Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
٢
([٣٤٦٢] بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ الْعِينَةِ)
(أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ) بِاللَّامِ بَعْدَ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنُّونِ دُونَ اللَّامِ أَيْ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ كَذَا ضَبَطَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وهو غلط
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي الْبَاب حَدِيث أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ عن إمرأته أنها دخلت على عائشة ﵂ فَدَخَلَتْ مَعَهَا أُمّ وَلَد زَيْد بْن أَرْقَمَ فَقَالَتْ يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْد بْن أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم نَسِيئَة وَإِنِّي اِبْتَعْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةٍ نَقْدًا فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة بِئْسَمَا اِشْتَرَيْت وَبِئْسَمَا شَرَيْت أَخْبِرِي زَيْدًا أن جهاده مع رسول الله قَدْ بَطَلَ إِلَى أَنْ يَتُوب
هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ وَأَعَلَّهُ بِالْجَهَالَةِ بِحَالِ اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ فَإِنَّمَا عَابَتْ عَلَيْهَا بَيْعًا إِلَى الْعَطَاء لِأَنَّهُ أَجَل غَيْر مَعْلُوم
ثُمَّ قَالَ وَلَا يَثْبُت مِثْل هَذَا عَنْ عَائِشَة وَزَيْد بْن أَرْقَمَ لَا يَبِيع إِلَّا مَا يَرَاهُ حَلَالًا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ أُمّه الْعَالِيَة بِنْت أَنْفَع أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة مَعَ أُمّ مُحَمَّد
وَقَالَ غَيْره هَذَا الْحَدِيث حَسَن وَيُحْتَجّ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ الْعَالِيَة ثِقَتَانِ ثَبْتَانِ أَبُو إِسْحَاق زَوْجهَا وَيُونُس اِبْنهَا وَلَمْ يُعْلَم فِيهَا جَرْح وَالْجَهَالَة تَرْتَفِع عَنْ الرَّاوِي بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّ هَذَا مِمَّا ضُبِطَتْ فِيهِ الْقِصَّة وَمَنْ دَخَلَ مَعَهَا عَلَى عَائِشَة وَقَدْ صَدَّقَهَا زَوْجهَا وَابْنهَا وَهُمَا مَنْ هُمَا فَالْحَدِيث مَحْفُوظ
وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا هُوَ مُنَزَّل عَلَى الْعِينَة بِعَيْنِهَا قَالَهُ شَيْخنَا لِأَنَّهُ بَيْعَانِ فِي بَيْع وَاحِد فَأَوْكَسهمَا الثَّمَن الْحَالّ وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمُؤَجَّل أَخَذَ بِالرِّبَا
فَالْمَعْنَيَانِ لَا يَنْفَكَّانِ مِنْ أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الْأَخْذ بِأَوْكَس الثَّمَنَيْنِ أَوْ الرِّبَا وَهَذَا لَا يَتَنَزَّل إِلَّا على العينة
стр. 3082
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي لُبِّ اللُّبَابِ فِي تَحْرِيرِ الْأَنْسَابِ الْبُرُلُّسِيُّ بِضَمَّاتٍ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَمُهْمَلَةٍ إِلَى الْبُرُلُّسِ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ وَفَتَحَ يَاقُوتُ أَوَّلَهَا وَثَانِيهَا انْتَهَى
وَأَمَّا الْبُرْنُسِيُّ بِالنُّونِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ السُّيُوطِيُ فِيهِ وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمِصْرِيُّ وَكَذَا الذَّهَبِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ وَأَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كُتُبِهِمُ الْمُشْتَبِهِ وَالْمُخْتَلِفِ
وقال الإمام الحافظ أبو علي الغساني الجياني فِي كِتَابِهِ تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ وَتَمْيِيزِ الْمُشْكِلِ الْبُرُلُّسِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِوَاحِدَةٍ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا لَامٌ مَضْمُومَةٌ مُشَدَّدَةٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ الْبُرُلُّسِيُّ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ يُنْسَبُ إِلَى بُرُلُّسٍ قَرْيَةٌ مِنْ سَوَاحِلِ مِصْرَ انْتَهَى
وَفِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ بَرَلُّسٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا بُلَيْدَةٌ عَلَى شَاطِئِ نِيلِ مِصْرَ قُرْبَ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ بِالنُّونِ
(إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعِينُ بِالْكَسْرِ السَّلَفُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَصْل
قَالَ الْمُحَرِّمُونَ لِلْعِينَةِ الدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمهَا مِنْ وُجُوه
أَحَدهَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَ الرِّبَا وَالْعِينَة وَسِيلَة إِلَى الرِّبَا بَلْ هِيَ مِنْ أَقْرَب وَسَائِله وَالْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام فَهُنَا مَقَامَانِ
أَحَدهمَا بَيَان كَوْنهَا وَسِيلَة
وَالثَّانِي بَيَان أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام
فَأَمَّا الْأَوَّل فَيَشْهَد لَهُ بِهِ النَّقْل وَالْعُرْف وَالنِّيَّة وَالْقَصْد وَحَال الْمُتَعَاقِدَيْنِ
فَأَمَّا النَّقْل فَبِمَا ثَبَتَ عن بن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل بَاعَ مِنْ رجل حريرة بمائة ثم اشترها بِخَمْسِينَ فَقَالَ دَرَاهِم بِدَرَاهِم مُتَفَاضِلَة دَخَلَتْ بَيْنهَا حَرِيرَة
وَفِي كِتَاب مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الحافظ المعروف بمعين عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ اِتَّقُوا هَذِهِ الْعِينَة لَا تَبِيعُوا دَرَاهِم بِدَرَاهِم بَيْنهمَا حَرِيرَة
стр. 3083
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ وَعَيَّنَ أَخَذَ بِالْعِينَةِ بِالْكَسْرِ أَيِ السَّلَفِ أَوْ أَعْطَى بِهَا
قَالَ وَالتَّاجِرُ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ انْتَهَى
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَبَيْعُ الْعِينَةِ هُوَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَشْتَرِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِثَمَنِ نَقْدٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ انْتَهَى
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ
كَذَا في النيل
وقد حقق الإمام بن الْقَيِّمِ عَدَمَ جَوَازِ الْعِينَةِ وَنَقَلَ مَعْنَى كَلَامِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ
(وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ) حُمِلَ هَذَا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالزَّرْعِ فِي زَمَنٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْجِهَادُ (وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ) أَيِ الْمُتَعَيَّنُ فِعْلُهُ (سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ صَغَارًا وَمَسْكَنَةً وَمَنْ أَنْوَاعِ الذُّلِّ الْخَرَاجُ الَّذِي يُسَلِّمُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ لِمُلَّاكِ الْأَرْضِ
وَسَبَبُ هَذَا الذُّلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارُهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ عَامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِهِ وَهُوَ إِنْزَالُ الذِّلَّةِ بِهِمْ فَصَارُوا يَمْشُونَ خَلْفَ أَذْنَابِ الْبَقَرِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَرْكَبُونَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ الَّتِي هِيَ أَعَزُّ مَكَانٍ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَسِيدٍ أبو عبد الرحمن الخرساني نَزِيلُ مِصْرَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
وَفِيهِ أَيْضًا عطاء الخرساني وفيه مقال
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي كِتَاب أَبِي مُحَمَّد النَّجَشِيّ الْحَافِظ عَنْ بن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة يَعْنِي بَيْع الْحَرِيرَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله
وَفِي كِتَاب الْحَافِظ مطين مَعِين عَنْ أَنَس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة يَعْنِي بَيْع الْحَرِيرَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله
وَقَوْل الصَّحَابِيّ حَرَّمَ رَسُول اللَّه كَذَا أَوْ أَمَرَ بِكَذَا وَقَضَى بِكَذَا وَأَوْجَبَ كَذَا فِي حُكْم الْمَرْفُوع اِتِّفَاقًا عِنْد أَهْل الْعِلْم إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا لَا يُعْتَدّ بِهِ وَلَا يُؤْبَه لَهُ
وَشُبْهَة الْمُخَالِف أَنَّهُ لَعَلَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَظَنَّ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا تَحْرِيم كَذَلِكَ وَهَذَا فاسد جدا
стр. 3084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَإِنَّ الصَّحَابَة أَعْلَم بِمَعَانِي النُّصُوص وَقَدْ تَلَقَّوْهَا من في رسول الله فَلَا يُظَنّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقْدِم عَلَى قوله أمر رسول الله أَوْ حَرَّمَ أَوْ فَرَضَ إِلَّا بَعْد سَمَاع ذَلِكَ وَدَلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ وَاحْتِمَال خِلَاف هَذَا كَاحْتِمَالِ الْغَلَط وَالسَّهْو فِي الرِّوَايَة بَلْ دُونه فَإِنْ رُدَّ قَوْله أَمَرَ وَنَحْوه بِهَذَا الِاحْتِمَال وَجَبَ رَدّ رِوَايَته لِاحْتِمَالِ السَّهْو وَالْغَلَط وَإِنْ قُبِلَتْ رِوَايَته وَجَبَ قَبُول الْآخَر
وَأَمَّا شَهَادَة الْعُرْف بِذَلِكَ فَأَظْهَر مِنْ أَنْ تَحْتَاج إِلَى تقرير بل قد علم الله وَعِبَاده مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ ذَلِكَ قَصْدهمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَا عَلَى السِّلْعَة عَقْدًا يَقْصِدَانِ بِهِ تَمَلُّكهَا وَلَا غَرَض لَهُمَا فِيهَا بِحَالٍ
وَإِنَّمَا الْغَرَض وَالْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الْأَوَّل مِائَة بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِدْخَال تَلِك السِّلْعَة فِي الْوَسَط تَلْبِيس وَعَبَث وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْف الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسه بَلْ جِيءَ بِهِ لِمَعْنًى فِي غَيْره حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِلْكَ السِّلْعَة تُسَاوِي أَضْعَاف ذَلِكَ الثَّمَن أَوْ تُسَاوِي أَقَلّ جُزْء مِنْ أَجْزَائِهِ لَمْ يُبَالُوا بِجَعْلِهَا مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ لِأَنَّهُمْ لَا غَرَض لَهُمْ فِيهَا وَأَهْل الْعُرْف لَا يُكَابِرُونَ أَنْفُسهمْ فِي هَذَا
وَأَمَّا النِّيَّة وَالْقَصْد فَالْأَجْنَبِيّ الْمُشَاهِد لَهُمَا يَقْطَع بِأَنَّهُ لَا غَرَض لَهُمَا فِي السِّلْعَة وَإِنَّمَا الْقَصْد الْأَوَّل مِائَة بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَضْلًا عَنْ عِلْم الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَنِيَّتهمَا وَلِهَذَا يَتَوَاطَأ كَثِير مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَبْل الْعَقْد ثُمَّ يَحْضُرَانِ تَلِك السِّلْعَة مُحَلِّلًا لِمَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْوَسِيلَة إِلَى الْحَرَام حَرَام فَبَانَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْفِطْرَة وَالْمَعْقُول
فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه مَسَخَ الْيَهُود قِرَدَة وَخَنَازِير لَمَّا تَوَسَّلُوا إِلَى الصَّيْد الْحَرَام بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي ظَنُّوهَا مُبَاحَة وَسَمَّى أَصْحَاب رسول الله وَالتَّابِعُونَ مِثْل ذَلِكَ مُخَادَعَة كَمَا تَقَدَّمَ
وَقَالَ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ يُخَادِعُونَ اللَّه كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَان لَوْ أَتَوْا الْأَمْر عَلَى وَجْهه كَانَ أَسْهَل
وَالرُّجُوع إِلَى الصَّحَابَة فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظ مُتَعَيَّن سَوَاء كَانَتْ لُغَوِيَّة أَوْ شَرْعِيَّة وَالْخِدَاع حَرَام
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْعَقْد يَتَضَمَّن إِظْهَار صُورَة مُبَاحَة وَإِضْمَار مَا هُوَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر فَلَا تَنْقَلِب الْكَبِيرَة مُبَاحَة بِإِخْرَاجِهَا فِي صُورَة الْبَيْع الَّذِي لَمْ يُقْصَد نَقْل الْمِلْك فِيهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا قَصْده حَقِيقَة الرِّبَا
وَأَيْضًا فَإِنَّ الطَّرِيق مَتَى أَفْضَتْ إِلَى الْحَرَام فَإِنَّ الشَّرِيعَة لَا تَأْتِي بِإِبَاحَتِهَا أَصْلًا لِأَنَّ إِبَاحَتهَا وَتَحْرِيم الْغَايَة جَمْع بَيْن النَّقِيضَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّر أَنْ يُبَاح شَيْء وَيُحَرَّم مَا يُفْضِي إِلَيْهِ بَلْ لَا بُدّ مِنْ تَحْرِيمهمَا أَوْ إِبَاحَتهمَا وَالثَّانِي بَاطِل قَطْعًا فَيَتَعَيَّن الْأَوَّل
وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّارِع إِنَّمَا حَرَّمَ الرِّبَا وَجَعَلَهُ مِنْ الْكَبَائِر وَتَوَعَّدَ آكِله بِمُحَارَبَةِ اللَّه وَرَسُوله لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْظَم الْفَسَاد وَالضَّرَر فَكَيْف يتصور مَعَ هَذَا أَنْ يُبِيح هَذَا الْفَسَاد الْعَظِيم بِأَيْسَر شَيْء يَكُون مِنْ الْحِيَل
стр. 3085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَيَالِلَّه الْعَجَب أَتَرَى هَذِهِ الْحِيلَة أَزَالَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَة الْعَظِيمَة وَقَلَبَتْهَا مَصْلَحَة بَعْد أَنْ كَانَتْ مَفْسَدَة وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه عَاقَبَ أَهْل الْجَنَّة الَّذِينَ أَقْسَمُوا لَيَصْرُمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَكَانَ مَقْصُودهمْ مَنْع حَقّ الْفُقَرَاء مِنْ التَّمْر الْمُتَسَاقِط وَقْت الْحَصَاد فَلَمَّا قَصَدُوا مَنْع حَقّهمْ مَنَعَهُمْ اللَّه الثَّمَرَة جُمْلَة
وَلَا يُقَال فَالْعُقُوبَة إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى رَدّ الِاسْتِثْنَاء وَحْده لِوَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّ الْعُقُوبَة مِنْ جِنْس الْعَمَل وَتَرْك الِاسْتِثْنَاء عُقُوبَته أَنْ يَعُوق وَيَنْسَى لَا إِهْلَاك مَاله بِخِلَافِ عُقُوبَة ذَنْب الْحِرْمَان فَإِنَّهَا حِرْمَان كَالذَّنْبِ
الثَّانِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْم عَلَيْكُمْ مِسْكِين﴾
وَذَنْب الْعُقُوبَة عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَصْف مَدْخَل فِي الْعُقُوبَة لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَة فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْعِلَّة التَّامَّة كَانَ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّة
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُل المقصود
وأيضا فإن النبي قَالَ وَالْمُتَوَسِّل بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي صُورَتهَا مُبَاحَة إِلَى الْمُحَرَّم إِنَّمَا نِيَّته الْمُحَرَّم وَنِيَّته أَوْلَى بِهِ من ظاهر عمله
وأيضا فقد روى بن بَطَّة وَغَيْره بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن النبي قَالَ لَا تَرْتَكِبُوا مَا اِرْتَكَبَ الْيَهُود فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِم اللَّه بِأَدْنَى الْحِيَل وَإِسْنَاده مِمَّا يُصَحِّحهُ الترمذي
