← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قَالَ فِي السُّبُلِ وَكَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَقٌّ تُؤَدِّيهِ عَلَى التَّضْمِينِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ صَرِيحًا فَإِنَّ الْيَدَ الْأَمِينَةَ أَيْضًا عَلَيْهَا مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ انْتَهَى قُلْتُ فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْسَ الْحَسَنُ كَمَا زَعَمَ قَتَادَةُ حِينَ قَالَ هُوَ أَمِينُكَ إِلَخْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ يُصَحِّحُ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ وفيه خلاف تقدم وليس في حديث بن مَاجَهْ قِصَّةُ الْحَسَنِ [٣٥٦٢] (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ صَفْوَانَ وَهُوَ قُرَشِيٌّ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ مُعَاذٌ وَحَضَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حنين وَالطَّائِفَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَذَا فِي السُّبُلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَفْوَانَ (أَدْرُعًا) جَمْعُ دِرْعٍ (أَغَصْبٌ) أَيْ أَهُوَ غَصْبٌ (بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ) مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ جَعَلَ لَفْظَ مَضْمُونَةٍ صِفَةً كَاشِفَةً لِحَقِيقَةِ الْعَارِيَةِ أَيْ أَنَّ شَأْنَ الْعَارِيَةَ الضَّمَانُ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْعَارِيَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ جَعَلَ لَفْظَ مَضْمُونَةٍ صِفَةً مُخَصِّصَةً أَيْ أَسْتَعِيرُهَا مِنْكَ عَارِيَةً مُتَّصِفَةً بِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ لَا عَارِيَةً مُطْلَقَةً عَنِ الضَّمَانِ كَذَا فِي النَّيْلِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] سَمِعَ حَدِيث الْعَقِيقَة فَسَأَلْته فَقَالَ مِنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب وَفِي الْمُسْنَد مِنْ حَدِيث الْمُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن قَالَ حَدَّثَنَا سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ مَا خَطَبَنَا رَسُول اللَّه ﷺ خُطْبَة إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَة وَحَدِيث الْحَسَن هَذَا عَنْ سَمُرَة فِي الْعَارِيَة أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه وَقَالَ هُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر فَإِنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُخْرِج حَدِيث الْعَقِيقَة فِي كِتَابه مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ سَمُرَة وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ عن بن سِيرِينَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَامِر الضَّبِّيّ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول مَعَ الْغُلَام عَقِيقَة الْحَدِيث ثُمَّ أَتْبَعَهُ قول حبيب بن الشهيد أمرني بن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث الْعَقِيقَة فَسَأَلْته فَقَالَ مِنْ سَمُرَة وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة مِنْ شَرْط كِتَابه وَلَا أَنَّهُ اِحْتَجَّ بِهِ

стр. 3187

قَالَ الْقَاضِي هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يده لزمه الضمان وبه قال بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَذَهَبَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ﵃ إِلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا تُضْمَنُ إلا بالتعدي وروي ذلك عن علي وبن مَسْعُودٍ ﵄ انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (فِي رِوَايَتِهِ) أَيْ يَزِيدِ بْنِ هَارُونَ (بِوَاسِطٍ) مَدِينَةٌ بِالْعِرَاقِ مَشْهُورَةٌ [٣٥٦٣] (عَارِيَةً أَمْ غَصْبًا) أَيْ أَتَأْخُذُ السِّلَاحَ عَارِيَةً أَمْ تَأْخُذُهُ غَصْبًا لَا تَرُدُّهُ عَلَيَّ (فَهَلْ نَغْرِمُ) مِنْ بَابِ سَمِعَ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ) قَدْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي أَكْثَرِهَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ وَأُنَاسٌ مَجْهُولُونَ [٣٥٦٤] (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا الْإِرْسَالُ وَالْجَهَالَةُ [٣٥٦٥] (الْحَوْطِيُّ) بالطاء المهملة

стр. 3188

مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَوْطِ قَرْيَةٌ بِحِمْصَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) أَيْ بَيَّنَ حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ الَّذِي فَرَضَ لَهُ (وَلَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا إِلَخْ) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ عَطِيَّةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا (ذَلِكَ) أَيِ الطَّعَامُ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (العارية موداة) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ تُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّمَانِ فَالْقَائِلُ بِالضَّمَانِ يَقُولُ تُؤَدَّى عَيْنًا حَالَ الْقِيَامِ وَقِيمَةً عِنْدَ التَّلَفِ وَفَائِدَةُ التَّأْدِيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَ إِلْزَامِ الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةَ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا (وَالْمِنْحَةُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مَا يَمْنَحُهُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ ذَاتِ دَرٍّ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا أَوْ شَجَرَةٍ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا أَوْ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا (مَرْدُودَةٌ) إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ (وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ) أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ (وَالزَّعِيمُ) أَيِ الْكَفِيلُ وَالزَّعَامَةُ الْكَفَالَةُ (غَارِمٌ) أَيْ يُلْزِمُ نَفْسَهُ مَا ضَمِنَهُ وَالْغُرْمُ أَدَاءُ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَامِنٌ وَمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ [٣٥٦٦] (الْعُصْفُرِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى الْعُصْفُرِ وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ (أَعَارِيَةً مَضْمُونَةً أَوْ عَارِيَةً مُؤَدَّاةً) قَالَ فِي السُّبُلِ الْمَضْمُونَةُ الَّتِي تُضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِالْقِيمَةِ وَالْمُؤَدَّاةُ تَجِبُ تَأْدِيَتُهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ تُضْمَنْ بِالْقِيمَةِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ الْعَارِيَةُ إِلَّا بِالتَّضْمِينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ

стр. 3189

٥٥ - (بَاب فِيمَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا يَغْرَمُ مِثْلَهُ) [٣٥٦٧] (كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ) هِيَ عَائِشَةُ (فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) هِيَ صَفِيَّةُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَوْ حَفْصَةُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وبن مَاجَهْ أَوْ أُمُّ سَلَمَةَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأوسط وإسناده أصح من إسناد الدراقطني وَسَاقَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ (بِقَصْعَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ إِنَاءٌ مَعْرُوفٌ (فَضَرَبَتْ) أَيْ بَعْضُ نِسَائِهِ أَيْ عَائِشَةَ (بِيَدِهَا) أَيْ يَدَ الْخَادِمِ وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا) أَيْ فِي القصعة المكسورة المضمونة إِحْدَى الْكِسْرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى (الطَّعَامَ) أَيِ الَّذِي انْتَشَرَ مِنْهَا (غَارَتْ أُمُّكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْخِطَابُ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اعْتِذَارًا مِنْهُ ﷺ لِئَلَّا يَحْمِلُوا صَنِيعَهَا عَلَى مَا يُذَمُّ بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَرِيزَةِ فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي نَفْسِ الْبَشَرِ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهَا وَقِيلَ خِطَابٌ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا) أَيْ قَصْعَةُ بَعْضِ نِسَائِهِ الَّتِي كَانَ ﷺ فِي بَيْتِهَا (ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ) هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبِي دَاوُدَ (وَحَبَسَ الرَّسُولَ) أَيِ الْخَادِمَ أَيْ مَنَعَهُ أَنْ يَرْجِعَ (وَالْقَصْعَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الرَّسُولِ قَالَ فِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا كَانَ مَضْمُونًا بمثله

стр. 3190

وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمِثْلِيِّ مِنَ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا فِي الْقِيمِيِّ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأُولَى لِلشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْمِثْلُ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا تُجْزِي الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيمِيَّ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْحَنَفِيَّةُ أَمَّا مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَمِثْلُهُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ فِي الْحَيَوَانَاتِ فَالْقِيمَةُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَالَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهَا عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵂ وَالَّتِي أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الصَّحْفَةَ هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَقِيلَ أُمُّ سَلَمَةَ وَقِيلَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ [٣٥٦٨] (مِثْلَ صَفِيَّةٍ) أَيْ بِنْتِ حيي زوج النبي ﷺ (فَبَعَثَتْ) أَيْ صَفِيَّةُ (بِهِ) أَيْ بِالطَّعَامِ (أَفْكَلٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ ثُمَّ لَامٌ وَزْنُهُ أَفْعَلُ وَالْمَعْنَى أَخَذَتْنِي رِعْدَةُ الْأَفْكَلِ وَهِيَ الرِّعْدَةُ مِنْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفٍ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهَا لَمَّا رَأَتْ حُسْنَ الطَّعَامِ غَارَتْ وَأَخَذَتْهَا مِثْلُ الرِّعْدَةِ قَالَهُ فِي النَّيْلِ (فَكَسَرْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ (إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ إِلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِيمِيَّ يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ وَلَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ وَبِهِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ اسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابِهَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّرَاهِمِ وَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْقَصْعَةُ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِجَعْلِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَصْمِ انْتَهَى وَتُعُقِّبَ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ أَبُو حَسَّانَ وَيُقَالُ فُلَيْتُ الْعَامِرِيُّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ شَيْخٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وفي إسناده الحديث مقال

