Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَذَكَرَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ
وَقَالَ فِي حَرْفِ الْقَافِ قَتَادَةُ بْنُ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا
وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مِنْهَالٍ الْقَيْسِيُّ عَنْ أَبِيهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَعَلَّ أَبَا دَاوُدَ أَسْقَطَ اسْمَهُ لِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ
(عَبْدُ اللَّهِ) وَهُوَ بن مَسْعُودٍ ﵁ (مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ الْأَيَّامَ الْبِيضَ اللَّيَالِي بِالْقَمَرِ وَهِيَ ثَالِثَ عَشَرَ وَرَابِعَ عَشَرَ وَخَامِسَ عشر
قاله السيوطي
وقال علي القارىء مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ أَيْ أَوَّلِهِ
قِيلَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وهوأنه لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ لِأَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَالِبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَ بِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَائِشَةُ ﵂ اطَّلَعَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ هَذَا الرَّاوِي فَحَدَّثَتْ بِمَا عَلِمَتْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَفِي الْقَامُوسِ الْغُرَّةُ مِنَ الْهِلَالِ طَلْعَتُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كُلَّمَا طَلَعَ هِلَالٌ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِهِ فَيُوَافِقُ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَفِي حديث الترمذي قل ما كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ قَلَّمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩ - (بَابُ مَنْ قال يَصُومُ ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)
(الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ) وفي الباب السابق الصوم الثَّلَاثِ فِي أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ كَانَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا
(عَنْ حَفْصَةَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 2207
(أَوَّلُهَا) بِالرَّفْعِ (الِاثْنَيْنُ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا (والخميس) بالحرك الثَّلَاثِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ
قَالَ الْأَشْرَفُ وَالظَّاهِرُ الِاثْنَانِ
فَقِيلَ أُعْرِبَ بِالْحَرَكَةِ لَا بِالْحَرْفِ وَقِيلَ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ مَعَ إِبْقَاءِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ وَتَقْدِيرُهُ أَوَّلُهَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ
وَقِيلَ إِنَّهُ عَلَمٌ كَالْبَحْرَيْنِ وَالْأَعْلَامُ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ أَصْلِ وَضْعِهَا بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَوَّلُهَا مَنْصُوبٌ لَكِنْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيِ اجْعَلْ أَوَّلَهَا الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ يَعْنِي وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ حَيْثُ قَالَ صَوَابُهُ الِاثْنَيْنُ أَوِ الْخَمِيسُ
وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَجْعَلُ أَوِلَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الِاثْنَيْنَ أَوِ الْخَمِيسَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّهْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ افْتِتَاحُهُ مِنَ الْأُسْبُوعِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي بَعْدَ الْخَمِيسِ فَتَفْتَحُ صَوْمَهَا فِي شَهْرِهَا ذَلِكَ بِالِاثْنَيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقِسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاثْنَيْنِ فَتَفْتَحُ شَهْرَهَا ذَلِكَ بِالْخَمِيسِ وَكَذَلِكَ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِيمَا يَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِ الطَّبَرَانِيِّ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٠ - (بَاب مَنْ قَالَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ)
أَيْ مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ
(قَالَتْ نَعَمْ) أَيْ وَهَذَا أَقَلُّ مَا كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ (مِنْ أَيِّ شَهْرٍ كَانَ يَصُومُ) أَيْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ أَوْسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً قَالَتْ (مَا كَانَ يُبَالِي) أَيْ يَهْتَمُّ لِلتَّعْيِينِ (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ) أَيْ كَانَ يَصُومُهَا بِحَسْبِ مَا يَقْتَضِي رَأْيُهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رُوِيَ صِيَامُهَا عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم مِنْ الشَّهْر
стр. 2208
الشَّرِيفُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ثَلَاثَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِئَلَّا يُظَنَّ تَعَيُّنُهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والترمذي وبن ماجه
١ - (باب النية في الصوم)
(مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ) مِنَ الْإِجْمَاعِ أَيْ لَمْ يَنْوِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ يُقَالُ أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَتْ نِيَّتُهُ للصوم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ وَمِنْ الشَّهْر الْآخَر الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيث حَسَنٌ
وقد روي فيه صفة أخرى فعن بن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر يَوْم الِاثْنَيْنِ مِنْ أَوَّل الشَّهْر ثُمَّ الْخَمِيس الَّذِي يَلِيه ثُمَّ الْخَمِيس الَّذِي يَلِيه رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَقَدْ جَاءَ عَلَى صِفَة أُخْرَى فَعَنْ هُنَيْدَة الْخُزَاعِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَأْمُر بِصِيَامِ ثَلَاثَة أَيَّام أَوَّل خَمِيس
وَالِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ قَالَ النَّسَائِيّ الصَّوَاب عِنْدنَا مَوْقُوف وَلَمْ يَصِحّ رَفْعُهُ وَمَدَار رَفْعه عَلَى بن جُرَيْج وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر
فَأَمَّا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر فَمِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْهُ قَالَ النَّسَائِيّ ويحيى بن أيوب ليس بالقوي وحديث بن جُرَيْج عَنْ الزُّهْرِيّ غَيْر مَحْفُوظ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر أَقَامَ إِسْنَاده وَرَفَعَهُ وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الْأَثْبَات
آخِر كَلَامه
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة وَاخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِي وَقْفه وَرَفْعه فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهَا مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ مَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيَام قَبْل طُلُوع الْفَجْر فَلَا صِيَام لَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاد عَنْ الْمُفَضَّل يعني بن فَضَالَة بِهَذَا الْإِسْنَاد وَكُلّهمْ ثِقَات وَغَيْره يَرْوِيه مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَة قَالَهُ عَبْد الْحَقّ
стр. 2209
عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ فَإِنَّ صَوْمَهُ فَاسِدٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ نِيَّةِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ لِأَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ صِيَامٌ مُفْرَدٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ فَجْرِهِ وَفِي الثَّالِثِ كَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا نَوَى لِلْفَرْضِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ
وَقَالُوا فِي صَوْمِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ إِنَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ إِذَا قَدَّمَ لِلشَّهْرِ النِّيَّةَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ أَجْزَأَهُ لِلشَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدِ النِّيَّةَ كُلَّ لَيْلَةٍ
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُسْنَدٍ لِأَنَّ سُفْيَانَ وَمَعْمَرًا قَدْ أَوْقَفَاهُ عَلَى حَفْصَةَ
قُلْتُ هَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَدْ أَسْنَدَهُ وَزِيَادَاتُ الثِّقَاتِ مَقْبُولَةٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ أَيْضًا جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ يَعْنِي مَرْفُوعًا وَأَوْقَفَهُ على حفصة معمر والزبيدي وبن عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الْأَيْلِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَقَدْ رُوِيَ عن نافع عن بن عُمَرَ قَوْلُهُ وَهُوَ أَصَحُّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو قَدْ أَسْنَدَهُ وَزِيَادَاتُ الثِّقَاتُ مَقْبُولَةٌ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَقَامَ إِسْنَادَهُ وَرَفَعَهُ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ لَمْ يَبُتَّ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباد عن المفضل يعني بن فَضَالَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ
وَقَوْلُهُ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ بِضَمِّ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنَ الْإِجْمَاعِ إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَةِ يُقَالُ أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَرُوِيَ يُبَيِّتْ بِضَمِّ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أي ينويه من الليل
وروي بيت بِفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَمْ يَنْوِهِ وَيَجْزِمْ بِهِ فَيَقْطَعَهُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي لَا صَوْمَ فِيهِ وَهُوَ اللَّيْلُ
وروى من لم يورضه اللَّيْلُ أَيْ لَمْ يُهَيِّئْهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ أَرَضْتُ الْمَكَانَ إِذَا سَوَّيْتَهُ انْتَهَى
стр. 2210
٧٢ - باب في الرخصة فيه أَيْ فِي تَرْكِ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ
(هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِذَا قُلْنَا لَا قَالَ إِنِّي صَائِمٌ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ نَوْعَانِ مِنَ الْفِقْهِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ تَأْخِيرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا وَالْآخَرُ جَوَازُ إِفْطَارِ الصَّائِمِ قَبْلَ اللَّيْلِ إِذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ إِيجَابَ الْقَضَاءِ
وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ منهم بن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵃ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بن حنبل وكان بن عُمَرَ لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يُجْمِعَ مِنَ اللَّيْلِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَا يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ حَتَّى يُبَيِّتَ النِّيَّةَ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي صَوْمِ النَّافِلَةِ لَا أُحِبُّ أَنْ يَصُومَ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ (حَيْسٌ) هُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ الدَّقِيقُ (أَدْنِيهِ) مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ قَرِّبِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ زَادَ النَّسَائِيّ فَأَكَلَ وَقَالَ وَلَكِنْ أَصُوم يَوْمًا مَكَانه ثُمَّ قَالَ هَذَا خَطَأٌ قَالَ عَبْد الْحَقّ قَدْ رَوَى الْحَدِيث جَمَاعَة عَنْ طَلْحَة فَلَمْ يَذْكُر أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَكِنْ أَصُوم يَوْمًا مَكَانه وَهَذِهِ الزِّيَادَة هِيَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ طَلْحَة وَلَفْظ النَّسَائِيّ فِيهِ عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ دَخَلَ علي رسول الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ هَلْ عِنْدكُمْ شَيْء فَقُلْت لَا
فَقَالَ فَإِنِّي صَائِم ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْد ذَلِكَ الْيَوْم وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَخَبَّأْت له منه وكان يحب الحيس
قالت يارسول اللَّه إِنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَخَبَّأْت لَك مِنْهُ قَالَ أُدْنِيهِ أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا صَائِم فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا مِثْل صَوْم الْمُتَطَوِّع مِثْل الرَّجُل يُخْرِج مِنْ مَاله الصَّدَقَة فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَفِي لَفْظ النَّسَائِيّ يَا عَائِشَة إِنَّمَا مَنْزِلَة مَنْ صَامَ فِي غَيْر رَمَضَان أَوْ فِي غَيْر قَضَاء رَمَضَان أَوْ فِي التَّطَوُّع بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخْرَجَ صَدَقَة مِنْ مَاله فَجَادَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْضَاهُ وَبَخِلَ بِمَا بَقِيَ فَأَمْسَكَهُ وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عَائِشَة بِنْت طَلْحَة عَنْ عَائِشَة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 2211
مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ قَالَ إِنِّي أَصُومُ وَقَالَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ
(الْوَلِيدَةُ) أَيِ الْأَمَةُ (فَنَاوَلَتْهُ) أَيِ الْجَارِيَةُ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لَهُ ﷺ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْإِنَاءُ (أَكُنْتِ تَقْضِينَ) أَيْ بِهَذَا الصَّوْمِ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْكِ (فَلَا يَضُرُّكِ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْكِ إِثْمٌ فِي فِطْرِكِ (إِنْ كَانَ) أَيْ صَوْمُكِ (تَطَوُّعًا) وَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ قَالَهُ القارىء
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ إِذَا أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعٍ وَهُوَ قول بن عَبَّاسٍ ﵄ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إِذَا أَفْطَرَ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَلَا يَثْبُتُ
وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ أَشَارَ إِلَيْهِ النَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَتْ جَاءَ رَسُول اللَّه ﷺ يَوْمًا فَقَالَ هَلْ عِنْدكُمْ مِنْ طَعَام قُلْت لَا
قَالَ إِنِّي إِذَنْ أَصُوم
قَالَتْ ثُمَّ دَخَلَ مَرَّة أُخْرَى
فَقُلْت قَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ إِذَنْ أُفْطِر وَقَدْ فَرَضْت الصَّوْم
وَفِيهِ حُجَّة عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَوَاز إِنْشَاء صَوْم التَّطَوُّع بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار وَجَوَاز الْخُرُوج مِنْهُ بَعْد الدُّخُول فِيهِ
وَأَمَّا زِيَادَة النَّسَائِيّ تَمْثِيلُهُ بِالصَّدَقَةِ يُخْرِجهَا الرَّجُل فَهَذَا اللَّفْظ قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحه مِنْ قَوْل مُجَاهِد قَالَ طَلْحَة بْن يَحْيَى فَحَدَّثْت مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيث فَقَالَ ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُل يُخْرِج الصَّدَقَة مِنْ مَاله فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أمسكها
стр. 2212
٧٣ - (بَاب مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ)
(لَا عَلَيْكُمَا) أَيْ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمَا فِي الْإِفْطَارِ (صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ جَاءَ في هذا الحديث رواية بن جريج عن الزهري عن عروة قال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ أَسَمِعْتَهُ مِنْ عُرْوَةَ قَالَ إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ رَجُلٌ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ زُمَيْلٌ هَذَا
وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ بَدَلَ الشَّيْءِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ الْأُصُولِ يَحُلُّ مَحَلَّ أَصْلِهِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُخَيَّرٌ فَكَذَلِكَ فِي الْبَدَلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ زُمَيْلٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُعْرَفُ لِزُمَيْلٍ سَمَاعٌ مِنْ عُرْوَةَ وَلَا لِيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ مِنْ زُمَيْلٍ وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَزُمَيْلٌ مَجْهُولٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ حَدِيث الْأَمْر بِالْقَضَاءِ مِنْ حَدِيث جَرِير بْن حَازِم عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَتَابَعَهُ الْفَرَج بن فضالة عن يحيى قال الله الدَّارَقُطْنِيُّ وَهِمَ فِيهِ جَرِيرٌ وَفَرَج وَخَالَفَهُمَا حَمَّاد بْن زَيْد وَعَبَّاد بْن الْعَوَّام وَيَحْيَى بْن أَيُّوب فَرَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الزُّهْرِيّ مُرْسَلًا وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث جَعْفَر بْن بُرْقَان أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِهِ وَقَالَ اِقْضِيَا يَوْمًا لِغَدٍ وَمِنْ حَدِيث سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِهِ وَفِيهِ فَأَمَرَهُمَا رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ يَصُومَا يَوْمًا مَكَانه وَذَكَر النَّسَائِيّ أَنَّهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُقْبَة وَصَالِح بْن كَيْسَانَ
فَقَدْ بَرِئَ زُمَيْل مِنْ عُهْدَة التَّفَرُّد بِهِ وتابعهم أيضا يحيى بن سعيد عن بن شِهَاب فَهَؤُلَاءِ سُفْيَان وَجَعْفَر بْن بُرْقَان وَصَالِح بْن كَيْسَانَ وَإِسْمَاعِيل بْن عُقْبَة وَيَحْيَى بْن سعيد على اختلاف عنه عن بن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَصْلًا وَإِرْسَالًا كُلّهمْ يَذْكُر الْأَمْر بِالْقَضَاءِ زِيَادَة عَلَى رِوَايَة زميل وَجَرِير بْن حازم
стр. 2213
٧٤ - (بَاب الْمَرْأَةِ تَصُومُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا)
(لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ) أَيْ نَفْلًا لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا (وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ) أَيْ زَوْجُهَا حَاضِرٌ مَعَهَا فِي بَلَدِهَا (إِلَّا بِإِذْنِهِ) تَصْرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا (وَلَا تَأْذَنُ) أَحَدًا مِنَ الْأَجَانِبِ أو الأقارب حتى النساء
وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ يَصِحُّ رَفْعُهُ خَبَرًا يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ وَجَزْمُهُ عَلَى النَّهْيِ (فِي بَيْتِهِ) أَيْ فِي دُخُولِ بَيْتِهِ (إِلَّا بِإِذْنِهِ) وَفِي مَعْنَاهُ الْعِلْمُ بِرِضَاهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فَصْلَ الصَّوْمِ خَاصَّةً وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا غَيْرُ رَمَضَانَ
(وَيُفَطِّرُنِي) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَأْمُرُنِي بِالْإِفْطَارِ (فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ) أَيْ تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة فَاَلَّذِي يَغْلِب عَلَى الظَّنّ أَنَّ اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فِي الْحَدِيث وَتَعْلِيلهَا بِمَا ذُكِرَ قَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفه
وَلَكِنْ قَدْ يُقَال الْأَمْر بِالْقَضَاءِ أَمْر نَدْب لَا أَمْر إِيجَاب
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَالَ غَيْر الْمُنْذِرِيّ وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث وَهْمٌ لَا أَصْل لَهُ أَنَّ فِي حَدِيث الْإِفْك الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّته قَالَتْ عَائِشَة وَإِنَّ الرَّجُل الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُول سُبْحَان اللَّه فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْت عَنْ كَتِف أُنْثَى قَطُّ قَالَ ثُمَّ قُتِلَ بَعْد ذَلِكَ فِي سَبِيل اللَّه شَهِيدًا وَفِي هَذَا نَظَرٌ
فَلَعَلَّهُ تَزَوَّجَ بَعْد ذَلِكَ
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2214
فِي رَكْعَةٍ أَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ (وَقَدْ نَهَيْتُهَا) أَيْ عَنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَإِطَالَةِ الصَّلَاةِ (قَالَ) أَبُو سَعِيدٍ (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَوْ كَانَتْ) اسْمُهُ يَعُودُ إِلَى مَصْدَرِ تَقْرَأَ أَيْ لَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سُورَةً وَاحِدَةً) أَيْ أَيَّ سُورَةٍ كَانَتْ وَلَوْ أَقْصَرَهَا
وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ سُورَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْفَاتِحَةُ (لَكَفَتِ النَّاسَ) أَيْ لَأَجْزَأَتْهُمْ كَفَتْهُمْ جَمْعًا وَأَفْرَادًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مَنَافِعَ الْمُتْعَةِ وَالْعِشْرَةِ مِنَ الزَّوْجَةِ مَمْلُوكَةٌ لِلزَّوْجِ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ وَأَنَّ حَقَّهَا فِي نَفْسِهَا مَحْصُورٌ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَفِيهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ إِذَا امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ وَإِجْمَالِ الْعِشْرَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا وَحَصْرُهَا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهَا مُعَجَّلٌ وَحَقُّ اللَّهِ مُتَرَاخٍ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ (فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ) أَيْ أَنَّا أَهْلُ صَنْعَةٍ لَا نَنَامُ اللَّيْلَ (قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَلِكَ) أَيْ عَادَتُنَا ذَلِكَ وَهِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْقُونَ الْمَاءَ فِي طُولِ اللَّيَالِي (لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ) أَيْ إِذَا رَقَدْنَا آخِرَ اللَّيْلِ (قَالَ فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ) ذَلِكَ أَمْرٌ عَجِيبٌ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ وَمِنْ لُطْفِ نَبِيِّهِ ﷺ وَرِفْقِهِ بِأُمَّتِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى مَلَكَةِ الطَّبْعِ وَاسْتِيلَاءِ الْعَادَةِ فَصَارَ كَالشَّيْءِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ وَكَانَ صَاحِبُهُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ فَعُذِرَ فِيهِ وَلَمْ يُثَرَّبْ عَلَيْهِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يُصِيبُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يُوقِظُهُ وَيَبْعَثُهُ مِنَ الْمَنَامِ فَيَتَمَادَى بِهِ النَّوْمُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ دُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَبْقَى الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا فِي دَائِمِ الْأَوْقَاتِ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ لَا يُصْلِحُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يُرَاعِي مِثْلَ هَذَا مِنْ حَالِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه ولإيقاظ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ وَيُشَاهِدُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) النَّاجِيِّ الْبَصْرِيِّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَيْسَ بِمُتَفَرِّدٍ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بَلْ تَابَعَهُ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ ثُمَّ الْأَعْمَشُ لَيْسَ بِمُتَفَرِّدٍ أَيْضًا بَلْ تَابَعَهُ حُمَيْدٌ أَوْ ثَابِتٌ وَكَذَا جَرِيرٌ لَيْسَ بِمُتَفَرِّدٍ بَلْ تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ
وَفِي هَذَا كُلِّهِ رَدٌّ على
стр. 2215
الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ وَسَيَجِيءُ كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ هَذَا الْحَدِيثُ كَلَامُهُ مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ وَلَوْ ثَبَتَ احْتَمَلَ إِنَّمَا يَكُونُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ اسْتِحْبَابًا وَكَانَ صَفْوَانُ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنما أتى نُكْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ وَأَمْسَكَ عَنْ ذِكْرِ الرَّجُلِ فَصَارَ الْحَدِيثُ ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ حَسَنٌ وَكَلَامُهُ مُنْكَرٌ لِمَا فِيهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْدَحُ هَذَا الرَّجُلَ وَيَذْكُرُهُ بِخَيْرٍ
وَلَيْسَ للحديث عندي أصل
٥ - (باب في الصائم يدعي إلى وليمة)
(إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ) أَيِ الدَّعْوَةَ (فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) أَيْ فَلْيَأْكُلْ نَدْبًا وَقِيلَ وجوبا قاله بن حَجَرٍ
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ إِذَا كَانَ يَتَشَوَّشُ خاطر الداعي ويحصل به المعادة إِنْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلًا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْرَحُ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَتَشَوَّشْ بِعَدَمِهِ فَيُسْتَحَبُّ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرَانِ مُسْتَوِيَيْنِ عِنْدَهُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ إِنِّي صَائِمٌ سَوَاءٌ حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ (وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ رَكْعَتَيْنِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَقِيلَ فَلْيَدْعُ لِصَاحِبِ البيت بالمغفرة
