Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
[٣٨٢٧] (إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلُوهُمَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ آكِلِيهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ خَبَرُ كُنْتُمْ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ بَدَّدَهُ تَبْدِيدًا فَرَّقَهُ وَلَا بُدَّ لَا فِرَاقَ وَلَا مَحَالَةَ انْتَهَى
وَخَبَرُ لَا مَحْذُوفٌ وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ (فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا) أَيْ أَزِيلُوا رَائِحَتَهُمَا بِالطَّبْخِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٨٢٨] (نُهِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ أَكْلِ الثُّومِ إِلَّا مطبوخا) قال القارىء هَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ تَقْيِيدَ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي النَّهْيِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ شَرِيكُ بْنُ حَنْبَلٍ) أَيْ شَرِيكٌ الْمَذْكُورُ فِي الإسناد هو بن حَنْبَلٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَقَدْ رَوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ قَوْلُهُ وَقَالَ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَوِيِّ
قَالَ أَخْبَرَنَا أَيْ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ وَقَالَ حَيْوَةُ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ
[٣٨٢٩] (إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ) أَيْ مَطْبُوخٌ بِشَهَادَةِ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِ قَالَ بن الْمَلَكِ قِيلَ إِنَّمَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لِيُعْلِمَ أن النهي للتنزية لا للتحريم ذكره القارىء
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ لِمَنْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ وَكَرَاهَةِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ وَرِيحُهُ مَوْجُودٌ لِئَلَّا يُؤْذِيَ بِذَلِكَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَنِي آدَمَ وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالثُّومِ وَالْبَصَلِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الْبُقُولِ الْكَرِيهَةِ الرَّائِحَةِ كَالْفُجْلِ
قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ فِي الطَّبَرَانِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ
стр. 3432
٤٢ - (بَاب فِي التَّمْرِ)
[٣٨٣٠] (أَخَذَ كِسْرَةً) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ قِطْعَةً (وَقَالَ هَذِهِ) أَيِ التَّمْرَةُ (إِدَامُ هَذِهِ) أَيِ الْكِسْرَةُ
قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا كَانَ التَّمْرُ طَعَامًا مُسْتَقِلًّا وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا بِالْأُدُومَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي يُوسُفَ هَذَا فَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ لَهُ رُؤْيَةٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ
وَمِنَ التَّابِعِينَ الْمُخَضْرَمِينَ طَبَقَةٌ وُلِدُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ مِنْهُمْ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ انْتَهَى وَفِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمِشْكَاةِ وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُمِلَ إِلَيْهِ وَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ وَسَمَّاهُ يُوسُفَ وَمَسَحَ رأسه ومنهم من يقول له روية وَلَا رِوَايَةَ لَهُ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ
انْتَهَى
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَإِطْلَاقُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ مُرْسَلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ رِوَايَةً مَعَ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ إِجْمَاعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٣٨٣١] (بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ) جِيَاعٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَائِعٍ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لِأَنَّ التَّمْرَ كَانَ قُوتَهُمْ فَإِذَا خَلَا مِنْهُ الْبَيْتُ جَاعَ أَهْلُهُ وَأَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِالنَّظَرِ إِلَى قُوتِهِمْ يَقُولُونَ كَذَلِكَ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّهُ حَثَّ عَلَى الْقَنَاعَةِ فِي بِلَادٍ كَثُرَ فِيهَا التَّمْرُ أَيْ مَنْ قَنَعَ بِهِ لَا يَجُوعُ وَقِيلَ هُوَ تَفْضِيلٌ لِلتَّمْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن ماجه
стр. 3433
٤٣ - (باب في تفتيش التمر المسوس عند الأكل)
[٣٨٣٢] الْمَسُوسُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ سَاسَ الطَّعَامُ يَسَاسُ سَوْسًا بِالْفَتْحِ أَيْ وَقَعَ فِيهِ السُّوسُ بِالضَّمِّ وَهُوَ دُودٌ يَقَعُ فِي الصُّوفِ وَالطَّعَامِ
(أُتِيَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِتَمْرٍ عَتِيقٍ) أَيْ قَدِيمٍ (فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ) فِيهِ كَرَاهَةُ أَكْلِ مَا يُظَنُّ فِيهِ الدُّودُ بِلَا تَفْتِيشٍ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَفِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ الدُّودِ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ أكله
قال القارىء وروى الطبراني بإسناد حسن عن بن عمر مرفوعانهى أَنَّ يُفَتَّشَ التَّمْرُ عَمَّا فِيهِ فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّمْرِ الْجَدِيدِ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ أَوْ فِعْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
[٣٨٣٣] (كَانَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ فِيهِ دُودٌ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ
([٣٨٣٤] بَابُ الْإِقْرَانِ فِي التَّمْرِ عَنْدَ الْأَكْلِ)
الْإِقْرَانُ ضَمُّ تَمْرَةٍ إِلَى تَمْرَةٍ لِمَنْ أَكَلَ مَعَ جَمَاعَةٍ
стр. 3434
(عَنْ جَبَلَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ (بْنِ سُحَيْمٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْإِقْرَانِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْأَدَبِ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ وَيَحْصُلُ الرضى بِتَصْرِيحِهِمْ بِهِ أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَرِينَةِ حَالٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَكْلٍ اشْتُرِطَ رِضَاهُ وَيَحْرُمُ لِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لَهُ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ
وَحَسُنَ لِلْمُضِيفِ أَنْ لَا يَقْرِنَ لِيُسَاوِيَ ضَيْفَهُ إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّيْءُ كَثِيرًا يَفْضُلُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّ الْأَدَبَ فِي الْأَكْلِ مُطْلَقًا تَرْكُ مَا يَقْتَضِي الشَّرَهَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِشُغْلٍ آخَرَ
وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ شَرْطَ هَذَا الِاسْتِئْذَانِ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِمْ حَيْثُ كَانُوا فِي قِلَّةٍ مِنَ الشَّيْءِ فَأَمَّا الْيَوْمُ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانٍ وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلِيُّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ ثابت
وقد أخرج بن شَاهِينٍ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهُوَ فِي مُسْنَدِ البزار من طريق بن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ وَأَنَّ اللَّهَ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ فَاقْرِنُوا فَلَعَلَّ النَّوَوِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا
قَالَ الْحَازِمِيُّ حَدِيثُ النَّهْيِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا (إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَكَ) مَفْعُولٌ أَيِ الَّذِينَ اشْتَرَكُوا مَعَكَ فِي ذَلِكَ التَّمْرِ فَإِذَا أَذِنُوا جَازَ لَكَ الْإِقْرَانُ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ
قَالَ شُعْبَةُ لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ بن عُمَرَ يَعْنِي الِاسْتِئْذَانَ
стр. 3435
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
٥ - (باب في الجمع بين اللونين عند الْأَكْلِ)
[٣٨٣٥] (كَانَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْقِثَّاءُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّ الْقَافِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِمَا يَقُولُهُ النَّاسُ الْخِيَارُ وَبَعْضُ النَّاسِ يُطْلِقُ الْقِثَّاءَ عَلَى نَوْعٍ يُشْبِهُ الْخِيَارَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ حَنِثَ بِالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَوْعًا غَيْرَهُ فَتَفْسِيرُ الْقِثَّاءِ بِالْخِيَارِ تَسَامُحٌ انْتَهَى
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ كَيْفِيَّةُ أَكْلِهِ لَهُمَا فَأَخْرَجَ الْأَوْسَطُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ رَأَيْتُ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ قِثَّاءً وَفِي شِمَالِهِ رُطَبًا وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ ذَا مَرَّةً وَمِنْ ذَا مَرَّةً وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ أَكْلِهِمَا مَعًا وَالتَّوَسُّعِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ هَذَا وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا فَمَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ اعْتِيَادِ التَّوَسُّعِ وَالتَّرَفُّهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٨٣٦] (سَعِيدُ بْنُ نُصَيْرٍ) بِضَمِّ النُّونِ مُصَغَّرًا (يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الطَّبِيخَ بِتَقْدِيمِ الطَّاءِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ لُغَةٌ فِي الْبِطِّيخِ (فَيَقُولُ نَكْسِرُ حَرَّ هَذَا) أَيِ الرُّطَبَ (بِبَرْدِ هَذَا) أَيِ الْبِطِّيخِ (وَبَرْدَ هَذَا) أَيِ الْبِطِّيخِ (بِحَرِّ هَذَا) أَيِ الرُّطَبِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُرَادُ بِالْبِطِّيخِ فِي الْحَدِيثِ الْأَخْضَرُ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ فِي الْأَصْفَرِ حَرَارَةً كَمَا فِي الرُّطَبِ وَقَدْ وَرَدَ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُطْفِئُ حرارة الآخر
وقال الحافظ بن حَجَرٍ الْمُرَادُ بِهِ الْأَصْفَرُ بِدَلِيلِ وُرُودِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْخِرْبِزِ قَالَ وَكَانَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ الْأَخْضَرِ وَأَجَابَ عَمَّا قَالَ الْبَعْضُ بِأَنَّ فِي الْأَصْفَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِحَلَاوَتِهِ طَرَفُ حَرَارَةٍ
وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ
стр. 3436
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْخِرْبِزِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا زَايٌ نَوْعٌ مِنَ الْبِطِّيخِ الْأَصْفَرِ قَالَهُ الْحَافِظُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ وَمُقَابَلَةُ الشَّيْءِ الضَّارِّ بِالشَّيْءِ الْمُضَادِّ لَهُ فِي طَبْعِهِ عَلَى مذهب الطب والعلاج انتهى