стр. 3191

٥٦ - (بَاب الْمَوَاشِي تُفْسِدُ زَرْعَ قَوْمٍ) [٣٥٦٩] (حَائِطَ رَجُلٍ) أَيْ بُسْتَانَهُ فِي النِّهَايَةِ الْحَائِطُ الْبُسْتَانُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَهُوَ الْجِدَارُ (عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظُهَا) أَيْ حِفْظُ الْأَمْوَالِ قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِهَا وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ مَالِكُهَا لِأَنَّ فِي الْعُرْفِ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ يَحْفَظُونَهَا بِالنَّهَارِ وَأَصْحَابُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ فَمَنْ خَالَفَ هَذِهِ الْعَادَةَ كَانَ خَارِجًا عَنْ رُسُومِ الْحِفْظِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكُ الدَّابَّةِ مَعَهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ فَمِهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٣٥٧٠] (عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ وَقِيلَ بِإِسْكَانِهَا (ضَارِيَةٌ) بِالتَّحْتِيَّةِ أَيْ مُعْتَادَةٌ لِرَعْيِ زَرْعِ النَّاسِ فَكُلِّمَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (وَإِنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ إِلَخْ) أَيْ وَإِنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ مَضْمُونٌ عَلَى أهلها قال المنذري وأخرجه النسائي

стр. 3192

٢٣ - كِتَابِ الْقَضَاء [٣٥٧١] بِالْمَدِّ الْوِلَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إِحْكَامِ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ ومنه فقضاهن سبع سماوات بِمَعْنَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ وَمِنْهُ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسرائيل وَبِمَعْنَى الْحَتْمِ وَالْإِلْزَامِ وَمِنْهُ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تعبدوا إلا إياه وَفِي الشَّرْعِ إِلْزَامُ ذِي الْوِلَايَةِ بَعْدَ التَّرَافُعِ وَقِيلَ هُوَ الْإِكْرَاهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْوَقَائِعِ الْخَاصَّةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْجِهَةِ كَالْحُكْمِ لبيت المال أو عليه كَذَا فِي السُّبُلِ وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ الْقَضَاءُ بِالْمَدِّ كَقَبَاءَ وَهُوَ لُغَةً إِمْضَاءُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ وَشَرْعًا فَصْلُ الْخُصُومَةِ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَأَكْثَرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي رَمْزِ الْحَقَائِقِ هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِتْقَانُ وَالْإِحْكَامُ وَفِي الشَّرْعِ هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ قَالَهُ الشَّارِحُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُوَ قَوْلٌ مُلْزِمٌ يَصْدُرُ عن ولاية عامة انتهى (باب في طلب القضاء) (مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ) عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ أَوْ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ جُعِلَ قَاضِيًا كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (فَقَدْ ذُبِحَ) بِصِيغَةِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هذا رواه النسائي من حديث بن أَبِي ذِئْب عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد الْأَخْنَسِيّ عن سعيد المقبري عن

стр. 3193

المجهول (بغير سكين) قال بن الصَّلَاحِ الْمُرَادُ ذُبِحَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا إِنْ رَشَدَ وَبَيْنَ عَذَابِ الْآخِرَةِ إِنْ فَسَدَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ إِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُخَافُ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ بَدَنِهِ وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّ الذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ فِيهِ إِرَاحَةٌ لِلْمَذْبُوحِ وَبِغَيْرِ السِّكِّينِ كَالْخَنْقِ وَغَيْرِهِ يَكُونُ الْأَلَمُ فِيهِ أَكْثَرَ فَذُكِرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّحْذِيرِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فُتِنَ بِحُبِّ الْقَضَاءِ فَأَخْرَجَهُ عَمَّا يَتَبَادَرُ إِلَيْهِ الْفَهْمُ مِنْ سِيَاقِهِ فَقَالَ إِنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ إِشَارَةً إِلَى الرِّفْقِ بِهِ وَلَوْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ لَكَانَ عَلَيْهِ أَشَقَّ وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ انْتَهَى وَفِي السُّبُلِ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالدُّخُولِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِذَبْحِ نَفْسِهِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَوَقَّهُ فَإِنَّهُ إِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ أَوْ جَهْلِهِ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَالْمُرَادُ مِنْ ذَبْحِ نَفْسِهِ إِهْلَاكُهَا أَيْ فَقَدْ أَهْلَكَهَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا قَالَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالذَّبْحِ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ الَّذِي يَكُونُ غَالِبًا بِالسِّكِّينِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ إِهْلَاكُ النَّفْسِ بِالْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [٣٥٧٢] (مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مَنْ جَعَلَهُ السلطان قاضيا قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ وَحْدِهِ وَأَشَارَ النَّسَائِيُّ إلى حديثهما ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ مَنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَى الْقَضَاء فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّين ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيث الْمَخْرَمِيّ عَنْ الْأَخْنَسِيّ عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَرْفَعهُ وَقَالَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ ثُمَّ اِعْتَذَرَ عَنْ إِخْرَاجه حَدِيث عُثْمَان الْأَخْنَسِيّ فَقَالَ وَعُثْمَان لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيّ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِئَلَّا يُخْرِج عُثْمَان مِنْ الْوَسَط وَيَجْعَل بن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد يَعْنِي لِئَلَّا يُدَلِّس فَيُسْقِط عُثْمَان فَإِذَا أَسْقَطَهُ أَحَد فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ بِالطَّرِيقِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث دَاوُدَ بْن خَالِد عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَيْسَ فِي هَذَا الطَّرِيق ذِكْر الْأَخْنَسِيّ وَلَكِنْ قَالَ النَّسَائِيّ دَاوُد بْن خَالِد لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ

стр. 3194

وَفِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيِّ قَالَ النَّسَائِيُّ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيُّ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِئَلَّا يُخْرَجَ عُثْمَانُ مِنَ الوسط ويجعل من بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ([٣٥٧٣] باب في القاضي) يخطىء (السَّمْتِيُّ) بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ وَفَوْقِيَّةٌ كَانَ لَهُ لِحْيَةٌ وَهَيْئَةٌ وَرَأْيٌ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِسَمْتِهِ وَهَيْئَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَجَارَ فِي الْحُكْمِ) أَيْ مَالَ عَنِ الْحَقِّ وَظَلَمَ عَالِمًا بِهِ مُتَعَمِّدًا لَهُ (عَلَى جَهْلٍ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَضَى أَيْ قَضَى لِلنَّاسِ جَاهِلًا وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنَ النَّارِ مِنَ الْقُضَاةِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ وَالْعُمْدَةُ الْعَمَلُ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ فَهُوَ وَمَنْ حَكَمَ بِجَهْلٍ سَوَاءٌ فِي النَّارِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِجَهْلٍ وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَهُ وَقَالَ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ وَافَقَ الْحَقَّ وَهُوَ جَاهِلٌ فِي قَضَائِهِ أَنَّهُ قَضَى عَلَى جَهْلٍ وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْحُكْمِ بِجَهْلٍ أَوْ بِخِلَافِ الْحَقِّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ وَالْقَاضِي الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ لَا اعْتِبَارَ بحكمهما انتهى قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه وبن بُرَيْدَةَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ

стр. 3195

[٣٥٧٤] (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ) أَيْ أَرَادَ الْحُكْمَ (فَأَصَابَ) أَيْ وَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ اللَّهِ (فَلَهُ أَجْرَانِ) أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ وَالْجُمْلَةُ جَزَاءُ الشَّرْطِ (فَلَهُ أَجْرٌ) أَيْ وَاحِدٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْمُخْطِئُ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ يُوضَعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فَقَطْ وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ عَارِفًا بِالْأُصُولِ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ وَلَا يُعْذَرُ بِالْخَطَأِ بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الشَّرِيعَةِ وَأُمَّهَاتُ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِيهَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي الْخَطَأِ وَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مَرْدُودًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ شَرْحِ السُّنَّةِ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ قَالَ وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ عُلُومٍ عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ وَعِلْمُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقَاوِيلُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ وَعِلْمُ اللُّغَةِ وَعِلْمُ الْقِيَاسِ وَهُوَ طَرِيقُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ صَرِيحًا فِي نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُفَسَّرَ وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ وَالْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَالنَّدْبَ وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيَعْرِفُ مِنْهَا الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ وَالْمُسْنَدَ وَالْمُرْسَلَ وَيَعْرِفُ تَرْتِيبَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَبِالْعَكْسِ حَتَّى إِذَا وَجَدَ حَدِيثًا لَا يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ اهْتَدَى إِلَى وَجْهِ مَحْمَلِهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ فَلَا يُخَالِفُهُ وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنْهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ مَا أَتَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أُمُورِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَيَعْرِفُ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَمُعْظَمَ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ حَتَّى لَا يَقَعَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ فَيَأْمَنُ فِيهِ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا عَرَفَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ انْتَهَى قُلْتُ فِي قَوْلِهِ فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ

стр. 3196

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا [٣٥٧٥] (حَتَّى يَنَالَهُ) أَيْ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ الْقَضَاءَ (ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ) أَيْ كَانَ عَدْلُهُ فِي حُكْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِ كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرَمُ أَيْ هُوَ أَكْثَرُ خِصَالِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَجْرِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ أَنْ لَا يَحْصُلُ مِنَ الْقَاضِي جَوْرٌ أَصْلًا بَلِ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ جَوْرُهُ مَغْلُوبًا بِعَدْلِهِ فَلَا يَضُرُّ صُدُورُ الْجَوْرِ الْمَغْلُوبِ بِالْعَدْلِ إِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ وَيُوجِبُ النَّارَ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرُ غَالِبًا للعدل قاله القاضي الشوكاني ونقل القارىء عن التوربتشي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْغَلَبَةِ فِي كِلَا الصِّيغَتَيْنِ أن تمنعه إحداهما عن الأخرى فلا يجوز فِي حُكْمِهِ يَعْنِي فِي الْأَوَّلِ وَلَا يَعْدِلُ يعني في الثاني قال القارىء وَلَهُ مَعْنًى ثَانٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ عَدْلِهِ وَجَوْرِهِ صَوَابُهُ وَخَطَؤُهُ فِي الْحُكْمِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ فِي مَا لَا يَكُونُ فِيهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ كَمَا قَالُوهُ فِي حَقِّ الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْدًا انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٥٧٦] (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون إلى قوله الفاسقون) هَذِهِ الْآيَاتُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (نَزَلَتْ فِي يَهُودَ خَاصَّةً) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ يَعْنِي لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ بِالْجَوْرِ يَصِيرُ كَافِرًا انْتَهَى قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ

стр. 3197

الثَّلَاثُ وَهِيَ قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الظالمون وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الفاسقون فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ وَمَنْ غَيَّرَ حُكْمَ اللَّهِ مِنْ الْيَهُودِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَإِنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً لا يقال إنه كافر وهذا قول بن عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكَ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الظالمون وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الفاسقون في الكفار كلها أخرجه مسلم وعن بن عَبَّاسٍ قَالَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون إِلَى قَوْلِهِ الْفَاسِقُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ مَنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ رَدًّا لِكِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِدًا بِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ وَهَذَا قَوْلُ بن عَبَّاسٍ أَيْضًا وَاخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَتَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ بَاطِلٌ فَهُوَ كَافِرٌ وقال طاووس قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَكَافِرٌ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَالَ بِهِ كُفْرٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْتَقِلُ عَنِ الْمِلَّةِ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَنَحْوِ هَذَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ هُوَ كُفْرٌ دُونَ الكفر وقال بن مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ عَامَّةٌ فِي الْيَهُودِ وَفِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَكُلُّ مَنِ ارْتَشَى وَبَدَّلَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَظَلَمَ وَفَسَقَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْخِطَابِ وَقِيلَ هَذَا فِيمَنْ عَلِمَ نَصَّ حُكْمِ اللَّهِ ثُمَّ رَدَّهُ عِيَانًا عَمْدًا وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ أَوْ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَدْ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ آثَارًا كَثِيرَةً الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ فِي تَفْسِيرِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَفِيهِ مَقَالٌ

стр. 3198

٣ - (بَاب فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَالتَّسَرُّعِ إِلَيْهِ) [٣٥٧٧] (دَخَلَ) أَيْ فِي الْمَدِينَةِ (رَجُلَانِ) كَائِنَانِ (مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ) أَبْوَابٌ جَمْعُ بَابٍ وَيُضَافُ لِلتَّخْصِيصِ فَيُقَالُ بَابُ إِبْرَاهِيمَ وَبَابُ الشَّامِيِّ مَثَلًا وَبَابُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَكِنْدَةَ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ مِخْلَافُ كِنْدَةَ بِالْيَمَنِ وَهُمُ الْقَبِيلَةُ كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ أَيْ مَحَلَّةُ كِنْدَةَ بِالْيَمَنِ وَكِنْدَةُ هُوَ أَبُو حَيٍّ مِنْ الْيَمَنِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمِخْلَافُ بِكَسْرِ الْمِيمِ بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْكُورَةُ وَالْجَمْعُ الْمَخَالِيفُ وَاسْتُعْمِلَ عَلَى مَخَالِيفِ الطَّائِفِ أَيْ نَوَاحِيهِ وَقِيلَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِخْلَافٌ أَيْ نَاحِيَةٌ وَالْكُورَةُ عَلَى وَزْنِ غُرْفَةٍ النَّاحِيَةُ مِنَ الْبِلَادِ وَالْمَحَلَّةُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَيْضًا انْتَهَى (وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ (فِي حَلْقَةٍ) أَيْ مِنَ النَّاسِ (فَقَالَا) أَيِ الرَّجُلَانِ (أَلَا رَجُلٌ يُنَفِّذُ) مِنَ التَّنْفِيذِ أَيْ يَقْضِي وَيُمْضِي حُكْمَهُ بَيْنَنَا (مَهْ) كَلِمَةُ زَجْرٍ أَيِ انْزَجِرْ عَنْهُ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (كَانَ يُكْرَهُ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ (إِلَى الْحُكْمِ) أَيْ بَيْنَ النَّاسِ وَالْقَضَاءِ فِيهِمْ وَالْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي مَسْعُودٍ كَانَ يُكْرَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٥٧٨] (وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ) أَيْ بِالشُّفَعَاءِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وُكِلَ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وُكِلَ إِلَيْهِ أَيْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ وَخُلِّيَ مَعَ طَبْعِهِ وَمَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ فَأُعْطِيَهُ تُرِكَتْ إِعَانَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ حِرْصِهِ وَيُعَارِضُ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَانُ بِسَبَبِ طَلَبِهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلُ

стр. 3199

إِذَا وُلِّيَ أَوْ يُحْمَلُ الطَّلَبُ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَةِ انْتَهَى وَقِيلَ إِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُ هَذَا الْقَاضِي الَّذِي طَلَبَ الْقَضَاءَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ (يُسَدِّدُهُ) أَيْ يُرْشِدُهُ طَرِيقَ الصَّوَابِ وَالْعَدْلِ وَيَحْمِلُهُ عَلَيْهِمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ عَنْ بِلَالِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفَزَارِيِّ عَنْ خَيْثَمَةَ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَصَحُّ [٣٥٧٩] (لَنْ نَسْتَعْمِلَ أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ لَا نَجْعَلُ عَامِلًا (مَنْ أَرَادَهُ) أَيْ مَنْ طَلَبَ الْعَمَلَ وَسَأَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُعَانًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِطُولِهِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِطُولِهِ

стр. 3200

٤ - (بَاب فِي كَرَاهِيَةِ الرَّشْوَةِ) [٣٥٨٠] قَالَ فِي الْقَامُوسِ الرشوة مثلثة الجعل جمع رشى ورشى ورشاه أعطاء إياها وارتشى أخذها (بن أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَدَنِيِّ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ) وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَلَفْظُهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ وَقَالَ حَدِيثُ أَبِي هريرة حسن قال القارىء أَيْ مُعْطِي الرِّشْوَةَ وَآخِذُهَا وَهِيَ الْوَصْلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ بِالْمُصَانَعَةِ قِيلَ الرِّشْوَةُ مَا يُعْطَى لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ أَمَّا إِذَا أُعْطِيَ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى حَقٍّ أَوْ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا الْآخِذُ إِذَا أَخَذَ لِيَسْعَى فِي إِصَابَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ لِأَنَّ السَّعْيَ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ وَدَفْعِ الظَّالِمِ عَنِ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجُوزُ لهم الأخذ عليه قال القارىء كذا ذكره بن الْمَلَكِ وَقَوْلُهُ وَكَذَا الْآخِذُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِيهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً الْحَدِيثُ انْتَهَى وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ هَذَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهَدِيَّةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ وَمَنْ يُعْطِي تَوَصُّلًا إِلَى أَخْذِ حَقٍّ أَوْ دَفْعِ ظُلْمٍ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ روي أن بن مَسْعُودٍ أُخِذَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي شَيْءٍ فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا خَافَ الظُّلْمَ انْتَهَى وَقَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَالتَّخْصِيصُ لِطَالِبِ الْحَقِّ بِجَوَازِ تَسْلِيمِ الرِّشْوَةِ مِنْهُ لِلْحَاكِمِ لَا أَدْرِي بِأَيِّ مُخَصِّصٍ وَالْحَقُّ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا أَخْذًا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَمَنْ زَعَمَ الْجَوَازَ فِي صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ فَإِنْ جَاءَ بِدَلِيلٍ مَقْبُولٍ وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصُهُ رَدًّا عَلَيْهِ ثُمَّ بَسَطَ الكلام فيه قال الإمام بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ

стр. 3201

وصححه الترمذي انتهى قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو فأخرجه أيضا بن حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ الدَّارِمِيُّ انْتَهَى ([٣٥٨١] بَاب فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ) جَمْعُ عَامِلٍ (حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (الْكِنْدِيُّ) بِكَسْرِ الْكَافِ (مَنْ عُمِّلَ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا (فَكَتَمَنَا مِنْهُ) أَيْ دَسَّ عَنَّا مِنْ حَاصِلِ عَمَلِهِ (مِخْيَطًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ إِبْرَةً (فَمَا فَوْقَهُ) أَيْ فِي الْقِلَّةِ أَوِ الْكَثْرَةِ أوالصغر أَوِ الْكِبَرِ قَالَ الطِّيبِيُّ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي يُفِيدُ التَّرَقِّيَ أَيْ فَمَا فَوْقَ الْمِخْيَطِ فِي الْحَقَارَةِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فوقها (فَهُوَ) أَيِ الْمِخْيَطُ وَمَا فَوْقَهُ (غُلٌّ) بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ طَوْقٌ مِنْ حَدِيدٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَمَعْنَى غَلَّ أَيْ خَانَ يُقَالُ غَلَّ الرَّجُلُ غُلُولًا خَانَ وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِالْفَيْءِ أَيِ الْمَغْنَمِ فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ كَتَمَ مِنْ عَمَلِهِ بِقَدْرِ الْمِخْيَطِ فَقَدْ خَانَ وَفِي الْمِشْكَاةِ فَهُوَ غَالٌّ أَيِ الْعَامِلُ الْكَاتِمُ غَالٌّ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ) أَيْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْهَلَاكِ (أَسْوَدٌ) صِفَةُ رَجُلٍ (اقْبَلْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (عَنِّي عَمَلَكَ) أَيْ أَقِلْنِي مِنْهُ (قَالَ وَمَا ذَلِكَ) إِشَارَةً إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ أَيْ مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا) أَيْ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْعَمَلِ (وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ) أَيْ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَوْلِ (فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ) أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ (وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى ) أَيْ وَمَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ امْتَنَعَ عَنْهُ هُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ

стр. 3202

قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ إِلَخْ تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنَى وَمَزِيدٌ لِلْبَيَانِ يَعْنِي أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ وَلَا أَرْجِعُ عَنْهُ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ فَلْيَعْمَلْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَتْرُكِ انْتَهَى قَالَ فِي النَّيْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى لِلْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ هِيَ مِنَ الرِّشْوَةِ لِأَنَّ الْمُهْدِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْإِهْدَاءِ إِلَى الْقَاضِي قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَا يُهْدِي إِلَيْهِ إِلَّا لِغَرَضٍ وَهُوَ إِمَّا التَّقَوِّي بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ أَوِ التوصل لهديته لَهُ إِلَى حَقِّهِ وَالْكُلُّ حَرَامٌ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ النَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ كَلَامًا حَسَنًا وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي الْمِشْكَاةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ ([٣٥٨٢] بَاب كَيْفَ الْقَضَاءُ) (بَعَثَنِي) أَيْ أَرَادَ بَعْثِي (تُرْسِلُنِي) بِتَقْدِيرِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ (وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنِّي صَغِيرُ الْعُمْرِ قَلِيلُ التَّجَارِبِ (وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ) قَالَ الْمُظْهِرُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْعِلْمِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ سَمَاعَ الْمُرَافَعَةِ بَيْنَ الْخُصَمَاءِ وَكَيْفِيَّةِ رَفْعِ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَمَكْرَهُمَا (إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتْ لِسَانَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ السِّينُ فِي قَوْلِهِ سَيَهْدِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى إني ذاهب إلى ربي سيهدين فَإِنَّ السِّينَ فِيهِمَا صَحِبَ الْفِعْلَ لِتَنْفِيسِ زَمَانِ وُقُوعِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ قَاضِيًا كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمُعَاذٍ ﵁ وَقَوْلُهُ أَنَا حَدِيثُ السِّنِّ اعْتِذَارٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ مِنْ قِلَّةِ تَجَارِبِهِ وَلِذَلِكَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ سَيَهْدِي قَلْبَكَ أَيْ يُرْشِدُكَ إِلَى طَرِيقِ اسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَشْرَحُ صَدْرَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ فَلَا تَقْضِي إِلَّا بِالْحَقِّ (فَلَا تَقْضِيَنَّ) أَيْ لِلْأَوَّلِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ فَإِنَّهُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ (أَحْرَى) أَيْ حَرِيٌّ وَجَدِيرٌ وَحَقِيقٌ (أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ) أَيْ وَجْهُهُ (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ دُعَائِهِ وَتَعْلِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم

стр. 3203

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ قَبْلَ سَمَاعِ حُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِفْصَالُ مَا لَدَيْهِ وَالْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِهِ قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فَإِذَا قَضَى قَبْلَ السَّمَاعِ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ بَلْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ وَيُعِيدُهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ أَوْ يُعِيدُهُ حَاكِمٌ آخَرٌ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ([٣٥٨٣] بَاب فِي قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ) (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِلْبَشَرِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْحَصْرُ هُنَا مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْعِلْمِ الْبَاطِنِ وَيُسَمَّى قَصْرَ قَلْبٍ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ انْتَهَى (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) أَيْ تَرْفَعُونَ الْمُخَاصَمَةَ إِلَيَّ (أَنْ يَكُونَ) قَالَ الطِّيبِيُّ زِيدَ لَفْظَةُ أَنْ فِي خَبَرِ لَعَلَّ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَسَى (أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ لَحِنَ بِمَعْنَى فَطِنَ وَوَزْنُهُ أَيْ أَفْطَنَ بِهَا قَالَ فِي النَّيْلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَفْصَحَ تَعْبِيرًا عَنْهَا وَأَظْهَرَ احْتِجَاجًا حَتَّى يُخَيَّلُ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُبْطِلٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَبْلَغُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْ أَحْسَنَ إِيرَادًا لِلْكَلَامِ (مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) أَيْ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ طَائِفَةً أَيْ إِنْ أَخَذَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَأَنَّهُ مَتَى أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ فَقَضَى كَانَ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ وَفِي حُكْمِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَاضٍ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الصحابة والتابعين

стр. 3204

فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الباطن وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا وَلَا أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُحِلُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْفُرُوجَ دُونَ الْأَمْوَالِ فَقَدْ يُحِلُّ نِكَاحَ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا مُخَالِفٌ للحديث الصحيح ولإجماع مِنْ قَبْلِهِ انْتَهَى وَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ وَشَهِدَ لَهَا شَاهِدَانِ بِهِ فَقَضَى الْحَاكِمُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وبين الله عزوجل وَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَجَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَنْكِحَهَا وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَقَالَ فِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَحِلُّ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَا أَقَامَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَالْإِلْزَامُ بِهِ وَتَخْلِيصُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمَا حُكِمَ بِهِ لَوِ امْتَنَعَ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَلَكِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ الْحَرَامَ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا وَشَهَادَتُهُ كَاذِبَةً وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ إِنَّهُ يَنْفُدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ زُورٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ حَلَّتْ لَهُ وَاسْتَدَلَّ بِآثَارٍ لَا يَقُومُ بِهَا دَلِيلٌ وَبِقِيَاسٍ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ النَّصِّ انْتَهَى قُلْتُ وَلِذَلِكَ خَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَوَافَقُوا (الْجُمْهُورُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [٣٥٨٤] (أَبُو تَوْبَةَ) كُنْيَةُ الرَّبِيعِ (فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا) جَمْعُ مَوْرُوثٍ أَيْ تَدَاعَيَا فِي أَمْتِعَةٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا هَذِهِ لِي وَرِثْتُهَا مِنْ مُوَرِّثِي وقال الآخر كذلك قاله القارىء (إِلَّا دَعْوَاهُمَا) إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى غَيْرِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلَفْظُ الْمِشْكَاةِ فَقَالَ مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ (وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لَكَ) وَفِي الْمِشْكَاةِ فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلُّ واحد منهما يارسول اللَّهِ حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي (فَاقْتَسِمَا) أَيْ