وقال بن الْمَلَكِ بِالْبَرَكَةِ
أَقُولُ ظَاهِرُ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ
قَالَ الْمُظْهِرُ وَالضَّابِطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنْ تَأَذَّى الْمُضِيفُ بترك افطار أَفْطَرَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَلَا
كَذَا فِي المرقاة
قال المنذري قال هشام وهو بن حَسَّانَ وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٦ - (بَاب مَا يَقُولُ الصائم إذا دعي إلى الطَّعَامِ)
وُجِدَ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
стр. 2216
(إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ اعْتِذَارًا لَهُ وَإِعْلَامًا بِحَالِهِ فَإِنْ سَمَحَ لَهُ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِالْحُضُورِ سَقَطَ عَنْهُ الْحُضُورُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ وَطَالَبَهُ بِالْحُضُورِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَلَيْسَ الصَّوْمُ عُذْرًا فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ لَكِنْ إِذَا حَضَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ وَيَكُونُ الصَّوْمُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ لِلصَّائِمِ فَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ صَوْمُهُ اسْتُحِبَّ لَهُ الْفِطْرُ وَإِلَّا فَلَا
هَذَا إِذَا كَانَ صَوْمَ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا حَرُمَ الْفِطْرُ
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا كَانَ دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَفِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَحُسْنِ الِاعْتِذَارِ عِنْدَ سَبَبِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
٧ - (بَاب الِاعْتِكَافِ)
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالْمُكْثُ وَاللُّزُومُ وَفِي الشَّرْعِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَيُسَمَّى الِاعْتِكَافُ جِوَارًا وَمِنْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِكَافِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسِهِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي اعْتِكَافِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَالْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ فَفِيهَا اسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ وَتَأَكُّدُ اسْتِحْبَابِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَعَلَى أَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُوَافِقِيهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمُفْطِرِ وَيَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَضَابِطُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مُكْثٌ يَزِيدُ عَلَى طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ أَدْنَى زِيَادَةٍ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَارِّ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِسٍ فِي الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ لِشُغْلٍ آخَرَ مِنْ آخِرَةٍ أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ فَيُحْسَبُ لَهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ
стр. 2217
جَدَّدَ نِيَّةً أُخْرَى وَلَيْسَ لِلِاعْتِكَافِ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ وَلَا فِعْلٌ آخَرُ سِوَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ دُنْيَا أَوْ عَمِلَ صَنْعَةً مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ مُفْطِرٍ
(كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ وَأَنَّهُ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ خُصُوصًا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كَالرِّجَالِ فِي الِاعْتِكَافِ وَقَدْ كَانَ ﵇ أَذِنَ لبعضهن وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد اذن كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَلِمَعْنًى آخَرَ فَقِيلَ خَوْفَ أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ مُخْلِصَاتٍ فِي الِاعْتِكَافِ بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْبَ مِنْهُ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ أَوْ ذَهَابُ الْمَقْصُودِ مِنَ الِاعْتِكَافِ بِكَوْنِهِنَّ مَعَهُ فِي الْمُعْتَكَفِ أَوْ لِتَضْيِيقِهِنَّ الْمَسْجِدِ بِأَبْنِيَتِهِمْ
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّمَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ فِي بَيْتِهَا لِصَلَاتِهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُعْتَادَةَ تُقْضَى إِذَا فَاتَتْ كَمَا تُقْضَى الْفَرَائِضُ
وَمِنْ هَذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَرَوَى النَّسَائِيّ فِي سُنَنه عَنْ أُبَيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ كَانَ يَعْتَكِف الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان فَسَافَرَ عَامًا فَلَمْ يَعْتَكِف فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمُقْبِل اِعْتَكَفَ عِشْرِينَ وَفِي رِوَايَةٍ لَيْلَة
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الِاحْتِمَال الْمَذْكُور
وَقَالَ بَعْضهمْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَانِ الْعَشْرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي حَدِيث أَبِي دَاوُدَ هِيَ الْعَشْر الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفهُ وَالْعَشْر الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجه ثُمَّ اِعْتَكَفَ مِنْ شَوَّال عِشْرِينَ لَيْلَة وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ الْحَدِيث حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ لِسَفَرِهِ
وَبِاَللَّهِ التوفيق
стр. 2218
بعدالعصر الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَاتَتَاهُ لِقُدُومِ الْوَفْدِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِمْ
وَفِيهِ مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ أَجَازَ الِاعْتِكَافَ بِغَيْرِ صَوْمٍ يُنْشِئُهُ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّ صَوْمَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّمَا كَانَ لِلشَّهْرِ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِنِ اعْتَكَفَ مِنْ غَيْرِ صِيَامٍ أَجْزَأَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وبن مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
وروي عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيِّ
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَيَدْخُلُ فِيِ مُعْتَكَفِهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا كَانَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ
قُلْتُ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَعَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اعْتِكَافِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ لَا يَرَى الصَّوْم شَرْطًا فِي الِاعْتِكَاف لِدُخُولِ يَوْم الْعِيد فِي اِعْتِكَافه وَهَذَا لَا يَدُلّ فَإِنَّ الْحَدِيث رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ حَتَّى اِعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال لَمْ يَذْكُر غَيْره
وَفِي صَحِيح مُسْلِم اِعْتَكَفَ فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي دُخُول يَوْم الْعِيد فِيهِ كَمَا يَصِحّ أَنْ يُقَال صَامَ فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال وَفِي لَفْظ لَهُ حَتَّى اِعْتَكَفَ فِي آخِر الْعَشْر مِنْ شَوَّال وَعَدَم الدَّلَالَة فِي هذا ظَاهِرَة
وَقَوْلهَا اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال لَيْسَ بِنَصٍّ فِي دُخُول يَوْم الْعِيد فِي اِعْتِكَافه بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلهُ فِي اِعْتِكَافه لِاشْتِغَالِهِ فِيهِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَلَاة الْعِيد وَخُطْبَته
وَرُجُوعه إِلَى مَنْزِله لِفِطْرِهِ وَفِي ذَلِكَ ذَهَاب بَعْض الْيَوْم فَلَا يَقُوم بَقِيَّة الْيَوْم مَقَام جَمِيعِهِ
стр. 2219
الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا جَائِزٌ وَقَدْ حُكِيَ جَوَازُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ اعْتِكَافَهُ فِي بَيْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنَّمَا شُرِعَ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَقُولُ لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ
وَقَالَ عَطَاءٌ لَا يُعْتَكَفُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَ إِلَّا فِي الْجَامِعِ وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالنَّخَعِيُّ يَعْتَكِفُ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ يَبْدَأُ الِاعْتِكَافَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يَدْخُلُ فِيهِ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوِ اعْتِكَافَ عَشْرٍ وَأَوَّلُوا عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَانْقَطَعَ فِيهِ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ بَلْ كَانَ مِنْ قَبْلِ الْمَغْرِبِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي جُمْلَةِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ انْفَرَدَ
(فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِيهِ دَلِيلُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكِفِ لِنَفْسِهِ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ يَنْفَرِدُ فِيهِ مُدَّةَ اعْتِكَافِهِ مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ وَإِذَا أَخَذَهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى غَيْرِهِ وَلِيَكُونَ أَخْلَى لَهُ وَأَكْمَلَ فِي انْفِرَادِهِ (فَقَالَ مَا هَذِهِ) الْأَخْبِيَةُ الَّتِي أَرَاهَا (آلْبِرَّ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ مَمْدُودَةً عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ (تُرِدْنَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ أَيْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ (فَقُوِّضَ) بِالْقَافِ الْمَضْمُومَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّفْعِيلِ أَيْ أُزِيلَ وَقُلِعَ (ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ أَيْ قَضَاءً عَمَّا تَرَكَهُ مِنَ الِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَلَوْ كَانَ لِلْوُجُوبِ لَاعْتَكَفَ مَعَهُ نِسَاؤُهُ أَيْضًا فِي شَوَّالٍ وَلَمْ يُنْقَلْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
стр. 2220
٧٨ - (بَاب أَيْنَ يَكُونُ الِاعْتِكَافُ)
(قَالَ نَافِعٌ وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ إِلَخْ) فِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَزْوَاجَهُ وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا اعْتَكَفُوا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَشَقَّةِ فِي مُلَازَمَتِهِ فَلَوْ جَازَ فِي الْبَيْتِ لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا سِيَّمَا النِّسَاءَ لِأَنَّ حَاجَتَهُنَّ إِلَيْهِ فِي الْبُيُوتِ أَكْثَرُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ وَالْجُمْهُورِ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ مِنْ بَيْتِهَا لِصَلَاتِهَا قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَكَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَجَوَّزَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِمَا
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ الْمُشْتَرِطُونَ الْمَسْجِدَ الْعَامَّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُهُمْ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ الْجَمَاعَةُ الرَّاتِبَةُ فِيهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ يَخْتَصُّ بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَنَقَلُوا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الصَّحَابِيِّ اخْتِصَاصَهُ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَيَ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وَأَجْمَعُوا عَلَى أنه لاحد لِأَكْثَرِ الِاعْتِكَافِ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ نَافِعٍ
(عَنْ أبي بكر) هو بن عياش المقرئ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (عَشْرَةَ أَيَّامٍ) وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ (فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ عَلِمَ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي
стр. 2221
الْعَمَلِ إِذَا بَلَغُوا أَقْصَى الْعُمُرِ لِيَلْقَوُا اللَّهَ عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِهِمْ وَلِأَنَّهُ ﵊ اعْتَادَ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ أَنْ يُعَارِضَهُ بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمَّا عَارَضَهُ فِي الْعَامِ الْأَخِيرِ مَرَّتَيْنِ اعْتَكَفَ فِيهِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْتَكِفُ
ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ
٩ - (بَاب الْمُعْتَكِفِ يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ)
(وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهَ إِلَّا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَإِنْ دَخَلَهُ لِغَيْرِهِمَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِحَاجَةِ الْوُضُوءِ الَّذِي لا بد منه
وقال إسحاق بن رَاهْوَيْهِ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ غَيْرَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ مِنَ الِاعْتِكَافِ وَالتَّطَوُّعِ فَقَالَ فِي الْوَاجِبِ لَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَفِي التَّطَوُّعِ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حِينَ يَبْتَدِئُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَكُونُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ ما خلى الْجُمُعَةَ وَالْغَائِطَ وَالْبَوْلَ فَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ فَلَا يَخْرُجُ لَهُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ فِي عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَا شُهُودِ جِنَازَةٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدَ الْجِنَازَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ) أَيْ كَمَا رَوَى اللَّيْثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ كِلَيْهِمَا معا عن
стр. 2222
عَائِشَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّيْثَ وَيُونُسَ جَمَعَا بَيْنَ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَرَوَاهُ مَعْمَرُ وَزِيَادُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَمْرَةَ وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ) خَلَلٌ بِفَتْحَتَيْنِ الْفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ مِثْلُ جَبَلٍ وَجِبَالٍ (فَأُرَجِّلُهُ) مِنَ التَّرْجِيلِ بِالْجِيمِ الْمَشْطُ وَالدَّهْنُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ التَّنْظِيفُ وَالتَّطَيُّبُ وَالْغُسْلُ وَالْحَلْقُ وَالتَّزْيِينُ إِلْحَاقًا بِالتَّرَجُّلِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِيهِ إِلَّا مَا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ
وَعَنْ مَالِكٍ يُكْرَهُ الصَّنَائِعُ وَالْحِرَفُ حَتَّى طَلَبُ الْعِلْمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ بَعْضَ بَدَنِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَفِيهِ أَنَّ تَرْجِيلَ الشَّعْرِ مُبَاحٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَالدَّرَنِ
وَفِيهِ أَنَّ بَدَنَ الْحَائِضِ طَاهِرٌ غَيْرُ نَجَسٍ
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِيهِ وَسَائِرُ بَدَنِهِ خَارِجٌ لَمْ يَحْنَثِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي
(فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ) مِنَ الزِّيَارَةِ (فَانْقَلَبْتُ) أَيْ إِلَى بَيْتِي (فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي) أَيْ يَرُدُّنِي إِلَى بَيْتِي (عَلَى رِسْلِكُمَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ عَلَى هَيْئَتِكُمَا
الرِّسْلُ السَّيْرُ السَّهْلُ وَجَاءَ فِيهِ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى التُّؤَدَةِ وَتَرْكِ الْعَجَلِ (سُبْحَانَ اللَّهِ) إِمَّا أَيْ حَقِيقَةً تُنَزِّهُ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ مُتَّهَمًا بِمَا لَا يَنْبَغِي أَوْ كِنَايَةً عَنِ التَّعَجُّبِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) وفي رواية البخاري يبلغ من انسان مَبْلَغَ الدَّمِ أَيْ كَمَبْلَغِ الدَّمِ وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ
стр. 2223
شِدَّةُ الِاتِّصَالِ وَعَدَمُ الْمُفَارَقَةِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ لَوْ ظَنَّا بِهِ ظَنَّ التُّهْمَةِ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا بِمَكَانِهَا نَصِيحَةً لَهُمَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ حُكِيَ لَنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ شَفَقَةً عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادة إِلَى إِعْلَامِهِمَا ذَلِكَ لِئَلَّا يَهْلِكَا
وَفِيهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَعَهَا لِيَتَبَلَّغَ مَنْزِلِهَا وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَفْسُدُ إِذَا خَرَجَ فِي وَاجِبٍ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْمُعْتَكِفَ مِنْ إِتْيَانِ الْمَعْرُوفِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
٠ - (بَاب الْمُعْتَكِفِ يَعُودُ الْمَرِيضَ)
(يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (مُعْتَكِفٌ) وَالْمَرِيضُ خَارِجٌ عَنِ الْمَسْجِدِ (فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْكَافُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَلَفْظُ هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ مَا أَيْ يَمُرُّ مُرُورًا مِثْلَ الْهَيْئَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَلَا يَمِيلُ إِلَى الْجَوَانِبِ وَلَا يَقِفُ (وَلَا يُعَرِّجُ) أَيْ لَا يَمْكُثُ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ لِأَنَّ التَّعْرِيجَ الْإِقَامَةُ وَالْمَيْلُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى جَانِبٍ (يَسْأَلُ عَنْهُ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَعُودُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ (إِنْ كَانَ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَفِيهِ مَقَالٌ
(السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهَا السُّنَّةُ إِنْ كَانَتْ أَرَادَتْ
стр. 2224
بِذَلِكَ إِضَافَةَ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا فَهِيَ نُصُوصٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَرَادَتْ بِهِ الْفُتْيَا عَلَى مَعَانِي مَا عَقَلَتْ مِنَ السُّنَّةِ فَقَدْ خَالَفَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالصَّحَابَةُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ سَبِيلُهَا النَّظَرَ عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَدْ ذَكَرَ عَلَى إِثْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهَا إِنَّهَا قَالَتِ السُّنَّةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَتْهُ فَتْوَى مِنْهَا وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا لَا يَعُودُ مَرِيضًا أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ قَاصِدًا عِيَادَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَيَسْأَلُهُ غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ (لَا يَمَسُّ امْرَأَةً) تُرِيدُ الْجِمَاعَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ فَقَدْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ قَالَهُ الخطابي وقد نقل بن الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ
(وَلَا يُبَاشِرُهَا) فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَقَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ إِنْ بَاشَرَ أَوْ قَبَّلَ لَمْ يَفْسُدِ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ أَنْزَلَ وَقَالَ مَالِكٌ يَفْسُدُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَفِي النَّيْلِ الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا الْجِمَاعُ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْمَسِّ قَبْلَهَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكفون في المساجد أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اعْتَكَفُوا فَخَرَجَ رَجُلٌ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَ امْرَأَتَهُ جَامَعَهَا إِنْ شَاءَ فَنَزَلَتِ انْتَهَى (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) وَلَا يُتَصَوَّرُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ لِكُلِّ حَاجَةٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ قُرْبَةً أَوْ غَيْرَهُمَا إِلَّا الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا (وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ) وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا بِصَوْمٍ وَأَنَّهُ شَرْطٌ وَهُوَ قَوْلُ بن عباس وبن عمر من
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قُلْت عَبْد الرَّحْمَن هَذَا قَالَ فِيهِ أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني ضَعِيفٌ يُرْمَى بِالْقَدَرِ
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَدِيث مُخْتَصَرٌ
وَسِيَاقه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَجْزُومًا بِرَفْعِهِ وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عائشة أن النبي ﷺ كَانَ يَعْتَكِف الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان حَتَّى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده وَالسُّنَّة فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُج إِلَّا لِحَاجَتِهِ الَّتِي لَا بُدّ مِنْهَا وَلَا يَعُود مَرِيضًا وَلَا يَمَسّ اِمْرَأَته وَلَا يُبَاشِرهَا وَلَا اِعْتِكَاف إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ وَالسُّنَّة فِيمَنْ اِعْتَكَفَ أَنْ يَصُوم
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَوْله وَالسُّنَّة فِي الْمُعْتَكِف إِلَى آخِره لَيْسَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ من
стр. 2225
الصَّحَابَةِ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ بن مَسْعُودٍ ﵁ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَالُوا يَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ لِلْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا كما قال الإمام الحافظ بن الْقَيِّمِ إِنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ (وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَفْيَ الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ لِمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا أَكْثَرَ مِنْ جُمْعَةٍ لِئَلَّا تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ دُونَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالْجَامِعُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ) وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهَا لَا يَخْرُجُ وَمَا عَدَاهُ مِمَّنْ دُونَهَا انْتَهَى وَكَذَلِكَ رجح ذلك البيهقي ذكره بن كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسِ بْنِ زَيْدٍ وَلَيْسَ فِيهِ قَالَتِ السُّنَّةُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا ذَلِكَ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا هُوَ الْقُرَشِيُّ الْمَدِينِيُّ يُقَالُ لَهُ عَبَّادٌ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فيه بعضهم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَوْل الزُّهْرِيّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيث فَقَدْ وَهِمَ وَلِهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم ذَكَر صَاحِبُ الصَّحِيح أَوَّله وَأَعْرَض عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة وَقَدْ رَوَاهُ سُوَيْد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة يَرْفَعهُ لَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصِيَامٍ وَسُوَيْد قَالَ فيه أحمد متروك وقال بن مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ
وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيَّرَهُ ضَعِيفٌ وَسُفْيَان بْن حُسَيْنٍ فِي الزُّهْرِيّ ضَعِيفُ
قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي اِشْتِرَاط الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف فَأَوْجَبَهُ أَكْثَر أَهْل العلم منهم عائشة أم المؤمنين وبن عباس وبن عُمَر وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة عَنْهُ أَنَّ الصَّوْم فِيهِ مستحب غير واجب
قال بن المنذر وهو مروي عن علي وبن مَسْعُود
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَر أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ أَوْفِ بِنَذْرِك قَالُوا وَاللَّيْل لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصِّيَامِ وَقَدْ جَوَّزَ الِاعْتِكَاف فِيهِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرِكِهِ مِنْ حديث ابى سهيل عن طاوس عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِف صِيَام إِلَّا أَنْ يَجْعَلهُ عَلَى نَفْسه وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ
стр. 2226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يَعْتَكِف صَلَّى الْفَجْر ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفه وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَاءٍ فَضُرِبَ وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّة الِاعْتِكَاف فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان فَأُمِرَتْ زَيْنَب بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأُمِرَ غَيْرهَا مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُول اللَّه ﷺ الْفَجْر نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَة فَقَالَ آلْبِرِّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَك الِاعْتِكَاف فِي شَهْر رَمَضَان حَتَّى اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال وَيَوْم الْعِيد دَاخِل فِي جُمْلَة الْعَشْر وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الِاعْتِكَاف عِبَادَة مُسْتَقِلَّة بِنَفْسِهَا فَلَمْ يَكُنْ الصَّوْم شَرْطًا فِيهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَات مِنْ الْحَجّ وَالصَّلَاة وَالْجِهَاد وَالرِّبَاط وَبِأَنَّهُ لُزُوم مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لِطَاعَةِ اللَّه تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ الصَّوْم شَرْطًا فِيهِ كَالرِّبَاطِ وَبِأَنَّهُ قُرْبَة بِنَفْسِهِ فَلَا يُشْتَرَط فِيهِ الصَّوْم كَالْحَجِّ
قَالَ الْمُوجِبُونَ الْكَلَام مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ أَحَدهمَا ذِكْر ضَعْف أَدِلَّتكُمْ وَالثَّانِي ذِكْر الْأَدِلَّة عَلَى اِشْتِرَاط الصَّوْم
فَأَمَّا الْمَقَام الْأَوَّل فَنَقُول لَا دَلَالَة فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُمْ أَمَّا حَدِيث بن عُمَر عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى صِحَّته لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي لَفْظه كَثِيرًا فَرَوَاهُ مُسَدَّد وَزُهَيْر وَيَعْقُوب الدَّوْرَقِيُ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر فقالوا ليلة وكذلك رواه بن الْمُبَارَك وَسُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عُبَيْد اللَّه وَهَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ عُبَيْد اللَّه وَرَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حَفْص بْن غياث فأبهم النذر فَقَالَ إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِف عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَة عَنْ عُبَيْد اللَّه مُبْهَمًا وَرَوَاهُ شُعْبَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فَقَالَ إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِف يَوْمًا وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ فَرَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عنه عن نافع قال ذكر عند بن عُمَر عُمْرَة رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ الْجِعْرَانَة فَقَالَ لَمْ يَعْتَمِر مِنْهَا وَكَانَ عَلَى عُمَر نَذْر اِعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة فَسَأَلَ رَسُول اللَّه ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِد تِلْكَ اللَّيْلَة فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا السَّبْيُ يَسْعَوْنَ يَقُولُونَ أَعْتَقَنَا رَسُول اللَّه ﷺ متفق عليه وكذلك رواه بن عُيَيْنَة عَنْ أَيُّوب وَخَالَفَهُمَا مَعْمَر وَجَرِير فَقَالَا يَوْمًا وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ
قَالَ النُّفَاةُ يَجُوز أَنْ يَكُون عُمَر سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ اِعْتِكَاف لَيْلَة وَحْدهَا فَأَمَرَهُ بِهِ وَسَأَلَهُ مَرَّة أُخْرَى عَنْ اِعْتِكَاف يَوْم فَأَمَرَهُ بِهِ
قَالَ الْمُوجِبُونَ هَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ عَالِمٌ فِي بُطْلَانِهِ فَإِنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة وَعُمَر سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَام الْفَتْح سُؤَالًا وَاحِدًا وَهَذِهِ الطَّرِيقَة يَسْلُكهَا كَثِير مِمَّنْ لَا تَحْقِيق عِنْده وَهِيَ اِحْتِمَال التَّكْرَار فِي كُلّ حَدِيث اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظه بِحَسْب اِخْتِلَافهَا وَهُوَ مِمَّا يُقْطَع بِبُطْلَانِهِ فِي أَكْثَر الْمَوَاضِع كَالْقَطْعِ بِبُطْلَانِ التَّعَدُّد فِي اِشْتِرَاء الْبَعِير مِنْ جَابِر مِرَارًا فِي أَسْفَار وَالْقَطْع بِبُطْلَانِ التَّعَدُّد فِي نِكَاح الْوَاهِبَة نَفْسهَا بِلَفْظِ الْإِنْكَاح مَرَّة وَالتَّزْوِيج مَرَّة وَالْإِمْلَاك مَرَّة وَالْقَطْع بِبُطْلَانِ الْإِسْرَاء مِرَارًا كُلّ مَرَّة يُفْرَض عليه فيها
стр. 2227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
خَمْسُونَ صَلَاة ثُمَّ يَرْجِع إِلَى مُوسَى فَيَرُدّهُ إِلَى رَبّه حَتَّى تَصِير خَمْسًا فَيَقُول تَعَالَى لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ هِيَ خَمْس وَهِيَ خَمْسُونَ فِي الْأَجْر ثُمَّ يَفْرِضهَا فِي الْإِسْرَاء الثَّانِي خَمْسِينَ فَهَذَا مِمَّا يُجْزَم بِبُطْلَانِهِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِ بَعْضهمْ فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حصين كان الله ولا شيء قبله وكان ولا شيء غيره وكان وَلَا شَيْءَ مَعَهُ إِنَّهُ يَجُوز أَنْ تَكُون وَقَائِع مُتَعَدِّدَة وَهَذَا الْقَائِل لَوْ تَأَمَّلَ سِيَاق الْحَدِيث لَاسْتَحْيَا مِنْ هَذَا الْقَوْل فَإِنَّ سِيَاقه أَنَّهُ أَنَاخَ رَاحِلَته بِبَابِ الْمَسْجِد ثُمَّ تَفَلَّتَتْ فَذَهَبَ يَطْلُبهَا وَرَسُول اللَّه ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ بَعْد ذَلِكَ وَايْمُ اللَّه وَدِدْت لَوْ أَنِّي قَعَدْت وَتَرَكْتهَا فيا سبحان الله أفي كُلّ مَرَّة يُتَّفَق لَهُ هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ طَرِيقَة مَنْ لَا تَحْقِيق لَهُ
وَإِذَا كَانَ عُمَر إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ مَرَّة وَاحِدَة فَإِنْ كَانَ يَوْمًا فَلَا دَلَالَة فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَيْلَة فَاللَّيَالِي قَدْ تُطْلَق وَيُرَاد بِهَا الْأَيَّام اِسْتِعْمَالًا فَاشِيًا فِي اللُّغَة لَا يُنْكَر كَيْف وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن بَشِير عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عن نافع عن بن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشِّرْك وَيَصُوم فَسَأَلَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك وَسَعِيد بْن بَشِير هذا وإن كان قد ضعفه بن الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيّ فَقَدْ قَالَ فِيهِ شُعْبَة كَانَ صَدُوق اللِّسَان وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة كَانَ حَافِظًا وَقَالَ دُحَيْم هُوَ ثِقَة وَقَالَ كَانَ مَشْيَخَتُنَا يُوَثِّقُونَهُ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ يَتَكَلَّمُونَ فِي حِفْظه وَهُوَ يُحْتَمَل وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم سَمِعْت أَبِي يُنْكِر عَلَى مَنْ أَدْخَلَهُ فِي كِتَاب الضُّعَفَاء وَقَالَ محله الصدق وقال بن عَدِيٍّ الْغَالِب عَلَى حَدِيثه الِاسْتِقَامَة
وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَنْ عَمْرو بْن دينار عن بن عُمَر عَنْ عُمَر هَذَا الْحَدِيث وَفِيهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَعْتَكِف ويصوم ولكن تفرد به بن بديل وضعفه الدارقطني وقال بن عَدِيٍّ لَهُ أَحَادِيث مِمَّا يُنْكَر عَلَيْهِ الزِّيَادَة فِي مَتْنه أَوْ إِسْنَاده وَقَالَ أَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ هَذَا حَدِيث مُنْكَر لِأَنَّ الثِّقَات مِنْ أَصْحَاب عَمْرو بْن دِينَار لَمْ يَذْكُرُوهُ مِنْهُمْ بن جريج وبن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بْن زَيْد وَحَمَّاد بْن سَلَمَة وبن بُدَيْل ضَعِيف الْحَدِيث فَهَذَا مِمَّا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى الِاسْتِدْلَال بِهِ
وَحَدِيث سَعِيد بْن بشير أجود منه
وأما حديث بن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِم فَلَهُ عِلَّتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ حَتَّى يُقْبَل مِنْهُ تَفَرُّده بِمِثْلِ هَذَا
الْعِلَّة الثَّانِيَة أَنَّ الْحُمَيْدِيّ وَعَمْرو بْن زُرَارَة رَوَيَاهُ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبَى سهيل عن طاووس عن بن عَبَّاس مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الثابت عن بن عَبَّاس
وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة وَقِصَّة اِعْتِكَاف النَّبِيّ ﷺ الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال فَهَذَا قَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ لَفْظ الصَّحِيح
وَفِيهِ ثَلَاثَة أَلْفَاظ أَحَدهَا عَشْرًا مِنْ شَوَّال وَالثَّانِي فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال وَالثَّالِث الْعَشْر الْأُوَل وَلَا رَيْب أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي اِعْتِكَاف يَوْم الْعِيد وَلَوْ كَانَ الثابت هو
стр. 2228
غَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَوْله الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال اِعْتَكَفَ الْعَشْر الْأُوَل وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَلَّ بِيَوْمٍ مِنْهُ كَمَا يُقَال قَامَ لَيَالِي الْعَشْر الْأَخِير وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَلَّ بِالْقِيَامِ فِي جُزْء مِنْ اللَّيْل
وَيُقَال قَامَ لَيْلَة الْقَدْر وَإِنْ أَخَلَّ بِقِيَامِهِ فِي بَعْضهَا
وَأَمَّا الْأَقْيِسَة الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فَمُعَارَضَة بِأَمْثَالِهَا أَوْ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسهَا فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بِذِكْرِهَا
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي وَهُوَ الِاسْتِدْلَال عَلَى اِشْتِرَاط الصَّوْم فَأُمُور أَحَدُهَا أَنَّهُ لَمْ يُعْرَف مَشْرُوعِيَّة الِاعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ وَلَمْ يَثْبُت عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَلَا أَحَد مِنْ أَصْحَابه أَنَّهُمْ اِعْتَكَفُوا بِغَيْرِ صَوْم وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا عِنْدهمْ لَكَانَتْ شُهْرَته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه ﷺ الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال
الثَّانِي حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَره أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَاب وَقَوْلهَا السُّنَّة كَذَا وَكَذَا وَلَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ
قَالَ النُّفَاةُ الْجَوَاب عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدهَا أَنَّ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق قَالَ فِيهِ أَبُو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس مِمَّنْ يُعْتَمَد عَلَى حِفْظه وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُرْمَى بِالْقَدَرِ
الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ لَا مِنْ قَوْل عَائِشَة كَمَا ذَكَره أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره قَالَ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِف الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه ثُمَّ اِعْتَكَفَ أَزْوَاجه مِنْ بَعْده فَالسُّنَّة فِي الْمُعْتَكِف إِلَى آخِره لَيْسَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قول الزهري ومن أدركه فِي الْحَدِيث فَقَدْ وَهِمَ
الثَّالِث أَنَّ غَايَته الدَّلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف فَإِنَّ قَوْله السُّنَّة إِنَّمَا يُفِيد الِاسْتِحْبَاب
وَقَوْله لَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ نَفْيٌ لِلْكَمَالِ
قَالَ الْمُوجِبُونَ الْجَوَاب عَمًّا ذَكَرْتُمْ أَمَّا تَضْعِيف عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق
فَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فَقَدْ وَهِمَ فَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّا لَوْ تَرَكْنَا هَذَا لَكَانَ مَا ذَكَرْتُمْ فَادِحًا وَلَكِنْ قَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة قَالَتْ مَنْ اِعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْم فَهَذَا يُقَوِّي حَدِيث الزهري
الثاني أنه ولو ثبت أَنَّهُ مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ فَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ السُّنَّة الْمَعْرُوفَة الَّتِي اِسْتَمَرَّ عَلَيْهَا الْعَمَل أَنَّهُ لَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ فَهَلْ عَارَضَ هَذِهِ السُّنَّة سُنَّة غَيْرهَا حَتَّى تُقَابِل بِهِ
стр. 2229
(أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ (أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا) شَكَّ الرَّاوِي () (فَقَالَ اعْتَكِفْ وَصُمْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ نَذْرَ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ عَلَى وِفَاقِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَنِثَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ بن عُمَرَ صَرِيحًا لَكِنَّ إِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ وَقَدْ زَادَ فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ اعْتَكِفْ وَصُمْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ وهو ضعيف
