Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
الْأَبْوَالِ وَعَذِرَةَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضِ الْعِلَلِ وَهِيَ كُلُّهَا خَبِيثَةٌ نَجِسَةٌ وَتَنَاوُلُهَا مُحَرَّمٌ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَقَدْ رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفَرِ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ وَسَبِيلُ السُّنَنِ أَنَّ يُقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَأَنْ لَا يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَقَدْ يَكُونُ خُبْثُ الدَّوَاءِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الطَّعْمِ وَالْمَذَاقِ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ المشقة على الطباع ولتكره النَّفْسِ إِيَّاهُ وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً انْتَهَى
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وبن ماجه وفي حديث الترمذي وبن مَاجَهْ يَعْنِي السُّمَّ
[٣٨٧٢] (مَنْ حَسَا) أَيْ شَرِبَ وَتَجَرَّعَ (سُمًّا) مُثَلَّثَةً الْقَاتِلُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ السُّمِّ الْقَاتِلِ (يَتَحَسَّاهُ) أَيْ يَشْرَبُهُ (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا) أَيْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ إِمَّا لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَإِمَّا لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِمَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ أَوِ الْمُرَادُ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ خَالِدًا مُؤَبَّدًا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
أَتَمَّ مِنْهُ
[٣٨٧٣] (ذَكَرَ) أَيْ وَائِلٌ (سَأَلَ) أَيْ طَارِقٌ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا كَمَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ لَكِنَّهَا دَاءٌ إِنَّمَا سَمَّاهَا دَاءً لِمَا فِي شُرْبِهَا مِنَ الْإِثْمِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الدَّاءِ فِي الْآفَاتِ والعيوب ومساوىء الْأَخْلَاقِ وَإِذَا تَبَايَعُوا الْحَيَوَانَ قَالُوا بَرِئَتْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُرِيدُونَ الْعَيْبَ
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَنِي سَاعِدَةَ مَنْ سَيِّدُكُمْ قَالُوا جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَإِنَّا لَنَزُنَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْبُخْلِ (أَيْ نَتَّهِمَهُ بِالْبُخْلِ) فَقَالَ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ وَالْبُخْلُ إِنَّمَا هُوَ طَبْعٌ أَوْ خُلُقٌ وَقَدْ سَمَّاهُ دَاءً
وَقَالَ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْبَغْيُ
стр. 3467
وَالْحَسَدُ فَنَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَمْرِ إِنَّهَا دَاءٌ أَيْ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِثْمِ فَنَقَلَهَا ﷺ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ وَحَوَّلَهَا عَنْ بَابِ الطَّبِيعَةِ إِلَى بَابِ الشَّرِيعَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ دَوَاءٌ فِي بَعْضِ الْأَسْقَامِ وَفِيهَا مَصَحَّةُ الْبَدَنِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الرَّقُوبِ فَقَالَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَدٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّقُوبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَكَقَوْلِهِ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ قَالُوا هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الرِّجَالَ فَقَالَ بَلْ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَكَقَوْلِهِ مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ فَقَالُوا هُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ فَقَالَ بَلِ الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَشَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُؤْخَذُ من حسناته لهم ويؤخذ من سيأتهم فَيُلْقَى عَلَيْهِ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ
وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى ضَرْبِ الْمَثَلِ وَتَحْوِيلِهِ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى مَعْنَى أَمْرِ الْآخِرَةِ فَكَذَلِكَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ دَاءً إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الدِّينِ وَحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ لِمَا يَلْحَقُ شَارِبَهَا مِنَ الْإِثْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاءً فِي الْبَدَنِ وَلَا سَقَمًا فِي الْجَسَدِ
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ
وَقَدْ أَبَاحَ التَّدَاوِيِ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَعْضُهُمْ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ رسول الله ﷺ للعرينة التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهَا فِي بَعْضِ الْعِلَلِ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَنَاوُلِهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الأمرين اللذين جَمَعَهُمَا هَذَا الْقَائِلُ فَنَصَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَوْلُ الْإِبِلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ النَّصُّ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَيَشْفُونَ بِهَا وَيَتَّبِعُونَ لَذَّاتِهَا فَلَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا وَالنُّزُوعُ عَنْهَا فَغُلِّظَ الْأَمْرُ فِيهَا بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُتَنَاوِلِهَا لِيَرْتَدِعُوا وَلِيَكُفُّوا عَنْ شُرْبِهَا وَحُسِمَ الْبَابُ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا شُرْبًا وَتَدَاوِيًا لِئَلَّا يَسْتَبِيحُوهَا بِعِلَّةِ التَّسَاقُمِ وَالتَّمَارُضِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِانْحِسَامِ الدَّوَاعِي وَلِمَا عَلَى الطِّبَاعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي تَنَاوُلِهَا وَلِمَا فِي النُّفُوسِ مِنِ اسْتِقْذَارِهَا وَالنُّكْرَةِ لَهَا فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ قَالَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3468
١٢ - (بَاب فِي تَمْرَةِ الْعَجْوَةِ)
[٣٨٧٥] بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ الْجِيَادِ فِي الْمَدِينَةِ
(عن مجاهد) وهو بن جبر قاله المنذري (عن سعد) وهو بن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
(مَرِضْتُ مَرَضًا) أَيْ شَدِيدًا وَكَانَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ (يَعُودُنِي) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَوَضَعَ) النَّبِيُّ ﷺ (بَرْدَهَا) أَيْ بَرْدَ يَدِهِ (فِي فُؤَادِي) أَيْ قَلْبِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحِلَّهُ كَانَ مكشوفا (مفؤد) اسْمُ مَفْعُولٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفُؤَادِ وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ دَاءٌ فِي فُؤَادِهِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ الْفُؤَادُ هُوَ الْقَلْبُ وَقِيلَ هُوَ غِشَاءُ الْقَلْبِ أَوْ كَانَ مَصْدُورًا فَكَنَّى بِالْفُؤَادِ عَنِ الصَّدْرِ لأنه محله قاله القارىء (ائْتِ) أَمْرٌ مِنْ أَتَى يَأْتِي وَمَفْعُولُهُ (الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (أَخَا ثَقِيفٍ) أَيْ أَحَدًا مِنْ بَنِي ثَقِيفٍ وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ) أَيْ يَعْرِفُ الطِّبَّ مُطْلَقًا أَوْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَضِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالْمَهَارَةِ وَالْحَذَاقَةِ (فَلْيَأْخُذْ) أَيِ الْحَارِثُ (سَبْعَ تَمَرَاتٍ) بِفَتَحَاتٍ (مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ) قَالَ الْقَاضِي هُوَ ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ وَنَخْلُهَا يُسَمَّى لِينَةٌ قَالَ تَعَالَى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وَتَخْصِيصُ الْمَدِينَةِ إِمَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهَا بِدُعَائِهِ أَوْ لِأَنَّ تَمْرَهَا أوفق لمزاجه من أجل تعوده قاله القارىء (فَلْيَجَأْهُنَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ فَلْيَكْسِرْهُنَّ وليدقهن قاله القارىء
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ أَيْ فَلْيَدُقَّهُنَّ وَبِهِ سُمِّيَتِ الْوَجِيئَةُ وَهُوَ تَمْرٌ يُبَلُّ بِلَبَنٍ أَوْ سمن ثم
стр. 3469
يُدَقُّ حَتَّى يَلْتَئِمَ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوَجِيئَةُ حِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ فَيَتَحَسَّاهُ الْمَرِيضُ (بِنَوَاهُنَّ) أَيْ مَعَهَا وَبِالْفَارِسِيَّةِ خسته خرما (ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ) مِنَ اللَّدُودِ وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ فِي الْفَمِ أَيْ لِيَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَيَسْقِيَكَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّدُودِ وَهُوَ مَا يُسْقَاهُ الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْفَمِ وَأُخِذَ مِنَ اللَّدِيدَيْنِ وَهُوَ جَانِبَيِ الْوَادِي انْتَهَى