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ جَاءَ فِي الْبِطِّيخِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
[٣٨٣٧] (وَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ) بِفَتْحٍ وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ (حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَهُمَا عَطِيَّةُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَاسْمُ أَبِيهِمَا بُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ (فَقَدَّمْنَا زُبْدًا وَتَمْرًا) أَيْ قَرَّبْنَاهُمَا إِلَيْهِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ زُبْدٌ عَلَى وَزْنِ قُفْلٍ مَا يُسْتَخْرَجُ بِالْمَخْضِ مِنْ لَبَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَأَمَّا لَبَنُ الْإِبِلِ فَلَا يُسَمَّى مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ زُبْدًا بَلْ يُقَالُ لَهُ جُنَّابٌ وَالزُّبْدَةُ أَخَصُّ مِنَ الزُّبْدِ انْتَهَى
وَفِي الصُّرَاحِ زُبْدٌ بِالضَّمِّ كفك وسرشير زبدة مسكه
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُمَا عبد الله وعطية
٦ - (باب في استعمال آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ)
[٣٨٣٨] (عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ (فَلَا يَعِيبُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ذَلِكَ
стр. 3437
أَيِ اسْتِمْتَاعَنَا بِآنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ (عَلَيْهِمْ) فِيهِ الْتِفَاتٌ أَيْ عَلَيْنَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا يُبِيحُ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غير غسل لها وتنظيف وهذه الْإِبَاحَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ انْتَهَى
قُلْتُ الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَفِي رِوَايَتِهِ فَنَغْسِلُهَا وَنَأْكُلُ فِيهَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٨٣٩] (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (مُسْلِمُ بْنُ مِشْكَمٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ (إِنَّا نُجَاوِزُ) بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ نَمُرُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (فَارْحَضُوهَا) أَيِ اغْسِلُوهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ الرَّحْضُ الْغَسْلُ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا إِلَّا بَعْدَ الْغَسْلِ وَالتَّنْظِيفِ فَأَمَّا ثِيَابُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَمِيَاهِ الْمُسْلِمِينَ وَثِيَابِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَحَاشَوْنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ كَانَ مِنْ عَادَاتِهِمُ اسْتِعْمَالُ الْأَبْوَالِ فِي طُهُورِهِمْ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ ثِيَابِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال أَمَّا مَا ذَكَرْتُ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الترمذي وبن ماجه بنحوه
стр. 3438
٤٧ - (بَاب فِي دَوَابِّ الْبَحْرِ جَمْعُ دَابَّةٍ)
[٣٨٤٠] (نَتَلَقَّى عِيرًا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هِيَ الْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ (زَوَّدَنَا) أَيْ جَعَلَ زَادَنَا (جِرَابًا) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ (كُنَّا نَمَصُّهَا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ (بِعِصِيِّنَا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ عَصًا (الْخَبَطَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَرَقُ الشَّجَرِ السَّاقِطُ بِمَعْنَى الْمَخْبُوطِ (ثُمَّ نَبُلُّهُ) أَيِ الْخَبَطَ (كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الرَّمْلُ الْمُسْتَطِيلُ الْمَحْدُوبُ (الضَّخْمِ) أي العظيم (تدعى العنبر) هِيَ سَمَكَةٌ كَبِيرَةٌ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدِهَا التُّرْسُ (فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ) أَيْ هَذِهِ مَيْتَةٌ (ثُمَّ قَالَ لَا إِلَخْ) الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁ قَالَ أَوَّلًا بِاجْتِهَادِهِ إِنَّ هَذَا مَيْتَةٌ وَالْمَيْتَةُ حَرَامٌ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهَا ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَقَالَ بَلْ هُوَ حَلَالٌ لَكُمْ وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً لِأَنَّكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَيْتَةَ لِمَنْ كَانَ مُضْطَرًّا فَكُلُوا فَأَكَلُوا
وَأَمَّا طَلَبُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ لَحْمِهِ وَأَكْلُهُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي تَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ فِي حِلِّهِ وَأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي إِبَاحَتِهِ وَأَنَّهُ يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِهِ لِكَوْنِهِ طُعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خَارِقَةً لِلْعَادَةِ كَرَّمَهُمُ اللَّهُ بِهَا
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَوَابَّ الْبَحْرِ كُلَّهَا مُبَاحَةٌ وَأَنَّ مَيْتَتَهَا حَلَالٌ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ فَأَكَلَ وَهَذَا حَالُ رَفَاهِيَةٍ لَا حَالُ ضَرُورَةٍ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ فَقَدْ ذَبَحَهَا اللَّهُ لَكُمْ وَذَكَّاهَا لَكُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ ذَكِيٌّ
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ عَيْشُهُ فِي الْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ قِيلَ فَالتِّمْسَاحُ قَالَ نَعَمْ
وَغَالِبُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِبَاحَةُ دَوَابِّ الْبَحْرِ كُلِّهَا إِلَّا الضُّفْدَعَ لِمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا
وَكَانَ أبو ثور
стр. 3439
يَقُولُ جَمِيعُ مَا يَأْوِي إِلَى الْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ فَمَا كَانَ مِنْهُ يُذَكَّى لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِذَكَاةٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يُذَكَّى مِثْلَ السَّمَكِ حَلَّ حَيًّا وَمَيِّتًا
وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ دَوَابَّ الْبَحْرِ كُلَّهَا إِلَّا السَّمَكَ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالسَّرَطَانِ بأس
وقال بن وَهْبٍ سَأَلْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ أَكْلِ خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِ الْمَاءِ وَإِنْسَانِ الْمَاءِ وَدَوَابِّ الْمَاءِ كُلِّهَا فَقَالَ أَمَّا إِنْسَانُ الْمَاءِ فَلَا يُؤْكَلُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَالَاتِ وَالْخِنْزِيرُ إِذَا سَمَّاهُ النَّاسُ خِنْزِيرًا فَلَا يُؤْكَلُ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخِنْزِيرَ وَأَمَّا الْكِلَابُ فَلَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يختلفوا أن المارما هي مُبَاحٌ أَكْلُهُ وَهُوَ يُشْبِهُ الْحَيَّاتِ وَتُسَمَّى أَيْضًا حَيَّةَ الْبَحْرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ وَالْأَشْبَاهِ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَإِنَّمَا هِيَ كُلُّهَا سُمُوكٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَشْكَالُهَا وَصُوَرُهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ أُحِلَّ لَكُمْ صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة فَدَخَلَ فِيهِ مَا يُصَادُ مِنْ حَيَوَانِهِ لِأَنَّهُ لَا يُخَصُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ
وَسُئِلَ رسول الله ﷺ عن مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ طَهُورٌ مَاؤُهُ حَلَالٌ مَيْتَتُهُ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنْهَا دُونَ شَيْءٍ فَقَضِيَّةُ الْعُمُومِ تُوجِبُ فِيهَا الْإِبَاحَةَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ
انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
([٣٨٤١] بَاب فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ)
(أخبرنا سفيان) هو بن عُيَيْنَةَ وَهَكَذَا أَيْ أَلْقُوا مَا حَوْلَهَا وَكُلُوا أورده أكثر أصحاب بن عُيَيْنَةَ عَنْهُ كَالْحُمَيْدِيِّ وَمُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِمَا
وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ بن حِبَّانَ بِلَفْظِ إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ بن عُيَيْنَةَ غَرِيبَةٌ انْتَهَى (أَلْقُوا مَا حَوْلَهَا) أَيْ مَا حَوْلَ الْفَأْرَةِ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ جَامِدًا وَأَمَّا فِي الْمُذَابِ فَالْكُلُّ حولها
стр. 3440
قال الحافظ وقد تمسك بن الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ وَمَا حَوْلَهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَامِدًا
قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَوْلٌ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ مَهْمَا نُقِلَ لَخَلَفَهُ غَيْرُهُ فِي الْحَالِ فَيَصِيرُ مِمَّا حَوْلَهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى إِلْقَائِهِ كُلِّهِ
قَالَ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّرَ مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ وَهَذَا أَظْهَرُ فِي كَوْنِهِ جَامِدًا مِنْ قَوْلِهِ وَمَا حَوْلَهَا فَيُقَوِّي مَا تَمَسَّكَ بِهِ بن العربي
стр. 3441
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَائِعَ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلُ بن نَافِعٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ بن عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ قَالَ تُؤْخَذُ الْفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا فَقُلْتُ إِنَّ أَثَرَهَا كَانَ فِي السَّمْنِ كُلِّهِ قَالَ إِنَّمَا كان وهي حية وإنما مَاتَتْ حَيْثُ وُجِدَتْ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَقَالَ فِيهِ عَنْ جرفيه زَيْتٌ وَقَعَ فِيهِ جُرَذٌ وَفِيهِ أَلَيْسَ جَالَ في
стр. 3442
الْجَرِّ كُلِّهِ قَالَ إِنَّمَا جَالَ وَفِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ اسْتَقَرَّ حَيْثُ مَاتَ وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ
وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٨٤٢] (وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ) بِهِ أخذ فِي الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ كُلُّهُ دُونَ الْجَامِدِ وَخَالَفَ فِي الْمَائِعِ جَمْعٌ مِنْهُمُ الزهري والأوزاعي
стр. 3443
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الزَّيْتِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَذَهَبَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ فَلَا تَقْرَبُوهُ وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَالَ أَرِيقُوهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَالِاسْتِصْبَاحُ بِهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا وَقَالَ وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
стр. 3444
إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ هَذَا خَطَأٌ قَالَ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ
٩ - (بَاب فِي الذُّبَابِ يَقَعُ فِي الطَّعَامِ)
[٣٨٤٤] (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) قِيلَ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ (فَامْقُلُوهُ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ اغْمِسُوهُ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ وَالْمَقْلُ الْغَمْسُ (وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَكَانَهُ دَوَاءٌ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهَا الدَّاءُ) أَيْ إِنَّهُ يُقَدِّمُ بِجَنَاحِهِ يُقَالُ اتَّقَى بِحَقِّ عُمَرَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِهِ وَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْجَنَاحِ مِنْ أَذِيَّةٍ تَلْحَقُهُ مِنْ حرارة ذلك الطعام ذكره بن الْمَلَكِ (فَلْيَغْمِسْهُ) أَيْ كُلَّ الذُّبَابِ لِيَتَعَادَلَ دَاؤُهُ وَدَوَاؤُهُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ وَأَنَّهُ يُطْرَحُ وَلَا يُؤْكَلُ وَأَنَّ الذُّبَابَ إِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِغَمْسِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا فَلَوْ كَانَ ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام وهو ﷺ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ ثُمَّ أَدَّى هَذَا الْحُكْمُ إلى كل مالا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالنَّحْلَةِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذلك
قال المنذري وأخرجه البخاري وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عن أبي هريرة وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
стр. 3445
٥
([٣٨٤٥] بَاب فِي اللُّقْمَةِ تَسْقُطُ)
(لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا لَهَا (فَلْيُمِطْ) مِنَ الْإِمَاطَةِ أَيْ فَلْيُزِلْ (عَنْهَا) أَيِ اللُّقْمَةِ (الْأَذَى) أَيِ الْمُسْتَقْذَرَ مِنْ غُبَارٍ وَتُرَابٍ وَقَذًى وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ أَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ أَذًى يُصِيبُهَا هَذَا إِذَا لَمْ تَقَعْ عَلَى مَوْضِعِ نَجَاسَةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ تَنَجَّسَتْ وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا إِنْ أَمْكَنَ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَطْعَمَهَا حَيَوَانًا ولا يتركها للشيطان (وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الصَّحْفَةَ) أَيْ نَمْسَحَهَا وَنَتَتَبَّعَ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ يُقَالُ سَلَتَ الصَّحْفَةَ يَسْلُتُهَا مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ إِذَا تتبع ما بقي فيها مِنَ الطَّعَامِ وَمَسَحَهَا بِالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ) أي أن الطعام الذي يحضر الْإِنْسَانُ فِيهِ بَرَكَةٌ وَلَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَكَلَ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ أَوْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَسْفَلِ الْقَصْعَةِ أو في اللقمة الساقطة فينبغي أو يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهُ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ وَثُبُوتُ الْخَيْرِ وَالِامْتِنَاعُ بِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُرَادُ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا تَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنْ أَذًى وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
١ - (بَاب فِي الْخَادِمِ يَأْكُلُ مَعَ الْمَوْلَى)
[٣٨٤٦] (إِذَا صَنَعَ) أَيْ طَبَخَ (خَادِمُهُ) أَيْ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ مُطْلَقًا (بِهِ) أَيْ بِالطَّعَامِ (وَقَدْ وَلِيَ) بِكَسْرِ
стр. 3446
اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ تَوَلَّى أَوْ قَرُبَ (حَرَّهُ) أَيْ نَارَهُ أَوْ تَعَبَهُ (وَدُخَانَهُ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَوِ الْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْجَوَارِحِ وَالثَّانِي بِبَعْضٍ آخَرَ (فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ) أَمْرٌ مِنَ الْإِقْعَادِ لِلِاسْتِحْبَابِ (فَلْيَأْكُلْ) أَيْ مَعَهُ وَلَا يَسْتَنْكِفْ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْجَبَابِرَةِ فَإِنَّهُ أَخُوهُ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَاسَى كُلْفَةَ اتِّخَاذِهِ وَحَمْلِهَا عَنْكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُشَارِكَهُ فِي الْحَظِّ مِنْهُ (فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا) أَيْ قَلِيلًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمَشْفُوهُ الْقَلِيلُ وَقِيلَ لَهُ مَشْفُوهٌ لِكَثْرَةِ الشِّفَاهِ الَّتِي تَجْتَمِعُ عَلَى أَكْلِهِ (فَلْيَضَعْ) أَيِ الْمَخْدُومُ (فِي يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْخَادِمِ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الطَّعَامِ (أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ وَسَبَبُهُ أَنْ لَا يَصِيرَ مَحْرُومًا فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ وَالْأُكْلَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَا يُؤْكَلُ دَفْعَةً وَهُوَ اللُّقْمَةُ فِي الْقَامُوسِ
وَالنِّهَايَةِ الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ الْمَأْكُولَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ مِنَ الْأَكْلِ وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَشَمَّ رَائِحَتَهُ وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٢ - (بَاب فِي الْمِنْدِيلَ)
[٣٨٤٧] بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُحْمَلُ فِي الْيَدِ لِلْوَسَخِ وَالِامْتِهَانِ
(حَتَّى يَلْعَقَهَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَلْعَقَهَا هُوَ (أَوْ يُلْعِقَهَا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ يُلْعِقَهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَذَّرْهُ كَالزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ وَالْوَلَدِ وَالْخَادِمِ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ وَفِي مَعْنَاهُمُ التِّلْمِيذُ وَمَنْ يَعْتَقِدُ التَّبَرُّكَ بِلَعْقِهَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مَسْحِ الْيَدِ بِالْمِنْدِيلِ لَكِنِ السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لَعْقِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ
стр. 3447
[٣٨٤٨] (كان يأكل بثلاث أصابع) فيه أن السنة الأكل بثلاث أَصَابِعَ وَلَا يَضُمُّ إِلَيْهَا الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ إِلَّا لِعُذْرٍ بِأَنْ يَكُونَ مَرَقًا وَغَيْرَهُ مِمَّا لَا يمكن بثلاث قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْحَافِظُ يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ كعب بن مالك أن السنة الأكل بثلاث أَصَابِعَ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا جَائِزًا
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ بن شِهَابٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا أكل أكل بخمس فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ كَعْبٍ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ
٣ - (باب ما يقول إِذَا طَعِمَ)
[٣٨٤٩] أَيْ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَامِ
قال بن بَطَّالٍ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْحَمْدِ بَعْدَ الطَّعَامِ وَوَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ يَعْنِي لَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْهَا
(إِذَا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ) أَيْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ برواية أنس ﵁ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ وَالْمَائِدَةُ هِيَ خِوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى ذَلِكَ وَرَآهُ غَيْرُهُ وَالْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الطَّعَامِ
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أُكِلَ الطَّعَامُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ رُفِعَ قِيلَ رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ انْتَهَى
قُلْتُ وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَائِدَةَ هِيَ مَا يُبْسَطُ لِلطَّعَامِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالْمَائِدَةُ عَامٌّ لَهَا أَنْوَاعٌ مِنْهَا السُّفْرَةُ وَمِنْهَا الْخُوَانُ وَغَيْرُهُ فَالْخُوَانُ بِضَمِّ الْخَاءِ يَكُونُ مِنْ خَشَبٍ وَتَكُونُ تَحْتَهُ قَوَائِمُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَالْأَكْلُ عَلَيْهِ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ لِئَلَّا يُفْتَقَرَ إِلَى التَّطَأْطُؤِ وَالِانْحِنَاءِ فَالَّذِي نُفِيَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ الْخُوَانُ وَالَّذِي أُثْبِتَ هُوَ نَحْوُ السُّفْرَةِ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3448
(طَيِّبًا) أَيْ خَالِصًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (مُبَارَكًا) بفتح الراء هو وما قبله صفات لحمدا مقدرا (فِيهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ حَمْدًا ذَا بَرَكَةٍ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ لِأَنَّ نِعَمَهُ لَا تَنْقَطِعُ عَنَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَمْدُنَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا وَلَوْ نِيَّةً وَاعْتِقَادًا (غَيْرَ مَكْفِيٍّ) بِنَصْبِ غَيْرَ وَرَفْعِهِ وَمَكْفِيٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ مِنْ كَفَأْتُ أَيْ غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الطَّعَامِ الدَّالِّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الْمُعْتَلِّ يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُطْعِمُ لِعِبَادِهِ وَالْكَافِي لَهُمْ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ أَصْلُهُ مَكْفُويٍّ عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ ضَمَّةُ الْفَاءِ كَسْرَةً لِأَجْلِ الْيَاءِ وَالْمَعْنَى هَذَا الَّذِي أَكَلْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ كِفَايَةٌ عَمَّا بَعْدَهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ بَلْ نِعَمُكَ مُسْتَمِرَّةٌ لَنَا طُولَ أَعْمَارِنَا غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ وَقِيلَ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ أَنَّ الْحَمْدَ غَيْرُ مَكْفِيٍّ إِلَخْ كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ (وَلَا مُوَدَّعٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ أَيْ غَيْرُ مَتْرُوكٍ وَيُحْتَمَلُ كَسْرُهَا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ غَيْرُ تَارِكٍ (وَلَا مُسْتَغَنًى عَنْهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالتَّنْوِينِ أَيْ غَيْرُ مَطْرُوحٍ وَلَا مُعْرَضَ عَنْهُ بَلْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ (رَبُّنَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ رَبُّنَا أو على أنه مبتدأ وخبر مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الاختصاص أو إضمارا عني
