← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ مَرْفُوعًا مَنْ أَخَذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ مَكَانَهَا قَوْسًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَنْ أَخَذَ عَلَى الْقُرْآنِ أَجْرًا فَذَاكَ حَظُّهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي إِسْنَادِهِ كذاب وفي سنن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِي سنده أيضا ضعف قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو هَاشِمٍ الْمَوْصِلِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيعٌ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ وَكُلُّ حَدِيثٍ رَفَعَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ [٣٤١٧] (جَمْرَةُ) فِي الْقَامُوسِ الْجَمْرَةُ النَّارُ الْمُتَّقِدَةُ جَمْعُ جَمْرٍ (تَقَلَّدْتُهَا) عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ([٣٤١٨] بَاب فِي كَسْبِ الْأَطِبَّاءِ) جَمْعُ طَبِيبٍ (أَنَّ رَهْطًا) فِي الْقَامُوسِ الرَّهْطُ قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ وَمِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ أَوْ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَمَا فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا وَاحِدٌ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ (فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) أَيْ فِي سَرِيَّةٍ عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ كَمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ (فَنَزَلُوا) أَيْ لَيْلًا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ (بِحَيٍّ) أَيْ قَبِيلَةٍ

стр. 3047

(فَاسْتَضَافُوهُمْ) أَيْ طَلَبُوا مِنْهُمُ الضِّيَافَةَ (فَأَبَوْا) أَيِ امْتَنَعُوا (أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَيُرْوَى يُضِيفُوهُمْ بِكَسْرِ الضَّادِ وَالتَّخْفِيفِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَلُدِغَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ لُسِعَ (سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ) أَيْ بِعَقْرَبٍ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَلَمْ يُسَمِّ سَيِّدَ الْحَيِّ (فَشَفَوْا لَهُ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ طَلَبُوا لَهُ الشِّفَاءَ أَيْ عَالَجُوهُ بِمَا يَشْفِيهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ عَالَجُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهِ وَالْعَرَبُ تَضَعُ الشِّفَاءَ مَوْضِعَ الْعِلَاجِ انْتَهَى (رُقْيَةً) الرُّقْيَةُ كَلَامٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالرُّقْيَةُ بِالضَّمِّ الْعُوذَةُ وَالْجَمْعُ رُقًى وَرَقَاهُ رَقْيًا وَرُقْيَةً نَفَثَ فِي عُوذَتِهِ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الرَّاوِي كَمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ (إِنِّي لَأَرْقِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ (جُعْلًا) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ هُوَ مَا يُعْطَى عَلَى الْعَمَلِ (قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ) قال بن التِّينِ الْقَطِيعُ هُوَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُنْقَطِعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ الرَّهْطِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِكُلِّ رَجُلٍ شَاةً (فَقَرَأَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اللَّدِيغِ بِأُمِّ الْكِتَابِ أَيِ الْفَاتِحَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ وَفِي أُخْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالزِّيَادَةُ أَرْجَحُ (وَيَتْفُلُ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ يَنْفُخُ نَفْخًا معه أدنى بزاق قال بن أَبِي جَمْرَةَ مَحِلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِتَحْصُلَ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ انْتَهَى وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَفَلَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي (كَأَنَّمَا أُنْشِطَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ (مِنْ عِقَالٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا قَافٌ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ ذراع البهيمة

стр. 3048

قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ حُلَّ مِنْ وَثَاقٍ وَيُقَالُ نَشَّطْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَدَدْتَهُ وَأَنْشَطْتَهُ إِذَا فَكَكْتَهُ وَالْأُنْشُوطَةُ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ (فَأَوْفَاهُمْ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِسَيِّدِ ذَلِكَ الْحَيِّ وَالْمَنْصُوبُ لِلرَّهْطِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَفَّى فُلَانًا حَقَّهُ أَعْطَاهُ وَافِيًا كَوَفَاهُ وَأَوْفَاهُ (لَا تَفْعَلُوا) أَيْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْقِسْمَةِ (أَحْسَنْتُمْ) أَيْ فِي الرُّقْيَةِ أَوْ فِي تَوَقُّفِكُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى اسْتَأْذَنْتُمُونِي أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ (وَاضْرِبُوا) أَيِ اجْعَلُوا (لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ) أَيْ نَصِيبٍ وَالْأَمْرُ بِالْقِسْمَةِ مِنْ بَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ لِلرَّاقِي وَإِنَّمَا قَالَ اضْرِبُوا لِي تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَمُبَالَغَةً فِي أَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا تَصْرِيحٌ لِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَالذِّكْرِ وَأَنَّهَا حَلَالٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَكَذَا الْأُجْرَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَأَجَازَهَا فِي الرُّقْيَةِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ [٣٤١٩] (عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ أَكْبَرُ إِخْوَتِهِ ثِقَةٌ (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ [٣٤٢٠] (عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَارِجَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِزِيَادَةِ

стр. 3049

لَفْظِ أَبِي وَهُوَ غَلَطٌ (مِنْ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ) أَيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِخَيْرٍ) أَيْ بِالْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ (بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ) أَيْ مَجْنُونٍ وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَقِيلَ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ ذَكَرَهُ القارىء وَفِي الْمَجْمَعِ الْمَعْتُوهُ هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُصَابُ بِعَقْلِهِ وَقَدْ عَتَهَ فَهُوَ مَعْتُوهٌ (غَدْوَةً وَعَشِيَّةً) أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا (وَكُلَّمَا خَتَمَهَا) أَيْ أُمَّ الْقُرْآنِ (جَمَعَ بُزَاقَهُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَاءُ الْفَمِ (كُلْ) أَمْرٌ مِنَ الْأَكْلِ (فَلَعَمْرِي) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ لَحَيَاتِي وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَفِي قَوْلِهِ (لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ) جَوَابُ الْقَسَمِ أَيْ وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَفِي قَوْلِهِ (لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ) جَوَابُ الْقَسَمِ أَيْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ كَذِكْرِ الْكَوَاكِبِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا وَبِالْجِنِّ (لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ) أَيْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعُمْرِهِ لَمَّا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَيْثُ قَالَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يعمهون قَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّهُ كَانَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْإِقْسَامِ وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يعمهون قِيلَ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ وَمَا أَقْسَمَ بحياة أحد قط كرامة له ومن فِي لَمَنْ أَكَلَ شَرْطِيَّةٌ وَاللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وَالثَّانِيَةُ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ سَادٌّ مَسَدَّ الْجَزَاءِ أَيْ لَعَمْرِي لَإِنْ كَانَ نَاسٌ يَأْكُلُونَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَأَنْتَ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ أَكَلْتَ بَعْدَ قَوْلِهِ كُلْ دَلَالَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ وَأُجْرَتُهُ صَحِيحَةٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَعَمُّ خَارِجَةَ هُوَ عَلَاقَةُ بْنُ صُحَارٍ (بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) التَّمِيمِيُّ السَّلِيطِي لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ اسْمُهُ الْعَلَاءُ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ وَقِيلَ عُلَاثَةَ وَيُقَالُ سَحَّارُ (أَيْ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) بِالتَّخْفِيفِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ انْتَهَى كَلَامُ المنذري

стр. 3050

٣ - (بَاب فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ) [٣٤٢١] (كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ) أَيْ حَرَامٌ (وَمَهْرُ الْبَغِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ فَعُولٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْفَاعِلَةِ مِنْ بَغَتِ الْمَرْأَةُ بِغَاءً بِالْكَسْرِ إِذَا زَنَتْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَا تُكْرِهُوا فتياتكم على البغاء وَمَهْرُ الْبَغِيِّ هُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزنى وَسَمَّاهُ مَهْرًا لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا ثَمَنُ الْكَلْبِ فَفِي حُرْمَتِهِ اخْتِلَافٌ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ وَأَمَّا كَسْبُ الْحَجَّامِ فَفِيهِ أَيْضًا اخْتِلَافٌ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي النَّيْلِ إِنَّهُ حَرَامٌ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَذَهَبَ الجمهور إلى أنه حلال واستدلوا بحديث بن عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِيَيْنِ فِي الْبَابِ وَقَالُوا إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبِيثِ فِي قَوْلِهِ كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا لِدَنَاءَتِهِ وَخِسَّتِهِ لَا الْمُحَرَّمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ منه تنفقون فَسَمَّى رَاذِلَ الْمَالِ خَبِيثًا وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَهُوَ صَحِيحٌ إِذَا عَرَفَ التَّارِيخَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّ مَعْنَى الْخَبِيثِ فِي قَوْلِهِ كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ الدَّنِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَمَنُ الْكَلْبِ خبيث ومهر الْبَغِيِّ خَبِيثٌ فَمَعْنَاهُ الْمُحَرَّمُ وَقَدْ يَجْمَعُ الْكَلَامُ بَيْنَ الْقَرَائِنِ فِي اللَّفْظِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعَانِي وَذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ فِيهَا وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْفَصْلِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَبَعْضُهُ عَلَى النَّدْبِ وَبَعْضُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبَعْضُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِ الْأُصُولِ وَبِاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٣٤٢٢] (عن بن مُحَيْصَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ أَوْ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ (فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ) أَيْ فِي أُجْرَتِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ أَيْ فِي أَخْذِهَا أَوْ أَكْلِهَا (فَنَهَاهُ عَنْهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلِارْتِفَاعِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن بن محيصة بفتح المهملة الأولى والثانية بينهما تحتانية ساكنة أو مكسورة مشددة في إجارة الحجام أي في أجرته كما في رواية الموطأ أي في أخذها أو أكلها فنهاه عنها قال النووي هذا نهي تنزيه للإرتفاع عن

стр. 3051

عَنْ دَنِيءِ الِاكْتِسَابِ وَلِلْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرَّقْ فيه بين الحر والعبد فإنه لايجوز لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ مَا لَا يَحِلُّ (فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ) أَيْ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي أَكْلِهَا فَإِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ لَهُمْ أَرِقَّاءُ كَثِيرُونَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ خَرَاجِهِمْ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَطْيَبِ الْمَكَاسِبِ فَلَمَّا سَمِعَ مُحَيْصَةُ نَهْيَهُ ذَلِكَ وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى أَكْلِ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ تَكَرَّرَ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (اعْلِفْهُ) أَيْ أَطْعِمْهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعَلْفُ كَالضَّرْبِ الشُّرْبُ الْكَثِيرُ وَإِطْعَامُ الدَّابَّةِ كَالْإِعْلَافِ (نَاضِحَكَ) هُوَ الْجَمَلُ الَّذِي يُسْقَى بِهِ الْمَاءُ (وَرَقِيقَكَ) أَيْ عَبْدَكَ لِأَنَّ هَذَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا شَرَفٌ يُنَافِيهِ دَنَاءَةُ هَذَا الْكَسْبِ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْحَجَّامِ حَلَالٌ لِلْعَبْدِ دُونَ الْحُرِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِالْحِجَامَةِ وَقَالُوا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ محيصة هذا قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن وقال بن مَاجَهْ حَرَامُ بْنُ مُحَيْصَةَ عَنْ أَبِيهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ وَيُقَالُ أَبُو سَعِيدٍ حَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيْصَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ الْمَدَنِيُّ وَيُقَالُ حَرَامُ بْنُ مُحَيْصَةَ يُنْسَبُ إِلَى الْجَدِّ وَيُقَالُ حَرَامُ بْنُ سَاعِدَةَ وَهُوَ بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٣٤٢٣] (وَلَوْ عَلِمَهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَ الْحَجَّامِ (خَبِيثًا) أَيْ حَرَامًا (لَمْ يُعْطِهِ) أَيِ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي إِبَاحَتِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٣٤٢٤] (حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَاسْمُهُ نَافِعٌ (وأمر

