Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ
وَالدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ يُشِيرُ إِلَى حِرْصِ النَّفْسِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَحُصُولِ الْمَهَانَةِ وَالْمَذَلَّةِ
فَالْخُلُقُ الْحَسَنُ هُوَ الِاعْتِدَالُ بَيْنَ الْخُلُقَيْنِ الْمَذْمُومَيْنِ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ دَخَلَ سَارِقًا لِدُخُولِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْبَيْتِ فَكَأَنَّهُ دَخَلَ خُفْيَةً وَخَرَجَ مُغِيرًا مِنَ الْإِغَارَةِ إِنْ أَكَلَ أَوْ حَمَلَ شَيْئًا مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ كَانَ فِي حُكْمِ الْغَصْبِ وَالْغَارَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَانُ بْنُ طَارِقٍ الْبَصْرِيُّ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فَقَالَ شَيْخٌ مَجْهُولٌ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبَانُ بْنُ طَارِقٍ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْكَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ
وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَيُقَالُ هُوَ دُرُسْتُ بْنُ هَمْزَةَ وَقِيلَ بَلْ هُمَا اثْنَانِ ضَعِيفَانِ [٣٧٤٢] شَرُّ
الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْوَلِيمَةِ
قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذُكِرَ عَقِيبَهُ فَإِنَّهُ الْغَالِبُ فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا هَذَا فَاللَّفْظُ وَإِنْ أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدُ بِمَا ذُكِرَ عَقِيبَهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ اللَّامُ فِي الْوَلِيمَةِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ مُرَاعَاةُ الْأَغْنِيَاءِ فِيهَا فَيَدْعُوا الْأَغْنِيَاءَ وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاءَ
وَقَوْلُهُ يُدْعَى إِلَخْ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِكَوْنِهَا شَرَّ الطَّعَامِ (وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مَعْذِرَةٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مَوْقُوفًا أَيْضًا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ من حديث بن عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى
قُلْتُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ عِيَاضٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ انْتَهَى
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا حُكِمَ بِرَفْعِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3362
٢ - (بَاب فِي اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ عِنْدَ النِّكَاحِ)
[٣٧٤٣] قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِهَا هَلْ هُوَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عَقِبَهُ أَوْ عِنْدَ الدُّخُولِ أَوْ عَقِبَهُ أَوْ يُوَسَّعُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ إِلَى انْتِهَاءِ الدُّخُولِ عَلَى أَقْوَالٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفُوا فَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِحْبَابُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عِنْدَ العقد وعن بن جُنْدُبٍ عِنْدَ الْعَقْدِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ
قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ انْتَهَى
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ لِقَوْلِهِ أَصْبَحَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَدَعَا الْقَوْمَ كَذَا فِي النَّيْلِ
قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ
(قَالَ ذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَقَالَ) أَيْ أَنَسٌ (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أو لم عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا) أَيْ زَيْنَبَ يَعْنِي مِثْلَ مَا أَوْ قَدْرَ مَا أَوْلَمَ وَمَا إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَالْمَعْنَى أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ أَكْثَرَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى نِسَائِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ إِذْ زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بِالْوَحْيِ كَمَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ وَقَعَ اتفاقا لا قصدا كما قاله بن بَطَّالٍ أَوْ لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ (أَوْلَمَ بِشَاةٍ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٧٤٤] (أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِالْحَيْسِ الْمُتَّخَذِ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَجُمِعَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْوَلِيمَةِ كِلَاهُمَا فَأَخْبَرَ كُلُّ رَاوٍ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ
стр. 3363
٣ - (بَاب فِي كَمْ تُسْتَحَبُّ الْوَلِيمَةُ أَيْ فِي كَمْ يَوْمًا)
[٣٧٤٥] يُسْتَحَبُّ الْوَلِيمَةُ
(يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفًا) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُدْعَى بِاسْمِ مَعْرُوفٍ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَلِذَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا
قَالَ السِّنْدِيُّ قَوْلُهُ مَعْرُوفًا الظَّاهِرُ الرَّفْعُ أَيْ يُقَالُ فِي شَأْنِهِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ
انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ زُهَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ وَعَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا تَصِحُّ صُحْبَتُهُ انْتَهَى
وَفِي التَّقْرِيبِ زُهَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ فِي الْوَلِيمَةِ انْتَهَى (الْوَلِيمَةُ أَوَّلُ يَوْمٍ حَقٌّ) أَيْ ثَابِتٌ وَلَازِمٌ فِعْلُهُ وَإِجَابَتُهُ أَوْ وَاجِبٌ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فإنها في معنى الواجب قاله القارىء (وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ) أَيِ الْوَلِيمَةُ الْيَوْمُ الثَّانِي مَعْرُوفٌ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ (وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ سُمْعَةٌ) بِضَمِّ السِّينِ (وَرِيَاءٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لِيُسْمِعَ النَّاسَ وَلِيُرَائِيَهُمْ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَلِيمَةِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ مِنْ مُتَمَسِّكَاتِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وَعَدَمُ كَرَاهَتِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَكَرَاهَتُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا (دُعِيَ أَوَّلَ يَوْمٍ فَأَجَابَ) لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ (وَدُعِيَ الْيَوْمَ الثَّانِي فَأَجَابَ) لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ الْيَوْمَ الثَّانِي مَعْرُوفٌ وَسُنَّةٌ (وَقَالَ أَهْلُ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ الدَّاعُونَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَهْلُ سُمْعَةٍ ورياء
стр. 3364
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا
[٣٧٤٦] (فَلَمْ يُجِبْ وَحَصَّبَ الرَّسُولَ) أَيْ رَمَاهُ بِالْحَصَى
قَالَ السندي أي رجمه بالحصباء
وأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَنْصَارِ دَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُمَا فَكَانَ أُبَيٌّ صَائِمًا فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيٌّ
وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَالَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدَّعْوَةِ إِلَى سَبْعَةِ أَيَّامِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْهُمْ
وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْمَذْهَبِ فَقَالَ بَابُ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ انْتَهَى كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ وَجَدْنَا لِحَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ شَوَاهِدَ فَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارِمِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ قَتَادَةُ بَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ دُعِيَ أَوَّلَ يَوْمٍ إِلَخْ قَالَ فَكَأَنَّهُ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ فَعَمِلَ بِظَاهِرِهِ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُ لِزُهَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ غَيْرَ هَذَا
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ يُقَالُ إِنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ فِي تَرْجَمَةِ زُهَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ وَقَالَ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ صُحْبَةً
وقال بن عُمَرَ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيُجِبْ وَلَمْ يَخُصَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا غَيْرَهَا وَهَذَا أصح
وقال بن سِيرِينَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا بَنَى بِأَهْلِهِ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَدَعَى فِي ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ كعب فأجابه
стр. 3365
٤ - (بَاب الْإِطْعَامِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ)
[٣٧٤٧] (لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا) الْجَزُورُ الْبَعِيرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَاللَّفْظُ مُؤَنَّثٌ (أَوْ بَقَرَةً) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّعْوَةِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ وَيُقَالُ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ النَّقِيعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّقْعِ وَهُوَ الْغُبَارُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
([٣٧٤٨] بَاب مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَةِ)
(فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) الضَّيْفُ الْقَادِمُ مِنَ السَّفَرِ النَّازِلُ عِنْدَ الْمُقِيمِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (جَائِزَتُهُ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ رُوِي جَائِزَتُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَبِالنَّصْبِ عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ أَيْ يُكْرِمُ جَائِزَتَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يُضَافُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مَا اتَّسَعَ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ وَيُقَدَّمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا حَضَرَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَتُسَمَّى الْجِيزَةُ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ (وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ) أَيْ مَعْرُوفٌ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِلَّا فَلَا (وَلَا يَحِلُّ لَهُ) أَيْ لِلضَّيْفِ (أَنْ يَثْوِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مِنَ الثَّوَاءِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ أَيْ لَا يَحِلُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ مُضِيفِهِ (حَتَّى يُحَرِّجَهُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يُضَيِّقَ صَدْرَهُ وَيُوقِعَهُ فِي الْحَرَجِ وَالْمَفْهُومُ مِنَ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ حَيْثُ قَالَ وَالْإِحْرَاجُ التَّضْيِيقُ عَلَى الْمُضِيفِ بِأَنْ يُطِيلَ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُ حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِ
стр. 3366