قَالَ القارىء قَوْلُهُ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَسْكُنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ لِيَسْقِيَكَ مِنْ لِدَةِ الدَّوَاءِ إِذَا صَبَّهُ فِي فَمِهِ وَاللَّدُودُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَا يُصَبُّ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْمَرَضِ لَمْ يَكُنْ يَسْهُلْ لَهُ تَنَاوُلُ الدَّوَاءِ إِلَّا عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَنْجَحُ وَأَنْفَعُ وَأَيْسَرُ وَأَلْيَقُ وَإِنَّمَا أَمَرَ الطَّبِيبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاتِّخَاذِ الدَّوَاءِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مُجَاهِدٌ لَمْ يُدْرِكْ سَعْدًا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ مُجَاهِدٌ عَنْ سَعْدٍ مُرْسَلٌ
[٣٨٧٦] (مَنْ تَصَبَّحَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (سَبْعَ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ) أَيْ يَأْكُلُهَا فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَيَجُوزُ فِي تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ الْإِضَافَةُ فَتُخْفَضُ كَمَا تَقُولُ ثِيَابُ خَزٍّ وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ صِفَةٌ لِسَبْعٍ أَوْ تَمَرَاتٍ وَيَجُوزُ النَّصْبُ مُنَوَّنًا عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَمَّا خُصُوصِيَّةُ السَّبْعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِسِرٍّ فِيهَا وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وِتْرًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا خُصُوصُ كَوْنِ ذَلِكَ سَبْعًا فَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ كَمَا فِي أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ انْتَهَى
وَالْعَجْوَةُ ضَرْبٌ مِنْ أَجْوَدِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَأَلْيَنِهِ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هو من
стр. 3470
وسط التمر
وقال بن الْأَثِيرِ الْعَجْوَةُ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّيْحَانِيِّ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ وَهُوَ مِمَّا غَرَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِالْمَدِينَةِ وَذَكَرَ هَذَا الْأَخِيرَ الْقَزَّازُ انْتَهَى (سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ) قَالَ الْحَافِظُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَوْنُ الْعَجْوَةِ تَنْفَعُ مِنَ السُّمِّ وَالسِّحْرِ إِنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَمْرِ الْمَدِينَةِ لَا لِخَاصِّيَّةٍ فِي التَّمْرِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
٣ - (بَابٌ فِي الْعِلَاقِ)
[٣٨٧٧] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَقِيلَ بكسرها والكل بمعنى العصر قاله القارىء
(قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ) مِنَ الْإِعْلَاقِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَرَفْعُهَا بِالْأُصْبُعِ أَيْ قَدْ عَالَجَتْهُ بِرَفْعِ الْحَنَكِ بِأُصْبُعِهَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وفي النهاية اعلاق مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَهُوَ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ وَوَرَمٌ تَدْفَعُهُ أُمُّهُ بِأُصْبُعِهَا أَوْ غَيْرِهَا
وَحَقِيقَةُ أَعْلَقْتُ عَنْهُ زِلْتُ الْعُلُوقَ عَنْهُ وَهِيَ الدَّاهِيَةُ انتهى
قال الخطابي هكذا يقولون الْمُحَدِّثُونَ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ أَعْلَقْتُ عَنْهُ وَالْإِعْلَاقُ أَنْ يَرْفَعَ الْعُذْرَةَ بِالْيَدِ وَالْعُذْرَةُ وَجَعٌ يَهِيجُ فِي الْحَلْقِ وَمَعْنَى أَعْلَقْتُ عَنْهُ دَفَعْتُ عَنْهُ الْعُذْرَةَ بِالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا (مِنَ الْعُذْرَةِ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا قَالَ الْعَيْنِيُّ الْعُذْرَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ وَجَعُ الْحَلْقِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى سُقُوطُ اللَّهَاةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَقْصَى الْحَلْقِ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَيْضًا يُسَمَّى عُذْرَةً يُقَالُ أَعْلَقَتْ عَنْهُ أُمُّهُ إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ وَغَمَزَتْ ذَلِكَ الْمَكَانَ بِأُصْبُعِهَا
وَفِي النِّهَايَةِ الْعُذْرَةُ بِالضَّمِّ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَهِيجُ مِنَ الدَّمِ وَقِيلَ هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِي الْخُرْمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ تَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ فَتَعْمِدُ الْمَرْأَةُ إِلَى خِرْقَةٍ فَتَفْتِلُهَا فَتْلًا شَدِيدًا وَتُدْخِلُهَا فِي أَنْفِهِ فَتَطْعَنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَيَتَفَجَّرُ مِنْهُ الدَّمُ أَسْوَدَ وَرُبَّمَا أَقَرْحَهُ وَذَلِكَ الطَّعْنُ يُسَمَّى الدَّغْرُ يُقَالُ عَذَرَتِ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ إذا غمرت حَلْقَهُ مِنَ الْعُذْرَةِ أَوْ فَعَلَتْ بِهِ ذَلِكَ وَكَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ عِلَاقًا كَالْعُوذَةِ
وَقَوْلُهُ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ هِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ
стр. 3471
وَتَطْلُعُ فِي وَسَطِ الْحَرِّ انْتَهَى (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (عَلَامَ) بِحَذْفِ الْأَلِفِ (تَدْغَرْنَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بِخِطَابِ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الدَّغْرِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ آنِفًا
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ القارىء وَهُوَ غَمْزُ الْحَلْقِ بِالْأُصْبُعِ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ تَأْخُذُهُ الْعُذْرَةُ وَهِيَ وَجَعٌ يَهِيجُ فِي الْحَلْقِ مِنَ الدَّمِ فَتُدْخِلُ الْمَرْأَةُ أُصْبُعَهَا فَتَدْفَعُ بِهَا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَتَكْبِسُهُ وَأَصْلُ الدَّغْرِ الدَّفْعُ انْتَهَى
قال القارىء وَالْمَعْنَى عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ أَوْلَادَكُنَّ وَتَغْمِزْنَ حُلُوقَهُمْ (بِهَذَا الْعِلَاقِ) أَيْ بِهَذَا الْعَصْرِ وَالْغَمْزِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ بِهَذَا الدَّاءِ الدَّاهِيَةِ وَالْمُدَاوَاةِ الشَّنِيعَةِ (عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ) أَيْ بَلِ الْزَمْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِاسْتِعْمَالِ الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فِي عُذْرَةِ أَوْلَادِكُنَّ وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْجِنْسِ لِلْمُسْتَحْضَرِ فِي الذِّهْنِ وَالْعُودُ القسط
قال العيني القسط نوعان هندي وهوأسود وَبَحْرِيٌّ وَهُوَ أَبْيَضُ وَالْهِنْدِيُّ أَشَدُّهُمَا حَرَارَةً (فَإِنَّ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْعُودِ (سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) جَمْعُ شِفَاءٍ (مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَشْفِيَةِ شِفَاءُ ذَاتِ الْجَنْبِ أَوِ التَّقْدِيرُ فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ أَدْوَاءٌ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ ذَكَرَ ﷺ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ فِي الْقِسْطِ فَسَمَّى مِنْهَا اثْنَيْنِ وَوَكَلَ بَاقِيهَا إِلَى طَلَبِ الْمَعْرِفَةِ أَوِ الشُّهْرَةِ فِيهَا (يُسْعَطُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا وَرُوِيَ مُشَدَّدًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعُوطِ وَهُوَ مَا يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّدَاوِي بِهِ أَنْ يُدَقَّ الْعُودُ نَاعِمًا وَيُدْخَلَ فِي الْأَنْفِ وَقِيلَ يبل ويقطر فيه قاله القارىء (وَيُلَدُّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ لَدَّ الرَّجُلُ إِذَا صَبَّ الدَّوَاءَ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ (مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا وَسَكَتَ ﷺ عَنِ الْخَمْسَةِ مِنْهَا لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى تَفْصِيلِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُهِمِّ وَالْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
стр. 3472
١٤ - (باب في الكحل)
