Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
الْمُنْقَطِعُ إِلَى الْقَوْمِ يَخْدُمُهُمْ وَيَكُونُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَكِيلِ وَالْأَجِيرِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهُ
وَالْغِمْرُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ
[٣٦٠١] (وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ) الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا الْفِسْقُ الصَّرِيحُ (وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ) فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعَدَاوَةِ قال بن رسلان قلنا العداوة ها هنا دِينِيَّةٌ وَالدِّينُ لَا يَقْتَضِي شَهَادَةَ الزُّورِ بِخِلَافِ الْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ فَلَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ كَالصَّدَاقَةِ انْتَهَى
قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةُ لَا تُعَارَضُ بِمَحْضِ الْآرَاءِ انْتَهَى
٧ - (بَاب شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ)
[٣٦٠٢] (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ) الْبَدَوِيُّ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ فِي الْمَضَارِبِ وَالْخِيَامِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ بَلْ يَرْتَحِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَصَاحِبُ الْقَرْيَةِ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْقُرَى وَهِيَ الْمِصْرُ الْجَامِعُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا كُرِهَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ وَالْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَلِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَضْبِطُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَدْوِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِإِتْيَانِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى حَقِّهَا لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ عَمَّا يُغَيِّرُهَا عَنْ وَجْهِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ
وَذَهَبَ إِلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عبيد
стр. 3222
وذهب الأكثر إلى القبول
قال بن رَسْلَانَ وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمْ
كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ احْتَجَّ بِهِمْ مُسْلِمٌ فِي صحيحه
وقال البيهقي وهذا الحديث مماتفرد بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَدْوِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِإِتْيَانِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى حَقِّهَا لِقُصُورِ علمهم عن ما تَحَمُّلِهَا وَتَغَيُّرِهَا عَنْ جِهَتِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٨ - (بَاب الشهادة على الرَّضَاعِ)
[٣٦٠٣] (وَحَدَّثَنِيهِ) عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَنِي عُقْبَةُ وَقَائِلُهُمَا بن أَبِي مُلَيْكَةَ (صَاحِبٌ لِي) اسْمُهُ عُبَيْدٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ التَّالِيَةِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ عُقْبَةَ بن الحارث
والحاصل أن بن أَبِي مُلَيْكَةَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ عُبَيْدٍ (بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ (فَزَعَمَتْ) أَيْ قَالَتْ (أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا) يَعْنِي نَفْسَهُ وَزَوْجَتَهُ أُمَّ يَحْيَى (وَقَدْ قَالَتْ) أَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَا قَالَتْ) مِنْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا (دَعْهَا) أَيِ اتْرُكْهَا
قَالَ فِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شهادة المرضعة وحدها تقبل وإليه ذهب بن عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُفَارَقَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إِلَّا امْرَأَتَانِ
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّضَاعَ كَغَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ فِعْلَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْبَلُ الْمُرْضِعَةُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُعَرِّضَ بِطَلَبِ أُجْرَةٍ
قَالُوا وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا
стр. 3223
خِلَافُ الظَّاهِرِ سِيَّمَا وَقَدْ تَكَرَّرَ سُؤَالُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ دَعْهَا وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرِ الطَّلَاقُ فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا الْعَدَدُ وَقَدِ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي عَوْرَاتِ النِّسَاءِ فَقُلْتُمْ يَكْفِي بِشَهَادَةِ امرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قل ما يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَى ذَلِكَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى اعْتِبَارِهِ فَكَذَا هُنَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٦٠٤] (قَالَ أَبُو دَاوُدَ نَظَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ إِلَخْ) لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
٩ - (بَاب شَهَادَةِ أَهْلِ الذمة والوصية فِي السَّفَرِ)
[٣٦٠٥] (بِدَقُوقَاءَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ مَقْصُورَةٌ وَقَدْ مدها
стр. 3224
بَعْضُهُمْ وَهِيَ بَلَدٌ بَيْنَ بَغْدَادَ وَإِرْبِلَ كَذَا فِي النَّيْلِ
وَفِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالْمَدِّ (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يَعْنِي نَصْرَانِيَّيْنِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ خَثْعَمَ وَلَفْظُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ فَلَمْ يَشْهَدْ مَوْتَهُ إِلَّا رَجُلَانِ نَصْرَانِيَّانِ (وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ) أَيِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْمُتَوَفَّى (فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ) أَبُو مُوسَى (بَعْدَ) الْأَمْرِ (الَّذِي كَانَ) ذَلِكَ الْأَمْرُ (في عهد رسول الله) يُشِيرُ أَبُو مُوسَى إِلَى وَاقِعَةِ السَّهْمِيِّ الَّتِي كانت في عهد النبي
وَمُرَادُ أَبِي مُوسَى أَنَّ بَعْدَ وَاقِعَةِ السَّهْمِيِّ لَمْ تَكُنْ وَاقِعَةٌ مِثْلَهَا إِلَّا هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَهِيَ وَفَاةُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِدَقُوقَا وَشَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى وَصِيَّتِهِ (فَأَحْلَفَهُمَا) يُقَالُ فِي الْمُتَعَدِّي أَحَلَفْتُهُ إِحْلَافًا وَحَلَّفْتُهُ تَحْلِيفًا وَاسْتَحْلَفْتُهُ (بَعْدَ الْعَصْرِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّغْلِيظِ بِزَمَانٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ (وَلَا بَدَّلَا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنَ التَّبْدِيلِ
стр. 3225
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ خَاصَّةً وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَبِلَهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ شُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلضَّرُورَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ بِوَجْهٍ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ جَائِزَةٌ وَالْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ
وَقَالَ آخَرُونَ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ جَائِزَةٌ وَلَا تَجُوزُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهَا مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ مِلَّةٍ على ملة أخرى وهذا قول الشعبي وبن أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَذَلِكَ لِلْعَدَاوَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ هَذِهِ الْفِرَقِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٦٠٦] (وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ (فَمَاتَ السَّهْمِيُّ) وَكَانَ لَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ أَوْصَى إِلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إِذَا رَجَعَا إِلَى أَهْلِهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَلَمَّا قَدِمَا) أَيْ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ (فَقَدُوا) أَيْ أَهْلُ الْمُتَوَفَّى (جَامَ فِضَّةٍ) أَيْ كَأْسًا مِنْ فِضَّةٍ (مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ آخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ فِيهِ خُطُوطٌ طِوَالٌ كَالْخُوصِ وَكَانَا أَخَذَاهُ مِنْ مَتَاعِهِ (ثُمَّ وُجِدَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَقَالُوا) أَيِ الَّذِينَ وُجِدَ الْجَامُ مَعَهُمْ (فَقَامَ رَجُلَانِ) هُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ من شهادتهما) أَيْ يَمِينُنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا
стр. 3226
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا فِي قَوْلِ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَقَالُوا الْمَائِدَةُ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَتَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ الْآيَةَ عَلَى الْوَصِيَّةِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَصَاحِبُهُ عَدِيُّ بْنُ بَدَّاءَ إِنَّمَا كَانَا وَصِيَّيْنِ لَا شَاهِدَيْنِ وَالشُّهُودُ لَا يُحَلَّفُونَ وَقَدْ حَلَّفَهُمَا رسول الله وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالشَّهَادَةِ عَنِ الْأَمَانَةِ الَّتِي تَحَمَّلَاهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله أَيْ أَمَانَةَ اللَّهِ وَقَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وآخران من غيركم أَيْ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْمُوصِي شَهِدَ أَقْرِبَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ دُونَ الْأَجَانِبِ وَالْأَبَاعِدِ
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انتهى ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم أَيْ لِيَشْهَدْ مَا بَيْنَكُمْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا عِنْدَ وُقُوعِ التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُرِ
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَقِيلَ هِيَ هُنَا بِمَعْنَى الوصية وقيل بمعنى الحضور للوصية
وقال بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ هِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْيَمِينِ أَيْ يَمِينُ مَا بَيْنَكُمْ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ وَاخْتَارَ هذا القول القفال وضعف ذلك بن عَطِيَّةَ وَاخْتَارَ أَنَّهَا هُنَا هِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُؤَدَّى مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَرَدَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ بِمَعْنَى الْحُضُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَبِمَعْنَى قَضَى قَالَ تَعَالَى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إلا هو وَبِمَعْنَى أَقَرَّ قَالَ تَعَالَى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أهلها وبمعنى حلف قال تعالى فشهادة أحدكم أربع شهادات وبمعنى وصى قال تعالى ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطِيبُ وَالْخَازِنُ وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ أَشْكَلِ آيِ الْقُرْآنِ وَأَصْعَبِهَا حُكْمًا وَإِعْرَابًا وَتَفْسِيرًا وَنَظْمًا انْتَهَى
وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَلِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ هَذِهِ الْآيَةُ وَاللَّتَانِ بَعْدَهَا مِنْ أَشْكَلِ الْقُرْآنِ حُكْمًا وَإِعْرَابًا وَتَفْسِيرًا وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَسْتَشْكِلُونَهَا وَيَكُفُّونَ عَنْهَا حَتَّى قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي كِتَابِهِ الْكَشْفِ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي قِرَاءَتِهَا وَإِعْرَابِهَا وَتَفْسِيرِهَا وَمَعَانِيهَا وَأَحْكَامِهَا مِنْ أَصْعَبِ آيِ
стр. 3227
الْقُرْآنِ وَأَشْكَلِهِ
وَقَالَ السَّخَاوِيُّ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ تَخَلَّصَ كَلَامُهُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا انْتَهَى
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَا ذَكَرَهُ مَكِّيُّ ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ أَيْضًا
وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْكَشَّافِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَصْعَبُ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا وَنَظْمًا وَحُكْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ظَرْفٌ لِلشَّهَادَةِ وَحُضُورُهُ ظُهُورُ أَمَارَتِهِ يَعْنِي إِذَا قَارَبَ وَقْتَ حُضُورِ الْمَوْتِ (الْآيَةَ) وَتَمَامُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا (حِينَ الْوَصِيَّةِ) بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي التَّسَاهُلُ فِيهَا (اثْنَانِ) خَبَرٌ شَهَادَةُ أَيْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ
قَالَ الْخَازِنُ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ يَعْنِي لِيَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَأَرَدْتُمُ الْوَصِيَّةَ (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقِيلَ مِنْ أَقَارِبِكُمْ وَهُمَا أَيْ ذَوَا عَدْلٍ وَمِنْكُمْ صِفَتَانِ لِاثْنَانِ يعني من أهل دينكم وملتكم يامعشر الْمُؤْمِنِينَ
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ فَقِيلَ هُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُوصِي وَقِيلَ هُمَا الْوَصِيَّانِ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ وَالشَّاهِدُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَجَعَلَ الْوَصِيَّ اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ كَقَوْلِكَ شَهِدْتُ وَصِيَّةَ فُلَانٍ بِمَعْنَى حَضَرْتُ (أَوْ آخَرَانِ) عَطْفٌ عَلَى اثْنَانِ (مِنْ غَيْرِكُمْ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ فَالضَّمِيرُ فِي مِنْكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَيْرِكُمْ الْكُفَّارُ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ وَهَذَا قَوْلُ بن عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وبن جبير والنخعي والشعبي وبن سِيرِينَ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالُوا إِذَا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّتِهِ وَهُوَ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ فَلْيُشْهِدْ كَافِرَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مِنْ أَيِّ دِينٍ كَانَا لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ
قَالَ شُرَيْحٌ مَنْ كَانَ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يَشْهَدُ وَصِيَّتَهُ فَلْيُشْهِدْ كَافِرَيْنِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ بِحَالٍ إِلَّا عَلَى وَصِيَّتِهِ فِي سَفَرٍ لايجد فِيهِ مُسْلِمًا
وَقَالَ قَوْمٌ فِي قَوْلِهِ ذَوَا عدل منكم يَعْنِي مِنْ عَشِيرَتِكُمْ وَحَيِّكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ وَحَيِّكُمْ وَأَنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَقَالُوا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْضِهِمْ عَلَى بعض
стр. 3228
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ بِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَنَّ اللَّهَ تعالى قال في أول الآية ياأيها الذين آمنوا فَعَمَّ بِهَذَا الْخِطَابِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غيركم فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَلِفِ عَلَى هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ الْمُسْلِمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ ضَاعَ مَالُهُ وَرُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَيَضِيعُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ احْتَاجَ إِلَى إِشْهَادِ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى لَا يَضِيعَ مَالُهُ وَتَنْفُذَ وَصِيَّتُهُ فَهَذَا كَالْمُضْطَرِّ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ وَالضَّرُورَاتُ قَدْ تُبِيحُ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا مَرْضِيِّينَ وَلَا عُدُولًا فَشَهَادَتُهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ قَالَهُ الْخَازِنُ
قُلْتُ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَهُوَ الْحَقُّ لِعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى ممن ترضون الآية وقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم فَهُمَا عَامَّانِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ بِحَالَةِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِحَالَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ خَاصٍّ وَعَامٍّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ) أَيْ سَافَرْتُمْ (فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) عَطْفٌ عَلَى ضَرَبْتُمْ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فِي سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا مُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ إِشْهَادُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ كَذَا فِي جَامِعِ الْبَيَانِ
وَالْمَعْنَى أَيْ فَنَزَلَ بِكُمْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَقَارَبَكُمُ الْأَجَلُ وَأَرَدْتُمُ الْوَصِيَّةَ حِينَئِذٍ وَلَمْ تَجِدُوا شُهُودًا عَلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا وَدَفَعْتُمْ مَالَكُمْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ ذَهَبَا إِلَى وَرَثَتِكُمْ بِوَصِيَّتِكُمْ وَبِمَا تَرَكْتُمْ فَارْتَابُوا فِي أَمْرِهِمَا وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّكُمْ (تَحْبِسُونَهُمَا) وَتُوقِفُونَهُمَا صِفَةٌ لِلْآخَرَانِ أَوِ اسْتِئْنَافٌ (مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ أَيْضًا يُعَظِّمُونَهَا أَوْ بَعْدَ صَلَاةٍ مَا أَوْ بَعْدَ صَلَاتِهِمْ (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أَيْ فَيَحْلِفَانِ بِاللَّهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَيْمَانُ تُغَلَّظُ فِي الدِّمَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْمَالِ إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَيَحْلِفُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِنْ كَانَ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ الْمِنْبَرِ وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَعِنْدَ الصَّخْرَةِ وَفِي سَائِرِ الْبِلَادِ فِي أَشْرَفِ الْمَسَاجِدِ وَأَعْظَمِهَا بِهَا قَالَهُ الْخَازِنُ
وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ وَعَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَا من غيرنا
стр. 3229
فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ
وَعَنْ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُهُمَا وَإِنْ كَانَا الْوَصِيَّيْنِ فَلَا ثُمَّ شَرَطَ لِهَذَا الْحَلِفِ شَرْطًا فَقَالَ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أَيْ شَكَكْتُمْ أَيُّهَا الْوَرَثَةُ فِي قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَصِدْقِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا وَهَذَا إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ أَمَّا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ قَالَهُ الْخَازِنُ
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لَا نَشْتَرِي بِهِ) أَيْ بِالْقَسَمِ (ثَمَنًا) الْجُمْلَةُ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ أَيْ لَا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَلَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبَيْنِ لِأَجْلِ عِوَضٍ نَأْخُذُهُ أَوْ حَقٍّ نَجْحَدُهُ وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا بَلْ قَصَدْنَا بِهِ إِقَامَةَ الْحَقِّ (وَلَوْ كَانَ) الْمَشْهُودُ لَهُ وَمَنْ نُقْسِمُ لَهُ (ذَا قُرْبَى) ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا لَا نَحْلِفُ لَهُ كَاذِبًا وَإِنَّمَا خَصَّ الْقُرْبَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَيْلَ إِلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) أَيِ الشَّهَادَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامَتِهَا (إِنَّا إذا لمن الآثمين) أَيْ إِنْ كَتَمْنَا الشَّهَادَةَ أَوْ خُنَّا فِيهَا
ولما نزلت هذا الآية صلى رسول الله صَلَاةَ الْعَصْرِ وَدَعَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا وَحَلَّفَهُمَا عَلَى الْمِنْبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّهُمَا لَمْ يَخُونَا شَيْئًا مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِمَا فحلفا على ذلك فخلى رسول الله سَبِيلَهُمَا ثُمَّ ظَهَرَ الْإِنَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ بن عَبَّاسٍ وُجِدَ الْإِنَاءُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ
(فَإِنْ عُثِرَ) اطُّلِعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا وَكُلُّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ (على أنهما استحقا إثما) يَعْنِي الْوَصِيَّيْنِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ حَصَلَ الْعُثُورُ وَالْوُقُوفُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّيْنِ كَانَا اسْتَوْجَبَا الْإِثْمَ بِسَبَبِ خِيَانَتِهِمَا وَأَيْمَانِهِمَا الْكَاذِبَةِ (فَآخَرَانِ) فَشَاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَأَقْرِبَائِهِ (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ فَآخَرَانِ أَيْ مَقَامَ الْوَصِيَّيْنِ فِي الْيَمِينِ (مِنَ الذين استحق) قُرِئَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْرُوفِ (عَلَيْهِمُ) الْوَصِيَّةُ وَهُمُ الْوَرَثَةُ
قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ وَمِنَ الَّذِينَ صِفَةٌ أُخْرَى لِآخَرَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَقُومَانِ انْتَهَى
وَيُبْدَلُ مِنْ آخَرَانِ (الْأَوْلَيَانِ) هُوَ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى مَرْفُوعٌ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ هُمَا فَقِيلَ هُمَا الْأَوْلَيَانِ وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوْلَى مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ الْإِثْمَ أَيْ جَنَى عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ بِالشَّهَادَةِ أَوِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَالْأَوْلَيَانِ تَثْنِيَةُ أَوْلَى بِمَعْنَى الْأَحَقِّ وَالْأَقْرَبِ إِلَى الْمَيِّتِ نَسَبًا
وَفِي حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ فَقَوْلُهُ مِنَ الذين استحق قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْنَى مِنَ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ جَنَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَمَّا جَنَيَا وَاسْتَحَقَّا إِثْمًا بِسَبَبِ جِنَايَتِهِمَا عَلَى الْوَرَثَةِ كَانَتِ الْوَرَثَةُ مَجْنِيًّا عَلَيْهِمْ مُتَضَرِّرِينَ بِجِنَايَةِ الْأَوَّلَيْنِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ من الذين استحق عليهم الأوليان مِنْ بَيْنِهِمْ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يُجَرِّدُوهُمَا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ وَيُظْهِرُوا بِهِمَا كَذِبَ الْكَاذِبِينَ لِكَوْنِهِمَا الْأَقْرَبَيْنِ إِلَى الْمَيِّتِ فَالْأَوْلَيَانِ فَاعِلُ