стр. 3205

نِصْفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ (وَتَوَخَّيَا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ اطْلُبَا (الْحَقَّ) أَيِ الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ وَاجْعَلَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ نِصْفَيْنِ (ثُمَّ اسْتَهِمَا) أَيِ اقْتَرِعَا لِتَعْيِينِ الْحِصَّتَيْنِ إِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَكُمَا لِيَظْهَرَ أَيُّ الْقِسْمَيْنِ وَقَعَ فِي نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلْيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا تُخْرِجُهُ الْقُرْعَةُ مِنَ الْقِسْمَةِ قَالَهُ القارىء وَقَالَ السُّيُوطِيُّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِيمَا تَصْنَعَانِهِ مِنَ الْقِسْمَةِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَهِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ اقْتَرِعَا زَادَ فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا انْتَهَى (ثُمَّ تَحَالَّا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ لِيَجْعَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ فِي حِلٍّ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَلَفْظُ الْمِشْكَاةِ ثُمَّ لِيُحْلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الشيء المعلومولذلك أَمَرَهُمَا بِالتَّوَخِّي فِي مِقْدَارِ الْحَقِّ ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ ﵇ بِالتَّوَخِّي حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ الْقُرْعَةَ وَذَلِكَ أَنَّ التَّوَخِّيَ إِنَّمَا هُوَ أَكْثَرُ الرَّأْيِ وَغَالِبُ الظَّنِّ وَالْقُرْعَةُ نَوْعٌ مِنَ الْبَيِّنَةِ فَهِيَ أَقْوَى مِنَ التَّوَخِّي ثُمَّ أَمَرَهُمَا ﵇ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّحْلِيلِ لِيَكُونَ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ تَعَيُّنِ بَرَاءَةٍ وَطِيبِ نَفْسٍ وَرِضًى وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا كَانَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ غَيْرَ مَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ ذِكْرَ الْقِسْمَةِ وَالتَّحْلِيلَ وَالْقِسْمَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ وَالتَّحْلِيلُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيمَا يَقَعُ فِي الذِّمَمِ دُونَ الْأَعْيَانِ فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ مَعْنَى التَّحْلِيلِ إِلَى مَا كَانَ مِنْ خَرَاجٍ وَغَلَّةٍ حَصَلَتْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ انْتَهَى وَقَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ إِنَّ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى لَا مِنْ بَابِ الْحُكُومَةِ وَالْفَتْوَى وَإِنَّ الْبَرَاءَةَ الْمَجْهُولَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَصِحُّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٥٨٥] (وَأَشْيَاءُ قَدْ دَرَسَتْ) فِي الْقَامُوسِ دَرَسَ الرَّسْمُ دُرُوسًا عَفَا وَدَرَسَتْهُ الرِّيحُ لَازِمٌ مُتَعَدٍّ وَالثَّوْبَ أَخْلَقَهُ فَدَرَسَ هُوَ لَازِمٌ متعد انتهى وفي المصباح درس المنزل درسا مِنْ بَابِ قَدْ عَفَا وَخَفِيَتْ آثَارُهُ وَدَرَسَ الْكِتَابُ عَتُقَ انْتَهَى (بِرَأْيِي) هَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى جَوَازِ

стр. 3206

الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ وَكَذَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ بَعْثِ مُعَاذٍ الْمَعْرُوفِ قَالَهُ فِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٥٨٦] (لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ يُرِيَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بما أراك الله (وَإِنَّمَا هُوَ) أَيِ الرَّأْيُ (وَالتَّكَلُّفُ) أَيِ الْمَشَقَّةُ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ الظَّنِّ قَالَهُ فِي فَتْحِ الودود قال بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ مُرَادُ عُمَرَ ﵁ قَوْلَهُ تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ غَيْرَ مَا أَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَأَمَّا مَا رَأَى غَيْرُهُ فَظَنٌّ وَتَكَلُّفٌ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ الزُّهْرِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ ﵁ [٣٥٨٧] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ الضَّبِّيُّ إِلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ وقعت ها هنا فِي بَعْضِ النُّسَخِ دُونَ بَعْضٍ وَلَا يَظْهَرُ لِي وَجْهُ إِدْخَالِهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الشَّامِيُّ) اسْمُهُ حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ (وَلَا إِخَالُنِي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا أَظُنُّهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ خَالَ الشَّيْءَ ظَنَّهُ وَتَقُولُ فِي مُسْتَقْبَلِهِ إِخَالُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتُفْتَحُ فِي لُغَيَّةٍ انْتَهَى وَقَائِلُ لَا إِخَالُنِي هُوَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ (أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ (يَعْنِي حَرِيزَ بْنَ عُثْمَانَ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي مِنْهُ

стр. 3207

٨ - (بَاب كَيْفَ يَجْلِسُ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي) [٣٥٨٨] (قضى) أي حكم وقال بن الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ أَيْ أَوْجَبَ (أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ) ضُبِطَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ (بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْحَاكِمِ وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ الْحَاكِمِ أَيْ قُدَّامَهُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ قُعُودِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ وَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدَهُمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْمُسْلِمَ كَمَا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ ﵇ مَعَ غَرِيمِهِ الذِّمِّيِّ عِنْدَ شُرَيْحٍ كَذَا فِي السُّبُلِ وَقِصَّةُ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ غَرِيمِهِ الذِّمِّيِّ مَذْكُورَةٌ فِيهِ إِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَعَلَيْكَ بِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ([٣٥٨٩] بَاب الْقَاضِي يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ) (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ الحافظ في الفتح كذا وقع ها هنا غَيْرَ مُسَمًّى وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ انْتَهَى وَكَانَ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ قَاضِيًا بِسِجِسْتَانَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (لَا يَقْضِي) أَيْ لَا يَحْكُمُ (الْحَكَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الْحَافِظُ هُوَ الْحَاكِمُ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَيِّمِ بِمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ انْتَهَى وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَاكِمُ (وَهُوَ غَضْبَانُ) بِلَا تَنْوِينٍ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَكَمَ فِي حَالِ الْغَضَبِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْفِكْرِ فِي مَسْأَلَتِهِمَا

стр. 3208

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْغَضَبُ يُغَيِّرُ الْعَقْلَ وَيُحِيلُ الطِّبَاعَ عَنِ الِاعْتِدَالِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ ﵇ الْحَاكِمَ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْحُكْمِ مَا دَامَ بِهِ الْغَضَبُ فَقِيَاسُ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ جُوعٍ مُفْرِطٍ وَفَزَعٍ مُدْهِشٍ أَوْ مَرَضٍ مُوجِعٍ قِيَاسُ الْغَضَبِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْحُكْمِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ ([٣٥٩٠] بَاب الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ) فَإِنْ جَاءُوكَ أَيْ لِتَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ هَذَا التَّخْيِيرُ منسوخ بقوله وأن احكم بينهم الْآيَةَ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَلَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا مَعَ مُسْلِمٍ وَجَبَ إِجْمَاعًا (فَنُسِخَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْكَ (بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أَيْ إِلَيْكَ وَبَعْدَهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ [٣٥٩١] (لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنْ جَاءُوكَ) الْآيَةُ بِتَمَامِهَا هَكَذَا فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ

стр. 3209

يحب المقسطين (فَسَوَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أَيْ بِالْعَدْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ١ - (بَاب اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي الْقَضَاءِ) [٣٥٩٢] (لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ) أَيْ وَالِيًا وَقَاضِيًا (أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَأْيِي بِحَذْفِ الْبَاءِ قَالَ الرَّاغِبُ الْجَهْدُ وَالْجُهْدُ الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ وَالِاجْتِهَادُ أَخْذُ النَّفْسِ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ يُقَالُ جَهَدْتُ رَأْيِي وَاجْتَهَدْتُ أَتْعَبْتُهُ بِالْفِكْرِ انْتَهَى قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَجْتَهِدُ رَأْيِي الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْأَمْرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ انْتَهَى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد أخرجه بن ماجه في سننه من حديث يحيى بن سَعِيد الْأُمَوِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن حَسَّان عَنْ عُبَادَة بْن نُسَيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ لَمَّا بَعَثَنِي رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْيَمَن قَالَ لَا تَقْضِيَنَّ وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَم وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْك أَمْر فَقِفْ حَتَّى تُبَيِّنهُ أَوْ تَكْتُب إِلَيَّ فِيهِ وَهَذَا أَجْوَد إِسْنَادًا مِنْ الْأَوَّل وَلَا ذِكْر فِيهِ لِلرَّأْيِ

стр. 3210

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ يُرِيدُ الِاجْتِهَادَ فِي رَدِّ الْقَضِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُرِدِ الرَّأْيَ الَّذِي يَسْنَحُ لَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَوْ يَخْطِرُ بِبَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَفِي هَذَا إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِيجَابُ الْحُكْمِ بِهِ انْتَهَى (وَلَا آلُو) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ مُتَكَلِّمٌ مِنْ آلَى يَأْلُو قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا أُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ وَلَا أَتْرُكُ بُلُوغَ الْوُسْعِ فِيهِ (فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ) أَيْ صَدْرَ مُعَاذٍ ﵁ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ صَدْرِي فَفِيهِ الْتِفَاتٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ الرَّاوِي عَنْ مُعَاذٍ نَقْلًا عَنْهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ الْجَوْزَقَانِيُّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ شُعْبَةَ وَقَدْ تَصَفَّحْتُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَسَانِيدِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَسَأَلْتُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا وَالْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا مَجْهُولٌ وَأَصْحَابُ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ لَا يُعْرَفُونَ وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَاطِبَةً أَوْرَدُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ قِيلَ هَذَا طَرِيقُهُ وَالْخَلَفُ قَلَّدَ فِيهِ السَّلَفَ فَإِنْ أَظْهَرُوا طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ رَجَعْنَا إِلَى قَوْلِهِمْ وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُمُ الْبَتَّةَ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ وَقَالَ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ وَلَا يُعْرَفُ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنِ الْحَارِثِ وَمَا رَوَى عَنِ الْحَارِثِ غَيْرُ أَبِي عَوْنٍ فَهُوَ مَجْهُولٌ قُلْتُ لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَهُ شَوَاهِدُ مَوْقُوفَةٌ عن عمر بن الخطاب وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عَبَّاسٍ وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَقِبَ تَخْرِيجِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَقْوِيَةً لَهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ عَنْ مُعَاذٍ رَوَى عَنْهُ أَبُو عَوْنٍ وَلَا يَصِحُّ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا مُرْسَلٌ