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَقَالَ يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ وَيَحْفَظُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِيهَا لِلْعُلَمَاءِ تَأْوِيلَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ وَيَكْفِيهِ فِي سَفَرِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ يَسْتَقْبِلُهَا بَعْدَ ضِيَافَتِهِ وَالثَّانِي جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ إِذَا اجْتَازَ بِهِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إِذَا قَصَدَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (فَقَالَ يُكْرِمُهُ) قِيلَ إِكْرَامُهُ تَلَقِّيهِ بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَتَعْجِيلِ قِرَاهُ وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ فِي خِدْمَتِهِ (وَيُتْحِفُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَالتُّحْفَةُ بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ أَيْضًا الْبِرُّ وَاللُّطْفُ وَجَمْعُهُ تُحَفٌ وَقَدْ أَتْحَفْتُهُ تُحْفَةً وَأَصْلُهَا وُحْفَةٌ
كَذَا فِي الْقَامُوسِ (وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ) وَاخْتَلَفُوا هَلِ الثلاث غير الأول أو يعد منها وقد بسط الكلام فيه الحافظ بن حجر في الفتح من شاء الاطلاع فليراجع إِلَيْهِ
[٣٧٤٩] (فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ) اسْتُدِلَّ بِجَعْلِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ صَدَقَةً عَلَى الَّذِي قَبْلَهَا وَاجِبٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ صَدَقَةً التَّنْفِيرُ عَنْهُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ خُصُوصًا الْأَغْنِيَاءَ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٧٥٠] (لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (فَمَنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَمْدُودًا وَهُوَ الْمُتَّسَعُ أَمَامَ الدَّارِ وَقِيلَ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ جَمْعُهُ أَفْنِيَةٌ أَيْ فَالَّذِي أَصْبَحَ الضَّيْفُ بِفِنَائِهِ (فَهُوَ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إلى
стр. 3367
مَنْ وَهُوَ صَاحِبُ الدَّارِ وَضَمِيرُ هُوَ يَرْجِعُ إِلَى قِرَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْمَقَامِ (إِنْ شَاءَ) أَيِ الضَّيْفُ (اقْتَضَى) أَيْ طَلَبَ حَقَّهُ
قَالَ السُّيُوطِيُّ أَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَتِ الضِّيَافَةُ وَاجِبَةً وَقَدْ نُسِخَ وُجُوبُهَا وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ بِالْبَابِ الَّذِي عَقَدَهُ بَعْدَ هَذَا
انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَآهَا حَقًّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْرُوفِ وَالْعَادَةِ الْمَحْمُودَةِ وَلَمْ يَزَلْ قِرَى الضَّيْفُ وَحُسْنُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ وَعَادَاتِ الصَّالِحِينَ وَمَنْعُ الْقِرَى مَذْمُومٌ عَلَى الْأَلْسُنِ وَصَاحِبُهُ مَلُومٌ وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٧٥١] (حَدَّثَنِي أَبُو الْجُودِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ ثِقَةٌ (أَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا) أَيْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ ضَيْفًا
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَضَافَ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ (فَأَصْبَحَ) أَيْ صَارَ (الضَّيْفُ مَحْرُومًا) الضَّيْفُ مُظْهَرٌ أُقِيمَ مُقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي ضَافَ قَوْمًا يَسْتَحِقُّ لِذَاتِهِ أَنْ يُقْرَى فَمَنْ مَنَعَ حَقَّهُ فَقَدْ ظَلَمَهُ فَحُقَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَصْرُهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَةٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ بِقَدْرِ أَنْ يَصْرِفَ فِي ضِيَافَتِهِ فِي لَيْلَةٍ فِي الْمِصْبَاحِ قَرَيْتُ الضيف أقريه من باب رمى قرا بالكسر والقصر والاسم القراه بالفتح والمد انتهى
وفي مجمع البحار قرا بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورًا مَا يُصْنَعُ لِلضَّيْفِ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ
وَالْقَرَاءُ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْقَافِ طَعَامٌ تُضِيفُهُ بِهِ انْتَهَى (مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ مَعَ ذِكْرِ الْقَوْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ أَوِ الْمُضِيفِ وَهُوَ وَاحِدٌ
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْمُضْطَرِّ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يَطْعَمُهُ وَيَخَافُ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْجُوعِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَلْزَمُ لَهُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَيْهِ قِيمَتَهُ وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَلْزَمُهُ لَهُ قِيمَةٌ وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا
стр. 3368
بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَلَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ فِيهَا عَبْدٌ يَرْعَاهَا وَصَاحِبُهَا غَائِبٌ فَشَرِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ فِي مَخْرَجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلى المدينة
واحتجوا أيضا بحديث بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ وَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ خُبْنَةً
وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِالْإِبِلِ وَهُوَ عَطْشَانُ صَاحَ بِرَبِّ الْإِبِلِ ثَلَاثًا فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا حَلَبَ وَشَرِبَ
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ذَكَرُوا الرَّجُلَ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَإِلَى مَالِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ يَأْكُلُ الرَّجُلُ مَالَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ سَعِيدٌ مَا أُحِبُّ أَنَّ الْمَيْتَةَ تَحِلُّ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَالُ الْمُسْلِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُهَاجِرِ سَمِعَ الْمِقْدَامَ انْتَهَى
[٣٧٥٢] (إِنَّكَ تَبْعَثُنَا) أَيْ وَفْدًا أَوْ غُزَاةً (فَلَا يَقْرُونَنَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ لَا يُضَيِّفُونَنَا (فَمَا تَرَى) مِنَ الرَّأْيِ أَيْ فَمَا تَقُولُ فِي أَمْرِنَا (بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ) أَيْ مِنَ الْإِكْرَامِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَا يَلْتَحِقُ بِهِمَا (فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) أَيْ لِلضَّيْفِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلْحَقِّ قَالَ النَّوَوِيُّ حَمَلَ أَحْمَدُ وَاللَّيْثُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوِهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ وَثَانِيهَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِهِمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ لَوْمَهُمْ قُلْتُ وَمَا أَبْعَدَ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ قَالَ وَثَالِثُهَا أَنَّ هَذَا التأويل باطل لأن الذي ادعاه المأول لَا يُعْرَفُ قَائِلُهُ وَرَابِعُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَرَّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ
وَلِبُطْلَانِ التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَخْصِيصَ مَا شَرَعَهُ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِزَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ أَوْ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا يقبل إلا بدليل ولم يقم ها هنا دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ هَذَا الْحُكْمِ بِزَمَنِ النُّبُوَّةِ وليس فيه
стр. 3369
مُخَالَفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الضِّيَافَةِ بَعْدَ شِرْعَتِهَا قَدْ صَارَتْ لَازِمَةً لِلْمُضِيفِ لِكُلِّ نَازِلٍ عَلَيْهِ فَلِلنَّازِلِ الْمُطَالَبَةُ بِهَذَا الْحَقِّ الثَّابِتِ شَرْعًا كَالْمُطَالَبَةِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِذَا أَسَاءَ إِلَيْهِ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ بِإِهْمَالِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ مُكَافَأَتُهُ بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
وَاعْلَمْ أَنَّ الضِّيَافَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
لَكِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى وُجُوبِهَا لِأُمُورٍ الْأَوَّلُ إِبَاحَةُ الْعُقُوبَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ وَالثَّانِي قَوْلُهُ فَمَا سِوَى ذَلِكَ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ صَدَقَةٍ بَلْ وَاجِبٌ شَرْعًا وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ ﷺ لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَفِي رِوَايَةٍ لَيْلَةُ الضِّيَافَةِ وَاجِبَةٌ فَهَذَا التَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقُّ كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّ هَذَا وُجُوبُ النُّصْرَةِ وَذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الضِّيَافَةِ وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ تُقَوِّي مَذْهَبَ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَكَانَتْ أَحَادِيثُ الضِّيَافَةِ مُخَصِّصَةً لِأَحَادِيثِ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ إِلَّا بِطِيبَةِ الْأَنْفُسِ وَالتَّفْصِيلُ فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه وأخرجه الترمذي من حديث بن لهيعة وقال حسن
([٣٧٥٣] باب نسخ الضيف)
أَيْ نَسْخُ حُرْمَةِ الضِّيَافَةِ فَإِنَّ الضَّيْفَ كَمَا جَاءَ صِفَةً جَاءَ مَصْدَرًا أَيْضًا
قَالَ فِي الْقَامُوسِ ضِفْتُهُ أَضِيفُهُ ضَيْفًا وَضِيَافَةً بِالْكَسْرِ نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا (فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ) أَيْ هَذَا الْبَابُ مُنْعَقِدٌ لِإِثْبَاتِ أَنَّ الضِّيَافَةَ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ الَّتِي كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِآيَةِ النِّسَاءِ الْآتِي ذِكْرُهَا قَدْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ النُّورِ وَاعْلَمْ أَنَّهَا هُنَا أَرْبَعَةُ نُسَخٍ أَحَدُهَا هِيَ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا وَالثَّانِيَةُ باب نسخ الضيف يأكل من مال غيره وَهَذِهِ النُّسْخَةُ وَالنُّسْخَةُ الْأُولَى مُتَقَارِبَانِ وَالثَّالِثَةُ بَابُ مَا جَاءَ فِي نَسْخِ الضَّيْفِ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إِلَّا بِتِجَارَةٍ وَهَكَذَا فِي نسخة الخطابي من رواية بن دَاسَةَ فَقَوْلُهُ فِي نَسْخِ الضَّيْفِ أَيْ فِي نَسْخِ حُرْمَةِ الضِّيَافَةِ وَقَوْلُهُ إِلَّا بِتِجَارَةٍ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي النُّسْخَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لَكِنَّهَا مُرَادَةٌ بِلَا شُبْهَةٍ فَالنُّسَخُ الثَّلَاثُ فِي الْمَالِ وَاحِدٍ وَالنُّسْخَةُ الرَّابِعَةُ بَابُ نَسْخِ الضِّيقِ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ بِالضِّيقِ الْحُرْمَةُ لِأَنَّهَا سَبَبُ الضِّيقِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ كَمَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ سَعَةٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ السَّعَةِ عَلَيْهِمْ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَعَمُّ مِنَ النُّسَخِ الثَّلَاثِ
стр. 3370
السَّابِقَةِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالضِّيَافَةِ بِخِلَافِ النُّسَخِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ فِي جَمِيعِهَا مُقَيَّدَةٌ بِالضِّيَافَةِ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الَّتِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا حَدِيثُ الْبَابِ انْطِبَاقًا تَامًّا بِخِلَافِ سَائِرِ النُّسَخِ السَّابِقَةِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَوْلَى النُّسَخِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا
كَذَا أَفَادَ بَعْضُ الْأَمَاجِدِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَعَاظِمِ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَابُ نَسْخِ الضَّيْفِ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَفِيهِ حَذْفُ الْمُضَافِ وَهُوَ الْحُكْمُ فَحَقُّ الْعِبَارَةِ بَابُ نَسْخِ حُكْمِ الضَّيْفِ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَنْعُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تراض منكم لأن الآية عند بن عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ فَالتِّجَارَةُ بِالتَّرَاضِي هِيَ الصُّورَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهَا خَاصَّةً لَا غَيْرَهَا فَدَخَلَ فِي الْأَكْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَكْلُ الضَّيْفِ وَالْغَنِيِّ مِنْ بُيُوتِ الْغَيْرِ مِنْ دُونِ التِّجَارَةِ فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا عَلَى أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إِلَى قَوْلِهِ أَشْتَاتًا فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا تِجَارَةٌ
هَذَا إِنْ صَحَّ هَذِهِ النُّسْخَةُ وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ تصحيف مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ وَالصَّحِيحُ بَابُ نَسْخِ الضِّيقِ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ والله أعلم انتهى
(قال) بن عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي فِي النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بينكم بالباطل يَعْنِي بِالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ وَنَهَى عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ الْبَاطِلِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَالِ الْأَكْلُ
وَقِيلَ يَدْخُلُ فِيهِ أَكْلُ مَالِ نَفْسِهِ بِالْبَاطِلِ وَمَالِ غَيْرِهِ
أَمَّا أَكْلُ مَالِهِ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ إِنْفَاقُهُ فِي الْمَعَاصِي وَأَمَّا أَكْلُ مَالِ غَيْرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَقِيلَ يَدْخُلُ فِي أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ جَمِيعُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ قَالَهُ الْخَازِنُ
قال السيوطي في الدر المنثور أخرج بن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن بن مسعود في قوله يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ مَا نُسِخَتْ وَلَا تُنْسَخُ إلى يوم القيامة
وأخرج بن جرير وبن حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي الْآيَةِ قَالَ أَمَّا أكلهم أموالهم بينهم بالباطل فالزنى وَالْقِمَارُ وَالْبَخْسُ وَالظُّلْمُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً فليرب الدرهم ألفا إن استطاع وأخرج بن جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ فِي الْآيَةِ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ
стр. 3371
أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي النُّورِ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تأكلوا من بيوتكم الْآيَةَ انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ
وَفِي الْخَازِنِ قِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ قَالُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ (إِلَّا أَنْ تكون تجارة) أَيْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ قَالَهُ النَّسَفِيُّ (عن تراض منكم) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ التِّجَارَةَ عَنْ تَرَاضٍ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَكَأَنَّ إلا ها هنا بِمَعْنَى لَكِنْ يَحِلُّ أَكْلُهُ بِالتِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ يَعْنِي بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُخْبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَلْزَمُ وَإِلَّا فَلَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَبَيَانُ مَقْصُودِ الْبَابِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تجارة عن تراض منكم حَرُمَ بِذَلِكَ أَكْلُ الرَّجُلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا إِلَّا بِتِجَارَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ تَرَاضٍ فَقَدْ وَقَعَ بِسَبَبِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ ضِيقٌ عَلَى الْمُكَلِّفِينَ في الأكل من مال غيره قال بن عَبَّاسٍ (فَكَانَ الرَّجُلُ يُحَرَّجُ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ يَحْسَبُ الرَّجُلُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ وَكَانَ يَجْتَنِبُ (أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ) سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ مِمَّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ
وَذَلِكَ (بعد ما نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) الْكَرِيمَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل الْآيَةَ لِأَنَّهَا حَرَّمَتِ الْأَكْلَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إلا بتجارة عن تراض
وأخرج بن جرير وبن المنذر وبن أبي حاتم والبيهقي عن بن عباس قال لما نزلت يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل قَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَالطَّعَامُ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَالِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ فَكَفَّ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ الْآيَةَ انْتَهَى (فَنُسِخَ ذَلِكَ) أَيِ الْحُكْمُ الَّذِي فَهِمَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ وَنُسِخَ ذَلِكَ أَيِ الضِّيقُ الَّذِي كَانَ قَدْ حَصَلَ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ (الْآيَةُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ نُسِخَ (الَّتِي فِي النور فقال) اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْآيَةِ الَّتِي فِي النُّورِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بيوتكم إِلَى قَوْلِهِ أَشْتَاتًا) لَيْسَتِ التِّلَاوَةُ هَكَذَا فَهَذَا النَّقْلُ الَّذِي فِي الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ
стр. 3372
وَتَمَامُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا (وَلَا عَلَى أنفسكم) أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بيوتكم) أَيْ بُيُوتِ أَوْلَادِكُمْ لِأَنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ بَعْضُهُ وَحُكْمَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْأَوْلَادَ فِي الْآيَةِ وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ أَوْ بُيُوتِ أَزْوَاجِكُمْ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ صَارَا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَصَارَ بَيْتُ الْمَرْأَةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ (أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ)
قال بن عَبَّاسٍ عَنَى بِذَلِكَ وَكِيلَ الرَّجُلِ وَقَيِّمَهُ فِي ضَيْعَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَةِ ضَيْعَتِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَاشِيَتِهِ وَلَا يَحْمِلُ وَلَا يَدَّخِرُ (أَوْ صَدِيقِكُمْ) الصَّدِيقُ هو الذي صدقك في المودة
قال بن عَبَّاسٍ نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو خَرَجَ غَازِيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلَّفَ مَالِكَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَهُ مَجْهُودًا فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ تَحَرَّجْتُ أَنْ آكُلَ مِنْ طَعَامِكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ مَنَازِلِ هَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلْتُمُوهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّدُوا وَتَحْمِلُوا (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جناح أن تأكلوا جميعا) أَيْ مُجْتَمِعِينَ (أَوْ أَشْتَاتًا) أَيْ مُتَفَرِّقِينَ نَزَلَتْ فِي بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو وَهُمْ حَيٌّ مِنْ كِنَانَةَ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ حَتَّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَرُبَّمَا قَعَدَ الرَّجُلُ وَالطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الرَّوَاحِ وَرُبَّمَا كَانَتْ مَعَهُ الْإِبِلُ الْحُفَّلُ فَلَا يَشْرَبُ مِنْ أَلْبَانِهَا حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يُشَارِبُهُ فَإِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَكَلَ
وقال بن عَبَّاسٍ كَانَ الْغَنِيُّ يَدْخُلُ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَصَدَاقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إِلَى طَعَامِهِ فَيَقُولُ وَاللَّهِ لَأَجَّنَّحُ أَيْ أَتَحَرَّجُ أَنْ آكُلَ مَعَكَ وَأَنَا غَنِيٌّ وَأَنْتَ فَقِيرٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إِلَّا مَعَ ضَيْفِهِمْ فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شَاءُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْخَازِنُ في تفسيره
وفي الدر المنثور أخرج بن جرير وبن الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَأَبِي صَالِحٍ قَالَا كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الضَّيْفُ لَا يَأْكُلُونَ معه حتى يأكل معهم الضيف فنزلت رخصة لهم انتهى
قال بن عَبَّاسٍ (كَانَ الرَّجُلُ يَعْنِي الْغَنِيَّ) الدَّاعِي قَبْلَ مَا نَزَلَتْ آيَةُ النُّورِ وَبَعْدَ مَا نَزَلَتْ آيَةُ النِّسَاءِ (يَدْعُو الرَّجُلَ) الْغَنِيَّ الْمَدْعُوَّ (مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الطَّعَامِ قَالَ) ذَلِكَ الرَّجُلُ الْغَنِيُّ المدعو (إني
стр. 3373
لَأَجَّنَّحُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَالنُّونِ أَصْلُهُ أَتَجَنَّحُ تَفَعُّلٌ مِنَ الْجُنَاحِ أَيْ أَرَى الْأَكْلَ مِنْهُ جُنَاحًا وَإِثْمًا (أَنْ آكُلَ مِنْهُ) أَيْ أَرَى الْأَكْلَ مِنْ طَعَامِكَ جُنَاحًا وَإِثْمًا وَذَلِكَ لِأَجْلِ آيَةِ النِّسَاءِ (وَالتَّجَنُّحُ الْحَرَجُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَالْحَرَجُ الضِّيقُ وَالْمُرَادُ بِهِ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الضِّيقِ أَيِ الْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ (وَيَقُولُ) ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَدْعُوُّ لِلرَّجُلِ الْغَنِيِّ الدَّاعِي أَيْضًا (الْمِسْكِينُ أَحَقُّ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الطَّعَامِ (مِنِّي) فَأَعْطِهِ الْمِسْكِينَ (فَأُحِلَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي فِي النُّورِ (أَنْ يَأْكُلُوا) مِنْ مَالِ غَيْرِهِمْ إِذَا كَانَ الْغَيْرُ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِ (مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عليه) بِخِلَافِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحِلِّ لِكَوْنِهِ بَاقِيًا عَلَى حُرْمَتِهِ كَمَا كَانَ (وَأُحِلَّ) فِي ذَلِكَ (طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ) أَيْضًا أَنْ يُؤْكَلَ كَمَا أُحِلَّ فِي ذَلِكَ طَعَامُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤْكَلَ لِكَوْنِ الْآيَةِ عَامَّةً غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فإن آبائكم وَأُمَّهَاتِكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ وَأَعْمَامَكُمْ وَعَمَّاتِكُمْ وَأَخْوَالَكُمْ وَخَالَاتِكُمْ وَمَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ وَصَدِيقَكُمُ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلَّهَا عَامَّةٌ شَامِلَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ غَيْرُ مُخْتَصَّةِ بأحدهما وكذا لفظ كم فِي بُيُوتِكُمُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بُيُوتُ أَوْلَادِكُمْ
فَهَذَا الْبَابُ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَمُؤَيِّدٌ لِمَعْنَاهُ لِأَنَّ ظَاهِرَ آيَةِ النِّسَاءِ يَدُلُّ عَلَى نسخ أكل الضيافة على ما قاله بن عَبَّاسٍ فَأَثْبَتَ الْمُؤَلِّفُ ﵀ حُكْمَ جَوَازِ الضِّيَافَةِ بِآيَةِ النُّورِ وَجَعَلَ حُكْمَ آيَةِ النِّسَاءِ مَنْسُوخًا بِآيَةِ النُّورِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ حُكْمُ جَوَازِ الضِّيَافَةِ وَنَسْخُ عَدَمِ جَوَازِهَا فَقَوْلُ الْعَلَّامَةِ السُّيُوطِيِّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ تَحْتَ بَابِ مَا جَاءَ فِي الضِّيَافَةِ وَقَدْ نُسِخَ وُجُوبُ الضِّيَافَةِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَابِ الَّذِي عَقَدَهُ بَعْدَهَا انْتَهَى لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى كَلَامِهِ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي كَيْفَ يَكُونُ الْبَابُ الثَّانِي نَاسِخًا لِحُكْمِ الْبَابِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ فِيهِ حُكْمُ وُجُوبِ الضِّيَافَةِ وَالْبَابَ الثَّانِي فِيهِ نَفْيُ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ عَنِ الضِّيَافَةِ فَالْأَمْرُ الْوَاجِبُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ إِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا حَرَجٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخٌ لِلْوُجُوبِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ بُعْدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى
стр. 3374
٧ - (بَاب فِي طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ)
[٣٧٥٤] (نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيِ الْمُتَفَاخِرَيْنِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَبَارِيَانِ هُمَا الْمُتَعَارِضَانِ بِفِعْلَيْهِمَا يُقَالُ تَبَارَى الرَّجُلَانِ إِذَا فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ فِعْلِ صَاحِبِهِ لِيُرَى أَيُّهُمَا يَغْلِبُ صَاحِبَهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (أَنْ يُؤْكَلَ) فِي حَالَةِ الْجَرِّ لِأَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ لَا يَذْكُرُونَ فِي الْحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ بَلْ يَرْوُونَهُ مُرْسَلًا وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ حماد بن زيد بن عَبَّاسٍ لَكِنَّ هَارُونَ بْنَ مُوسَى الْأَزْدِيَّ الْبَصْرِيَّ النحوي ذكر بن عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ فروايتهما متصلة مرفوعة
وقال محي السُّنَّةِ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَكْثَرُ مَنْ رواه عن جرير لا يذكر فيه بن عَبَّاسٍ يُرِيدُ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ أَرْسَلُوهُ
([٣٧٥٥] بَاب إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِذَا حَضَرَهَا مَكْرُوهٌ)
هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بَابُ الرَّجُلِ يُدْعَى فَيَرَى مَكْرُوهًا
(أَنَّ رَجُلًا ضَافَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيْ صَارَ ضَيْفًا لَهُ يُقَالُ ضَافَهُ ضَيْفٌ أَيْ نَزَلَ عِنْدَهُ وَأَضَفْتُهُ وَضَيَّفْتُهُ إِذَا أَنْزَلْتَهُ
قَالَ ثَعْلَبٌ ضِفْتَهُ إِذَا نَزَلَ به ضيف
стр. 3375
(فَصَنَعَ) أَيْ عَلِيٌّ (لَهُ) أَيْ لِلضَّيْفِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ أَيْ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ ضَافَهُ ضَيْفًا إِذَا نَزَلَ بِهِ وَأَنْتَ ضَيْفٌ عِنْدَهُ وَأَضَفْتَهُ بِالْأَلِفِ إِذَا أَنْزَلْتَهُ عَلَيْكَ ضَيْفًا انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ ضِفْتُ الرَّجُلَ إِذَا نَزَلْتَ بِهِ فِي ضِيَافَتِهِ وَأَضَفْتُهُ إِذَا أَنْزَلْتَهُ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى أَيْ صَنَعَ الرَّجُلُ طَعَامًا وَأَهْدَى إِلَى عَلِيٍّ لَا أَنَّهُ دَعَا عَلِيًّا إِلَى بَيْتِهِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَبْرَكَ أَوْ لَوْ لِلتَّمَنِّي (عَلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْمَنْصُوبَتَانِ عَلَى جَنْبَتَيْهِ (فَرَأَى الْقِرَامَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ ثَوْبٌ رَقِيقٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنَ الْعُهُونِ وَرُقُومٌ وَنُقُوشٌ يُتَّخَذُ سِتْرًا يُغَشَّى بِهِ الْأَقْمِشَةُ وَالْهَوَادِجُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْقِرَامُ مِثْلُ كِتَابِ السِّتْرِ الرَّقِيقِ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ وَفِيهِ رَقْمٌ وَنُقُوشٌ انْتَهَى (قَدْ ضُرِبَ) أَيْ نُصِبَ (مَا أَرْجَعَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ مِنْ أَرْجَعَ الشَّيْءَ رَجْعًا أَيْ مَا رَدَّهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا رَجَعَهُ مِنْ رَجَعَ رَجْعًا أَيْ صَرَفَ وَرَدَّ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ رَجَعَ رُجُوعًا انْصَرَفَ وَالشَّيْءُ عَنِ الشَّيْءِ وَإِلَيْهِ رَجْعًا صَرَفَهُ وَرَدَّهُ كَأَرْجَعَهُ انْتَهَى
وَفِي الْمِصْبَاحِ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ وَعَنِ الْأَمْرِ يَرْجِعُ رَجْعًا وَرُجُوعًا وَرُجْعَى بِضَمٍّ وَسُكُونٍ هُوَ نَقِيضُ الذَّهَابِ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى فَيُقَالُ رَجَعْتُ عَنِ الشَّيْءِ وَإِلَيْهِ وَرَجَعْتُ الْكَلَامَ وَغَيْرَهُ أَيْ رَدَدْتُهُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ
قَالَ تَعَالَى فَإِنْ رجعك الله وَهُذَيْلٌ تُعَدِّيهِ بِالْأَلِفِ انْتَهَى (فَتَبِعْتُهُ) الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ
وَعِنْدَ أَحْمَدَ قَالَتْ فَاطِمَةُ فَتَبِعْتُهُ (فَقَالَ إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (بَيْتًا مُزَوَّقًا) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُزَيَّنًا بِالنُّقُوشِ
وَأَصْلُ التزويق التمويه
قال الخطابي وتبعه بن الْمَلَكِ كَانَ ذَلِكَ مُزَيَّنًا مُنَقَّشًا
وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ مُنَقَّشًا وَلَكِنْ
стр. 3376
ضُرِبَ مِثْلُ حَجْلَةِ الْعَرُوسِ سُتِرَ بِهِ الْجِدَارُ وَهُوَ رُعُونَةٌ يُشْبِهُ أَفْعَالَ الْجَبَابِرَةِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يُجَابُ دَعْوَةٌ فِيهَا مُنْكَرٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَيُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ وُجُودَ الْمُنْكَرِ فِي الْبَيْتِ مانع عن الدخول فيه
قال بن بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الدَّعْوَةِ يَكُونُ فِيهَا مُنْكَرٌ مِمَّا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَى بِهَا وَنَقَلَ مَذَاهِبَ الْقُدَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ فَأَزَالَهُ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَرْجِعُ
وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُقْتَدَى بِهِ فَإِنْ كَانَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلْيَخْرُجْ لِمَا فِيهِ مِنْ شَيْنِ الدِّينِ وَفَتْحِ بَابِ الْمَعْصِيَةِ
قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ
انتهى مختصرا
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ أَبُو حَفْصٍ الْأَسْلَمِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
([٣٧٥٦] بَاب إِذَا اجْتَمَعَ الداعيان أَيُّهُمَا أَحَقُّ)
(إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ) أَيْ مَعًا (فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا) هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ) لِسَبْقِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ إِذَا دَعَا الْإِنْسَانَ رَجُلَانِ وَلَمْ يسبق أحدهما الآخر أجاب أقربهما منه بَابًا فَإِذَا اسْتَوَيَا أَجَابَ أَكْثَرَهُمَا عِلْمًا وَدِينًا وَصَلَاحًا فَإِنِ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِالدَّالَانِيِّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِهِ وقال بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ أَبُو
стр. 3377
حَاتِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ به وقال بن عَدِيٍّ وَفِي حَدِيثِهِ لِينٌ إِلَّا أَنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ مرجئا
([٣٧٥٧] باب إذا حضر الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ طَعَامُ آخِرِ النَّهَارِ)
قَالَ فِي الْقَامُوسِ هُوَ طَعَامُ الْعَشِيِّ وَهُوَ مَمْدُودٌ كَسَمَاءٍ
(إِذَا وُضِعَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ) عَشَاءُ أَحَدِكُمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ طَعَامٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ الْعَشِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَا يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ) أَيْ مِنْ أَكْلِ الْعَشَاءِ
وَفِي رِوَايَةِ البخاري فابدؤوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يُعَجِّلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمِنْ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْأَكْلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَزَادَ الْغَزَّالِيُّ مَا إِذَا خَشِيَ فَسَادَ الْمَأْكُولِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ فعل بن عمر الآتي
وأفرط بن حَزْمٍ فَقَالَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ
وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ إِلَّا إِنْ كَانَ الطَّعَامُ خَفِيفًا
نقله بن الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ
وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ تَفْصِيلٌ قَالُوا يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ النَّفْسِ بِالْأَكْلِ أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَكِنْ لَا يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَانَ يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ بَدَأَ بِالطَّعَامِ وَاسْتُحِبَّتْ لَهُ الْإِعَادَةُ انْتَهَى (زَادَ مُسَدَّدٌ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (وَكَانَ عَبْدُ الله) أي بن عُمَرَ ﵄ وَهُوَ مَوْصُولٌ عَطْفًا عَلَى الْمَرْفُوعِ (وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ) كَلِمَةُ إِنْ وَصْلِيَّةٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ وَإِنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وليس في حديث مسلم فعل بن عمر
стр. 3378
[٣٧٥٨] (لَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ أَيْ بَيْنَ هَذَا الخبر والذي قبله أن حديث بن عُمَرَ إِنَّمَا جَاءَ فِيمَنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تُنَازِعُهُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَكَانَ شَدِيدَ التَّوَقَانِ إِلَيْهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَحَضَرَ الطَّعَامُ وَكَانَ فِي الْوَقْتِ فَضْلٌ بَدَأَ بِالطَّعَامِ لَتَسْكُنَ شَهْوَةُ نَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ تَوْفِيَةِ الصَّلَاةِ حَقَّهَا وَكَانَ الْأَمْرُ يَخِفُّ عَنْهُمْ فِي الطَّعَامِ وَيُقَرِّبُ مُدَّةَ الْفَرَاغِ مِنْهُ إِذَا كَانُوا لَا يَسْتَكْثِرُونَ مِنْهُ وَلَا يَنْصِبُونَ الْمَوَائِدَ وَلَا يَتَنَاوَلُونَ الْأَلْوَانَ وَإِنَّمَا هُوَ مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ أَوْ شَرْبَةٌ مِنْ سَوِيقٍ أَوْ كَفٌّ مِنْ تَمْرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ زَمَانِهَا وَلَا يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَهُوَ فِيمَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ حَالِ الْمُصَلِّي وَصِفَةِ الطَّعَامِ وَوَقْتِ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ لَمْ يُوضَعْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ مُتَمَاسِكًا فِي نَفْسِهِ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَجَبَ أَنْ يَبْدَأَ بِهَا وَيُؤَخِّرَ الطَّعَامَ وَهَذَا وَجْهُ بِنَاءِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو النَّضْرِ الْكُوفِيُّ الزَّعْفَرَانِيُّ الْمَفْلُوجُ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو زرعة الرازي كوفي لين وقال بن حِبَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا وَافَقَ الثِّقَاتِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقِيمَةِ فَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَ بِأَوَابِدِهِ
[٣٧٥٩] (قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي) أَيْ عُبَيْدِ بْنِ عمير (في زمان بن الزُّبَيْرِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَبُو خَبِيبٍ الْمِسْكِيُّ ثُمَّ الْمَدَنِيُّ أَوَّلُ مولود في الإسلام وفارس قريش شهد اليرمرك وَبُويِعَ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ وَغَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَكَانَ دَوْلَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ (فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) قَالَ الْحَافِظُ كَانَ قَاضِي مَكَّةَ زَمَنَ أَبِيهِ وَخَلِيفَتَهُ إِذَا حَجَّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (إِنَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ يُبْدَأُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِالْعَشَاءِ أَيْ بِطَعَامِ الْعَشِيِّ وَلَعَلَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اسْتَبْعَدَ أَنَّهُ كَيْفَ يُبْدَأُ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إِذَا يُؤْكَلُ الطَّعَامُ قَدْرَ الْحَاجَةِ مِنَ الْأَكْلِ بِكَمَالِهِ يَقَعُ التَّأْخِيرُ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيْحَكَ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَيْحٌ لِمَنْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ
стр. 3379
فِعْلُهُ مَعَ تَرَفُّقٍ وَتَرَحُّمٍ فِي حَالِ الشَّفَقَةِ وَوَيْلٌ لِمَنْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ مَعَ غَضَبٍ (أَتُرَاهُ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ أَتَظُنُّ عَشَاءَهُمْ (كَانَ مِثْلَ عشاء أبيك) أي بن الزُّبَيْرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ عَشَاءَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفَ الْأَلْوَانِ كَثِيرَ التَّكَلُّفِ وَالِاهْتِمَامِ مِثْلَ عَشَاءِ أَبِيكَ فَهُمْ كَانُوا يَفْرُغُونَ عَنْ أَكْلِ الْعَشَاءِ بِالْعَجَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ تَأْخِيرٌ يُعْتَدُّ بِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
١ - (بَاب فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الطَّعَامِ)
[٣٧٦٠] (خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ مَمْدُودٍ الْمَكَانُ الْخَالِي وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَقَالُوا) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ﵃ (أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ مَاءٍ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْعَرْضِ نَحْوُ أَلَا تَنْزِلُ عِنْدَنَا (فَقَالَ إِنَّمَا أُمِرْتُ) أَيْ وُجُوبًا (بِالْوُضُوءِ) أَيْ بَعْدَ الْحَدَثِ (إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ أَرَدْتُ الْقِيَامَ لَهَا وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَيَجِبُ الْوُضُوءُ عِنْدَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَالِ الطَّوَافِ وَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ مِنَ الْمُسَائِلِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ قَبْلَ الطَّعَامِ وَاجِبٌ مَأْمُورٌ بِهِ فَنَفَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْأَبْلَغِ حَيْثُ أَتَى بِأَدَاةِ الْحَصْرِ وَأَسْنَدَ الْأَمْرَ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يُنَافِي جَوَازَهُ بَلِ اسْتِحْبَابُهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ الْعُرْفِيِّ سَوَاءٌ غَسَلَ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَا غَسَلَهُمَا لِبَيَانِ
стр. 3380
الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ آكَدُ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ جَوَابِهِ ﷺ
وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا قَبْلَ الطَّعَامِ مَعَ أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ كَانَ الْوُضُوءُ عِنْدَ الطَّعَامِ مِنْ دَأْبِهِ ﵇ وَإِنَّمَا نَفَى الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ فَبَقِيَ الْعُرْفِيُّ عَلَى حَالِهِ وَيُؤَيِّدُهُ الْمَفْهُومُ أَيْضًا فَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ
كَذَا قَالَ علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي بَعْضِ كَلَامِهِ خَفَاءٌ كَمَا لَا يَخْفَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
٢ - (بَابٌ فِي غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ)
[٣٧٦١] لَيْسَ هَذَا الْبَابُ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِهَا وَإِسْقَاطُهُ أَوْلَى
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(عَنْ سَلْمَانَ) أَيِ الْفَارِسِيِّ (قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ) بِفَتْحِ أَنَّ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (الْوُضُوءُ) أَيْ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الزُّهُومَةِ إِطْلَاقًا لِلْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مَجَازًا أَوْ بِنَاءً على المعنى اللغوي والعراقي (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ أَكْلِ الطَّعَامِ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيِ الْمَقْرُوءَ الْمَذْكُورَ (فَقَالَ بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ) قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي الْوُضُوءِ قبل الطعام
стр. 3381
أَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ وَلِأَنَّ الْيَدَ لَا تَخْلُو عَنْ تَلَوُّثٍ في تعاطي الأعمال فغلسها أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ وَالنَّزَاهَةِ
وَالْمُرَادُ مِنَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الطَّعَامِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الدُّسُومَاتِ
قَالَ ﷺ مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فلا يلومن إلا نفسه أخرجه بن مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
وَمَعْنَى بَرَكَةُ الطَّعَامِ مِنَ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ نَفْسِهِ وَبَعْدَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِي فَوَائِدِهَا وَآثَارِهَا بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِسُكُونِ النَّفْسِ وَقَرَارِهَا وَسَبَبًا لِلطَّاعَاتِ وَتَقْوِيَةً لِلْعِبَادَاتِ وَجَعَلَهُ نَفْسَ الْبَرَكَةِ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْهُ
هذا تلخيص كلام القارىء (وَكَانَ سُفْيَانُ) أَيِ الثَّوْرِيُّ (يَكْرَهُ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطعام) لعل مستنده حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بَابٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الطعام ثم أورد حديث بن عَبَّاسٍ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُوضَعَ الرَّغِيفُ تَحْتَ الْقَصْعَةِ
انْتَهَى
قَالَ بن الْقَيِّمِ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَحَدُهُمَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الطَّعَامِ وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ بَابُ تَرْكِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حديث بن جريج عن سعيد بن الحويرث عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَبَرَّزَ ثُمَّ خَرَجَ فَطَعِمَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
ثُمَّ قَالَ غَسْلُ الْجُنُبِ يَدَهُ إِذَا طَعِمَ وَسَاقَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ وَهَذَا التَّبْوِيبُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الصَّوَابُ
وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ عَنْ مُهَنَّا قَالَ سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ مُنْكَرٌ فَقُلْتُ مَا حَدَّثَ هَذَا إِلَّا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ
قَالَ لَا
وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مَا أَحْسَنَ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ
فَقُلْتُ لَهُ بَلَغَنِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطَّعَامِ
стр. 3382
قَالَ مُهَنَّا سَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ عِنْدَ الطَّعَامِ
قُلْتُ لِمَ كَرِهَ سُفْيَانُ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَضَعَّفَ أَحْمَدُ حَدِيثَ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ
قَالَ الْخَلَّالُ وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ انْتَهَى كلام بن الْقَيِّمِ ﵀
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ
٣ - (بَابٌ فِي طَعَامِ الْفَجْأَةِ)
[٣٧٦٢] بِفَتْحِ فَاءٍ وَسُكُونِ جِيمٍ فَهَمْزَةٍ أَوْ بِضَمِّ فَاءٍ فَجِيمٍ فَأَلِفٍ فَهَمْزَةٍ يُقَالُ فَجَأَهُ كَسَمِعَهُ وَمَنَعَهُ فَجْأَةً وَفُجَاءَةً هَجَمَ عَلَيْهِ وَجَاءَ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ
(مِنْ شِعْبٍ مِنَ الْجَبَلِ) الشِّعْبُ بِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ (عَلَى ترس أو جحفة) شك من الراوي والجحفة بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى الْجِيمِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنَى التُّرْسِ (فَدَعَوْنَاهُ فَأَكَلَ مَعَنَا)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ طَعَامَ الْفَجْأَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إِذَا كَانَ الْآكِلُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ قَدْ يَسُرُّهُ مُسَاعَدَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَكْلِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَفْرَحُونَ بِمُسَاعَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ وَيَتَبَرَّكُونَ بِمُؤَاكَلَتِهِ وَإِنَّمَا جَاءَتِ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسُوءَ ذَلِكَ صَاحِبَ الطَّعَامِ وَيَشُقَّ عَلَيْهِ
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 3383
١٤ - (بَاب فِي كَرَاهِيَةِ ذَمِّ الطَّعَامِ)
[٣٧٦٣] (مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ) أَيْ طَعَامًا مُبَاحًا أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الْآدَمِيِّينَ تُعَابُ
قَالَ الْحَافِظُ وَالَّذِي يَظْهَرُ التَّعْمِيمُ فَإِنَّ فِيهِ كَسْرُ قَلْبِ الصَّانِعِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَنْ لَا يُعَابَ كَقَوْلِهِ مَالِحٌ حَامِضٌ قَلِيلُ الْمِلْحِ غَلِيظٌ رَقِيقٌ غَيْرُ نَاضِجٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ) قال بن بَطَّالٍ هَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ)
[٣٧٦٤] (إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ) مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بتحقيق مامي خوريم وسيرنمي شويم وَالشِّبَعُ نَقِيضُ الْجُوعِ وَبَابُهُ سَمِعَ يَسْمَعُ (تَفْتَرِقُونَ) أَيْ حَالَ الْأَكْلِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يَأْكُلُ وَحْدَهُ (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ أَكْلِكُمْ (يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّعَامِ فقد روى أبو يعلى في مسنده وبن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى اللَّهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي وروى الطبراني عن بن عُمَرَ مَوْقُوفًا طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ
стр. 3384
الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ فَاجْتَمِعُوا عَلَيْهِ وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تأكلوا جميعا أو أشتاتا فَمَحْمُولٌ عَلَى الرُّخْصَةِ أَوْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَلَى الشَّخْصِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ (إِذَا كُنْتَ فِي وَلِيمَةٍ إِلَخْ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النسخ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ شَامِيٌّ تَابِعِيٌّ لَا بَأْسَ بِهِ وَذَكَرَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَشْتَغِلْ بِهِ وَلَا بِأَبِيهِ
٦ - (بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ)
[٣٧٦٥] (قَالَ الشَّيْطَانُ) أَيْ لِإِخْوَانِهِ وَأَعْوَانِهِ وَرُفْقَتِهِ (لَا مَبِيتَ لَكُمْ) أَيْ لَا مَوْضِعَ بَيْتُوتَةٍ لَكُمْ (وَلَا عَشَاءَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِي الْعَشِيَّةِ وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ لَا يَحْصُلُ لَكُمْ مَسْكَنٌ وَطَعَامٌ بَلْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ بِسَبَبِ التَّسْمِيَةِ (قَالَ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ) لِتَرْكِهِ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَعِنْدَ الطَّعَامِ
وَتَخْصِيصُ الْمَبِيتِ وَالْعَشَاءِ فَلِغَالِبِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ صَادِقٌ فِي عُمُومِ الْأَفْعَالِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه
стр. 3385