وأيضا فإن النبي قَالَ لَعَنَ اللَّه الْيَهُود حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها وجملوها يَعْنِي أَذَابُوهَا وَخَلَطُوهَا وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهَا اِسْم الشَّحْم وَيَحْدُث لَهَا اِسْم آخَر وَهُوَ الْوَدَك وَذَلِكَ لَا يُفِيد الْحِلّ فَإِنَّ التَّحْرِيم تَابِع لِلْحَقِيقَةِ وَهِيَ لَمْ تَتَبَدَّل بِتَبَدُّلِ الِاسْم
وَهَذَا الرِّبَا تَحْرِيمه تَابِع لِمَعْنَاهُ وَحَقِيقَته فَلَا يَزُول بِتَبَدُّلِ الِاسْم بِصُورَةِ الْبَيْع كَمَا لَمْ يَزُلْ تَحْرِيم الشَّحْم بِتَبْدِيلِ الِاسْم بِصُورَةِ الْجَمْل وَالْإِذَابَة وَهَذَا وَاضِح بِحَمْدِ اللَّه
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُود لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعَيْنِ الشَّحْم إِنَّمَا اِنْتَفَعُوا بِثَمَنِهِ فَيَلْزَم مَنْ وَقَفَ مَعَ صُوَر الْعُقُود وَالْأَلْفَاظ دُون مَقَاصِدهَا وَحَقَائِقهَا أَنْ يُحَرِّم ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَنُصّ عَلَى تَحْرِيم الثَّمَن وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ نَفْس الشَّحْم وَلَمَّا لَعَنَهُمْ عَلَى اِسْتِحْلَالهمْ الثَّمَن وَإِنْ لَمْ يَنُصّ عَلَى تَحْرِيمه دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب النَّظَر إِلَى الْمَقْصُود وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْوَسَائِل إِلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِب أَنْ لَا يُقْصَد الِانْتِفَاع بِالْعَيْنِ وَلَا بِبَدَلِهَا
وَنَظِير هَذَا أَنْ يُقَال لَا تَقْرَب مَال الْيَتِيم فَتَبِيعهُ وَتَأْكُل عِوَضه وَأَنْ يُقَال لَا تَشْرَب الْخَمْر فَتُغَيِّر
стр. 3086
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
اِسْمه وَتَشْرَبهُ وَأَنْ يُقَال لَا تَزْنِ بِهَذِهِ الْمَرْأَة فَتَعْقِد عَلَيْهَا عَقْد إِجَارَة وَتَقُول إِنَّمَا أَسْتَوْفِي مَنَافِعهَا وَأَمْثَال ذَلِكَ
قَالُوا وَلِهَذَا الْأَصْل وَهُوَ تَحْرِيم الْحِيَل الْمُتَضَمِّنَة إِبَاحَة مَا حَرَّمَ اللَّه أَوْ إِسْقَاط مَا أَوْجَبَهُ اللَّه عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ مِائَة دَلِيل وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النبي لَعَنَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ مَعَ أَنَّهُ أَتَى بِصُورَةِ عَقْد النِّكَاح الصَّحِيح لِمَا كَانَ مَقْصُوده التَّحْلِيل لَا حَقِيقَة النِّكَاح
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ سَمَّوْهُ زَانِيًا وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى صُورَة الْعَقْد
الدَّلِيل الثَّانِي عَلَى تَحْرِيم الْعِينَة مَا رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا أَسْوَد بْن عَامِر حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر عَنْ الْأَعْمَش عن عطاء بن أبي رباح عن بن عمر قال سمعت رسول الله يَقُول إِذَا ضَنَّ النَّاس بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَاب الْبَقَر وَتَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه أَنْزَلَ اللَّه بِهِمْ بَلَاء فَلَا يَرْفَعهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهمْ
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى حَيْوَة بْن شُرَيْح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخرساني أن عطاء الخرساني حدثه أن نافعا حدثه عن بن عمر قال سمعت رسول الله يَقُول فَذَكَرَهُ وَهَذَانِ إِسْنَادَانِ حَسَنَانِ يَشُدّ أَحَدهمَا الْآخَر
فَأَمَّا رِجَال الْأَوَّل فَأَئِمَّة مَشَاهِير وَإِنَّمَا يُخَاف أَنْ لَا يَكُون الْأَعْمَش سَمِعَهُ مِنْ عَطَاء أَوْ أَنَّ عَطَاء لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ بن عُمَر
وَالْإِسْنَاد الثَّانِي يُبَيِّن أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا محفوظا عن بن عمر فإن عطاء الخرساني ثِقَة مَشْهُور وَحَيْوَة كَذَلِكَ
وَأَمَّا إِسْحَاق أَبُو عَبْد الرَّحْمَن فَشَيْخ رَوَى عَنْهُ أَئِمَّة الْمِصْرِيِّينَ مِثْل حَيْوَة وَاللَّيْث وَيَحْيَى بْن أَيُّوب وَغَيْرهمْ
وَلَهُ طَرِيق ثَالِث رَوَاهُ السَّرِيّ بْن سَهْل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رَشِيد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد عَنْ لَيْث عَنْ عَطَاء عن بن عُمَر قَالَ لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَان وَمَا مِنَّا رَجُل يَرَى أَنَّهُ أَحَقّ بِدِينَارِهِ وَدِرْهَمه مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِم وَلَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه يَقُول إِذَا ضَنَّ النَّاس بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَتَرَكُوا الْجِهَاد وَاتَّبَعُوا أَذْنَاب الْبَقَر أَدْخَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعهُ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا وَأَنَّهُ مَحْفُوظ
الدَّلِيل الثَّالِث مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة فَقَالَ إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظ فِي حُكْم الْمَرْفُوع
الدَّلِيل الرَّابِع مَا تَقَدَّمَ من حديث بن عَبَّاس وَقَوْله هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله
الدَّلِيل الْخَامِس مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ جَدَّته
стр. 3087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْعَالِيَة وَرَوَاهُ حَرْب مِنْ حَدِيث إِسْرَائِيل حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاق عَنْ جَدَّته الْعَالِيَة يَعْنِي جَدَّة إِسْرَائِيل فَإِنَّهَا اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق قَالَتْ دَخَلْت عَلَى عَائِشَة فِي نِسْوَة فَقَالَتْ مَا حَاجَتكُنَّ فَكَانَ أَوَّل مَنْ سَأَلَهَا أُمّ مَحَبَّة فَقَالَتْ يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ تَعْرِفِينَ زَيْد بْن أَرْقَمَ قَالَتْ نَعَمْ
قَالَتْ فَإِنِّي بِعْته جَارِيَة لِي بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم إِلَى الْعَطَاء وَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعهَا فَابْتَعْتهَا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَم نَقْدًا
فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ غَضْبَى فَقَالَتْ بِئْسَمَا شَرَيْت وَبِئْسَمَا اِشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَاده مع رسول الله إِلَّا أَنْ يَتُوب وَأَفْحَمَتْ صَاحِبَتنَا فَلَمْ تَتَكَلَّم طَوِيلًا ثُمَّ إِنَّهُ سُهِّلَ عَنْهَا فَقَالَتْ يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْت إِنْ لَمْ آخُذ إِلَّا رَأْس مَالِي فَتَلَتْ عَلَيْهَا ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَف﴾
فَلَوْلَا أَنَّ عِنْد أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمًا لَا تَسْتَرِيب فِيهِ أَنَّ هَذَا مُحَرَّم لَمْ تَسْتَجِزْ أَنْ تَقُول مِثْل هَذَا بِالِاجْتِهَادِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ قَدْ قَصَدَتْ أَنَّ الْعَمَل يَحْبَط بِالرِّدَّةِ وَأَنَّ اِسْتِحْلَال الرِّبَا أَكْفَر وَهَذَا مِنْهُ وَلَكِنَّ زَيْدًا مَعْذُور لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَم أَنَّ هَذَا مُحَرَّم وَلِهَذَا قَالَتْ أَبْلِغِيهِ
وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون قَدْ قَصَدَتْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِر الَّتِي يُقَاوِم إِثْمهَا ثَوَاب الْجِهَاد فَيَصِير بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَمِلَ حَسَنَة وَسَيِّئَة بِقَدْرِهَا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِجَزْمِ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مِنْ مَسَائِل الِاجْتِهَاد وَالنِّزَاع بَيْن الصَّحَابَة لَمْ تُطْلِق عَائِشَة ذَلِكَ عَلَى زَيْد فَإِنَّ الْحَسَنَات لَا تَبْطُل بِمَسَائِل الِاجْتِهَاد
وَلَا يُقَال فَزَيْد مِنْ الصَّحَابَة وَقَدْ خَالَفَهَا لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُلْ هَذَا حَلَال بَلْ فَعَلَهُ وَفِعْل الْمُجْتَهِد لَا يَدُلّ عَلَى قَوْله عَلَى الصَّحِيح لِاحْتِمَالِ سَهْو أَوْ غَفْلَة أَوْ تَأْوِيل أَوْ رُجُوع وَنَحْوه وَكَثِيرًا مَا يَفْعَل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته فإذا نبه لَهُ اِنْتَبَهَ وَلَا سِيَّمَا أُمّ وَلَده فَإِنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة تَسْتَفْتِيهَا وَطَلَبَتْ الرُّجُوع إِلَى رَأْس مَالهَا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الرُّجُوع عَنْ ذَلِكَ الْعَقْد وَلَمْ يُنْقَل عَنْ زَيْد أَنَّهُ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّم ثُبُوت الْحَدِيث فَإِنَّ أُمّ وَلَد زَيْد مَجْهُولَة
قُلْنَا أُمّ وَلَده لَمْ تَرْوِ الْحَدِيث وَإِنَّمَا كَانَتْ هِيَ صَاحِبَة الْقِصَّة وَأَمَّا الْعَالِيَة فَهِيَ اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ وَهِيَ مِنْ التَّابِعِيَّات وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة وَرَوَى عَنْهَا أَبُو إِسْحَاق وَهُوَ أَعْلَم بِهَا
وَفِي الْحَدِيث قِصَّة وَسِيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَحْفُوظ وَأَنَّ الْعَالِيَة لَمْ تَخْتَلِق هَذِهِ الْقِصَّة وَلَمْ تَضَعهَا بَلْ يَغْلِب عَلَى الظَّنّ غَلَبَة قَوِيَّة صِدْقهَا فِيهَا وَحِفْظهَا لَهَا وَلِهَذَا رَوَاهَا عَنْهَا زَوْجهَا مَيْمُون وَلَمْ يَنْهَهَا وَلَا سِيَّمَا عِنْد مَنْ يَقُول رِوَايَة الْعَدْل عَنْ غَيْره تَعْدِيل لَهُ وَالْكَذِب لَمْ يَكُنْ فَاشِيًا فِي التَّابِعِينَ فُشُوّهُ فِيمَنْ بَعْدهمْ وَكَثِير مِنْهُمْ كَانَ يَرْوِي عَنْ أُمّه وَامْرَأَته مَا يُخْبِرهُنَّ بِهِ أَزْوَاج رَسُول اللَّه ويحتج به
стр. 3088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث تُبَيِّن أَنَّ رَسُول اللَّه حرم العينة حديث بن عُمَر الَّذِي فِيهِ تَغْلِيظ الْعِينَة
وَحَدِيث أَنَس وبن عَبَّاس أَنَّهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله
وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا وَالْمُرْسَل مِنْهَا لَهُ مَا يُوَافِقهُ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْض الصَّحَابَة وَالسَّلَف وَهَذَا حُجَّة بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاء
الدَّلِيل السَّادِس مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النبي قَالَ مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيره قَوْلَانِ أحدهما أن يقول بعتك بعشرة نَقْدًا أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سِمَاك فَفَسَّرَهُ فِي حَدِيث بن مسعود قال نهى رسول الله عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة قَالَ سِمَاك الرَّجُل يَبِيع الرَّجُل فَيَقُول هُوَ عَلَيَّ نَسَاء بِكَذَا وَبِنَقْدٍ بِكَذَا
وَهَذَا التَّفْسِير ضَعِيف فَإِنَّهُ لَا يُدْخِل الرِّبَا فِي هَذِهِ الصُّورَة وَلَا صَفْقَتَيْنِ هُنَا وَإِنَّمَا هِيَ صَفْقَة وَاحِدَة بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ
وَالتَّفْسِير الثَّانِي أَنْ يَقُول أَبِيعكهَا بِمِائَةٍ إِلَى سنة على أن أشتريها منك بِثَمَانِينَ حَالَّة وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيث الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ غَيْره وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذ الثَّمَن الزَّائِد فَيُرْبِي أَوْ الثَّمَن الْأَوَّل فَيَكُون هُوَ أَوْكَسهمَا وَهُوَ مُطَابِق لِصَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة
فَإِنَّهُ قَدْ جَمَعَ صَفْقَتَيْ النَّقْد وَالنَّسِيئَة فِي صَفْقَة وَاحِدَة وَمَبِيع وَاحِد وَهُوَ قَصْد بَيْع دَرَاهِم عَاجِلَة بِدَرَاهِم مُؤَجَّلَة أَكْثَر مِنْهَا وَلَا يَسْتَحِقّ إِلَّا رَأْس مَاله وَهُوَ أَوْكَس الصَّفْقَتَيْنِ فَإِنْ أَبَى إِلَّا الْأَكْثَر كَانَ قَدْ أَخَذَ الربا
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه وَانْطِبَاقه عَلَيْهَا
وَمِمَّا يَشْهَد لِهَذَا التَّفْسِير مَا رواه الإمام أحمد عن بن عمر عن النبي أنه نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة وَعَنْ سَلَف وَبَيْع فَجَمْعه بَيْن هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ فِي النَّهْي لأن كلا منهما يؤول إِلَى الرِّبَا لِأَنَّهُمَا فِي الظَّاهِر بَيْع وَفِي الْحَقِيقَة رِبًا
وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم الْعِينَة حديث بن مَسْعُود يَرْفَعهُ لَعَنَ اللَّه آكِل الرِّبَا وَمُوَكِّله وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبه وَالْمُحِلّ وَالْمُحَلَّل لَهُ
وَمَعْلُوم أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ وَالْكَاتِب إِنَّمَا يَكْتُب وَيَشْهَد عَلَى عَقْد صُورَته جَائِزَة الْكِتَابَة وَالشَّهَادَة لَا يَشْهَد بِمُجَرَّدِ الرِّبَا وَلَا يَكْتُبهُ
وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّل لَهُ حَيْثُ أَظْهَرَا صُورَة النِّكَاح وَلَا نِكَاح كَمَا أَظْهَرَ الْكَاتِب وَالشَّاهِدَانِ صُورَة الْبَيْع وَلَا بيع
стр. 3089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَتَأَمَّلْ كَيْف لَعَنَ فِي الْحَدِيث الشَّاهِدَيْنِ وَالْكَاتِب وَالْآكِل وَالْمُوَكِّل فَلَعَنَ الْمَعْقُود لَهُ
وَالْمُعِين لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْد وَلَعَنَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ فَالْمُحَلَّل لَهُ هُوَ الَّذِي يُعْقَد التَّحْلِيل لِأَجْلِهِ وَالْمُحَلِّل هُوَ الْمُعِين لَهُ بِإِظْهَارِ صُورَة الْعَقْد كَمَا أَنَّ الْمُرَابِي هُوَ الْمُعَان عَلَى أَكْل الرِّبَا بِإِظْهَارِ صُورَة الْعَقْد الْمَكْتُوب الْمَشْهُود بِهِ
فَصَلَوَات اللَّه عَلَى مَنْ أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم
الدليل السابع ما صح عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ إِذَا اِسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَقْدٍ فَلَا بَأْس وَإِذَا اِسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَسِيئَةٍ فَلَا خَيْر فِيهِ تِلْكَ وَوَرِق بِوَرِقٍ رَوَاهُ سَعِيد وَغَيْره
وَمَعْنَى كَلَامه أَنَّك إِذَا قَوَّمْت السِّلْعَة بِنَقْدٍ ثُمَّ بِعْتهَا بِنَسِيئَةٍ كَانَ مَقْصُود الْمُشْتَرِي شِرَاء دَرَاهِم مُعَجَّلَة بِدَرَاهِم مُؤَجَّلَة وَإِذَا قَوَّمْتهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ بِعْتهَا بِهِ فَلَا بَأْس
فَإِنَّ ذَلِكَ بَيْع الْمَقْصُود مِنْهُ السِّلْعَة لا الربا
الدليل الثامن ما رواه بن بَطَّة عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَسْتَحِلُّونَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ يَعْنِي الْعِينَة
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ صَالِح لِلِاعْتِضَادِ بِهِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ الْمَرْفُوع مَا يُؤَكِّدهُ
وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا قوله لَيَشْرَبَنَّ نَاس مِنْ أُمَّتِي الْخَمْر يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اِسْمهَا
وَقَوْله أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من حديث أبي ثعلبة عن النبي قَالَ أَوَّل دِينكُمْ نُبُوَّة وَرَحْمَة ثُمَّ خِلَافَة وَرَحْمَة ثُمَّ مُلْك وَرَحْمَة ثُمَّ مُلْك وَجَبْرِيَّة ثُمَّ مُلْك عَضُوض يُسْتَحَلّ فِيهِ الْحِر وَالْحَرِير وَالْحِر بِكَسْرِ الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء هُوَ الْفَرْج