стр. 3230
اسْتَحَقَّ وَمَفْعُولُهُ أَنْ يُجَرِّدُوهُمَا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ وَقِيلَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ بِالْمَيِّتِ وَصِيَّتَهُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا
وَفِي الْخَازِنِ وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْحَالِفَيْنِ وَبَانَ كَذِبُهُمَا يَقُومُ اثْنَانِ آخَرَانِ مِنَ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أَيْ فَيَحْلِفَانِ بِاللَّهِ (لشهادتنا أحق من شهادتهما) يَعْنِي أَيْمَانُنَا أَحَقُّ وَأَصْدَقُ مِنْ أَيْمَانِهِمَا (وَمَا اعْتَدَيْنَا) يَعْنِي فِي أَيْمَانِنَا وَقَوْلِنَا إِنَّ شَهَادَتَنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيَّانِ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَحَلَفَا بِاللَّهِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَدُفِعَ الْإِنَاءُ إِلَيْهِمَا وَإِنَّمَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ الْوَصِيَّيْنِ ادَّعَيَا أَنَّ الْمَيِّتَ بَاعَهُمُ الْإِنَاءَ وَأَنْكَرَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَقَالَ إِنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ وَلَمَّا أَسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ يَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَصَدَقَ رَسُولُهُ أَنَا أَخَذْتُ الْإِنَاءَ فَأَنَا أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ
(ذَلِكَ) أَيِ الْبَيَانُ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَعَرَفْنَا كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَعِنْدَهُ كُفَّارٌ
وَفِي الْخَازِنِ يَعْنِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ (أَدْنَى) أَيْ أَجْدَرُ وَأَحْرَى وَأَقْرَبُ إِلَى (أَنْ يَأْتُوا بالشهادة) أَيْ يُؤَدِّي الشُّهُودُ الْمُتَحَمِّلُونَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالشَّهَادَةِ (عَلَى وَجْهِهَا) فَلَا يُحَرِّفُوا وَلَا يُبَدِّلُوا وَلَا يَخُونُوا فِيهَا وَالضَّمِيرُ فِي يَأْتُوا عَائِدٌ إِلَى شُهُودِ الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكُفَّارِ وَقِيلَ إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَالْمُرَادُ تَحْذِيرُهُمْ مِنَ الْخِيَانَةِ وَأَمْرُهُمْ بِأَنْ يَشْهَدُوا بِالْحَقِّ (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أَيْ وَأَقْرَبُ أَنْ يَخَافَ الْوَصِيَّانِ أَنْ تُرَدَّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْمُدَّعِينَ فَيَحْلِفُونَ عَلَى خِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الْوَصِيَّةِ فَتَفْتَضِحُ حِينَئِذٍ شُهُودُ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَأْتُوا فَيَكُونُ الْفَائِدَةُ فِي شَرْعِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِهَذَا الْحُكْمِ هِيَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا احْتِرَازُ شُهُودِ الْوَصِيَّةِ عَنِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ فَيَأْتُونَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا الِافْتِضَاحَ إِذَا رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى قَرَابَةِ الْمَيِّتِ فَحَلَفُوا بِمَا يَتَضَمَّنُ كَذِبَهُمْ أَوْ خِيَانَتَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأْدِيَةِ شَهَادَةِ شُهُودِ الْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ كَذِبٍ وَلَا خِيَانَةٍ
وَحَاصِلُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْمَقَامُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنَّ مَنْ حَضَرَتْهُ عَلَامَاتُ الْمَوْتِ أَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنْ عُدُولِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ وَكَانَ فِي سَفَرٍ وَوَجَدَ كُفَّارًا جَازَ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَإِنِ ارْتَابَ بِهِمَا وَرَثَةُ الْمُوصِي حَلَفَا بِاللَّهِ عَلَى أَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْحَقِّ وَمَا كَتَمَا مِنَ الشَّهَادَةِ شَيْئًا وَلَا خَانَا مِمَّا تَرَكَ الْمَيِّتُ شَيْئًا فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ
стр. 3231
خِلَافُ مَا أَقْسَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَلَلٍ فِي الشَّهَادَةِ أَوْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَزَعَمَا أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي مِلْكِهِمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَلَفَ رَجُلَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ وَعُمِلَ بذلك
وروى الترمذي عن بن عَبَّاسٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أحدكم الموت
قَالَ تَمِيمٌ بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ بِتِجَارَتِهِمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَتَيَا إِلَى الشَّامِ بِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ وَهُوَ أَعْظَمُ تِجَارَتِهِ فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ
قَالَ تَمِيمٌ وَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيٌّ فَلَمَّا أَتَيْنَا أَهْلَهُ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا وَفُقِدَ الْجَامُ فَسَأَلُونَا عَنْهُ فَقُلْنَا مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا وَلَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ
قَالَ تَمِيمٌ فَلَمَّا أسلمت بعد قدوم النبي الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يَعْظُمُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ الله يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أحدكم الموت إِلَى قَوْلِهِ أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بعد أيمانكم فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا فَنُزِعَتِ الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَدِيٍّ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ
وَقَدْ روي عن بن عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ سَوَاءً
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمَدِينِيَّ فَذَكَرَهُ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ لَا أَعْرِفُ بن أَبِي الْقَاسِمِ وَقَالَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
هَذَا آخر كلامه وبن أَبِي الْقَاسِمِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ قَدْ كَتَبْتُ عَنْهُ
انْتَهَى
стр. 3232
٢
([٣٦٠٧] باب إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد)
إلخ (إن عمه حدثه) قال بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ لَمْ يُسَمَّ لَنَا أَخُو خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا وَحْوَحٌ وَالْآخَرُ عَبْدُ اللَّهِ (ابْتَاعَ) أَيِ اشْتَرَى فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ اسْمُهُ سَوَاءُ بْنُ قَيْسٍ الْمُحَارِبِيُّ وَاسْمُ الفرس المرتجز
قال بن سَعْدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ الْمُرْتَجِزِ فَقَالَ هُوَ الْفَرَسُ الَّذِي اشْتَرَاهُ رسول الله ﷺ من الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَانَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ بَنِي مُرَّةَ (فَاسْتَتْبَعَهُ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتْبَعَهُ (فَطَفِقَ) أَيْ أَخَذَ (فيساومونه بالفرس) زاد بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الْأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا زَادَهُ فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (فَقَالَ إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ) أَيْ فاشتره (أو ليس قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ أَيْ أَتَقُولُ هَكَذَا وَلَيْسَ إِلَخْ فَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ محذوف
стр. 3233
وعند بن سَعْدٍ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ لَا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَيَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا فَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ وَيْلَكَ إِنَّ رسول الله ﷺ لم يَكُنْ لِيَقُولَ إِلَّا حَقًّا فَقَالَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ (فَقَالَ بِمَ تشهد) زاد بن سعد ولم تكن معنا (فقال بتصديقك يارسول الله) زاد بن سَعْدٍ أَنَا أُصَدِّقُكَ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَلَا أُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ
وَفِي لَفْظٍ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقُولُ إِلَّا حَقًّا قَدْ آمَنَّاكَ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى دِينِنَا (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ)
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ قَدْ حَصَلَ لِذَلِكَ تأثير في مهم ديني وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وذلك فيما روى بن أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمَصَاحِفِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ أَبُو بَكْرٍ وَكَتَبَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَكَانَ لَا يَكْتُبُ آيَةً إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَإِنَّ آخِرَ سُورَةِ بَرَاءَةَ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالَ اكْتُبُوهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَكَتَبَ وَإِنَّ عُمَرَ أَتَى بِآيَةِ الرَّجْمِ فَلَمْ يَكْتُبْهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هذا حديث يضعفه كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ وَقَدْ تَذَرَّعَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ إِلَى اسْتِحْلَالِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ عُرِفَ عِنْدَهُ بِالصِّدْقِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ادَّعَاهُ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا حَكَمَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ بِعِلْمِهِ إِذْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَادِقًا بَارًّا فِي قَوْلِهِ وَجَرَتْ شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ فِي ذَلِكَ مَجْرَى التَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ وَالِاسْتِظْهَارِ بِهَا عَلَى خَصْمِهِ فَصَارَتْ فِي التَّقْدِيرِ شَهَادَتُهُ لَهُ وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهُ عَلَى قَوْلِهِ كَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فِي سَائِرِ الْقَضَايَا انْتَهَى
قُلْتُ شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ قَدْ جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ
стр. 3234
وَهَذَا لِمُخَصِّصٍ اقْتَضَاهُ وَهُوَ مُبَادَرَتُهُ دُونَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى الشَّهَادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَبِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ وَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي
وهذا الأعرابي هو بن الْحَارِثِ وَقِيلَ سَوَاءُ بْنُ قَيْسٍ الْمُحَارِبِيُّ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الصَّحَابَةِ وَقِيلَ إِنَّهُ جَحَدَ الْبَيْعَ بِأَمْرِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْفَرَسَ هُوَ الْمُرْتَجِزُ الْمَذْكُورُ فِي أَفْرَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الزَّايِ وفصل الراء المرتجز بن الملاة فَرَسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُمِّيَ بِهِ لِحُسْنِ صَهِيلِهِ اشْتَرَاهُ مِنْ سَوَاءِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ)
١ - (بَاب الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ)
[٣٦٠٨] (أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ (حَدَّثَهُمْ) أَيْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَسَنَ بن علي وغيرهما (قال عثمان) أي بن أَبِي شَيْبَةَ (سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بِنِسْبَتِهِ إِلَى أَبِيهِ وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ سَيْفٌ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَبِيهِ (قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ قَضَى لِلْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ أَقَامَ الْيَمِينَ مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ فَصَارَ كَالشَّاهِدَيْنِ انْتَهَى
стр. 3235
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَالْكُوفِيُّونَ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْأَنْدَلُسِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَقَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْأَمْوَالُ وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيٌّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَمُعْظَمُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ﵃ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ رِوَايَةِ علي وبن عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵃
قَالَ الْحَافِظُ أَصَحُّ أحاديث الباب حديث بن عباس قال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إِسْنَادِهِ قَالَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي صِحَّتِهِ قَالَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا حَسَنَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٣٦٠٩] (قَالَ عَمْرٌو فِي الْحُقُوقِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ
стр. 3236
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَضَاءُ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ خَاصٌّ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّ الرَّاوِيَ وَقَفَهُ عَلَيْهَا وَالْخَاصُّ لَا يُتَعَدَّى بِهِ مَحَلُّهُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَاقْتِضَاءُ الْعُمُومِ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ لَهُ فوجب صرفه إلى أمر خاص قال وإنما (وَلَمَّا) قَالَ الرَّاوِي هُوَ فِي الْأَمْوَالِ كَانَ مَقْصُورًا عَلَيْهَا انْتَهَى
[٣٦١٠] (قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَةً وَهَذِهِ يَمِينٌ مَقْرُونَةٌ بِبَيِّنَةٍ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْأُخْرَى فَإِذَا تَبَايَنَ مَحَلَّاهُمَا جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمَاهُمَا انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَنْ لَا يَقُولُ بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَعْذَارٌ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَلِلْقَائِلِينَ بِهِ أَجْوِبَةٌ شَافِيَةٌ كَافِيَةٌ فَعَلَيْكَ بِالْمُطَوَّلَاتِ
стр. 3237
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ (قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ (لِسُهَيْلٍ فَقَالَ) أَيْ سُهَيْلٌ (أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ وَهُوَ) أَيْ رَبِيعَةُ وَجُمْلَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فَاعِلِ أَخْبَرَنِي وَمَفْعُولِهِ (أَنِّي) مَرْجِعُ الضَّمِيرِ هُوَ سُهَيْلٌ لَا رَبِيعَةَ (حَدَّثْتُهُ) أَيْ رَبِيعَةَ (إِيَّاهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ وَجُمْلَةُ أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ مَفْعُولُ أَخْبَرَنِي (وَلَا أَحْفَظُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَدْ كَانَ إِلَخْ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ حِفْظِهِ الْحَدِيثَ (فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ بَعْدَ مَا ذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لَهُ مَا ذَكَرَ (يُحَدِّثُهُ) أَيِ الْحَدِيثَ (عَنْ رَبِيعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ) الضَّمِيرَانِ لِسُهَيْلٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ وَإِنْ رَوَى عَنْ شَيْخٍ حَدِيثًا وَجَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ فَإِنْ كَانَ
стр. 3238
الْإِنْكَارُ جَزْمًا كَأَنْ يَقُولَ الْكَذِبُ عَلَيَّ أَوْ مَا رَوَيْتُ لَهُ هَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ رُدَّ ذَلِكَ الْخَبَرُ لِكَذِبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعَارُضِ أَوْ كَانَ جَحَدَهُ احْتِمَالًا كَأَنْ يَقُولَ مَا أَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ أَوْ لَا أَعْرِفُهُ قُبِلَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى نِسْيَانِ الشَّيْخِ
وَفِي هَذَا النَّوْعِ صَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ كِتَابَ مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْوِيَةِ الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ حَدَّثُوا بِأَحَادِيثَ فَلَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهَا لَكِنَّهُمْ لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الرُّوَاةِ عَنْهُمْ صَارُوا يَرْوُونَهَا عَنِ الَّذِينَ رَوَوْهَا عَنْهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَحَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ الشاهد واليمين
стр. 3239
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ حَدَّثَنِي بِهِ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ سُهَيْلٍ قَالَ فَلَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقُلْتُ إِنَّ رَبِيعَةَ حَدَّثَنِي عَنْكَ هَكَذَا فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي أَنِّي حَدَّثْتُهُ عَنْ أَبِي بِهِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ انْتَهَى كَلَامُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ عَلَيْهِ مِنْ شَرْحِهِ [٣٦١٢] (أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ شُعَيْثٍ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ
قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي كِتَابِ مُشْتَبِهِ النِّسْبَةِ شُعَيْبٌ بِالْبَاءِ مُعْجَمَةٌ مِنْ تَحْتِهَا بِوَاحِدَةٍ وَاسِعٌ وَشُعَيْثٌ بِالثَّاءِ قَلِيلٌ مِنْهُمْ شُعَيْثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبيب بن ثعلبة روى عنه بن وَهْبٍ وَغَيْرُهُ
وَشُعَيْثُ بْنُ مَطَرٍ وَعَمَّارُ بْنُ شُعَيْثٍ حَدَّثَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ
انْتَهَى كَلَامُهُ مُخْتَصَرًا
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الْمُخْتَلِفِ وَالْمُشْتَبِهِ شُعَيْبٌ كَثِيرٌ وَبِمُثَلَّثَةٍ شُعَيْثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ آبَائِهِ انتهى مختصرا (بن عبد الله بن الزبيب) بموحدتين مصغرا بن ثَعْلَبَةَ (فَأَخَذُوهُمْ) أَيْ بَنِي الْعَنْبَرِ (بِرُكْبَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِلَفْظِ رُكْبَةِ الرجل واد من أودية الطائف
стр. 3240
وقال الزمخشري مفازة على يومين من مكة يسكنها اليوم عدوان
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ هُوَ بَيْنَ غَمْرَةَ وَذَاتِ عِرْقٍ كَذَا فِي مَرَاصِدِ الْإِطْلَاعِ (وَقَدْ كُنَّا أَسْلَمْنَا) الْوَاوُ لِلْحَالِ (وَخَضْرَمْنَا آذَانَ النَّعَمِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَقُولُ قَطَعْنَا أَطْرَافَ آذَانِهَا وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ عَلَامَةً بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ وَالْمُخَضْرَمُونَ قَوْمٌ أَدْرَكُوا الْجَاهِلِيَّةَ وَبَقُوا إِلَى أَنْ أَسْلَمُوا
وَيُقَالُ إِنَّ أَصْلَ الْخَضْرَمَةِ خَلْطُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ انْتَهَى (فَلَمَّا قَدِمَ بَلْعَنْبَرَ) هُوَ مُخَفَّفُ بَنِي الْعَنْبَرِ (فَشَهِدَ الرَّجُلُ) أَيْ عَلَى إِسْلَامِهِمْ (وَأَبَى) أَيِ امْتَنَعَ (اذْهَبُوا) الْخِطَابُ لِلْجَيْشِ (فَقَاسِمُوهُمْ أَنْصَافَ الْأَمْوَالِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ سَبَبًا لِلصُّلْحِ وَالْأَخْذِ بِالْوَسَطِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ قَضَى بِالدَّعْوَى بِهِمَا انْتَهَى (ذَرَارِيَّهُمْ) جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ (لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ ضَلَالَةَ الْعَمَلِ) أَيْ بُطْلَانَهُ وَضَيَاعَهُ وَذَهَابَ نَفْعِهِ يُقَالُ ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ إِذَا بَطَلَ وَتَلِفَ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ ضَيَاعُ عَمَلِ الْجَيْشِ (مَا رَزَيْنَاكُمْ) بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَا نَقَصْنَاكُمْ وَهَذَا خِطَابٌ لِبَنِي الْعَنْبَرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ اللُّغَةُ
стр. 3241
الْفَصِيحَةُ مَا رَزَأْنَاكُمْ بِالْهَمْزِ يَقُولُ مَا أَصَبْنَاكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ عِقَالًا انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا زَرَيْنَاكُمْ بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ غَلَطٌ (زِرْبِيَّتِي) بِكَسْرٍ وَتُفْتَحُ وَتُضَمُّ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ تَاءُ تَأْنِيثٍ الطِّنْفَسَةُ وَقِيلَ الْبِسَاطُ ذُو الْخَمْلِ وَجَمْعُهَا زَرَابِيُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَمِرْقَاةِ الصُّعُودِ (احْبِسْهُ) أَيِ الرَّجُلَ
(فَأَخَذْتُ بِتَلْبِيبِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَخَذْتَ بِتَلْبِيبِ فُلَانٍ إِذَا جَمَعْتَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ وقبضت عَلَيْهِ تَجُرُّهُ وَالتَّلْبِيبُ مَجْمَعُ مَا فِي مَوْضِعِ اللَّبَبِ فِي الْقَامُوسِ اللَّبَبُ الْمَنْحَرُ كَاللَّبَّةِ وَمَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ مِنْ ثِيَابِ الرَّجُلِ وَيُقَالُ لَبَّيْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلْتُ فِي عُنُقِهِ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ وَجَرَرْتَهُ بِهِ انْتَهَى (فَاخْتَلَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَيْفَ الرَّجُلِ فَأَعْطَانِيهِ إِلَخْ) أَيْ صَالَحَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَلَعَلَّ الْآصُعَ كَانَتْ مَعْلُومَةً قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِعْمَالُ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ إِلَّا أَنَّ إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِذَاكَ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أن يكون اليمين قد قصد بها ها هنا الْأَمْوَالُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ الْأَمْوَالَ كَمَا يَحْقِنُ الدَّمَ
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى إِيجَابِ الْيَمِينِ مَعَ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ
كَانَ شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ يَرَوْنَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ الرَّجُلُ مَعَ بَيِّنَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَدْ رُوِيَ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وبن عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃
زُبَيْبٌ بِضَمِّ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرُ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَفِي الرُّوَاةِ مَنِ اسْمُهُ زُبَيْبٌ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَقَدْ قِيلَ فِي زُبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَيْضًا زُنَيْبٌ بِالنُّونِ انْتَهَى كلام المنذري
стр. 3242
٢٢ - (باب الرجلان يدعيان شيئا وليس بينهما بَيِّنَةٌ)
[٣٦١٣] (لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ بِعَيْنِهِ بَلْ لَهُمَا أَوْ لَا بَيِّنَةَ أَصْلًا (فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا) أَيْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَعِيرُ أَوِ الدَّابَّةُ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِلْكِ بِالْيَدِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُونَا بِنَفْسِ الدَّعْوَى يَسْتَحِقَّانِهِ لَوْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يد غيرهما انتهى
قال القارىء أَوْ فِي يَدِ غَيْرِ مُنَازِعٍ لَهُمَا انْتَهَى
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
стр. 3243
[٣٦١٥] (فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ) أَيْ أَقَامَهُمَا (فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نصفين) قال بن رَسْلَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّ البينتين لما تعارضتا تساقطتا وصارتا كَالْعَدَمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي عَيْنٍ كَانَتْ فِي يَدَيْهِمَا وَالْآخَرُ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَا يَدَّعِيهَا بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ ادَّعَيَا دَابَّةً وَجَدَاهَا عِنْدَ رَجُلٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ نُزِعَتْ مِنْ يَدِ الثَّالِثِ وَدُفِعَتْ إِلَيْهِمَا قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ حَمْلَ الْإِسْنَادَيْنِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُتَعَدِّدَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَرْجِيحُ مَا فِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى غَيْرِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَفِي هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّ الشَّهَادَاتِ لَمَّا تَعَارَضَتْ تَسَاقَطَتْ فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَحُكِمَ لَهُمَا بِالشَّيْءِ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَلَمَّا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ عَلَى دَعْوَاهُ نُزِعَ الشَّيْءُ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدُفِعَ إِلَيْهِمَا
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّيْءِ يَكُونُ فِي يَدَيِ الرَّجُلِ فَيَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ وَيُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ صَارَ لَهُ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ قَدِيمًا ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حُلِّفَ لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ ثُمَّ يُقْضَى لَهُ بِهِ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا أَحْكُمُ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هُوَ لِأَعْدَلِهِمَا شُهُودًا وَأَشْهَرِهِمَا بِالصَّلَاحِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ
стр. 3244
يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَدَدًا
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ هُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى حِصَصِ الشُّهُودِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ هَذَا هُوَ الْمِصِّيصِيُّ وَهُوَ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْخَطَأِ وَذَكَرَ أَنَّهُ خُولِفَ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ وَإِنَّمَا خَرَّجَهُ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ
() [٣٦١٦] (عَنْ خِلَاسٍ) بِكَسْرِ أوله وتخفيف اللام بن عَمْرٍو الْهَجَرِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ وَكَانَ يُرْسِلُ مِنَ الثَّانِيَةِ (اسْتَهِمَا) أَيِ اقْتَرِعَا (مَا كَانَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا كَانَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ
قَالَ بَعْضُ الْأَعَاظِمِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ لَفْظَةُ مَا فِي مَا كَانَ مَصْدَرٌ أَيْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِكَانَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أغنى عنه ماله وما كسب وَالتَّقْدِيرُ أَيُّ غِنَاءٍ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَكَسْبُهُ
وَكَانَ هَذِهِ تَامَّةٌ وَالضَّمِيرُ فِيهَا عَائِدٌ إِلَى الاستهام الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ﷺ اسْتَهِمَا وَجُمْلَةُ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا كَالتَّفْسِيرِ لِجُمْلَةِ مَا كَانَ وَالْغَرَضُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ تَقْرِيرُ الْمَعْنَى السَّابِقِ وَتَوْكِيدِهِ
وَالْمَعْنَى أَيُّ كَوْنٍ كَانَ الِاسْتِهَامُ الْمَذْكُورُ أَيْ سَوَاءٌ أَحَبَّا ذَلِكَ الِاسْتِهَامَ أَوْ كَرِهَاهُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَسْتَهِمَانِ عَلَى الْيَمِينِ لَا مَحَالَةَ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِهَامُ الْمَذْكُورُ مَحْبُوبًا لَهُمَا أَوْ مَكْرُوهًا لَهُمَا
وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا كَانَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَرْجِعُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ الْمُدَّعِيَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ أَيُّ كَوْنٍ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ الْمَذْكُورَانِ أَيْ سَوَاءٌ أَحَبَّا ذَلِكَ الِاسْتِهَامَ أَوْ كَرِهَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا) أَيْ مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا أَوْ كَارِهَيْنِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الِاسْتِهَامِ ها هنا الِاقْتِرَاعُ يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حُلِّفَ وَأَخَذَ مَا ادَّعَاهُ وَرُوِيَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أُتِيَ عَلِيٌّ بِبَغْلٍ وُجِدَ فِي السُّوقِ يُبَاعُ فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا بَغْلِي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ وَنَزَعَ عَلِيٌّ مَا قَالَ بِخَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ قَالَ وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ يَدَّعِيهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ بَغْلُهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إِنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا وَسَوْفَ أُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ أَمَّا صُلْحُهُ أَنْ يُبَاعَ الْبَغْلُ فَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِهَذَا خَمْسَةٌ وَلِهَذَا سَهْمَانِ وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحُوا إِلَّا الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أحد
стр. 3245
الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ بَغْلُهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا فَأَيُّكُمَا يَحْلِفُ أَقْرَعْتُ بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ فَأَيُّكُمَا قُرِعَ حَلَفَ قَالَ فَقَضَى بِهَذَا وَأَنَا شَاهِدٌ انْتَهَى
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ الِاسْتِهَامُ وَالِاقْتِرَاعُ إِذَا تَسَاوَتْ دَرَجَاتُهُمْ فِي أَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي كُلَّهُ فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقُّ وَيُرِيدُ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّهُ انْتَهَى
قَالَ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَجُلَيْنِ إِذَا تَدَاعَيَا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَقَالَ الثَّالِثُ لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ لَكُمَا أَوْ لِغَيْرِكُمَا فَحُكْمُهُمَا أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ يَحْلِفُ مَعَهَا وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ الْمَتَاعِ وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْعَلُ بَيْنَ المتداعيين نصفين
وقال بن الْمَلَكِ وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا إِنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ مَعَ يَمِينِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنِ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ وَكَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ فِي نِصْفٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي نِصْفٍ أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دَعْوَاهُ تَسَاقَطَتَا وَصَارَتَا كَالْعَدَمِ وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ وَكَذَا إِذَا لَمْ يُقِيمَا بَيِّنَةً وَكَذَا إِذَا حَلَفَا أَوْ نَكَلَا انْتَهَى
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَحَبَّا أَوْ كَرِهَا فَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِكْرَاهُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إِذَا تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرَادَا الْحَلِفَ سَوَاءٌ كَانَا كَارِهَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ أَوْ مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ وَتَنَازَعَا أَيُّهُمَا يَبْدَأُ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْقُرْعَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَلْيَسْتَهِمَا أَيْ فَلْيَقْتَرِعَا
وَقِيلَ صُورَةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْيَمِينِ أَنْ يَتَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّهَا وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ
стр. 3246
يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً أُخْرَى فَيَكُونُ الْقَوْمُ الْمَذْكُورُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ بِعَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمْ مَثَلًا وَأَنْكَرُوا وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْيَمِينُ فَتَسَارَعُوا إِلَى الْحَلِفِ وَالْحَلِفُ لَا يَقَعُ مُعْتَبَرًا إِلَّا بِتَلْقِينِ الْمُحَلِّفِ فَقُطِعَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ بَدَأَ بِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنَّ الْقُرْعَةَ فِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ عِنْدَ إِرَادَةِ تَحْلِيفِ الْقَاضِي لَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحَلِّفُ وَاحِدًا ثُمَّ يُحَلِّفُ الْآخَرَ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الثَّانِي بَعْدَ حَلِفِ الْأَوَّلِ قَضَى بِالْعَيْنِ كُلِّهَا لِلْحَالِفِ أَوَّلًا وَإِنْ حَلَفَ الثَّانِي فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْيَمِينِ فَتَكُونُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا
وقد حمل بن الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ الْحَدِيثَ عَلَى الِاقْتِرَاعِ فِي الْمَقْسُومِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهُوَ بَعِيدٌ وَتَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْيَمِينِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٦١٧] (قَالَ أحمد) أي بن حَنْبَلٍ (قَالَ) أَيْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَأَحْمَدُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ
وَقَالَ سَلَمَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (إِذَا كَرِهَ الِاثْنَانِ الْيَمِينَ أَوِ اسْتَحَبَّاهَا) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ نَكَلَا الْيَمِينَ أَوْ حَلَفَا جَمِيعًا وَالْمَتَاعُ فِي يَدَيْهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ انْتَهَى (فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْيَمِينِ (قَالَ سَلَمَةُ قَالَ) أَيْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (إِذَا أُكْرِهَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الِاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ) أَيْ فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يحلف
стр. 3247
[٣٦١٨] (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مِنْهَالٍ وَقَبْلَ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَسَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا لَا يَخْفَى (فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا على اليمين) أي اقترعا عليها
قال القارىء وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اسْتَهِمَا نِصْفَيْنِ عَلَى يَمِينِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَجْهُ الْقُرْعَةِ أَنَّهُ إِذَا تَسَاوَى الْخَصْمَانِ فَتَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ مُرَجِّحٍ لَا يَسُوغُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَصِيرُ إِلَى مَا فِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَهُوَ الْقُرْعَةُ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّسْوِيَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بَيْنَ الْخُصُومِ
وَقَدْ طَوَّلَ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ الْكَلَامَ عَلَى قِسْمَةِ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بَيْنَ مُتَنَازِعِيهِ إِذَا كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ مُقَرَّبَةٍ لَهُمْ وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِهِ وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فِي تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا فِي الْحَلِفِ فَالَّذِي فِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَاكِمَ يُعَيِّنُ لِلْيَمِينِ مِنْهُمَا مَنْ شَاءَ عَلَى مَا يَرَاهُ
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ لَكِنِ الَّذِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ هُوَ الْقُرْعَةُ لِلْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ
٣ - (بَاب الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)
[٣٦١٩] (قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طريق بن جريج عن بن أبي مليكة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ عَنِ بن عُمَرَ بِلَفْظِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
وأخرجه الإسماعيلي من رواية بن جُرَيْجٍ بِلَفْظِ وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ وَالْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الله بن إدريس عن بن جريج وعثمان بن الأسود عن
стр. 3248
بن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كُنْتُ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الطَّائِفِ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمَرْأَتَيْنِ فَكَتَبْتُ إِلَى بن عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلى بينة أو تشديق الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الْحُكْمَ فِي كَوْنِهِ لَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أُعْطِيَ بِمُجَرَّدِهَا لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَا يُمْكِنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَصُونَ مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَمَّا الْمُدَّعِي فَيُمْكِنُهُ صِيَانَتُهَا بِالْبَيِّنَةِ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ حَقٌّ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي اخْتِلَاطٌ أَمْ لَا
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ إِنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خُلْطَةٌ لِئَلَّا يَبْتَذِلَ السُّفَهَاءُ أَهْلَ الْفَضْلِ بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ فَاشْتُرِطَتِ الْخُلْطَةُ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْخُلْطَةِ فَقِيلَ هِيَ مَعْرِفَتُهُ بِمُعَامَلَتِهِ وَمُدَايَنَتِهِ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ وَقِيلَ تَكْفِي الشُّبْهَةُ وَقِيلَ هِيَ أَنْ تَلِيقَ بِهِ الدَّعْوَى بِمِثْلِهَا عَلَى مِثْلِهِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ الشَّرْطِ فِي كتاب ولاسنة وَلَا إِجْمَاعٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه
٤ - (بَاب كَيْفَ الْيَمِينُ)
[٣٦٢٠] أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
(حَلَّفَهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ رَجُلٍ (احْلِفْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قَالَ فِي فَتْحِ الودود تغلظ اليمين بذكر بعض الصفات (ماله) أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي (يَعْنِي الْمُدَّعِي) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ في قوله ماله الْمُدَّعِي وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِلْمُدَّعِي
стр. 3249
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا
٥ - (بَاب إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَيَحْلِفُ)
[٣٦٢١] بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّحْلِيفِ
(فَجَحَدَنِي) أَيْ أَنْكَرَ عَلَيَّ (فَقَدَّمْتُهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ جِئْتُ به ورافعت أَمْرَهُ (قَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَحْلِفُ فِي الْخُصُومَاتِ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ (إِذًا) بِالتَّنْوِينِ هَكَذَا بِالتَّنْوِينِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ
قَالَ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ قَالَ سِيبَوَيْهِ مَعْنَاهَا الْجَوَابُ وَالْجَزَاءُ فَالْجَزَاءُ نَحْوَ أَنْ يُقَالَ آتِيكَ فَتَقُولُ إِذَنْ أُكْرِمُكَ أَيْ إِنْ أَتَيْتَنِي إِذَنْ أُكْرِمُكَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إله بما خلق الْآيَةَ
وَأَمَّا لَفْظُ إِذًا عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَيْهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّ نُونَهَا تُبْدَلُ أَلِفًا
وَقِيلَ يُوقَفُ بِالنُّونِ فَالْجُمْهُورُ يَكْتُبُونَهَا فِي الْوَقْفِ بِالْأَلِفِ وَكَذَا رُسِمَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْمَازِنِيُّ وَالْمُبَرِّدُ بِالنُّونِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا (يَحْلِفَ) بِالنَّصْبِ (بِمَالِي) أَيْ بِأَرْضِي (فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّ الَّذِينَ إِلَخْ)
قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُطَابِقُ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي قُلْتُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْأَشْعَثِ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَلِفُ فَإِنْ كَذَبَ فَعَلَيْهِ وَبَالُهُ وَثَانِيهِمَا لَعَلَّ الْآيَةَ تَذْكَارٌ لِلْيَهُودِيِّ بِمِثْلِهَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْوَعِيدِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ أَتَمَّ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
стр. 3250
٢٦ - (باب الرجل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)
[٣٦٢٢] (يُحَلَّفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّحْلِيفِ أَوْ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (عَلَى عِلْمِهِ) أَيْ عَلَى عِلْمِ الرَّجُلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمُطَابَقَتِهِ فالضمير المجرور يؤول إِلَى الرَّجُلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَيْ تَحْلِيفُهُ عَلَى عِلْمِهِ إِنَّمَا هُوَ (فِيمَا غَابَ) أَيْ فِي الْمُعَامَلَةِ الَّتِي غَابَتْ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الرَّجُلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَرْتَكِبْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِذَلِكَ بَلِ ارْتَكَبَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ عُومِلَتْ تِلْكَ الْمُعَامَلَةُ فِي غَيْبَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهَا بِحَقِيقَتِهَا فَحِينَئِذٍ لَا يُحَلِّفُهُ الْمُدَّعِي عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ بَلْ إِنَّمَا يُحَلِّفُهُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُدَّعِي احْلِفْ بِهَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي عَلَيَّ هُوَ مِلْكُهُ قَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَبِي أَوْ أَخِي مَثَلًا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا
(حَدَّثَنِي كُرْدُوسُ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَهُوَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (مِنْ كِنْدَةَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أبو قبيلة من اليمن (من حضرموت) بسكون الضَّادِ وَالْوَاوِ بَيْنَ فَتَحَاتٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ (فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ) نِسْبَةً إِلَى حَضْرَمَوْتَ (أَبُو هَذَا) أَيْ أَبُو هَذَا الرَّجُلِ الْكِنْدِيِّ (وَهِيَ أَيِ الْأَرْضُ (فِي يَدِهِ) أَيِ الْآنَ (ولكن أحلفه) بتشديد اللام (والله ما يعلم) قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَحْلُوفُ بِهِ أَيْ أُحَلِّفُهُ بِهَذَا وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ منصوبة المحل على المصدر أي أحلفه هذا الْحَلِفَ (أَنَّ أَرْضِي) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهَا أَرْضِي (فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا إِذَا طُلِبَتْ يَمِينُ الْعِلْمِ وَجَبَتْ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 3251
[٣٦٢٣] (إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي) أَيْ بِالْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي (عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي) أَيْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ (فِي يَدِي) أَيْ تَحْتَ تَصَرُّفِي (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْكِنْدِيِّ (فَلَكَ يَمِينُهُ) أَيْ يَمِينُ الْكِنْدِيِّ (قَالَ) أَيِ الْحَضْرَمِيُّ (إِنَّهُ) أَيِ الْكِنْدِيُّ (فَاجِرٌ) أَيْ كَاذِبٌ (لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِفَاجِرٍ (إِلَّا ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْيَمِينِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَبْرَأُ بِالْيَمِينِ مِنْ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَفِيهِ أَنَّ يَمِينَ الْفَاجِرِ كَيَمِينِ الْبَرِّ فِي الْحُكْمِ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْغَرِيمِ عَلَى غَرِيمِهِ الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيلُ وَلَا يَحِلُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْمُلَازَمَةِ وَلَا بِالْحَبْسِ
وَلَكِنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا يُخَصِّصُ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ عُمُومِ هَذَا النَّفْيِ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي جَوَازِ الْحَبْسِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ كَمَا سَيَجِيءُ بَعْدَ الْأَبْوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ الْخُصُومَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَيْرَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَحَدُهُمَا حَضْرَمِيٌّ وَالْآخَرُ كِنْدِيٌّ
