبِي هَذَا وَهْم مِنْ سُوَيْد قَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْن الحرث هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي أَسْمَاء إِنَّمَا أَرَادَ سُوَيْد مَا حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن صَالِح أَخْبَرَنَا مَرْوَان الطَّاطِرِيّ عَنْ يَحْيَى بْن حَمْزَة عَنْ يحيى بن الحرث عَنْ أَبِي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ عَنْ شَدَّاد بْن أوس عن النبي قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَان الْحَدِيث وَهَذَا إِسْنَاد ثقات كلهم ثم قال بن أَبِي حَاتِم بَعْد ذَلِكَ سُئِلَ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَرْوَان الطَّاطِرِيّ عَنْ يَحْيَى بْن حَمْزَة وَذَكَر هَذَا الْحَدِيث حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُول النَّاس يَرْوُونَ عن يحيى بن الحرث عَنْ أَبِي أَسْمَاء عَنْ ثَوْبَان عَنْ النَّبِيّ
قُلْت لِأَبِي أَيّهمَا الصَّحِيح قَالَ جَمِيعًا صَحِيح
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الرَّقِّيّ أَخْبَرَنَا أَبُو هَمَّام أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن حَمْزَة عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه قَالَ حَدَّثَنِي سَعْد بْن سَعِيد عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عن البراء بن عازب عن النبي أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَامَ سِتَّة أَيَّام بَعْد الْفِطْر فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر كُلّه وَيَحْيَى بْن حَمْزَة قَاضِي دِمَشْق صَدُوق وَأَبُو هَمَّام الْوَلِيد بْن شُجَاع السُّكُونِيّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم وَهَذَا غَرِيب لَعَلَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَى بَعْض رُوَاته عُمَر بْن ثَابِت بِعَدِيِّ بْن ثَابِتٍ وَتَأَكَّدَ الْوَهْم فَجَعَلَهُ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب لِكَثْرَةِ رِوَايَة عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْهُ
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْقَوْل بِمُوجِبِ هَذِهِ الْأَحَادِيث
فَذَهَبَ أَكْثَرهمْ إِلَى الْقَوْل بِاسْتِحْبَابِ صَوْمهَا
مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وأحمد وبن الْمُبَارَك وَغَيْرهمْ
وَكَرِهَهَا آخَرُونَ
مِنْهُمْ مَالِك
وَقَالَ مُطَرِّف كَانَ مَالِك يَصُومهَا فِي خَاصَّة نَفْسه
قَالَ وَإِنَّمَا كَرِهَ صَوْمهَا لِئَلَّا يُلْحِق أَهْل الْجَاهِلِيَّة ذَلِكَ بِرَمَضَان
فَأَمَّا مَنْ يَرْغَب فِي ذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيهِ فَلَمْ يَنْهَهُ
стр. 2184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض النَّاس عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيث بِاعْتِرَاضَاتٍ نَذْكُرُهَا وَنَذْكُر الْجَوَاب عَنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
الِاعْتِرَاض الْأَوَّل تَضْعِيفهَا
قَالُوا وَأَشْهَرُهَا حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَمَدَاره عَلَى سَعْد بْن سَعِيد وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا تَرَكَهُ مَالِك وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ قِبَل حِفْظه
وَقَالَ النسائي ليس بالقوي وقال بن حِبَّان لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِ سَعْد بْن سَعِيد
وَجَوَاب هَذَا الِاعْتِرَاض أَنَّ الْحَدِيث قَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِم وَغَيْره
وَأَمَّا قَوْلكُمْ يَدُور عَلَى سَعْد بْن سَعِيد فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ رَوَاهُ صَفْوَان بْن سُلَيْم وَيَحْيَى بْن سَعِيد أَخُو سَعْد الْمَذْكُور وَعَبْد رَبّه بْن سَعِيد وَعُثْمَان بْن عُمَر الْخُزَاعِيّ
أَمَّا حَدِيث صَفْوَان فأخرجه أبو داود والنسائي وبن حِبَّان
وَأَمَّا حَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ صَدَقَة بْن خَالِد مُتَّفَق عَلَيْهِمَا عَنْ عُتْبَة بْن أبي حكيم
وثقة الرازيان وبن معين وبن حِبَّان عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بن عبد الرحمن بن الحرث بْن هِشَام وَعَبْد الْمَلِك بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر بْن عَمْرو بْن حَزْم وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم الصَّائِغ ثَلَاثَتهمْ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُمَر بِهِ
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَاهُ حَفْص بْن غِيَاث وَهُوَ أَثْبَت مِمَّنْ ذَكَرْت عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَخِيهِ سَعْد بْن سَعِيد عَنْ عَمْرو بْن ثَابِت فَدَلَّ عَلَى أَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عُمَر بْن ثَابِت وَإِلَّا لَمَا رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ عَنْهُ وَرَوَاهُ إِسْحَاق بْن أَبِي فَرْوَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ الْبَرَاء فَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ
قِيلَ رِوَايَة عَبْد الْمَلِك وَمَنْ مَعَهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَرْجَح مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث لِأَنَّهُمْ أَتْقَنَ وَأَكْثَر وَأَبْعَد عَنْ الْغَلَط وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون يَحْيَى سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ فَرَوَاهُ كَذَلِكَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عُمَر وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ أَخِيهِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُمَر فَإِنْ كَانَ يَحْيَى إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أخيه سعد فقذ اِتَّفَقَتْ فِيهِ رِوَايَة الْإِخْوَة الثَّلَاثَة لَهُ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض
وَأَمَّا حَدِيث عَبْد رَبّه بْن سَعِيد فَذَكَره البيهقي وَكَذَلِكَ حَدِيث عُثْمَان بْن عَمْرو الخزاعي
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَنْفَرِد بِهِ سَعْد سَلَّمْنَا اِنْفِرَاده لَكِنَّهُ ثِقَة صَدُوق رَوَى لَهُ مسلم وروى عنه شعبة وسفيان الثوري وبن عيينة وبن جُرَيْج وَسُلَيْمَان بْن بِلَال وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن
وَقَالَ أَحْمَد كَانَ شُعْبَة أُمَّة وَحْدَة فِي هَذَا الشَّأْن قَالَ عَبْد اللَّه يَعْنِي فِي الرِّجَال وَبَصَره بِالْحَدِيثِ وَتَثَبُّته وَتَنْقِيَته
стр. 2185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لِلرِّجَالِ وَقَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد شُعْبَة أَوَّل مَنْ فَتَّشَ عَنْ أَمْر الْمُحَدِّثِينَ وَجَانِب الضُّعَفَاء وَالْمَتْرُوكِينَ وَصَارَ عَلَمًا يُقْتَدَى بِهِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ بَعْده أَهْل الْعِرَاق
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ تَضْعِيف أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَصَحِيح
وَأَمَّا مَا نقلتم عن بن حِبَّان فَإِنَّمَا قَالَهُ فِي سَعْد بْن سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ وَلَيْسَ فِي كِتَابه غَيْره وَأَمَّا سَعْد بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ فَإِنَّمَا ذَكَره فِي كِتَاب الثِّقَات وَقَدْ قَالَ أبو حاتم الرازي عن بن مَعِين سَعْد بْن سَعِيد صَالِحٌ وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد ثقة قليل الحديث وقال بن أَبِي حَاتِم سَمِعْت أَبِي يَقُول كَانَ سَعْد بْن سَعِيد مُؤَدِّيًا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظ ويؤدي ما سمع
وقال بن عَدِيّ لَهُ أَحَادِيث صَالِحَةٌ تَقْرُب مِنْ الِاسْتِقَامَة وَلَا أَرَى بِحَدِيثِهِ بَأْسًا مِقْدَار مَا يَرْوِيه وَمِثْل هَذَا إِنَّمَا يَنْفِي مَا يَنْفَرِد بِهِ أَوْ يُخَالِف بِهِ الثِّقَات فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَنْفَرِد وَرَوَى مَا رَوَاهُ النَّاس فَلَا يَطْرَح حَدِيثه
سَلَّمْنَا ضَعْفه لَكِنَّ مُسْلِمٌ إِنَّمَا اِحْتَجَّ بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فِيهِ بِقَرَائِن وَمُتَابَعَات وَلِشَوَاهِد دَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ خَطَؤُهُ فِي غَيْره فكون الرجل يخطىء فِي شَيْءٍ لَا يَمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ فِيمَا ظهر أنه لم يخطىء فِيهِ وَهَكَذَا حُكْم كَثِير مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي خَرَّجَاهَا وَفِي إِسْنَادهَا مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ جِهَة حِفْظه فَإِنَّهُمَا لَمْ يُخْرِجَاهَا إِلَّا وَقَدْ وَجَدَا لَهَا مُتَابَعًا
وَهَهُنَا دَقِيقَة يَنْبَغِي التَّفَطُّن لَهَا وَهِيَ أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي رَوَيَاهُ أَوْ أَحَدهمَا وَاحْتَجَّا بِرِجَالِهِ أَقْوَى مِنْ حَدِيث اِحْتَجَّا بِرِجَالِهِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ فَتَصْحِيح الْحَدِيث أَقْوَى مِنْ تَصْحِيح السَّنَد
فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ قِيلَ هَذَا لَا يَلْزَم لِأَنَّهُ ﵀ لَمْ يَسْتَوْعِب الصَّحِيح وَلَيْسَ سَعْد بْن سَعِيد مِنْ شَرْطه عَلَى أَنَّهُ قَدْ اِسْتَشْهَدَ بِهِ فِي صَحِيحه فَقَالَ فِي كِتَاب الزَّكَاة وَقَالَ سُلَيْمَان عَنْ سَعْد بْن سَعِيد عَنْ عمارة بن غزية عن بن عَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ
الِاعْتِرَاض الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيث قَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ عَلَى عُمَر بْن ثَابِت فَرَوَاهُ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن المقرئ عَنْ سَعِيد عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ أَبِي أَيُّوب مَوْقُوفًا ذَكَره النَّسَائِيّ
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن عَمْرو بْن سَاج عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَبِي أَيُّوب وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ طَرِيق سَعْد بْن سَعِيد غَيْر مُتَّصِلَة حَيْثُ لَمْ يَذْكُر مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر بَيْن عُمَر بْن ثَابِت وَأَبِي أَيُّوب وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حُمَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَبِي أَيُّوب
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِرِوَايَةِ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر لَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوب أَصْلًا
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ وَرْقَاء بْن عُمَر الْيَشْكُرِيّ عَنْ سَعْد بْن سَعِيد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ أَبِي أَيُّوب
وَهَذَا الِاخْتِلَاف يُوجِب ضَعْفه