فَهَذَا إِخْبَار عَنْ اِسْتِحْلَال الْمَحَارِم وَلَكِنَّهُ بِتَغْيِيرِ أَسْمَائِهَا وَإِظْهَارهَا فِي صُوَر تُجْعَل وَسِيلَة إِلَى اِسْتِبَاحَتهَا وَهِيَ الرِّبَا وَالْخَمْر وَالزِّنَا فَيُسَمَّى كُلّ مِنْهَا بِغَيْرِ اِسْمهَا وَيُسْتَبَاح الِاسْم الَّذِي سُمِّيَ بِهِ وَقَدْ وَقَعَتْ الثَّلَاثَة
وَفِي قَوْل عَائِشَة بِئْسَمَا شَرَيْت وَبِئْسَمَا اِشْتَرَيْت دَلِيل عَلَى بُطْلَان الْعَقْدَيْنِ مَعًا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَب لِأَنَّ الثَّانِي عَقْد رِبًا وَالْأَوَّل وَسِيلَة إِلَيْهِ
وَفِيهِ قَوْل آخَر فِي الْمَذْهَب
أَنَّ الْعَقْد الْأَوَّل صَحِيح لِأَنَّهُ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطه فَطَرَيَان الثَّانِي عَلَيْهِ لَا يُبْطِلهُ وَهَذَا ضَعِيف فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ وَسِيلَة إلى
стр. 3090
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الرِّبَا فَهُوَ طَرِيق إِلَى الْمُحَرَّم فَكَيْف يُحْكَم بِصِحَّتِهِ وَهَذَا الْقَوْل لَا يَلِيق بِقَوَاعِد الْمَذْهَب
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَة بِنَقْدٍ ثُمَّ اِشْتَرَاهَا بِأَكْثَر مِنْهُ نَسِيئَة قُلْنَا قَدْ نَصَّ أَحْمَد فِي رِوَايَة حَرْب عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّر السِّلْعَة لِأَنَّ هَذَا يُتَّخَذ وَسِيلَة إِلَى الرِّبَا فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ الْعِينَة سَوَاء وَهِيَ عَكْسهَا صُورَة وَفِي الصُّورَتَيْنِ قَدْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّته دَرَاهِم مُؤَجَّلَة بِأَقَلّ مِنْهَا نَقْدًا لَكِنْ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْبَائِع هُوَ الَّذِي اُسْتُغِلَّتْ ذِمَّته وَفِي الصُّورَة الْأُخْرَى الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي اُسْتُغِلَّتْ ذِمَّته فَلَا فَرْق بَيْنهمَا
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا يَحْتَمِل أَنْ تَجُوز الصُّورَة الثَّانِيَة
إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَة وَلَا مُوَاطَأَة بَلْ وَاقِع اِتِّفَاقًا
وَفَرَّقَ بَيْنهمَا وَبَيْن الصُّورَة الْأُولَى بِفَرْقَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّ النَّصّ وَرَدَ فِيهَا فَيَبْقَى مَا عَدَاهَا عَلَى أَصْل الْجَوَاز
وَالثَّانِي أَنَّ التَّوَسُّل إِلَى الرِّبَا بِتِلْكَ الصُّورَة أَكْثَر مِنْ التَّوَسُّل بِهَذِهِ
وَالْفَرْقَانِ ضَعِيفَانِ
أَمَّا الْأَوَّل فَلَيْسَ فِي النَّصّ مَا يَدُلّ عَلَى اِخْتِصَاص الْعِينَة بِالصُّورَةِ الْأُولَى حَتَّى تَتَقَيَّد بِهِ نُصُوص مُطْلَقَة عَلَى تَحْرِيم الْعِينَة
وَالْعِينَة فِعْلَة مِنْ الْعَيْن قَالَ الشَّاعِر أَنِدَّانِ أم نعتان أم ينبري لنا فتى مِثْل نَصْل السَّيْف مِيزَتْ مَضَارِبه قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ أَنَا أَظُنّ أَنَّ الْعِينَة إِنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ حَاجَة الرَّجُل إِلَى الْعَيْن مِنْ الذَّهَب وَالْوَرِق فَيَشْتَرِي السِّلْعَة وَيَبِيعهَا بِالْعَيْنِ الَّذِي اِحْتَاجَ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِهِ إِلَى السِّلْعَة حَاجَة
وَأَمَّا الْفَرْق الثَّانِي فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَر فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الذَّرِيعَة وَلَوْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْفَرْق مِنْ الِاتِّفَاق وَالْقَصْد لَزِمَ طَرْد ذَلِكَ فِي الصُّورَة الْأُولَى وَأَنْتُمْ لَا تَعْتَبِرُونَهُ
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ إِذَا لَمْ تُعَدْ السِّلْعَة إِلَيْهِ بَلْ رَجَعَتْ إِلَى ثَالِث هَلْ تُسَمُّونَ ذَلِكَ عِينَة قِيلَ هَذِهِ مَسْأَلَة التَّوَرُّق لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهَا الْوَرِق وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْعِينَة وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا اِسْمهَا
وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي كَرَاهِيَتهَا فَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَكْرَههَا وَكَانَ يَقُول التَّوَرُّق أُخَيَّة الرِّبَا
وَرَخَّصَ فِيهَا إِيَاس بْن مُعَاوِيَة
وَعَنْ أَحْمَد فِيهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَة فِي إِحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ بَيْع مُضْطَرّ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ نَهَى عَنْ الْمُضْطَرّ وَفِي الْمُسْنَد عَنْ عَلِيّ قَالَ سَيَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَان يَعَضّ الْمُؤْمِن عَلَى مَا فِي يَده وَلَمْ يُؤْمَر بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْل بَيْنكُمْ﴾ وَيُبَايِع المضطرون
стр. 3091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وقد نهى رسول الله عَنْ بَيْع الْمُضْطَرّ وَذَكَرَ الْحَدِيث
فَأَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِينَة إِنَّمَا تَقَع مِنْ رَجُل مُضْطَرّ إِلَى نَقْد لِأَنَّ الْمُوسِر يَضَنّ عَلَيْهِ بِالْقَرْضِ فَيَضْطَرّ إِلَى أَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ سِلْعَة ثُمَّ يَبِيعهَا فَإِنْ اِشْتَرَاهَا مِنْهُ بَائِعهَا كَانَتْ عِينَة وَإِنْ بَاعَهَا مِنْ غَيْره فَهِيَ التَّوَرُّق
وَمَقْصُوده فِي الْمَوْضِعَيْنِ الثَّمَن فَقَدْ حَصَلَ فِي ذِمَّته ثَمَن مُؤَجَّل مُقَابِل الثَّمَن حَالّ أَنْقَص مِنْهُ وَلَا مَعْنَى لِلرِّبَا إِلَّا هَذَا لَكِنَّهُ رِبًا بِسَلَمٍ لَمْ يَحْصُل لَهُ مَقْصُوده إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدهُ كَانَ رِبًا بِسُهُولَةٍ
وَلِلْعِينَةِ صُورَة رَابِعَة وَهِيَ أُخْت صُوَرهَا وَهِيَ أَنْ يَكُون عِنْد الرَّجُل الْمَتَاع فَلَا يَبِيعهُ إِلَّا نَسِيئَة وَنَصَّ أَحْمَد عَلَى كَرَاهَة ذَلِكَ فَقَالَ الْعِينَة أَنْ يَكُون عِنْده الْمَتَاع فَلَا يَبِيعهُ إِلَّا بِنَسِيئَةٍ فَإِنْ بَاعَ بِنَسِيئَةٍ وَنَقْد فَلَا بَأْس
وَقَالَ أَيْضًا أَكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَكُون لَهُ تِجَارَة غير العينة فلا يبيع بنقد
قال بن عُقَيْل إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِمُضَارَعَتِهِ الرِّبَا فَإِنَّ الْبَائِع بِنَسِيئَةٍ يَقْصِد الزِّيَادَة غَالِبًا
وَعَلَّلَهُ شَيْخنَا بن تَيْمِيَة ﵁ بِأَنَّهُ يَدْخُل فِي بَيْع الْمُضْطَرّ فَإِنَّ غَالِب مَنْ يَشْتَرِي بِنَسِيئَةٍ إِنَّمَا يَكُون لِتَعَذُّرِ النَّقْد عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الرَّجُل لَا يَبِيع إِلَّا بِنَسِيئَةٍ كَانَ رِبْحه عَلَى أَهْل الضَّرُورَة وَالْحَاجَة وَإِذَا بَاعَ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَة كَانَ تَاجِرًا مِنْ التُّجَّار
وَلِلْعِينَةِ صُورَة خَامِسَة وَهِيَ أَقْبَح صُوَرهَا وَأَشَدّهَا تَحْرِيمًا وَهِيَ أَنَّ الْمُتَرَابِيَيْنِ يَتَوَاطَآنِ عَلَى الرِّبَا ثُمَّ يَعْمِدَانِ إِلَى رَجُل عِنْده مَتَاع فَيَشْتَرِيه مِنْهُ الْمُحْتَاج ثُمَّ يَبِيعهُ لِلْمُرْبِي بِثَمَنٍ حَالّ وَيَقْبِضهُ مِنْهُ ثُمَّ يَبِيعهُ إِيَّاهُ لِلْمُرْبِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّل وَهُوَ ما اتفقا عليه ثم يُعِيد الْمَتَاع إِلَى رَبّه وَيُعْطِيه شَيْئًا وَهَذِهِ تُسَمَّى الثُّلَاثِيَّة لِأَنَّهَا بَيْن ثَلَاثَة وَإِذَا كَانَتْ السِّلْعَة بَيْنهمَا خَاصَّة فَهِيَ الثُّنَائِيَّة
وَفِي الثُّلَاثِيَّة قَدْ أَدْخَلَا بَيْنهمَا مُحَلِّلًا يَزْعُمَانِ أَنَّهُ يُحَلِّل لَهُمَا مَا حَرَّمَ اللَّه مِنْ الرِّبَا
وَهُوَ كَمُحَلِّلِ النِّكَاح
فَهَذَا مُحَلِّل الرِّبَا وَذَلِكَ مُحَلِّل الْفُرُوج وَاَللَّه تَعَالَى لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة
بَلْ يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُور
стр. 3092
٢١ - (بَاب فِي السَّلَفِ)
[٣٤٦٣] بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ عَلَى وَزْنِ السَّلَمِ وَمَعْنَاهُ
وَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ السَّلَفَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالسَّلَمُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَزِيدَ فِي الْحَدِّ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي حَقِيقَتِهِ
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَّا مَا حُكِيَ عن بن الْمُسَيِّبِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلْبَيْعِ وَعَلَى تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ عَقْدُ غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ أَمْ لَا
كَذَا فِي الْفَتْحِ
(وَهُمْ يُسْلِفُونَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ السِّينِ مِنَ الْإِسْلَافِ أَيْ يُعْطُونَ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ وَيَأْخُذُونَ السِّلْعَةَ فِي الْمَالِ (فِي التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ (السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ) مَنْصُوبَاتٌ إِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ يَشْتَرُونَ إِلَى السَّنَةِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِسْلَافُ السَّنَةِ (مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ) بِالْمُثَنَّاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ
قَالَ فِي السُّبُلِ رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فَهُوَ بِهَا أَعَمُّ (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ (وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَجَلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا
وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ السَّلَمِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُهُ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُضْبَطُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَذْرُوعًا كَالثَّوْبِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ ذَرِعَاتٍ مَعْلُومَةٍ وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا كَالْحَيَوَانِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ عَدَدٍ مَعْلُومٍ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ كَيْلُهُ مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ فِي مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَلْيَكُنْ أَجَلُهُ مَعْلُومًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّلَمِ مُؤَجَّلًا بَلْ يَجُوزُ حَالًّا لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مَعَ الْغَرَرِ فَجَوَازُ الْحَالِّ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْغَرَرِ
وَلَيْسَ ذِكْرُ الْأَجَلِ فِي الْحَدِيثِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ بَلْ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ أَجَلٌ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْمُؤَجَّلِ فَجَوَّزَ
стр. 3093
الْحَالَّ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ وَصْفِهِ بِمَا يُضْبَطُ بِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٤٦٤] (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَالِدٍ) بِالشَّكِّ (وَأَبُو بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ (فِي السَّلَفِ) أَيْ فِي السَّلَمِ هَلْ يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَمْ لَا (إِنْ كُنَّا) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ) أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ كُنَّا نُسَلِّفُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ وَالتَّمْرِ وَمَا نَرَاهُ عِنْدَهُمْ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي وَقْتِ السَّلَمِ إِذَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي وَقْتِ حُلُولِ الْأَجَلِ فَذَهَبَ إِلَى جَوَازِهِ الْجُمْهُورُ قَالُوا وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الْحُلُولِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ فِيمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْمَحِلِّ وَوَافَقَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَلَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ لَمْ يَنْفَسِخْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخُ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حنيفة ومن معه بحديث بن عُمَرَ الْآتِي فِي بَابِ السَّلَمِ فِي ثَمَرَةٍ بعينهاويأتي مَا أَجَابَ بِهِ الْجُمْهُورُ عَنْهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وبن ماجه
[٣٤٦٥] (وقال عبد الرحمن) هو بن مَهْدِيٍّ (وَشُعْبَةُ أَخْطَأَ فِيهِ) أَيْ بِذِكْرِ لَفْظِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَالِدٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ
стр. 3094
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ بِالْجِيمِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَيُقَالُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ثِقَةٌ انْتَهَى
وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْمَحْفُوظَ فِي الْإِسْنَادِ لَفْظُ بن أَبِي الْمُجَالِدِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَالِدٍ وَاللَّهُ أعلم
٢ - (بَاب فِي السَّلَمِ فِي ثَمَرَةٍ بِعَيْنِهَا)
[٣٤٦٧] السَّلَمُ بِوَزْنِ السَّلَفِ وَمَعْنَاهُ
(رَجُلٌ نَجْرَانِيٌّ) بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ وَرَاءٍ إِلَى نَجْرَانَ نَاحِيَةٌ بَيْنَ الْيَمَنِ وَهَجَرَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (فَلَمْ تَخْرُجْ) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّخْلِ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الثَّمَرِ (ثُمَّ قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لَا تُسَلِّفُوا) أَيْ لَا تُسَلِّمُوا
وَقِيلَ أَيْ لَا تَبِيعُوا وَهَذَا الْمَعْنَى ضَعِيفٌ
وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْمَحَلِّ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِخِلَافِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَظِنَّةُ التَّقْرِيرِ مِنْهُ ﷺ مَعَ مُلَاحَظَةِ تَنْزِيلِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ وَلَكِنَّ حديث بن عُمَرَ هَذَا فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَمِثْلُ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ
قَالَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَحُمِلَ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ أَوْ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ عِنْدَ من
стр. 3095
يَقُولُ بِهِ أَوْ عَلَى مَا قَرُبَ أَجَلُهُ
قَالُوا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثِّمَارَ لَا تَبْقَى هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَوِ اشْتُرِطَ الْوُجُودُ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِي الرُّطَبِ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ وَهَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَوَازِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
(فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ) جَمْعُ نَبِيطٍ وَهُمْ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ
قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَأَصْلُهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ دَخَلُوا فِي الْعَجَمِ وَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابُهُمْ وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيُقَالُ لَهُمْ النبط بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ وَإِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِإِنْبَاطِ الْمَاءِ أَيِ اسْتِخْرَاجِهِ لِكَثْرَةِ مُعَالَجَتِهِمُ الْفِلَاحَةَ وَقِيلَ هُمْ نَصَارَى الشَّامِ وَهُمْ عَرَبٌ دَخَلُوا فِي الرُّومِ وَنَزَلُوا بِوَادِي الشَّامِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ كَذَا فِي النَّيْلِ (فَقِيلَ لَهُ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْبُرَّ وَالزَّيْتَ
وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَا كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسَلِّفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًى قِيلَ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَا مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَقْرِيرِهِ ﷺ لهم مع ترك الاستفصال قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَأَمَّا الْمَعْدُومُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
٣ - (بَابٌ السَّلَفُ يُحَوَّلُ)
[٣٤٦٨] مِنَ التَّحْوِيلِ أَيْ يُصْرَفُ
(مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفُهُ) بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَقِيلَ بِالنَّفْيِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ إِلَى شَيْءٍ (إِلَى غَيْرِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ
قَالَ السِّنْدِيُّ ﵀ أَيْ بِأَنْ يُبَدِّلَ الْمَبِيعَ قَبْلَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
стр. 3096
الْقَبْضِ بِغَيْرِهِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ إِلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ أَسْلَفَ يَعْنِي لَا يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ إِلَى شَيْءٍ أَيْ لَا يُبَدَّلُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِشَيْءٍ آخَرَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِذَا أَسْلَفَهُ دِينَارًا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ إِلَى شَهْرٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَأَعْوَزَهُ الْبُرُّ فَإِنَّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي حُكْم هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ جَوَاز أَخْذ غَيْر الْمُسْلَم فِيهِ عِوَضًا عَنْهُ وَلِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ يُعَاوِض عَنْ الْمُسْلَم فِيهِ مَعَ بَقَاء عَقْد السَّلَم فَيَكُون قَدْ بَاعَ دَيْن السَّلَم قَبْل قَبْضه
وَالصُّورَة الثَّانِيَة أَنْ يَنْفَسِخ الْعَقْد بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرهَا
فَهَلْ يَجُوز أَنْ يُصْرَف الثَّمَن فِي عِوَض آخَر غَيْر الْمُسْلَم فِيهِ فَأَمَّا الْمَسْأَلَة الْأُولَى فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُور عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْعه قَبْل قَبْضه لَا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّته وَلَا لِغَيْرِهِ وَحَكَى بَعْض أَصْحَابنَا ذَلِكَ إِجْمَاعًا
وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ فَمَذْهَب مَالِك جَوَازه وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد فِي غَيْر مَوْضِع وَجَوَّزَ أَنْ يَأْخُذ عِوَضه عَرْضًا بِقَدْرِ قِيمَة دَيْن الْمُسْلِم وَقْت الِاعْتِيَاض وَلَا يَرْبَح فِيهِ
وَطَائِفَة مِنْ أَصْحَابنَا خَصَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِير فَقَطْ كَمَا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِب وَمَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْء لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذ مِنْ غَيْر جِنْسه بِحَالٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَالْأُخْرَى يَجُوز أَنْ يَأْخُذ مَا دُون الْحِنْطَة مِنْ الْحُبُوب كَالشَّعِيرِ وَنَحْوه بِمِقْدَارِ كَيْل الْحِنْطَة لَا أَكْثَر مِنْهَا وَلَا بِقِيمَتِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أَبِي طَالِب إِذَا أَسْلَفْت فِي كُرّ حِنْطَة فَأَخَذْت شَعِيرًا فَلَا بَأْس وَهُوَ دُون حَقّك وَلَا يَأْخُذ مَكَان الشَّعِير حِنْطَة
وَطَائِفَة ثَالِثَة مِنْ أَصْحَابنَا جَعَلَتْ الْمَسْأَلَة رِوَايَة وَاحِدَة وَأَنَّ هَذَا النَّصّ بِنَاء عَلَى قَوْله فِي الْحِنْطَة وَالشَّعِير أَنَّهُمَا جِنْس وَاحِد وَهِيَ طَرِيقَة صَاحِب الْمُغْنِي
وَطَائِفَة رَابِعَة مِنْ أَصْحَابنَا حَكَوْا رِوَايَة مُطْلَقَة فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُون وَغَيْره
وَنُصُوص أَحْمَد تَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذِهِ الطَّرِيقَة وَهِيَ طَرِيقَة أَبِي حَفْص الطَّبَرِيِّ وَغَيْره
قَالَ الْقَاضِي نَقَلْت مِنْ خَطّ أَبِي حَفْص فِي مَجْمُوعه فَإِنْ كَانَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ مِمَّا يُكَال أَوْ يُوزَن فَأَخَذَ مِنْ غَيْر نَوْعه مِثْل كَيْله مِمَّا هُوَ دُونه فِي الْجَوْدَة جَازَ وَكَذَلِكَ إِنْ أَخَذَ بِثَمَنِهِ مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن كَيْف شَاءَ
وَنَقَلَ أَبُو الْقَاسِم عَنْ أَحْمَد قُلْت لِأَبِي عَبْد اللَّه إِذَا لَمْ يَجِد مَا أَسْلَمَ فِيهِ وَوَجَدَ غَيْره مِنْ جِنْسه
стр. 3097
أَبَا حَنِيفَةَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَرَضًا بِالدِّينَارِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَيْهِ قَوْلًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ وَظَاهِرِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ عَرَضًا بِالدِّينَارِ إِذَا تَقَايَلَا وَقَبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ فَأَمَّا قَبْلَ الْإِقَالَةِ فَلَا يَجُوزُ وَهُوَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ صَرْفِ السَّلَفِ إِلَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَيَأْخُذُهُ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَانَ دُون الشَّيْء الَّذِي لَهُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي قَفِيز حنطة موصلي فقال آخذ مكانه شلبيا أَوْ قَفِيز شَعِير فَكَيْلَته وَاحِدَة لَا يَزْدَاد وَإِنْ كَانَ فَوْقه فَلَا يَأْخُذ وَذَكَرَ حَدِيث بن عباس رواه طاووس عَنْهُ إِذَا أَسْلَمْت فِي شَيْء فَجَاءَ الْأَجَل فَلَمْ تَجِد الَّذِي أَسْلَمْت فِيهِ فَخُذْ عِوَضًا بِأَنْقَص مِنْهُ وَلَا تَرْبَح مَرَّتَيْنِ
وَنَقَلَ أَحْمَد بْن أَصْرَم سُئِلَ أَحْمَد عَنْ رَجُل أَسْلَمَ فِي طَعَام إِلَى أَجَل فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل يَشْتَرِي مِنْهُ عَقَارًا أَوْ دَارًا فَقَالَ نَعَمْ يَشْتَرِي مِنْهُ مَا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن
وَقَالَ حَرْب سَأَلْت أَحْمَد فَقُلْت رَجُل أَسْلَمَ إِلَى رَجُل دَرَاهِم فِي بُرّ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَل لَمْ يَكُنْ عِنْده بُرّ فَقَالَ قَوِّمْ الشَّعِير بِالدَّرَاهِمِ فَخُذْ مِنْ الشَّعِير فَقَالَ لَا يَأْخُذ مِنْهُ الشَّعِير إِلَّا مِثْل كَيْل الْبُرّ أَوْ أَنْقَص
قُلْت إِذَا كَانَ الْبُرّ عَشَرَة أَجْرِبَة يَأْخُذ الشَّعِير عَشَرَة أَجْرِبَة قَالَ نَعَمْ
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِوُجُوهٍ
أَحَدهَا الحديث
والثاني نهي النبي عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه
وَالثَّالِث نَهْيه عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن وَهَذَا غَيْر مَضْمُون عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي ذِمَّة الْمُسْلَم إِلَيْهِ
وَالرَّابِع أَنَّ هَذَا الْمَبِيع مَضْمُون لَهُ عَلَى الْمُسْلَم إِلَيْهِ فَلَوْ جَوَّزْنَا بَيْعه صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي فَيَتَوَالَى فِي الْمَبِيع ضَمَانَانِ
الْخَامِس أَنَّ هَذَا إِجْمَاع كَمَا تَقَدَّمَ
هَذَا جُمْلَة مَا اِحْتَجُّوا بِهِ
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ الصَّوَاب جَوَاز هَذَا الْعَقْد
وَالْكَلَام مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ
أَحَدهمَا فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازه
وَالثَّانِي فِي الْجَوَاب عَمَّا اِسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ عَلَى الْمَنْع
فَأَمَّا الْأَوَّل فنقول قال بن المنذر ثبت عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَسْلَفْت فِي شَيْء إِلَى أَجَل فَإِنْ أَخَذْت مَا أَسْلَفْت فِيهِ وَإِلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَص مِنْهُ وَلَا تَرْبَح مَرَّتَيْنِ رَوَاهُ شُعْبَة
فَهَذَا قَوْل صَحَابِيّ وَهُوَ حُجَّة مَا لَمْ يُخَالَف
قَالُوا وَأَيْضًا فَلَوْ اِمْتَنَعَتْ الْمُعَاوَضَة عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ كَوْنه مَبِيعًا لَمْ يَتَّصِل بِهِ الْقَبْض وَقَدْ ثَبَتَ
стр. 3098
غَيْرِهِ عِنْدَهُ انْتَهَى
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَبْدَلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ إِلَّا مَا سَلَّفَ فِيهِ أَوْ رَأْسَ مَالِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عن بن عمر أنه قال أتيت النبي فَقُلْت إِنِّي أَبِيع الْإِبِل بِالْبَقِيعِ فَأَبِيع بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذ الدَّرَاهِم وَأَبِيع بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذ الدَّنَانِير فَقَالَ لَا بَأْس أَنْ تَأْخُذهَا بِسِعْرِ يَوْمهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنكُمَا شَيْء فَهَذَا بَيْع لِلثَّمَنِ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّته قَبْل قَبْضه
فَمَا الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الِاعْتِيَاض عَنْ دَيْن السَّلَم بِغَيْرِهِ قَالُوا وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى جَوَاز بَيْع الدَّيْن لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّته وَلِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَر أَصْحَابنَا لَا يَحْكُونَ عَنْهُ جَوَازه لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّته فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع حَكَاهُ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن تَيْمِيَة ﵀ عَنْهُ
وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا جَوَاز بَيْعه لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّته قَاسُوهُ عَلَى السَّلَم وَقَالُوا لِأَنَّهُ دَيْن فَلَا يَجُوز بَيْعه كَدَيْنِ السَّلَم وَهَذَا ضَعِيف مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث بن عُمَر جَوَازه
وَالثَّانِي أَنَّ دَيْن السَّلَم غَيْر مُجْمَع عَلَى مَنْع بَيْعه فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ بن عَبَّاس جَوَازه وَمَالِك يُجَوِّز بَيْعه مِنْ غَيْر الْمُسْتَسْلِف
وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْن دَيْن السَّلَم وَغَيْره لَمْ يُفَرِّقُوا بِفَرْقٍ مُؤَثِّر وَالْقِيَاس التَّسْوِيَة بَيْنهمَا
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي فَقَالُوا أَمَّا الْحَدِيث فَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا ضَعْفه كَمَا تَقَدَّمَ
والثاني أن المراد به أن لا يَصْرِف الْمُسْلَم فِيهِ إِلَى سَلَم آخَر أَوْ يَبِيعهُ بِمُعَيَّنٍ مُؤَجَّل لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِير بَيْع دَيْن بِدَيْنٍ وَهُوَ مُنْهًى عَنْهُ وَأَمَّا بَيْعه بِعِوَضٍ حَاضِر مِنْ غَيْر رِبْح فَلَا مَحْذُور فيه كما أذن فيه النبي في حديث بن عُمَر
فَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِنْس مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ بَيْع الكالىء بالكالىء وَاَلَّذِي يَجُوز مِنْهُ هُوَ مِنْ جِنْس مَا أَذِنَ فِيهِ مِنْ بَيْع النَّقْد لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّته بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْر رِبْح
وَأَمَّا نهي النبي عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه فَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُعَيَّن أَوْ الْمُتَعَلِّق بِهِ حَقّ التَّوْفِيَة مِنْ كَيْل أَوْ وَزْن فَإِنَّهُ لَا يَجُوز بَيْعه قَبْل قَبْضه
وَأَمَّا مَا فِي الذِّمَّة فَالِاعْتِيَاض عَنْهُ مِنْ جِنْس الِاسْتِيفَاء وَفَائِدَته سُقُوط مَا فِي ذِمَّته عَنْهُ لَا حُدُوث مِلْك لَهُ فَلَا يُقَاسَ بِالْبَيْعِ الَّذِي يَتَضَمَّن شَغْل الذِّمَّة فَإِنَّهُ إِذَا
стр. 3099
وَعُلِمَ مِنْ مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا التَّوْلِيَةُ فِيهِ وَلَا الشَّرِكَةُ وَلَا الْمُصَالَحَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا لِبِنْتِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ امْرَأَةً فَتَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ أَوْ خَالَعَهَا لَمْ يَصِحَّ انْتَهَى
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَعَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَخَذَ مِنْهُ عَنْ دَيْن السَّلَم عَرْضًا أَوْ غَيْره أَسْقَطَ مَا فِي ذِمَّته
فَكَانَ كَالْمُسْتَوْفِي دَيْنه لِأَنَّ بَدَله يَقُوم مَقَامه
وَلَا يَدْخُل هذا في بيع الكالىء بالكالىء بِحَالٍ
وَالْبَيْع الْمَعْرُوف هُوَ أَنْ يَمْلِك الْمُشْتَرِي مَا اِشْتَرَاهُ
وَهَذَا لَمْ يُمَلِّكهُ شَيْئًا بَلْ سَقَطَ الدَّيْن مِنْ ذِمَّته
وَلِهَذَا لَوْ وَفَّاهُ مَا فِي ذِمَّته لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ بَاعَهُ دَرَاهِم بِدَرَاهِم بَلْ يُقَال وَفَّاهُ حَقّه بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهُ دَرَاهِم مُعَيَّنَة بِمِثْلِهَا فَإِنَّهُ بَيْع
فَفِي الْأَعْيَان إِذَا عَاوَضَ عَلَيْهَا بِجِنْسِهَا أَوْ بِعَيْنٍ غَيْر جِنْسهَا يُسَمَّى بَيْعًا
وَفِي الدَّيْن إِذَا وَفَّاهَا بِجِنْسِهَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا
فَكَذَلِكَ إِذَا وَفَّاهَا بِغَيْرِ جِنْسهَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا بَلْ هُوَ إِيفَاء فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَة
وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقّه غَدًا فَأَعْطَاهُ عَنْهُ عَرْضًا بَرَّ فِي أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ
وَجَوَاب آخَر أَنَّ النَّهْي عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه أُرِيدَ بَيْعه مِنْ غَيْر بَائِعه
وَأَمَّا بَيْعه مِنْ الْبَائِع فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّة فِي الْمَنْع إِنْ كَانَتْ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ اِطَّرَدَ الْمَنْع فِي الْبَائِع وَغَيْره وَإِنْ كَانَتْ عَدَم تَمَام الِاسْتِيلَاء وَأَنَّ الْبَائِع لَمْ تَنْقَطِع عَلَقه عَنْ الْمَبِيع بِحَيْثُ يَنْقَطِع طَمَعه فِي الْفَسْخ وَلَا يَتَمَكَّن مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ الْإِقْبَاض إِذَا رَأَى الْمُشْتَرِي قَدْ رَبِحَ فِيهِ لَمْ يَطَّرِد النَّهْي فِي بَيْعه مِنْ بَائِعه قَبْل قَبْضه لِانْتِفَاءِ هَذِهِ الْعِلَّة فِي حَقّه