قال بن التِّينِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى الْبَدَلِ من الاسم في قوله الحمدلله
وقال بن الْجَوْزِيِّ رَبَّنَا بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٣٨٥٠] (عَنْ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ) أَيْ مُوَحِّدِينَ مُنْقَادِينَ لِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ
وَفَائِدَةُ الْحَمْدِ بَعْدَ الطَّعَامِ أَدَاءُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَطَلَبُ زِيَادَةِ النِّعْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لئن شكرتم لأزيدنكم وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ حَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ مِنْ حُصُولِ مَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ وَانْدِفَاعِ مَا كَانَ يَخَافُ وُقُوعَهُ
ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْبَاعِثُ هُنَا هُوَ الطَّعَامُ ذَكَرَهُ أَوَّلًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَكَانَ السَّقْيُ مِنْ تَتِمَّتِهِ لِكَوْنِهِ مُقَارِنًا لَهُ فِي التَّحْقِيقِ غَالِبًا ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْ ذِكْرِ
стр. 3449
النِّعْمَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى النِّعَمِ الْبَاطِنَةِ فَذَكَرَ مَا هُوَ أَشْرَفَهَا وَخَتَمَ بِهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حسن الخاتمة مع مافيه مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا قَدْرًا وَوَصْفًا وَوَقْتًا احْتِيَاجًا وَاسْتِغْنَاءً بحسب ما قدره وقضاه كذا قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ وَسَاقَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ
[٣٨٥١] (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يزيد وثقه بن معين (إذا أكل وشرب) قال القارىء فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا (قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى) لَعَلَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ (وَسَوَّغَهُ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ سَهَّلَ دُخُولَ كُلٍّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ (وَجَعَلَ لَهُ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (مَخْرَجًا) أَيْ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَتَخْرُجُ مِنْهُمَا الْفَضْلَةُ فَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلطَّعَامِ مُقَامًا فِي الْمَعِدَةِ زَمَانًا كَيْ تَنْقَسِمَ مَضَارُّهُ وَمَنَافِعُهُ فَيَبْقَى مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ وَالشَّحْمِ وَيَنْدَفِعُ بَاقِيهِ وَذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ وَمِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَلُطْفِهِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
وَقَالَ الطيبي ﵀ ذكر ها هُنَا نِعَمًا أَرْبَعًا الْإِطْعَامَ وَالسَّقْيَ وَالتَّسْوِيغَ وَهُوَ تَسْهِيلُ الدُّخُولِ فِي الْحَلْقِ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْأَسْنَانَ لِلْمَضْغِ وَالرِّيقَ لِلْبَلْعِ وَجَعَلَ الْمَعِدَةَ مُقَسِّمًا لِلطَّعَامِ لَهَا مَخَارِجُ فَالصَّالِحُ مِنْهُ يَنْبَعِثُ إِلَى الْكَبِدِ وَغَيْرُهُ يَنْدَفِعُ مِنْ طَرِيقِ الْأَمْعَاءِ كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَنِعْمَةٌ يَجِبُ الْقِيَامُ بِمُوَاجَبِهَا مِنَ الشُّكْرِ بِالْجَنَانِ وَالْبَثِّ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْأَرْكَانِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٤ - (بَاب فِي غَسْلِ الْيَدِ مِنْ الطَّعَامِ)
[٣٨٥٢] (وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ دَسَمٌ وَوَسَخٌ وَزُهُومَةٌ مِنَ اللَّحْمِ (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) أَيْ ذَلِكَ الْغَمَرَ
стр. 3450
(فَأَصَابَهُ شَيْءٌ) أَيْ وَصَلَهُ شَيْءٌ مِنْ إِيذَاءِ الْهَوَامِّ وَقِيلَ أَوْ مِنَ الْجَانِّ لِأَنَّ الْهَوَامَّ وَذَوَاتَ السَّمُومِ رُبَّمَا تَقْصِدُهُ فِي الْمَنَامِ لِرَائِحَةِ الطَّعَامِ فِي يَدِهِ فَتُؤْذِيهِ وَقِيلَ مِنَ الْبَرَصِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْيَدَ حِينَئِذٍ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بَعْدَ عَرَقِهِ فَرُبَّمَا أَوْرَثَ ذَلِكَ (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ في حقه
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ حَسَنٌ غريب
٥ - (باب فِي الدُّعَاءِ لِرَبِّ الطَّعَامِ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ)
[٣٨٥٣] (فَلَمَّا فَرَغُوا) أَيْ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ (قَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَثِيبُوا أَخَاكُمْ) مِنْ أَثَابَ يُثِيبُ إِثَابَةً وَالِاسْمُ الثَّوَابُ وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ أَيْ جَازُوهُ عَلَى صَنِيعِهِ وَكَافِئُوهُ (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ) بِالْبِنَاءِ للمفعول في الأفعال الثلاثة (فدعواله) أَيْ دَعَا لَهُ الْآكِلُونَ (فَذَلِكَ) أَيِ الدُّعَاءُ لَهُ (إِثَابَتُهُ) أَيْ ثَوَابُهُ وَجَزَاؤُهُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَدْعُوِّ أَنْ يَدْعُوَ لِلدَّاعِي بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّعَامِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الْمَعْرُوفُ بالدلاني وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمُ
стр. 3451
[٣٨٥٤] (فَجَاءَ) أَيْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ (فَأَكَلَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ) أَيِ الْأَتْقِيَاءُ الصَّالِحُونَ (وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ) أَيْ دَعَتْ لَكُمْ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وهذا آخر كتاب الأطعمة
стр. 3452
٢٧ - كِتَابِ الطِّبِّ
بِتَثْلِيثِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَهُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَحْوَالُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَنَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الطِّبَّ بِالْكَسْرِ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ لِلْمُدَاوِي وَلِلتَّدَاوِي وَلِلدَّاءِ أَيْضًا فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ وَيُقَالُ أَيْضًا لِلرِّفْقِ وَالسِّحْرِ وَيُقَالُ لِلشَّهْوَةِ وَلِطَرَائِقَ تُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ وَلِلْحِذْقِ بِالشَّيْءِ وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَخُصَّ بِهِ الْمُعَالِجُ عُرْفًا وَالْجَمْعُ فِي الْقِلَّةِ أَطِبَّةٌ وَفِي الْكَثْرَةِ أَطِبَّاءُ
وَالطِّبُّ نَوْعَانِ طِبُّ جَسَدٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَطِبُّ قَلْبٍ وَمُعَالَجَتُهُ خَاصَّةٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﵊ عَنْ رَبِّهِ
وَأَمَّا طِبُّ الْجَسَدِ فَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ ﷺ وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ وَغَالِبُهُ راجع إلى التجربة
([٣٨٥٥] باب الرجل يتداوى)
(وأصحابه) الواو للحال (كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَصَفَهُمْ بِالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَيْشٌ وَلَا خِفَّةٌ لِأَنَّ الطَّيْرَ لَا تَكَادُ تَقَعَ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ سَاكِنٍ (أَنَتَدَاوَى) أَيْ أَنَتْرُكُ تَرْكَ الْمُعَالَجَةِ فَنَطْلُبُ الدَّوَاءَ إِذَا عَرَضَ الدَّاءُ وَنَتَوَكَّلُ عَلَى خالق الأرض والسماء
والاستفهام للتقرير
قاله القارىء (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَدَاوَوْا)
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ وَالرُّخْصَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهُ الْمَقَامُ فَإِنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ الْإِبَاحَةِ قَطْعًا فَالْمُتَبَادِرُ فِي جَوَابِهِ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْإِبَاحَةِ
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ
стр. 3453
الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَقَدْ وَرَدَ مَدْحُ مَنْ تَرَكَ الدَّوَاءَ وَالِاسْتِرْقَاءَ تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ
نَعَمْ قَدْ تَدَاوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ فَمَنْ نَوَى مُوَافَقَتَهُ ﷺ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ (لَمْ يَضَعْ) أَيْ لَمْ يَخْلُقْ (دَاءً) أَيْ مَرَضًا وَجَمْعُهُ أَدْوَاءٌ (إِلَّا وَضَعَ لَهُ) أَيْ خَلَقَ لَهُ (الْهَرَمِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ دَاءٍ وَقِيلَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ الْهَرَمُ أَوْ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي وَالْمُرَادُ بِهِ الْكِبَرُ
قَالَهُ القارىء
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ وَأَنَّ التَّدَاوِيَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ وَفِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْهَرَمَ دَاءً وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفُ الْكِبَرِ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَدْوَاءِ الَّتِي هِيَ أَسَقَامٌ عَارِضَةٌ لِلْأَبْدَانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَغَيُّرِ الْأَمْزِجَةِ وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالدَّاءِ لِأَنَّهُ جَالِبُ التَّلَفِ كَالْأَدْوَاءِ الَّتِي قَدْ يَتَعَقَّبُهَا الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي وَجَوَازُ الطِّبِّ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُدَاوَاتُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ انْتَهَى
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
([٣٨٥٦] بَاب فِي الْحِمْيَةِ)
قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ هِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ يُقَالُ حَمَى الشَّيْءَ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَحْمِيهِ حَمْيًا وَحِمْيَةً وَحِمَايَةً مَنَعَهُ عَنْهُمْ وَحَمَى الْمَرِيضَ مَا يَضُرُّهُ أَيْ مَنَعَهُ إِيَّاهُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَالْأَشْهَرُ تَعَدِّيهِ إِلَى الثَّانِي بِالْحَرْفِ
وَبِالْفَارِسِيَّةِ يرهيز نمودن
(أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) أَيِ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ) قَالَ الطَّبَرَانِيُّ يُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا سَلْمَى
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (وَمَعَهُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ) بِالْقَافِ الْمَكْسُورَةِ يُقَالُ نَقِهَ الْمَرِيضُ يَنْقَهُ فَهُوَ نَاقِهٌ إِذَا بَرَأَ وَأَفَاقَ فَكَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنَ الْمَرَضِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ كَمَالُ صِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ (دَوَالِي) جَمْعُ دَالِيَةٍ وَهِيَ الْعِذْقُ مِنَ
стр. 3454