стр. 3052

أَهْلَهُ) أَيْ سَادَاتَهُ وَكَانَ مَمْلُوكًا لِجَمَاعَةٍ وَهُمْ بَنُو بَيَاضَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي طَيْبَةَ (مِنْ خَرَاجِهِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يُقَرِّرُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَكَانَ خَرَاجُهُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا كَذَا فِي الْمَجْمَعِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ ([٣٤٢٥] بَابُ فِي كَسْبِ الْإِمَاءِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَةٍ (عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ قَبْلَ الْمُهْمَلَةِ (عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ) أَيْ بِالْفُجُورِ لَا مَا تَكْتَسِبُهُ بِالصَّنْعَةِ وَالْعَمَلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَتْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ إِمَاءٌ مُعَدَّةٌ يَخْدِمْنَ النَّاسَ عَلَيْهِنَّ ضَرَائِبُ وَيَخْبِزْنَ وَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيَصْنَعْنَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الصِّنَاعَاتِ وَيُؤَدِّينَ الضَّرِيبَةَ إِلَى سَادَتِهِنَّ وَالْإِمَاءُ إِذَا دَخَلْنَ تِلْكَ الْمَدَاخِلَ وَتَبَذَّلْنَ ذَلِكَ الْبَذْلَ وَهُنَّ مُجَارَحَاتٌ وَعَلَيْهِنَّ ضَرَائِبُ لَمْ يُؤْمَنَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ بَعْضِهِنَّ الْفُجُورُ وَأَنْ يَكْتَسِبْنَ بِالسِّفَاحِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ كَسْبِهِنَّ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِنَّ وَجْهٌ مَعْلُومٌ يَكْتَسِبْنَهُ بِهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ وَأَشَدُّ فِي الْكَرَاهَةِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٤٢٦] (جَاءَ رَافِعُ بْنُ رِفَاعَةَ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الأطراف رافع هذا غير معروف وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ رَافِعُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ لَا تَصِحُّ لَهُ صحبة والحديث غلط وقال الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ لَمْ أَرَهُ فِي الْحَدِيثِ مَنْسُوبًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ رَافِعَ بْنَ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ لَا صُحْبَةَ لَهُ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ وَأَمَّا كَوْنُ الْإِسْنَادِ غَلَطًا فَلَمْ يُوَضِّحْهُ وَقَدْ أخرجه بن مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَالَ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصعود

стр. 3053

(وَقَالَ هَكَذَا بِأَصَابِعِهِ) يَعْنِي الثَّلَاثَ قَالَهُ فِي النَّيْلِ (نَحْوَ الْخَبْزِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ بَعْدَهَا زَايٌ يَعْنِي عَجْنَ الْعَجِينِ وَخَبْزَهُ (وَالْغَزْلِ) أَيْ غَزْلُ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالشَّعْرِ (وَالنَّفْشِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ والمراد نفش به الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَنَدْفُ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ النَّقْشِ بِالْقَافِ وَهُوَ التَّطْرِيزُ قَالَهُ فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْإِشْرَاقِ عُقَيْبَ هَذَا الْحَدِيثِ رَافِعٌ هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ مجهول [٣٤٢٧] (يعني بن هرير) مصغرا برائين (مِنْ أَيْنَ هُوَ) أَيْ مِنْ وَجْهِ الْحَلَالِ أَوِ الْحَرَامِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ([٣٤٢٨] بَاب حُلْوَانِ الْكَاهِنِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كِهَانَتِهِ قَالَ الْهَرَوِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شَبَّهَ الْمُعْطَى بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذُهُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ وَهَذَا الْبَابُ مَعَ حَدِيثِهِ لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأُخَرِ وَسَيَجِيءُ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ أَثْمَانِ الْكِلَابِ (وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى الْإِخْبَارَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ وَكَانَتْ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ تَابِعَةً مِنَ الْجِنِّ تُلْقِي إِلَيْهِمُ الْأَخْبَارَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يُدْرِكُ الْأُمُورَ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتٍ وَأَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهِمَا عَلَى مَوَاقِعِهَا

стр. 3054

كَالشَّيْءِ يُسْرَقُ فَيَعْرِفُ الْمَظْنُونَ بِهِ لِلسَّرِقَةِ وَمُتَّهِمِ الْمَرْأَةِ بِالزِّنْيَةِ فَيَعْرِفُ مَنْ صَاحِبُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ الْأُمُورِ كَإِتْيَانِ الْمَطَرِ وَمَجِيءِ الْوَبَاءِ وظهور القتال وطالع نحس أو سعيد وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الْكَاهِنِ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وَعَلَى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِمْ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي وَمَعَالِمِ السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ ([٣٤٢٩] بَاب فِي عَسْبِ الْفَحْلِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفِي آخِرِهِ مُوَحَّدَةٌ وَالْفَحْلُ الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ فَرَسًا كَانَ أَوْ جَمَلًا أَوْ تَيْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَعَسْبَهُ مَاؤُهُ وَضِرَابُهُ أَيْضًا عَسَبَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ يَعْسِبُهَا عَسْبًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ عَسْبُ الْفَحْلِ مَاؤُهُ فَرَسًا كَانَ أَوْ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَعَسْبُهُ أَيْضًا ضِرَابُهُ انْتَهَى (عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ) أَيْ عَنْ كِرَاءِ ضِرَابِهِ وَأُجْرَةِ مَائِهِ نَهَى عَنْهُ لِلْغَرَرِ لِأَنَّ الفحل قد يضرب وقد لايضرب وَقَدْ لَا يُلَقِّحُ الْأُنْثَى وَبِهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ وَأَمَّا الْإِعَارَةُ فَمَنْدُوبٌ ثُمَّ لَوْ أَكْرَمَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِشَيْءٍ جَازَ قَبُولُ كَرَامَتِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّهْيَ عَنِ الْكِرَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَيْهِ فَإِنَّ إِعَارَةَ الْفَحْلِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَمِنْ حَقِّهَا إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَوَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ عَسْبِ الْفَحْلِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ يُقَالُ لِكِرَاءِ الْفَحْلِ عَسْبٌ وَعَسَبَ الْفَحْلَ يَعْسِبُهُ أَيْ أَكْرَاهُ وَعَسَبْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَعْطَيْتُهُ كِرَاءَ ضِرَابِ فَحْلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي فِيهِ وَلَا بُدَّ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ تَعْيِينِ الْعَمَلِ وَمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ([٣٤٣٠] بَاب فِي الصَّائِغِ) (عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ السَّهْمِيُّ انْتَهَى وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو مَاجِدَةَ السَّهْمِيُّ

стр. 3055

أو بن مَاجِدَةَ قِيلَ اسْمُهُ عَلِيٌّ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلَةً (أَوْ قُطَعِ مِنْ أُذُنِي) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ (فَرَفَعْنَا) قِيلَ فَتْحُ الْعَيْنِ أَظْهَرُ مِنْ سُكُونِهِ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ) ذَكَرَ الْحَدِيثَ عَلَى تَقْرِيبِ ذِكْرِ الْحَجَّامِ لَا لِلِامْتِنَاعِ عَنِ الْقِصَاصِ (إِنِّي وَهَبْتُ لِخَالَتِي) ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ اسْمَهَا فَاخِتَةَ بِنْتَ عَمْرٍو وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وَهَبْتُ لِخَالَتِي فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو الزُّهْرِيَّةِ خَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (لَا تُسَلِّمِيهِ حَجَّامًا إِلَخْ) أَيْ لَا تَعْطِيهِ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ إِحْدَى هَذِهِ الصَّنَائِعَ إِذِ الْحَجَّامُ وَالْقَصَّابُ يُبَاشِرَانِ نَجَاسَةً يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا وَالصَّائِغُ يَدْخُلُ صَنْعَتُهُ غِشٌّ وَرُبَّمَا يَصْنَعُ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوْ حُلِيًّا لِلرِّجَالِ وَلِكَثْرَةِ الْوَعْدِ وَالْكَذِبِ فِي إِنْجَازِ مَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي طُرُقِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وقد تكلم الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَأَبُو مَاجِدَةَ السَّهْمِيُّ لَمْ أَجِدْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَلَى هَذَا (قَالَ أَبُو داود روى عبد الأعلى عن بن إسحاق قال بن مَاجِدَةَ إِلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَفِي رِوَايَةِ اللؤلؤي عن أبي داود بن ماجدة وقال بن أبي حاتم عن أبيه علي بن مَاجِدَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يكون كنية علي بن مَاجِدَةَ أَبَا مَاجِدَةَ فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَيْنِ انْتَهَى

стр. 3056

٨ - (بَاب فِي الْعَبْدِ يُبَاعُ وَلَهُ مَالٌ) [٣٤٣٣] (مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَالِكٍ ﵀ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْقَدِيمُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا مَلَكَهُ لَكِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا أَصْلًا وَتَأَوَّلَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الْمَالُ إِلَى الْعَبْدِ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِانْتِفَاعِ لَا لِلْمِلْكِ كَمَا يُقَالُ جَلَّ الدَّابَّةَ وَسَرَّجَ الْفَرَسَ وَإِلَّا فَإِذَا بَاعَ سَيِّدٌ الْعَبْدَ فَذَلِكَ الْمَالُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ بَاعَ شَيْئَيْنِ الْعَبْدَ وَالْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَا وَيُشْتَرَطُ الِاحْتِرَازُ مِنَ الرِّبَا انْتَهَى (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) أَيِ الْمُشْتَرِي (وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا إِلَخْ) مِنَ التَّأْبِيرِ وَهُوَ التَّشْقِيقُ وَالتَّلْقِيحُ وَمَعْنَاهُ شَقُّ طَلْعِ النَّخْلَةِ الْأُنْثَى لِيُذَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ النَّخْلَةِ الذَّكَرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ تَدْخُلِ الثَّمَرَةُ فِي الْبَيْعِ بَلْ تَسْتَمِرُّ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَخَالَفَهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَا تَكُونُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وبعده وقال بن أَبِي لَيْلَى تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا وَكِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقَعْ شَرْطٌ مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ وَلَا مِنَ الْبَائِعِ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ الثَّمَرَةَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِلشَّارِطِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُؤَبَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه

стр. 3057

[٣٤٣٤] (عن نافع عن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ) فِي بَعْضِ النسخ عن نافع عن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ موقوفا (وعن نافع عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بقصة ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ اختلف سالم ونافع على بن عُمَر فِي هَذَا الْحَدِيث فَسَالِم رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ مَرْفُوعًا فِي الْقِصَّتَيْنِ جَمِيعًا قِصَّة الْعَبْد وَقِصَّة النَّخْل وَرَوَاهُ نَافِع عَنْهُ فَفَرَّقَ بَيْن الْقِصَّتَيْنِ فَجَعَلَ قِصَّة النَّخْل عَنْ النَّبِيّ ﷺ وقصة العبد عن بن عُمَر عَنْ عُمَر فَكَانَ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَجَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ يَحْكُمُونَ لِنَافِعٍ وَيَقُولُونَ مَيَّزَ وَفَرَّقَ بَيْنهمَا وَإِنْ كَانَ سَالِم أَحْفَظ مِنْهُ وَكَانَ الْبُخَارِيّ وَالْإِمَام أَحْمَد وَجَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ يَحْكُمُونَ لِسَالِمٍ وَيَقُولُونَ هُمَا جَمِيعًا صَحِيحَانِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَقَدْ رَوَى جَمَاعَة أَيْضًا عَنْ نَافِع عَنْ النَّبِيّ ﷺ قِصَّة الْعَبْد كَمَا رَوَاهُ سَالِم مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيد وَعَبْد رَبّه بْن سَعِيد وَسُلَيْمَان بْن مُوسَى وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عن نافع عن بن عُمَر يَرْفَعهُ وَزَادَ فِيهِ وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَال فَمَاله لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِط السَّيِّد مَاله فَيَكُون لَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا بِخِلَافِ رِوَايَة الْجَمَاعَة وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ رِوَايَتهمْ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَة مُسْتَقِلَّة رَوَاهَا أَحْمَد فِي مُسْنَده وَاحْتَجَّ بِهَا أَهْل الْمَدِينَة فِي أَنَّ الْعَبْد إِذَا أَعْتَقَ فَمَاله لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطهُ سَيِّده كَقَوْلِ مَالِك وَلَكِنْ عِلَّة الْحَدِيث أَنَّهُ ضَعِيف قَالَ الْإِمَام أَحْمَد يَرْوِيه عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر مِنْ أَهْل مِصْر وَهُوَ ضَعِيف فِي الْحَدِيث كَانَ صَاحِب فِقْه فَأَمَّا فِي الْحَدِيث فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِالْقَوِيِّ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد هَذَا الْحَدِيث خَطَأ وَكَانَ بن عُمَر إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَعْرِض لِمَالِهِ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد هَذَا عَبْدك عَلَى التَّفْصِيل أَيّ لَعَمْرِي عَلَى التَّفْصِيل قِيلَ لَهُ فَكَأَنَّهُ عِنْدك لِلسَّيِّدِ فَقَالَ نَعَمْ لِلسَّيِّدِ مِثْل الْبَيْع سواء

стр. 3058

النخل) قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَاخْتَلَفَ الزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ إِلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَاخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ وَسَالِمٍ فِي رَفْعِ مَا عَدَا النَّخْلِ فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ النَّخْلِ وَالْعَبْدِ مَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَخَالَفَهُمْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فزاد فيه بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا لِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرَوَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بن عمر وغيرهم عن نافع عن بن عمر قصة النخل وعن بن عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قِصَّةَ الْعَبْدِ مَوْقُوفَةً كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا وَجَزَمَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ نَافِعٍ الْمُفَصَّلَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَالِمٍ وَمَالَ عَلِيُّ بن المديني والبخاري وبن عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ سَالِمٍ وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ رَفْعُ الْقِصَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ وَهُوَ وَهَمٌ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ مَا هُوَ إِلَّا عَنْ عُمَرَ شَأْنَ الْعَبْدِ وَهَذَا لَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ صَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ وَجَوَّزَ أَنْ يكون الحديث عند نافع عن بن عُمَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ انْتَهَى [٣٤٣٥] (حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِلَخْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ ([٣٤٣٦] بَاب فِي التَّلَقِّي) (لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) بِأَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ افْسَخْ لِأَبِيعَكَ خَيْرًا مِنْهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أَوْ مِثْلَهُ بِأَنْقَصَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَكَذَا الشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ بِأَنَّهُ يَقُولُ لِلْبَائِعِ افْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْكَ بِأَزْيَدَ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ) بِكَسْرِ

стр. 3059

السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ السِّلْعَةِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وهي المتاع وما يتجر به والمراد ها هنا الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الرُّكْبَانُ إِلَى الْبَلْدَةِ لِيَبِيعُوا فِيهَا (حَتَّى يُهْبَطَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُنْزَلَ (بِهَا) أَيِ السِّلَعِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْمَعْنَى حَتَّى يُسْقِطَهَا عَنْ ظَهْرِ الدَّوَابِّ فِي السُّوقِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمَّا النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ قَبْلَ وُرُودِهَا السُّوقَ فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كَرَاهِيَةُ الْغَبْنِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عَادَةِ أُولَئِكَ أَنْ يَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمُوا الْبَلَدَ وَيَعْرِفُوا سِعْرَ السُّوقِ فَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّ السِّعْرَ سَاقِطٌ وَالسُّوقُ كَاسِدَةٌ وَالرَّغْبَةُ قَلِيلَةٌ حَتَّى يَخْدَعُوهُمْ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَبْتَاعُونَ مِنْهُمْ بِالْوَكْسِ مِنَ الثَّمَنِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ إِذَا قَدِمَ السُّوقَ فَوَجَدَ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ انْتَهَى قَالَ فِي النَّيْلِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا لَا يَجُوزُ تَلَقِّي الرُّكْبَانَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أو مكروه فقط وحكى بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ التَّلَقِّي وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَأَنْ يُلَبِّسَ السِّعْرَ عَلَى الْوَارِدِينَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا [٣٤٣٧] (نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبَ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمَجْلُوبِ يُقَالُ جَلَبَ الشَّيْءَ جَاءَ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ لِلتِّجَارَةِ (مُشْتَرٍ) لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا اللَّفْظُ (فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَنْعَقِدْ وَقَدْ قَالَ بِالْفَسَادِ الْمُرَادِفِ لِلْبُطْلَانِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ ذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 3060

([٣٤٣٨] بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ النَّجْشِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ (لَا تَنَاجَشُوا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّجْشُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ السِّلَعَ تُبَاعُ فَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ تَرْغِيبَ السُّوَّامِ فِيهَا لِيَزِيدُوا فِي الثَّمَنِ وَفِيهِ غَرَرٌ لِلرَّاغِبِ فِيهَا وَتَرْكٌ لِنُصْحَتِهِ الَّتِي هُوَ مَأْمُورٌ بِهَا انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالْإِثْمُ مُخْتَصٌّ بِالنَّاجِشِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ فَإِنْ وَاطَأَهُ عَلَى ذَلِكَ أَثِمَا جَمِيعًا وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَائِعِ مُوَاطَأَةٌ وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الِاغْتِرَارِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَجَعَلَ النَّهْيَ عَنْهُ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا ١ - (بَاب فِي النَّهْيِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) [٣٤٣٩] الْحَاضِرُ سَاكِنُ الْحَضَرِ وَالْبَادِي سَاكِنُ الْبَادِيَةِ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ) أَيِ الصَّنْعَانِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَابِدُ ثِقَةٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ غَلَطٌ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَقْدَمَ غَرِيبٌ مِنَ الْبَادِيَةِ أَوْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ بِمَتَاعٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ لَهُ الْبَلَدِيُّ اتْرُكْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ النَّهْيَ أَوْ كَانَ الْمَتَاعُ مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْبَلَدِ أَوْ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لِقِلَّةِ ذَلِكَ الْمَجْلُوبِ لَمْ

стр. 3061

يَحْرُمْ وَلَوْ خَالَفَ وَبَاعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي صَحَّ الْبَيْعُ مَعَ التَّحْرِيمِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي مُطْلَقًا لِحَدِيثِ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ مَنْسُوخٌ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيَهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَا يُقْبَلُ النَّسْخُ وَلَا كَرَاهَةُ التَّنْزِيَهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى انْتَهَى (فَقُلْتُ) أَيْ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذَا مَقُولُ طاووس (مَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) أَيْ مَا مَعْنَاهُ (قال) أي بن عَبَّاسٍ (لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَبَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ أَيْ دَلَّالًا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ وَالْحَافِظُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُتَوَلِّي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَيْرِهِ انْتَهَى وَقَدِ اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ تَخْصِيصَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي إِذَا كَانَ بِالْأَجْرِ وَقَوِيَ ذَلِكَ بِعُمُومِ حَدِيثِ النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٣٤٤٠] (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زِبْرِقَانَ) بِكَسْرِ زَايِ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَبِقَافٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي (أَبَا هَمَّامٍ) كُنْيَةُ مُحَمَّدٍ (وَكَانَ) أَيْ مُحَمَّدٌ (وَإِنْ كَانَ) أَيِ الْبَادِي (أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ) أَيْ أَخَا الْحَاضِرِ وَأَبَاهُ وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْبَادِي قَرِيبًا لِلْحَاضِرِ أَيُّ قَرِيبٍ كَانَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثقات (أخبرنا محمد) هو بن سِيرِينَ أَوْرَدَ فِي الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَتِهِ عَنْ أَنَسٍ (وَهِيَ) أَيْ قَوْلَهُ ﷺ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْكَلِمَةِ (وَلَا يَبْتَاعُ) أَيْ لَا يَشْتَرِي الْبَلَدِيُّ لِلْبَادِي شَيْئًا بِالْأَجْرِ وَيَكُونُ دَلَّالَهُ بَلْ يَتْرُكُهُ لِيَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ فِي السُّوقِ

стр. 3062

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أن يشتري له وبه قال بن سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ هَذَا وَأَخْرَجَ أَبُو عوانة في صحيحه عن بن سِيرِينَ قَالَ لَقِيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَقُلْتُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ أَنُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُوا أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ مُحَمَّدٌ صَدَقَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ وَيُقَوِّي ذَلِكَ الْعِلَّةُ التي نبه عليها ﷺ بقوله دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِشِرَاءِ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْأَثْمَانِ كَمَا يَحْصُلُ بِبَيْعِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ كَلِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُقَالُ بِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ قَالَ طُرْفَةُ وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَهُ بَتَاتًا وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتُ مَوْعِدِ أَيْ لَمْ تَشْتَرِ لَهُ مَتَاعًا وَيُقَالُ شَرَيْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى بِعْتُهُ وَالْكَلِمَتَانِ مِنَ الأضداد قال بن مُفَرِّعٍ الْحِمْيَرِيُّ وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ يُرِيدُ بِعْتُ بُرْدًا وَبُرْدَ غُلَامِهِ فَنَدِمَ عَلَيْهِ انْتَهَى قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْخِلَافُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ وَالْحَقُّ الْجَوَازُ إِنْ لَمْ يَتَنَاقَضَا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو هِلَالٍ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ الرَّاسِبِيُّ لَمْ يَكُنْ رَاسِبِيًّا وَإِنَّمَا نَزَلَ فِيهِمْ وَهُوَ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (بِحَلُوبَةٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ضَبَطَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ بِالْجِيمِ وَهِيَ مَا تُجْلَبُ لِلْبَيْعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ انْتَهَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ سَالِمٍ قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ بِجَلُوبَةٍ فَنَزَلَ عَلَى طَلْحَةَ الْحَدِيثُ وَالْجَلُوبَةُ بِالْفَتْحِ مَا يُجْلَبُ لِلْبَيْعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَجَمْعُهُ الْجَلَائِبُ وَقِيلَ الْجَلَائِبَ الْإِبِلُ الَّتِي تُجْلَبُ إِلَى الرَّجُلِ النَّازِلِ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ لَهُ مَا يَحْتَمِلُ عَلَيْهِ فَيَحْمِلُونَهُ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلُ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ طَلْحَةُ هَكَذَا جَاءَ فِي كِتَابِ أَبِي مُوسَى فِي حَرْفِ الجيم والذي