وذكر بن عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى يَوْمًا شَاذَّةٌ
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى نَذْرِهِ شَيْئًا وَأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا صَوْمَ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى الاستحباب فليس المراد بالسنة ها هنا مُجَرَّد الِاسْتِحْبَاب وَإِنَّمَا الْمُرَاد طَرِيقَة الِاعْتِكَاف وَسُنَّة رَسُول اللَّه ﷺ الْمُسْتَمِرَّة فِيهِ
وَقَوْله وَلَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ يُبَيِّن ذَلِكَ
وَقَوْلكُمْ إِنَّهُ لِنَفْيِ الْكَمَال صَحِيح وَلَكِنْ لِنَفْيِ كَمَالِ الْوَاجِب أَوْ الْمُسْتَحَبّ الْأَوَّل مُسَلَّم وَالثَّانِي
مَمْنُوع
وَالْحَمْل عَلَيْهِ بَعِيدٌ جِدًّا إِذَا لَا يَصْلُح النَّفْيُ الْمُطْلَق عِنْد نَفْي بَعْض الْمُسْتَحَبَّات وَإِلَّا صَحَّ النَّفْيُ عَنْ كُلّ عِبَادَةٍ تُرِكَ بَعْض مُسْتَحَبَّاتهَا وَلَا يَصِحّ ذَلِكَ لُغَة وَلَا عُرْفًا وَلَا شَرْعًا وَلَا يُعْهَد فِي الشَّرِيعَة نَفْيُ الْعِبَادَة إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِب فِيهَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُقَال إِنَّ قَوْله وَالسُّنَّة عَلَى الْمُعْتَكِف إِلَى آخِره مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيث فَقَدْ وَهِمَ فِيهِ
قَالَ الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيث فِي سُنَنه عن نافع عن بن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشِّرْك وَيَصُوم فَسَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ بَعْد إِسْلَامه فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِك قَالَ هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظ سَعِيد بْن بَشِير وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَة تَرْفَعهُ لَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصِيَامٍ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ سُوَيْد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ
стр. 2230
(هُوَ مُعْتَكِفٌ) أَيْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (فَقَالَ) عمر (ما هذا) الصوت بالتكبير (ياعبد اللَّهِ) بْنَ عُمَرَ (قَالَ) عُمَرُ (وَتِلْكَ الْجَارِيَةُ) مِنْ سَبَايَا هَوَازِنِ الَّتِي عِنْدَ عُمَرَ كَيْفَ تُحْبَسُ (فَأَرْسَلَهَا) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجَارِيَةَ (مَعَهُمْ) الَّذِينَ أُعْتِقُوا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الخزاعي المكي وهو ضعيف
وقال بن عَدِيٍّ وَلَا أَعْلَمُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وقال الدارقطني تفرد به بن بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ يَقُولُ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لِأَنَّ الثِّقَاتَ مِنْ أَصْحَابِ عمرو لم يذكروه يعني الصوم منهم بن جريج وبن عُيَيْنَةَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وغيرهم
وبن بديل ضعيف الحديث
١ - (باب الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ)
(امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ) وَلِأَبِي ذَرٍّ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ كَمَا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (فَكَانَتْ تَرَى الصُّفْرَةَ) فِيهِ جَوَازُ صَلَاتِهَا كَاعْتِكَافِهَا لَكِنْ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ التَّلْوِيثِ كَدَائِمِ الْحَدَثِ
ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مُكْثِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَصِحَّةِ اعْتِكَافِهَا وَصَلَاتُهَا وَجَوَازِ حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ وَيُلْحَقُ بِهَا دَائِمُ الْحَدَثِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ يَسِيلُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والنسائي وبن ماجه
стр. 2231
[٢٤٧٧]
١٥ - كتاب الجهاد
بكسر الجيم لُغَةً الْمَشَقَّةُ يُقَالُ جَهَدْتُ جِهَادًا بِلُغَةٍ الْمَشَقَّةُ وَشَرْعًا بَذْلُ الْجَهْدِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَوِ البغاة
٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ وَسُكْنَى الْبَدْوِ)
فِي الْقَامُوسِ الْبَدْوُ وَالْبَادِيَةُ وَالَبَادَاتُ وَالْبَدَاوَةُ خِلَافُ الْحَضَرِ
وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ وَسُكْنَى الْبَدْوِ
(عَنِ الْهِجْرَةِ) أَيْ أَنْ يُبَايِعَهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْهِجْرَةُ قَبْلَ الْفَتْحِ (وَيْحَكَ) كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا (إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ) أَيِ الْقِيَامُ بِحَقِّ الْهِجْرَةِ (شَدِيدٌ) لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهَا إِلَّا الْقَلِيلُ وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُتَعَذِّرَةً عَلَى السَّائِلِ شَاقَّةً عَلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَيْهَا (صَدَقَتَهَا) أَيْ زَكَاتَهَا (قَالَ نَعَمْ) لِي إِبِلٌ أُؤَدِّي زَكَاتَهَا (مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ) بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ أَيْ مِنْ وَرَاءِ الْقُرَى وَالْمُدُنِ وَكَأَنَّهُ قَالَ إِذَا كُنْتَ تُؤَدِّي فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْكَ فِي نَفْسِكِ وَمَالِكِ فَلَا تُبَالِ أَنْ تُقِيمَ فِي بَيْتِكَ وَلَوْ كُنْتَ فِي أَبْعَدِ مَكَانٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ
стр. 2232
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُدُنَ وَالْقُرَى الْبِحَارَ (لَنْ يَتِرَكَ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ وَتَرَ يَتِرُ أَيْ لَنْ يَنْقُصَكَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَتَرَهُ مَالَهُ نَقَصَهُ إِيَّاهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّكَ قَدْ تُدْرِكُ بِالنِّيَّةِ أَجْرَ الْمُهَاجِرِ وَإِنْ أَقَمْتَ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ وَسَكَنْتَ أَقْصَى الْأَرْضِ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ إِنَّمَا كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا دُونَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٤٧٨] (عَنِ الْبَدَاوَةِ) أَيِ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَدْوِ وَالْمُقَامِ بِهِ
وَفِيهِ لُغَتَانِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (يَبْدُو) أَيْ يَخْرُجُ إِلَى الْبَادِيَةِ لِحُصُولِ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا
قَالَ فِي الصِّحَاحِ بَدَا الْقَوْمُ بَدْوًا أَيْ خَرَجُوا إِلَى بَادِيَتِهِمْ (إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ) بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ مَجَارِي الْمَاءِ مِنْ أَعْلَى الْأَرْضِ إِلَى بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَاحِدَتُهَا تَلْعَةٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ يَقَعُ عَلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا ارْتَفَعَ مِنْهَا (نَاقَةً مُحَرَّمَةً) بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنَ التَّحْرِيمِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّاقَةُ الْمُحَرَّمَةُ الَّتِي لَمْ تُرْكَبْ وَلَمْ تُذَلَّلْ فَهِيَ غَيْرُ وَطِئَةٌ
وَيُقَالُ أَعْرَابِيٌّ مُحَرَّمٌ إِذَا كَانَ جِلْفًا لَمْ يُخَالِطْ أَهْلَ الْحَضَرِ انْتَهَى (ارْفُقِي) أَيْ لَا تُصَعِّبِي عَلَى النَّاقَةِ (إِلَّا زَانَهُ) مِنَ الزِّينَةِ (إِلَّا شَانَهُ) مِنَ الشَّيْنِ بِمَعْنَى الْعَيْبِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ
٣ - (بَاب فِي الْهِجْرَةِ هَلْ انْقَطَعَتْ)
[٢٤٧٩] (عَنْ حَرِيزٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ زَايٌ هُوَ بن عُثْمَانَ (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ إِلَخْ) فِي هَذَا
стр. 2233
الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ
وحديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ كَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَرْضًا ثُمَّ صَارَتْ مَنْدُوبَةً وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسعة نَزَلَ حِينَ اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ ثُمَّ وَجَبَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْتِقَالِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأُمِرُوا بِالِانْتِقَالِ إِلَى حَضْرَتِهِ لِيَكُونُوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن أحزبهم أَمْرٌ وَلِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَمْرَ دِينِهِمْ
وَكَانَ عِظَمُ الْخَوْفِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَنَجَعَتْ بِالطَّاعَةِ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ وَعَادَ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَالْهِجْرَةُ الْمُنْقَطِعَةُ هِيَ الْفَرْضُ وَالْبَاقِيَةُ هِيَ النَّدْبُ فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا إسناد حديث بن عَبَّاسٍ ﵁ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁ فِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَيْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهُ لَا تَنْقَطِعُ أَيْ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى
قال المنذري وأخرجه النسائي [٢٤٨٠] وقال الخطابي إسناده حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ
(فَتْحُ مَكَّةَ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنَ الْفَتْحِ (لَا هِجْرَةَ) أَيْ وَاجِبَةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أَيْ الْهِجْرَةُ بِسَبَبِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْهِجْرَةُ بِسَبَبِ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ مِنَ الْفِتَنِ بَاقِيَانِ مَدَى الدَّهْرِ (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ (فَانْفِرُوا) بِكَسْرِ الْفَاءِ الثَّانِيَةِ أَيْ إِذَا طَلَبَ مِنْكُمُ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ إِلَى الْغَزْوِ فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ وُجُوبًا فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ
كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٤٨١] (الْمُسْلِمُ) أَيِ الْكَامِلُ (وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ) أَيْ تَرَكَ
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَالْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ
стр. 2234
بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْهِجْرَةِ تَحْصُلُ لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٤ - (بَاب فِي سُكْنَى الشَّامِ)
[٢٤٨٢] (هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ إِلَى الشَّامِ يُرَغِّبُهَا فِي الْقِيَامِ بِهَا وَهِيَ مُهَاجَرُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِمَا وَسَلَّمَ (مُهَاجَرُ إِبْرَاهِيمَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الشَّامُ (تَلْفِظُهُمْ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَقْذِفُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ يُقَالُ قَدْ لَفَظَ الشَّيْءَ لَفْظًا إِذَا رَمَاهُ (أَرْضُوهُمْ) جَمْعُ أَرْضٍ (تَقْذَرُهُمْ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَكْرَهُهُمْ (نَفْسُ اللَّهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ ذَاتُهُ تَعَالَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَأْوِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا وَمُقَامَهُمْ بِهَا فَلَا يُوَفِّقُهُمْ لِذَلِكَ فَصَارُوا بِالرَّدِّ وَعَدَمِ الْقَبُولِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي تَقْذُرُهُ نَفْسُ الإنسان وذكر النفس ها هنا مَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِي الْكَلَامِ وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين انْتَهَى
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ قَذَرْتُ الشَّيْءَ أَقْذُرُهُ إِذَا كَرِهْتُهُ وَاجْتَنَبْتُهُ انْتَهَى (وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ) أَيْ تَجْمَعُهُمْ وَتَسُوقُهُمُ النَّارُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد رواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحه
وَرَوَى الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ عُقْبَة بْن عُثْمَان أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْم بْن عَامِرٍ يُحَدِّث عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ رَأَيْت عَمُود الْكِتَاب اُنْتُزِعَ مِنْ تَحْت وِسَادَتِي فَأَتْبَعْته بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُور سَاطِعٌ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ قَدْ هَوَى بِهِ فَعَمَد بِهِ إِلَى الشَّام وَإِنِّي أَوَّلْت ذَلِكَ أَنَّ الْفِتَن إِذَا وَقَعَتْ أَنَّ الْإِيمَان بِالشَّامِ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده
وَرَوَى شُعْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ
стр. 2235
فَيَفِرُّونَ هَؤُلَاءِ وَالشِّرَارُ مَخَافَةَ النَّارِ مَعَ الْبَهَائِمِ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَالنَّارُ لَا تُفَارِقُهُمْ بِحَالٍ
وَلَيْسَ هَذَا حَشْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِلَّا قِيلَ تَحْشُرُ شِرَارُ أَهْلِهَا إِلَى النَّارِ وَلَا يُقَالُ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ وَلِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقِيلُ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّارَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً بَلْ نَارُ الْفِتْنَةِ وَهَذِهِ الْقَيْلُولَةُ وَالْبَيْتُوتَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي قَوْلِهِ سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ إِلَى قَوْلِهِ تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا انْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيُّ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادٍ أَمْثَلَ مِنْ هَذَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
رسول الله ﷺ إذا فَسَدَ أَهْل الشَّام فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُوم السَّاعَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل قَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ هُمْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَهَذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَرَوَى بَهْزُ بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ قُلْت يَا رَسُول الله أين تأمرني قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حَدِيث حَسَن صَحِيحٌ
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حسن أخبرنا بن لَهِيعَة أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ بن شُمَاسَة عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ إِذْ قَالَ طُوبَى لِلشَّامِ طُوبَى لِلشَّامِ طُوبَى لِلشَّامِ
قُلْت مَا بَال الشَّام قَالَ الْمَلَائِكَة بَاسِطُو أَجْنِحَتهَا عَلَى الشَّام وَرَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّيْلَحِينِيّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حبيب ورواه بن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حبيب عن بن شُمَاسَة حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْد بْن ثَابِت فَذَكَره
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْمَقْدِسِيّ وَهَذَا الْإِسْنَاد عِنْدِي عَلَى شَرْط مُسْلِم
وَفِي صَحِيح البخاري عن بن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا فَقَالَهَا مِرَارًا فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَة أَوْ الرَّابِعَة قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَفِي عِرَاقِنَا قَالَ بِهَا الزَّلَازِل وَالْفِتَن وَبِهَا يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان وَفِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عَبْد اللَّه بْن ضِرَار الْأَسَدِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ قسم الله الخير فجعله عشرة فجعل تِسْعَة أَعْشَاره فِي الشَّام وَبَقِيَّته فِي سَائِر الْأَرْض وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث الْوَلِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ سَلَمَة بْن نَفِيل أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ إِنِّي سَئِمْت الْخَيْل وَأَلْقَيْت السِّلَاح وَوَضَعَتْ الْحَرْب أَوْزَارهَا (قُلْت لَا قِتَال) قَالَ فقال له النبي ﷺ الْآن جَاءَ الْقِتَال لَا تزال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاس يَرْفَع اللَّه قُلُوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله مِنْهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه وَهُمْ عَلَى ذلك ألا إن عقد دَار الْمُؤْمِنِينَ الشَّام وَالْخَيْل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي الْمُسْنَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي قِلَابَةَ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ سَتَخْرُجُ نَار مِنْ حَضْرَمَوْت أَوْ بِحَضْرَمَوْت قَبْل يَوْم الْقِيَامَة تَحْشُر النَّاس قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه فَمَا تَأْمُرنَا قَالَ عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن صحيح غريب من حديث بن عُمَر
وَفِي الْمُسْنَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ
стр. 2236
[٢٤٨٣] (حدثني بحير) بكسر المهملة بن سَعِيدٍ السُّحُولِيِّ أَبُو خَالِدٍ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ (عَنِ بن أبي قتيلة) بالقاف والمثناة مصغرا (عن بن حَوَالَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ (جُنُودًا مُجَنَّدَةً) أَيْ مُخْتَلِفَةً وَقِيلَ مُجْتَمِعَةً وَالْمُرَادُ سَتَصِيرُونَ فِرَقًا ثَلَاثَةً (خِرْ لِي) أَيْ خِرْ لِي خَيْرَ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يسندكن براي من بهترين ازين أمكنه (فَإِنَّهَا) أَيَ الشَّامُ (خِيَرَةُ اللَّهِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ أَيْ مُخْتَارَتُهُ (خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ) أَيِ الْمُخْتَارِينَ مِنْهُمْ (إِذَا أَبَيْتُمْ) أَيِ امْتَنَعْتُمْ مِنَ الْتِزَامِ الشَّامِ (فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ) أَيْ فَالْزَمُوا الْيَمَنَ (مِنْ غُدَرِكُمْ) كَصُرَدٍ جَمْعُ غَدِيرٍ وَهُوَ الْحَوْضُ (تَوَكَّلَ) أَيْ تَكَفَّلَ وَتَضَمَّنَ (لِي بِالشَّامِ) بِأَنْ لَا يُخَرِّبُهُ بِالْفِتْنَةِ (وَأَهْلِهِ) أَيْ تَكَفَّلَ لِي بِأَهْلِ الشَّامِ بِأَنْ لَا تُصِيبَهُ الْفِتْنَةُ وَلَا يُهْلِكَ اللَّهُ بِالْفِتْنَةِ مَنْ أَقَامَ بِهَا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حَدِيث بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ تأمرني قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حَدِيث حَسَن صَحِيح
وَمِنْ حَدِيث الْمُخَلِّص أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن صَاعِد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل السُّلَمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن أَخْبَرَنَا بِشْر بْن عَوْن الْقُرَشِيّ أَبُو عَوْن أَنْبَأَنَا بَكَّار بْن تَمِيم عَنْ مَكْحُول عَنْ وَاثِلَة قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول لِحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَمُعَاذ بْن جَبَل وَهُمَا يَسْتَشِيرَانِهِ فِي الْمَنْزِل فَأَوْمَأَ إِلَى الشَّام ثُمَّ سَأَلَاهُ فَأَوْمَأَ إِلَى الشَّام ثُمَّ سَأَلَاهُ فَأَوْمَأَ إِلَى الشَّام ثُمَّ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا صَفْوَة بِلَاد اللَّه يُسْكِنهَا خِيرَته مِنْ عِبَاده فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ وَيَسْتَقِي مِنْ غُدُره فَإِنَّ اللَّه تَكَفَّلَ لَهُ بِالشَّامِ وَأَهْله وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم عَنْ سُلَيْمَان بِهِ
وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن أَيُّوب بْن مَيْسَرَة بْن حُبَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خُرَيْم بْن فَاتِك الْأَسَدِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول أَهْل الشَّام سَوْط اللَّه فِي أَرْضه يَنْتَقِم بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَحَرَام عَلَى مُنَافِقِيهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى مُؤْمِنِيهِمْ وَلَا يَمُوتُونَ إِلَّا غَمًّا وَهَمًّا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده مَوْقُوفًا وَكَذَلِكَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ وَقَالَ أَحْمَد فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد أَنْبَأَنَا حَمَّاد عَنْ الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي الْمَشَّاء وهو لقيط بن الْمَشَّاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَتَحَوَّل خِيَار أَهْل الْعِرَاق إِلَى الشَّام وَيَتَحَوَّل شِرَار أَهْل الشَّام إِلَى الْعِرَاق وقال
стр. 2237
٨٥ - (بَاب فِي دَوَامِ الْجِهَادِ)
[٢٤٨٤] (عَلَى الْحَقِّ) أَيْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَإِظْهَارِهِ (ظَاهِرِينَ) عَلَى غَالِبِينَ مَنْصُورِينَ (عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ) أَيْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَاءَ إِلَيْهِمْ وَنَأَوْا إِلَيْهِ أَيْ نَهَضُوا لِلْقِتَالِ
وَفِي النِّهَايَةِ النِّوَاءُ وَالْمُنَاوَاةُ الْمُعَادَاةُ (حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ) أَيِ الْمَهْدِيُّ وَعِيسَى ﵇ وَأَتْبَاعُهُمَا
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُتَفَرِّقَةٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ وَمِنْهُمْ فُقَهَاءُ وَمِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ وَمِنْهُمْ زُهَّادٌ وَآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمِنْهُمْ أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وفيه دليل لكون الإجماع حجة وهوأصح مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَمَّا حَدِيثُ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَضَعِيفٌ انْتَهَى (الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ) وَيَقْتُلُهُ عِيسَى ﵇ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شرقي دمشق بباب له مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ حَاصَرَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمِ الْمَهْدِيُّ وَبَعْدَ قَتْلِهِ لَا يَكُونُ الْجِهَادُ بَاقِيًا
أَمَّا عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ إِهْلَاكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ مَا دَامَ عِيسَى ﵇ حَيًّا فِي الْأَرْضِ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
رَسُول اللَّه ﷺ عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ كَذَا رَوَاهُ أَحْمَد أَوَّله مَوْقُوفًا وَآخِره مَرْفُوعًا
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمه مِنْ حَدِيث
стр. 2238
٨٦ - (بَاب فِي ثَوَابِ الْجِهَادِ)
[٢٤٨٥] (فِي شِعْبٍ) هُوَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَقِيلَ الطَّرِيقُ فِيهِ وَالْمُرَادُ الِاعْتِزَالُ فِي أَيِّ مَكَانٍ
قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ (قَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ) أَيْ وَقَاهُمْ شَرَّهُ
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ الشِّعَابُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ وَالْغَالِبُ عَلَى الشِّعَابِ الْخُلُوُّ عَنِ النَّاسِ فَلِذَا مَثَّلَ بِهَا لِلْعُزْلَةِ
وَفِيهِ فَضْلُ الْعُزْلَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْغِيبَةِ وَاللَّغْوِ وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِوُقُوعِ الْفِتْنَةِ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْفِتْنَةِ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه
٧ - (بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ السِّيَاحَةِ)
[٢٤٨٦] مِنْ سَاحَ فِي الْأَرْضِ يَسِيحُ إِذَا ذَهَبَ فِيهَا وَالْمُرَادُ مُفَارَقَةُ الْأَمْصَارِ وَسُكْنَى الْبَرَارِي وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ
(إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي إِلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ كَأَنَّ هَذَا السَّائِلَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الذَّهَابِ فِي الْأَرْضِ قَهْرًا لِنَفْسِهِ بِمُفَارَقَةِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي التَّبَتُّلِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الْقَاسِمُ هَذَا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
стр. 2239
٨٨ - (باب في فضل القفل في الغزو)
[٢٤٨٧] القفل الرجوع
(عن بن شُفَيٍّ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ اسْمُهُ حُسَيْنٌ (قَفْلَةٌ) هِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْقُفُولِ وَهُوَ الرُّجُوعُ مِنْ سَفَرٍ (كَغَزْوَةٍ) يَعْنِي أَنَّ أَجْرَ الْغَازِيِ فِي انْصِرَافِهِ كَأَجْرِهِ فِي ذَهَابِهِ لِأَنَّ فِي قُفُولِهِ إِرَاحَةً لِلنَّفْسِ وَاسْتِعْدَادًا بِالْقُوَّةِ لِلْعَدُوِّ وَحِفْظًا لِأَهْلِهِ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ
كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
قُلْتُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أُخَرَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٩ - (بَاب فَضْلِ قِتَالِ الرُّومِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ)