وَهَذِهِ الْعِلَّة أَظْهَر وَتَوَالِي الضَّمَانَيْنِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ مُؤَثِّرَة وَلَا تَنَافِي بَيْن كَوْن الْعَيْن الْوَاحِدَة مَضْمُونَة لَهُ مِنْ وَجْه وَعَلَيْهِ مِنْ وَجْه آخَر فَهِيَ مَضْمُونَة لَهُ وَعَلَيْهِ بِاعْتِبَارَيْنِ
وَأَيّ مَحْذُور فِي هَذَا كَمَنَافِع الْإِجَارَة
فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِر لَهُ أَنْ يُؤَجِّر مَا اِسْتَأْجَرَهُ فَتَكُون الْمَنْفَعَة مَضْمُونَة لَهُ وَعَلَيْهِ وَكَالثِّمَارِ بَعْد بُدُوّ صَلَاحهَا لَهُ أَنْ يَبِيعهَا عَلَى الشَّجَر وَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَة رَجَعَ عَلَى الْبَائِع فَهِيَ مَضْمُونَة لَهُ وَعَلَيْهِ وَنَظَائِره كَثِيرَة
وَأَيْضًا فَبَيْعه مِنْ بَائِعه شَبِيه بِالْإِقَالَةِ وَهِيَ جَائِزَة قَبْل الْقَبْض عَلَى الصِّحَّة
وَأَيْضًا فَدَيْن السَّلَم تَجُوز الْإِقَالَة فِيهِ بِلَا نِزَاع وَبَيْع الْمَبِيع لِبَائِعِهِ قَبْل قَبْضه غَيْر جَائِز فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ
فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمْر فِي دَيْن السَّلَم أَسْهَل مِنْهُ فِي بَيْع الْأَعْيَان
فَإِذَا جَازَ فِي الْأَعْيَان أَنْ تُبَاع لِبَائِعِهَا قَبْل الْقَبْض فَدَيْن السَّلَم أَوْلَى بِالْجَوَازِ كَمَا جَازَتْ الْإِقَالَة فِيهِ قَبْل الْقَبْض اِتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْإِقَالَة فِي الْأَعْيَان
وَمِمَّا يُوَضِّح ذَلِكَ أن بن عَبَّاس لَا يُجَوِّز بَيْع الْمَبِيع قَبْل قَبْضه واحتج عليه بنهي النبي عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه وَقَالَ أَحْسِب كُلّ شَيْء بِمَنْزِلَةِ الطَّعَام وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ جَوَّزَ بَيْع دَيْن السَّلَم مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَرْبَح فِيهِ
وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن الطَّعَام وَغَيْره وَلَا بَيْن الْمَكِيل وَالْمَوْزُون وَغَيْرهمَا
لِأَنَّ الْبَيْع هُنَا مِنْ الْبَائِع الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّته
فَهُوَ يَقْبِضهُ مِنْ نَفْسه لِنَفْسِهِ بَلْ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ هُنَا قَبْض بَلْ يَسْقُط عَنْهُ مَا فِي ذِمَّته فَتَبْرَأ ذِمَّته وَبَرَاءَة الذِّمَم مَطْلُوبَة فِي نَظَر الشَّرْع لِمَا فِي شَغْلهَا مِنْ الْمَفْسَدَة فَكَيْف يَصِحّ قِيَاس هَذَا عَلَى بَيْع شَيْء غَيْر مَقْبُوض لِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يَتَحَصَّل بَعْد وَلَمْ تَنْقَطِع عَلَق بَائِعه عَنْهُ
стр. 3100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمُسْلَم فِيهِ ثُمَّ أَعَادَة إِلَيْهِ جَازَ
فَأَيّ فَائِدَة فِي أَخْذه مِنْهُ
ثُمَّ إِعَادَته إِلَيْهِ وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا مُجَرَّد كُلْفَة وَمَشَقَّة لَمْ تَحْصُل بِهَا فَائِدَة
وَمِنْ هُنَا يُعْرَف فَضْل عِلْم الصَّحَابَة وَفِقْههمْ عَلَى كُلّ مَنْ بَعْدهمْ
قَالُوا وَأَمَّا اِسْتِدْلَالكُمْ بنهي النبي عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن فَنَحْنُ نَقُول بِمُوجَبِهِ وَأَنَّهُ لَا يَرْبَح فِيهِ كَمَا قَالَ بن عَبَّاس خُذْ عَرْضًا بِأَنْقَص مِنْهُ وَلَا تَرْبَح مَرَّتَيْنِ
فَنَحْنُ إِنَّمَا نُجَوِّز لَهُ أَنْ يُعَاوِض عنه بسعر يومه كما قال النبي لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر فِي بَيْع النُّقُود فِي الذِّمَّة لَا بَأْس إِذَا أَخَذْتهَا بِسِعْرِ يومها فالنبي إِنَّمَا جَوَّزَ الِاعْتِيَاض عَنْ الثَّمَن بِسِعْرِ يَوْمه لِئَلَّا يَرْبَح فِيمَا لَمْ يُضْمَن
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا الْأَصْل فِي بَدَل الْعِوَض وَغَيْره مِنْ الدُّيُون أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَاض عَنْهُ بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك يَجُوز الِاعْتِيَاض عَنْهُ بِسِعْرِ يومه كما قال بن عَبَّاس لَكِنْ مَالِك يَسْتَثْنِي الطَّعَام خَاصَّة لِأَنَّ مِنْ أَصْله أَنَّ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضَة لَا يَجُوز بِخِلَافِ غَيْره
وَأَمَّا أَحْمَد فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْن أَنْ يَعْتَاض عَنْهُ بِعَرْضٍ أَوْ حَيَوَان أَوْ نَحْوه دُون أَنْ يَعْتَاض بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُون
فَإِنْ كَانَ بِعَرْضٍ وَنَحْوه جَوَّزَهُ بسعر يومه كما قال بن عَبَّاس وَمَالِك وَإِنْ اِعْتَاضَ عَنْ الْمَكِيل بِمَكِيلٍ أَوْ عَنْ الْمَوْزُون بِمَوْزُونٍ فَإِنَّهُ مَنَعَهُ لِئَلَّا يُشْبِه بَيْع الْمَكِيل بِالْمَكِيلِ مِنْ غَيْر تَقَابُض إِذْ كَانَ لَمْ تُوجَد حَقِيقَة التَّقَابُض مِنْ الطَّرَفَيْنِ
وَلَكِنْ جَوَّزَهُ إِذَا أَخَذَ بِقَدْرِهِ مِمَّا هُوَ دُونه كَالشَّعِيرِ عَنْ الْحِنْطَة نَظَرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ هَذَا اِسْتِيفَاء لَا مُعَاوَضَة كَمَا يُسْتَوْفَى الْجَيِّد عَنْ الرَّدِيء
فَفِي الْعَرْض جَوَّزَ الْمُعَاوَضَة إِذْ لَا يُشْتَرَط هُنَاكَ تَقَابُض
وَفِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُون مَنَعَ الْمُعَاوَضَة لِأَجْلِ التَّقَابُض وَجَوَّزَ أَخْذ قَدْر حَقّه أَوْ دُونه
لِأَنَّهُ اِسْتِيفَاء
وَهَذَا مِنْ دَقِيق فِقْهه ﵁
قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ هَذَا الدَّيْن مَضْمُون لَهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا بَيْعه لَزِمَ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ فَهُوَ دَلِيل بَاطِل مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا تَوَالِي ضَمَانَيْنِ هُنَا أَصْلًا
فَإِنَّ الدَّيْن كَانَ مَضْمُونًا لَهُ فِي ذِمَّة الْمُسْلَم إِلَيْهِ
فإذا
стр. 3101
بيع الطعام قبل قبضه وقال أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ومع هذا فقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه ولم يفرق بين الطعام وغيره ولا بين المكيل والموزون وغيرهما لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته فهو يقبضه من نفسه لنفسه بل في الحقيقة ليس هنا قبض بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع لما في شغلها من المفسدة فكيف يصح قياس هذا على بيت شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد ولم تنقطع علق بائعه عنه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
بَاعَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَصِرْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِحَالٍ
لِأَنَّهُ مَقْبُوض فِي ذِمَّة الْمُسْلَم إِلَيْهِ فَمِنْ أَيّ وَجْه يَكُون مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِع بَلْ لَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَكَانَ مَضْمُونًا لَهُ عَلَى الْمُسْلَم إِلَيْهِ وَمَضْمُونًا عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ فَيَتَوَالَى ضَمَانَانِ
الْجَوَاب الثَّانِي أَنَّهُ لَا مَحْذُور فِي توالي الضمانين
وليس يوصف مُسْتَلْزِم لِمَفْسَدَةٍ يَحْرُم الْعَقْد لِأَجْلِهَا
وَأَيْنَ الشَّاهِد مِنْ أُصُول الشَّرْع لِتَأْثِيرِ هَذَا الْوَصْف وَأَيّ حُكْم عَلَّقَ الشَّارِع فَسَاده عَلَى تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ وَمَا كَانَ مِنْ الْأَوْصَاف هَكَذَا فَهُوَ طَرْدِيّ لَا تَأْثِير لَهُ
وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْر الصُّوَر الَّتِي فِيهَا تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النبي أَنَّهُ جَوَّزَ الْمُعَاوَضَة عَنْ ثَمَن الْمَبِيع فِي الذِّمَّة
وَلَا فَرْق بَيْنه وَبَيْن دَيْن السَّلَم
قَالُوا وَأَيْضًا فَالْمَبِيع إِذَا تَلِفَ قَبْل التَّمَكُّن مِنْ قَبْضه كَانَ عَلَى الْبَائِع أَدَاء الثَّمَن الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ أَدَاء الثَّمَن الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَالْوَاجِب بِضَمَانِ هَذَا غَيْر الْوَاجِب بِضَمَانِ الْآخَر
فَلَا مَحْذُور فِي ذَلِكَ
وَشَاهِده الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة وَالثَّمَرَة قَبْل الْقَطْع
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا مُعَارِض لَهَا وَضْع الثَّمَن عَنْ الْمُشْتَرِي إِذَا أَصَابَتْهَا جَائِحَة
مَعَ هَذَا يَجُوز التَّصَرُّف فيها
ولو تلقت لَصَارَتْ مَضْمُونَة عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ كَمَا هِيَ مَضْمُونَة لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ
قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ الْمَنْع مِنْهُ إِجْمَاع فَكَيْف يَصِحّ دَعْوَى الْإِجْمَاع مَعَ مُخَالَفَة حَبْر الْأُمَّة بن عَبَّاس وَعَالِم الْمَدِينَة مَالِك بْن أَنَس فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَصّ فِي التَّحْرِيم وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس وَأَنَّ النَّصّ وَالْقِيَاس يَقْتَضِيَانِ الْإِبَاحَة كَمَا تَقَدَّمَ وَالْوَاجِب عِنْد التَّنَازُع الرَّدّ إِلَى الله وإلى رسوله صلى الله عليع وَسَلَّمَ فَصْل
وَأَمَّا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهِيَ إِذَا اِنْفَسَخَ الْعَقْد بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرهَا فَهَلْ يَجُوز أَنْ يَأْخُذ عَنْ دَيْن السَّلَم عِوَضًا مِنْ غَيْر جِنْسه فِيهِ وَجْهَانِ
أَحَدهمَا لَا يَجُوز ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضهُ ثُمَّ يَصْرِفهُ فِيمَا شَاءَ وَهَذَا اِخْتِيَار الشَّرِيف أَبِي جَعْفَر
وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة
وَالثَّانِي يَجُوز أَخْذ الْعِوَض عَنْهُ وَهُوَ اِخْتِيَار الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَشَيْخ الْإِسْلَام بن تَيْمِيَة وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَهُوَ الصَّحِيح فَإِنَّ هَذَا عِوَض مُسْتَقِرّ فِي الذِّمَّة فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَة عَلَيْهِ كَسَائِرِ الدُّيُون مِنْ الْقَرْض وَغَيْره
стр. 3102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَيْضًا فَهَذَا مَال رَجَعَ إِلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْد فَجَازَ أَخْذ الْعِوَض عَنْهُ كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيع
وأيضا فحديث بن عُمَر فِي الْمُعَاوَضَة عَمَّا فِي الذِّمَّة صَرِيح في الجواز
واحتج المانعون بقوله مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْء فَلَا يَصْرِفهُ إِلَى غَيْره
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَضْمُون عَلَى الْمُسْلَم إِلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَم فَلَمْ تَجُزْ الْمُعَاوَضَة عَلَيْهِ قَبْل قَبْضه وَحِيَازَته كَالْمُسْلَمِ فِيهِ
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ أَمَّا اِسْتِدْلَالكُمْ بِالْحَدِيثِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفه
وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَتَنَاوَل مَحَلّ النِّزَاع لِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِف المسلم فيه في غيره وإنما عَاوَضَ عَنْ دَيْن السَّلَم بِغَيْرِهِ فَأَيْنَ الْمُسْلَم فِيهِ مِنْ رَأْس مَال السَّلَم
وَأَمَّا قِيَاسكُمْ الْمَنْع عَلَى نَفْس الْمُسْلَم فِيهِ فَالْكَلَام فِيهِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا نَصّ يَقْتَضِي الْمَنْع مِنْهُ وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس
ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ تَسْلِيمه لَكَانَ الْفَرْق بَيْن الْمُسْلَم فِيهِ وَرَأْس مَال السَّلَم وَاضِحًا فَإِنَّ الْمُسْلَم فِيهِ مَضْمُون بِنَفْسِ الْعَقْد وَالثَّمَن إِنَّمَا يُضْمَن بَعْد فَسْخ الْعَقْد فَكَيْف يَلْحَق أَحَدهمَا بِالْآخَرِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَصّ فِي الْمَنْع وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَحُكْم رَأْس الْمَال بَعْد الْفَسْخ حُكْم سَائِر الدُّيُون لَا يَجُوز أَنْ تُجْعَل سَلَمًا فِي شَيْء آخَر لِوَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّهُ بَيْع دَيْن بِدَيْنٍ
وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ ضَمَان الْمُسْلَم إِلَيْهِ فَإِذَا جَعَلَهُ سَلَمًا فِي شَيْء آخَر رَبِحَ فِيهِ وَذَلِكَ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن وَيَجُوز فِيهِ مَا يَجُوز فِي دَيْن الْقَرْض وَأَثْمَان الْمَبِيعَات إِذَا قُسِّمَتْ فَإِذَا أُخِذَ فِيهِ أَحَد النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَر وَجَبَ قَبْض الْعِوَض فِي الْمَجْلِس لِأَنَّهُ صَرْف بِسِعْرِ يَوْمه لِأَنَّهُ غَيْر مَضْمُون عَلَيْهِ وَإِنْ عَاوَضَ عَنْ الْمَكِيل بِمَكِيلٍ أَوْ عَنْ الْمَوْزُون بِمَوْزُونٍ مِنْ غَيْر جِنْسه كَقُطْنٍ بِحَرِيرٍ أَوْ كَتَّان وَجَبَ قَبْض عِوَضه فِي مَجْلِس التَّعْوِيض وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ مَكِيل أَوْ مَوْزُون كَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَان فَهَلْ يُشْتَرَط الْقَبْض فِي مَجْلِس التَّعْوِيض فِيهِ وَجْهَانِ
أَصَحّهمَا لَا يُشْتَرَط وهو منصوص أحمد
والثاني يشترط
وما أخذ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ تَأْخِير قَبْض الْعِوَض يُشْبِه بَيْع الدَّيْن بِالدَّيْنِ فَيُمْنَع مِنْهُ وَمَأْخَذ الْجَوَاز وَهُوَ الصَّحِيح أَنَّ النَّسَاءَيْنِ مَا لَا يَجْمَعهَا عِلَّة الرِّبَا كَالْحَيَوَانِ بِالْمَوْزُونِ جَائِز لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَاز سَلَم النَّقْدَيْنِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 3103
٢٤ - (بَاب فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ)
[٣٤٦٩] هِيَ الْآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الثِّمَارَ فَتُهْلِكُهَا
(أُصِيبَ) أَيْ بِآفَةٍ (فِي ثِمَارٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأُصِيبَ (ابْتَاعَهَا) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَحِقَهُ خسران بسبب
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَنَظِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِذَا بَاعَهُ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا كَالْحِنْطَةِ مَثَلًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّل فَحَلَّ الْأَجَل فَاشْتَرَى بِالثَّمَنِ حِنْطَة أَوْ مَكِيلًا آخَر مِنْ غَيْر الْجِنْس مِمَّا يَمْتَنِع رِبَا النَّسَاء بَيْنهمَا فَهَلْ يَجُوز ذَلِكَ فِيهِ قَوْلَانِ
أَحَدهمَا المنع وهو المأثور عن بن عُمَر وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَطَاوُسٍ وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَإِسْحَاق
وَالثَّانِي الْجَوَاز
وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وأبي حنيفة وبن الْمُنْذِر وَبِهِ قَالَ جَابِر بْنُ زَيْد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَهُوَ اِخْتِيَار صَاحِب الْمُغْنِي وَشَيْخنَا
وَالْأَوَّل اِخْتِيَار عَامَّة الْأَصْحَاب
وَالصَّحِيح الْجَوَاز لِمَا تَقَدَّمَ
قَالَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد قَدِمْت عَلَى عَلِيّ بْن حُسَيْن فَقُلْت لَهُ إِنِّي أَجُذّ نَخْلِي وَأَبِيع مِمَّنْ حَضَرَنِي التَّمْر إِلَى أَجَل
فَيَقْدَمُونَ بِالْحِنْطَةِ وَقَدْ حَلَّ الْأَجَل فَيُوقِفُونَهَا بِالسُّوقِ فَأَبْتَاع مِنْهُمْ وَأُقَاصّهُمْ قَالَ لَا بَأْس بِذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْك عَلَى رَأْي يَعْنِي إِذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَة مَقْصُودَة
فَهَذَا شِرَاء لِلطَّعَامِ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي الذِّمَّة بَعْد لُزُوم الْعَقْد الْأَوَّل فَصَحَّ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّن رِبًا بِنَسِيئَةٍ وَلَا تَفَاضُل
والذين يَمْنَعُونَ ذَلِكَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ الطَّعَام بدراهم ويسلمها إليه ثم يأخذها منه وفاءا أَوْ نَسِيئَة مِنْهُ بِدَرَاهِم فِي ذِمَّته ثُمَّ يُقَاصّهُ بِهَا وَمَعْلُوم أَنَّ شِرَاءَهُ الطَّعَام مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لَهُ فِي ذِمَّته أَيْسَر مِنْ هَذَا وَأَقَلّ كُلْفَة وَاَللَّه أَعْلَم
قَالَ الشَّيْخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث مُسْلِم فِي الْجَائِحَة من رواية بن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر وَهَذَا صحيح
стр. 3104
إِصَابَةِ آفَةٍ فِي ثِمَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا (فَكَثُرَ دَيْنُهُ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ فَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ تِلْكَ الثَّمَرَةِ وَكَذَا طَالَبَهُ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّيهِ (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ (وَفَاءَ دَيْنِهِ) أَيْ لِكَثْرَةِ دَيْنِهِ (خُذُوا) خِطَابٌ لِغُرَمَائِهِ (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) أَيْ مَا وَجَدْتُمْ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا أَخْذَ مَا وَجَدْتُمْ وَالْإِمْهَالَ بمطالبة الباقي إلى الميسرة قاله القارىء
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الثَّمَرَةِ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَسَلَّمَهَا الْبَائِعُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْلَ أَوَانِ الْجَذَاذِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ هَلْ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَطَائِفَةٌ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهَا وَإِنْ كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَجَبَ وَضْعُهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوَضْعِهَا بِقَوْلِهِ ﷺ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا يَعْنِي فِي الحديث الآتي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَالشَّافِعِيّ عَلَّلَ حَدِيث سُفْيَان عَنْ حُمَيْدِ بْن قَيْس عَنْ سُلَيْمَان بْن عَتِيق عَنْ جَابِر أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْع السِّنِينَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِح بِأَنْ قَالَ سَمِعْت سُفْيَان يُحَدِّث هَذَا الْحَدِيث كَثِيرًا فِي طُول مُجَالَسَتِي لَهُ لَا أُحْصِي مَا سَمِعْته يُحَدِّثهُ مِنْ كَثْرَته لَا يَذْكُر فِيهِ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِح لَا يَزِيد عَلَى إن النبي ﷺ نهى عَنْ بَيْع السِّنِينَ ثُمَّ زَادَ بَعْد ذَلِكَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِح قَالَ سُفْيَان وَكَانَ حُمَيْدُ بْن قَيْس يَذْكُر بَعْد بَيْع السِّنِينَ كَلَامًا قبل وضع الجوائح إلا أني لا أدري كَيْف كَانَ الْكَلَام وَفِي الْحَدِيث أَمْر بِوَضْعِ الْجَوَائِح
وَفِي الْبَاب حَدِيث عَمْرَة عَنْ عَائِشَة اِبْتَاعَ رَجُل ثَمَر حَائِط فِي زَمَان رَسُول اللَّه ﷺ فَعَالَجَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَان فَسَأَلَ رَبّ الْحَائِط أَنْ يَضَع عَنْهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَل فَذَهَبَتْ أُمّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له
فقال رسول الله ﷺ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَل خَيْرًا فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبّ الْمَال فَأَتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هُوَ لَهُ
وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيّ بِالْإِرْسَالِ
وَقَدْ أَسْنَدَهُ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَبِي الرِّجَال عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة وَأَسْنَدَهُ حَارِثَة بْن أَبِي الرِّجَال عَنْ أَبِيهِ
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي وَضْع الْجَائِحَة وَقَدْ تَأَوَّلَهُ مَنْ لَا يَرَى وَضْع الْجَائِحَة بِتَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَة
أَحَدهَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا يَحْتَاج النَّاس إِلَيْهِ فِي الْأَرَاضِي الْخَرَاجِيَّة الَّتِي خَرَاجهَا للمسلمين
стр. 3105
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنْ لَا يَجِبُ وَضْعُهَا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا قَالُوا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَدَفَعَهُ إِلَى غُرَمَائِهِ فَلَوْ كَانَتْ تُوضَعُ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذَلِكَ
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بَعْدَ أَوَانِ الْجَذَاذِ وَتَفْرِيطِ الْمُشْتَرِي فِي تَرْكِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي
قَالُوا وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتِ الْجَوَائِحُ لَا تُوضَعُ لَكَانَ لَهُمْ طَلَبُ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ
وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَكُمُ الْآنَ إِلَّا هَذَا وَلَا تَحِلُّ لَكُمْ مُطَالَبَتُهُ مَا دَامَ مُعْسِرًا بَلْ يُنْظَرُ إِلَى مَيْسَرَةٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٣٤٧٠] (إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا) بِالْمُثَنَّاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ (فَلَا يَحِلُّ لَكَ إِلَخْ) قال القارىء الْحَقُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ مَعَ الْإِمَامِ مَالِكٍ (أَيْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ مِنْ دُونِ اعْتِبَارِ خُصُوصِ مَذْهَبِهِ كَمَا لَا يَخْفَى) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا قَبْلَ الزَّهْوِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَيُوضَع ذَلِكَ الْخَرَاج عَنْهُمْ فَأَمَّا فِي الْأَشْيَاء الْمَبِيعَات فَلَا
وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة الْبُطْلَان وَلَفْظ الْحَدِيث لَا يَحْتَمِلهُ بِوَجْهٍ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَا يَصِحّ حَمْل الْحَدِيث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ خَرَاج
وَمِنْهَا إِنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى إِصَابَة الْجَائِحَة قَبْل الْقَبْض وَهُوَ تَأْوِيل بَاطِل لِأَنَّهُ خَصَّ بِهَذَا الْحُكْم الثِّمَار وَعَمَّ بِهِ الْأَحْوَال وَلَمْ يُقَيِّدهُ بِقَبْضٍ وَلَا عَدَمه
وَمِنْهَا أَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى مَعْنَى حَدِيث أَنَس أَرَأَيْت إِنْ مَنَعَ اللَّه الثَّمَرَة فَبِمَ يَأْخُذ أَحَدكُمْ مَال أَخِيهِ وَهَذَا فِي بَيْعهَا قَبْل بُدُوّ صَلَاحهَا
وَهَذَا أَيْضًا تَأْوِيل بَاطِل وَسِيَاق الْحَدِيث يُبْطِلهُ
فَإِنَّهُ عَلَّلَ بِإِصَابَةِ الجائحة لا بغير ذلك
стр. 3106
قُلْتُ وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهَى قَالُوا وَمَا تَزْهَى قَالَ تَحْمَرَّ وَقَالَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ
وَأَجَابَ عَنْهُ فِي النَّيْلِ بِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ قَبْلَ الصَّلَاحِ لَا يُنَافِي الْوَضْعَ مَعَ الْبَيْعِ بَعْدَهُ وَلَا يَصْلُحُ مِثْلُهُ لِتَخْصِيصِ مَا دَلَّ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب فِي تَفْسِيرِ الْجَائِحَةِ)
[٣٤٧١] (عَنْ عَطَاءٍ) هو بن أَبِي رَبَاحٍ (قَالَ الْجَوَائِحُ) جَمْعُ جَائِحَةٍ يُقَالُ جَاحَهُمُ الدَّهْرُ وَاجْتَاحَهُمْ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ فِيهِمَا إِذَا أَصَابَهُمْ بِمَكْرُوهٍ عَظِيمٍ (كُلُّ ظَاهِرٍ) أَيْ غَالِبٍ (مُفْسِدٍ) أَيْ لِلثِّمَارِ (مِنْ مَطَرٍ أَوْ بَرْدٍ إِلَخْ) قَالَ فِي النَيْلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْبَرْدَ وَالْقَحْطَ وَالْعَطَشَ جَائِحَةٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ آفَةً سَمَاوِيَّةً وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْآدَمِيِّينَ كَالسَّرِقَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ جَائِحَةً لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَائِحَةٌ تَشْبِيهًا بِالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ انْتَهَى
وَقَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٧٢] (لَا جَائِحَةَ فِيمَا أُصِيبَ دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ لَا يُوضَعْ بِذَلِكَ شَيْءٌ بِدَعْوَى الْجَائِحَةِ (وَذَلِكَ فِي سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ عَلِمَ ذَلِكَ بِعَمَلِهِمْ
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَكَذَلِكَ قَالَ إِنْ أَذْهَبَتِ الْجَائِحَةُ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُ الْجَائِحَةِ وَإِنْ كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَجَبَ لِقَوْلِهِ ﷺ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الثُّلُثِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَأْيُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَقَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 3107
٢٦ - (بَاب فِي مَنْعِ الْمَاءِ)
[٣٤٧٣] (لَا يُمْنَعُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورَةٌ وَهُوَ النَّبَاتُ رَطِبُهُ وَيَابِسُهُ
وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ حَوْلَ الْبِئْرِ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ غَيْرُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي رَعْيَهُ إِلَّا إِذَا مُكِّنُوا مِنْ سَقْيِ بَهَائِمِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالْعَطَشِ بَعْدَ الرَّعْيِ فَيَسْتَلْزِمُ مَنْعُهُمْ مِنَ الْمَاءِ مَنْعُهُمْ مِنَ الرَّعْيِ وَإِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ الْبَذْلُ مِمَّنْ لَهُ مَاشِيَةٌ وَيَلْحَقُ بِهِ الرُّعَاةُ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَهُمْ مِنَ الشُّرْبِ امْتَنَعُوا مِنَ الرَّعْيِ هُنَاكَ
كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
[٣٤٧٤] (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أَيْ كَلَامَ الرِّضَا دُونَ كلام الملازمة
قاله القارىء
(فَضْلُ مَاءٍ) أَيْ زَائِدًا عَنْ حَاجَتِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ (بَعْدَ الْعَصْرِ) إِنَّمَا خُصَّ بِهِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ تَقَعُ فِيهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ وَقْتُ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ بِغَيْرِ رِبْحٍ فَحَلَفَ كَاذِبًا بِالرِّبْحِ وَقِيلَ ذَكَرَهُ لِشَرَفِ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَغْلَظَ وَأَشْنَعَ وَلِذَا كَانَ ﷺ يَقْعُدُ للحكومة بعد العصر
قاله القارىء
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مِثْلَهُ كَانَ يَقَعُ فِي آخِرِ النَّهَارِ حَيْثُ يُرِيدُونَ الْفَرَاغَ مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ
نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْعَصْرِ لِكَوْنِهِ وَقْتُ ارْتِفَاعِ الْأَعْمَالِ (يَعْنِي كَاذِبًا) تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (بَايَعَ إِمَامًا) أَيْ عَاقَدَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ وَلَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (فَإِنْ أَعْطَاهُ إِلَخْ) الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 3108
[٣٤٧٥] (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أَيْ مُؤْلِمٌ (بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا) أَيْ بِالسِّلْعَةِ
وَضُبِطَ أَعْطَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (كَذَا وَكَذَا) أَيْ مِنَ الثَّمَنِ (وَأَخَذَهَا) أَيِ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ أَنَّهُ أُعْطِيَهُ اعْتِمَادًا عَلَى حَلِفِهِ
[٣٤٧٦] (أَخْبَرَنَا كَهْمَسٌ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ (عَنْ سَيَّارٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ (يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ) بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرَةٌ الْفَزَارِيَّةُ لَا تُعْرَفُ مِنَ الثَّالِثَةِ وَيُقَالُ إِنَّ لَهَا صُحْبَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (قَالَ الْمِلْحُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ الْمِلْحُ إِذَا كَانَ فِي مَعْدِنِهِ فِي أَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهِ وَأَمَّا إِذَا صَارَ فِي حَيِّزِ مَالِكِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٧٧] (أَخْبَرَنَا حَرِيزٌ) بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ آخِرُهُ زَايٌ (عَنْ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (الشَّرْعَبِيِّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ
قَالَ السُّيُوطِيُّ الشَّرْعَبِيُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٌ نِسْبَةٌ إِلَى شَرْعَبٍ قَبِيلَةٌ مِنْ حِمْيَرٍ انْتَهَى (عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَرْنٍ) الْقَرْنُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ وَمَنْ الْأَزْدِ وَبِفَتْحَتَيْنِ بَطْنٌ من مراد
قاله السيوطي
وأخرج بن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيِّ عن
стр. 3109
شَيْخٍ مِنْ شَرْعَبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (أَخْبَرَنَا أَبُو خِدَاشٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كُنْيَةُ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ (فِي الْمَاءِ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ وَالْمُرَادُ الْمِيَاهُ الَّتِي لَمْ تَحْدُثْ بِاسْتِنْبَاطِ أَحَدٍ وَسَعْيِهِ كَمَاءِ الْقِنَى وَالْآبَارِ وَلَمْ يُحْرَزْ فِي إِنَاءٍ أَوْ بِرْكَةٍ أَوْ جَدْوَلٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّهَرِ (وَالْكَلَأِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورَةٌ وَهُوَ النَّبَاتُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ الْكَلَأُ الَّذِي يَنْبُتُ فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ يَرْعَاهُ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ دُونَ أَحَدٍ أَوْ يَحْجُرَهُ عَنْ غَيْرِهِ
وَأَمَّا الْكَلَأُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِمَالِكٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مَالٌ لَهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ انْتَهَى