[٣٧٦٦] (لَمْ يَضَعْ أَحَدُنَا يَدَهُ) أَيْ فِي الطَّعَامِ (حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ بَيَانُ هَذَا الْأَدَبِ وَهُوَ أَنَّهُ يَبْدَأُ الْكَبِيرُ وَالْفَاضِلُ فِي غَسْلِ الْيَدِ لِلطَّعَامِ وَفِي الْأَكْلِ (كَأَنَّمَا يُدْفَعُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ يَعْنِي لِشِدَّةِ سُرْعَتِهِ كَأَنَّهُ مَدْفُوعٌ (فَذَهَبَ) أَيْ أَرَادَ الْأَعْرَابِيُّ وَشَرَعَ (لِيَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ) أَيْ قَبْلَنَا (ثُمَّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ) أَيْ بِنْتٌ صَغِيرَةٌ (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ) أَيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ إِذَا شَرَعَ فِيهِ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ أَحَدٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةٌ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (إِنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أَيْدِيهِمَا) أَيْ إِنَّ يَدَ الشَّيْطَانِ مَعَ يَدِ الرَّجُلِ وَالْجَارِيَةِ فِي يَدِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٧٦٧] (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ) عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ (عَنْ بُدَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (فَإِنْ نَسِيَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ (فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) بِنَصْبِهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَالْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ بِهِ التَّسْمِيَةُ فَلَا يُقَالُ ذِكْرُهُمَا يُخْرِجُ الْوَسَطَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا مع قوله أكلها دائم وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ النِّصْفُ الْأَوَّلُ وَبِآخِرِهِ النِّصْفُ الثَّانِي فَيَحْصُلُ الِاسْتِيفَاءُ وَالِاسْتِيعَابُ وَاللَّهُ أعلم بالصواب قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَقُلِ التِّرْمِذِيُّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا قَالَ
стр. 3386
عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أما إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَى لَكُمْ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ التِّرْمِذِيِّ أُمُّ كُلْثُومٍ اللَّيْثِيَّةُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِأَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ لَيْثِيٌّ وَمِثْلُ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ لَا يُكَنَّى عَنْهَا بِامْرَأَةٍ وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ مِنْهُمْ وَقَدْ سَقَطَ هَذَا مِنْ بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَسُقُوطُهُ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ فِي أَطْرَافِهِ لِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَحَادِيثَ وَذَكَرَ بَعْدَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ اللَّيْثِيَّةَ ويقال المكية وذكر لها هَذَا الْحَدِيثَ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أُمَّ كُلْثُومٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٣٧٦٨] (أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ) بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (عَنْ عَمِّهِ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ مَخْشِيٍّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (إِلَّا لُقْمَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ (إِلَى فِيهِ) أَيْ إِلَى فَمِهِ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ تَعَجُّبًا لِمَا كُشِفَ لَهُ ذَلِكَ (اسْتَقَاءَ) أَيِ الشَّيْطَانُ (مَا فِي بَطْنِهِ) أَيْ مِمَّا أَكَلَهُ وَالِاسْتِقَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقَيْءِ بِمَعْنَى الِاسْتِفْرَاغِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمُرَادُ الْبَرَكَةُ الذَّاهِبَةُ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَوْفِ الشَّيْطَانِ أَمَانَةً فَلَمَّا سَمَّى رَجَعَتْ إِلَى الطَّعَامِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيْ صَارَ مَا كَانَ لَهُ وَبَالًا عَلَيْهِ مُسْتَلَبًا عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وهذا التأويل محمول على ماله حَظٌّ مِنْ تَطْيِيرِ الْبَرَكَةِ مِنَ الطَّعَامِ
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ لِلْأَكْلِ وَأَنَّ النَّاسِيَ يَقُولُ فِي أَثْنَائِهِ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَالَ فِي الْهَدْيِ
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا إِجْمَاعَ يُسَوِّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا وَتَارِكُهَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ انتهى
стр. 3387
قَالَ فِي النَّيْلِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَكْلَ الشَّيْطَانِ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَفِيهِمْ ذَكَرٌ وَأُنْثَى وَأَنَّهُ يَأْكُلُ حَقِيقَةً إِذَا لَمْ يُدْفَعْ وَقِيلَ إِنَّ أَكْلَهُمْ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَقِيلَ إِنَّ أَكْلَهُمْ شَمٌّ وَاسْتِرْوَاحٌ وَلَا مُلْجِئَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ
وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ الشَّيَاطِينُ أَجْنَاسٌ فَخَالِصُ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَهُمْ رِيحٌ وَمِنْهُمْ جِنْسٌ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَتَوَالَدُونَ وَهُمُ السَّعَالِي وَالْغِيلَانُ وَنَحْوُهُمْ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْ أُمَيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ تَفَرَّدَ بِهِ جَابِرُ بْنُ الصُّبْحِ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيِّ عَنْ جَدِّهِ أُمَيَّةَ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُ رَوَى إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ لَهُ حَدِيثٌ واحد في التسمية على الأكل
٧ - (باب فِي الْأَكْلِ مُتَّكِئًا)
[٣٧٦٩] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) قَالَ الْحَافِظُ اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ فَقِيلَ أَنْ يَتَمَكَّنُ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ وَقِيلَ أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَقِيلَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْأَرْضِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَحْسَبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو المعتمد على الوطأ الَّذِي تَحْتَهُ
قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنِّي لَا أقعد متكئا على الوطأ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ فَإِنِّي لَا آكُلُ إِلَّا الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ وَالْمُرَادُ الْجُلُوسُ على وركيه غير متمكن
وأخرج بن عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ
قَالَ مَالِكٌ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ قُلْتُ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا
وَجَزَمَ بن الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيِّ ذَلِكَ
وحكى بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ مَنْ
стр. 3388
فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ
قَالَ الْحَافِظُ وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُورُ قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْصِبُ الرِّجْلَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسُ على اليسرى انتهى
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ نُقِلَ فِي الشِّفَاءِ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ وَالْقُعُودِ فِي الْجُلُوسِ كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَتَقْتَضِي الْكِبْرَ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْبَدَنِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْأَكْلَ مَائِلًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَسْهُلُ نُزُولُهُ إِلَى مَعِدَتِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ما ذهبوا إليه وإنما المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطأ الذي تحته وكل من استوى على وطأ فهو متكىء وَالِاتِّكَاءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِكَاءِ وَوَزْنُهُ الِافْتِعَالُ فَالْمُتَّكِئُ هُوَ الَّذِي أَوْكَأَ مَقْعَدَتَهُ وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الوطأ الَّذِي تَحْتَهُ
وَالْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أقعد متكأ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى الْأَوْطِيَةِ وَالْوَسَائِدِ فِعْلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَوَسَّعَ فِي الْأَلْوَانِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حديث علي بن الأقمر
[٣٧٧٠] (بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَيْ لِحَاجَةٍ (وَهُوَ مُقْعٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْعَاءِ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ جَالِسًا عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٧٧١] (مارؤي) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّفْعِ (يَأْكُلُ مُتَّكِئًا) قَالَ الْحَافِظُ اختلف
стр. 3389
السلف في حكم الأكل متكئا فزعم بن الْقَاصِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ قَدْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَعَظِّمِينَ وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ قَالَ فَإِنْ كَانَ بِالْمَرْءِ مَانِعٌ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ الْأَكْلَ إِلَّا مُتَّكِئًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَرَاهَةً ثُمَّ سَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَكَلُوا كَذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى الضَّرُورَةِ وَفِي الْحَمْلِ نَظَرٌ انْتَهَى (وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ) أَيْ لَا يَطَأُ الْأَرْضَ خَلْفَهُ رَجُلَانِ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ لَا يَمْشِي قُدَّامَ الْقَوْمِ بَلْ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْجَمْعِ أَوْ فِي آخِرِهِمْ تَوَاضُعًا
قَالَ الطِّيبِيُّ التَّثْنِيَةُ فِي رجلان لا تُسَاعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَلَعَلَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَوَاضُعِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْشِي مَشْيَ الْجَبَابِرَةِ مَعَ الْأَتْبَاعِ وَالْخَدَمِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يُنَافِي قَوْلَ غَيْرِهِ وَفَائِدَةُ التَّثْنِيَةِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ وَرَاءَهُ كَأَنَسٍ وَغَيْرِهِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ بِهِ وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَاضُعَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الرَّجُلَانِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُحْتَمَلُ كَسْرُ الرَّاءِ وَسُكُونُ الْجِيمِ أَيِ الْقَدَمَانِ وَالْمَعْنَى لَا يَمْشِي خَلْفَهُ أَحَدٌ ذو رجلين انتهى
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَشُعَيْبٌ هَذَا هُوَ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ شعيب
ووقع هنا وفي كتاب بن مَاجَهْ شُعَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدِّهِ حِينَ حَدَّثَ عَنْهُ وذلك شائع وإن أراد بأبيه جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ فَيَكُونُ مُسْنَدًا وَشُعَيْبٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَاللَّهُ أعلم
٨ - (باب في الأكل من أعلى الصحفة)
[٣٧٧٢] هِيَ إِنَاءٌ كَالْقَصْعَةِ الْمَبْسُوطَةِ وَجَمْعُهَا صِحَافٌ
(وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا) أَيْ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي يَلِيهِ (فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا) وَفِي رواية الترمذي وبن مَاجَهْ وَأَحْمَدَ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا قال القارىء وَالْوَسَطُ أَعْدَلُ الْمَوَاضِعِ فَكَانَ أَحَقَّ بِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ
وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَكْلِ مِنْ جَوَانِبِ الطَّعَامِ قَبْلَ وَسَطِهِ
стр. 3390