стр. 3211

[٣٥٩٣] (لما بعثه إلى اليمن) قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ معاذ عَلَى اجْتِهَادِ رَأْيِهِ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ شُعْبَةُ حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو قَالَ فَضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفق رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا حَدِيثٌ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ فَهُمْ أَصْحَابُ مُعَاذٍ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ لَا وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الشُّهْرَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ سُمِّيَ كَيْفَ وَشُهْرَةُ أَصْحَابِ مُعَاذٍ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالصِّدْقِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَخْفَى وَلَا يُعْرَفُ فِي أَصْحَابِهِ مُتَّهَمٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا مَجْرُوحٌ بَلْ أَصْحَابُهُ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارِهِمْ لَا يَشُكُّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ فِي ذَلِكَ كَيْفَ وَشُعْبَةُ حَامِلُ لِوَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ إِذَا رَأَيْتَ شُعْبَةَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ وَرِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ نَقَلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ كَمَا وَقَفْنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا وصية لوارث وقوله في البحرهو الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَقَوْلُهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا الْبَيْعَ وَقَوْلُهُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَلَكِنْ لَمَّا نَقَلَهَا الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ غَنُوا بِصِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهَا فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنُوا عَنْ طَلَبِ الْإِسْنَادِ لَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَدْ جوز النبي ﷺ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى خَطَئِهِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ أَجْرًا وَاحِدًا إِذَا كَانَ قَصْدُهُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُونَ فِي النَّوَازِلِ وَيَقِيسُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى بَعْضٍ وَيَعْتَبِرُونَ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ قَالَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَمَامِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عن

стр. 3212

عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَصْلَحَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَزِرُونَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيُعْرَفُ الْحَقُّ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَقَدْ رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا وَرَفْعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَدْ اجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ كَمَا أَمَرَهُمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَنْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَاجْتَهَدَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ وَإِنَّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ النُّهُوضِ فَنَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى وَاجْتَهَدَ آخَرُونَ وَأَخَّرُوهَا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلَّوْهَا لَيْلًا نَظَرُوا إِلَى اللَّفْظِ وَهَؤُلَاءِ سَلَفُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأُولَئِكَ سَلَفُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي وَالْقِيَاسِ وَلَمَّا كَانَ عَلِيٌّ ﵁ بِالْيَمَنِ أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَخْتَصِمُونَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ هُوَ ابْنِي فَأَقْرَعَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ الْوَلَدَ لِلْقَارِعِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ لِلرَّجُلَيْنِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ فَبَلَغَ النبي ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ ﵁ وَاجْتَهَدَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَحَكَمَ فِيهِمْ بِاجْتِهَادِهِ فصوبه النبي ﷺ وَقَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَاجْتَهَدَ الصَّحَابِيَّانِ اللَّذَانِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَصَلَّيَا ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ فَصَوَّبَهُمَا وَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلْآخَرِ لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ وَلَمَّا قَاسَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ وَقَافَ وَحَكَمَ بِقِيَاسِهِ وَقِيَافَتِهِ عَلَى أَنَّ أَقْدَامَ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ابْنِهِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ سُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَرَقَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْحَقِّ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ وَابْنُهُ أُسَامَةُ أَسْوَدَ فَأَلْحَقَ هَذَا الْقَائِفُ الْفَرْعَ بِنَظِيرِهِ وَأَصْلِهِ وَأَلْغَى وَصْفَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ الَّذِي لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي الْكَلَالَةِ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ أَرَاهُ مَا خَلَا الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَزْدَادَ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ قَالَ لِي عُمَرُ اقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ قَضَاءِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ لَمْ تَعْلَمْ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَتْ به أئمة

стр. 3213

الْمُهْتَدِينَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ وَاسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ وقد اجتهد بن مَسْعُودٍ فِي الْمُفَوِّضَةِ وَقَالَ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِلصَّوَابِ وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الرحمن الأصبهاني عن عكرمة قال أرسلني بن عَبَّاسٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَسَالَهُ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ فَقَالَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَلِلْأَبِ بَقِيَّةُ الْمَالِ فَقَالَ تَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ قَالَ أَقُولُهُ بِرَأْيِي وَلَا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ وَقَايَسَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْمُكَاتَبِ وَقَايَسَهُ في الجد والإخوة وقاس بن عَبَّاسٍ الْأَضْرَاسَ بِالْأَصَابِعِ وَقَالَ عَقْلُهَا سَوَاءٌ اعْتَبِرُوهَا بِهَا قَالَ الْمُزَنِيُّ الْفُقَهَاءُ مِنْ عَصْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى يومنا وهلم جرا استعلموا الْمَقَايِيسَ فِي الْفِقْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ قَالَ وَأَجْمَعُوا بِأَنَّ نَظِيرَ الْحَقِّ حَقٌّ وَنَظِيرَ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إِنْكَارُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ التَّشْبِيهُ بِالْأُمُورِ وَالتَّمْثِيلُ عَلَيْهَا انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢ - (بَاب فِي الصُّلْحِ) [٣٥٩٤] قَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الصُّلْحَ أَقْسَامًا صُلْحُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ وَالصُّلْحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالصُّلْحُ بَيْنَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَالْعَادِلَةِ وَالصُّلْحُ بَيْنَ الْمُتَغَاصِبَيْنِ وَالصُّلْحُ فِي الْخَرَاجِ كَالْعَقْدِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْأَمْلَاكِ وَالْحُقُوقِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الصُّلْحِ كَذَا فِي السُّبُلِ (شَكَّ الشَّيْخُ) وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ شَكٌّ مِنْ أَبِي دَاوُدَ (الصُّلْحُ جَائِزٌ) قَالَ فِي النَّيْلِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْعُمُومُ فَيَشْمَلُ كُلَّ صُلْحٍ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ وَمَنِ ادَّعَى عَدَمَ جَوَازِ صُلْحٍ زائد على ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى الترمذي من حديث عمير بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَقَالَ هَذَا

стр. 3214

مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَإِلَى الْعُمُومِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ لَا يَحِلُّ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةِ مِنْ نَفْسِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الرِّضَا بِالصُّلْحِ مُشْعِرٌ بِطِيبَةِ النَّفْسِ انْتَهَى مُحَصَّلًا (بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْأَحْكَامِ فِي الْغَالِبِ هُمُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّهُمُ الْمُنْقَادُونَ لَهَا (حَرَّمَ حلالا) كمصالحة الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا (أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا كَالْمُصَالَحَةِ على وطىء أمة لايحل لَهُ وَطْؤُهَا أَوْ أَكْلِ مَالٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) أَيْ ثَابِتُونَ عَلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ عَنْهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا فِي الشُّرُوطِ الْجَائِزَةِ فِي حَقِّ الدِّينِ دُونَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ قَالَ بن مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحد [٣٥٩٥] (أنه تقاضى بن أَبِي حَدْرَدٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ آخِرُهُ دَالٌ (دَيْنًا كَانَ لَهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] حَدِيث حَسَن صَحِيح وَفِي كَثِير مِنْ النُّسَخ حَسَن فَقَطْ وَقَدْ اُسْتُدْرِكَ عَلَى التِّرْمِذِيّ تَصْحِيح حَدِيث كَثِير هَذَا فَإِنَّهُ ضَعِيف قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد أَمَرَنِي أَبِي أَنْ أَضْرِبَ عَلَى حَدِيثه وَقَالَ مَرَّة ضَرَبَ أَبِي عَلَى حَدِيثه فَلَمْ يُحَدِّثْنَا بِهِ وَقَالَ هُوَ ضَعِيف الحديث وقال بن مَعِين لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ مِنْ طَرِيق عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ أَبَى هُرَيْرَة وَقَالَ هَذَا