(وَالنَّارِ) يُرَادُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِصْبَاحِ مِنْهَا وَالِاسْتِضَاءَةِ بِضَوْئِهَا لَكِنْ لِلْمُسْتَوْقِدِ أَنْ يَمْنَعَ أَخْذَ جِذْوَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا وَيُؤَدِّي إِلَى إِطْفَائِهَا
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالنَّارِ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُورِي النَّارَ لَا يُمْنَعُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي مَوَاتٍ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ اعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِهَا فَتَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّ بِهِ عُمُومَهَا لَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا مُطْلَقًا كَالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةِ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا أَعَمَّ إِنَّمَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَالِ وَثُبُوتُهُ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مَحَلُّ النِّزَاعِ انْتَهَى
وَقَالَ السِّنْدِيُّ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ لَا تُمْلَكُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا مُطْلَقًا وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَأِ هُوَ الْكَلَأُ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَبِالْمَاءِ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ وَبِالنَّارِ الشَّجَرُ الَّذِي يَحْتَطِبُهُ النَّاسُ مِنَ الْمُبَاحِ فَيُوقِدُونَهُ فَالْمَاءُ إِذَا أَحْرَزَهُ الْإِنْسَانُ فِي إِنَائِهِ وَمِلْكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَكَذَا غَيْرُهُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 3110
٢٧ - (بَاب فِي بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ)
[٣٤٧٨] (عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ) هُوَ أَبُو عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ
قَالَ البخاري وبن حِبَّانَ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ حَدِيثًا فِي بَيْعِ الْمَاءِ
قَالَ الْبَغَوِيُّ وبن السَّكَنِ لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ
كَذَا فِي الْإِصَابَةِ
وَفِي الْخُلَاصَةِ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مطعم وهو أبو المنهال
قال بن أَبِي حَاتِمٍ لَهُ صُحْبَةٌ سَمِعْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ يَقُولَانِ ذَلِكَ انْتَهَى
(نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ لِلشُّرْبِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةِ الْمَاشِيَةِ أَوِ الزَّرْعِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي فَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ النَّهْيُ عَنْ نَفْيِ بَيْعِ الْمَاءِ الْفَاضِلِ الَّذِي يُشْرَبُ فَإِنَّهُ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
٨ - (بَاب فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ)
[٣٤٧٩] بِالسِّينِ الْمَكْسُورَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ وَهُوَ الْهِرُّ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كريه
(قَالَا حَدَّثَنَا عِيسَى) أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى وَالرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ وَعَلِيَّ بْنَ بَحْرٍ كُلُّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ لَكِنْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا
стр. 3111
عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ مِنْ أَجْلِ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ كَالْوَحْشِ الَّذِي لَا يُمْلَكُ قِيَادُهُ وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ التَّسْلِيمُ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْتَابُ النَّاسَ فِي دُورِهِمْ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ فِيهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ وَلَيْسَ كَالدَّوَابِّ الَّتِي تُرْبَطُ عَلَى الْأَوَارِي وَلَا كَالطَّيْرِ الَّذِي يُحْبَسُ فِي الْأَقْفَاصِ وَقَدْ يَتَوَحَّشُ بَعْدَ الْأَنُوسَةِ وَيَتَأَبَّدُ حَتَّى لَا يُقْرَبَ وَلَا يَقْدَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَ الْمُشْتَرِي لَهُ إِلَى أَنْ يَحْبِسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ شَدَّهُ فِي خَيْطٍ أَوْ سِلْسِلَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِهِ لِئَلَّا يَتَمَانَعَ النَّاسُ فِيهِ وَلِيَتَعَاوَرُوا مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي دُورِهِمْ فَيَرْتَفِقُوا بِهِ مَا أَقَامَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَتَنَازَعُوهُ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ تَنَازُعَ الْمُلَّاكِ فِي النَّفِيسِ مِنَ الْإِغْلَاقِ وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَحْشِيِّ مِنْهُ دُونَ الْإِنْسِيِّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ دُونَ الْبُخَارِيِّ إِذْ هُوَ لَا يَحْتَجُّ بِرِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَعَلَّ مُسْلِمًا إِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ الْأَعْمَشُ أَرَى أَبَا سُفْيَانَ ذَكَرَهُ فَالْأَعْمَشُ كَانَ يَشُكُّ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ فَصَارَتْ رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِذَلِكَ ضَعِيفَةً انْتَهَى
[٣٤٨٠] (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرَّةِ) فِيهِ وَفِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْهِرَّةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَجَابِرُ بْنُ زيد حكى ذلك عنهم بن الْمُنْذِرِ
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَسَيَظْهَرُ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ ضَعِيفًا
وَقِيلَ إِنَّهُ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَأَنْ بَيْعَهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلَا مِنَ الْمُرُوءَاتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِخْرَاجٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ بِلَا مُقْتَضٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ وَقَالَ
стр. 3112
النَّسَائِيُّ هَذَا مُنْكَرٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ بن حِبَّانَ يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنِ الْمَشَاهِيرِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدِيثُ بَيْعِ السِّنَّوْرِ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ معقل وهو بن عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَحْشِيِّ مِنْهُ دُونَ الْإِنْسِيِّ
وَقِيلَ لَعَلَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِإِعَارَتِهِ فَيَرْتَفِقُوا بِهِ مَا أَقَامَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَتَنَازَعُوهُ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ
وَكَرِهَ بَيْعَ السِّنَّوْرِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهِ انْتَهَى
٩ - (بَاب فِي أَثْمَانِ الْكِلَابِ)
[٣٤٨١] (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُهَزِّمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَكُونُ الْمُحَرَّمُ بَيْعُ مَا عَدَا كَلْبِ الصَّيْدِ إِنْ صَلَحَ هَذَا الْمُقَيَّدُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ قَالَهُ فِيهِ النَّيْلِ (وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي بَابِ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الكلب وظاهره عدم الفرق بين المعلم وغيره سواء كان مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز وإليه ذهب الجمهور
وقال أبو حنيفة يجوز وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قَالَ نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد قال في الفتح ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للإحتجاج به قاله في النيل ومهر البغي وحلوان الكاهن تقدم الكلام عليهما في باب حلوان الكاهن قال المنذري أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
стр. 3113
[٣٤٨٢] (عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُثَنَّاةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (وَإِنْ جَاءَ) أَيْ أَحَدٌ (فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ معنى التراب ها هنا الْحِرْمَانُ وَالْخَيْبَةُ كَمَا يُقَالُ لَيْسَ فِي كَفِّهِ إِلَّا التُّرَابُ وَكَقَوْلِهِ ﷺ والعاصر الْحَجَرُ يُرِيدُ الْخَيْبَةَ إِذْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَذْهَبُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَرَى أَنْ يُوضَعَ التُّرَابُ بِكَفِّهِ
قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا قِيمَةَ لِلْكَلْبِ إِذَا تَلِفَ وَلَا يَجِبُ فِيهِ عِوَضٌ
وَقَالَ مَالِكٌ فِيهِ الْقِيمَةُ وَلَا ثَمَنَ لَهُ
قَالَ الثَّمَنُ ثَمَنَانِ ثَمَنُ التَّرَاضِي عِنْدَ الْبُيُوعِ وَثَمَنُ التَّعْدِيلِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ وَقَدْ أَسْقَطَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا عِوَضَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٨٣] (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ نَهْيُهُ ﵇ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا صَحَّ كَانَ دَفْعُ الثَّمَنِ وَاجِبًا مَأْمُورًا بِهِ لَا مَنْهِيًّا عَنْهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ
[٣٤٨٤] (لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ ثَمَنُ الْكَلْبِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ أَنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ
فَإِذَا فَسَدَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ فَسَدَ الشِّقُّ الْآخَرُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 3114
٣
([٣٤٨٥] بَاب فِي ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ)
(عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ هِيَ مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاةُ لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ (وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ بَيْعِ السِّرْقِينَ وَبَيْعِ كُلِّ نَجَسِ الْعَيْنِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فكرهت طائفة ذلك
وممن منع منه بن سِيرِينَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ اللِّيفُ أَحَبُّ إِلَيْنَا
وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٨٦] (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ) وَالْعِلَّةُ فِيهِ السُّكْرُ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مُسْكِرٍ (وَالْأَصْنَامِ) جَمْعُ صَنَمٍ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الْوَثَنُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي النِّهَايَةِ فَقَالَ الوثن كل ماله جُثَّةٌ مَعْمُولَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ أَوْ مِنَ الْخَشَبِ أَوْ مِنَ الْحِجَارَةِ كَصُورَةِ الْآدَمِيِّ تُعْمَلُ وَتُنْصَبُ فَتُعْبَدُ وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ
قَالَ وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَثَنُ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (يُطْلَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِهَا) أَيْ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ (السُّفُنُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ السَّفِينَةِ (وَيُدْهَنُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) أَيْ يَجْعَلُونَهَا فِي سُرُجِهِمْ وَمَصَابِيحِهِمْ يَسْتَضِيئُونَ بِهَا أَيْ فَهَلَ يَحِلُّ بَيْعُهَا لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ (فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ) أَيِ الْبَيْعُ هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حمل قوله وهو حَرَامٍ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَقَالَ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ أَصْلًا عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَتَنَجَّسُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ
стр. 3115
وقال أحمد وبن الْمَاجِشُونِ لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّةٌ سَاغَ لَهُ إِطْعَامُهَا لِكِلَابِ الصَّيْدِ فَكَذَلِكَ يَسُوغُ دَهْنُ السَّفِينَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَا فَرْقَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِ حَرَامٌ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
وقال القارىء أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَرَأَيْتَ إِلَخْ (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَلَعَنَهُمْ وَيُحْتَمَلُ إِخْبَارًا وَدُعَاءً هُوَ مِنْ بَابِ عَاقَبْتُ اللِّصَّ (لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا) أَيْ شُحُومَ الميتة قاله القسطلاني
وقال القارىء الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنَ الْبَقَرِ والغنم حرمنا عليهم شحومهما قَالَ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (أَجْمَلُوهُ) بِالْجِيمِ أَيْ أَذَابُوهُ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الشُّحُومِ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ أَذَابُوهَا حَتَّى تَصِيرَ وَدِكًا فَيَزُولُ عَنْهَا اسْمُ الشَّحْمِ تَقُولُ جَمَلْتُ الشَّحْمَ وَأَجْمَلْتُهُ إِذَا أَذَبْتُهُ
قَالَ وَفِي هَذَا بَيَانُ بُطْلَانِ كُلِّ حِيلَةٍ يُحْتَالُ بِهَا لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مُحَرَّمٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ هَيْئَتِهِ وَتَبْدِيلِ اسْمِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٣٤٨٨] (حَدَّثَاهُمْ) أَيْ مُسَدَّدٌ أَوْ غَيْرُهُ (الْمَعْنَى) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِيهِمَا وَاحِدٌ وَفِي أَلْفَاظِهِمَا اخْتِلَافٌ (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) هُوَ خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَصْرِيُّ الْحَذَّاءُ (عَنْ بَرَكَةَ) بِفَتَحَاتٍ (فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بِإِضَافَةِ حَدِيثٍ إِلَى خَالِدٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي حَدِيثِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ
وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الطَّحَّانُ (عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ) كُنْيَةُ بَرَكَةَ فَزَادَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ لَفْظَ أَبِي الْوَلِيدِ بَعْدَ لَفْظِ بَرَكَةَ وَأَمَّا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ فَلَمْ يَزِدْ فِي حَدِيثِهِ هَذَا اللَّفْظَ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ بِشْرٌ وَخَالِدٌ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ إِلَخْ) قَالَ فِي
стр. 3116