стр. 3063

قَرَأْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِحَلُوبَةٍ (أَيْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تُحْلَبُ وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهَا فِي حَرْفِ الْحَاءِ انْتَهَى (لَكِنِ اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ) لِبَيْعِ سِلْعَتِكَ وَمَتَاعِكَ (فَانْظُرْ مَنْ يُبَايِعُكَ) أَيْ مَنْ يَشْتَرِي مِنْكَ مَتَاعَكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَيْعُ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُقَالُ بَاعَ فُلَانٌ إِذَا اشْتَرَى كَذَا فِي اللِّسَانِ (فَشَاوِرْنِي) أَمْرٌ مِنَ الْمَشُورَةِ أَيْ فِي أَمْرِ الْبَيْعِ (حَتَّى آمُرُكَ) بِإِمْضَاءِ هَذَا الْبَيْعِ بِهَذَا الثَّمَنِ إِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَكَ (وَأَنْهَاكَ) عَنْ إِمْضَائِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَكَ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَذْهَبُ مَعَكَ بِطَرِيقِ الدَّلَّالِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ مَجْهُولٌ وأخرجه أبو بكر البزار من حديث بن إِسْحَاقَ عَنْ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ طَلْحَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ إلا مؤملا يعني بن إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُ مُؤَمِّلٍ يَرْوِيهِ عَنْ رَجُلٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (وَذَرُوا النَّاسَ) أَيِ اتْرُكُوهُمْ لِيَبِيعُوا مَتَاعَهُمْ رَخِيصًا (يَرْزُقِ اللَّهُ) بِكَسْرِ الْقَافِ عَلَى أَنَّهُ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ وَبِضَمِّهَا عَلَى أنه مرفوع قاله القارىء وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ فَإِذَا اسْتَنْصَحَ الرَّجُلُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلَهُ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَبِيعَ لِلْبَادِي مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَادِي قَرِيبًا لَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي زمن الغلاء أولا وَسَوَاءٌ كَانَ يَحْتَاجُ

стр. 3064

إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ بَاعَهُ لَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ أَمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّهُ يَخْتَصُّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بِزَمَنِ الْغَلَاءِ وَبِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمِصْرِ وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَجِيءَ الْبَلَدَ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ فِي الْحَالِ فَيَأْتِيهِ الْحَاضِرُ فَيَقُولُ ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَكَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ قَالَ فِي الْفَتْحِ فَجَعَلُوا الْحُكْمَ مَنُوطًا بِالْبَادِي وَمَنْ شَارَكَهُ فِي مَعْنَاهُ قَالُوا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبَادِي فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ شَارَكَهُ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ السِّعْرِ مِنَ الْحَاضِرِينَ وَجَعَلَتِ الْمَالِكِيَّةُ الْبَدَاوَةَ قَيْدًا وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَلْتَحِقُ بِالْبَدْوِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ يُشْبِهُهُ فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَثْمَانَ السِّلَعِ وَالْأَسْوَاقِ فَلَيْسُوا دَاخِلِينَ فِي ذلك وحكى بن الْمُنْذِرِ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا وَالْمُبْتَاعُ مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْرِضْهُ الْبَدْوِيُّ عَلَى الْحَضَرِيِّ وَقَدْ ذكر بن دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ تَفْصِيلًا حَاصِلُهُ أَنْ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ حَيْثُ يَظْهَرُ الْمَعْنَى لَا حَيْثُ يَكُونُ خَفِيًّا فَاتِّبَاعٌ اللَّفْظِ أَوْلَى وَلَكِنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ الْخَاطِرُ إِلَى التَّخْصِيصِ بِهِ مُطْلَقًا فَالْبَقَاءُ عَلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ هُوَ الْأَوْلَى فَيَكُونُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي مُحَرَّمًا عَلَى الْعُمُومِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِأُجْرَةٍ أَمْ لَا وَرُوِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْبَيْعِ بِالْأُجْرَةِ لَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي مُطْلَقًا وَتَمَسَّكُوا بِأَحَادِيثِ النَّصِيحَةِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ ٢ - (بَاب مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَكَرِهَهَا) [٣٤٤٣] (لَا تَلَقَّوُا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوُا (الرُّكْبَانَ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاكِبٍ (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِأَجْلِ الْبَيْعِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّلَقِّي فِي بَابِ التَّلَقِّي (وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ (وَلَا تُصَرُّوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ صَرَيْتُ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ إِذَا جَمَعْتُهُ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ صَرَرْتُ فَقَيَّدَهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَانِيهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ انْتَهَى قَالَ الشَّافِعِيُّ التَّصْرِيَةُ هِيَ رَبْطُ أَخْلَافِ الشَّاةِ أَوِ النَّاقَةِ وَتَرْكُ حَلْبِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَبَنُهَا فَيَكْثُرُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ عَادَتَهَا فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ لَبَنِهَا

стр. 3065

وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ يُقَالُ مِنْهُ صَرَيْتُ الْمَاءَ إِذَا حَبَسْتُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ التَّصْرِيَةُ حَبْسُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ حَتَّى يَجْتَمِعَ (فَمَنِ ابْتَاعَهَا) أَيِ اشْتَرَى الْإِبِلَ أو الغنم المصراة (بعد ذلك) أي بعد ما ذَكَرَ مِنَ التَّصْرِيَةِ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أَيِ الرَّأْيَيْنِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ (بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا) بِضَمِّ اللَّامِ (أَمْسَكَهَا) أَيْ عَلَى مِلْكِهِ (وَإِنْ سَخِطَهَا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَرِهَهَا (وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) أَيْ مَعَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفَتْحِ وأفتى به بن مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ بِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ الَّذِي احْتُلِبَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ قُوتَ تِلْكَ الْبَلَدِ أَمْ لَا وَخَالَفَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي فُرُوعِهَا آخَرُونَ انْتَهَى وَقَدِ اعْتَذَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ بِأَعْذَارٍ بَسَطَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَجَابَ عَنْ كُلٍّ مِنْهَا قُلْتُ أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِيَاسِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابِلَةِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [٣٤٤٤] (وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ قَالَ فِي النَّيْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الطَّعَامُ عَلَى التَّمْرِ الْمَذْكُورِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الطَّعَامِ الْقَمْحَ نفاه بقوله لا سمراء انتهى محصلا قَالَ النَّوَوِيُّ السَّمْرَاءُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْحِنْطَةُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٣٤٤٥] (فَفِي حَلْبَتِهَا) بِسُكُونِ اللَّامِ (صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّاعَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُصَرَّاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا لِأَنَّهُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ ثُمَّ قَالَ فَفِي

стр. 3066

حلبتها صاع من تمر ونقل بن عبد البر عمن استعمل الحديث وبن بطال عن أكثر العلماء وبن قُدَامَةَ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَعَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ يَرُدُّ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَاعًا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٣٤٤٦] (مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنَ التَّحْفِيلِ وَهُوَ التَّجْمِيعُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُحَفَّلَةُ هِيَ الْمُصَرَّاةُ وَسُمِّيَتْ مُحَفَّلَةً لِحُفُولِ اللَّبَنِ وَاجْتِمَاعِهِ فِي ضَرْعِهَا (مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ قَالَ مِثْلَ لَبَنِهَا أَوْ قَالَ مِثْلَيْ لَبَنِهَا (قَمْحًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ حِنْطَةً فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ قُلْتُ أَجَابَ الْحَافِظُ بِأَنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ قال وقال بن قُدَامَةَ إِنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَلِكَ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ ﵁ فَإِنَّ جُمَيْعَ بن عمير قال بن نمير هو من أكذب الناس وقال بن حِبَّانَ كَانَ رَافِضِيًّا يَضَعُ الْحَدِيثَ ٣ - (بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ الْحُكْرَةِ) [٣٤٤٧] بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ اشْتَرَاهُ وَحَبَسَهُ لِيَقِلَّ فَيَغْلُوَ وَالِاسْمُ الْحَكْرُ وَالْحُكْرَةُ انْتَهَى (إِلَّا خَاطِئٌ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ عَاصٍ وَآثِمٍ (فَقُلْتُ لسعيد) أي بن الْمُسَيِّبِ (فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ قَالَ وَمَعْمَرٌ كَانَ يَحْتَكِرُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحْظُورَ مِنْهُ نَوْعٌ دُونَ نَوْعٍ وَلَا يَجُوزُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ كِفَاحًا وَهُوَ عَلَى

стр. 3067

الصَّحَابِيِّ أَقَلُّ جَوَازًا وَأَبْعَدُ مَكَانًا وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاحْتِكَارِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ السِّلَعِ وَقَالَ مَالِكٌ يُمْنَعُ مِنَ احْتِكَارِ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَالزَّيْتِ وَكُلِّ شَيْءٍ أَضَرَّ بِالسُّوقِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَيْسَتِ الْفَوَاكِهَ مِنَ الْحُكْرَةِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَيْسَ الِاحْتِكَارُ إِلَّا فِي الطَّعَامِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ قُوتُ النَّاسِ وَقَالَ إِنَّمَا يَكُونُ الِاحْتِكَارُ فِي مِثْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالثُّغُورِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ وَالْبَصْرَةَ وَقَالَ إِنَّ السُّفُنَ تَخْتَرِقُهَا قَالَ أَحْمَدُ إِذَا أَدْخَلَ الطَّعَامَ مِنْ صَنِيعِهِ فَحَبَسَهُ فَلَيْسَ بِحُكْرَةٍ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ مَنْ جَلَبَ طَعَامًا مِنْ بَلَدً فَحَبَسَهُ يَنْتَظِرُ زِيَادَةَ السِّعْرِ فَلَيْسَ بِمُحْتَكِرٍ وَإِنَّمَا الْمُحْتَكِرُ مَنِ اعْتَرَضَ سُوقَ الْمُسْلِمِينَ قال فاحتكار معمر وبن الْمُسَيِّبِ مُتَأَوَّلٌ عَلَى مِثْلِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مَا فِيهِ عَيْشُ النَّاسِ) أَيْ حَيَاتُهُمْ وَقُوتُهُمْ (مَنْ يَعْتَرِضِ السُّوقَ) أَيْ يَنْصِبُ نَفْسَهُ لِلتَّرَدُّدِ إِلَى الْأَسْوَاقِ لِيَشْتَرِيَ مِنْهَا الطَّعَامَ الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ليحتكره وقال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن ماجه [٣٤٤٨] (بن الْمُثَنَّى) هُوَ مُحَمَّدٌ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَيَّاضِ) الزِّمَانِيُّ لَيِّنُ الْحَدِيثِ (أَخْبَرَنَا هَمَّامُ) بْنُ يَحْيَى بن دينار (قال بن الْمُثَنَّى) فِي رِوَايَتِهِ (قَالَ) أَيْ يَحْيَى بْنُ فَيَّاضٍ (عَنِ الْحَسَنِ) أَيْ قَالَ يَحْيَى حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي التَّمْرِ حُكْرَةٌ (فَقُلْنَا) هَذِهِ مَقُولَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى (لَهُ) أَيْ لِيَحْيَى (لَا تَقُلْ عَنِ الْحَسَنِ) فَإِنَّ هَذِهِ الْمَقُولَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَا قَالَهَا (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ) الَّذِي مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْفَيَّاضِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَوْلُ لِقَتَادَةَ أَوِ الْحَسَنِ (عِنْدَنَا بَاطِلٌ) لِجِهَةِ إِسْنَادِهِ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ يَحْيَى بْنُ الْفَيَّاضِ الزِّمَانِيُّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَ حَدِيثِهِ لَهُ هَذَا بَاطِلٌ انْتَهَى (النَّوَى) بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ أَيْ كُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفِ مَأْكُولٍ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ وَمَا أشبهه ويقال