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْأَشْعَثَ هُوَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ وَالْآخَرَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهَى
قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ
стр. 3252
٢٧ - (باب الذمي كيف يستحلف)
[٣٦٢٤] (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ سَأَلْتُكَ وَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ نَشَدَهُ نِشْدَةً وَنِشْدَانًا وَمُنَاشَدَةً (مَا تَجِدُونَ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ نَافِيَةٌ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ فِي الْحُدُودِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا
وَالرَّجُلُ مِنْ مُزَيْنَةَ مَجْهُولٌ
[٣٦٢٥] (وَيَعِيهِ) أَيْ يَحْفَظُهُ
[٣٦٢٦] (قَالَ لَهُ يَعْنِي لِابْنِ صُورِيَا) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودًا
وَأَصْلُ الْقِصَّةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وهو جالس في المسجد فقالوا ياأبا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَقَالَ ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَأَتَوْهُ بِابْنِ صوريا (أذكركم) من التذكير (قال) أي بن صُورِيَا (ذَكَّرْتَنِي) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ (أَنْ أَكْذِبَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ يَعْنِي فِيمَا ذكرته لي
стр. 3253
والحديث فيه دليل على جواز تغليظ الْيَمِينِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِيِّ بِمِثْلِ مَا قَالَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ أَرَادَ الِاخْتِصَارَ قَالَ قُلْ وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ
وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قَالَ وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ
([٣٦٢٧] بَابُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى حَقِّهِ)
أَيِ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى إِثْبَاتِ حَقِّهِ وَلَا يُضَيِّعُ مَالَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى أَحَدٍ بَلْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَوْ يَحْلِفُ كَمَا أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ التَّدَابِيرِ وَالْأَسْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(عَنْ بَحِيرِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ السَّادِسَةِ (قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ حَكَمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (لَمَّا أَدْبَرَ) أَيْ حِينَ تَوَلَّى وَرَجَعَ مِنْ مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ (حَسْبِيَ اللَّهُ) أَيْ هُوَ كَافِي فِي أُمُورِي (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أَيِ الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ فِي تَفْوِيضِ الْأُمُورِ وَقَدْ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِي أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ بَاطِلًا (يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ) أَيْ عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الْأُمُورِ
قَالَهُ القارىء
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ لَا يَرْضَى بالعجز والمراد بالعجز ها هنا ضِدُّ الْكَيْسِ (وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْمِ فِي الْأَسْبَابِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى بِالتَّقْصِيرِ وَلَكِنْ يَحْمَدُ عَلَى التَّيَقُّظِ وَالْحَزْمِ فَلَا تَكُنْ عَاجِزًا وَتَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ بَلْ كُنْ كَيِّسًا مُتَيَقِّظًا حَازِمًا (فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ إِلَخْ)
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الْكَيْسُ هُوَ التَّيَقُّظُ فِي الْأُمُورِ وَالِابْتِدَاءُ إِلَى التَّدْبِيرِ وَالْمَصْلَحَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَاسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي الْعَاقِبَةِ يَعْنِي كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَيَقَّظَ فِي مُعَامَلَتِكَ فَإِذَا غَلَبَكَ الْخَصْمُ قُلْتَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَأَمَّا ذِكْرُ حَسْبِيَ اللَّهُ بِلَا تَيَقُّظٍ كَمَا فَعَلْتَ فَهُوَ مِنَ الضَّعْفِ فَلَا
стр. 3254
يَنْبَغِي انْتَهَى
وَلَعَلَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَدَّاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَعَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ على التقصير في الإشهاد قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى
قُلْتُ لَمْ يُخَرِّجْهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ بَلْ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
قَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ سَيْفٍ الشَّامِيِّ وَلَمْ يُنْسَبْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْقَضَاءِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ وَمُوسَى بْنِ مَرْوَانَ الرَّقِّيِّ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ
٩ - (باب في الدين هل يحبس به)
[٣٦٢٨] (لَيُّ الْوَاجِدِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَالْوَاجِدُ بِالْجِيمِ أَيْ مَطْلُ الْقَادِرِ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ (يُحِلُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ (عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْمَعْنَى إِذَا مَطَلَ الْغَنِيُّ عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ يُحِلُّ لِلدَّائِنِ أَنْ يُغَلِّظَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ وَيُشَدِّدَ فِي هَتْكِ عِرْضِهِ وَحُرْمَتِهِ وَكَذَا لِلْقَاضِي التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ وَحَبْسُهُ تَأْدِيبًا لَهُ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ وَالظُّلْمُ حَرَامٌ وَإِنْ قَلَّ والله تعالى أعلم (قال بن الْمُبَارَكِ يُحِلُّ عِرْضَهُ) أَيْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا اللَّفْظِ (يُغَلَّظُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّغْلِيظِ (لَهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَيْهِ (وَعُقُوبَتَهُ) أَيْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا اللَّفْظِ (يُحْبَسُ لَهُ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المعسر لاحبس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ حَبْسَهُ إِذَا كَانَ وَاجِدًا وَالْمُعْدَمُ غَيْرُ وَاجِدٍ فَلَا حَبْسَ عَلَيْهِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَكَانَ شُرَيْحٌ يَرَى حَبْسَ الْمَلِيِّ وَالْمُعْدَمِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ
وَقَالَ مَالِكٌ لَا حَبْسَ عَلَى مُعْسِرٍ إِنَّمَا حَظُّهُ الْإِنْظَارُ
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ كَانَ ظَاهِرَ حَالِهِ الْعُسْرُ فَلَا يُحْبَسُ وَمَنْ كَانَ ظَاهِرَهُ الْيَسَارُ حُبِسَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ انْتَهَى
стр. 3255
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
[٣٦٢٩] (أَخْبَرَنَا هِرْمَاسُ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (رَجُلٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ هِرْمَاسُ (عَنْ جَدِّهِ) لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (بِغَرِيمٍ) أَيْ مَدْيُونٍ (فَقَالَ لِي الْزَمْهُ) بِفَتْحِ الزَّايِ
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُلَازَمَةِ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ
قَالَ فِي النَّيْلِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ وَجْهَيِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا إِنَّهُ يَسِيرُ حَيْثُ سَارَ وَيَجْلِسُ حَيْثُ جَلَسَ غَيْرَ مَانِعٍ لَهُ مِنَ الِاكْتِسَابِ وَيَدْخُلُ مَعَهُ دَارَهُ
وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ الْغَرِيمَ إِذَا طَلَبَ مُلَازَمَةَ غَرِيمِهِ حَتَّى يُحْضِرَ بِبَيِّنَتِهُ الْقَرِيبَةِ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ ذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الْبَعِيدَةِ
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُلَازَمَةَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا بَلْ إِذَا قَالَ لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ قَالَ الْحَاكِمُ لَكَ يَمِينُهُ أَوْ أَخِّرْهُ حَتَّى تُحْضِرَ بَيِّنَتَكَ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْزَمْ غَرِيمَكَ بِمُرَاقَبَتِكَ لَهُ بِالنَّظَرِ مِنْ بُعْدٍ وَلَعَلَّ الِاعْتِذَارَ عَنِ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الْمُتَعَسِّفِ (مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ) وَزَادَ بن مَاجَهْ ثُمَّ مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ ما فعل أسيرك ياأخي بَنِي تَمِيمٍ وَسَمَّاهُ أَسِيرًا بِاعْتِبَارِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْمَذَلَّةِ بِالْمُلَازَمَةِ لَهُ وَكَثْرَةِ تَذَلُّلِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ وَكَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِالشَّفَاعَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن ماجه
ووقع في كتاب بن مَاجَهْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلَى الصَّوَابِ
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِيهِ عن جده
وقال بن أَبِي حَاتِمٍ هِرْمَاسُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنْبَرِيُّ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنْبَرِيِّ فَقَالَا لَا نَعْرِفُهُ وَقَالَ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ فَقَالَ هُوَ شَيْخٌ أَعْرَابِيٌّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَلَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَلَا جَدُّهُ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَبِيبٌ التَّمِيمِيُّ الْعَنْبَرِيُّ وَالِدُ هِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْقَضَاءِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَسَدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ هِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَسَقَطَ مِنْ كِتَابِ الْخَطِيبِ أَيْ نُسْخَةٍ مِنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ جَدِّهِ وَلَا بُدَّ منه وأخرجه بن مَاجَهْ فِي الْأَحْكَامِ انْتَهَى
стр. 3256
[٣٦٣٠] حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ) أَيْ فِي أَدَاءِ شَهَادَةٍ بِأَنْ كَذَبَ فِيهَا أَوْ بِأَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَنْبًا أَوْ دَيْنًا فَحَبَسَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ صِدْقَ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ لَمَّا لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ خَلَّى عَنْهُ قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَزَادَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ
وَجَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ انْتَهَى
وَفِي أُسْدِ الْغَابَةِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ غَزَا خُرَاسَانَ وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ
وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَقَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِذَا كَانَ مَنْ دُونَ بَهْزٍ ثِقَةً انتهى