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَعْلَى الثَّرِيدِ وَوَسَطِ الْقَصْعَةِ وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِي أَكِيلَهُ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَوَاكِهِ وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى التَّحْرِيمِ
قَالَ الْغَزَّالِيُّ وَكَذَا لَا يَأْكُلُ مِنْ وَسَطِ الرَّغِيفِ بَلْ مِنِ اسْتِدَارَتِهِ إِلَّا إِذَا قَلَّ الْخُبْزُ فَلْيَكْسِرِ الْخُبْزَ
وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِ الْبَرَكَةِ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْهُ إِذَا أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ وَجْهَ الطَّعَامِ هُوَ أَفْضَلُهُ وَأَطْيَبُهُ فَإِذَا كَانَ قَصَدَهُ بِالْأَكْلِ كَانَ مُسْتَأْثِرًا بِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ
وَفِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَدَبِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ فَأَمَّا إِذَا أَكَلَ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى
قُلْتُ هَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا يُقْبَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِنَّمَا يُعْرَفُونَ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَوَجْهُ الطَّعَامِ أَفْضَلُ وَأَطْيَبُهُ فَإِذَا قَصَدَهُ بِالْأَكْلِ كَانَ مُسْتَأْثِرًا بِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ وَفِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَدَبِ مَا لَا يَخْفَى فَإِذَا أَكَلَ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ قَالَهُ بَعْضُهُمْ
[٣٧٧٣] (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ المهملة صحابي صغير ولأبيه صُحْبَةٌ (كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةٌ) أَيْ صَحْفَةٌ كَبِيرَةٌ (يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ) تَأْنِيثُ الْأَغَرِّ بِمَعْنَى الْأَبْيَضِ الْأَنْوَرِ (فَلَمَّا أَضْحَوْا) بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ دَخَلُوا فِي الضُّحَى (وَسَجَدُوا الضُّحَى) أَيْ صَلَّوْهَا (أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ) أَيْ جِيءَ بِهَا (وَقَدْ ثُرِّدَ) بِضَمِّ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ (فِيهَا) أَيْ فِي الْقَصْعَةِ (فَالْتَفُّوا) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ اجْتَمَعُوا (عَلَيْهَا) أَيْ حَوْلَهَا (فَلَمَّا كَثُرُوا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ (جَثَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ مِنْ جِهَةِ ضِيقِ الْمَكَانِ تَوْسِعَةً عَلَى الْإِخْوَانِ
وَفِي الْقَامُوسِ كَدَعَا وَرَمَى جُثُوًّا وَجُثِيًّا بِضَمِّهِمَا جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (مَا هذه الجلسة
стр. 3391
بِكَسْرِ الْجِيمِ
قَالَ الطِّيبِيُّ هَذِهِ نَحْوُهَا فِي قوله تعالى ما هذه الحياة الدنيا كَأَنَّهُ اسْتَحْقَرَهَا وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ عَنْ مِثْلِهَا (إِنْ اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا) أَيْ مُتَوَاضِعًا سَخِيًّا وَهَذِهِ الْجِلْسَةُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ وَأَنَا عَبْدٌ وَالتَّوَاضُعُ بِالْعَبْدِ أَلْيَقُ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ هَذِهِ جِلْسَةُ تَوَاضُعٍ لَا حَقَارَةَ وَلِذَلِكَ وَصَفَ عَبْدًا بِقَوْلِهِ كَرِيمًا (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا) أَيْ مُتَكَبِّرًا مُتَمَرِّدًا (عَنِيدًا) أَيْ مُعَانِدًا جَائِرًا عَنِ الْقَصْدِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ (كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا) مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ أَيْ لِيَأْكُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ أَطْرَافِ الْقَصْعَةِ (وَدَعُوا) أَيِ اتْرُكُوا (ذُرْوَتَهَا) بِتَثْلِيثٍ (بِضَمِّ) الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَسْرُ أَصَحُّ أَيْ وَسَطُهَا وَأَعْلَاهَا (يُبَارَكْ) بالجزم على جواب الأمر
قال القارىء وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ سَبَبُ أَنْ تَكْثُرَ الْبَرَكَةُ (فِيهَا) أَيْ فِي الْقَصْعَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكِلَ مِنْ أَعْلَاهَا انْقَطَعَ الْبَرَكَةُ من أسفلها
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَبُسْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وبعدها راء مهملة
٩ - (باب الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَا يُكْرَهُ)
[٣٧٧٤] (وَأَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ) أَيْ وَاقِعٌ عَلَى بَطْنِهِ وَوَجْهِهِ يُقَالُ بَطَحَهُ كَمَنَعَهُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَانْبَطَحَ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَى مَائِدَةٍ يَكُونُ عَلَيْهَا مَا يُكْرَهُ شَرْعًا كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَى بِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مُنْبَطِحًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْمَعْهُ جَعْفَرٌ يَعْنِي
стр. 3392
بن بُرْقَانَ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُنْكَرٌ وَذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ بُرْقَانَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ
([٣٧٧٦] بَاب الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ)
(إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِمَا لِلْوُجُوبِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ فَقَالَ لَهُ كُلْ بِيَمِينِكَ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالَ لَا اسْتَطَعْتَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيْطَانِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ وَأَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٧٧٧] (ادْنُ) أَيِ اقْرَبْ مِنَ الدُّنُوِّ (بُنَيَّ) أَيْ يَا بُنَيَّ (فَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) أَيْ مِمَّا يَقْرَبُكَ لَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ثَلَاثِ سُنَنٍ مِنْ سُنَنِ الْأَكْلِ وَهِيَ التَّسْمِيَةُ وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ وَالْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ فَقَدْ يَتَقَذَّرُهُ صَاحِبُهُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَشِبْهِهَا وَهَذَا فِي الثَّرِيدِ وَالْأَمْرَاقِ وَشِبْهِهِمَا فَإِنْ كَانَ تمرا وأجناسا
стр. 3393
فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ
وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ انْتَهَى
قال القارىء سَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي أَكْلِ التَّمْرِ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي وَجْزَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بِنَحْوِهِ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ
١ - (بَاب فِي أَكْلِ اللَّحْمِ)
[٣٧٧٨] (لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ) أَيْ قَطْعَهُ بِالسِّكِّينِ وَلَوْ كَانَ مَنْضُوجًا (مِنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ) أَيْ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ فَارِسَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُتَرَفِّهِينَ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا وَأَمْرًا عَبَثًا بِخِلَافِ مَا إِذَا احْتَاجَ قَطْعُ اللَّحْمِ إِلَى السِّكِّينِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَضِيجٍ تَامٍّ فَلَا يُعَارِضُ خَبَرَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحْتَزُّ بِالسِّكِّينِ أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ التَّنْزِيهُ وَفِعْلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَذَا قَالَ القارىء (وَانْهَسُوهُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَانْهَشُوهُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالنَّهْسُ بِالْمُهْمَلَةِ أَخْذُ اللَّحْمِ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ وَبِالْمُعْجَمَةِ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا أَيْ كُلُوهُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (فَإِنَّهُ) أَيِ النَّهْسُ (أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ) أَيْ أَشَدُّ هَنَأً وَمَرَاءَةً يُقَالُ هَنِئَ صَارَ هَنِيئًا وَمَرِئَ صَارَ مَرِيئًا وَهُوَ أَنْ لَا يَثْقُلَ عَلَى الْمَعِدَةِ وَيَنْهَضِمَ عَنْهَا
وَالْمَعْنَى لَا تَجْعَلُوا الْقَطْعَ بِالسِّكِّينِ دَأْبَكُمْ وَعَادَتَكُمْ كَالْأَعَاجِمِ بَلْ إِذَا كَانَ نَضِيجًا فَانْهَسُوهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَضِيجًا فَحُزُّوهُ بِالسِّكِّينِ
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ النَّهْيُ عَنْ قطع اللحم
стр. 3394
بِالسِّكِّينِ فِي لَحْمٍ قَدْ تَكَامَلَ نُضْجُهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ) فَلَا يَكُونُ مُقَاوِمًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو مَعْشَرٍ السُّدِّيُّ الْمَدَنِيُّ وَاسْمُهُ نَجِيحٌ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ وَيَسْتَضْعِفُهُ جِدًّا وَيَضْحَكُ إِذَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ أَبُو مَعْشَرٍ لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ مِنْهَا هَذَا وَمِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ
انْتَهَى
[٣٧٧٩] (مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ وَهَكَذَا نِسْبَتُهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الرِّجَالِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُوسَى بْنُ عِيسَى وَهُوَ غَلَطٌ (فَقَالَ أَدْنِ الْعَظْمَ) أَمْرٌ مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ أَقْرِبِ الْعَظْمَ (مِنْ فِيكَ) أَيْ مِنْ فَمِكَ وَالْمَعْنَى لَا تَأْخُذِ اللَّحْمَ مِنَ الْعَظْمِ بِالْيَدِ بَلْ خُذْهُ مِنْهُ بِالْفَمِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ عُثْمَانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَفْوَانَ وَهُوَ مُرْسَلٌ) أَيْ مُنْقَطِعٌ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ عُثْمَانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَفْوَانَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ
[٣٧٨٠] (كَانَ أَحَبُّ الْعُرَاقِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عِرْقٍ بِالسُّكُونِ وَهُوَ الْعَظْمُ إِذَا أُخِذَ عَنْهُ مُعْظَمُ اللَّحْمِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْعَرْقُ بِالسُّكُونِ الْعَظْمُ إِذَا أُخِذَ عَنْهُ مُعْظَمُ اللَّحْمِ وَجَمْعُهُ عُرَاقٌ وَهُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ
وقال في القاموس العرق وكغراب العظم أكل لحمه جمعه ككتاب وغراب نادرا
وَالْعِرْقُ الْعَظْمُ بِلَحْمِهِ فَإِذَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَعُرَاقٌ أَوْ كِلَاهُمَا لِكِلَيْهِمَا
стр. 3395
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٧٨١] (يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ) أَيْ ذِرَاعُ الْغَنَمِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ هُوَ مِنْ يَدَيِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَوْقَ الْكُرَاعِ ومن يد البعير فوق الوطيف وَوَجْهُ إِعْجَابِهِ أَنَّهُ يَكُونُ أَسْرَعَ نُضْجًا وَأَلَذَّ طَعْمًا وَأَبْعَدَ عَنْ مَوْضِعِ الْأَذَى (وَسُمَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ جُعِلَ السُّمُّ (وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْيَهُودَ هُمْ سَمُّوهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ سَمَّهُ سَقَاهُ السُّمَّ وَالطَّعَامَ جَعَلَهُ فِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْحَدِيثَ
٢ - (بَاب فِي أَكْلِ الدُّبَّاءِ)