стр. 3068

بِالْفَارِسِيَّةِ خسته خرما وانكور (وَالْخَبَطُ) بِالتَّحْرِيكِ أَيِ الْوَرَقُ السَّاقِطُ وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَفُ الدَّوَابِّ (وَالْبِزْرُ) بِالْكَسْرِ وَاحِدَةُ بِزْرَةٍ كُلُّ حَبٍّ يُبْذَرُ لِلنَّبَاتِ كَذَا فِي بَعْضِ اللُّغَةِ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْبِزْرُ بِزْرُ الْبَقْلِ وَنَحْوُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ وَلَا تَقُولُهُ الْفُصَحَاءُ إِلَّا بِالْكَسْرِ (عَنْ كَبْسِ الْقَتِّ) الْكَبْسُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَتُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ الْيَابِسُ مِنَ الْقَضْبِ أَيْ عَنْ إِخْفَاءِ الْقَتِّ وَإِدْخَالِهِ فِي الْبَيْتِ أَيْ عَنْ حَبْسِهِ قُلْتُ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغَلِّيَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغَلِّيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فهو خاطئ وعند بن مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ مُحَرَّمٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قُوتِ الْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِنَّ الْمُحَرَّمَ إِنَّمَا هُوَ احْتِكَارُ الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً لَا غَيْرِهَا ولا مقدار الكفاية منها قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا يَدَّخِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قُوتٍ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَمْنٍ وَعَسَلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زوجاته مائة وسق من خيبر قال بن رَسْلَانَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ مِنْ تمر وغيره قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ إِنَّمَا كَانَ سَعِيدٌ وَمَعْمَرٌ يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ وَحَمَلَا الْحَدِيثَ عَلَى احْتِكَارِ الْقُوتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَقَصْدِ إِغْلَاءِ السِّعْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغَلِّيَهُ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُرِيدُ أَنْ يُغَلِّيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ الِاحْتِكَارُ فَقَالَ إِذَا كَانَ مِنْ قُوتِ النَّاسِ فهو الذي يكره وهذا قول بن عمر

стр. 3069

قَالَ السُّبْكِيُّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ إِنَّهُ إِنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الشِّرَاءِ وَحَصَلَ بِهِ ضِيقٌ حُرِّمَ وَإِنْ كَانَتِ الْأَسْعَارُ رَخِيصَةً وَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِمَنْعِهِ مِنْ شِرَائِهِ وَادِّخَارِهِ إِلَى وَقْتِ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مَعْنًى وَأَمَّا إِمْسَاكُهُ حَالَةَ اسْتِغْنَاءِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْهُ رَغْبَةً فِي أَنْ يَبِيعَهُ إِلَيْهِمْ وَقْتَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِضْرَارَ بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يُحَرَّمِ الِاحْتِكَارُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِمْ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْقُوتُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِالْجَمِيعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٤ - (بَاب فِي كَسْرِ الدَّرَاهِمِ) [٣٤٤٩] (أَنْ تُكْسَرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشِدَّةِ الْكَافِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الْمَضْرُوبَةَ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِكَّةً لِأَنَّهُ طُبِعَ بِسِكَّةِ الْحَدِيدِ انْتَهَى وَسِكَّةُ الْحَدِيدِ هِيَ الْحَدِيدَةُ الْمَنْقُوشَةُ الَّتِي تُطْبَعُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ (الْجَائِزَةُ) يَعْنِي النَّافِقَةُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ (إِلَّا مِنْ بَأْسٍ) كَأَنْ تَكُونَ زُيُوفًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُرِهَ مِنْ أَجْلِ الْوَضِيعَةِ وَفِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ وَبَلَغَنِي عَنْ أبى العباس بن سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا يُقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ وَيَأْخُذُونَ أَطْرَافَهَا فَنُهُوا عَنْهُ وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِنَّمَا كُرِهَ قَطْعُهَا وَكَسْرُهَا مِنْ أَجْلِ التَّدْنِيقِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَعَنَ اللَّهُ الدَّانَقَ وَأَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الدَّانَقَ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَفِي النَّيْلِ وَفِي مَعْنَى كَسْرِ الدَّرَاهِمِ كَسْرُ الدَّنَانِيرِ والفلوس التي عليها سكة الإمام لاسيما إِذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِذَلِكَ جَارِيًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرًا وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ مَا فِي الْكَسْرِ مِنَ الضَّرَرِ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ النُّقْصَانِ فِي الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا إِذَا كُسِرَتْ وَأُبْطِلَتِ المعاملة بها

стр. 3070

قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ لَوْ أَبْطَلَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي ضَرَبَهَا السُّلْطَانُ الَّذِي قَبْلَهُ وَأَخْرَجَ غَيْرَهَا جَازَ كَسْرُ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أُبْطِلَتْ وَسَبْكُهَا لِإِخْرَاجِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِيهَا وَقَدْ يَحْصُلُ فِي سَبْكِهَا وَكَسْرِهَا رِبْحٌ كَثِيرٌ لِفَاعِلِهِ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْكَسْرِ إِلَّا إِذَا كَانَ بِهَا بَأْسٌ وَمُجَرَّدُ الْإِبْدَالِ لِنَفْعِ الْبَعْضِ رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الضَّرَرِ بِالْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ فَالْجَزْمُ بِالْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ لَا يَنْبَغِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إِنَّهُمْ كَانُوا يَقْرِضُونَ أَطْرَافَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ بِالْمِقْرَاضِ وَيُخْرِجُونَهُمَا عَنِ السِّعْرِ الَّذِي يَأِخُذُونَهُمَا بِهِ وَيَجْمَعُونَ مِنْ تِلْكَ الْقِرَاضَةِ شَيْئًا كَثِيرًا بِالسَّبْكِ كَمَا هُوَ مَعْهُودٌ فِي الْمَمْلَكَةِ الشَّامِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَهَذِهِ الْفَعْلَةُ هِيَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا قَوْمَ شُعَيْبٍ بقولة ولا تبخسوا الناس أشياءهم فقالوا أتنهانا أن نفعل في أموالنا يعني الدراهم والدنانير ما نشاء مِنَ الْقَرْضِ وَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة انتهى قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ فَضَاءَ الْأَزْدِيُّ الْحِمْصِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمُعَبِّرُ لِلرُّؤْيَا كُنْيَتُهُ أَبُو بَحْرٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ٥ - (بَاب فِي التَّسْعِيرِ) [٣٤٥٠] هُوَ أَنْ يَأْمُرَ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ أَوْ كُلُّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَمْرًا أَهْلَ السُّوقِ أَنْ لَا يَبِيعُوا أَمْتِعَتَهُمْ إِلَّا بِسِعْرِ كَذَا فَيَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوِ النُّقْصَانِ لمصلحة قاله في النيل (يارسول اللَّهِ سَعِّرْ) أَمْرٌ مِنَ التَّسْعِيرِ وَهُوَ وَضْعُ السِّعْرِ عَلَى الْمَتَاعِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ السِّعْرُ الْقِيمَةُ لِيَشِيِعَ الْبَيْعُ فِي الْأَسْوَاقِ بِهَا ذكره القارىء (بل ادعوا) أَيِ اللَّهَ تَعَالَى لِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ) أَيْ آخَرُ (بَلِ اللَّهُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) أَيْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ وَيَقْدِرُ (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ مِنْ عِنْدِ الظَّالِمِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْكَ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ

стр. 3071

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْعِيرَ مَظْلَمَةٌ وَإِذَا كَانَ مَظْلَمَةً فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٤٥١] (غَلَا السِّعْرُ) أَيِ ارْتَفَعَ عَلَى مُعْتَادِهِ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ) عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ التَّسْعِيرِ (الْقَابِضُ الْبَاسِطُ) أَيْ مُضَيِّقُ الرِّزْقَ وَغَيْرَهُ عَلَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَمُوَسِّعُهُ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسْعِيرِ وَأَنَّهُ مَظْلِمَةٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَالتَّسْعِيرُ حَجْرٌ عَلَيْهِمْ وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ نَظَرُهُ فِي مَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي بِرُخْصِ الثَّمَنِ أَوْلَى مِنْ نَظَرِهِ فِي مَصْلَحَةِ الْبَائِعِ بِتَوْفِيرِ الثَّمَنِ وَإِذَا تَقَابَلَ الْأَمْرَانِ وَجَبَ تَمْكِينُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاجْتِهَادِ لِأَنْفُسِهِمْ وَإِلْزَامِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يَبِيعَ بِمَا لَا يَرْضَى بِهِ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تراض وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ التَّسْعِيرُ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَرُدُّ عَلَيْهِ كَذَا فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ٦ - (بَاب فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِشِّ) [٣٤٥٢] قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْغِشُّ ضِدُّ النُّصْحِ مِنَ الْغَشَشِ وَهُوَ الْمَشْرَبُ الْكَدِرُ (فَأُوحِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِيهِ) أَيْ فِي الطَّعَامِ (فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ) أَيْ أَصَابَتْهُ بِلَّةٌ (لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ

стр. 3072

قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتِنَا وَمَذْهَبِنَا يُرِيدُ أَنَّ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَتَرَكَ مُنَاصَحَتَهُ فَإِنَّهُ قَدْ تَرَكَ اتِّبَاعِي وَالتَّمَسُّكَ بِسُنَّتِي وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا وَجْهُهُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ أَنَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُتَابَعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رحيم انْتَهَى وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ [٣٤٥٣] (قَالَ كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ هَذَا التَّفْسِيرَ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ مِنِّي (كَذَا بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) مَعْنَاهُ لَيْسَ مِمَّنِ اهْتَدَى بِهَدْيِي وَاقْتَدَى بِعِلْمِي وَعَمَلِي وَحُسْنِ طَرِيقَتِي كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ إِذَا لَمْ يَرْضَ فِعْلَهُ لَسْتَ مِنِّي قَالَ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ مِثْلَ هَذَا وَيَقُولُ بِئْسَ هَذَا الْقَوْلُ بَلْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ انْتَهَى ٧ - (بَاب فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ) [٣٤٥٤] أَيِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْخِيَارُ هُوَ الِاسْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الْمُتَبَايِعَانِ (عَلَى صَاحِبِهِ) أَيْ عَلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِالْخِيَارِ وَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ (مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَفَرَّقَا أَيْ بِبَدَنِهِمَا فَيَثْبُتُ لَهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخِيَارَ مُمْتَدٌّ زَمَنَ عَدَمِ تَفَرُّقِهِمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدُّهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفَرُّقِ الَّذِي يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الْبَيْعُ فَقَالَتْ طائفة هو