[٣٦٣١] (إسماعيل) هو بن عُلَيَّةَ (عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ) بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) حَكِيمٍ (عَنْ جَدِّهِ) مُعَاوِيَةَ (إِنَّ أَخَاهُ) أَيْ أَخَا مُعَاوِيَةَ (أَوْ عَمَّهُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ إِنَّهُ) أَيْ مُعَاوِيَةَ (جِيرَانِي) جَمْعُ جَارٍ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ أَخَذُوا (بِمَا أَخَذُوا) عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ أَصْحَابُكَ جِيرَانِي وَقَوْمِي وَحَبَسُوهُمْ أَوْ قَوْلُهُ بِمَا أُخِذُوا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَجِيرَانِي مَفْعُولٌ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ (فَأَعْرَضَ) النَّبِيُّ ﷺ (ثُمَّ ذَكَرَ) أَيْ مُعَاوِيَةُ (شَيْئًا) أَيْ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ تَأَدُّبًا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَمَا سَيَجِيءُ (خَلُّوا) أَمْرٌ مِنْ خَلَّى يُخَلِّي مِنَ التَّفْعِيلِ يُقَالُ خَلَّى عَنْهُ أَيْ تَرَكَهُ (لَهُ) أَيْ لِمُعَاوِيَةَ (عَنْ جِيرَانِهِ) أَيِ اتْرُكُوا جِيرَانَهُ وَأَخْرِجُوهَا مِنَ الْحَبْسِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَبَاهُ أَوْ عَمَّهُ قَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ جِيرَانِي بِمَ أُخِذُوا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَ أُخِذُوا فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالَ لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُمْ لَيَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْغَيِّ وَتَسْتَخْلِي
стр. 3257
بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قال فقام أخوه أو بن أخيه فقال يارسول اللَّهِ إِنَّهُ قَالَ فَقَالَ لَقَدْ قُلْتُمُوهَا أَوْ قَائِلُكُمْ وَلَئِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِنَّهُ لَعَلَيَّ وَمَا هُوَ عَلَيْكُمْ خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنْ قَوْمِي فِي تُهْمَةٍ فَحَبَسَهُمُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فقال يامحمد عَلَامَ تَحْبِسُ جِيرَانِي فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّ نَاسًا لَيَقُولُونَ إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَتَسْتَخْلِي بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَقُولُ قَالَ فَجَعَلْتُ أُعَرِّضُ بَيْنَهُمَا بِالْكَلَامِ مَخَافَةَ أَنْ يَسْمَعَهَا فَيَدْعُوَ عَلَى قَوْمِي دَعْوَةً لَا يُفْلِحُونَ بَعْدَهَا أَبَدًا فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ حَتَّى فَهِمَهَا فَقَالَ قَدْ قَالُوهَا أَوْ قَائِلُهَا مِنْهُمْ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَكَانَ عَلَيَّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ انْتَهَى
وَقَوْلُهُ تَسْتَخْلِي بِهِ أَيْ تَنْفَرِدُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا اللَّفْظَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
([٣٦٣٢] بَابٌ فِي الْوَكَالَةِ)
بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ إِقَامَةُ الشَّخْصِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا
(فَإِنِ ابْتَغَى) أَيْ طَلَبَ (آيَةً) أَيْ عَلَامَةً (فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَفِي اللُّمَعَاتِ مُقَدَّمُ الْحَلْقِ فِي أَعْلَى الصَّدْرِ حَيْثُمَا يَرْقَى فِيهِ النَّفَسُ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ عَلَامَةٍ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَمُوَكِّلِهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُمَا لِيَعْتَمِدَ الْوَكِيلُ عَلَيْهَا فِي الدَّفْعِ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ مِنَ الْكِتَابِ فَقَدْ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ يُحْسِنُهَا وَلِأَنَّ الْخَطَّ يَشْتَبِهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بن يسار
стр. 3258
٣١ - (باب في الْقَضَاءِ)
[٣٦٣٣] (إِذَا تَدَارَأْتُمْ) أَيْ تَنَازَعْتُمْ (فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَدِلِ وَقِيلَ الْمُرَادُ ذِرَاعُ الْبُنْيَانِ الْمُتَعَارَفُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا قَدْرُ الطَّرِيقِ فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُلُ بَعْضَ أَرْضِهِ الْمَمْلُوكَةِ طَرِيقًا مُسَبَّلَةً لِلْمَارِّينَ فَقَدْرُهَا إِلَى خِيرَتِهِ وَالْأَفْضَلُ تَوْسِيعُهَا وَلَيْسَ هَذِهِ الصُّورَةُ مُرَادَةَ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ بَيْنَ أَرْضٍ لِقَوْمٍ وَأَرَادُوا إِحْيَاءَهَا فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فذاك وإن اختلفوا في قدره جعل سبع أَذْرُعٍ وَهَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ
أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرِيقًا مَسْلُوكًا وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ لَكِنْ لَهُ عُمَارَةُ مَا حَوَالَيْهِ مِنَ الْمَوَاتِ وَيَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْمَارِّينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَذَكَرَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ خَتَنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٣٦٣٤] (أَنْ يَغْرِزَ) بِكَسْرِ الراء أي يضع (فنكسوا) أي طأطأوا رؤوسهم وَالْمُرَادُ الْمُخَاطَبُونَ وَهَذَا قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيَّامَ إِمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَخْلِفُهُ فِيهَا قَالَهُ فِي السُّبُلِ (فَقَالَ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (قَدْ أَعْرَضْتُمْ) أَيْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ (لَأُلْقِيَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ (بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) بِالتَّاءِ جَمْعُ كَتِفٍ
стр. 3259
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَيْ لَأَصْرُخَنَّ بِالْمَقَالَةِ فِيكُمْ وَلَأُوجِعَنَّكُمْ بِالتَّقْرِيعِ بِهَا كَمَا يُضْرَبُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِيَسْتَيْقِظَ مِنْ غَفْلَتِهِ أَوِ الضَّمِيرُ أَيْ في قوله بها للخشية وَالْمَعْنَى إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لَأَجْعَلَنَّ الْخَشَبَةَ عَلَى رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ وَقَصَدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِلْزَامِهِمْ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَيْ لَا أَقُولُ الْخَشَبَةَ تُرْمَى عَلَى الْجِدَارِ بَلْ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ لِمَا وَصَّى رسول الله بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ فِي حَقِّ الْجَارِ وَحَمْلِ أَثْقَالِهِ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ عَلَى النَّدْبِ إِلَى تَمْكِينِ الْجَارِ وَوَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ دَارِهِ أَمْ عَلَى الْإِيجَابِ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَصَحُّهُمَا النَّدْبُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّانِي الْإِيجَابُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَهُوَ الظاهر لقول أبي هريرة بعد روايته مالي أَرَاكُمْ إِلَخْ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٦٣٥] (مَنْ ضَارَّ) أَيْ مُسْلِمًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِمٍ جَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مَضَرَّةً فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ) أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ (وَمَنْ شَاقَّ) أَيْ مُسْلِمًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ
وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا (شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الضِّرَارِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَارِ وَغَيْرِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَأَبُو صِرْمَةَ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ شَهِدَ بَدْرًا وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ ويقال بن أَبِي أُنَيْسٍ وَيُقَالُ قَيْسُ بْنُ مَالِكٍ وَقِيلَ مَالِكُ بْنُ أَسْعَدَ وَقِيلَ لُبَابَةُ بْنُ قَيْسٍ أَنْصَارِيٌّ نَجَّارِيٌّ
[٣٦٣٦] (سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِالْبَاقِرِ (أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ
стр. 3260
قَالَ الْخَطَّابِيُّ عَضُدٌ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَإِنَّمَا هُوَ عَضِيدٌ يُرِيدُ نَخْلًا لَمْ تسبق وَلَمْ تَطُلْ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ إِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذْعٌ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ الْمُتَنَاوِلُ فَتِلْكَ النَّخْلَةُ الْعَضِيدَةُ وَجَمْعُهُ عَضِيدَاتٌ
وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ قَلَعَ نَخْلَهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَرْدَعَهُ عَنِ الْإِضْرَارِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ أَرَادَ بِهِ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ كَثِيرَةٌ لَمْ يَأْمُرِ الْأَنْصَارِيَّ بِقَطْعِهَا لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ مِنْ دُخُولِهِ
وَأَيْضًا إِفْرَادُ ضَمِيرٍ يُنَاقِلُهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَاحِدًا فَالْوَجْهُ مَا قِيلَ الصَّحِيحُ عَضِيدٌ وَهِيَ نَخْلَةٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهَا بِالْيَدِ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ أَرَادَ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ وَقِيلَ إِنَّمَا هُوَ عَضِيدٌ مِنْ نخل وإذا صار للنخلة جذع يتناول منه فَهُوَ عَضِيدٌ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ قَالُوا للطريقة من النخل عضيد لأنها مشاطرة فِي جِهَةٍ وَقِيلَ إِفْرَادُ الضَّمَائِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَرْدُ نَخْلٍ وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ لَمْ يَأْمُرْهُ لِكَثْرَةِ الضَّرَرِ وَاعْتُذِرَ بِأَنَّ إِفْرَادَهَا لِإِفْرَادِ اللَّفْظِ انْتَهَى
وَفِي الْقَامُوسِ الْعَضُدُ وَالْعَضِيدَةُ الطَّرِيقَةُ مِنَ النَّخْلِ وَفِيهِ وَالطَّرِيقَةُ النَّخْلَةُ الطَّوِيلَةُ (فَيَتَأَذَّى) أَيِ الرَّجُلُ (فَطَلَبَ إِلَيْهِ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلرَّجُلِ وَالْمَجْرُورُ لِسَمُرَةَ (أَنْ يُنَاقِلَهُ) أَيْ يُبَادِلَهُ بِنَخِيلٍ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ (وَلَكَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ مِنَ الْأَجْرِ (أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَمْرٌ بِالرَّفْعِ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَيْ قَوْلُهُ فَهَبْهُ لَهُ أَمْرٌ عَلَى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ وَالشَّفَاعَةِ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوْ حَالٌ أَيْ قَالَ آمِرًا مُرَغِّبًا فِيهِ انْتَهَى (أَنْتَ مُضَارٌّ) أَيْ تُرِيدُ إِضْرَارَ النَّاسِ وَمَنْ يُرِدْ إِضْرَارَ النَّاسِ جَازَ دَفْعُ ضَرَرِهِ وَدَفْعُ ضَرَرِكَ أَيْ تُقْطَعُ شَجَرُكَ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي سَمَاعِ الْبَاقِرِ مِنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ نَظَرٌ فَقَدْ نُقِلَ مِنْ مَوْلِدِهِ وَوَفَاةِ سَمُرَةَ مَا يَتَعَذَّرُ معه سماعا مِنْهُ وَقِيلَ فِيهِ مَا يُمْكِنُ مَعَهُ السَّمَاعُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
следующие страницы →