[٣٧٨٢] (الطعام) أَيْ إِلَى طَعَامٍ أَوْ لِأَجْلِ طَعَامٍ (قَالَ أَنَسٌ فَذَهَبْتُ) وَذَهَابُهُ إِمَّا بِطَلَبٍ مَخْصُوصٍ أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ خَادِمًا لَهُ عَمَلًا بِالرِّضَى الْعُرْفِيِّ (وَمَرَقًا) بِفَتْحَتَيْنِ (فِيهِ دُبَّاءٌ) بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ وَقَدْ يُقْصَرُ الْقَرْعُ وَالْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ (وَقَدِيدٌ) أَيْ لَحْمٌ مَمْلُوحٌ مُجَفَّفٌ فِي الشَّمْسِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَالْقَدُّ الْقَطْعُ طُولًا (يَتَتَبَّعُ) أَيْ يَتَطَلَّبُ (مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ) أَيْ جَوَانِبِهَا وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَإِنَّمَا كُسِرَ هُنَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ يُقَالُ رَأَيْتُ النَّاسَ حَوْلَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ وَتَقُولُ حَوَالَيِ الدَّارِ قِيلَ كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ حَوَالَيْنِ كَقَوْلِكَ جَانِبَيْنِ فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا قَالَ النَّوَوِيُّ تَتَبُّعُ الدُّبَّاءِ مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ حَوَالَيِ جَانِبِهِ وَنَاحِيَتِهِ مِنَ الصَّحْفَةِ لَا مِنْ حَوَالَيْ جميع جوانبها فقد أمر
стр. 3396
بالأكل ما يَلِي الْإِنْسَانَ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَقَذَّرَهُ جَلِيسُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَقَذَّرُهُ أَحَدٌ بَلْ يَتَبَرَّكُونَ بِآثَارِهِ ﷺ فَقَدْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِبُصَاقِهِ وَنُخَامَتِهِ وَيَدْلُكُونَ بِذَلِكَ وُجُوهَهُمْ وَشَرِبَ بَعْضُهُمْ بَوْلَهُ وَبَعْضُهُمْ دَمَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مُنْذُ يَوْمِئِذٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَهُ كَمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ وَقَوْلُهُ يَوْمِئِذٍ بَيَانٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ انْتَهَى
قُلْتُ فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَكُونُ دَالُ بَعْدَ مَفْتُوحَةً وَمِيمُ يَوْمَئِذٍ مَفْتُوحَةً وَمَكْسُورَةً وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي تَكُونُ دَالُ بَعْدَ مَضْمُومَةً وَمِيمُ يَوْمَئِذٍ مَفْتُوحَةً وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْمِرْقَاةِ
وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ أَكْلِ الدُّبَّاءِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِبَّ الدُّبَّاءِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ وَأَنَّهُ يَحْرِصُ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٣ - (بَاب فِي أَكْلِ الثَّرِيدِ)
[٣٧٨٣] (كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ) يَجُوزُ رَفْعُهُ وَالنَّصْبُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ بِالْوَصْفِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَبَرُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَأَفْعَلُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ (الثَّرِيدُ) مَرْفُوعٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَكْسَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ الْمُبْتَدَأُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْخُبْزِ) وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ تَمْرٌ يُخْلَطُ بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الثَّرِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يُقَالُ ثَرَدْتُ الْخُبْزَ ثَرْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَهُوَ أَنْ تَفُتَّهُ ثُمَّ تَبُلَّهُ بِمَرَقٍ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ الْحَيْسُ هُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ أَوِ الدَّقِيقِ أَوْ فَتِيتٌ بَدَلُ أقط انتهى
وقال بن رَسْلَانَ وَصِفَتُهُ أَنْ يُؤْخَذَ التَّمْرُ أَوِ الْعَجْوَةُ فَيُنْزَعُ مِنْهُ النَّوَى وَيُعْجَنُ بِالسَّمْنِ
стр. 3397
أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ يُدَلَكُ بِالْيَدِ حَتَّى يَبْقَى كَالثَّرِيدِ وَرُبَّمَا جُعِلَ مَعَهُ سَوِيقٌ انْتَهَى
وَالْمُرَادُ مِنَ الثَّرِيدِ مِنَ الْخُبْزِ هُوَ الْمُفَتَّتُ بِمَرَقِ اللَّحْمِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ اللَّحْمُ وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ الْخُبْزُ الْمُفَتَّتُ فِي التَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْأَقِطِ وَنَحْوِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
٤ - (بَاب كَرَاهِيَةِ التَّقَذُّرِ لِلطَّعَامِ)
[٣٧٨٤] (فَقَالَ لَا يَتَخَلَّجَنَّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّخَلُّجِ وَهُوَ التَّحَرُّكُ وَالِاضْطِرَابُ أَيْ لَا يَتَحَرَّكَنَّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَعَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ مَعْنَاهُ لَا يَقَعَنَّ فِي نَفْسِكَ رِيبَةٌ
وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَلْجِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَمِنْهُ حَلْجُ الْقُطْنِ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَكَ شَيْءٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ نَظِيفٌ فَلَا تَرْتَابَنَّ فِيهِ أَيْ فِي الدَّجَاجَةِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَلْجِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَيُرْوَى بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِمَعْنَاهُ انْتَهَى (فِي نَفْسِكَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي صَدْرِكَ (شَيْءٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنَ الشَّكِّ (ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ) جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِنْ شَكَكْتَ شَابَهْتَ فِيهِ الرَّهْبَانِيَّةَ وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ سَبَبِ النَّهْيِ
وَالْمَعْنَى لَا يَدْخُلُ فِي قَلْبِكَ ضِيقٌ وَحَرَجٌ لِأَنَّكَ عَلَى الْحَنِيفَةِ السَّهْلَةِ فَإِذَا شَكَكْتَ وَشَدَّدْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمِثْلِ هَذَا شَابَهْتَ فِيهِ الرَّهْبَانِيَّةَ
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَهُلْبٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبَاءٍ بِوَاحِدَةٍ وَيُقَالُ هَلِبٌ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ لَقَبٌ لَهُ وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ قُنَافَةَ وَقِيلَ يَزِيدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ قُنَافَةَ طَائِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَقِيلَ بَلْ هُوَ هُلْبُ بْنُ يَزِيدَ وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ﵁ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَقْرَعُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَنَبَتَ شَعْرُهُ فَسُمِّيَ الهلب الطائي
стр. 3398
٢٥ - (بَاب النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا)
[٣٧٨٥] (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن أَكْلِ الْجَلَّالَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ مِنَ الْجُلَّةِ وَهِيَ الْبَعْرَةُ وَسَوَاءٌ فِي الْجَلَّالَةِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْإِبِلُ وغيرها كالدجاج والأوز وغيرهما وادعى بن حَزْمٍ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى ذَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً ثُمَّ قِيلَ إِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ فَلَيْسَتْ جَلَّالَةً وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا اعْتِدَادَ بِالْكَثْرَةِ بَلْ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ فَإِنْ تَغَيَّرَ رِيحُ مَرَقِهَا أَوْ لَحْمِهَا أَوْ طَعْمِهَا أَوْ لَوْنِهَا فَهِيَ جَلَّالَةٌ (وَأَلْبَانِهَا) أَيْ وَعَنْ شُرْبِ أَلْبَانِهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالُوا لَا يُؤْكَلُ حَتَّى تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ عَلَفًا غَيْرَهَا فَإِذَا طَابَ لَحْمُهَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ الْبَقَرَ تُعْلَفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وكان بن عُمَرَ تُحْبَسُ الدَّجَاجَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تُذْبَحُ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ غَسْلًا جَيِّدًا وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ انتهى
وقال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَلَيْسَ لِلْحَبْسِ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ وَعَنْ بَعْضِهِمْ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفِي الْغَنَمِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَفِي الدَّجَاجِ ثَلَاثَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْرِيرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ بن أَبِي نَجِيحٍ
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رواه عن بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا
[٣٧٨٦] (نَهَى عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ) قَدِ اخْتُلِفَ فِي طَهَارَةِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِهَا فَيَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانَاتِ لَحْمًا وَيَصِيرُ لَبَنًا
стр. 3399
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٧٨٧] (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا) عِلَّةُ النَّهْيِ أَنْ تَعْرَقَ فَتُلَوِّثَ مَا عَلَيْهَا بِعَرَقِهَا وَهَذَا مَا لَمْ تُحْبَسْ فَإِذَا حُبِسَتْ جَازَ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَنِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦ - (بَاب فِي آكِلِ لُحُومِ الْخَيْلِ)
[٣٧٨٨] (عن محمد بن علي) أي بن الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ الْبَاقِرُ أَبُو جَعْفَرٍ (يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ الْأَهْلِيَّةِ (وَأَذِنَ لَنَا فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجَمَاهِيرُ المحدثين وكرهها طائفة منهم بن عَبَّاسٍ وَالْحَكَمُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَكْلَ وَذَكَرَ الْأَكْلَ مِنَ الْأَنْعَامِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبِحَدِيثِ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ الْحَدِيثَ
قُلْتُ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي آخِرِ الْبَابِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ
قَالَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَبِأَحَادِيثَ أُخْرَى صَحِيحَةٍ جَاءَتْ بِالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النَّهْيِ حَدِيثٌ
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ ضَعِيفٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْسُوخٌ
стр. 3400
وَأَمَّا الْآيَةُ فَأَجَابُوا عَنْهَا بِأَنَّ ذِكْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَانِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخَيْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ولحم الخنزير فَذَكَرَ اللَّحْمَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَدَمِهِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ قَالُوا وَلِهَذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ وتحمل أثقالكم وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ هَذَا تَحْرِيمُ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ
[٣٧٨٩] (فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الخيل) وفي حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى كَرَاهَةِ أَكْلِ الْخَيْلِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَغَيْرُهُمَا وَاحْتَجُّوا بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي حِلِّهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَرْقٌ وَلَكِنَّ الْآثَارَ إِذَا صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن يُقَالَ بِهَا مِمَّا يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّهُ ﷺ أَبَاحَ لَهُمْ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِهَا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ
[٣٧٩٠] (نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ) احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ
وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ والخطابي وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَآخَرُونَ
следующие страницы →