стр. 3215

أي لكعب (عليه) أي علي بن أَبِي حَدْرَدٍ (سِجْفَ حُجْرَتِهِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْجِيمِ وَهُوَ السِّتْرُ وَقِيلَ الرَّقِيقُ مِنْهُ يَكُونُ فِي مُقَدَّمِ الْبَيْتِ وَلَا يُسَمَّى سِجْفًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْقُوقَ الْوَسَطِ كَالْمِصْرَاعَيْنِ (أوضع) أَمْرٌ مِنَ الْوَضْعِ (الشَّطْرَ) أَيِ النِّصْفَ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ ﷺ الْإِرْشَادُ إِلَى الصُّلْحِ وَالشَّفَاعَةِ فِي تَرْكِ بَعْضِ الدَّيْنِ (قَدْ فَعَلْتُ) أَيْ قَدْ وَضَعْتُ عَنْهُ نِصْفَ الدَّيْنِ قَالَ فِي النَّيْلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِزَاعُهُمَا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ كَأَنْ يَدَّعِي صَاحِبُ الدَّيْنِ مِقْدَارًا زَائِدًا عَلَى مَا يُقِرُّ بِهِ الْمَدْيُونُ فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَضَعَ الشَّطْرَ مِنَ الْمِقْدَارِ الَّذِي ادَّعَاهُ فَيَكُونُ الصُّلْحُ حِينَئِذٍ عَنْ إِنْكَارٍ وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّقَاضِي بِاعْتِبَارِ حُلُولِ الْأَجَلِ وَعَدَمِهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مِقْدَارِ أَصْلِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارٍ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى بُطْلَانِ الصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارٍ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ انْتَهَى (قُمْ فَاقْضِهِ) قِيلَ هَذَا أَمْرٌ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَمَّا طَاوَعَ بِوَضْعِ الشَّطْرِ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَدْيُونِ أَنْ يُعَجِّلَ إِلَيْهِ دَيْنَهُ لِئَلَّا يَجْمَعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بَيْنَ الْوَضِيعَةِ وَالْمَطْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] صَحِيح الْإِسْنَاد وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرْطهمَا قُلْت وَعِلَّته أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن الحسن المصيصي عن عفان وقد قال بن حِبَّان كَانَ يَقْلِب الْأَخْبَار وَيَسْرِقهَا لَا يُحْتَجّ بِمَا اِنْفَرَدَ بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم الْمِصِّيصِيّ ثِقَة تفرد به

стр. 3216

١٣ - (بَاب فِي الشَّهَادَاتِ) [٣٥٩٦] (بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ) جَمْعُ شَهِيدٍ (أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ قَبْلَ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ الشَّهَادَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ شَاهِدٌ وَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ لَهُ عِنْدَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فِي غَيْرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةِ وَالْحُدُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي وَإِعْلَامُهُ بِهِ قَالَ تَعَالَى وأقيموا الشهادة لله كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (أَيَّتَهُمَا قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْ قَالَ كَلِمَةَ يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ أَوْ قَالَ كَلِمَةَ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ (قَالَ مَالِكٌ) فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا (وَلَا يَعْلَمُ بِهَا) أَيْ بِشَهَادَتِهِ (الَّذِي هِيَ لَهُ

стр. 3217

فَاعِلٌ لَا يَعْلَمُ أَيْ لَا يَعْلَمُ بِشَهَادَتِهِ الرجل الذي الشهادة له قال بن عبد البر قال بن وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي الْحَقِّ لِرَجُلٍ لَا يَعْلَمُهَا فَيُخْبِرُهُ بِشَهَادَتِهِ وَيَرْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ زَادَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا الَّذِي لَهُ الشَّهَادَةُ وَهَذَا لِأَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا نَسِيَ شَاهِدَهُ فَظَلَّ مَغْمُومًا لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ فَإِذَا أَخْبَرَهُ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ فَرَّجَ كَرْبَهُ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا لِأَنَّ النَّخَعِيَّ قَالَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ هُنَا الْيَمِينُ أَيْ يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً قَالَ تَعَالَى فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أربع شهادات بالله انْتَهَى كَلَامُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ هَذَا فِي الْأَمَانَةِ وَالْوَدِيعَةِ تَكُونُ لِلْيَتِيمِ لَا يَعْلَمُ بِهَا بِمَكَانِهَا غَيْرُهُ فَيُخْبِرُ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ هَذَا مَثَلٌ فِي سُرْعَةِ إِجَابَةِ الشَّاهِدِ إِذَا اسْتُشْهِدَ لَا يَمْنَعُهَا وَلَا يُؤَخِّرُهَا كَمَا يُقَالُ الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ سُؤَالِهِ عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ عَطَائِهِ وَتَعْجِيلِهِ وَقَالَ الْفَارِسِيُّ قَالَ العلماء إنما هي في شهادته الحسبة وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ لَوْ لَمْ يُظْهِرْهُ لَضَاعَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فَأَمَّا فِي شَهَادَاتِ الْخُصُومِ فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي مَنْ يَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ لِأَنَّ وَقْتَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ إِنَّمَا يَدْخُلُ إِذَا جَرَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَأُيِسَ مِنَ الْإِقْرَارِ وَاحْتِيجَ إِلَى الْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ وَقْتُ الشَّهَادَةِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى كلام المنذري ٤ - (باب في الرجل يعين على خصومه) [٣٥٩٧] إلخ (مَنْ حَالَتْ) مِنَ الْحَيْلُولَةِ أَيْ حَجَبَتْ (شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ) أَيْ عِنْدَهُ وَالْمَعْنَى مَنْ مَنَعَ بِشَفَاعَتِهِ حَدًّا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ قُدَّامَ حَدٍّ فَيَحْجِزُ عَنِ الْحَدِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ (فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ) أَيْ خَالَفَ أمره لأن أمره إقامة الحدود قاله القارىء وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ

стр. 3218

حَارَبَهُ وَسَعَى فِي ضِدِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ (وَمَنْ خَاصَمَ) أَيْ جَادَلَ أَحَدًا (فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ) أَيْ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ خَصْمَهُ عَلَى الْحَقِّ أَوْ يَعْلَمُ الْبَاطِلَ أَيْ ضِدَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ وَيُصِرُّ عَلَيْهِ (حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ) أَيْ يَتْرُكَ وَيَنْتَهِي عَنْ مُخَاصَمَتِهِ يُقَالُ نَزَعَ عَنِ الْأَمْرِ نُزُوعًا إِذَا انْتَهَى عَنْهُ (مَا لَيْسَ فِيهِ) أي من المساوىء (رَدْغَةَ الْخَبَالِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا هِيَ طِينٌ وَوَحْلٌ كَثِيرٌ وَجَاءَ تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا عُصَارَةُ أهل النار وقال في حرف الخاء الخبال فِي الْأَصْلِ الْفَسَادُ وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَبَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ قُلْتُ فَالْإِضَافَةُ فِي الْحَدِيثِ لِلْبَيَانِ وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قُلْتُ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَبَالِ الْعُصَارَةُ وَالرَّدْغَةُ الطِّينُ الْحَاصِلُ بِاخْتِلَاطِ الْعُصَارَةِ بِالتُّرَابِ انْتَهَى (حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) قَالَ الْقَاضِي وَخُرُوجُهُ مِمَّا قَالَ أَنْ يَتُوبَ عَنْهُ وَيَسْتَحِلَّ مِنَ الْمَقُولِ فِيهِ وَقَالَ الْأَشْرَفُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِثْمِ مَا قَالَ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ إِثْمِهِ أَيْ إِذَا اسْتَوْفَى عُقُوبَةَ إِثْمِهِ لَمْ يُسْكِنْهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ بَلْ يُنَجِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَيَتْرُكُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ حَتَّى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي غَايَةُ فِعْلِ الْمُغْتَابِ فَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا فَيَجِبُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ أَسْكَنَهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ بِسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي إِسْكَانِهِ رَدْغَةَ الْخَبَالِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٥٩٨] (مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ) فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ (فَقَدْ بَاءَ) أَيْ انْقَلَبَ وَرَجَعَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَفِيهِ أَيْضًا الْمُثَنَّى بْنُ يَزِيدَ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ

стр. 3219

١٥ - (بَاب فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) [٣٥٩٩] بِضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ الْكَذِبُ (عَنْ خُرَيْمِ) بِضَمِّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وفتح راء وسكون ياء (بن فَاتِكٍ) بِفَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ (قَامَ قَائِمًا) أَيْ وَقَفَ حَالَ كَوْنِهِ قَائِمًا أَوْ قَامَ قِيَامًا قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ أُقِيمَ مُقَامَ الْمَصْدَرِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ فَإِذَا وُضِعَ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ نُظِرَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَجَسَّمَ وَانْقَلَبَ ذَاتًا وَعَكْسَهُ فِي عَكْسِهِ وَكَأَنَّ قِيَامَهُ ﷺ صار قَائِمًا عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَقَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ وليله قائم وذلك يدل على عظم الشأن مَا قَامَ لَهُ وَتَجَلَّدَ وَتَشَمَّرَ بِسَبَبِهِ (عُدِلَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (شَهَادَةُ الزُّورِ) أَيْ شَهَادَةُ الْكَذِبِ (بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ) أَيْ جُعِلَتْ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّ الشِّرْكَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَجُوزُ وَشَهَادَةَ الزُّورِ كَذِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا لَا يَجُوزُ وَكِلَاهُمَا غير واقع في الواقع قاله القارىء وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا سَاوَى قَوْلُ الزُّورِ الشِّرْكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ فَإِنَّ الْمُشْرِكَ زَاعِمٌ أَنَّ الْوَثَنَ يُحِقُّ الْعِبَادَةَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ اسْتِشْهَادًا (مِنَ الْأَوْثَانِ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيِ النَّجَسُ الذي هُوَ الْأَصْنَامُ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) أَيْ قَوْلَ الْكَذِبِ الشَّامِلَ لِشَهَادَةِ الزُّورِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ وَخُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ وَهُوَ مَشْهُورٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ يَعْنِي حَدِيثَ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ وَلَا نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَأَنَّهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ اخْتُلِفَ فِي أَحَدِهِمَا