[٣٨٧٨] (أَكْحَالِكُمْ) جَمْعُ كُحْلٍ (الْإِثْمِدَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ وَحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يَكُونُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَأَجْوَدُهُ يُؤْتَى مِنْ أَصْبَهَانَ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ (يَجْلُو) مِنَ الْجَلَاءِ أَيْ يَزِيدُهُ نُورًا (وَيُنْبِتُ) مِنَ الْإِنْبَاتِ (الشَّعْرَ) بِفَتْحِ الشِّينِ شَعْرُ أَهْدَابِ الْعَيْنِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُحْلِ
وَلَفْظُ بن مَاجَهْ خَيْرُ ثِيَابِكُمْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَيْنِ)
[٣٨٧٩] (وَالْعَيْنُ) أَيْ أَثَرُهَا (حَقٌّ) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعَانُ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِهِ وَكُلُّ كَامِلٍ يَعْقُبُهُ النَّقْصُ وَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعَيْنِ أُضِيفَ ذلك إليها قاله القارىء
وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ
وَالْعَيْنُ حَقٌّ لَا بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا سَبَبٌ عَادِيٌّ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عند نَظَرِ الْعَائِنِ إِلَى شَيْءٍ وَإِعْجَابِهِ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَمَّ مِنْهُ
стр. 3473
[٣٨٨٠] (ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ) هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الْعَيْنُ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هُوَ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ دَاخِلَ إِزَارِهِ وَوَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ الْعَيْنُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَعِينِ اسْمُ مَفْعُولٍ كَمَبِيعٍ
وَاخْتَلَفُوا فِي دَاخِلَةِ الْإِزَارِ فَقِيلَ الْفَرْجُ
وَقَالَ الْقَاضِي وَالظَّاهِرُ الْأَقْوَى أَنَّهُ مَا يَلِي الْبَدَنَ مِنَ الْإِزَارِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ وَقَعَتْ صِفَةُ الِاغْتِسَالِ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ أَحْمَدَ والنسائي وصححه بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَاءٍ حَتَّى كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَلُبِطَ أَيْ صُرِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى سَهْلٌ فَأَتَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ قَالُوا عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ثُمَّ قَالَ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثم يصب ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رأسه وظهره ثم يكفأ الْقَدَحَ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦ - (بَاب فِي الْغَيْلِ)
[٣٨٨١] قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ وَكَذَلِكَ إِذَا حَمَلَتْ وَهِيَ مُرْضِعٌ
(فَإِنَّ الْغَيْلَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلُ الْغَيْلِ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ يُقَالُ مِنْهُ أَغَالَ الرَّجُلُ وَأُغِيلَ الْوَلَدُ فَهُوَ مُغَالٌ أَوْ مَغِيلٌ (الْفَارِسَ) أَيِ الرَّاكِبَ
стр. 3474
(فيدعثره عن فرسه) ولفظ بن ماجة لا تقتلوا أولادكم سرا فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْغَيْلَ لَيُدْرِكُ الْفَارِسَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ حَتَّى يَصْرَعَهُ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ وَيَصْرَعُهُ وَيُسْقِطُهُ وَأَصْلُهُ فِي الْكَلَامِ الْهَدْمُ وَيُقَالُ فِي الْبِنَاءِ قَدْ تَدَعْثَرَ إِذَا تَهَدَّمَ وَسَقَطَ يَقُولُ ﷺ إِنَّ الْمُرْضِعَ إِذَا جُومِعَتْ فَحَمَلَتْ فَسَدَ لَبَنُهَا وَنُهِكَ الْوَلَدُ (أَيْ هَزَلَ الْوَلَدُ) إِذَا اغْتَذَى بِذَلِكَ اللَّبَنِ فَيَبْقَى ضَاوِيًا فَإِذَا صَارَ رَجُلًا وَرَكِبَ الْخَيْلَ فَرَكَضَهَا أَدْرَكَهُ ضَعْفُ الْغَيْلِ فَزَالَ وَسَقَطَ عَنْ مُتُونِهَا فَكَانَ ذَلِكَ كَالْقَتْلِ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ سِرٌّ لَا يُرَى وَلَا يُشْعَرُ بِهِ انْتَهَى
قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَيُدَعْثِرُهُ أَيْ يَصْرَعُهُ وَيُهْلِكُهُ وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْغِيلَةِ وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعَةٌ وَرُبَّمَا حَمَلَتْ وَاسْمُ ذَلِكَ اللَّبَنِ الْغَيْلُ بِالْفَتْحِ فَإِذَا حَمَلَتْ فَسَدَ لَبَنُهَا يُرِيدُ أَنَّ مِنْ سُوءِ أَثَرِهِ فِي بَدَنِ الطِّفْلِ وَإِفْسَادِ مِزَاجِهِ وَإِرْخَاءِ قُوَاهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَزَالُ مَاثِلًا فِيهِ إِلَى أَنْ يَشْتَدَّ وَيَبْلُغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ فَإِذَا أَرَادَ مُنَازَلَةَ قِرْنٍ فِي الْحَرْبِ وَهَنَ عَنْهُ وَانْكَسَرَ وَسَبَبُ وَهْنِهِ وَانْكِسَارِهِ الْغَيْلُ انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيِّ نُهِيَ عَنِ الْغَيْلِ بِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْوَلَدِ الرَّضِيعِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ فِي الْحَالِ حَتَّى رُبَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ الْوَلَدُ رَجُلًا فَارِسًا فَيُسْقِطُهُ ذَلِكَ الْأَثَرُ عَنْ فَرَسِهِ فيموت انتهى قال المنذري والحديث أخرجه بن مَاجَهْ
[٣٨٨٢] (عَنْ جُدَامَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ قَالَ بِالْمُعْجَمَةِ فَقَدْ صَحَّفَ (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغَيْلَةِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وهي ترضع
ولفظ بن مَاجَهْ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيَالِ (حَتَّى ذُكِّرْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) وَلَفْظُ بن مَاجَهْ فَإِذَا فَارِسُ وَالرُّومُ يَغِيلُونَ فَلَا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ
قَالَ السِّنْدِيُّ وَأَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِمَا اشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَلَدِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ عَدَمُ الضَّرَرِ فِي بَعْضِ النَّاسِ كَفَارِسَ وَالرُّومَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فُوِّضَ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ضَوَابِطُ فَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَانْدِرَاجِهَا فِي الضَّوَابِطِ قَالَ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ قَبْلَ
стр. 3475
حَدِيثِ جُدَامَةَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَأَذِنَ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جُدَامَةَ انْتَهَى
قُلْتُ وَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ صَنِيعِ الْمُؤَلِّفِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدِيثَ أَسْمَاءَ فِي الِامْتِنَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْجَوَازِ أَيْ حَدِيثَ جُدَامَةَ
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ السِّنْدِيُّ فَقَالَ هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ مُفَادَ حَدِيثِ جُدَامَةَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ وَلَمْ يَنْهَ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِيهِ نَهْيٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ زَعْمِ الْعَرَبِ لَمَا اسْتَحْسَنَ الْقَسَمَ بِاللَّهِ كَمَا عند بن مَاجَهْ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُ بَعْدَ حَدِيثِ جُدَامَةَ حَيْثُ حُقِّقَ أَنَّهُ يَضُرُّ إِلَّا أَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَخْفَى إِلَى الْكِبَرِ انْتَهَى
قُلْتُ وَهَذَا صَنِيعُ الْإِمَامِ بن مَاجَهْ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدِيثَ جُدَامَةَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَسْمَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٧ - (بَاب فِي تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ)
[٣٨٨٣] (إِنَّ الرُّقَى) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَقْصُورٌ جَمْعُ رُقْيَةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا الرُّقَى فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَ مِنْهَا بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ فَلَا يدرى ما هو ولعله قد يدخله سحرا أو كفرا وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَفْهُومَ الْمَعْنَى وَكَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُتَبَرَّكٌ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَالتَّمَائِمَ) جَمْعُ التَّمِيمَةِ وَهِيَ التَّعْوِيذَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَآيَاتُهُ الْمَتْلُوَّةُ وَالدَّعَوَاتُ الْمَأْثُورَةُ تُعَلَّقُ عَلَى الصَّبِيِّ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ التَّمَائِمُ جَمْعُ تَمِيمَةٍ وَهِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَوْلَادِهِمْ يَتَّقُونَ بِهَا الْعَيْنَ فِي زَعْمِهِمْ فَأَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ (وَالتِّوَلَةَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُقَالُ إِنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ السِّحْرِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَهُوَ الَّذِي يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زوجها انتهى