стр. 3073

التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالزُّهْرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ الِافْتِرَاقُ بِالْكَلَامِ وَإِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ هُوَ تفرق الأبدان وعلى هذا فسره بن عُمَرَ وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرَ وَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الصَّفْقَةَ مَشَى خُطُوَاتٍ حَتَّى يُفَارِقَهُ وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَبُو بَرْزَةَ فِي شَأْنِ الْفَرَسِ الَّذِي بَاعَهُ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْمَنْزِلِ وَعَلَى هَذَا وَجَدْنَا أَمْرَ النَّاسِ وَعُرْفَ اللُّغَةِ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ إِذَا قِيلَ تَفَرَّقَ النَّاسُ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ التَّمَيُّزُ بِالْأَبْدَانِ وَإِنَّمَا يُعْقَلُ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّفَرُّقِ فِي الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ بِقَيْدٍ وَصِلَةٍ قَالَ وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ النَّخَعِيُّ لَخَلَا الْحَدِيثُ عَنِ الْفَائِدَةِ وَسَقَطَ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ مُحِيطٌ بِأَنَّ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبُولُ الْبَيْعِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ خِيَارُهُ ثَابِتٌ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ وَهَذَا مَعَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي قَدِ اسْتَقَرَّ بَيَانُهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا (إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَصَحُّهَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَتَقْدِيرُهُ يَثْبُتُ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَتَخَايَرَا فِي الْمَجْلِسِ وَيَخْتَارَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ التَّخَايُرِ وَلَا يَدُومُ إِلَى الْمُفَارَقَةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ دُونَهَا فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ فِيهِ بِالْمُفَارَقَةِ بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ الْمَشْرُوطَةُ وَالثَّالِثُ مَعْنَاهُ إِلَّا بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ خِيَارٌ وَهَذَا تَأْوِيلُ مَنْ يُصَحِّحِ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بُطْلَانُهُ بِهَذَا الشَّرْطِ انْتَهَى وَكَذَا صَحَّحَ الْخَطَّابِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٣٤٥٥] (أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ) أَيْ أَمْضِ الْبَيْعَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ بَعْدَ الْعَقْدِ تَفَرُّقٌ إِلَّا التَّمْيِيزُ بِالْأَبْدَانِ وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ ﷺ إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُخَيِّرَهُ قَبْلَ

стр. 3074

التَّفَرُّقِ وَهُمَا بَعْدُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَقُولُ لَهُ اخْتَرْ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ انْتَهَى [٣٤٥٦] (إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةُ خِيَارٍ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ وصفقة فَاعِلُهَا وَالتَّقْدِيرُ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ أَوْ تَحْدُثَ صَفْقَةُ خِيَارٍ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ واسمها مضمر وصفقة خَبَرٌ وَالتَّقْدِيرُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّفْقَةَ خِيَارٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخَهُ فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا تَمَّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا كَمَا تَقَدَّمَ (خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ قَالُوا لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِقَالَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ وَمَعْنَاهُ لَا يَحِلِّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقَالَةِ فَسْخُ النَّادِمِ مِنْهُمَا لِلْبَيْعِ وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا وَلَوْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِالْكَلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الِاسْتِقَالَةَ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنَ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ وَقَدْ أَثْبَتَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ الْخِيَارَ وَمَدَّهُ إِلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِقَالَةِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا إِلَى الْفَسْخِ وَحَمَلُوا نَفْيَ الْحِلِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الْمُسْلِمِ لَا أَنَّ اخْتِيَارَ الْفَسْخِ حَرَامٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ [٣٤٥٧] (عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ مَهْمُوزٌ اسْمُهُ عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ اسْمُهُ عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نُصَيْفٌ بِالْفَاءِ وَلَكِنِ الْقَوْلُ عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ (بِغُلَامٍ) أَيْ بِعِوَضِ غُلَامٍ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ فَرَسًا لَهُ وَأَخَذَ الْغُلَامَ عَنِ الرَّجُلِ (ثُمَّ أَقَامَا) أَيْ صَاحِبُ الْفَرَسِ وَصَاحِبُ الْغُلَامِ

стр. 3075

بَعْدَ ذَلِكَ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا (حَضَرَ) وَآنَ وَقْتُ (الرَّحِيلِ) لِلْجَيْشِ (قَامَ) أَيْ صَاحِبُ الْفَرَسِ (يُسَرِّجُهُ) مِنَ الْإِفْعَالِ أَيْ لِيَضَعَ السَّرْجَ عَلَى فَرَسِهِ لِلرُّكُوبِ (فَنَدِمَ) صَاحِبُ الْفَرَسِ عَلَى فِعْلِهِ وَهُوَ آخِذٌ الْغُلَامَ عِوَضَ الْفَرَسِ (فَأَتَى) أَيْ صَاحِبَ الْفَرَسِ نَادِمًا (الرَّجُلَ) مَفْعُولُ أَتَى أَيْ صَاحِبَ الْغُلَامِ (وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِصَاحِبِ الْغُلَامِ أَيْ أَخْذَ صَاحِبُ الْفَرَسِ صَاحِبَ الْغُلَامِ لِفَسْخِ الْبَيْعِ وَلِرَدِّ مَبِيعِهِ (فَأَبَى الرَّجُلُ) أَيْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الْغُلَامِ (أَنْ يَدْفَعَهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الْفَرَسِ أَيْ يَدْفَعُ الرَّجُلُ فَرَسًا (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ (مَا أَرَاكُمَا) مَا نَافِيَةٌ (افْتَرَقْتُمَا) مِنْ مَكَانِ الْبَيْعِ وَمَوْضِعِهِ بَلْ أَنْتُمَا تُقِيمَانِ فِيهِ فَكَيْفَ لَا تَرُدَّانِ الْمَبِيعَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ يَرَى التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ وَسَّعَ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يَتِمُّ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَفَرَّقَا جَمِيعًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَتْرُكَاهُ لِأَنَّ أَبَا الْوَضِيءِ قَالَ ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَرْزَةَ مَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لَا بُدَّ لَهُمَا أَنْ يَتَفَرَّقَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِمَا مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَبَوْلٍ وَغَائِطٍ وَغَيْرِهَا نَعَمْ لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَوْضِعِ قِيَامِهِمَا تَفَرُّقَ الْخُرُوجِ وَالِانْتِشَارِ إِلَّا مِنَ الْغَدِ لَكِنِ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ أن رجلين اختصما إليه في فرس بعد ما تَبَايَعَا فَكَانُوا فِي سَفِينَةٍ فَقَالَ لَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَاللَّهُ أعلم قال الحافظ بن حَجَرٍ فَأَبُو بَرْزَةَ الصَّحَابِيُّ حَمَلَ قَوْلَهُ ﷺ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَلَى التفرق بالأبدان وكذلك حمله بن عُمَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ انْتَهَى وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَبِهِ قَالَ بن عمر وشريح والشعبي وطاوس وعطاء وبن أبى مليكة انتهى ونقل بن الْمُنْذِرِ الْقَوْلَ بِهِ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب والزهري وبن أَبِي ذِئْبٍ مِنْ أَهْلِ

стр. 3076

المدينة وعن الحسن البصري والأوزاعي وبن جريج وغيرهم وقال بن حَزْمٍ لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ التَّابِعِينَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ وَحْدَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَكْثَرُ شَيْءٍ سَمِعْتُ أَصْحَابَ مَالِكٍ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي رَدِّ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَلَيْسَ لِلتَّفَرُّقِ حَدٌّ مَحْدُودٌ يُعْلَمُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَمَّا قَوْلُهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنَا أَرُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَلَا أَعْمَلُ بِهِ فَيُقَالُ لَهُ الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فَلِمَ رَدَدْتَهُ وَلِمَ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا لَسْتُ أَدْرِي مَنِ اتَّهَمَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ اتَّهَمَ نَفْسَهُ أَوْ نَافِعًا وَأَعْظَمُ أَنْ يقول اتهم بن عُمَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَيْسَ لِلتَّفَرُّقِ حَدٌّ يُعْلَمُ فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَيُعْتَبَرُ حَالُ الْمَكَانِ الَّذِي هُمَا فِيهِ مُجْتَمَعَانِ فَإِذَا كَانَا فِي بَيْتٍ فَإِنَّ التَّفَرُّقَ إِنَّمَا يَقَعُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاسِعَةٍ فَانْتَقَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى بَيْتٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ فَارَقَ صَاحِبَهُ وَإِنْ كَانَا فِي سُوقٍ أَوْ عَلَى حَانُوتٍ فَهُوَ أَنَّ يُوَلِّيَ عَنْ صَاحِبِهِ وَيَخْطُوَ خُطُوَاتٍ وَنَحْوِهَا وَهَذَا كَالْعُرْفِ الْجَارِي وَالْعَادَةِ الْمَعْلُومَةِ فِي التَّقَابُضِ انْتَهَى كَلَامُ الخطابي قال النووي تحت حديث بن عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِأَبْدَانِهِمَا وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَشُرَيْحُ الْقَاضِي وَالْحَسَنُ البصري والشعبي والزهري والأوزاعي وبن أبى ذئب وسفيان بن عيينة والشافعي وبن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْبُخَارِيُّ وَسَائِرُ الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرُونَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولُ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُمْ عَنْهَا جَوَابٌ صَحِيحٌ وَالصَّوَابُ ثُبُوتُهُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ انتهى قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا [٣٤٥٨] (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ أخبرنا) مروان مبتدأ وأخبرنا خَبَرُهُ (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) بْنِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ رَوَى عَنْ جَدِّهِ أبي زرعة وثقه أبو داود

стр. 3077

وقال بن مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (قَالَ كَانَ أَبُو زرعة) بن عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ ثِقَاتِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ (لَا يَفْتَرِقْنَ اثْنَانِ) أَيْ مُتَبَايِعَانِ (إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ أَيْ لَا يَتَفَرَّقْنَ اثْنَانِ إِلَّا تفرقا صادرا عن تراض قال القارىء وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَتَفَارَقَانِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِعْطَاءِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَقَدْ يَحْصُلُ الضَّرَرُ وَالضِّرَارُ وَهُوَ مَنْهِيٌّ فِي الشَّرْعِ أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُشَاوِرَ مُرِيدُ الْفِرَاقِ صَاحِبَهُ أَلَكَ رَغْبَةً فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ أُرِيدَ الْإِقَالَةُ أَقَالَهُ وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حِلِّ الْمُفَارَقَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ وَلَا عِلْمِهِ قَالَ الْأَشْرَفُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ لِانْقِطَاعِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إِلَّا بِرِضَاهُمَا انْتَهَى وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِجْمَاعًا وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لَهُمَا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ حِينَئِذٍ انْتَهَى وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَعْنَى الْقَوْلِ فيما سبق وتحقق انتهى كلام القارىء قُلْتُ لَا رَيْبَ فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ كَمَا قَالَ الْأَشْرَفُ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو زَرْعَةَ رَاوِي الْحَدِيثَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا خَيَّرَهُ ثُمَّ يَقُولُ خَيِّرْنِي وَأَمَّا ما ذكر القارىء مِنْ مُرَادِ الْحَدِيثِ فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا زُرْعَةَ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [٣٤٥٩] (الْبَيِّعَانِ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَيِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (بِالْخِيَارِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ (مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) أَيْ بِبَدَنِهِمَا عَنْ مَكَانِ التَّعَاقُدِ (فَإِنْ صَدَقَا) أَيِ الْبَائِعُ فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي فِي مَا يُعْطِي فِي عِوَضِ الْمَبِيعِ (وَبَيَّنَا) أَيْ مَا بِالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مِنْ عَيْبٍ وَنَقْصٍ (وَإِنْ كَتَمَا) أَيْ مَا فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مِنَ الْعَيْبِ وَالنَّقْصِ (وَكَذَبَا) أَيْ فِي وَصْفِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ (مُحِقَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُزِيلَتْ وَذَهَبَتْ