الْمُنْتَقَى وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الدُّهْنِ النَّجَسِ (وَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ) أَيْ مَكَانَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٨٩] (فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ فَلْيَسْتَحِلَّ أَكْلَهَا وَالتَّشْقِيصُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَذْبَحَهَا بِالْمِشْقَصِ وَهُوَ نَصْلٌ عَرِيضٌ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا أَشْقَاصًا بَعْدَ ذَبْحِهَا كَمَا يَفْصِلُ أَجْزَاءَ الشَّاةِ إِذَا أَرَادُوا إِصْلَاحَهَا لِلْأَكْلِ
وَمَعْنَى الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ تَوْكِيدُ التَّحْرِيمِ وَالتَّغْلِيظُ فِيهِ يَقُولُ مَنْ اسْتَحَلَّ بَيْعَ الْخَمْرِ فَلْيَسْتَحِلَّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُمَا فِي الْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ سَوَاءٌ أَيْ إِذَا كُنْتَ لَا تَسْتَحِلُّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَلَا تَسْتَحِلَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ فَإِنَّكَ تُهْلَكُ وَتُحْرَقُ بِالنَّارِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهَذَا لَفْظُ أَمْرٍ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ تَقْدِيرُهُ مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيَكُنْ لِلْخَنَازِيرِ قَصَّابًا انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٤٩٠] (لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ الْأَوَاخِرُ إِلَخْ) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ هُوَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَإِنَّ آيَةَ الرِّبَا آخِرُ مَا نَزَلَ أَوْ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ عَنِ التِّجَارَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَحْرِيمِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ التِّجَارَةِ حِينَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَةً وَلَعَلَّهُ حَضَرَ الْمَجْلِسَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ
стр. 3117
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
١ - (بَاب فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ)
[٣٤٩٢] أَيْ يَقْبِضَ
(مَنِ ابْتَاعَ) أَيِ اشْتَرَى (حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أَيْ يَقْبِضَهُ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا أَوْ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ
وَقَالَ أَبُو حنيفة
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى البيهقي في سننه من حَدِيث سُفْيَان وَهَمَّام وَأَبَان الْعَطَّار عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ يَعْلَى بْن حَكِيم عَنْ يُوسُف بْن مَاهَك عَنْ عَبْد اللَّه بْن عِصْمَة عَنْ حَكِيم بْن حِزَام قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَبْتَاع هَذِهِ البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي قال ياابن أَخِي لَا تَبِعْ شَيْئًا حَتَّى تَقْبِضهُ وَلَفْظ حَدِيث أَبَان إِذَا اِشْتَرَيْت بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضهُ وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرْطهمَا سِوَى عبد الله بن عصمة وقد وثقه بن حِبَّان وَاحْتَجَّ بِهِ النَّسَائِيُّ
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ حِزَام بْن حَكِيم قَالَ قَالَ حَكِيم بْن حِزَام اِبْتَعْت طَعَامًا مِنْ طَعَام الصَّدَقَة فَرَبِحْت فِيهِ قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضهُ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عن جابر عن النبي أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيع الرَّجُل طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيه وَفِيهِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يَرْفَعهُ مَنْ اِشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالهُ قال بن الْمُنْذِر أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ اِشْتَرَى طَعَامًا فَلَيْسَ لَهُ بَيْعه حَتَّى يَقْبِضهُ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم إجماعا
وأما ما حكي عن عثمان البتي من جوازه فَإِنْ صَحَّ فَلَا يُعْتَدّ بِهِ
فَأَمَّا غَيْر الطَّعَام فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاء عَلَى أَقْوَال عَدِيدَة
стр. 3118
لَا يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْعَقَارَ
وَقَالَ مَالِكٌ
لَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ وَيَجُوزُ فِيمَا سِوَاهُ وَوَافَقَهُ كَثِيرُونَ
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَيَجُوزُ فِيمَا سِوَاهُ انْتَهَى
قُلْتُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْآتِي فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عِنْدَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا أَنَّهُ يَجُوز بَيْعه قَبْل قَبْضه مَكِيلًا كَانَ أَوْ مَوْزُونًا وَهَذَا مَشْهُور مَذْهَب مَالِك
واختاره أبو ثور وبن الْمُنْذِر
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجُوز بَيْع الدُّور وَالْأَرْض قَبْل قَبْضهَا وَمَا سِوَى الْعَقَار فَلَا يَجُوز بَيْعه قَبْل الْقَبْض وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف
وَالثَّالِث مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَلَا يَصِحّ بَيْعه قَبْل الْقَبْض سَوَاء أَكَانَ مَطْعُومًا أَمْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا يُرْوَى عن عثمان ﵁ وهو مذهب بن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاق وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَد بْن حَنْبَل
وَالرَّابِع أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع شَيْء مِنْ الْمَبِيعَات قبل قبضه بحال وهذا مذهب بن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَد
وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الصَّحِيح الَّذِي نَخْتَارهُ
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَاب أَحْمَد فِي الْمَنْع مِنْ بَيْع الْمَكِيل وَالْمَوْزُون قَبْل قَبْضه عَلَيَّ ثَلَاثَة طُرُق
أَحَدهَا أَنَّ الْمُرَاد مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقّ التَّوْفِيَة بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْن كَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَة أَوْ قَفِيز مِنْ صُبْرَة وَهَذِهِ طَرِيقَة الْقَاضِي وَصَاحِب الْمُحَرَّر وَغَيْرهمَا وَعَلَى هَذَا فَمَنَعُوا بَيْع مَا يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ تَوْفِيَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا وَلَا مَوْزُونًا كَمَنْ اِشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَة أَذْرُع أَوْ قَطِيعًا كُلّ شَاة بِدِرْهَمٍ
وَالطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَنَّ الْمُرَاد بِهِ مَا كَانَ مَكِيل الْجِنْس وَمَوْزُونه وَإِنْ اِشْتَرَاهُ جُزَافًا كَالصُّبْرَةِ وَزُبْرَة الْحَدِيد وَنَحْوهمَا
وَالطَّرِيقَة الثَّالِثَة أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَكِيل وَالْمَوْزُون مِنْ الْمَطْعُوم وَالْمَشْرُوب نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنا فَقَالَ كُلّ شَيْء يُبَاع قَبْل قَبْضه إِلَّا مَا كَانَ يُكَال أَوْ يُوزَن مِمَّا يُؤْكَل وَيُشْرَب
فَصَارَ فِي مَذْهَبه أَرْبَع رِوَايَات
إِحْدَاهَا إِنَّ الْمَنْع مُخْتَصّ بِمَا يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ التَّوْفِيَة
الثَّانِيَة أَنَّهُ عَامّ فِي كُلّ مَكِيل أَوْ مَوْزُون مَطْعُوم
الثَّالِثَة أَنَّهُ عَامّ فِي كُلّ مَكِيل أَوْ مَوْزُون مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْره
الرَّابِعَة أَنَّهُ عَامّ فِي كُلّ مَبِيع
وَالصَّحِيح هُوَ هَذِهِ الرِّوَايَة لِوُجُوهٍ
стр. 3119
أَحْمَدَ بِلَفْظِ إِذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ فَإِنَّهُمَا بِعُمُومِهِمَا يَشْمَلَانِ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَبْتَاع هَذِهِ الْبُيُوع فَمَا يحل لي منها وما يحرم علي قال ياابن أَخِي لَا تَبِعْ شَيْئًا حَتَّى تَقْبِضهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ
الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَاب مِنْ حَدِيث زَيْد بْن ثابت نهى رسول الله أَنْ تُبَاع السِّلَع حَيْثُ تُبْتَاع وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَهُوَ الثِّقَة الصَّدُوق
وَقَدْ اِسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الرَّدّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنْ هَذَا الْكِتَاب
فَإِنْ قِيلَ الْأَحَادِيث كُلّهَا مُقَيَّدَة بِالطَّعَامِ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّهُمَا مُطْلَقَانِ أَوْ عَامَّانِ
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَنُقَيِّدهُمَا بِأَحَادِيث الطعام أو نخصمها بِمَفْهُومِهَا جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة وَإِلَّا لَزِمَ إِلْغَاء وَصْف الْحُكْم وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْم
قِيلَ عَنْ هَذَا جَوَابَانِ أَحَدهمَا أَنَّ ثُبُوت الْمَنْع فِي الطَّعَام بِالنَّصِّ وَفِي غَيْره إِمَّا بِقِيَاسِ النظير كما صح عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ وَلَا أَحْسِب كُلّ شَيْء إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الطَّعَام أَوْ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه مَعَ كَثْرَة الْحَاجَة إِلَيْهِ وَعُمُومهَا فَغَيْر الطَّعَام بِطَرِيقِ الْأَوْلَى
وَهَذَا مَسْلَك الشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ
الجواب الثاني أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هُوَ مُسْتَفَاد مِنْ مَفْهُوم اللَّقَب وَهُوَ لَوْ تَجَرَّدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّة فَكَيْف وَقَدْ عَارَضَهُ عُمُوم الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا وَالْقِيَاس الْمَذْكُور حَتَّى لَوْ لَمْ تَرِد النُّصُوص الْعَامَّة لَكَانَ قِيَاسه عَلَى الطَّعَام دَلِيلًا عَلَى الْمَنْع وَالْقِيَاس فِي هَذَا يُمْكِن تَقْدِيره مِنْ طَرِيقَيْنِ
أَحَدهمَا قِيَاس بِإِبْدَاءِ الْجَامِع ثُمَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِيهِ طَرِيقَانِ
أَحَدهمَا أَنَّهُ قِيَاس تَسْوِيَة
وَالثَّانِي أَنَّهُ قِيَاس أَوْلَوِيَّة
وَالثَّانِي مِنْ الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قِيَاس بِإِلْغَاءِ الْفَارِق فَإِنَّهُ لَا فَارِق بَيْن الطَّعَام وَغَيْره فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْحُكْم وُجُودًا وَلَا عَدَمًا فَافْتِرَاق الْمَجْلِس فِيهَا عَدِيم التَّأْثِير
يُوَضِّحهُ أَنَّ الْمَسَالِك الَّتِي اِقْتَضَتْ الْمَنْع مِنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه مَوْجُودَة بِعَيْنِهَا فِي غَيْره كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه
قَالَ الْمُخَصِّصُونَ لِلْمَنْعِ تَعْلِيق النَّهْي عَنْ ذَلِكَ الطَّعَام يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعِلَّة لِأَنَّ الْحُكْم لَوْ تَعَلَّقَ بِالْأَعَمِّ لَكَانَ الْأَخَصّ عَدِيم التَّأْثِير فَكَيْف يَكُون الْمَنْع عَامًّا فَيُعَلِّقهُ الشَّارِع بِالْخَاصِّ
стр. 3120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الْمُعَمِّمُونَ لَا تَنَافِي بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ تَعْلِيق الْحُكْم بِعُمُومِ الْمَبِيعَات مُسْتَقِلّ بِإِفَادَةِ التَّعْمِيم وَتَعْلِيقه بِالْخَاصِّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم بِهِ فَثَبَتَ التَّعَارُض وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِغَرَضٍ دَعَا إِلَى التَّعْيِين مِنْ غَيْر اِخْتِصَاص الْحُكْم بِهِ إِمَّا لِحَاجَةِ الْمُخَاطَب وَإِمَّا لِأَنَّ غَالِب التِّجَارَة حِينَئِذٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ فَخَرَجَ ذِكْر الطَّعَام مَخْرَج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر فَإِنَّ غَالِب تِجَارَتهمْ بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ فِي الطَّعَام وَمَنْ عَرَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْم مِنْ سِيرَتهمْ عَرَفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْر الطَّعَام لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هُوَ الْأَظْهَر لَكَانَ مُحْتَمَلًا فَقَدْ تَعَارَضَ الِاحْتِمَالَانِ وَالْأَحَادِيث الْعَامَّة لَا مُعَارِض لَهَا فَتَعَيَّنَ الْقَوْل بِمُوجَبِهَا
قَالَ الْمُخَصِّصُونَ لَا يُمْكِنكُمْ الْقَوْل بِعُمُومِ الْمَنْع فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ جَوَاز التَّصَرُّف فِي غَيْر الطَّعَام قَبْل قَبْضه بِالْبَيْعِ وَهُوَ الِاسْتِبْدَال بِالثَّمَنِ قَبْل قَبْضه وَالْمُصَارَفَة عَلَيْهِ
قَالَ الْمُعَمِّمُونَ الْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا الْفَرْق بَيْن الثَّمَن فِي الذِّمَّة وَالْمَبِيع الْمُتَعَيَّن مِنْ وُجُوه ثَلَاثَة
أَحَدهَا أَنَّ الثَّمَن مُسْتَقِرّ فِي الذِّمَّة لَا يُتَصَوَّر تَلَفه وَالْبَيْع لَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ لَوْ كَانَ الثَّمَن مُعَيَّنًا لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيع المتعين
الثَّانِي أَنَّ بَيْع الثَّمَن هَا هُنَا إِنَّمَا هُوَ مِمَّنْ فِي ذِمَّته لَيْسَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَلَوْ بَاعَ الثَّمَن قَبْل الْقَبْض لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّته لَمْ يَجُزْ فِي أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الرَّافِعِيّ وَغَيْره مِنْ أَصْحَابه
الثَّالِث أَنَّ الْعِلَل الَّتِي لِأَجْلِهَا اِمْتَنَعَ الْعَقْد عَلَى الْمَبِيع قَبْل قَبْضه مُنْتَفِيَة فِي الثَّمَن بِأَسْرِهَا
فَإِنَّ الْمَآخِذ ثَلَاثَة إِمَّا عَدَم اِسْتِقْرَار الْمَبِيع وَكَوْنه عُرْضَة لِلتَّلَفِ وَانْفِسَاخ الْعَقْد وَهَذِهِ الْعِلَّة مَأْمُونَة بِكَوْنِ الثَّمَن فِي الذِّمَّة
وَأَمَّا إِنْ عَلَّقَ الْبَائِع لَمْ تَنْقَطِع عَنْ الْمَبِيع وَهَذِهِ الْعِلَّة أَيْضًا مُنْتَفِيَة هَا هُنَا وَإِمَّا أَنَّهُ عُرْضَة لِلرِّبْحِ وَهُوَ مَضْمُون عَلَى الْبَائِع فَيُؤَدِّي إِلَى رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن
وَهَذِهِ الْعِلَّة أَيْضًا مُنْتَفِيَة فِي الثَّمَن فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَجُوز لَهُ الِاسْتِبْدَال بِهِ بِسِعْرِ يَوْمه كَمَا شَرَطَهُ النَّبِيّ لِئَلَّا يَرْبَح فِيمَا لَمْ يَضْمَن
وَلَا يُمْكِن أَنْ يُقَال مِثْل هَذَا فِي السِّلَع لِأَنَّهُ إِنَّمَا اِشْتَرَاهَا لِلرِّبْحِ فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ بَيْعهَا إِلَّا بِمِثْلِ الثَّمَن لَمْ يَكُنْ فِي الشِّرَاء فَائِدَة بِخِلَافِ الْأَثْمَان فَإِنَّهَا لَمْ تُوضَع لِذَلِكَ وإنما وضعت رؤوسا لِلْأَمْوَالِ لَا مَوْرِدًا لِلْكَسْبِ وَالتِّجَارَة
قَالَ الْمُخَصِّصُونَ قَدْ سَلَّمْتُمْ نُفُوذ الْعِتْق قَبْل الْقَبْض وَهُوَ تَصَرُّف يُزِيل الْمِلْك فَمَا الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْبَيْع النَّاقِل لِلْمِلْكِ
следующие страницы →