стр. 2186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا لَا يُسْقِط الِاحْتِجَاج بِهِ أَمَّا رِوَايَة عَبْد رَبّه بْن سَعِيد لَهُ مَوْقُوفًا فَإِمَّا أَنْ يُقَال الرَّفْع زِيَادَة
وَإِمَّا أَنْ يُقَال هُوَ مُخَالَفَة وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالتَّرْجِيح حَاصِل بِالْكَثْرَةِ وَالْحِفْظ فَإِنَّ صَفْوَان بْن سُلَيْم وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَهُمَا إِمَامَانِ جَلِيلَانِ وَسَعْد بْن سَعِيد وَهُوَ ثِقَة مُحْتَجّ بِهِ فِي الصَّحِيح اِتَّفَقُوا عَلَى رَفْعه وَهُمْ أَكْثَر وَأَحْفَظ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُرِيّ لَمْ يُتَّفَق عَنْهُ عَلَى وَقْفه
بَلْ قَدْ رَوَاهُ أَحْمَد بْن يُوسُف السُّلَمِيّ شَيْخ مُسْلِم وَعُقَيْل بْن يَحْيَى جَمِيعًا عَنْهُ عَنْ شُعْبَة عَنْ عَبْد رَبّه بْن سَعِيد عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ أَبِي أيوب مرفوعا وذكره بن مِنْدَه وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح مُوَافِق لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَة وَمُقَوٍّ لِحَدِيثِ صَفْوَان بْن سُلَيْم وَسَعْد بْن سَعِيد
وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ وَرْقَاء عَنْ سَعْد بْن سَعِيد مَرْفُوعًا كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَة وَغُنْدَر أَصَحّ النَّاس حَدِيثًا فِي شُعْبَة حَتَّى قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ هُوَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ فِي شُعْبَة فَمَنْ يَكُون مُقَدَّمًا عَلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ فِي حَدِيث شُعْبَة يَكُون قَوْله أَوْلَى مِنْ الْمَقْبُرِيّ
وَأَمَّا حَدِيث عُثْمَان بْن عَمْرو بْن سَاج فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه عَقِب رِوَايَتهَا هَذَا خَطَأ وَالصَّوَاب عَنْ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ أَبِي أَيُّوب مِنْ غَيْر ذِكْر مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عُثْمَان وَالْوَلِيد اِبْنَا عَمْرو بْن سَاج يُكْتَب حَدِيثهمَا وَلَا يُحْتَجّ بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيّ رَأَيْت عِنْده كُتُبًا فِي غَيْر هَذَا
فَإِذَا أَحَادِيث شِبْه أَحَادِيث مُحَمَّد بْن أَبِي حُمَيْد فَلَا أَدْرِي أَكَانَ سَمَاعه مِنْ مُحَمَّد أَمْ مِنْ أُولَئِكَ الْمَشْيَخَة فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيث أَحَادِيثه عَنْ أُولَئِكَ الْمَشْيَخَة وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد فَهُوَ ضَعِيف
وَأَمَّا رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش لَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حُمَيْد فَإِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش ضَعِيف فِي الْحِجَازِيِّينَ وَمُحَمَّد بْن حُمَيْد مُتَّفَق عَلَى ضَعْفه ونكارة حديثه وكأن بن سَاج سَرَقَ هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْ مُحَمَّد بْن حُمَيْد وَالْغَلَط فِي زِيَادَة مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر مِنْهُ
وَاَللَّه أَعْلَم
وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فَمِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عِمْرَان الأصبهاني عنه قال بن حِبَّان كَانَ يُغْرِب وَخَالَفَهُ يُونُس بْن حَبِيب فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ وَرْقَاء بْن عُمَر عَنْ سَعْد بْن سَعِيد عَنْ عُمَر بْن ثَابِت مُوَافَقَة لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَة
فَإِنْ قِيلَ فَالْحَدِيث بَعْد هَذَا كُلّه مَدَاره عَلَى عُمَر بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيِّ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوب غَيْره فَهُوَ شَاذٌّ فَلَا يُحْتَجّ بِهِ
قِيلَ لَيْسَ هَذَا مِنْ الشَّاذّ الَّذِي لَا يُحْتَجّ بِهِ وَكَثِير مِنْ أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ بِهَذِهِ الْمَثَابَة كَحَدِيثِ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ تَفَرَّدَ عَلْقَمَة بْن وَقَّاص بِهِ وَتَفَرَّدَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ بِهِ عَنْهُ وَتَفَرَّدَ
стр. 2187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يَحْيَى بْن سَعِيد بِهِ عَنْ التَّيْمِيّ
وَقَالَ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَة مَا لَا يَرْوِي غَيْره إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَة حَدِيثًا يُخَالِف مَا رَوَى النَّاس
وَأَيْضًا فَلَيْسَ هَذَا الْأَصْل مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بْن ثَابِت لِرِوَايَةِ ثَوْبَان وَغَيْره لَهُ عَنْ النَّبِيّ وقد ترجم بن حِبَّان عَلَى ذَلِكَ فِي صَحِيحه فَقَالَ بَعْد إِخْرَاجه حَدِيث عُمَر بْن ثَابِت ذِكْر الْخَبَر الْمُدْحِض قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْخَبَر تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بْن ثَابِت عَنْ أَبِي أَيُّوب وَذِكْرُ حَدِيث ثَوْبَان مِنْ رِوَايَة هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ يحيى بن الحرث الذُّمَارِيّ عَنْ أَبِي أَسْمَاء الرَّحَبِيّ عَنْ ثَوْبَان ورواه بن مَاجَةَ
وَلَكِنْ لِهَذَا الْحَدِيث عِلَّة وَهِيَ أَنَّ أَسَد بْن مُوسَى رَوَاهُ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ ثَوْر بْن يَزِيد عَنْ يَحْيَى بن الحرث بِهِ
وَالْوَلِيد مُدَلِّس وَقَدْ عَنْعَنَهُ فَلَعَلَّهُ وَصَلَهُ مَرَّة وَدَلَّسَهُ أُخْرَى
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن حَمْزَة وَمُحَمَّد بْن شُعَيْب بن سابور وكلاهما عن يحيى بن الحرث الذُّمَارِيّ بِهِ
وَرَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَد عَنْ أَبِي الْيَمَامَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ يحيى بن الحرث بِهِ وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيث أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَإِسْمَاعِيل إِذَا رَوَى عَنْ الشَّامِيِّينَ فَحَدِيثه صَحِيح وَهَذَا إِسْنَاد شَامِيٌّ
الِاعْتِرَاض الثَّالِث أَنَّ هَذَا الْحَدِيث غَيْر مَعْمُول بِهِ عِنْد أَهْل الْعِلْم
قَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم وَالْفِقْه يَصُومهَا وَلَمْ يَبْلُغنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف وَإِنَّ أَهْل الْعِلْم يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَته وَأَنْ يُلْحِق بِرَمَضَان مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْل الْجَهَالَة وَالْجَفَاء لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَة عَنْ أَهْل الْعِلْم وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ تَمَّ كَلَامُهُ قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ وَاَلَّذِي خَشِيَ مِنْهُ مَالِك قَدْ وَقَعَ بِالْعَجَمِ فَصَارُوا يَتْرُكُونَ الْمُسَحِّرِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ وَالنَّوَاقِيس وَشَعَائِر رَمَضَان إِلَى آخِر السِّتَّة الْأَيَّام فَحِينَئِذٍ يُظْهِرُونَ شَعَائِر الْعِيد
وَيُؤَيِّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي قِصَّة الرَّجُل الَّذِي دَخَلَ الْمَسْجِد وَصَلَّى الْفَرْض ثُمَّ قَامَ يَتَنَفَّل فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَر وَقَالَ لَهُ اِجْلِسْ حَتَّى تَفْصِل بَيْن فَرْضك وَنَفْلِك فَبِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلنَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله أصاب الله بك ياابن الْخَطَّاب
قَالُوا فَمَقْصُود عُمَر أَنَّ اِتِّصَال الْفَرْض بِالنَّفْلِ إِذَا حَصَلَ مَعَهُ التَّمَادِي وَطَالَ الزَّمَن ظَنَّ الْجُهَّال أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرْض كَمَا قَدْ شَاعَ عِنْد كَثِير مِنْ الْعَامَّة أَنَّ صُبْح يَوْم الْجُمْعَة خَمْس سَجَدَات وَلَا بُدّ فإذا تركوا قراءة ﴿الم تنزيل﴾ قرؤوا غَيْرهَا مِنْ سُوَر السَّجَدَات بَلْ نَهَى عَنْ الصَّوْم بَعْد اِنْتِصَاف شَعْبَان حِمَايَةً لِرَمَضَان أَنْ يُخْلَط بِهِ صَوْم غَيْره فَكَيْف بِمَا يُضَاف إِلَيْهِ بَعْده فَيُقَال الْكَلَام هُنَا فِي مَقَامَيْنِ أَحَدهمَا فِي صَوْم سِتَّةٍ مِنْ شَوَّال مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة
وَالثَّانِي فِي وَصْلهَا بِهِ
أَمَّا الْأَوَّل فَقَوْلكُمْ إِنَّ الْحَدِيث غَيْر مَعْمُول بِهِ فَبَاطِلٌ وَكَوْن أَهْل الْمَدِينَة فِي زَمَن مَالِك لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ لَا يُوجِب تَرْك الْأُمَّة كُلّهمْ لَهُ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وبن المبارك وغيرهم
قال بن عَبْد الْبَرّ لَمْ يَبْلُغ مَالِكًا حَدِيث أَبِي أَيُّوب عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ وَالْإِحَاطَة بِعِلْمِ الْخَاصَّة لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَاَلَّذِي كَرِهَهُ مَالِك قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ خَشْيَة أَنْ يُضَاف إِلَى فَرْض رَمَضَان وَأَنْ يَسْبِق ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّة وَكَانَ مُتَحَفِّظًا كَثِير الِاحْتِيَاط لِلدِّينِ وَأَمَّا صَوْم السِّتَّة الْأَيَّام عَلَى طَلَب الْفَضْل وَعَلَى التَّأْوِيل الَّذِي جَاءَ بِهِ ثَوْبَان فَإِنَّ مَالِكًا لَا يَكْرَه ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه لِأَنَّ الصَّوْم جُنَّة وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه لِلَّهِ وَهُوَ عَمَل بِرّ وَخَيْر وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَمَالِك لَا يَجْهَل شَيْئًا مِنْ هَذَا
стр. 2188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَلَمْ يَكْرَه مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا خَافَهُ عَلَى أَهْل الْجَهَالَة وَالْجَفَاء إِذَا اِسْتَمَرَّ ذَلِكَ وَخَشِيَ أَنْ يُعَدَّ مِنْ فَرَائِض الصِّيَام مُضَافًا إِلَى رَمَضَان وَمَا أَظُنّ مَالِكًا جَهِلَ الْحَدِيث لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ اِنْفَرَدَ بِهِ عُمَر بْن ثَابِت وَأَظُنّ عُمَر بْن ثَابِت لَمْ يَكُنْ عِنْده مِمَّنْ يَعْتَمِد عَلَيْهِ وَقَدْ تَرَك مَالِك الِاحْتِجَاج بِبَعْضِ مَا رَوَاهُ عُمَر بْن ثَابِت
وقيل إنه روى عنه ولولا عِلْمه بِهِ مَا أَنْكَرَ بَعْض شُيُوخه إِذْ لَمْ يَثِق بِحِفْظِهِ لِبَعْضِ مَا يَرْوِيه وَقَدْ يُمْكِن أَنْ يَكُون جَهِلَ الْحَدِيث وَلَوْ عَلِمَهُ لَقَالَ بِهِ هَذَا كَلَامه
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء
وَرُوِيَ عَنْ مَالِك وَغَيْره كَرَاهِيَة ذَلِكَ وَلَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا كَرِهَ صَوْمهَا عَلَى مَا قَالَ فِي الْمُوَطَّأ أَنْ يَعْتَقِد مَنْ يَصُومهُ أَنَّهُ فَرْض وأما على الوجه الذي أراده النبي فَجَائِز