الْبُسْرِ يُعَلَّقُ فَإِذَا أَرْطَبَ أُكِلَ (يَأْكُلُ مِنْهَا) أي من دوالي (فطفق) أي أخد وَشَرَعَ (مَهْ) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى كُفَّ وَانْتَهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ (قَالَتْ) أَيْ أُمُّ الْمُنْذِرِ (وَصَنَعْتُ شَعِيرًا) أَيْ نَفْسَهُ أَوْ مَاءَهُ أَوْ دَقِيقَهُ (وَسِلْقًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ نَبْتٌ يُطْبَخُ وَيُؤْكَلُ وَيُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ جغندر وَالْمَعْنَى وَطَبَخْتُ (فَجِئْتُ بِهِ) أَيِ الْمَطْبُوخِ وَالْمَصْنُوعِ (أَصِبْ) أَمْرٌ مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ أَدْرِكْ مِنْ هَذَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي قَوْلِهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ فُلَيْحٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدمشقي
([٣٨٥٧] باب الْحِجَامَةِ)
(فَالْحِجَامَةُ) أَيْ فِيهَا خَيْرٌ
فِي الْمِصْبَاحِ حَجَمَهُ الْحَاجِمُ حَجْمًا مِنْ بَابِ قَتَلَ شَرَطَهُ وَاسْمُ الصِّنَاعَةِ حِجَامَةٌ بِالْكَسْرِ انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيُّ في حاشية بن مَاجَهْ التَّعْلِيقُ بِهَذَا الشَّرْطِ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّحْقِيقِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ وُجُودَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فَمِنَ الْمُحَقَّقِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الشَّكُّ فَالتَّعْلِيقُ بِهِ يُوجِبُ تَحَقُّقَ الْمُعَلَّقِ بِهِ بِلَا رَيْبٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أخرجه بن مَاجَهْ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ
стр. 3455
[٣٨٥٨] (خَادِمِ) يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (وَجَعًا فِي رَأْسِهِ) أَيْ نَاشِئًا مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ (إِلَّا قَالَ) أَيْ لَهُ (وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ) أَيْ نَاشِئًا مِنَ الْحَرَارَةِ (أَخْضِبْهُمَا) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِالْحِنَّاءِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
وقال القارىء وَالْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَكِنْ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِاخْتِضَابِ كُفُوفِ الرِّجْلِ وَيَجْتَنِبُ صَبْغَ الْأَظْفَارِ احْتِرَازًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مَا أَمْكَنَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا فِي الْحِنَّاءِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فَائِدٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفَائِدٌ هَذَا مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ يحي بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال بن مَعِينٍ لَا بَأْسَ بِهِ
وَقَالَ أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جَدَّتِهِ وَقَالَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَصَحُّ وَقَالَ غَيْرُهُ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ لَا يُعْرَفُ بِحَالٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي كِتَابٍ وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ فَانْظُرْ فِي اخْتِلَافِ إِسْنَادِهِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَدَّعِي السُّنَّةَ أَوْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَيَتَّخِذَهُ سُنَّةً وَحُجَّةً فِي خِضَابِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ
([٣٨٥٩] بَاب فِي مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ)
(قَالَ كثير إنه) أي بن ثَوْبَانَ (حَدَّثَهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الْوَلِيدِ أَيْ حدث بن ثوبان وليدا ويوضحه رواية بن مَاجَهْ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الحمصي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا بن ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ (عَلَى هَامَتِهِ) أَيْ رَأْسِهِ وَقِيلَ وَسَطَ رَأْسِهِ
стр. 3456
أَيْ لِلسَّمِّ (وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ هَذَا مَرَّةً وَذَاكَ مَرَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَهُمَا (وَهُوَ يَقُولُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ (مَنْ أَهَرَاقَ) أَيْ أَرَاقَ وَصَبَّ (مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ) أَيْ بَعْضِ هَذِهِ الدِّمَاءِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْبَدَنِ الْمَحْسُوسِ آثَارُهَا عَلَى الْبَشَرَةِ وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْفَاسِدُ الْمَعْرُوفُ بِعَلَامَةٍ يَعْلَمُهَا أَهْلُهَا (أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ) أَيْ آخَرَ (لِشَيْءٍ) أَيْ مِنَ الْأَمْرَاضِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَأَبُو كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيُّ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَقِيلَ سَعْدُ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
[٣٨٦٠] (فِي الْأَخْدَعَيْنِ) هُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَفِي النَّيْلِ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأَخْدَعَانِ عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ يُحْجَمُ مِنْهُ وَالْكَاهِلُ مَا بَيْنَ الكتفين وهو مقدم الظهر
قال بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ الْحِجَامَةُ عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ تَنْفَعُ مِنْ أَمْرَاضِ الرَّأْسِ وَأَجْزَائِهِ كَالْوَجْهِ وَالْأَسْنَانِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ إِذَا كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ أَوْ فَسَادِهِ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا
قَالَ وَالْحِجَامَةُ لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَهِيَ أَمْيَلُ إِلَى ظَاهِرِ أَبْدَانِهِمْ لِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ إِلَى سَطْحِ الْجَسَدِ وَاجْتِمَاعِهَا فِي نَوَاحِي الْجِلْدِ وَلِأَنَّ مَسَامَّ أَبْدَانِهِمْ وَاسِعَةٌ فَفِي الْفَصْدِ لَهُمْ خَطَرٌ انْتَهَى (وَالْكَاهِلُ) هُوَ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ (حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّلْقِينِ يُقَالُ لَقَّنَهُ الْكَلَامَ فَهَّمَهُ إِيَّاهُ وَقَالَ لَهُ مِنْ فِيهِ مُشَافَهَةً (وَكَانَ) أَيْ مَعْمَرٌ (احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ) وَكَأَنَّهُ أَخْطَأَ الْمَوْضِعَ أَوِ الْمَرَضَ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
وَقَالَ القارىء الْحِجَامَةُ لِلسَّمِّ وَفَعَلَهُ مَعْمَرٌ بِغَيْرِ سَمٍّ وَقَدْ أَضَرَّهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
стр. 3457
٥ - (باب متى تستحب الحجامة)
[٣٨٦١] (من احتجم بسبع عَشْرَةَ) قَالُوا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ يَغْلِبُ فِي أَوَائِلِ الشَّهْرِ وَيَقِلُّ فِي آخِرِهِ فَالْأَوْسَطُ يَكُونُ أَوْلَى وَأَوْفَقَ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الشَّهْرِ (مِنْ كُلِّ دَاءٍ) هَذَا مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَالْمُرَادُ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ سَبَبُهُ غَلَبَةُ الدَّمِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ الْحِجَامَةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ أَنْفَعُ مِمَّا قَبْلَهُ وَفِي الرُّبْعِ الرَّابِعِ أَنْفَعُ مِمَّا قَبْلَهُ كَذَا فِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٨٦٢] (كَيِّسَةُ) بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَهِيَ الصَّوَابُ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (وَيَزْعُمُ) أَيْ يَقُولُ وَيَرْوِي (يَوْمُ الدَّمِ) أَيْ يَوْمٌ يَكْثُرُ فِيهِ الدَّمُ فِي الْجِسْمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يوم كان فيه الدم أي قتل بن آدَمَ أَخَاهُ (وَفِيهِ) أَيْ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ (سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ فَهَمْزَةٌ أَيْ لَا يَسْكُنُ الدَّمُ فِيهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوِ احْتَجَمَ أَوِ افْتَصَدَ فِيهِ لَرُبَّمَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ تَحْتَ هَذَا الْبَابِ وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو بَكْرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ليس حديثه بشيء وقال بن عَدِيٍّ أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُمُ انْتَهَى
وقال السيوطي وهذا الحديث أورده بن الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَقَدْ تَعَقَّبْتُهُ فِيمَا تَعَقَّبْتُهُ عَلَيْهِ وَبَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اسْتَشْهَدَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَى لَهُ فِي الْأَدَبِ وقال بن معين صالح
стр. 3458
٦ - (باب في قطع العرق)
[٣٨٦٤] الْعِرْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَجْوَفُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الدَّمُ وَالْعَصَبُ غَيْرُ الْأَجْوَفِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَمَوْضِعِ الْحَجْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَطْعِ أَيْ بَابٌ فِي مَوْضِعِ الْحَجْمِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَصْدَرٌ وَالْحَجَامَةُ بِالْفَتْحِ الِاسْمُ مِنَ الْحَجْمِ وَالْحِجَامَةُ بِالْكَسْرِ حِرْفَةُ الْحَجَّامِ وَالْمَعْنَى أَيْ بَابُ مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ مِنَ الْبَدَنِ
(إِلَى أُبَيِّ) بْنِ كَعْبٍ (فَقَطَعَ) الطَّبِيبُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أُبَيٍّ (عِرْقًا) اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الطَّبِيبَ يُدَاوِي بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ
قَالَ بن رَسْلَانَ وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ التَّدَاوِي بِالْأَخَفِّ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَا فَوْقَهُ فَمَتَى أَمْكَنَ التَّدَاوِي بِالْغِذَاءِ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الدَّوَاءِ وَمَتَى أَمْكَنَ بِالْبَسِيطِ لَا يُعْدَلُ إِلَى الْمُرَكَّبِ وَمَتَى أَمْكَنَ بِالدَّوَاءِ لَا يُعْدَلُ إِلَى الْحِجَامَةِ وَمَتَى أَمْكَنَ بِالْحِجَامَةِ لَا يُعْدَلُ إِلَى قَطْعِ الْعِرْقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ وَقَالَا فِيهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ
[٣٨٦٣] (عَلَى وَرِكِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفِي الْقَامُوسِ الْوَرِكُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ كَكَتِفٍ مَا فَوْقَ الفخد (من وثىء) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ فَهَمْزٌ أَيْ مِنْ أَجْلِ وَجَعٍ يُصِيبُ الْعُضْوَ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ وَقِيلَ هُوَ مَا يَعْرِضُ لِلْعُضْوِ مِنْ جُدَرٍ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصِيبَ الْعَظْمَ وَهْنٌ وَمِنَ الرُّوَاةِ مَنْ يَكْتُبَهَا بالياء وبترك الْهَمْزَةَ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يجمع بين كتابة الياء والهمزة ولا يقرأ إلا بالهمزة أو يكتفي بالهمزة مِنْ غَيْرِ كِتَابَةِ الْيَاءِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الِاشْتِبَاهِ (كَانَ) أَيِ الْوَثْءُ (بِهِ) صِفَةٌ لِلْوَثْءِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ
وَفِي الْقَامُوسِ الْوَثْءُ وَجَعٍ يُصِيبُ اللَّحْمَ لَا يَبْلُغُ الْعَظْمَ أَوْ وَجَعٌ فِي الْعَظْمِ بِلَا كَسْرٍ أَوْ هُوَ الْفَكُّ وَبِهِ وَثْءٌ وَلَا تَقُلْ وَثْيٌ أَيْ بِالْيَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 3459
٧ - (بَاب فِي الْكَيِّ)
[٣٨٦٥] (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الكي) قال بن رَسْلَانَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُبَاحُ الْكَيُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِالِابْتِلَاءِ بِالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي لَا يَنْجَعُ فِيهَا إِلَّا الْكَيُّ وَيُخَافُ الْهَلَاكُ عِنْدَ تَرْكِهِ أَلَا تَرَاهُ كَوَى سَعْدًا لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ مِنْ جُرْحِهِ وَخَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ مِنْ كَثْرَةِ خُرُوجِهِ كَمَا يُكْوَى مَنْ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ وَنَهَى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنِ الْكَيِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ باسور وكان موضعه خطر فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا بِمَنْ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ
وَلِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الشَّافِي لِمَا لَا شِفَاءَ لَهُ بِالدَّوَاءِ هُوَ الْكَيُّ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ بِالْكَيِّ هَلَكَ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ لِأَجْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الشَّافِي
قال بن قُتَيْبَةَ الْكَيُّ جِنْسَانِ كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ دَمُهُ بِإِحْرَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ فَفِي هَذَا الشِّفَاءُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَيُّ لِلتَّدَاوِي الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَنْجَحَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْجَحَ فَإِنَّهُ إِلَى الكراهة
стр. 3460
أَقْرَبُ
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ أَحَادِيثُ الْكَيِّ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ كَذَا فِي النَّيْلِ (فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِنُونِ الْإِنَاثِ فِيهِمَا يَعْنِي تلك الكيات التي اكتوينا بهن وخالفنا ﷺ فِي فِعْلِهِنَّ وَكَيْفَ يُفْلِحُ أَوْ يَنْجَحُ شَيْءٌ خُولِفَ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ فَاكْتَوَيْنَا كَيَّاتٍ لِأَوْجَاعٍ فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الترمذي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْكَيِّ قَالَ فَابْتُلِينَا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا ولفظ بن مَاجَهْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاكْتَوَيْتُ فَمَا أَفْلَحْتُ وَلَا أَنْجَحْتُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
[٣٨٦٦] (كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَيَّ تَارَةً يَكُونُ عِنْدَ قِيَامِ أَسْبَابِهِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ فَهَذَا يَتَرَجَّحُ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَكْوِيِّ وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ أَسْبَابِهِ كَمَا يُحْكَى عَنِ التُّرْكِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيُزْعِجُوا الطَّبِيعَةَ فَلَا يَصِلُ الدَّاءُ إِلَى الْجَسَدِ فَهَذَا يَتَرَجَّحُ تَرْكُهُ عَلَى فِعْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ الْعَاجِلِ مَعَ إِمْكَانِ الِاكْتِفَاءِ بِغَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا كَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَعْدٌ بْنَ مُعَاذٍ لِيَرْقَى الدَّمُ عَنْ جُرْحِهِ وَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِفَ فَيَهْلِكَ وَالْكَيُّ يُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ مِنَ الْعِلَاجِ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ وَأَكْثَرُ الْعَامَّةِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الْكَيَّ كَثِيرًا فِيمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ الْأَدْوَاءِ وَيُقَالُ فِي أَمْثَالِهَا آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ وَالْكَيُّ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي الْمَأْذُونِ فِيهِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ الَّذِي رَوَيْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ
فَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ فَقَدْ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ أَمْرَهُ يَقُولُونَ آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِمُ الدَّاءَ وَيُبْرِئُهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَطِبَ صَاحِبُهُ وَهَكَذَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعِلَاجُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَبَاحَ لَهُمُ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى مَعْنَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَطَلَبِ الشِّفَاءِ وَالتَّرَجِّي لِلْبُرْءِ بِمَا يُحْدِثُ اللَّهُ عَزَّ
стр. 3461
وَجَلَّ مِنْ صُنْعِهِ فِيهِ وَيَجْلِبُهُ مِنَ الشِّفَاءِ عَلَى أَثَرِهِ فَيَكُونُ الْكَيُّ وَالدَّوَاءُ سَبَبًا لَا عِلَّةً وَهُوَ أَمْرٌ قَدْ يُكْثِرُ شُكُوكَ النَّاسِ وتخطى فِيهِ ظُنُونُهُمْ وَأَوْهَامُهُمْ فَمَا أَكْثَرَ مَا سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ لَوْ أَقَامَ فُلَانٌ بِأَرْضِهِ وَبِدَارِهِ لَمْ يَهْلِكْ وَلَوْ شَرِبَ الدَّوَاءَ لَمْ يَسْقَمْ وَنَحْوُ ذلك من تحرير إِضَافَةِ الْأُمُورِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَتَعْلِيقِ الْحَوَادِثِ بِهَا دُونَ تَسْلِيطِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا وَتَغْلِيبِ الْمَقَادِيرِ فِيهَا فتكون تلك الأسباب أمارات لتلك الكواين لَا مُوجِبَاتٍ لَهَا وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنِ الْكَيِّ هُوَ أَنْ يَفْعَلَهُ احْتِرَازًا مِنَ الدَّاءِ قَبْلَ وُقُوعِ الضَّرُورَةِ وَنُزُولِ الْبَلِيَّةِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا أُبِيحَ الْعِلَاجُ وَالتَّدَاوِي عِنْدَ وُقُوعِ الْحَاجَةِ وَدُعَاءِ الضَّرُورَةِ إِلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا كَوَى سَعْدًا حِينَ خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ مِنَ النَّزْفِ
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا نَهَى عِمْرَانَ خَاصَّةً عَنِ الْكَيِّ فِي عِلَّةٍ بِعَيْنِهَا لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَنْجَعُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا وَقَدْ كَانَ به الناصور وَلَعَلَّهُ أَنَّ مَا نَهَاهُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْكَيِّ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْبَدَنِ لِأَنَّ الْعِلَاجَ إِذَا كَانَ فِيهِ الْخَطَرُ الْعَظِيمُ كَانَ مَحْظُورًا وَالْكَيُّ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُنْصَرِفًا إِلَى النَّوْعِ الْمَخُوفِ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(مِنْ رَمِيَّتِهِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الياء
قال بن الْأَثِيرِ الرَّمِيَّةُ الصَّيْدُ الَّذِي تَرْمِيهِ فَتَقْصِدُهُ وَيَنْفُذُ فِيهَا سَهْمُكَ وَقِيلَ هِيَ كُلُّ دَابَّةٍ مَرْمِيَّةٍ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الرَّمِيَّةُ الصَّيْدُ يُرْمَى انْتَهَى
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجِرَاحَةَ الَّتِي أَصَابَتْ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ أَجْلِ الْعَدُوِّ الرَّامِي فِي أَكْحَلِهِ كَوَاهَا النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ قَالَ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمَّ وَرِمَتْ فحسمه الثانية وأخرجه بن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أكحله مرتين
([٣٨٦٧] بَاب فِي السَّعُوطِ)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ السَّعُوطُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ مِنَ الدَّوَاءِ فِي الأنف
стр. 3462
(اسْتَعَطَ) أَيْ اسْتَعْمَلَ السَّعُوطَ وَهُوَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَجْعَلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِيَنْحَدِرَ رَأْسُهُ وَيُقَطِّرَ فِي أَنْفِهِ مَاءً أَوْ دهن فِيهِ دَوَاءٌ مُفْرَدٌ أَوْ مُرَكَّبٌ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى دِمَاغِهِ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ
([٣٨٦٨] بَاب فِي النُّشْرَةِ)
هِيَ نَوْعٌ مِنَ الرُّقْيَةِ
(عَنِ النُّشْرَةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ النُّشْرَةُ بِالضَّمِّ ضَرْبٌ مِنَ الرُّقْيَةِ وَالْعِلَاجِ يُعَالَجُ بِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الْجِنِّ سُمِّيَتْ نُشْرَةً لِأَنَّهُ يُنْشَرُ بِهَا عَنْهُ مَا خَامَرَهُ مِنَ الدَّاءِ أَيْ يُكْشَفُ وَيُزَالُ
وَقَالَ الْحَسَنُ النُّشْرَةُ مِنَ السِّحْرِ وَقَدْ نُشِرَتْ عَنْهُ تَنْشِيرًا انْتَهَى
وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ لَعَلَّهُ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى أَسْمَاءِ الشَّيَاطِينِ أَوْ كَانَ بِلِسَانٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ فَلِذَلِكَ جَاءَ أَنَّهُ سِحْرٌ سُمِّيَ نُشْرَةً لِانْتِشَارِ الدَّاءِ وَانْكِشَافِ الْبَلَاءِ بِهِ (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَالِجُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ النَّبَوِيَّةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ
وَفِي النِّهَايَةِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَلَعَلَّ طِبًّا أصابه ثم نشره بقل أعوذ برب الناس أَيْ رَقَاهُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
([٣٨٦٩] بَاب فِي التِّرْيَاقِ)
(مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ) أَيْ مَا فَعَلْتُ
مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ
стр. 3463
وَالْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ مَفْعُولُ أُبَالِي
وَقَوْلُهُ (إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا) إِلَى آخِرِهِ شَرْطٌ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَالْمَعْنَى إِنْ صَدَرَ مِنِّي أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ كُنْتُ مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِمَا يَفْعَلُ وَلَا يَنْزَجِرُ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ شَرْعًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنِّي إِنْ فَعَلْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُنْتُ مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِمَا فَعَلُهُ مِنَ الْأَفْعَالِ مَشْرُوعَةً أَوْ غَيْرَهَا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى
ثُمَّ التِّرْيَاقُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَجُوِّزَ ضَمُّهُ وَفَتْحُهُ لَكِنِ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا يُسْتَعْمَلُ لِدَفْعِ السُّمِّ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْمَعَاجِينِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَيُقَالُ بِالدَّالِ أيضا كذا في المرقاة