قال القارىء وَالتِّوَلَةُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَبِضَمٍّ وَفَتْحِ الْوَاوِ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ أَوْ خَيْطٌ يُقْرَأُ فِيهِ مِنَ السِّحْرِ أَوْ قِرْطَاسٌ يُكْتَبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ السِّحْرِ لِلْمَحَبَّةِ أَوْ غَيْرِهَا (شِرْكٌ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ إِمَّا جَلِيًّا وَإِمَّا خَفِيًّا قَالَ الْقَاضِي وَأَطْلَقَ الشِّرْكَ عَلَيْهَا إِمَّا لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِنْهَا فِي عَهْدِهِ مَا كَانَ مَعْهُودًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ مُشْتَمِلًا على مايتضمن الشِّرْكَ أَوْ لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا يَدُلُّ
стр. 3476
عَلَى اعْتِقَادِ تَأْثِيرِهَا وَهُوَ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ (قَالَتْ) زَيْنَبُ (لِمَ تَقُولُ هَذَا) أَيْ وَتَأْمُرُنِي بِالتَّوَكُّلِ وَعَدَمِ الِاسْتِرْقَاءِ فَإِنِّي وَجَدْتُ فِي الِاسْتِرْقَاءِ فَائِدَةً (لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تُقْذَفُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُرْمَى بِمَا يُهَيِّجُ الْوَجَعَ وَبِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ تَرْمِي بِالرَّمَصِ أَوِ الدَّمْعِ وَهُوَ مَاءُ الْعَيْنِ مِنَ الْوَجَعِ وَالرَّمَصُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَا جَمَدَ مِنَ الْوَسَخِ فِي مُؤَخَّرِ الْعَيْنِ قاله القارىء (فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ) أَيْ أَتَرَدَّدُ بِالرَّوَاحِ وَالْمَجِيءِ (سَكَنَتْ) أَيِ الْعَيْنُ يَعْنِي وَجَعَهَا (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (عَمَلُ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنْ فِعْلِهِ وَتَسْوِيلِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَجَعَ الَّذِي كَانَ فِي عَيْنَيْكِ لَمْ يَكُنْ وَجَعًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ ضَرْبٌ مِنْ ضَرَبَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَزَعَاتِهِ (كَانَ) أَيِ الشَّيْطَانُ (يَنْخَسُهُا) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَطْعَنُهَا قَالَهُ القارىء
وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَنْ يُحَرِّكَهَا وَيُؤْذِيَهَا (فَإِذَا رَقَاهَا) أَيْ إِذَا رَقَى الْيَهُودِيُّ الْعَيْنَ (كَفَّ) الشَّيْطَانُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَخْسِهَا وَتَرَكَ طَعْنَهَا (أَنْ تَقُولِي) أَيْ عِنْدَ وَجَعِ الْعَيْنِ وَنَحْوِهَا (أَذْهِبْ) أَمْرٌ مِنَ الْإِذْهَابِ أَيْ أَزِلْ (الْبَأْسَ) أَيِ الشِّدَّةَ (رَبَّ النَّاسِ) أَيْ يَا خَالِقَهُمْ وَمُرَبِّيِهِمْ (أَنْتَ الشَّافِي) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا يُوهِمُ نَقْصًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين قَالَهُ فِي الْفَتْحِ (لَا شِفَاءَ) بِالْمَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا شِفَاءَ حَاصِلٌ لَنَا أَوَّلُهُ إِلَّا بِشِفَائِكَ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (إلا شفاؤك) بالرفع بدل من موضع لإشفاء قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (شِفَاءً) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ لِقَوْلِهِ اشْفِ (لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ شِفَاءً وَمَعْنَى لَا يُغَادِرُ لَا يَتْرُكُ وَسَقَمًا بِفَتْحَتَيْنِ مَفْعُولُهُ وَيَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ السِّينِ وَتَسْكِينُ الْقَافِ أَيْ مَرَضًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه بن ماجه عن بن أُخْتِ زَيْنَبَ عَنْهَا وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ أُخْتِ زَيْنَبَ عَنْهَا وَفِيهِ قِصَّةٌ وَالرَّاوِي عَنْ زَيْنَبَ مجهول
[٣٨٨٤] (عن حصين) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا (مِنْ عَيْنٍ أَوْ
стр. 3477
حُمَةٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَأَصْلُهَا حُمَوْ وَالْهَاءُ فِيهِ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحُمَةُ سُمُّ ذَوَاتِ السُّمُومِ وَقَدْ تُسَمَّى إِبْرَةُ الْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ حُمَةً وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَجْرَى السُّمِّ وَلَيْسَ فِي هَذَا نَفْيُ جَوَازِ الرُّقْيَةِ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَقَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ
وَقَالَ لِلشِّفَاءِ وَعَلِّمِي حَفْصَةَ رُقْيَةَ النَّمِلَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالسُّمِّ وَهَذَا كَمَا قِيلَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ وَلَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه الترمذي
٨ - (باب فِي الرُّقَى)
[٣٨٨٥] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَقَيْتُهُ أَرْقِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى رَقْيًا عَوَّذْتُهُ بِاللَّهِ وَالِاسْمُ الرُّقْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى وَالْمَرَّةُ رُقْيَةٌ وَالْجَمْعُ رُقَى مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدَى انْتَهَى
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ الرُّقَى جَمْعُ رُقْيَةٍ وَهِيَ الْعُوذَةُ وَبِالْفَارِسِيَّةِ أفسون وَقِيلَ مَا يُقْرَأُ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْقُرْآنِ وَالْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا بِالِاتِّفَاقِ وَبِمَا عَدَاهَا حَرَامٌ لَا سِيَّمَا بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ انتهى (قال أحمد) بن صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ ثَابِتُ بْنُ قيس بن شماس (ثم أخذ) النبي (مِنْ بَطْحَانَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ اسْمُ وَادِي الْمَدِينَةِ والْبَطْحَانِيُّونَ مَنْسُوبُونَ إِلَيْهِ وَأَكْثَرُهُمْ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَلَعَلَّهُ الْأَصَحُّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَجَعَلَهُ) أَيِ التُّرَابَ (فِي قَدَحٍ) بِفَتْحَتَيْنِ آنِيَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْجَمْعُ أَقْدَاحٌ مِثْلُ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ (ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التُّرَابِ (بِمَاءٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَفَثَهُ مِنْ فِيهِ نَفْثًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ رَمَى بِهِ وَنَفَثَ إِذَا بَزَقَ وَمِنْهُ مَنْ يَقُولُ إِذَا بَزَقَ وَلَا رِيقَ مَعَهُ وَنَفَثَ فِي الْعُقْدَةِ عِنْدَ الرَّقْيِ وَهُوَ الْبُصَاقُ الْيَسِيرُ انْتَهَى
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ النَّفْثُ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ وَالنَّفْثَ
стр. 3478
شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ وَقِيلَ هُوَ التَّفْلُ بِعَيْنِهِ نَفَثَ الرَّاقِي (وَصَبَّهُ) أَيْ وَصَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ وَالْمَعْنَى أَيْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ رَمَى بِالْمَاءِ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَاءَ أَوَّلًا فِي فِيهِ لِيُخَالِطَ الْمَاءَ بريق رسول الله وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ نُفِثَ أَيْ رُمِيَ عَلَى التُّرَابِ مِنْ غَيْرِ إِدْخَالِهِ فِي فِيهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَيْ رُشَّ الْمَاءُ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الطِّينُ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ قَالَ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ أَيْ أَحَدُ رُوَاتِهِ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى سَقِيمُنَا بإذن ربنا
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ هَذَا مِنَ الْعِلَاجِ السَّهْلِ الْمُيَسَّرِ النَّافِعِ الْمُرَكَّبِ وَهِيَ مُعَالَجَةٌ لَطِيفَةٌ يُعَالَجُ بِهَا الْقُرُوحُ وَالْجِرَاحَاتُ الطَّرِيَّةُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ إِذْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِكُلِّ أَرْضٍ
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَبِيعَةَ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ مُجَفِّفَةٌ لِرُطُوبَاتِ الْجُرُوحِ وَالْجِرَاحَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ الطَّبِيعَةُ مِنْ جَوْدَةِ فِعْلِهَا وَسُرْعَةِ انْدِمَالِهَا لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارَّةِ فَإِنَّ الْقُرُوحَ وَالْجِرَاحَاتِ يَتْبَعُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ سُوءُ مِزَاجٍ حَارٍّ فَيَجْتَمِعُ حَرَارَةُ الْبَلَدِ وَالْمِزَاجِ وَالْجِرَاحِ وَطَبِيعَةُ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ أَشَدُّ مِنْ بُرُودَةِ جَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الْبَارِدَةِ فَيُقَابِلُ بُرُودَةُ التُّرَابِ حَرَارَةَ الْمَرَضِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ التُّرَابُ قَدْ غُسِلَ وَجُفِّفَ وَيَتْبَعُهَا أَيْضًا كَثْرَةُ الرُّطُوبَاتِ الرَّدِيَّةِ وَالسَّيْلَانِ