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي فَلَا رَيْب أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي وَصْلِهَا بِرَمَضَان مِثْل هَذَا الْمَحْذُور كُرِهَ أَشَدّ الْكَرَاهَة وَحُمِيَ الْفَرْض أَنْ يُخْلَط بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيَصُومهَا فِي وَسَط الشَّهْر أَوْ آخِره وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَحْذُور فَدَفْعه وَالتَّحَرُّز مِنْهُ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام
فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَة فِي الصَّوْم إِنَّمَا يُخَاف مِنْهَا لَوْ لَمْ يُفْصَل بَيْن ذَلِكَ بِفِطْرِ يَوْم الْعِيد فَأَمَّا وَقَدْ تَخَلَّلَ فِطْر يَوْم الْعِيد فَلَا مَحْذُور
وَهَذَا جَوَابُ أبي حامد الاسفرايني وَغَيْره
قِيلَ فِطْر الْعِيد لَا يُؤَثِّر عِنْد الْجَهَلَة فِي دَفْع هَذِهِ الْمَفْسَدَة
لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا فَقَدْ يَرَوْنَهُ كَفِطْرِ يَوْم الْحَيْض لَا يَقْطَع التَّتَابُع وَاتِّصَال الصَّوْم فَبِكُلِّ حَال يَنْبَغِي تَجَنُّب صَوْمهَا عَقِب رَمَضَان إِذَا لَمْ تُؤْمَن مَعَهُ هَذَا الْمَفْسَدَة
وَاَللَّه أَعْلَم
فَصْلٌ فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ سِتّ وَالْأَيَّام مُذَكَّرَة فَالْأَصْل أَنْ يُقَال سِتَّة كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿سَبْع لَيَالٍ وَثَمَانِيَة أَيَّام﴾ وَهَلْ لِشَوَّال بِخُصُوصِهِ مَزِيَّة عَلَى غَيْره فِي ذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ لِلسِّتِّ خُصُوصِيَّة عَلَى مَا دُونهَا وَأَكْثَر مِنْهَا أَمْ لَا وَكَيْف شَبَّهَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِصِيَامِ الدَّهْر فَيَكُون الْعَمَل الْيَسِير مُشَبَّهًا بِالْعَمَلِ الْكَثِير وَمِنْ جِنْسه وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا وَعَمِلَ الْآخَر بِقَدْرِهِ مَرَّتَيْنِ لَا يَسْتَوِيَانِ فَكَيْف يَكُون بِقَدْرِهِ عَشْر مَرَّات وَهَلْ فَرْقٌ بَيْن قَوْله فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر وَبَيْن أَنْ يُقَال فَكَأَنَّهُ قَدْ صَامَ الدَّهْر وَهَلْ يَدُلّ الْحَدِيث عَلَى اِسْتِحْبَاب صِيَام الدَّهْر لِأَجْلِ هَذَا التَّشْبِيه أَمْ لَا فَالْجَوَاب أَمَّا قَوْله سِتّ وَلَمْ يَقُلْ سِتَّة فَالْعَرَب إِذَا عَدَّتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّام فَإِنَّهَا تُغَلِّب اللَّيَالِي إِذَا لَمْ تُضِفْ الْعَدَد إِلَى الْأَيَّام فَمَتَى أَرَادُوا عَدَّ الْأَيَّام عَدُّوا اللَّيَالِي وَمُرَادهمْ الْأَيَّام
قَالَ تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَوْ قِيلَ وَعَشْرَة لَكَانَ لَحْنًا
стр. 2189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ فَهَذِهِ أَيَّام بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى بَعْدهَا ﴿إِذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَرِيقَة إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ فَدَلَّ الْكَلَام الْأَخِير عَلَى أَنَّ الْمَعْدُود الْأَوَّل أَيَّام وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿سَبْع لَيَالٍ وَثَمَانِيَة أَيَّام﴾ فَلَا تَغْلِيب هُنَاكَ لِذِكْرِ النَّوْعَيْنِ وَإِضَافَة كُلّ عَدَد إِلَى نَوْعه
وَأَمَّا السُّؤَال الثَّانِي وَهُوَ اِخْتِصَاص شَوَّال فَفِيهِ طَرِيقَانِ
أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرِّفْق بِالْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ حَدِيث عَهْد بِالصَّوْمِ فَيَكُون أَسْهَلَ عَلَيْهِ فَفِي ذِكْر شَوَّال تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ صَوْمهَا فِي غَيْره أَفْضَل هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَرَافِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَهُوَ غَرِيب عَجِيب
الطَّرِيق الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُود بِهِ الْمُبَادَرَة بِالْعَمَلِ وَانْتِهَاز الْفُرْصَة خَشْيَة الْفَوَات
قَالَ تَعَالَى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ وَقَالَ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ﴾ وَهَذَا تَعْلِيلُ طَائِفَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ
قَالُوا وَلَا يَلْزَم أَنْ يُعْطِيَ هَذَا الْفَضْل لِمَنْ صَامَهَا فِي غَيْره لِفَوَاتِ مَصْلَحَة الْمُبَادَرَة وَالْمُسَارَعَة الْمَحْبُوبَة لِلَّهِ
قَالُوا وَظَاهِر الْحَدِيث مَعَ هَذَا الْقَوْل
وَمَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ فَقَوْلُهُ أَوْلَى
وَلَا رَيْب أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِلْغَاء خُصُوصِيَّة شَوَّال وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَة
وَقَالَ آخَرُونَ لَمَّا كَانَ صَوْم رَمَضَان لَا بُدّ أَنْ يَقَع فِيهِ نَوْع تَقْصِير وَتَفْرِيط وَهَضْم مِنْ حَقِّهِ وَوَاجِبِهِ نَدَبَ إِلَى صَوْم سِتَّة أَيَّام مِنْ شَوَّال جَابِرَةٍ لَهُ وَمُسَدِّدَة لِخَلَلِ مَا عَسَاهُ أَنْ يَقَع فِيهِ
فَجَرَتْ هَذِهِ الْأَيَّام مَجْرَى سُنَن الصَّلَوَات الَّتِي يُتَنَفَّل بِهَا بَعْدهَا جَابِرَة وَمُكَمِّلَة وَعَلَى هَذَا تَظْهَر فَائِدَة اِخْتِصَاصهَا بِشَوَّال وَاَللَّه أَعْلَم
فَهَذِهِ ثَلَاث مَآخِذ
وَسِوَى هَذَا جَوَاب السُّؤَال الثَّالِث وَهُوَ اِخْتِصَاصهَا بِهَذَا الْعَدَد دُون مَا هُوَ أَقَلّ وَأَكْثَر فَقَدْ أَشَارَ فِي الْحَدِيث إِلَى حِكْمَته فَقَالَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا فَثَلَاثِينَ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتَّة بِسِتِّينَ وَقَدْ صَامَ السَّنَة وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث ثَوْبَان وَلَفْظه مَنْ صَامَ سِتَّة أَيَّام بَعْد الْفِطْر كَانَ تَمَام السَّنَة مَنْ جَاءَ بالحسنة فله عشر أمثالها لفظ بن مَاجَةَ
وَأَخْرَجَهُ صَاحِب الْمُخْتَارَة
وَلَفْظ النَّسَائِيّ فِيهِ صِيَام رَمَضَان بِعَشْرَةِ أَشْهُر وَصِيَام سِتَّة أَيَّام بِشَهْرَيْنِ
فَذَلِكَ صِيَام سَنَة يَعْنِي صِيَام رَمَضَان وَسِتَّة أَيَّام بَعْده فَهَذِهِ هِيَ الْحِكْمَة فِي كونها ستة
стр. 2190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا مَا ذَكَره بَعْضهمْ مِنْ أَنَّ السِّتَّة عَدَدٌ تَامٌّ فَإِنَّهَا إِذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهَا قَامَ مِنْهَا عَدَد السَّنَة
فَإِنَّ أَجْزَاءَهَا النِّصْف وَالثُّلُث وَالسُّدُس وَيُكْمِل بِهَا بِخِلَافِ الْأَرْبَعَة وَالِاثْنَيْ عَشْر وَغَيْرهمَا فَهَذَا لَا يَحْسُن وَلَا يَلِيق أَنْ يُذْكَر فِي أَحْكَام اللَّه وَرَسُوله
وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَان الدِّين عَنْ التَّعْلِيل بِأَمْثَالِهِ
وَأَمَّا السُّؤَال الرَّابِع وَهُوَ تَشْبِيه هَذَا الصِّيَام بِصِيَامِ الدَّهْر مَعَ كَوْنه بِقَدْرِهِ عَشْر مَرَّات فَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى كَثِير مِنْ النَّاس
وَقِيلَ فِي جوابه أن من صام رمضان وَسِتَّة مِنْ شَوَّال مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة فَهُوَ كمن صام السنة من الأمم المتقدمة
قالوا لِأَنَّ تَضْعِيف الْحَسَنَات إِلَى عَشْر أَمْثَالهَا مِنْ خَصَائِص هَذِهِ الْأُمَّة
وَأَحْسَن مِنْ هَذَا أَنْ يُقَال الْعَمَل لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَزَاء اِعْتِبَارَانِ اِعْتِبَار الْمُقَابَلَة وَالْمُسَاوَاة وَهُوَ الْوَاحِد بِمِثْلِهِ وَاعْتِبَار الزِّيَادَة وَالْفَضْل وَهُوَ الْمُضَاعَفَة إِلَى الْعَشْر فَالتَّشْبِيه وَقَعَ بَيْن الْعَمَل الْمُضَاعَف ثَوَابه وَبَيْن الْعَمَل الَّذِي يُسْتَحَقّ بِهِ مِثْله وَنَظِير هَذَا قَوْله مَنْ صَلَّى عِشَاء الْآخِرَة فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْف لَيْلَة وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاء وَالْفَجْر فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَة
أَمَّا السُّؤَال الْخَامِس وَهُوَ الْفَرْق بَيْن أَنْ يَقُول فَكَأَنَّمَا قَدْ صَامَ الدَّهْر وَبَيْن قَوْله فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر هُوَ أَنَّ الْمَقْصُود تَشْبِيه الصِّيَام بِالصِّيَامِ
وَلَوْ قَالَ فَكَأَنَّهُ قَدْ صَامَ الدَّهْر لَكَانَ بَعِيدًا عَنْ الْمَقْصُود فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون تَشْبِيهًا لِلصَّائِمِ بِالصَّائِمِ
فَمَحَلّ التَّشْبِيه هُوَ الصَّوْم لَا الصَّائِم وَيَجِيء الْفَاعِل لُزُومًا وَلَوْ شَبَّهَ الصَّائِم لَكَانَ هُوَ مَحَلّ التَّشْبِيه وَيَكُون مَجِيء الصَّوْم لُزُومًا وَإِنَّمَا كَانَ قَصْد تَشْبِيه الصَّوْم أَبْلَغ وَأَحْسَن لِتَضَمُّنِهِ تَنْبِيه السَّامِع عَلَى قَدْر الْفِعْل وَعِظَمِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ فَتَتَوَفَّرُ رَغْبَته فِيهِ
وَأَمَّا السُّؤَال السَّادِس وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى اِسْتِحْبَاب صِيَام الدَّهْر فَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ طَائِفَة مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ
قَالُوا وَلَوْ كَانَ صَوْم الدَّهْر مَكْرُوهًا لَمَا وَقَعَ التَّشْبِيه بِهِ بَلْ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل الصِّيَام وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسِد جِدًّا مِنْ وُجُوه
أَحَدهَا أَنَّ فِي الْحَدِيث نَفْسه أَنَّ وَجْه التَّشْبِيه هُوَ أَنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا فَسِتَّة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا بِسَنَةٍ كَامِلَةٍ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ صَوْم السَّنَة الْكَامِلَة حَرَام بِلَا رَيْب وَالتَّشْبِيه لَا يَتِمّ إِلَّا بِدُخُولِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق فِي السَّنَة وَصَوْمهَا حَرَام فَعُلِمَ أَنَّ التَّشْبِيه الْمَذْكُور لَا يَدُلّ عَلَى جَوَاز وُقُوع الْمُشَبَّه بِهِ فَضْلًا عَنْ اِسْتِحْبَابه فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ غيره
ونظير هذا قول النبي لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَاد فَقَالَ لَا تَسْتَطِيعهُ
هَلْ تَسْتَطِيع إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِد أَنْ تَقُوم فَلَا تَفْتُر وَتَصُوم فَلَا تُفْطِر قَالَ لَا
قَالَ فَذَلِكَ مِثْل الْمُجَاهِد وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا الْمُشَبَّه بِهِ غَيْر مَقْدُور وَلَا مشروع
стр. 2191
٥٩ - (باب كيف يَصُومُ النَّبِيُّ ﷺ
(يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخْلِيَ شَهْرًا مِنْ صِيَامٍ وَأَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلُّ السَّنَةِ صَالِحَةٌ لَهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ
قِيلَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى
وَقِيلَ كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً بَيْنَهُمَا وَمَا يُخْلِي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي سِنِينَ