стр. 3078

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ) عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحٍ أَبَى الْخَلِيلِ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (وَحَمَّادُ) عَنْ قَتَادَةَ (وَأَمَّا هَمَّامٌ) عَنْ قَتَادَةَ (فَقَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا) الْمُتَبَايِعَانِ (أَوْ يَخْتَارَا) أَيْ شَرَطَا اخْتِيَارَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَحَدِيثُ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَإِنَّمَا أَحَالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَيَأْخُذْ أَحَدُهُمَا مَا رَضِيَ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ هَوَى وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَيْعِ مَا هَوَى وَيَتَخَايَرَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ٨ - (بَاب فِي فَضْلِ الْإِقَالَةِ) [٣٤٦٠] هِيَ فِي الشَّرْعِ رَفْعُ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إِجْمَاعًا وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا وَهُوَ أَقَلْتُ أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ عُرْفًا (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا) أَيْ بَيْعَهُ (أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ) أَيْ غَفَرَ زَلَّتَهُ وَخَطِيئَتَهُ قَالَ فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ صُورَةُ إِقَالَةِ الْبَيْعِ إِذَا اشْتَرَى أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ نَدِمَ عَلَى اشْتِرَائِهِ إِمَّا لِظُهُورِ الْغَبْنِ فِيهِ أَوْ لِزَوَالِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ أَوْ لِانْعِدَامِ الثَّمَنِ فَرَدَّ الْمَبِيعَ عَلَى الْبَائِعِ وَقَبِلَ الْبَائِعُ رَدَّهُ أَزَالَ اللَّهُ مَشَقَّتَهُ وَعَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ إِحْسَانٌ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ قَدْ بَتَّ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُشْتَرِي فَسْخَهُ انتهى قال المنذري وأخرجه بن ماجه

стр. 3079

١٩ - (بَاب فِيمَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) [٣٤٦١] (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ صَحَّحَ الْبَيْعَ بِأَوْكَسِ الثَّمَنَيْنِ إِلَّا شَيْءٌ يُحْكَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبٌ فَاسِدٌ وَذَلِكَ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ هَذَا الْعَقْدُ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهْلِ قُلْتُ قَالَ فِي النَّيْلِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَهُ بِالْأَوْكَسِ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الْبَيْعِ بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حُكُومَةٍ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ دِينَارًا فِي قَفِيزِ بُرٍّ إِلَى شَهْرٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ وَطَالَبَهُ بِالْبُرِّ قَالَ لَهُ بِعْنِي الْقَفِيزَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ بِقَفِيزَيْنِ إِلَى شَهْرَيْنِ فَهَذَا بَيْعٌ ثَانٍ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَصَارَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَيَرُدَّانِ إِلَى أَوْكَسِهِمَا أَيْ أَنْقَصِهِمَا وَهُوَ الْأَصْلُ فَإِنْ تَبَايَعَا الْبَيْعَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا الْأَوَّلَ كَانَا مُرْبِيَيْنِ انْتَهَى قلت وقد نقل هذا التفسير الإمام بن الأثير في النهاية وبن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتَفْسِيرُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ أَوْ نَسِيئَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِي يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا فَيَقَعُ بِهِ الْعَقْدُ وَإِذَا جَهِلَ الثَّمَنَ بَطَلَ الْبَيْعُ انْتَهَى قُلْتُ وَبِمِثْلِ هَذَا فَسَّرَ سِمَاكٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ قَالَ سِمَاكٌ هُوَ الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ هُوَ بِنَسَاءٍ بِكَذَا وَهُوَ بِنَقْدٍ بِكَذَا وَكَذَا وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَقَالَ بِأَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ بِأَلِفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ فَخُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ أَنْتَ وَشِئْتُ أنا ونقل بن الرِّفْعَةِ عَنِ الْقَاضِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَبِلَ عَلَى الْإِبْهَامِ أَمَّا لَوْ قَالَ قبلت

стр. 3080

بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ بِالنَّسِيئَةِ صَحَّ ذَلِكَ كَذَا فِي النَّيْلِ ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي جَارِيَتَكَ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ جَارِيَتَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ سَقَطَ بَعْضُ الثَّمَنِ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ صَارَ الْبَاقِي مَجْهُولًا قَالَ وَعَقْدُ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عند أكثر الفقهاء فاسد وحكي عن طاووس أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ وَإِلَى شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى إِحْدَاهُمَا انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ وَنَسِيئَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِي يَخْتَارُهُ لِيَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَمِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا بِعِشْرِينَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بِعَشَرَةٍ فَلَا يَصِحُّ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِيهِ وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ بَعْضُ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ الْبَاقِي مَجْهُولًا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَهُمَا هَذَانِ الْوَجْهَانِ انْتَهَى (فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا) أَيْ أَنْقَصُهُمَا (أَوِ الرِّبَا) قَالَ فِي النَّيْلِ يَعْنِي أَوْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ هُوَ وَصَاحِبُهُ فِي الرِّبَا الْمُحَرَّمِ إِذَا لَمْ يَأْخُذِ الْأَوْكَسَ بَلْ أَخَذَ الْأَكْثَرَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ في التفسير الذي ذكره بن رَسْلَانَ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا فِي التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنْ سِمَاكٍ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فَفِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ يَحْرُمُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ لِأَجْلِ النَّسَاءِ وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْقَاضِيَةِ بِجَوَازِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ثُمَّ بَيَّنَ صَاحِبُ النَّيْلِ وَجْهَ الظُّهُورِ إِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَعَلَيْكَ بِالنَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ) وَالْمَشْهُورُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْمُجْتَبَى) قُلْتُ وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو الْمَذْكُورِ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُجْتَبَى وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فِيهَا شُذُوذٌ كَمَا لا يخفى

стр. 3081

٢ ([٣٤٦٢] بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ الْعِينَةِ) (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ) بِاللَّامِ بَعْدَ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ انْتَهَى وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنُّونِ دُونَ اللَّامِ أَيْ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ كَذَا ضَبَطَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وهو غلط ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي الْبَاب حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ عن إمرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ فَدَخَلَتْ مَعَهَا أُمّ وَلَد زَيْد بْن أَرْقَمَ فَقَالَتْ يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْد بْن أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم نَسِيئَة وَإِنِّي اِبْتَعْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةٍ نَقْدًا فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة بِئْسَمَا اِشْتَرَيْت وَبِئْسَمَا شَرَيْت أَخْبِرِي زَيْدًا أن جهاده مع رسول الله قَدْ بَطَلَ إِلَى أَنْ يَتُوب هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ وَأَعَلَّهُ بِالْجَهَالَةِ بِحَالِ اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ فَإِنَّمَا عَابَتْ عَلَيْهَا بَيْعًا إِلَى الْعَطَاء لِأَنَّهُ أَجَل غَيْر مَعْلُوم ثُمَّ قَالَ وَلَا يَثْبُت مِثْل هَذَا عَنْ عَائِشَة وَزَيْد بْن أَرْقَمَ لَا يَبِيع إِلَّا مَا يَرَاهُ حَلَالًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أُمّه الْعَالِيَة بِنْت أَنْفَع أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة مَعَ أُمّ مُحَمَّد وَقَالَ غَيْره هَذَا الْحَدِيث حَسَن وَيُحْتَجّ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ الْعَالِيَة ثِقَتَانِ ثَبْتَانِ أَبُو إِسْحَاق زَوْجهَا وَيُونُس اِبْنهَا وَلَمْ يُعْلَم فِيهَا جَرْح وَالْجَهَالَة تَرْتَفِع عَنْ الرَّاوِي بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّ هَذَا مِمَّا ضُبِطَتْ فِيهِ الْقِصَّة وَمَنْ دَخَلَ مَعَهَا عَلَى عَائِشَة وَقَدْ صَدَّقَهَا زَوْجهَا وَابْنهَا وَهُمَا مَنْ هُمَا فَالْحَدِيث مَحْفُوظ وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا هُوَ مُنَزَّل عَلَى الْعِينَة بِعَيْنِهَا قَالَهُ شَيْخنَا لِأَنَّهُ بَيْعَانِ فِي بَيْع وَاحِد فَأَوْكَسهمَا الثَّمَن الْحَالّ وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمُؤَجَّل أَخَذَ بِالرِّبَا فَالْمَعْنَيَانِ لَا يَنْفَكَّانِ مِنْ أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الْأَخْذ بِأَوْكَس الثَّمَنَيْنِ أَوْ الرِّبَا وَهَذَا لَا يَتَنَزَّل إِلَّا على العينة

стр. 3082

وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي لُبِّ اللُّبَابِ فِي تَحْرِيرِ الْأَنْسَابِ الْبُرُلُّسِيُّ بِضَمَّاتٍ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَمُهْمَلَةٍ إِلَى الْبُرُلُّسِ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ وَفَتَحَ يَاقُوتُ أَوَّلَهَا وَثَانِيهَا انْتَهَى وَأَمَّا الْبُرْنُسِيُّ بِالنُّونِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ السُّيُوطِيُ فِيهِ وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمِصْرِيُّ وَكَذَا الذَّهَبِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ وَأَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كُتُبِهِمُ الْمُشْتَبِهِ وَالْمُخْتَلِفِ وقال الإمام الحافظ أبو علي الغساني الجياني فِي كِتَابِهِ تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ وَتَمْيِيزِ الْمُشْكِلِ الْبُرُلُّسِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِوَاحِدَةٍ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا لَامٌ مَضْمُومَةٌ مُشَدَّدَةٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ الْبُرُلُّسِيُّ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ يُنْسَبُ إِلَى بُرُلُّسٍ قَرْيَةٌ مِنْ سَوَاحِلِ مِصْرَ انْتَهَى وَفِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ بَرَلُّسٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا بُلَيْدَةٌ عَلَى شَاطِئِ نِيلِ مِصْرَ قُرْبَ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ بِالنُّونِ (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعِينُ بِالْكَسْرِ السَّلَفُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] فَصْل قَالَ الْمُحَرِّمُونَ لِلْعِينَةِ الدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمهَا مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَ الرِّبَا وَالْعِينَة وَسِيلَة إِلَى الرِّبَا بَلْ هِيَ مِنْ أَقْرَب وَسَائِله وَالْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام فَهُنَا مَقَامَانِ أَحَدهمَا بَيَان كَوْنهَا وَسِيلَة وَالثَّانِي بَيَان أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام فَأَمَّا الْأَوَّل فَيَشْهَد لَهُ بِهِ النَّقْل وَالْعُرْف وَالنِّيَّة وَالْقَصْد وَحَال الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَأَمَّا النَّقْل فَبِمَا ثَبَتَ عن بن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل بَاعَ مِنْ رجل حريرة بمائة ثم اشترها بِخَمْسِينَ فَقَالَ دَرَاهِم بِدَرَاهِم مُتَفَاضِلَة دَخَلَتْ بَيْنهَا حَرِيرَة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الحافظ المعروف بمعين عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ اِتَّقُوا هَذِهِ الْعِينَة لَا تَبِيعُوا دَرَاهِم بِدَرَاهِم بَيْنهمَا حَرِيرَة