وَالتُّرَابُ مُجَفِّفٌ لَهَا مُزِيلٌ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ وَتَجْفِيفِهِ لِلرُّطُوبَةِ الرَّدِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ بَرْدِهَا وَيَحْصُلُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ تَعْدِيلُ مِزَاجِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ وَمَتَى اعْتَدَلَ مِزَاجُ الْعُضْوِ قَوِيَتْ قُوَاهُ الْمُدَبِّرَةُ وَدَفَعَتْ عَنْهُ الْأَلَمَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وَمَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها عَلَى التُّرَابِ فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَيَنْضَمُّ أَحَدُ الْعِلَاجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ فَيَقْوَى التَّأْثِيرُ
وَهَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا جَمِيعُ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً فِيهِ قَوْلَانِ
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنَ التُّرْبَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ خَاصِّيَّةٌ يُنْفَعُ بِهَا مِنْ أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ وَيَشْفِي بِهَا أَسَقَامًا رَدِيَّةً
قَالَ جَالِينُوسُ رَأَيْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ وَيَطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيِّنَةً
قَالَ وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ قَدْ يَقَعُ هَذَا الطِّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهِّلَةِ الرَّخْوَةِ قَالَ وَإِنِّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهَّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلُّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ مِنْ أَسْفَلَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطِّينِ نَفْعًا بَيِّنًا
стр. 3479
وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمَكُّنًا شَدِيدًا فَبَرَأَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْمَسِيحِيُّ قُوَّةُ الطِّينِ الْمَحْلُوبِ مِنْ كَبُوسٍ وَهِيَ حَرِيرَةُ الْمَصْطَكَى قُوَّةٌ يَجْلُو وَيَغْسِلُ وَيُنْبِتُ اللَّحْمَ فِي الْقُرُوحِ انْتَهَى
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذِهِ التُّرْبَاتِ فَمَا الظَّنُّ بِأَطْيَبِ تُرْبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله وَقَارَبَتْ رُقْيَتَهُ بِاسْمِ رَبِّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَالصَّوَابُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى
[٣٨٨٦] (رُقَاكُمْ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رُقْيَةٍ (مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا) وَهَذَا هُوَ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الرُّقْيَةِ وَالْإِذْنِ فِيهَا
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرَّقْيِ وَالتَّطَبُّبِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَا مَنْعَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ لَكِنْ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا لِأَنَّ مَا لَا يُفْهَمُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٣٨٨٧] (عَنِ الشِّفَاءِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ وَالْمَدِّ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ مِنْ فُضَلَاءِ النِّسَاءِ وَلَهَا مَنْقَبَةٌ (أَلَا تُعَلِّمِينَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (هَذِهِ) أَيْ حَفْصَةَ (رُقْيَةَ النَّمِلَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وهي قروح تخرج من الجنب أو الجنين وَرُقْيَةُ النَّمِلَةِ كَلَامٌ كَانَتْ نِسَاءُ الْعَرَبِ تَسْتَعْمِلُهُ يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ كَلَامٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ
وَرُقْيَةُ النَّمِلَةِ الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بَيْنَهُنَّ أَنْ يُقَالَ لِلْعَرُوسِ تَحْتَفِلُ وَتَخْتَضِبُ وَتَكْتَحِلُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُفْتَعَلُ غَيْرَ أَنْ لَا تعصي الرجل فأراد بِهَذَا الْمَقَالِ تَأْنِيبَ حَفْصَةَ وَالتَّأْدِيبَ لَهَا تَعْرِيضًا لِأَنَّهُ أَلْقَى إِلَيْهَا سِرًّا فَأَفْشَتْهُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا قاله الشوكاني
стр. 3480
وَفِي النِّهَايَةِ النَّمِلَةُ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَنْبِ قِيلَ إِنَّ هَذَا مِنْ لُغْزِ الْكَلَامِ وَمُزَاحِهِ كَقَوْلِهِ لِلْعَجُوزِ لَا تَدْخُلُ الْعُجُزُ الْجَنَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ رُقْيَةَ النَّمِلَةِ شَيْءٌ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُهُ النِّسَاءُ يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ كَلَامٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَرُقْيَةُ النَّمِلَةِ الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بَيْنَهُنَّ أَنْ يُقَالَ الْعَرُوسُ تَحْتَفِلُ وَتَخْتَضِبُ وَتَكْتَحِلُ وَكُلُّ شَيْءٍ تَفْتَعِلُ غَيْرَ أَنْ لَا تَعْصِيَ الرَّجُلَ وَيُرْوَى عِوَضَ تَحْتَفِلُ تَنْتَعِلُ وَعِوَضَ تختضب تقتال فأراد بِهَذَا الْمَقَالِ تَأْنِيبَ حَفْصَةَ لِأَنَّهُ أَلْقَى إِلَيْهَا سِرًّا فَأَفْشَتْهُ انْتَهَى (كَمَا عَلَّمْتِيهَا) بِالْيَاءِ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ (الْكِتَابَةَ) مَفْعُولٌ ثَانٍ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ
وَهَذَا الحديث سكت عنه المنذري ثم بن الْقَيِّمِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَهْدِيٍّ الْبَغْدَادِيَّ الْمِصِّيصِيَّ وَهُوَ ثِقَةٌ
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الطِّبِّ مِنَ السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ الشِّفَاءِ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ
وَفِي الْإِصَابَةِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ الشِّفَاءَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله وَأَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ مَا عَلَيْكِ أن تعلمي هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة
وأخرج بن مَنْدَهْ حَدِيثَ رُقْيَةِ النَّمِلَةِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عن بن الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهَا الشِّفَاءُ كَانَتْ تَرْقِي مِنَ النملة فقال النبي علميها حفصة
وأخرج بن مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ عَنِ الشِّفَاءِ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقِي فِي الجاهلية وأنها لما هاجرت إلى النبي وَكَانَتْ قَدْ بَايَعَتْهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فقدمت عليه فقالت يارسول اللَّهِ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرْقِي بِرُقًى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْرِضَهَا عَلَيْكَ قَالَ فَاعْرِضِيهَا قَالَتْ فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ وَكَانَتْ تَرْقِي مِنَ النَّمِلَةِ فَقَالَ ارْقِي بِهَا وَعَلِّمِيهَا حَفْصَةَ انْتَهَى
وقال الشيخ بن تيمية في المنتقى تحت حديث شفاء وهو دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ انْتَهَى
стр. 3481
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ انْتَهَى
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ انْتَهَى
وَمِثْلُهُ فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ المصابيح للعلامة الأردبيلي
وما قال علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا لِلسَّلَفِ دُونَ الْخَلَفِ لِفَسَادِ النِّسْوَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ انْتَهَى فَكَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ
وَقَدْ فَصَّلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِسَالَتِي عُقُودُ الْجُمَانِ فِي جَوَازِ الْكِتَابَةِ لِلنِّسْوَانِ وَأَجَبْتُ عَنْ كَلَامِ القارىء وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَانِعِينَ جَوَابًا شَافِيًا وَمِنْ مُؤَيِّدَاتِ الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ إِلَى النِّسَاءِ وَجَوَابُهُنَّ حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِعَائِشَةَ وَأَنَا فِي حِجْرِهَا وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهَا مِنْ كُلِّ مِصْرٍ فَكَانَ الشُّيُوخُ يَنْتَابُونِي لِمَكَانِي مِنْهَا وَكَانَ الشَّبَابُ يَتَآخَوْنِي فَيُهْدُونَ إِلَيَّ وَيَكْتُبُونَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْصَارِ فَأَقُولُ لِعَائِشَةَ ياخالة هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ وَهَدِيَّتُهُ فَتَقُولُ لِي عَائِشَةُ أَيْ بُنَيَّةُ فَأَجِيبِيهِ وَأَثِيبِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكِ ثَوَابٌ أَعْطَيْتُكِ فَقَالَتْ تُعْطِينِي انْتَهَى
وَفِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ لِابْنِ خَلِّكَانَ فِي تَرْجَمَةِ فَخْرِ النِّسَاءِ شُهْدَةُ بِنْتُ أَبِي نَصْرٍ الْكَاتِبَةُ كَانَتْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكَتَبَتِ الْخَطَّ الْجَيِّدَ وَسَمِعَ عَلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَانَ لَهَا السَّمَاعُ الْعَالِي أَلْحَقَتْ فِيهِ الْأَصَاغِرَ بِالْأَكَابِرِ وَاشْتَهَرَ ذِكْرُهَا وَبَعُدَ صِيتُهَا وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وخمس مائة انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْرِيزِيُّ فِي نَفْحِ الطِّيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيَّةِ قال بن حِبَّانَ فِي الْمُقْتَبَسِ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهَا مِنْ (حَرَائِرِ الْأَنْدَلُسِ مَنْ يَعْدِلُهَا عِلْمًا وَفَهْمًا وَأَدَبًا وَشِعْرًا وَفَصَاحَةً وَكَانَتْ حَسَنَةَ الْخَطِّ تَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ وَمَاتَتْ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ انْتَهَى مُخْتَصَرًا)
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْكِتَابَةِ لِلنِّسَاءِ بروايات ضعيفة واهية فمنها ما أخرجه بن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَزِيدَ الدَّقَّاقُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالت قال رسول الله لَا تُسْكِنُوهُنَّ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ الْحَدِيثَ وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَمِنَ الْوَضَّاعِينَ
قَالَ الذَّهَبِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كذاب
وقال بن عدي عامة أحاديثه غير محفوظة
قال بن حِبَّانَ لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ إِلَّا عِنْدَ الِاعْتِبَارِ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَرُوِيَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ انتهى
وقال بن الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ كَانَ
стр. 3482
يَضَعُ الْحَدِيثَ
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ الْحَاكِمِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَفِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ كَذَّبَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مَتْرُوكٌ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ انْتَهَى
وقال السيوطي في اللآلي قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْأَطْرَافِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الْحَاكِمِ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ بَلْ عَبْدُ الْوَهَّابِ مَتْرُوكٌ وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ عَنْ شُعَيْبِ بن إسحاق وإبراهيم رماه بن حِبَّانَ بِالْوَضْعِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرَّاجِ حَدَّثَنَا مُطَيَّنٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُنْكَرٌ انْتَهَى
وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ الْمَذْكُورُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا
وَأَخْرَجَهُ بن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غياث عن ليث عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا لَا تُعَلِّمُوا نِسَاءَكُمُ الْكِتَابَةَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ جَعْفَرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ
قَالَ صَاحِبُ الْكَامِلِ حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْبَوَاطِيلِ ثُمَّ أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ مِنْ رِوَايَاتِهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ثم قال هذه أباطيل انتهى
وقال بن الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ هَذَا لَا يَصِحُّ جَعْفَرُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْبَوَاطِيلِ انْتَهَى
فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ جِدًّا بَلْ بَاطِلَةٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا بِحَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالشِّفَاءُ هَذِهِ قُرَشِيَّةٌ عَدَوِيَّةٌ أسلمت قبل الهجرة وبايعت رسول الله وكان رسول الله يأتيها ويقيل في بيتها وكان عمر ﵁ يُقَدِّمُهَا فِي الرَّأْيِ وَيَرْضَاهَا وَيُفَضِّلُهَا وَرُبَّمَا وَلَّاهَا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الشَّرْقِ
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ اسْمُهَا لَيْلَى وَغَلَبَ عَلَيْهَا الشِّفَاءُ انْتَهَى
[٣٨٨٨] (سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ مُصَغَّرًا وَكُنْيَتُهُ سَهْلٌ أَبُو ثَابِتٍ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مع
стр. 3483
رسول الله وَثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَهُ لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ (فَخَرَجْتُ مَحْمُومًا) أَيْ أَخَذَتْنِي الْحُمَّى مِنَ الِاغْتِسَالِ بَعْدَ خُرُوجِي مِنَ السَّيْلِ (فَنُمِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ نَمَّيْتُ الْحَدِيثَ أُنَمِّيهِ إِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ قُلْتَ نميته بالتشديد هكذا قال أبو عبيد وبن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى (ذَلِكَ) الْأَمْرُ الذي كان من شأني (فقال) (مُرُوا أَبَا ثَابِتٍ) هُوَ كُنْيَةُ سَهْلٍ (يَتَعَوَّذُ) بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الْعَيْنِ الَّذِي أَصَابَهُ
وَلَفْظُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ اغْتَسَلَ أَبِي بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ قَالَ وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ قَالَ فَوُعِكَ سَهْلٌ مكانه واشتد وعكه فأتى رسول الله فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ معك يارسول الله فأتاه رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ
تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فراح سهل مع رسول الله ليس به بأس
مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَلُبِطَ بِسَهْلٍ فَأُتِيَ رسول الله فقيل له يارسول اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَقَالَ هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا قَالُوا نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قال فدعا رسول الله عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بأس
وهذا الحديث ظاهره الإرسال
وأخرج بن مَاجَهْ أَيْضًا نَحْوَهُ لَكِنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ والده ففي رواية بن أبي شيبة عن شبابة عن بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عن أبيه أن عامر أمر بِهِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ الْحَدِيثَ
وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ بن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْحَدِيثَ (قَالَتْ فَقُلْتُ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا هَكَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّبَابَ قَالَتْ إِنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ قال فقلت ياسيدي فحملة فقلت يَا سَيِّدِي هِيَ مَقُولَةُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ لرسول الله ولا هِيَ مَقُولَةُ الرَّبَابِ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَيُؤَيِّدُ هذا المعنى قول الحافظ بن الْقَيِّمِ كَمَا سَيَجِيءُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ
стр. 3484
فِيهِ جَوَازُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ يَا سيدي (والرقى صالحة) أي أو في الرقى منفعة تنفع عن العين وغيرها ويجوز العلاج بالرقية (فقال) (لَا رُقْيَةَ إِلَّا فِي نَفْسٍ) أَيْ فِي عَيْنٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَوْ حُمَةٍ) أَيْ ذَوَاتِ السموم كلها قاله بن القيم (أو لدغة) من العقرب وقال بن القيم هدية فِي الْعِلَاجِ الْعَامِّ لِكُلِّ شَكْوَى بِالرُّقْيَةِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا وَاشْتَكَاهُ أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الْحَدِيثَ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سعيد الخدري أن جبرائيل ﵇ أتى النبي فقال يامحمد اشْتَكَيْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ الْحَدِيثَ
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حمة
فالجواب أنه لَمْ يُرِدْ بِهِ جَوَازَ الرُّقْيَةِ فِي غَيْرِهَا بَلِ الْمُرَادُ بِهِ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْهَا فِي الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ فَإِنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ قَالَ لَهُ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْعَيْنُ أَوْ فِي الرُّقَى خَيْرٌ فَقَالَ لَا رُقْيَةَ إِلَّا فِي نَفْسٍ أَوْ حُمَةٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحَادِيثِ الرُّقَى الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمٍ يَرْقَأُ وَفِي صَحِيحِ مسلم عنه أيضا رخص رسول الله فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمِلَةِ انْتَهَى