وَقِيلَ فِي تَخْصِيصِ شَعْبَانَ بِكَثْرَةِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ تَرْتَفِعُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَإِنْ قِيلَ يُحْمَل قَوْله فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر عَلَى مَا عَدَا الْأَيَّام الْمَنْهِيّ عَنْ صَوْمهَا
قيل تعليله حِكْمَة هَذِهِ الْمُقَابَلَة وَذِكْره الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا وَتَوْزِيع السِّتَّة وَالثَّلَاثِينَ يَوْمًا عَلَى أَيَّام السَّنَة يبطل هذا الحمل
الثاني أن النبي سُئِلَ عَمَّنْ صَامَ الدَّهْر فَقَالَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ وَفِي لَفْظ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد فَإِذَا كَانَ هَذَا حَال صِيَام الدَّهْر فَكَيْف يَكُون أَفْضَل الصِّيَام الثَّالِث أَنَّ النبي ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَل الصِّيَام صِيَام دَاوُدَ وَفِي لَفْظ لَا أَفْضَل مِنْ صَوْم دَاوُدَ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِر يَوْمًا فَهَذَا النَّصّ الصَّحِيح الصَّرِيح الرَّافِع لِكُلِّ إِشْكَال يُبَيِّن أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَل مِنْ سَرْد الصَّوْم
مَعَ أَنَّهُ أَكْثَر عَمَلًا
وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْفِطْر أَفْضَل مِنْهُ لَمْ يُمْكِن أَنْ يُقَال بِإِبَاحَتِهِ وَاسْتِوَاء طَرَفَيْهِ
فَإِنَّ الْعِبَارَة لا تكون مستوية الطرفين ولا يمكن أن يقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص لَهُ بِالْإِبْطَالِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُون مَرْجُوحًا وَهَذَا بَيِّنٌ لِكُلِّ مُنْصِفٍ
وَلِلَّهِ الْحَمْد
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ وَفِي صَوْمه ﷺ شَعْبَان أَكْثَر مِنْ غَيْره ثَلَاث مَعَانٍ
стр. 2192
الْمُحَرَّمِ فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا يَسْتَكْمِلُ غَيْرَ رَمَضَانَ لِئَلَّا يُظَنُّ وُجُوبُهُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(زَادَ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ) أَيْ لِغَايَةِ قِلَّةِ الْمَتْرُوكِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ
٠ - (بَاب فِي صَوْمِ الاثنين والخميس)
(يحيى) هو بن أَبِي كَثِيرٍ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (عَنْ مَوْلَى قُدَامَةَ) مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ لَكِنْ قَالَ الْمِزِّيُّ رَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ (عَنْ مَوْلَى أُسَامَةَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر فَرُبَّمَا شُغِلَ عَنْ الصِّيَام أَشْهُرًا فَجَمَعَ ذَلِكَ فِي شَعْبَان لِيُدْرِكَهُ قَبْل صِيَام الْفَرْض
الثَّانِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِرَمَضَان وَهَذَا الصَّوْم يُشْبِه سُنَّة فَرْض الصَّلَاة قَبْلهَا تَعْظِيمًا لِحَقِّهَا
الثَّالِث أَنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَع فِيهِ الْأَعْمَال فَأَحَبَّ ﷺ أَنْ يُرْفَع عَمَله وَهُوَ صَائِم
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدين بن الْقَيِّم ﵀ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث الْمُسَيَّب بْن رَافِع عَنْ سَوَاد الْخُزَاعِيّ
عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَأَخْرَجَ عَنْ الْمُسَيَّب عَنْ حَفْصَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس
وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي قَتَادَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ صِيَام
стр. 2193
مَجْهُولٌ وَقَالَ الْمِزِّيُّ وَرُوِيَ عَنْ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذَا (إِلَى وَادِي الْقُرَى) وَادٍ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ (فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ لِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ تَعَالَى أَعْمَالُ الْعِبَادِ كُلَّ يَوْمٍ ثُمَّ يُعْرَضُ أَعْمَالُ الْجُمُعَةِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ثُمَّ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ كُلَّ يَوْمٍ تَفْصِيلًا وَفِي الْجُمُعَةِ إِجْمَالًا أَوْ بِالْعَكْسِ (كَذَا قَالَ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) أَيْ كَمَا رَوَى أَبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ هَكَذَا رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ فَرَوَى عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي مَوْلَى قُدَامَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ بْنَ أَبِي الْحَكَمِ وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَوْلَى لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ وَلَا مَوْلَى قُدَامَةَ
قَالَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ
كَذَا فِي الشَّرْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ رَجُلَانِ مَجْهُولَانِ
١ - (بَاب فِي صَوْمِ الْعَشْرِ)
أَيْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الِاثْنَيْنِ فَقَالَ ذَاكَ يَوْم وُلِدْت فِيهِ وَيَوْم بُعِثْت أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ وَفِيهِ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة وَسُئِلَ عَنْ صَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس قَالَ مُسْلِم فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْر الْخَمِيس لِمَا نراه وهما
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي مُسْنَد أَحْمَد وَسُنَن النَّسَائِيّ عَنْ حَفْصَة قَالَتْ أَرْبَع لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ رَسُول اللَّه ﷺ صِيَام
стр. 2194
(وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ فِيهِ الْقَصْرُ
قَالَهُ فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وذهب بن عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ
وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ هُوَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ
وَصَامَ أَبُو إِسْحَاقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ إِنَّمَا أَصُومُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَفُوتَنِي
وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَهَذَا ظَاهِرٌ
وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ فِيهِ عَشَرَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ (أَوَّلَ اثْنَيْنِ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (وَالْخَمِيسَ) بِالْإِفْرَادِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَخَمِيسَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذَرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَاخْتُلِفَ عَلَى هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ فِي إِسْنَادِهِ فَرُوِيَ عَنْهُ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ وَرَوَى عَنْهُ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخْتَصَرًا
(إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) أَيْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والترمذي وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَاشُورَاء وَالْعَشْر وَثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْل الْغَدَاة وَفِي مُسْنَد أَحْمَد أَيْضًا عن بْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا مِنْ أَيَّام أَعْظَم عِنْد اللَّه وَلَا أَحَبّ إِلَيْهِ الْعَمَل فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّام الْعَشْر فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيل وَالتَّكْبِير وَالتَّحْمِيد
стр. 2195
٦٢ - (بَاب فِي فِطْرِ الْعَشْرِ)
أَيْ فِطْرِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يوهم كراهة صوم العشر والمراد بالعشر ها هنا الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ
قَالُوا وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ اسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِعَ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ يَعْنِي الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ صِيَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ
قَالَهُ النَّوَوِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
٣ - (باب في صوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)
(نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا نَهْيُ اسْتِحْبَابٍ لَا نَهْيُ إِيجَابٍ فَإِنَّمَا نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ أَنْ يَضْعُفَ عَنِ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ قُوَّةً لَا يَخَافُ مَعَهَا ضَعْفًا فَصَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَفْضَلُ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ ﷺ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ سَنَةً قَبْلَهَا وَسَنَةً بَعْدَهَا
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صِيَامِ الْحَاجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ فروي عن عثمان بن أبي العاص وبن الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَصُومَ صَامَ وَإِنْ أَفْطَرَ فَذَلِكَ
стр. 2196
يَوْمٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قُوَّةٍ
وَكَانَ إِسْحَاقُ يَسْتَحِبُّ صَوْمَهُ لِلْحَاجِّ
وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ أَصُومُ فِي الشِّتَاءِ وَلَا أَصُومُ فِي الصَّيْفِ
وَكَانَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَخْتَارَانِ الْإِفْطَارَ لِلْحَاجِّ وَكَذَلِكَ الشافعي
وروى عن بن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصُمْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ وَلَا أَصُومُهُ أَنَا
انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مَرْفُوعًا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلَةً الْحَدِيثُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ مُطْلَقًا وَظَاهِرُ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عند أهل السنن غير بن مَاجَهْ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ الْحَدِيثُ أَنَّهُ يُكْرَهُ صَوْمُهُ مُطْلَقًا لِجَعْلِهِ قَرِيبًا فِي الذِّكْرِ لِيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهَا عِيدٌ وَأَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ
وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ بِعَرَفَاتٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَكْرُوهٌ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَاتٍ حَاجًّا
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى الضَّعْفِ عَنِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ هُنَالِكَ وَالْقِيَامِ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ
وَقِيلَ الْحِكْمَةُ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ
وَقِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ وَيَرُدُّ هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُصَرِّحِ بِالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ مُطْلَقًا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مَهْدِيُّ الْهِجْرِيُّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَا أَعْرِفُهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا نَهْيُ اسْتِحْبَابٍ لَا نَهْيُ إِيجَابٍ
(عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) أَيْ زَوْجَةِ الْعَبَّاسِ (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا) أَيِ اخْتَلَفُوا (فَشَرِبَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْمَحَافِلِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ صِيَام يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَةَ آثَارٌ
مِنْهَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ كَانَ عُمَر يَنْهَى عَنْ صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي السَّوَّار قَالَ سألت بن عُمَر عَنْ صَوْم يَوْم عَرَفَة فَنَهَانِي وَالْمُرَاد بِذَلِكَ بِعَرَفَة
بِدَلِيلِ مَا رَوَى نَافِع قَالَ سئل بن عُمَر عَنْ صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة فَقَالَ لَمْ يَصُمْهُ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَا أَبُو بَكْر وَلَا عُمَر وَلَا عُثْمَان وَعَنْ عَطَاء قَالَ دَعَا عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس الْفَضْل بْن عَبَّاس يَوْم عَرَفَة إِلَى الطَّعَام فَقَالَ إِنِّي
стр. 2197
٦٤ - (بَاب فِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ)
(كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَيَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَيَّامِ الْوِرْدِ رَبْعًا وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى هذه النسبة فيكون التاسع عشرا
وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَخَلَائِقُ وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ
وَأَمَّا تَقْدِيرُ أَخْذِهِ مِنَ الإظماء فبعيد ثم إن حديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ التَّالِي يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ فَذَكَرُوا أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَصُومُهُ فَقَالَ إِنَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ يَصُومُ التَّاسِعَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُ لَيْسَ هُوَ التَّاسِعُ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْعَاشِرَ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَآخَرُونَ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ جَمِيعًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَامَ الْعَاشِرَ وَنَوَى صِيَامَ التَّاسِعِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي صَوْمِ التَّاسِعِ مَعَ الْعَاشِرِ أَنْ لَا يَتَشَبَّهَ بِالْيَهُودِ فِي إِفْرَادِ الْعَاشِرِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَأَمَرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
صَائِم
فَقَالَ عَبْد اللَّه لَا تَصُمْ فَإِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قُرِّبَ إِلَيْهِ حِلَاب فِيهِ لَبَن يَوْم عَرَفَة فَشَرِبَ منه فلا تصم
فإن الناس يستنوون بِكَمْ رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث كُرَيْب عَنْ مَيْمُونَة بنت الحرث أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ النَّاس شَكُّوا فِي صِيَام رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم عَرَفَة فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ يَعْنِي مَيْمُونَة بِحِلَابِ لَبَن وَهُوَ وَاقِف فِي الْمَوْقِف فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاس يَنْظُرُونَ فَقِيلَ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون مَيْمُونَة أَرْسَلَتْ وَأُمّ الْفَضْل أَرْسَلَتْ كُلّ مِنْهُمَا بِقَدَحٍ وَيُحْتَمَل أن يكونا مجتمعين فإنها أختها فاتفقنا عَلَى الْإِرْسَال بِقَدَحٍ وَاحِدٍ فَيُنْسَب إِلَى هَذِهِ وَإِلَى هَذِهِ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُرْفَةِ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ صِيَامه يُكَفِّر سَنَتَيْنِ فَالصَّوَاب أَنَّ الْأَفْضَل لِأَهْلِ الْآفَاق صَوْمه وَلِأَهْلِ عَرَفَة فِطْره
لِاخْتِيَارِهِ ﷺ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَعَمَل خُلَفَائِهِ بَعْده بِالْفِطْرِ وَفِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الدُّعَاء الَّذِي هُوَ أَفْضَل دُعَاء الْعَبْد وَفِيهِ أَنَّ يَوْم عَرَفَة عِيد لِأَهْلِ عَرَفَة فَلَا يُسْتَحَبّ لَهُمْ صِيَامه
وَبَعْض النَّاس يَخْتَار الصَّوْمَ وَبَعْضهمْ يَخْتَار الْفِطْر وَبَعْضهمْ يُفَرِّق بَيْن مَنْ يُضْعِفهُ وَمَنْ لَا يُضْعِفهُ
وَهُوَ اِخْتِيَار قتادة والصيام اختيار بن الزُّبَيْر وَعَائِشَة وَقَالَ عَطَاء أَصُومهُ فِي الشِّتَاء وَلَا أَصُومهُ فِي الصَّيْف وَكَانَ بَعْض السَّلَف لَا يَأْمُر بِهِ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ وَيَقُول مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ
стр. 2198
بِصِيَامِهِ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ الْيَوْمَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ شُرِعَ صَوْمُهُ قَبْلَ صَوْمِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ وَاجِبًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ سُنَّةً مِنْ حِينِ شُرِعَ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَطُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَأَكِّدَ الِاسْتِحْبَابِ فَلَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ صَارَ مُسْتَحَبًّا دُونَ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابِ
وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا فَأَبُو حَنِيفَةَ يُقَدِّرُهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالشَّافِعِيَّةُ يُقَدِّرُونَهُ لَيْسَ مُتَأَكِّدًا أَكْمَلَ التَّأْكِيدِ وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ الْآنَ مِنْ حِينِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ كَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ فَرْضًا وَهُوَ بَاقٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ لَمْ يُنْسَخْ قَالَ وَانْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا هو مستحب
وروى عن بن عُمَرَ كَرَاهَةُ قَصْدِ صَوْمِهِ وَتَعْيِينِهِ بِالصَّوْمِ
وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَعْيِينِهِ لِلْأَحَادِيثِ
وَأَمَّا قَوْلُ بن مَسْعُودٍ كُنَّا نَصُومُهُ ثُمَّ تُرِكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ كَمَا كَانَ مِنَ الْوُجُوبِ وَتَأَكُّدِ النَّدْبِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ الْيَهُودُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَسَأَلَهُمْ (أَظْهَرَ اللَّهُ) أَيْ نَصَرَهُ (فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْيَوْمِ (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى) ﷺ أَيْ نَحْنُ أَثْبَتُ وَأَقْرَبُ لِمُتَابَعَةِ مُوسَى ﷺ مِنْكُمْ فَإِنَّا مُوَافِقُونَ لَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ
стр. 2199
وَمُصَدِّقُونَ لِكِتَابِهِ وَأَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ (وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) ضَبَطُوا أَمَرَ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَظْهَرَهُمَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَالثَّانِي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي عِيَاضٌ غَيْرَهُ
كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٥ - (بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشُوَرَاءَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ)
تَقَدَّمَ آنِفًا وَجْهُهُ وَتَأْوِيلُهُ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ
(فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ) أَيْ فَقَطْ أَوْ مَعَ الْعَاشِرِ فَيَكُونُ مُخَالَفَةً فِي الْجُمْلَةِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَمَعَ هَذَا مَا كَانَ تَارِكًا لِتَعْظِيمِ الْيَوْمِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ نُصْرَةُ الدِّينِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ شُكْرًا وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الْمُشَارَفَةِ عَلَى مِثْلِ زَمَانِ وُقُوعِ النِّعْمَةِ فِيهِ بَلْ صَوْمُ الْعَاشِرِ أَيْضًا فِيهِ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ إِذِ الْفَتْحُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَالصَّوْمُ مَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ أَوَّلِهِ وَلَوْ أَرَادَ ﷺ مُخَالَفَتَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ لَتَرَكَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الطِّيبِيُّ لَمْ يَعِشْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقَابِلِ بَلْ تُوُفِّيَ فِي الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد صَوْم التَّاسِع مَعَ الْعَاشِر لَا نَقْلُ الْيَوْم لِمَا رَوَى أَحْمَد في مسنده من حديث بن عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَالِفُوا الْيَهُود صُومُوا يَوْمًا قَبْله أو يوما بعده وقال عطاء عن بن عَبَّاس صُومُوا التَّاسِع وَالْعَاشِر وَخَالِفُوا الْيَهُود ذَكَره البيهقي
وهو يبين أن قول بن عَبَّاس إِذَا رَأَيْت هِلَال الْمُحَرَّم فَاعْدُدْ فَإِذَا كَانَ يَوْم التَّاسِع فَاصْبَحْ صَائِمًا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ عَاشُورَاء هُوَ التَّاسِع بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَصُوم الْيَوْم التَّاسِع قَبْل عَاشُورَاء
فَإِنْ قِيلَ فَفِي آخِر الْحَدِيث قِيلَ كَذَلِكَ كَانَ يَصُومهُ مُحَمَّد ﷺ قَالَ نَعَمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ نَقْل الصَّوْم لَا صَوْم يَوْم قَبْله
стр. 2200
الْأَوَّلِ فَصَارَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ صَوْمُهُ سُنَّةً وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَى صومه
قال التوربشتي قيل أريد بِذَلِكَ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ لِيَكُونَ هَدْيُهُ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ الْجَوَابِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَوْمٌ يعظمه اليهود