وقال بن الْأَثِيرِ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي وَالْخَمْرِ وَهِيَ حَرَامٌ نَجِسَةٌ وَالتِّرْيَاقُ أَنْوَاعٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ
وَقِيلَ الْحَدِيثُ مُطْلَقٌ فَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ كُلُّهُ انْتَهَى (أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً) أَيْ أَخَذْتُهَا عِلَاقَةً وَالْمُرَادُ مِنَ التَّمِيمَةِ مَا كَانَ مِنْ تَمَائِمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرُقَاهَا فَإِنَّ الْقِسْمَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلِمَاتِهِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي جُمْلَتِهِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَوْلَادِهِمْ يَتَّقُونَ بِهَا الْعَيْنَ فِي زَعْمِهِمْ فَأَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ
وَفِي الْحَدِيثِ التَّمَائِمُ وَالرُّقَى مِنَ الشِّرْكِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَمَامُ الدَّوَاءِ وَالشِّفَاءِ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا شِرْكًا لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا دَفْعَ الْمَقَادِيرِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَيْهِمْ وَطَلَبُوا دَفْعَ الْأَذَى مِنْ غَيْرِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ دَافِعُهُ انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيُّ الْمُرَادُ تَمَائِمُ الْجَاهِلِيَّةِ مِثْلُ الْخَرَزَاتِ وَأَظْفَارِ السِّبَاعِ وَعِظَامِهَا وَأَمَّا مَا يَكُونُ بِالْقُرْآنِ وَالْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ الْقَاضِي أبو بكر الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقُ الْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِيهِ الذِّكْرُ دُونَ التَّعْلِيقِ انْتَهَى
(أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي) أَيْ قَصَدْتُهُ وَتَقَوَّلْتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وما علمناه الشعر وما ينبغي له وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ أَنَا النبي لا كذب أنا بن عَبْدِ الْمُطَّلِبْ فَذَلِكَ صَدَرَ لَا عَنْ قَصْدٍ وَلَا الْتِفَاتٍ مِنْهُ إِلَيْهِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ شُرْبُ التِّرْيَاقِ مَكْرُوهًا مِنْ أَجْلِ التَّدَاوِي وَقَدْ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّدَاوِي وَالْعِلَاجَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَالتِّرْيَاقُ أَنْوَاعٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي فَلَا بَأْسَ بِتَنَاوُلِهِ
وَالتَّمِيمَةُ يُقَالُ إِنَّهَا خَرَزَةٌ
стр. 3464
كَانُوا يُعَلِّقُونَهَا يَرَوْنَ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُمُ الْآفَاتِ وَاعْتِقَادُ هَذَا الرَّأْيِ جَهْلٌ وَضَلَالٌ إِذْ لَا مَانِعَ وَلَا دَافِعَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعَوُّذُ بِالْقُرْآنِ وَالتَّبَرُّكُ وَالِاسْتِشْفَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَالِاسْتِعَاذَةُ بِهِ تَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ إِذْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ
وَيُقَالُ بَلِ التَّمِيمَةُ قِلَادَةٌ يُعَلَّقُ فِيهَا الْعَوْذُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنَ الْعَوْذِ هُوَ مَا كَانَ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ فَلَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ سِحْرٌ أَوْ نَحْوُهُ مِنَ الْمَحْظُورِ انْتَهَى كَلَامُهُ (هَذَا) أَيِ النَّهْيُ عَنْ شُرْبِ التِّرْيَاقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ التَّنُوخِيُّ قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ بَعْضُ الْمَنَاكِيرِ حَدِيثُهُ فِي المصريين وحكى بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ هَذَا
١ - (بَاب فِي الْأَدْوِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ)
(إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ) أَيْ أَحْدَثَهُمَا وَأَوْجَدَهُمَا (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ) أَيْ حَلَالًا (فَتَدَاوَوْا) أَيْ بِحَلَالٍ (وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ إِنْ صَحَّا مَحْمُولَانِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّدَاوِيِ بِالْمُسْكِرِ وَالتَّدَاوِي بِالْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ انتهى
وقال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ
стр. 3465
الشَّافِعِيِّ جَوَازُ التَّدَاوِي بِجَمِيعِ النَّجَاسَاتِ سِوَى الْمُسْكِرِ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَيْثُ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّرْبِ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِلتَّدَاوِي
قَالَ وَحَدِيثُ الْبَابِ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَوَاءٌ غَيْرُهُ يُغْنِي عَنْهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَمْعِ مِنَ التَّعَسُّفِ فَإِنَّ أَبْوَالَ الْإِبِلِ الخصم يمنع انصافها بكونها حَرَامًا أَوْ نَجَسًا وَعَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ فَالْوَاجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَامِّ وَهُوَ تَحْرِيمُ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ وَبَيْنَ الْخَاصِّ وَهُوَ الْإِذْنُ بِالتَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ بِأَنْ يُقَالَ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِكُلِّ حَرَامٍ إِلَّا أَبْوَالَ الْإِبِلِ هَذَا هُوَ الْقَانُونُ الْأُصُولِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ
[٣٨٧١] (عَنْ ضِفْدِعٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ وَرُوِيَ بفتح الدال أيضا قاله القارىء (يَجْعَلُهَا) أَيْ هُوَ وَغَيْرُهُ (فِي دَوَاءٍ) بِأَنْ يَجْعَلَهَا مُرَكَّبَةً مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْمَعْنَى يَسْتَعْمِلُهَا لِأَجْلِ دَوَاءٍ وَشِفَاءِ دَاءٍ (عَنْ قَتْلِهَا) أَيْ وَجَعَلَهَا فِي الدَّوَاءِ لِأَنَّ التَّدَاوِي بِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَتْلِ فَإِذَا حَرُمَ الْقَتْلُ حَرُمَ التَّدَاوِي بِهَا أَيْضًا وَذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ نَجَسٌ وَإِمَّا لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضِّفْدِعَ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ وَكُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْ قَتْلِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّمَا هُوَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا لِحُرْمَةٍ فِي نَفْسِهِ كَالْآدَمِيِّ وَإِمَّا لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ كَالصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ وَنَحْوِهِمَا وَإِذَا كَانَ الضِّفْدِعُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَالْآدَمِيِّ كَانَ النَّهْيُ فِيهِ مُنْصَرِفًا إِلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأْكَلِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٨٧٠] (عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ) قِيلَ هُوَ النَّجَسُ أَوِ الْحَرَامُ أَوْ مَا يَتَنَفَّرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِالسُّمِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ قَدْ يَكُونُ خُبْثُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهَا خُبْثُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحَرَّمُ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا مِنْ لُحُومِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ اللَّحْمِ وَقَدْ يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ بَعْضَ
стр. 3466
الْأَبْوَالِ وَعَذِرَةَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضِ الْعِلَلِ وَهِيَ كُلُّهَا خَبِيثَةٌ نَجِسَةٌ وَتَنَاوُلُهَا مُحَرَّمٌ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَقَدْ رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفَرِ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ وَسَبِيلُ السُّنَنِ أَنَّ يُقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَأَنْ لَا يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَقَدْ يَكُونُ خُبْثُ الدَّوَاءِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الطَّعْمِ وَالْمَذَاقِ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ المشقة على الطباع ولتكره النَّفْسِ إِيَّاهُ وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً انْتَهَى
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وبن ماجه وفي حديث الترمذي وبن مَاجَهْ يَعْنِي السُّمَّ
[٣٨٧٢] (مَنْ حَسَا) أَيْ شَرِبَ وَتَجَرَّعَ (سُمًّا) مُثَلَّثَةً الْقَاتِلُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ السُّمِّ الْقَاتِلِ (يَتَحَسَّاهُ) أَيْ يَشْرَبُهُ (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا) أَيْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ إِمَّا لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَإِمَّا لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِمَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ أَوِ الْمُرَادُ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ خَالِدًا مُؤَبَّدًا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
أَتَمَّ مِنْهُ
[٣٨٧٣] (ذَكَرَ) أَيْ وَائِلٌ (سَأَلَ) أَيْ طَارِقٌ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا كَمَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ لَكِنَّهَا دَاءٌ إِنَّمَا سَمَّاهَا دَاءً لِمَا فِي شُرْبِهَا مِنَ الْإِثْمِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الدَّاءِ فِي الْآفَاتِ والعيوب ومساوىء الْأَخْلَاقِ وَإِذَا تَبَايَعُوا الْحَيَوَانَ قَالُوا بَرِئَتْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُرِيدُونَ الْعَيْبَ
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَنِي سَاعِدَةَ مَنْ سَيِّدُكُمْ قَالُوا جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَإِنَّا لَنَزُنَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْبُخْلِ (أَيْ نَتَّهِمَهُ بِالْبُخْلِ) فَقَالَ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ وَالْبُخْلُ إِنَّمَا هُوَ طَبْعٌ أَوْ خُلُقٌ وَقَدْ سَمَّاهُ دَاءً
وَقَالَ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْبَغْيُ
стр. 3467