[٢٤٨٨] (عَنْ فَرَجٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَبِالْجِيمِ (عَنْ عَبْدِ الْخَبِيرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ جَدُّ عَبْدِ الْخَبِيرِ لَا أَبُوهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ الْخَبِيرِ بْنُ قَيْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مَنْسُوبًا إِلَى جَدِّهِ انْتَهَى (وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ) أَيْ مُخْتَمِرَةٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ (إِنْ أُرْزَأُ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي) بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ آخِرُهُ هَمْزَةٌ مِنَ الرُّزْءِ وَهِيَ الْمُصِيبَةُ بِفَقْدِ الْأَعِزَّةِ أَيْ إِنْ أُصِبْتُ بِابْنِي وَفَقَدْتُهُ فَلَمْ أُصَبْ بِحَيَائِي
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ كَذَا قَالَ
وَجَدُّ عَبْدِ الْخَبِيرِ هُوَ ثابت بن
стр. 2240
قَيْسٍ لَا قَيْسُ بْنُ شَمَّاسٍ
قَالَ الْبُخَارِيُّ عَبْدُ الْخَبِيرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ حَدِيثَهُ ليس بالقائم منكر الحديث
وقال بن عَدِيٍّ وَعَبْدُ الْخَبِيرِ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ
([٢٤٨٩] بَاب فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْغَزْوِ)
(قَالَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْبَحْرَ عُذْرٌ لِتَرْكِ الْحَجِّ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِنْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ يَعْنِي وَإِلَّا فَهُوَ مُخَيَّرٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إِلَى الْحَجِّ غَيْرَ الْبَحْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَهُ
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِنَّ عَلَيْهِ رُكُوبَ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبِينُ لِي أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَقَدْ ضَعَّفُوا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى (فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ إِلَخْ) قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَأْوِيلُهُ تَفْخِيمُ أَمْرِ الْبَحْرِ وَتَهْوِيلُ شَأْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْآفَةَ تُسْرِعُ إِلَى رَاكِبِهِ وَلَا يُؤْمَنُ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَمَا لَا يُؤْمَنُ الْهَلَاكُ فِي مُلَابَسَةِ النَّارِ وَمُدَاخَلَتِهَا وَالدُّنُوِّ مِنْهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابٌ رُوِيَ عَنْ بَشِيرٍ هَكَذَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرَ اضْطِرَابَهُ وَقَالَ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ ضَعَّفُوا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ
стр. 2241
٩١ - (بَاب فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ)
[٢٤٩٠] (أُمُّ حَرَامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ خَالَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (بِنْتُ مِلْحَانَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِأُمِّ حَرَامٍ (قَالَ) مِنَ الْقَيْلُولَةِ أَيْ نَامَ وَاسْتَرَاحَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ (وَهُوَ يَضْحَكُ) أَيْ فَرَحًا وَسُرُورًا لِكَوْنِ أُمَّتِهِ تَبْقَى بَعْدَهُ مُتَظَاهِرَةً أُمُورَ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالْجِهَادِ حَتَّى فِي الْبَحْرِ
وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ (مِمَّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ) أَيْ يَرْكَبُ السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي عَلَى ظَهْرِهِ (كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) جَمْعُ سَرِيرٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْ يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسَعَةِ حَالِهِمْ وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ (أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى وَأَنَّهُ عُرِضَ فِيهِ غَيْرُ الْأَوَّلِينَ (فَصَرَعَتْهَا) أَيْ أَسْقَطَتْهَا (فَانْدَقَّتْ) أَيِ انْكَسَرَتْ (فَمَاتَتْ) فِي الطَّرِيقِ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ غَزْوِهِمْ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لِلْقِتَالِ
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 2242
[٢٤٩١] (إِلَى قُبَاءَ) بِضَمِّ قَافٍ وَخِفَّةِ مُوَحَّدَةٍ مَعَ مَدٍّ وَقَصْرٍ مَوْضِعٌ بِمِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ مَصْرُوفٌ عَلَى الصَّحِيحِ (تَفْلِي رَأْسَهُ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ أَيْ تُفَتِّشُ رَأْسَهُ لِتَسْتَخْرِجَ قَمْلَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﷺ وَاخْتَلَفُوا في كيفية ذلك فقال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَتْ خَالَةٌ لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ لِأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ (بِقُبْرُسَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا
قَالَ فِي الْقَامُوسِ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرُّومِ بِهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٢٤٩٢] (الرُّمَيْصَاءِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَدَلٌ مِنْ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالرُّمَيْصَاءُ هَذِهِ هِيَ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ وَالرَّمْصُ اجْتِمَاعُ الْقَذَى فِي مُؤَخِّرِ الْعَيْنِ وَفِي هُدْبِهَا وَقِيلَ اسْتِرْخَاؤُهَا وَانْكِسَارُ الْجَفْنِ وَكَذَلِكَ الْغَمَصُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالرُّمَيْصَاءُ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
وَاعْلَمْ أَنَّ أُمَّ حَرَامٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ شَقِيقَتَانِ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيَّةُ خَالَةُ أَنَسٍ صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ
وَقَالَ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَالِدَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ اشْتَهَرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَكَانَتْ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ الْفَاضِلَاتِ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ لِأُمِّ حَرَامٍ الرُّمَيْصَاءُ وَلِأُمِّ سُلَيْمٍ الْغُمَيْصَاءُ
فَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي أُمُّ حَرَامٍ هِيَ خَالَةُ أَنَسٍ وَكَانَ يُقَالُ لَهَا الرُّمَيْصَاءُ وَلِأُمِّ سُلَيْمٍ الْغُمَيْصَاءُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ
стр. 2243
وَالْبَاقِي مِثْلُهُ
قَالَ عِيَاضٌ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ
وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ الْغُمَيْصَاءُ وَالرُّمَيْصَاءُ هِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الرُّمَيْصَاءِ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ لَكَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي دَاوُدَ الرُّمَيْصَاءُ أُخْتُ أُمُّ سُلَيْمٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ
[٢٤٩٣] (الْجَوْبَرِيُّ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ) أَيِ الَّذِي يَدُورُ رَأْسُهُ مِنْ رِيحِ الْبَحْرِ وَاضْطِرَابِ السَّفِينَةِ بِالْأَمْوَاجِ مِنَ الْمَيْدِ وَهُوَ التَّحَرُّكُ وَالِاضْطِرَابُ (وَالْغَرِقُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الَّذِي يَمُوتُ بِالْغَرَقِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي غَلَبَهُ الْمَاءُ وَلَمْ يَغْرَقْ فَإِذَا غَرِقَ فَهُوَ غَرِيقٌ وَرَدَّهُ فِي الْمَشَارِقِ
وَقَالَ الْغَرِقُ وَالْغَرِيقُ كِلَاهُمَا وَاحِدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ هِلَالُ بْنُ ميمون الرملي قال بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ
[٢٤٩٤] (ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ مَضْمُونٌ عَلَى اللَّهِ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي عِيشَةٍ راضية أي مرضية وقوله كلهم يريدكل وَاحِدٍ مِنْهُمْ
وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي كُلِّ بِمَعْنَى كُلِّ وَاحِدٍ فَكُلُّهُمُ لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهِمُ إِذَا جَاءَ أَلْقَى خَدَّهُ يَتَسَمَّعَا (خَرَجَ غَازِيًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِلْغَزْوِ (وَرَجُلٌ رَاحَ) أَيْ مَشَى (وَرَجُلٌ دخل بيته
стр. 2244
بِسَلَامٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم الْآيَةِ وَالْوَجْهَ الْآخَرَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِدُخُولِ بَيْتِهِ بِسَلَامٍ لُزُومَ الْبَيْتِ مِنَ الْفِتَنِ يُرَغِّبُ بِذَلِكَ فِي الْعُزْلَةِ وَيَأْمُرُ فِي الْإِقْلَالِ مِنَ الْمُخَالَطَةِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٢ - (بَاب فِي فَضْلِ مَنْ قَتَلَ كَافِرًا)
[٢٤٩٥] (لَا يَجْتَمِعُ فِي النَّارِ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ قَتَلَ كَافِرًا فِي الْجِهَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ حَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِقَابُهُ إِنْ عُوقِبَ بِغَيْرِ النَّاسِ كَالْحَبْسِ فِي الْأَعْرَافِ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوَّلًا وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَوْ يَكُونُ إِنْ عُوقِبَ بِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ عِقَابِ الْكُفَّارِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي إِدْرَاكِهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٣ - (بَاب فِي حُرْمَةِ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ)
[٢٤٩٦] (عَلَى الْقَاعِدِينَ) أَيْ مِنَ الْجِهَادِ فِي بُيُوتِهِمْ (كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا تَحْرِيمُ التَّعَرُّضِ لَهُنَّ بِرِيبَةٍ مِنْ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَخَلْوَةٍ وَحَدِيثٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالثَّانِي فِي بِرِّهِنَّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَفْسَدَةٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى رِيبَةٍ (يَخْلُفُ رَجُلًا) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ يَصِيرُ خَلِيفَةً لَهُ وَيَنُوبُهُ (فِي أَهْلِهِ) أَيْ فِي إِصْلَاحِ حَالِ عِيَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُجَاهِدِ وَقَضَاءِ حَاجَاتُهُمْ وَالْمُرَادُ ثُمَّ يَخُونُهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (إِلَّا نُصِبَ
стр. 2245
بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ وُقِفَ الْخَائِنُ (لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ وَلِأَجْلِ مَا فَعَلَ مِنْ سُوءِ الْخِلَافَةِ لِلْغَازِي (فَقَالَ وَمَا ظَنُّكُمْ) أَيْ مَا تَظُنُّونَ فِي رَغْبَتِهِ فِي أَخْذِ حَسَنَاتِهِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَيْ لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ إِنْ أَمْكَنَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنِذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٤ - (بَاب فِي السَّرِيَّةِ تَخْفِقُ)
[٢٤٩٧] مِنَ الْإِخْفَاقِ وَهُوَ أَنْ يَغْزُوَ فَلَا يَغْنَمُ شَيْئًا
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْإِخْفَاقُ أَنْ يَغْزُوا فَلَا يَغْنَمُوا شَيْئًا وَكَذَلِكَ كُلُّ طَالِبِ حَاجَةٍ إِذَا لَمْ تَحْصُلْ فَقَدْ أَخْفَقَ وَمِنْهُ أَخْفَقَ الصَّائِدُ إِذَا لَمْ يَقَعْ لَهُ صَيْدٌ
وَالسَّرِيَّةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تُبْعَثُ لِلْجِهَادِ
(مَا مِنْ غَازِيَةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ غَازِيَةٍ (إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ) بِضَمِّ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ أَيِ اسْتَوْفُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا (مِنَ الْآخِرَةِ) أَيْ مِنْ أَجْرِهَا (تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) أَيْ أَجْرُهُمْ بَاقٍ بِكَمَالِهِ لَمْ يَسْتَوْفُوا مِنْهُ شَيْئًا فَيُوَفَّرُ عَلَيْهِمْ بِتَمَامِهِ فِي الْآخِرَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْغُزَاةَ إِذَا سَلِمُوا وَغَنِمُوا يَكُونُ أَجْرُهُمْ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مَنْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَمْ وَأَمَّا الْغَنِيمَةُ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْرِ غَزْوِهِمْ فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمُ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْغَزْوِ وَتَكُونُ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْرِ وَأَطَالَ النَّوَوِيُّ الْكَلَامَ فِي هَذَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
следующие страницы →