وروى عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ المستحب صوم التاسع فقط
وقال بن هَمَّامٍ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا فَإِنْ أَفْرَدَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ يَوْمًا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
(مُعَاوِيَةَ بْنِ غَلَابٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ (قَالَ كَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَصُومُ) لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ آخِرًا فَكَأَنَّهُ صَامَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قيل قد صرح بن عَبَّاس بِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَئِنْ بَقِيت إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِع فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَصُومهُ هُوَ العاشر وبن عَبَّاس رَاوِي الْحَدِيثَيْنِ مَعًا فَقَوْله هَكَذَا كَانَ يَصُومهُ مُحَمَّد أَرَادَ بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم قَوْله لَئِنْ بَقِيت إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِع عَزَمَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَصُومهُ إِنْ بَقِيَ
قَالَ بن عَبَّاس هَكَذَا كَانَ يَصُومهُ وَصَدَقَ ﵁ هَكَذَا كَانَ يَصُومهُ لَوْ بَقِيَ فَتَوَافَقَتْ الروايات عن بن عَبَّاس وَعُلِمَ أَنَّ الْمُخَالَفَة الْمُشَار إِلَيْهَا بِتَرْكِ إِفْرَاده بَلْ يُصَام يَوْم قَبْله أَوْ يَوْم بَعْده وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَة الْإِمَام أَحْمَد قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لَئِنْ بَقِيت إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِع يَعْنِي لِصَوْمِ عَاشُورَاء وَخَالِفُوا الْيَهُود فَصُومُوا قَبْله يَوْمًا وَبَعْده يَوْمًا فَذِكْر هَذَا عَقِب قَوْله لَأَصُومَنَّ التَّاسِع يُبَيِّنُ مُرَاده
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 2201
٦٦ - (بَاب فِي فَضْلِ صَوْمِهِ)
(أَنَّ أَسْلَمَ) قَبِيلَةٌ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (أَصُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا) أَيْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ (فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمْرُهُ ﷺ لِلِاسْتِحْبَابِ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِأَوْقَاتِ الطَّاعَةِ ذِمَّةً تُرْعَى وَلَا تُهْمَلُ فَأَحَبَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْشِدَهُمْ إِلَى مَا فِيهِ الْفَضْلُ وَالْحَظُّ لِئَلَّا يُغْفِلُوهُ عِنْدَ مُصَادَفَتِهِمْ وَقْتَهُ وَقَدْ صَارَ هَذَا أَصْلًا فِي مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي بَعْضِ نَهَارِ الصَّوْمِ أَمْسَكَ عَنِ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ لَا يَجِدُ مَاءً ولا ترابا وكان محبوسا في خش أَوْ مَصْلُوبًا عَلَى خَشَبَةٍ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسْبِ مَا يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ
قُلْتُ وَقَدْ يَحْتَجُّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ نِيَّةِ صِيَامِ الْفَرْضِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ وَاقْضُوهُ يُفْسِدُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ عَبْد الْحَقّ وَلَا يَصِحّ هَذَا الْحَدِيث فِي الْقَضَاء قَالَ وَلَفْظَة اِقْضُوهُ تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرهَا النَّسَائِيّ
قَالَ وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي يَوْم عَاشُورَاء هَلْ كَانَ صَوْمه وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا فَقَالَتْ طَائِفَة كَانَ وَاجِبًا
وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَإِنَّمَا كَانَ تَطَوُّعًا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى
وَقَالَ هُوَ قِيَاس الْمَذْهَب وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِثَلَاثِ حُجَج
إِحْدَاهَا مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ يَعْنِي فِي قَدْمَة قَدِمَهَا خَطَبَهُمْ يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يَا أَهْل الْمَدِينَة سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول لِهَذَا الْيَوْم هَذَا يَوْم عَاشُورَاء وَلَمْ يَكْتُب اللَّه عَلَيْكُمْ صِيَامه وَأَنَا صَائِم فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُوم فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُفْطِر فليفطر
стр. 2202
٦٦
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْحُجَّة الثَّانِيَة مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ بَعَثَ رَسُول اللَّه ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْم عَاشُورَاء فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّن فِي النَّاس مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ قَالُوا فَهَذَا أَمْرٌ بِإِنْشَاءِ الصِّيَام أَثْنَاء النَّهَار
وَهَذَا لَا يَجُوز إِلَّا فِي التَّطَوُّع
وَأَمَّا الصِّيَام الْوَاجِب فَلَا يَصِحّ إِلَّا بِنِيَّةٍ قَبْل الْفَجْر
الْحُجَّة الثَّالِثَة أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَأْمُر الْمُفْطِرِينَ فِيهِ إِذْ ذَاكَ بِالْقَضَاءِ
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِحُجَجٍ
إِحْدَاهَا مَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَتْ قُرَيْش تَصُوم عَاشُورَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُومهُ
فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ
فَلَمَّا فُرِضَ شَهْر رَمَضَان قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تركه وفي صحيح البخاري عن بن عُمَر قَالَ صَامَ النَّبِيّ ﷺ عَاشُورَاء وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَان تَرَكَهُ
قَالُوا وَمَعْلُوم أَنَّ الَّذِي تَرَك هُوَ وُجُوب صَوْمه لَا اِسْتِحْبَابه فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَرْغَب فِيهِ وَيُخْبِر أن صيامه كفارة سنة
وقد أخبر بن عباس أن النبي ﷺ كَانَ يَصُومهُ إِلَى حِين وَفَاته وَأَنَّهُ عَزَمَ قَبْل وَفَاته بِعَامٍ عَلَى صِيَام التَّاسِع فَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوك مَشْرُوعِيَّته لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الْمُخَالَفَة بِضَمِّ التَّاسِع إِلَيْهِ مَعْنَى فَعُلِمَ أَنَّ الْمَتْرُوك هُوَ وُجُوبه
الْحُجَّة الثَّانِيَة أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أن النبي ﷺ أمر مَنْ كَانَ أَكَلَ بِأَنْ يُمْسِك بَقِيَّة يَوْمه وَهَذَا صَرِيح فِي الْوُجُوب فَإِنَّ صَوْم التَّطَوُّع لَا يُتَصَوَّر فِيهِ إِمْسَاك بَعْد الْفِطْر
الْحُجَّة الثَّالِثَة مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ يَوْم عَاشُورَاء تَصُومهُ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة فَذَكَرَتْ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَتْ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَان كَانَ هُوَ الْفَرِيضَة الْحَدِيث
وَهَذَا اللَّفْظ مِنْ سِيَاق الْبَيْهَقِيّ
فَقَوْلهَا كَانَ هُوَ الْفَرِيضَة دَلَّ عَلَى أَنَّ عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبًا وَأَنَّ رَمَضَان صَارَ هُوَ الْفَرْض لَا عَاشُورَاء وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهَا كَانَ هُوَ الْفَرِيضَة مَعْنَى
قَالَ الْمُوجِبُونَ وَأَمَّا حَدِيث مُعَاوِيَة فَمَعْنَاهُ لَيْسَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآن أَوْ لَمْ يَكْتُبهُ بَعْد نُزُول رَمَضَان أَوْ إِنَّمَا نَفَى الْكَتْب وَهُوَ الْفَرْض الْمُؤَكَّد الثَّابِت بِالْقُرْآنِ وَوُجُوب عَاشُورَاء إِنَّمَا كَانَ بِالسُّنَّةِ وَلَا يَلْزَم مِنْ نَفْي كَتْبِهِ وَفَرْضه نَفْي كَوْنه وَاجِبًا
فَإِنَّ الْمَكْتُوب أَخَصُّ مِنْ مُطْلَق الْوَاجِب
وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَصْل مَنْ يُفَرِّق بَيْن الْفَرْض وَالْوَاجِب
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَال فَرْض إِلَّا لِمَا ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ يُسَمِّيه وَاجِبًا
قَالُوا وَأَمَّا تَصْحِيحه بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار
فَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ هَذَا حُجَّة لِمَنْ يَقُول بِجَوَازِ صَوْم الْفَرْض بِنِيَّةٍ من النهار
стр. 2203
٦٦
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَهُوَ عُمْدَتُنَا فِي الْمَسْأَلَة
فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَنْفُوا وُجُوبه بِنَاءَا عَلَى بُطْلَان هَذَا القول فإنه دور ممتنع ومصادر بَاطِلَة
وَهَذَا جَوَاب أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة
قَالَ مُنَازِعُوهُمْ إِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثَبَتَ نَسْخه اِتِّفَاقًا وَأَنْتُمْ إِنَّمَا جَوَّزْتُمْ الصَّوْم الْمَفْرُوض بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط مِنْهُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاته وَلَوَازِمه وَالْحُكْم إِذَا نُسِخَ نُسِخَتْ لَوَازِمُهُ وَمُتَعَلِّقَاته وَمَفْهُومه وَمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فَرْع الثُّبُوت عَلَى الْأَصْل فَإِذَا اِرْتَفَعَ الْأَصْل اِمْتَنَعَ بَقَاء الْفَرْع بَعْده
قَالَ الْحَنَفِيَّة الْحَدِيث دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ
أَحَدهمَا إِجْزَاء الصَّوْم الْوَاجِب بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار
وَالثَّانِي تَعْيِينُ الصَّوْم الْوَاجِب بِأَنَّهُ يَوْم عَاشُورَاء فَنُسِخَ تَعْيِين الْوَاجِب بِرَمَضَان وَبَقِيَ الْحُكْم الْآخَر لَا مُعَارِض لَهُ فَلَا يَصِحّ دَعْوَى نَسْخه إِذْ النَّاسِخ إِنَّمَا هُوَ تَعْيِين الصَّوْم وَإِبْدَاله بِغَيْرِهِ لَا إِجْزَاؤُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار
الْجَوَاب الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ الصَّوْم إِنَّمَا صَحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار لِأَنَّ الْوُجُوب إِنَّمَا ثَبَتَ فِي حَقّ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ النَّهَار
حِين أَمَرَ النَّبِيّ ﷺ الْمُنَادِي أَنْ يُنَادِيَ بِالْأَمْرِ بِصَوْمِهِ فَحِينَئِذٍ تَحَدَّدَ الْوُجُوب فَقَارَنَتْ النِّيَّة وَقْت وُجُوبه وَقِيلَ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَلَمْ تَكُنْ نِيَّة التَّبْيِيت وَاجِبَة
قَالُوا وَهَذَا نَظِير الْكَافِر يُسْلِم فِي أَثْنَاء النَّهَار أَوْ الصَّبِيّ يَبْلُغ فَإِنَّهُ يُمْسِك مِنْ حِين يَثْبُت الْوُجُوب فِي ذِمَّته وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ مَالِك وأبو ثور وبن الْمُنْذِر وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَنَظِيره أَيْضًا إِذَا أَثْبَتِنَا الصَّوْم تَطَوُّعًا بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار ثُمَّ نَذَرَ إِتْمَامه فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ بِنِيَّتِهِ عِنْد مُقَارَنَة الْوُجُوب