وَالْحَسَدُ فَنَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَمْرِ إِنَّهَا دَاءٌ أَيْ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِثْمِ فَنَقَلَهَا ﷺ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ وَحَوَّلَهَا عَنْ بَابِ الطَّبِيعَةِ إِلَى بَابِ الشَّرِيعَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ دَوَاءٌ فِي بَعْضِ الْأَسْقَامِ وَفِيهَا مَصَحَّةُ الْبَدَنِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الرَّقُوبِ فَقَالَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَدٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّقُوبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَكَقَوْلِهِ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ قَالُوا هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الرِّجَالَ فَقَالَ بَلْ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَكَقَوْلِهِ مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ فَقَالُوا هُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ فَقَالَ بَلِ الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَشَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُؤْخَذُ من حسناته لهم ويؤخذ من سيأتهم فَيُلْقَى عَلَيْهِ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ
وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى ضَرْبِ الْمَثَلِ وَتَحْوِيلِهِ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى مَعْنَى أَمْرِ الْآخِرَةِ فَكَذَلِكَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ دَاءً إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الدِّينِ وَحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ لِمَا يَلْحَقُ شَارِبَهَا مِنَ الْإِثْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاءً فِي الْبَدَنِ وَلَا سَقَمًا فِي الْجَسَدِ
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ
وَقَدْ أَبَاحَ التَّدَاوِيِ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَعْضُهُمْ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ رسول الله ﷺ للعرينة التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهَا فِي بَعْضِ الْعِلَلِ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَنَاوُلِهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الأمرين اللذين جَمَعَهُمَا هَذَا الْقَائِلُ فَنَصَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَوْلُ الْإِبِلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ النَّصُّ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَيَشْفُونَ بِهَا وَيَتَّبِعُونَ لَذَّاتِهَا فَلَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا وَالنُّزُوعُ عَنْهَا فَغُلِّظَ الْأَمْرُ فِيهَا بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُتَنَاوِلِهَا لِيَرْتَدِعُوا وَلِيَكُفُّوا عَنْ شُرْبِهَا وَحُسِمَ الْبَابُ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا شُرْبًا وَتَدَاوِيًا لِئَلَّا يَسْتَبِيحُوهَا بِعِلَّةِ التَّسَاقُمِ وَالتَّمَارُضِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِانْحِسَامِ الدَّوَاعِي وَلِمَا عَلَى الطِّبَاعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي تَنَاوُلِهَا وَلِمَا فِي النُّفُوسِ مِنِ اسْتِقْذَارِهَا وَالنُّكْرَةِ لَهَا فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ قَالَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3468
١٢ - (بَاب فِي تَمْرَةِ الْعَجْوَةِ)
[٣٨٧٥] بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ الْجِيَادِ فِي الْمَدِينَةِ
(عن مجاهد) وهو بن جبر قاله المنذري (عن سعد) وهو بن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
(مَرِضْتُ مَرَضًا) أَيْ شَدِيدًا وَكَانَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ (يَعُودُنِي) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَوَضَعَ) النَّبِيُّ ﷺ (بَرْدَهَا) أَيْ بَرْدَ يَدِهِ (فِي فُؤَادِي) أَيْ قَلْبِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحِلَّهُ كَانَ مكشوفا (مفؤد) اسْمُ مَفْعُولٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفُؤَادِ وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ دَاءٌ فِي فُؤَادِهِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ الْفُؤَادُ هُوَ الْقَلْبُ وَقِيلَ هُوَ غِشَاءُ الْقَلْبِ أَوْ كَانَ مَصْدُورًا فَكَنَّى بِالْفُؤَادِ عَنِ الصَّدْرِ لأنه محله قاله القارىء (ائْتِ) أَمْرٌ مِنْ أَتَى يَأْتِي وَمَفْعُولُهُ (الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (أَخَا ثَقِيفٍ) أَيْ أَحَدًا مِنْ بَنِي ثَقِيفٍ وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ) أَيْ يَعْرِفُ الطِّبَّ مُطْلَقًا أَوْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَضِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالْمَهَارَةِ وَالْحَذَاقَةِ (فَلْيَأْخُذْ) أَيِ الْحَارِثُ (سَبْعَ تَمَرَاتٍ) بِفَتَحَاتٍ (مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ) قَالَ الْقَاضِي هُوَ ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ وَنَخْلُهَا يُسَمَّى لِينَةٌ قَالَ تَعَالَى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وَتَخْصِيصُ الْمَدِينَةِ إِمَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهَا بِدُعَائِهِ أَوْ لِأَنَّ تَمْرَهَا أوفق لمزاجه من أجل تعوده قاله القارىء (فَلْيَجَأْهُنَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ فَلْيَكْسِرْهُنَّ وليدقهن قاله القارىء
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ أَيْ فَلْيَدُقَّهُنَّ وَبِهِ سُمِّيَتِ الْوَجِيئَةُ وَهُوَ تَمْرٌ يُبَلُّ بِلَبَنٍ أَوْ سمن ثم
стр. 3469
يُدَقُّ حَتَّى يَلْتَئِمَ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوَجِيئَةُ حِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ فَيَتَحَسَّاهُ الْمَرِيضُ (بِنَوَاهُنَّ) أَيْ مَعَهَا وَبِالْفَارِسِيَّةِ خسته خرما (ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ) مِنَ اللَّدُودِ وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ فِي الْفَمِ أَيْ لِيَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَيَسْقِيَكَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّدُودِ وَهُوَ مَا يُسْقَاهُ الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْفَمِ وَأُخِذَ مِنَ اللَّدِيدَيْنِ وَهُوَ جَانِبَيِ الْوَادِي انْتَهَى
قَالَ القارىء قَوْلُهُ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَسْكُنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ لِيَسْقِيَكَ مِنْ لِدَةِ الدَّوَاءِ إِذَا صَبَّهُ فِي فَمِهِ وَاللَّدُودُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَا يُصَبُّ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ يَسْهُلْ لَهُ تَنَاوُلُ الدَّوَاءِ إِلَّا عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَنْجَحُ وَأَنْفَعُ وَأَيْسَرُ وَأَلْيَقُ وَإِنَّمَا أَمَرَ الطَّبِيبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاتِّخَاذِ الدَّوَاءِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مُجَاهِدٌ لَمْ يُدْرِكْ سَعْدًا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ مُجَاهِدٌ عَنْ سَعْدٍ مُرْسَلٌ
[٣٨٧٦] (مَنْ تَصَبَّحَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (سَبْعَ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ) أَيْ يَأْكُلُهَا فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَيَجُوزُ فِي تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ الْإِضَافَةُ فَتُخْفَضُ كَمَا تَقُولُ ثِيَابُ خَزٍّ وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ صِفَةٌ لِسَبْعٍ أَوْ تَمَرَاتٍ وَيَجُوزُ النَّصْبُ مُنَوَّنًا عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَمَّا خُصُوصِيَّةُ السَّبْعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِسِرٍّ فِيهَا وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وِتْرًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا خُصُوصُ كَوْنِ ذَلِكَ سَبْعًا فَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ كَمَا فِي أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ انْتَهَى
وَالْعَجْوَةُ ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَأَلْيَنِهِ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هو من
стр. 3470
وسط التمر
وقال بن الْأَثِيرِ الْعَجْوَةُ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّيْحَانِيِّ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ وَهُوَ مِمَّا غَرَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِالْمَدِينَةِ وَذَكَرَ هَذَا الْأَخِيرَ الْقَزَّازُ انْتَهَى (سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ) قَالَ الْحَافِظُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَوْنُ الْعَجْوَةِ تَنْفَعُ مِنَ السُّمِّ وَالسِّحْرِ إِنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَمْرِ الْمَدِينَةِ لَا لِخَاصِّيَّةٍ فِي التَّمْرِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٣ - (بَابٌ فِي الْعِلَاقِ)
[٣٨٧٧] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَقِيلَ بكسرها والكل بمعنى العصر قاله القارىء
(قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ) مِنَ الْإِعْلَاقِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَرَفْعُهَا بِالْأُصْبُعِ أَيْ قَدْ عَالَجَتْهُ بِرَفْعِ الْحَنَكِ بِأُصْبُعِهَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وفي النهاية اعلاق مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَهُوَ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ وَوَرَمٌ تَدْفَعُهُ أُمُّهُ بِأُصْبُعِهَا أَوْ غَيْرِهَا
وَحَقِيقَةُ أَعْلَقْتُ عَنْهُ زِلْتُ الْعُلُوقَ عَنْهُ وَهِيَ الدَّاهِيَةُ انتهى
قال الخطابي هكذا يقولون الْمُحَدِّثُونَ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ أَعْلَقْتُ عَنْهُ وَالْإِعْلَاقُ أَنْ يَرْفَعَ الْعُذْرَةَ بِالْيَدِ وَالْعُذْرَةُ وَجَعٌ يَهِيجُ فِي الْحَلْقِ وَمَعْنَى أَعْلَقْتُ عَنْهُ دَفَعْتُ عَنْهُ الْعُذْرَةَ بِالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا (مِنَ الْعُذْرَةِ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا قَالَ الْعَيْنِيُّ الْعُذْرَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ وَجَعُ الْحَلْقِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى سُقُوطُ اللَّهَاةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَقْصَى الْحَلْقِ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَيْضًا يُسَمَّى عُذْرَةً يُقَالُ أَعْلَقَتْ عَنْهُ أُمُّهُ إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ وَغَمَزَتْ ذَلِكَ الْمَكَانَ بِأُصْبُعِهَا
وَفِي النِّهَايَةِ الْعُذْرَةُ بِالضَّمِّ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَهِيجُ مِنَ الدَّمِ وَقِيلَ هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِي الْخُرْمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ تَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ فَتَعْمِدُ الْمَرْأَةُ إِلَى خِرْقَةٍ فَتَفْتِلُهَا فَتْلًا شَدِيدًا وَتُدْخِلُهَا فِي أَنْفِهِ فَتَطْعَنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَيَتَفَجَّرُ مِنْهُ الدَّمُ أَسْوَدَ وَرُبَّمَا أَقَرْحَهُ وَذَلِكَ الطَّعْنُ يُسَمَّى الدَّغْرُ يُقَالُ عَذَرَتِ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ إذا غمرت حَلْقَهُ مِنَ الْعُذْرَةِ أَوْ فَعَلَتْ بِهِ ذَلِكَ وَكَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ عِلَاقًا كَالْعُوذَةِ
وَقَوْلُهُ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ هِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ
следующие страницы →