стр. 3220

وَرَجَّحَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدِيثَ خُرَيْمِ بْنِ فاتك كما ذكره الترمذي ﵃ وَخُرَيْمٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَيَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ وَمِيمٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ٦ - (بَاب مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ) [٣٦٠٠] (رَدَّ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ) صَرَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّ الْخِيَانَةَ تَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَمَا تَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ دُونِ اخْتِصَاصٍ (وَذِي الْغِمْرِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ أَيِ الْحِقْدِ وَالْعَدَاوَةِ (عَلَى أَخِيهِ) أَيِ الْمُسْلِمِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوٍّ سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهُ مِنَ النَّسَبِ أَوْ أَجْنَبِيًّا (وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ) قَالَ الْمُظْهِرُ الْقَانِعُ السَّائِلُ المقتنع الصابر بأدنى قوت والمراد به ها هنا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي نَفَقَةِ أَحَدٍ كَالْخَادِمِ وَالتَّابِعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْمَالِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ يَعُودُ إِلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ جَرَّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ كَالْوَالِدِ يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ أَوِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ أَوِ الْغَرِيمِ يَشْهَدُ بِمَالٍ لِلْمُفْلِسِ عَلَى أَحَدٍ وَتُقْبَلُ شهادة أحد الزوجين لآخر خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ رَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ بِسَبَبِ جَرِّ الْمَنْفَعَةِ فَقِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التُّهْمَةِ فِي جَرِّ الْمَنْفَعَةِ أَكْبَرُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَدِيثُ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ انْتَهَى (وَأَجَازَهَا) أَيْ شَهَادَةَ الْقَانِعِ (لِغَيْرِهِمْ) أَيْ لِغَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ لِانْتِفَاءِ التهمة (قال أبو داود الغمر الحقد) وفي بعض النسخ الحنة وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ لُغَةٌ فِي إِحْنَةٍ وَهِيَ الْحِقْدُ (وَالشَّحْنَاءُ) بِالْمَدِّ الْعَدَاوَةُ (وَالْقَانِعُ الْأَجِيرُ التَّابِعُ مِثْلُ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَانِعُ السَّائِلُ وَالْمُسْتَطْعِمُ وَأَصْلُ الْقُنُوعِ السُّؤَالُ وَيُقَالُ فِي الْقَانِعِ إِنَّهُ

стр. 3221

الْمُنْقَطِعُ إِلَى الْقَوْمِ يَخْدُمُهُمْ وَيَكُونُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَكِيلِ وَالْأَجِيرِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهُ وَالْغِمْرُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ [٣٦٠١] (وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ) الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا الْفِسْقُ الصَّرِيحُ (وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ) فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعَدَاوَةِ قال بن رسلان قلنا العداوة ها هنا دِينِيَّةٌ وَالدِّينُ لَا يَقْتَضِي شَهَادَةَ الزُّورِ بِخِلَافِ الْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ فَلَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ كَالصَّدَاقَةِ انْتَهَى قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةُ لَا تُعَارَضُ بِمَحْضِ الْآرَاءِ انْتَهَى ٧ - (بَاب شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ) [٣٦٠٢] (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ) الْبَدَوِيُّ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ فِي الْمَضَارِبِ وَالْخِيَامِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ بَلْ يَرْتَحِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَصَاحِبُ الْقَرْيَةِ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْقُرَى وَهِيَ الْمِصْرُ الْجَامِعُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا كُرِهَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ وَالْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَلِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَضْبِطُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَدْوِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِإِتْيَانِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى حَقِّهَا لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ عَمَّا يُغَيِّرُهَا عَنْ وَجْهِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَذَهَبَ إِلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عبيد

стр. 3222

وذهب الأكثر إلى القبول قال بن رَسْلَانَ وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمْ كَذَا فِي النَّيْلِ قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ احْتَجَّ بِهِمْ مُسْلِمٌ فِي صحيحه وقال البيهقي وهذا الحديث مماتفرد بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَدْوِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِإِتْيَانِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى حَقِّهَا لِقُصُورِ علمهم عن ما تَحَمُّلِهَا وَتَغَيُّرِهَا عَنْ جِهَتِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٨ - (بَاب الشهادة على الرَّضَاعِ) [٣٦٠٣] (وَحَدَّثَنِيهِ) عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَنِي عُقْبَةُ وَقَائِلُهُمَا بن أَبِي مُلَيْكَةَ (صَاحِبٌ لِي) اسْمُهُ عُبَيْدٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ التَّالِيَةِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ عُقْبَةَ بن الحارث والحاصل أن بن أَبِي مُلَيْكَةَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ عُبَيْدٍ (بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ (فَزَعَمَتْ) أَيْ قَالَتْ (أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا) يَعْنِي نَفْسَهُ وَزَوْجَتَهُ أُمَّ يَحْيَى (وَقَدْ قَالَتْ) أَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَا قَالَتْ) مِنْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا (دَعْهَا) أَيِ اتْرُكْهَا قَالَ فِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شهادة المرضعة وحدها تقبل وإليه ذهب بن عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُفَارَقَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إِلَّا امْرَأَتَانِ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّضَاعَ كَغَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ فِعْلَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْبَلُ الْمُرْضِعَةُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُعَرِّضَ بِطَلَبِ أُجْرَةٍ قَالُوا وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا

стр. 3223

خِلَافُ الظَّاهِرِ سِيَّمَا وَقَدْ تَكَرَّرَ سُؤَالُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ دَعْهَا وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرِ الطَّلَاقُ فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا الْعَدَدُ وَقَدِ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي عَوْرَاتِ النِّسَاءِ فَقُلْتُمْ يَكْفِي بِشَهَادَةِ امرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قل ما يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَى ذَلِكَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى اعْتِبَارِهِ فَكَذَا هُنَا انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٣٦٠٤] (قَالَ أَبُو دَاوُدَ نَظَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ إِلَخْ) لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ٩ - (بَاب شَهَادَةِ أَهْلِ الذمة والوصية فِي السَّفَرِ) [٣٦٠٥] (بِدَقُوقَاءَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ مَقْصُورَةٌ وَقَدْ مدها

стр. 3224

بَعْضُهُمْ وَهِيَ بَلَدٌ بَيْنَ بَغْدَادَ وَإِرْبِلَ كَذَا فِي النَّيْلِ وَفِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالْمَدِّ (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يَعْنِي نَصْرَانِيَّيْنِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ خَثْعَمَ وَلَفْظُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ فَلَمْ يَشْهَدْ مَوْتَهُ إِلَّا رَجُلَانِ نَصْرَانِيَّانِ (وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ) أَيِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْمُتَوَفَّى (فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ) أَبُو مُوسَى (بَعْدَ) الْأَمْرِ (الَّذِي كَانَ) ذَلِكَ الْأَمْرُ (في عهد رسول الله) يُشِيرُ أَبُو مُوسَى إِلَى وَاقِعَةِ السَّهْمِيِّ الَّتِي كانت في عهد النبي وَمُرَادُ أَبِي مُوسَى أَنَّ بَعْدَ وَاقِعَةِ السَّهْمِيِّ لَمْ تَكُنْ وَاقِعَةٌ مِثْلَهَا إِلَّا هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَهِيَ وَفَاةُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِدَقُوقَا وَشَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى وَصِيَّتِهِ (فَأَحْلَفَهُمَا) يُقَالُ فِي الْمُتَعَدِّي أَحَلَفْتُهُ إِحْلَافًا وَحَلَّفْتُهُ تَحْلِيفًا وَاسْتَحْلَفْتُهُ (بَعْدَ الْعَصْرِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّغْلِيظِ بِزَمَانٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ (وَلَا بَدَّلَا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنَ التَّبْدِيلِ

стр. 3225

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ خَاصَّةً وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَبِلَهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ شُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلضَّرُورَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ بِوَجْهٍ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ جَائِزَةٌ وَالْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ جَائِزَةٌ وَلَا تَجُوزُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهَا مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ مِلَّةٍ على ملة أخرى وهذا قول الشعبي وبن أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَذَلِكَ لِلْعَدَاوَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ هَذِهِ الْفِرَقِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ [٣٦٠٦] (وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ (فَمَاتَ السَّهْمِيُّ) وَكَانَ لَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ أَوْصَى إِلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إِذَا رَجَعَا إِلَى أَهْلِهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَلَمَّا قَدِمَا) أَيْ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ (فَقَدُوا) أَيْ أَهْلُ الْمُتَوَفَّى (جَامَ فِضَّةٍ) أَيْ كَأْسًا مِنْ فِضَّةٍ (مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ آخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ فِيهِ خُطُوطٌ طِوَالٌ كَالْخُوصِ وَكَانَا أَخَذَاهُ مِنْ مَتَاعِهِ (ثُمَّ وُجِدَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَقَالُوا) أَيِ الَّذِينَ وُجِدَ الْجَامُ مَعَهُمْ (فَقَامَ رَجُلَانِ) هُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ من شهادتهما) أَيْ يَمِينُنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا
следующие страницы →