стр. 3083

وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ وَعَيَّنَ أَخَذَ بِالْعِينَةِ بِالْكَسْرِ أَيِ السَّلَفِ أَوْ أَعْطَى بِهَا قَالَ وَالتَّاجِرُ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ انْتَهَى قَالَ الرَّافِعِيُّ وَبَيْعُ الْعِينَةِ هُوَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَشْتَرِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِثَمَنِ نَقْدٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ انْتَهَى وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ كَذَا في النيل وقد حقق الإمام بن الْقَيِّمِ عَدَمَ جَوَازِ الْعِينَةِ وَنَقَلَ مَعْنَى كَلَامِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ (وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ) حُمِلَ هَذَا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالزَّرْعِ فِي زَمَنٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْجِهَادُ (وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ) أَيِ الْمُتَعَيَّنُ فِعْلُهُ (سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ صَغَارًا وَمَسْكَنَةً وَمَنْ أَنْوَاعِ الذُّلِّ الْخَرَاجُ الَّذِي يُسَلِّمُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ لِمُلَّاكِ الْأَرْضِ وَسَبَبُ هَذَا الذُّلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارُهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ عَامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِهِ وَهُوَ إِنْزَالُ الذِّلَّةِ بِهِمْ فَصَارُوا يَمْشُونَ خَلْفَ أَذْنَابِ الْبَقَرِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَرْكَبُونَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ الَّتِي هِيَ أَعَزُّ مَكَانٍ قَالَهُ فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَسِيدٍ أبو عبد الرحمن الخرساني نَزِيلُ مِصْرَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَفِيهِ أَيْضًا عطاء الخرساني وفيه مقال ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَفِي كِتَاب أَبِي مُحَمَّد النَّجَشِيّ الْحَافِظ عَنْ بن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة يَعْنِي بَيْع الْحَرِيرَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله وَفِي كِتَاب الْحَافِظ مطين مَعِين عَنْ أَنَس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة يَعْنِي بَيْع الْحَرِيرَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله وَقَوْل الصَّحَابِيّ حَرَّمَ رَسُول اللَّه كَذَا أَوْ أَمَرَ بِكَذَا وَقَضَى بِكَذَا وَأَوْجَبَ كَذَا فِي حُكْم الْمَرْفُوع اِتِّفَاقًا عِنْد أَهْل الْعِلْم إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا لَا يُعْتَدّ بِهِ وَلَا يُؤْبَه لَهُ وَشُبْهَة الْمُخَالِف أَنَّهُ لَعَلَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَظَنَّ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا تَحْرِيم كَذَلِكَ وَهَذَا فاسد جدا

стр. 3084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] فَإِنَّ الصَّحَابَة أَعْلَم بِمَعَانِي النُّصُوص وَقَدْ تَلَقَّوْهَا من في رسول الله فَلَا يُظَنّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقْدِم عَلَى قوله أمر رسول الله أَوْ حَرَّمَ أَوْ فَرَضَ إِلَّا بَعْد سَمَاع ذَلِكَ وَدَلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ وَاحْتِمَال خِلَاف هَذَا كَاحْتِمَالِ الْغَلَط وَالسَّهْو فِي الرِّوَايَة بَلْ دُونه فَإِنْ رُدَّ قَوْله أَمَرَ وَنَحْوه بِهَذَا الِاحْتِمَال وَجَبَ رَدّ رِوَايَته لِاحْتِمَالِ السَّهْو وَالْغَلَط وَإِنْ قُبِلَتْ رِوَايَته وَجَبَ قَبُول الْآخَر وَأَمَّا شَهَادَة الْعُرْف بِذَلِكَ فَأَظْهَر مِنْ أَنْ تَحْتَاج إِلَى تقرير بل قد علم الله وَعِبَاده مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ ذَلِكَ قَصْدهمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَا عَلَى السِّلْعَة عَقْدًا يَقْصِدَانِ بِهِ تَمَلُّكهَا وَلَا غَرَض لَهُمَا فِيهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا الْغَرَض وَالْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الْأَوَّل مِائَة بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِدْخَال تَلِك السِّلْعَة فِي الْوَسَط تَلْبِيس وَعَبَث وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْف الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسه بَلْ جِيءَ بِهِ لِمَعْنًى فِي غَيْره حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِلْكَ السِّلْعَة تُسَاوِي أَضْعَاف ذَلِكَ الثَّمَن أَوْ تُسَاوِي أَقَلّ جُزْء مِنْ أَجْزَائِهِ لَمْ يُبَالُوا بِجَعْلِهَا مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ لِأَنَّهُمْ لَا غَرَض لَهُمْ فِيهَا وَأَهْل الْعُرْف لَا يُكَابِرُونَ أَنْفُسهمْ فِي هَذَا وَأَمَّا النِّيَّة وَالْقَصْد فَالْأَجْنَبِيّ الْمُشَاهِد لَهُمَا يَقْطَع بِأَنَّهُ لَا غَرَض لَهُمَا فِي السِّلْعَة وَإِنَّمَا الْقَصْد الْأَوَّل مِائَة بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَضْلًا عَنْ عِلْم الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَنِيَّتهمَا وَلِهَذَا يَتَوَاطَأ كَثِير مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَبْل الْعَقْد ثُمَّ يَحْضُرَانِ تَلِك السِّلْعَة مُحَلِّلًا لِمَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام فَبَانَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْفِطْرَة وَالْمَعْقُول فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه مَسَخَ الْيَهُود قِرَدَة وَخَنَازِير لَمَّا تَوَسَّلُوا إِلَى الصَّيْد الْحَرَام بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي ظَنُّوهَا مُبَاحَة وَسَمَّى أَصْحَاب رسول الله وَالتَّابِعُونَ مِثْل ذَلِكَ مُخَادَعَة كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ يُخَادِعُونَ اللَّه كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَان لَوْ أَتَوْا الْأَمْر عَلَى وَجْهه كَانَ أَسْهَل وَالرُّجُوع إِلَى الصَّحَابَة فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظ مُتَعَيَّن سَوَاء كَانَتْ لُغَوِيَّة أَوْ شَرْعِيَّة وَالْخِدَاع حَرَام وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْعَقْد يَتَضَمَّن إِظْهَار صُورَة مُبَاحَة وَإِضْمَار مَا هُوَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر فَلَا تَنْقَلِب الْكَبِيرَة مُبَاحَة بِإِخْرَاجِهَا فِي صُورَة الْبَيْع الَّذِي لَمْ يُقْصَد نَقْل الْمِلْك فِيهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا قَصْده حَقِيقَة الرِّبَا وَأَيْضًا فَإِنَّ الطَّرِيق مَتَى أَفْضَتْ إِلَى الْحَرَام فَإِنَّ الشَّرِيعَة لَا تَأْتِي بِإِبَاحَتِهَا أَصْلًا لِأَنَّ إِبَاحَتهَا وَتَحْرِيم الْغَايَة جَمْع بَيْن النَّقِيضَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّر أَنْ يُبَاح شَيْء وَيُحَرَّم مَا يُفْضِي إِلَيْهِ بَلْ لَا بُدّ مِنْ تَحْرِيمهمَا أَوْ إِبَاحَتهمَا وَالثَّانِي بَاطِل قَطْعًا فَيَتَعَيَّن الْأَوَّل وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّارِع إِنَّمَا حَرَّمَ الرِّبَا وَجَعَلَهُ مِنْ الْكَبَائِر وَتَوَعَّدَ آكِله بِمُحَارَبَةِ اللَّه وَرَسُوله لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْظَم الْفَسَاد وَالضَّرَر فَكَيْف يتصور مَعَ هَذَا أَنْ يُبِيح هَذَا الْفَسَاد الْعَظِيم بِأَيْسَر شَيْء يَكُون مِنْ الْحِيَل

стр. 3085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] فَيَالِلَّه الْعَجَب أَتَرَى هَذِهِ الْحِيلَة أَزَالَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَة الْعَظِيمَة وَقَلَبَتْهَا مَصْلَحَة بَعْد أَنْ كَانَتْ مَفْسَدَة وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه عَاقَبَ أَهْل الْجَنَّة الَّذِينَ أَقْسَمُوا لَيَصْرُمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَكَانَ مَقْصُودهمْ مَنْع حَقّ الْفُقَرَاء مِنْ التَّمْر الْمُتَسَاقِط وَقْت الْحَصَاد فَلَمَّا قَصَدُوا مَنْع حَقّهمْ مَنَعَهُمْ اللَّه الثَّمَرَة جُمْلَة وَلَا يُقَال فَالْعُقُوبَة إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى رَدّ الِاسْتِثْنَاء وَحْده لِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ الْعُقُوبَة مِنْ جِنْس الْعَمَل وَتَرْك الِاسْتِثْنَاء عُقُوبَته أَنْ يَعُوق وَيَنْسَى لَا إِهْلَاك مَاله بِخِلَافِ عُقُوبَة ذَنْب الْحِرْمَان فَإِنَّهَا حِرْمَان كَالذَّنْبِ الثَّانِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْم عَلَيْكُمْ مِسْكِين﴾ وَذَنْب الْعُقُوبَة عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَصْف مَدْخَل فِي الْعُقُوبَة لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَة فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْعِلَّة التَّامَّة كَانَ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّة وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُل المقصود وأيضا فإن النبي قَالَ وَالْمُتَوَسِّل بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي صُورَتهَا مُبَاحَة إِلَى الْمُحَرَّم إِنَّمَا نِيَّته الْمُحَرَّم وَنِيَّته أَوْلَى بِهِ من ظاهر عمله وأيضا فقد روى بن بَطَّة وَغَيْره بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن النبي قَالَ لَا تَرْتَكِبُوا مَا اِرْتَكَبَ الْيَهُود فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِم اللَّه بِأَدْنَى الْحِيَل وَإِسْنَاده مِمَّا يُصَحِّحهُ الترمذي وأيضا فإن النبي قَالَ لَعَنَ اللَّه الْيَهُود حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها وجملوها يَعْنِي أَذَابُوهَا وَخَلَطُوهَا وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهَا اِسْم الشَّحْم وَيَحْدُث لَهَا اِسْم آخَر وَهُوَ الْوَدَك وَذَلِكَ لَا يُفِيد الْحِلّ فَإِنَّ التَّحْرِيم تَابِع لِلْحَقِيقَةِ وَهِيَ لَمْ تَتَبَدَّل بِتَبَدُّلِ الِاسْم وَهَذَا الرِّبَا تَحْرِيمه تَابِع لِمَعْنَاهُ وَحَقِيقَته فَلَا يَزُول بِتَبَدُّلِ الِاسْم بِصُورَةِ الْبَيْع كَمَا لَمْ يَزُلْ تَحْرِيم الشَّحْم بِتَبْدِيلِ الِاسْم بِصُورَةِ الْجَمْل وَالْإِذَابَة وَهَذَا وَاضِح بِحَمْدِ اللَّه وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُود لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعَيْنِ الشَّحْم إِنَّمَا اِنْتَفَعُوا بِثَمَنِهِ فَيَلْزَم مَنْ وَقَفَ مَعَ صُوَر الْعُقُود وَالْأَلْفَاظ دُون مَقَاصِدهَا وَحَقَائِقهَا أَنْ يُحَرِّم ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَنُصّ عَلَى تَحْرِيم الثَّمَن وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ نَفْس الشَّحْم وَلَمَّا لَعَنَهُمْ عَلَى اِسْتِحْلَالهمْ الثَّمَن وَإِنْ لَمْ يَنُصّ عَلَى تَحْرِيمه دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب النَّظَر إِلَى الْمَقْصُود وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْوَسَائِل إِلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِب أَنْ لَا يُقْصَد الِانْتِفَاع بِالْعَيْنِ وَلَا بِبَدَلِهَا وَنَظِير هَذَا أَنْ يُقَال لَا تَقْرَب مَال الْيَتِيم فَتَبِيعهُ وَتَأْكُل عِوَضه وَأَنْ يُقَال لَا تَشْرَب الْخَمْر فَتُغَيِّر
следующие страницы →