قَالُوا وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا مَا إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَة بِرُؤْيَةِ هِلَال رَمَضَان فِي أَثْنَاء النَّهَار حَيْثُ يَلْزَم الْقَضَاء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَيَّتَ الصَّوْم
لِأَنَّ الْوُجُوب هُنَا كَانَ ثَابِتًا وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَى بَعْض النَّاس وَتَسَاوِي الْمُكَلَّفِينَ فِي الْعِلْم بِالْوُجُوبِ لَا يُشْتَرَط بِخِلَافِ اِبْتِدَاء الْأَمْر بِصِيَامِ عَاشُورَاء فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ اِبْتِدَاء وُجُوبه
فَالْفَرْق إِنَّمَا هُوَ بَيْن اِبْتِدَاء الْوُجُوب وَالشُّرُوع فِي الْإِمْسَاك عَقِبه وَبَيْن خَفَاء مَا تَقَدَّمَ وُجُوبه ثُمَّ تَجَدَّدَ سَبَبُ الْعِلْمِ بِوُجُوبِهِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْفَرْق وَإِلَّا فَالصَّوَاب التَّسْوِيَة بَيْن الصُّورَتَيْنِ وَعَدَم وُجُوب الْقَضَاء
وَاَللَّه أَعْلَم
وَذَكَر الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي كِتَاب مُخْتَلَف الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث شَيْءٌ مُخْتَلِف عِنْدنَا
وَاَللَّه أَعْلَم إِلَّا شَيْئًا ذَكَر فِي حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ مِمَّا وَصَفْت مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي يَأْتِي بِهَا المحدث ببعض دون بعض فحديث بن أَبِي ذِئْب عَنْ عَائِشَة كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم عَاشُورَاء وَيَأْمُرُنَا بِصِيَامِهِ لَوْ اِنْفَرَدَ كَانَ ظَاهِره أَنَّ عَاشُورَاء كَانَ فَرْضًا فَذَكَر هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة أن النبي ﷺ صَامَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة
وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَان كَانَ الْفَرِيضَة وَتَرَك عَاشُورَاء قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْتَمِل قَوْل عَائِشَة تُرِك عَاشُورَاء مَعْنًى يَصِحّ إِلَّا تَرْك إِيجَاب صَوْمه إِذَا عِلْمنَا أن كتاب
стр. 2204
٦٧ - (بَاب فِي صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ)
يَوْمٍ (كَانَ) دَاوُدُ ﵇ (يَنَامُ نِصْفَهُ) أَيْ نِصْفَ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِهِ (وَيَقُومُ) بَعْدَ ذَلِكَ (ثُلُثَهُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهِ وَهُوَ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ (وَيَنَامُ سُدُسَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ أَيْ سُدُسَهُ الْأَخِيرَ ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ الصُّبْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
اللَّه بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ شَهْر رَمَضَان الْمَفْرُوض صَوْمه وَأَبَانَ لَهُمْ ذَلِكَ رَسُول اللَّه ﷺ أَوْ تَرْك اِسْتِحْبَاب صَوْمه وهو أولى الأمور عندنا
لأن حديث بن عُمَر وَمُعَاوِيَة عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ اللَّه لَمْ يَكْتُب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء عَلَى النَّاس وَلَعَلَّ عَائِشَة إِنْ كَانَتْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ قَالَتْهُ لِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ تَكُون رَأَتْ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا صَامَهُ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ كَانَ صَوْمه فَرْضًا ثُمَّ نَسَخَهُ تَرْكُ أَمْرِهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يَدَع صَوْمَهُ
وَلَا أَحْسِبهَا ذَهَبَتْ إِلَى هَذَا وَلَا ذَهَبَتْ إِلَّا إِلَى الْمَذْهَب الْأَوَّل لِأَنَّ الْأَوَّل هُوَ الْمُوَافِق لِلْقُرْآنِ أَنَّ اللَّه فَرَضَ الصَّوْم فَأَبَانَ أنه شهر رمضان ودل حديث بن عُمَر وَمُعَاوِيَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ عَلَى مِثْل مَعْنَى الْقُرْآن بِأَنْ لَا فَرْض فِي الصَّوْم إِلَّا رَمَضَان وَكَذَلِكَ قَوْل بن عَبَّاس مَا عَلِمْت رَسُول اللَّه ﷺ صَامَ يَوْمًا يَتَحَرَّى فَضْله عَلَى الْأَيَّام إِلَّا هَذَا الْيَوْم يَعْنِي يَوْم عَاشُورَاء كَأَنَّهُ يَذْهَب بِتَحَرِّي فَضْله إِلَى التَّطَوُّع بِصَوْمِهِ
آخِر كَلَامه
قَالُوا وَأَمَّا حُجَّتكُمْ الثَّالِثَة بِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُمْ بِالْقَضَاءِ فَجَوَابهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَا قَدْ ذَكَرْنَا حَدِيث أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيث فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوب وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْقَضَاءِ لِعَدَمِ تَقَدُّم الْوُجُوبِ إِذْ الْوُجُوب إِنَّمَا ثَبَتَ عِنْد أَمْرِهِ فَاكْتَفَى مِنْهُمْ بِإِمْسَاكِ مَا بَقِيَ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغ وَالْكَافِرُ يُسْلِم وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2205
٦٨ - (بَاب فِي صَوْمِ الثَّلَاثِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)
(يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ) أَيْ أَيَّامَ اللَّيَالِي الْبِيضِ (قَالَ) أَيْ مِلْحَانُ الْقَيْسِيُّ (وَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (هُنَّ) أَيْ صِيَامُهُنَّ (كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ) أَيْ كَأَنَّهَا صِيَامُ الدَّهْرِ كله
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
واختلف في بن مِلْحَانَ هَذَا فَقِيلَ هُوَ قَتَادَةُ بْنُ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَالْحَدِيثُ مِنْ مُسْنَدِهِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَهُوَ الصَّوَابُ
وَقِيلَ إِنَّهُ مِنْهَالُ بْنُ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ وَالِدُ عَبْدِ الْمَلِكِ
قال بن مَعِينٍ وَهُوَ خَطَأٌ
قَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَحَدِيثُ هَمَّامٍ أَيْضًا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ مَا قَالَ شُعْبَةُ وَلَيْسَ هَمَّامٌ مِمَّنْ يُعَارِضُنِي بِهِ شُعْبَةُ وَذَكَرَ خِلَافَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ
فَقَالَ يُقَالُ إِنَّ شُعْبَةَ أَخْطَأَ فِي اسْمِهِ إِذْ قَالَ فِيهِ مِنْهَالُ بْنُ مِلْحَانَ
قَالَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُ هَمَّامٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ وَمِنْهَالُ بْنُ مِلْحَانَ لَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ وَالصَّوَابُ قَتَادَةُ بْنُ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَتَادَةُ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ الْمِنْهَالُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مِنْهَالٍ رَجُلٌ مِنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى الْإِمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ يَا أَبَا ذَرّ إِذَا صُمْت مِنْ الشَّهْر فَصُمْ ثَلَاثَة عَشْرَة وَأَرْبَع عَشْرَة وَخَمْس عَشْرَة وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أَبِي قَتَادَة يَرْفَعُهُ ثَلَاث مِنْ كُلّ شَهْر وَرَمَضَان إِلَى رَمَضَان فَهَذَا صِيَام الدَّهْر كُلّه وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ جَرِير بْن عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر صِيَام الدَّهْر أَيَّام الْبِيض صَبِيحَة ثَلَاث عَشْرَة وَأَرْبَع عَشْرَة وَخَمْس عَشْرَة وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيّ ﷺ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا فَوَضَعَهَا بَيْن يَدَيْهِ فَأَمْسَكَ فَلَمْ يَأْكُل وَأَمَرَ الْقَوْم أَنْ يَأْكُلُوا وَأَمْسَكَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا مَنَعَك أَنْ تَأْكُل قَالَ إِنِّي أَصُوم ثَلَاثَةَ أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر
قَالَ إِنْ كُنْت صَائِمًا فصم الغد
стр. 2206
بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَذَكَرَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ
وَقَالَ فِي حَرْفِ الْقَافِ قَتَادَةُ بْنُ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا
وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مِنْهَالٍ الْقَيْسِيُّ عَنْ أَبِيهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ أَبَا دَاوُدَ أَسْقَطَ اسْمَهُ لِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ
(عَبْدُ اللَّهِ) وَهُوَ بن مَسْعُودٍ ﵁ (مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ الْأَيَّامَ الْبِيضَ اللَّيَالِي بِالْقَمَرِ وَهِيَ ثَالِثَ عَشَرَ وَرَابِعَ عَشَرَ وَخَامِسَ عشر
قاله السيوطي
وقال علي القارىء مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ أَيْ أَوَّلِهِ
قِيلَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وهوأنه لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ لِأَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَالِبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَ بِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَائِشَةُ ﵂ اطَّلَعَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ هَذَا الرَّاوِي فَحَدَّثَتْ بِمَا عَلِمَتْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَفِي الْقَامُوسِ الْغُرَّةُ مِنَ الْهِلَالِ طَلْعَتُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كُلَّمَا طَلَعَ هِلَالٌ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِهِ فَيُوَافِقُ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَفِي حديث الترمذي قل ما كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ قَلَّمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩ - (بَابُ مَنْ قال يَصُومُ ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)
(الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ) وفي الباب السابق الصوم الثَّلَاثِ فِي أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ كَانَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا
(عَنْ حَفْصَةَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 2207
(أَوَّلُهَا) بِالرَّفْعِ (الِاثْنَيْنُ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا (والخميس) بالحرك الثَّلَاثِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ
قَالَ الْأَشْرَفُ وَالظَّاهِرُ الِاثْنَانِ
فَقِيلَ أُعْرِبَ بِالْحَرَكَةِ لَا بِالْحَرْفِ وَقِيلَ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ مَعَ إِبْقَاءِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ وَتَقْدِيرُهُ أَوَّلُهَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ
وَقِيلَ إِنَّهُ عَلَمٌ كَالْبَحْرَيْنِ وَالْأَعْلَامُ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ أَصْلِ وَضْعِهَا بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَوَّلُهَا مَنْصُوبٌ لَكِنْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيِ اجْعَلْ أَوَّلَهَا الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ يَعْنِي وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ حَيْثُ قَالَ صَوَابُهُ الِاثْنَيْنُ أَوِ الْخَمِيسُ
وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَجْعَلُ أَوِلَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الِاثْنَيْنَ أَوِ الْخَمِيسَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّهْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ افْتِتَاحُهُ مِنَ الْأُسْبُوعِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي بَعْدَ الْخَمِيسِ فَتَفْتَحُ صَوْمَهَا فِي شَهْرِهَا ذَلِكَ بِالِاثْنَيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقِسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاثْنَيْنِ فَتَفْتَحُ شَهْرَهَا ذَلِكَ بِالْخَمِيسِ وَكَذَلِكَ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِيمَا يَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِ الطَّبَرَانِيِّ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٠ - (بَاب مَنْ قَالَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ)
أَيْ مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ
(قَالَتْ نَعَمْ) أَيْ وَهَذَا أَقَلُّ مَا كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ (مِنْ أَيِّ شَهْرٍ كَانَ يَصُومُ) أَيْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ أَوْسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً قَالَتْ (مَا كَانَ يُبَالِي) أَيْ يَهْتَمُّ لِلتَّعْيِينِ (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ) أَيْ كَانَ يَصُومُهَا بِحَسْبِ مَا يَقْتَضِي رَأْيُهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رُوِيَ صِيَامُهَا عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم مِنْ الشَّهْر
стр. 2208
الشَّرِيفُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ثَلَاثَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِئَلَّا يُظَنَّ تَعَيُّنُهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والترمذي وبن ماجه
١ - (باب النية في الصوم)
(مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ) مِنَ الْإِجْمَاعِ أَيْ لَمْ يَنْوِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ يُقَالُ أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَتْ نِيَّتُهُ للصوم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ وَمِنْ الشَّهْر الْآخَر الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيث حَسَنٌ
وقد روي فيه صفة أخرى فعن بن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر يَوْم الِاثْنَيْنِ مِنْ أَوَّل الشَّهْر ثُمَّ الْخَمِيس الَّذِي يَلِيه ثُمَّ الْخَمِيس الَّذِي يَلِيه رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَقَدْ جَاءَ عَلَى صِفَة أُخْرَى فَعَنْ هُنَيْدَة الْخُزَاعِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَأْمُر بِصِيَامِ ثَلَاثَة أَيَّام أَوَّل خَمِيس
وَالِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ قَالَ النَّسَائِيّ الصَّوَاب عِنْدنَا مَوْقُوف وَلَمْ يَصِحّ رَفْعُهُ وَمَدَار رَفْعه عَلَى بن جُرَيْج وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر
فَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر فَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْهُ قَالَ النَّسَائِيّ ويحيى بن أيوب ليس بالقوي وحديث بن جُرَيْج عَنْ الزُّهْرِيّ غَيْر مَحْفُوظ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر أَقَامَ إِسْنَاده وَرَفَعَهُ وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الْأَثْبَات
آخِر كَلَامه
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة وَاخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِي وَقْفه وَرَفْعه فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهَا مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ مَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيَام قَبْل طُلُوع الْفَجْر فَلَا صِيَام لَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاد عَنْ الْمُفَضَّل يعني بن فَضَالَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَكُلّهمْ ثِقَات وَغَيْره يَرْوِيه مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَة قَالَهُ عَبْد الْحَقّ
стр. 2209
عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ فَإِنَّ صَوْمَهُ فَاسِدٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ نِيَّةِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ لِأَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ صِيَامٌ مُفْرَدٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ فَجْرِهِ وَفِي الثَّالِثِ كَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا نَوَى لِلْفَرْضِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ
وَقَالُوا فِي صَوْمِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ إِنَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ إِذَا قَدَّمَ لِلشَّهْرِ النِّيَّةَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ أَجْزَأَهُ لِلشَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدِ النِّيَّةَ كُلَّ لَيْلَةٍ
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُسْنَدٍ لِأَنَّ سُفْيَانَ وَمَعْمَرًا قَدْ أَوْقَفَاهُ عَلَى حَفْصَةَ
قُلْتُ هَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَدْ أَسْنَدَهُ وَزِيَادَاتُ الثِّقَاتِ مَقْبُولَةٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ أَيْضًا جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ يَعْنِي مَرْفُوعًا وَأَوْقَفَهُ على حفصة معمر والزبيدي وبن عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الْأَيْلِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عن نافع عن بن عُمَرَ قَوْلُهُ وَهُوَ أَصَحُّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو قَدْ أَسْنَدَهُ وَزِيَادَاتُ الثِّقَاتُ مَقْبُولَةٌ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَقَامَ إِسْنَادَهُ وَرَفَعَهُ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ لَمْ يَبُتَّ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباد عن المفضل يعني بن فَضَالَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ
وَقَوْلُهُ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ بِضَمِّ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنَ الْإِجْمَاعِ إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ يُقَالُ أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَرُوِيَ يُبَيِّتْ بِضَمِّ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أي ينويه من الليل
وروي بيت بِفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَمْ يَنْوِهِ وَيَجْزِمْ بِهِ فَيَقْطَعَهُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي لَا صَوْمَ فِيهِ وَهُوَ اللَّيْلُ
وروى من لم يورضه اللَّيْلُ أَيْ لَمْ يُهَيِّئْهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ أَرَضْتُ الْمَكَانَ إِذَا سَوَّيْتَهُ انْتَهَى
стр. 2210
٧٢ - باب في الرخصة فيه أَيْ فِي تَرْكِ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ
(هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِذَا قُلْنَا لَا قَالَ إِنِّي صَائِمٌ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ نَوْعَانِ مِنَ الْفِقْهِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ تَأْخِيرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا وَالْآخَرُ جَوَازُ إِفْطَارِ الصَّائِمِ قَبْلَ اللَّيْلِ إِذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ إِيجَابَ الْقَضَاءِ
وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ منهم بن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵃ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بن حنبل وكان بن عُمَرَ لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يُجْمِعَ مِنَ اللَّيْلِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَا يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ حَتَّى يُبَيِّتَ النِّيَّةَ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي صَوْمِ النَّافِلَةِ لَا أُحِبُّ أَنْ يَصُومَ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ (حَيْسٌ) هُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ الدَّقِيقُ (أَدْنِيهِ) مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ قَرِّبِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ زَادَ النَّسَائِيّ فَأَكَلَ وَقَالَ وَلَكِنْ أَصُوم يَوْمًا مَكَانه ثُمَّ قَالَ هَذَا خَطَأٌ قَالَ عَبْد الْحَقّ قَدْ رَوَى الْحَدِيث جَمَاعَة عَنْ طَلْحَة فَلَمْ يَذْكُر أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَكِنْ أَصُوم يَوْمًا مَكَانه وَهَذِهِ الزِّيَادَة هِيَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ طَلْحَة وَلَفْظ النَّسَائِيّ فِيهِ عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ دَخَلَ علي رسول الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء فَقُلْت لَا
فَقَالَ فَإِنِّي صَائِم ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْد ذَلِكَ الْيَوْم وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَخَبَّأْت له منه وكان يحب الحيس
قالت يارسول اللَّه إِنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَخَبَّأْت لَك مِنْهُ قَالَ أُدْنِيهِ أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا صَائِم فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا مِثْل صَوْم الْمُتَطَوِّع مِثْل الرَّجُل يُخْرِج مِنْ مَاله الصَّدَقَة فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَفِي لَفْظ النَّسَائِيّ يَا عَائِشَة إِنَّمَا مَنْزِلَة مَنْ صَامَ فِي غَيْر رَمَضَان أَوْ فِي غَيْر قَضَاء رَمَضَان أَوْ فِي التَّطَوُّع بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخْرَجَ صَدَقَة مِنْ مَاله فَجَادَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْضَاهُ وَبَخِلَ بِمَا بَقِيَ فَأَمْسَكَهُ وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة عَنْ عَائِشَة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
следующие страницы →