وقال أيضا في زاد المعاد وهدية في علاج لدغة العقرب بالرقية روى بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي إِذْ سَجَدَ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فِي أُصْبُعِهِ فانصرف رسول الله وَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٌ فَجَعَلَ يَضَعُ مَوْضِعَ اللَّدْغَةِ فِي الْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَيَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حَتَّى سَكَنَتْ انْتَهَى
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ لَكِنَّهُ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمَسَحَ عَلَيْهَا وَقَرَأَ قل ياأيها الكافرون والمعوذتين
ولذا قال بن عبد البر رقى نَفْسَهُ لَمَّا لُدِغَ مِنَ الْعَقْرَبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَوْضِعَ الَّذِي لُدِغَ بِمَاءٍ فِيهِ مِلْحٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عند بن مَاجَهْ لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ الْمُصَلِّي وَغَيْرَ الْمُصَلِّي اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَرَوَى أبو يعلى عنها كان لَا يَرَى بِقَتْلِهَا فِي الصَّلَاةِ بَأْسًا
وَفِي السنن عن
стр. 3485
أبي هريرة جاء رجل فقال يارسول اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ فقال أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَفِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي سلام على نوح في العلمين لَمْ يَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ انْتَهَى
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْحُمَةُ مِنَ الْحَيَّاتِ وَمَا يَلْسَعُ) قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ لَسَعَتِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ تَلْسَعُ لَسْعًا كَمَا فِي الصِّحَاحِ أَيْ لَدَغَتْ
وَقَالَ اللَّيْثُ اللَّسْعُ لِلْعَقْرَبِ تَلْسَعُ بِالْحُمَةِ وَيُقَالُ إِنَّ الْحَيَّةَ أَيْضًا تَلْسَعُ
وَزَعَمَ أَعْرَابِيٌّ أَنَّ مِنَ الْحَيَّاتِ مَا يَلْسَعُ بِلِسَانِهِ كَلَسْعِ الْعَقْرَبِ بِالْحُمَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ أَسْنَانٌ
أَوِ اللَّسْعُ لِذَوَاتِ الْإِبَرِ مِنَ الْعَقَارِبِ وَالزَّنَابِيرِ
وَأَمَّا الْحَيَّاتُ فَإِنَّهَا تَنْهَشُ وَتَعَضُّ وَتَجْذِبُ
وَقَالَ اللَّيْثُ وَيُقَالُ اللَّسْعُ لِكُلِّ مَا ضَرَبَ بِمُؤَخَّرَةٍ وَاللَّدْغُ بِالْفَمِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الَّذِي رَآهُ فَأَصَابَهُ بِعَيْنِهِ هُوَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبَعْدَهَا زَايٌ
[٣٨٨٩] (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ ذَرِيحٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ الْكَلْبِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ (قَالَ الْعَبَّاسُ) الْعَنْبَرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عن أنس أي جعله مِنْ مُسْنَدَاتِ أَنَسٍ وَلَمْ يَجْعَلْ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ مِنْ مُسْنَدَاتِهِ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ بُرَيْدَةَ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ (أَوْ دَمٍ) أَيْ رُعَافٍ قِيلَ إِنَّمَا خُصَّ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ رُقْيَتَهَا أَشْفَى وَأَفْشَى بَيْنَ النَّاسِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (يَرْقَأُ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ يُقَالُ رَقَأَ الدَّمُ وَالدَّمْعُ رَقَأَ مَهْمُوزٌ مِنْ بَابِ نَفَعَ وَرُقُوءًا عَلَى فُعُولٍ انْقَطَعَ بَعْدَ جَرَيَانِهِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
قَالَ السِّنْدِيُّ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ مَاذَا يَحْصُلُ بَعْدَ الرُّقْيَةِ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَرْقَأُ الدَّمُ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَرْقَأُ وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ أَصْلًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رسول الله رخص في
стр. 3486
الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ حُمَةٍ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ رخص رسول الله فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمِلَةِ
([٣٨٩٠] بَاب كَيْفَ الرُّقَى)
(أَلَا أَرْقِيكَ) أَيْ أَلَا أَعُوذُكَ (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ) أَيْ يَا رَبَّ النَّاسِ (مُذْهِبَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنَ الْإِذْهَابِ (الباس) بغير الهمزة للمواخاة لقوله الناس وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ (اشْفِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (أَنْتَ الشَّافِي) فِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَمْ يُوهِمْ نَقْصًا وَكَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ كَهَذَا ففي القرآن وإذا مرضت فهو يشفين (لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ) إِذْ لَا يَنْفَعُ الدَّوَاءُ إِلَّا بِتَقْدِيرِكَ (اشْفِهِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيِ العليل أو هي هاء السكت (لايغادر) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَتْرُكُ سَقَمًا إِلَّا أَذْهَبَهُ (سَقَمًا) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٨٩١] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (خُصَيْفَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا (أَنَّ عَمْرَو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (السَّلَمِيَّ) بِفَتْحَتَيْنِ الْأَنْصَارِيَّ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ
وَفِي لُبِّ اللُّبَابِ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ إِلَى سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَسَرَهَا الْمُحَدِّثُونَ أَيْضًا فِي النِّسْبَةِ انْتَهَى (قَدْ كَادَ) أَيْ قَارَبَ (يُهْلِكُنِي) وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ اشْتَكَى إلى رسول الله وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ (امْسَحْهُ) أَيْ مَوْضِعَ الْوَجَعِ (بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ
стр. 3487
مَرَّاتٍ (وَقُلْ) زَادَ مُسْلِمٌ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا قَبْلَ قَوْلِهِ (أَعُوذُ) أَعْتَصِمُ (مَا أَجِدُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأُحَاذِرُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَسْحَةٍ من السبع
والترمذي وحسنه وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قال لي ثابت البناني يامحمد إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا
قَالَ فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَنَّ رسول الله حَدَّثَهُ بِذَلِكَ (مَا كَانَ بِي) مِنَ الْوَجَعِ (وَغَيْرِهِمْ) لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْرَارُهُ يَكُونُ أَنْجَحَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِاسْتِقْصَاءِ إِخْرَاجِ الْمَادَّةِ وَفِي السَّبْعِ خَاصِّيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا
قَالَ المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ انْتَهَى
[٣٨٩٢] (مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا) مِنَ الْوَجَعِ (أَوِ اشْتَكَاهُ أَخٌ لَهُ) الظَّاهِرُ أنه تنويع من النبي (فَلْيَقُلْ رَبَّنَا) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ فَقَوْلُهُ (اللَّهُ) إِمَّا مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَنْتَ اللَّهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ رَبُّنَا اللَّهُ مَرْفُوعَانِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَقَوْلَهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ صِفَتُهُ (تَقَدَّسَ اسْمُكَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَوِ اسْتِئْنَافٌ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ عَلَى رِوَايَةِ رَفْعِ رَبُّنَا (أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أَيْ نَافِذٌ وَمَاضٍ وَجَارٍ (كَمَا رَحْمَتُكَ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ مَا كَافَّةٌ (فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ كَمَا جَعَلْتَ رَحْمَتَكَ الْكَامِلَةَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ (حُوبَنَا) بِضَمِّ الْحَاءِ والمراد ها هنا الذَّنْبُ الْكَبِيرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى إنه كان حوبا كبيرا وَهُوَ الْحَوْبَةُ أَيْضًا مَفْتُوحَةُ الْحَاءِ مَعَ إِدْخَالِ الْهَاءِ (وَخَطَايَانَا) يُرَادُ بِهَا الذُّنُوبُ الصِّغَارُ وَالْمُرَادُ بِالْحُوبِ الذَّنْبُ الْمُتَعَمَّدُ وَبِالْخَطَأِ ضِدُّهُ (أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ) أَيْ أَنْتَ رَبُّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عَنِ الْأَفْعَالِ الرَّدِيئَةِ وَالْأَقْوَالِ الدَّنِيئَةِ كَالشِّرْكِ وَالْفِسْقِ أَيْ رَبُّ الطَّيِّبِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَهَذَا
стр. 3488
إِضَافَةُ التَّشْرِيفِ كَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ (عَلَى هَذَا الْوَجَعِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ الْمَرَضِ أو بكسر الجيم أي المريض (فيبرأ) بفتح الرَّاءِ مِنَ الْبُرْءِ أَيْ فَيَتَعَافَى
قَالَهُ عَلِيٌّ القارىء فِي شَرْحِ الْحِصْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ وَفِي إِسْنَادِهِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
وقال بن حِبَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنِ المشاهير فاستحق الترك
وقال بن عَدِيٍّ لَا أَعْرِفُ لَهُ إِلَّا مِقْدَارَ حَدِيثَيْنِ أو ثلاثة
وروى عنه الليث وبن لهيعة ومقدار ماله لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا أَظُنُّهُ مَدَنِيًّا انْتَهَى
[٣٨٩٣] (مِنَ الْفَزَعِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ أَيِ الْخَوْفُ (التَّامَّةِ) بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمَاعَةُ (مِنْ غَضَبِهِ) أَيْ إِرَادَةِ انْتِقَامِهِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَعِقَابِهِ (وَشَرِّ عِبَادِهِ) وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ (وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) أَيْ وَسَاوِسِهِمْ وَأَصْلُ الْهَمْزِ الطَّعْنُ
قَالَ الْجَزَرِيُّ أَيْ خَطَرَاتُهَا الَّتِي يُخْطِرُهَا بِقَلْبِ الْإِنْسَانِ (وَأَنْ يَحْضُرُونِ) بِحَذْفِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ اكْتِفَاءً بِكَسْرِ نُونِ الْوِقَايَةِ وَضَمِيرُ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ فِيهِ لِلشَّيَاطِينِ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يحضرون (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) بْنِ الْعَاصِ (يُعَلِّمُهُنَّ) أَيِ الْكَلِمَاتِ السَّابِقَةَ (مَنْ عَقَلَ) أَيْ مَنْ تَمَيَّزَ بِالتَّكَلُّمِ (كَتَبَهُ) أَيْ هَذَا الدُّعَاءَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ (فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ) أَعْلَقْتُ بِالْأَلِفِ وَعَلَّقْتُ بِالتَّشْدِيدِ كِلَاهُمَا لُغَتَانِ
قَالَ الْجَزَرِيُّ الصَّكُّ الْكِتَابُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ التَّعَوُّذِ عَلَى الصِّغَارِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ انْتَهَى
وَقَالَ القارىء فِي الْحِرْزِ الثَّمِينِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحي بْنِ حِبَّانَ عَنِ الْوَلِيدِ أَخِي خَالِدِ بْنِ الوليد إنه قال يارسول اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً قَالَ إِذَا أَخَذْتَ مضجعك فقل فذكر مثله
وفي كتاب بن السُّنِّيِّ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَصَابَهُ أَرَقٌ فشكى ذلك إلى النبي فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ عِنْدَ مَنَامِهِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التامات انتهى
стр. 3489
[٣٨٩٤] (قَالَ رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ) بن الأكوع (فقلت) له (ما هذه) وفي رواية البخاري فقلت ياأبا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ (فَقَالَ) هَذِهِ ضَرْبَةٌ (أَصَابَتْنِي) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ أَصَابَتْهَا أَيْ رِجْلُهُ (فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِيَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (النبي) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ
وَفِي رِوَايَةِ البخاري فأتيت النبي (فَنَفَثَ فِيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَيْ فِي مَوْضِعِ الضَّرْبَةِ (ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ) جَمْعُ نَفْثَةٍ وَهِيَ فَوْقَ النَّفْخِ وَدُونَ التَّفْلِ بِرِيقٍ خَفِيفٍ وَغَيْرِهِ (فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّ حَتَّى جَارَّةٌ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ ﵀ بِالنَّصْبِ لِأَنَّ حَتَّى لِلْعِطْفِ فَالْمَعْطُوفُ دَاخِلٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا زَمَانًا حَتَّى السَّاعَةَ نَحْوُ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا بِالنَّصْبِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[٣٨٩٥] (يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ إِذَا اشْتَكَى) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ (يَقُولُ) يُشِيرُ (بِرِيقِهِ ثُمَّ قَالَ) أَيْ أَشَارَ (بِهِ) أي بالريق وعند مسلم قال النبي بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رفعها
стр. 3490
قَالَ النَّوَوِيُّ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها عَلَى التُّرَابِ فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الْجَرِيحِ أَوِ الْعَلِيلِ وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ فِي حَالِ الْمَسْحِ (تُرْبَةُ أَرْضِنَا) هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا (بِرِيقَةِ بَعْضِنَا) أَيْ مَمْزُوجَةٌ بِرِيقِهِ
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا وَرِيقَةُ بَعْضِنَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتْفُلُ عِنْدَ الرقية
قال النووي المراد بأرضنا ها هنا جُمْلَةُ الْأَرْضِ وَقِيلَ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِبَرَكَتِهَا وَالرِّيقَةُ أَقَلُّ مِنَ الرِّيقِ (يُشْفَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ عِلَّةٌ لِلْمَمْزُوجِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ (بِإِذْنِ رَبِّنَا) مُتَعَلِّقُ يُشْفَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٨٩٦] (إِنَّا حُدِّثْنَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (أَنَّ صاحبكم هذا) يعنون النبي (هَلْ إِلَّا هَذَا) أَيْ هَلْ قُلْتَ إِلَّا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ (قَالَ خُذْهَا) قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ (لَمَنْ أَكَلَ برقية باطل) جزاءه مَحْذُوفٌ أَيْ فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَإِثْمُهُ (لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ) فَلَا وِزْرَ عَلَيْكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَعَمُّ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ هُوَ عِلَاقَةُ بْنُ صُحَارٍ التَّمِيمِيُّ
стр. 3491
السَّلِيطِيُّ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ كَسْبِ الْأَطِبَّاءِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الجزء الثاني والعشرين انتهى مختصرا
[٣٨٩٧] (بن جَعْفَرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ وَلَقَبُهُ غُنْدَرٌ فَابْنُ جَعْفَرٍ وَمُعَاذٌ الْعَنْبَرِيُّ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ شُعْبَةَ (أُنْشِطَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُلَّ يُقَالُ أَنْشَطْتُ الْعُقْدَةَ إِذَا حَلَلْتَهَا (مِنْ عِقَالٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ الحبل الذي يعقل به البعير قاله بن الْأَثِيرِ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ البهيمة
والمعنى
стр. 3492
كَأَنَّمَا أُخْرِجَ مِنْ قَيْدٍ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عِلَاقَةَ بْنِ صُحَارٍ التَّمِيمِيِّ عَمِّ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ حَدِيثُ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالُوا إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبُيُوعِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ بِهِ
وَفِي الطِّبِّ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ بِمَعْنَاهُ
وَعَنِ بن بَشَّارٍ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الطِّبِّ وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ عَنْ غُنْدَرٍ بِهِ انْتَهَى
[٣٨٩٨] (لُدِغْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مَاذَا) أَيْ مَا لَدَغَكَ (التَّامَّاتِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ نَقْصٌ أَوْ عَيْبٌ كَمَا يَكُونُ فِي كَلَامِ النَّاسِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كذلك
وأخرجه أيضا مرسلا وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي صالح عن أبي هريرة انتهى
[٣٨٩٩] (يعنى بن مُخَاشَنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وَنُونٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لَيْسَ فِيهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ
وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ بَلَغَنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ طَارِقًا
[٣٩٠٠] (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ
стр. 3493
(أن رهطا من أصحاب النبي) كَانُوا فِي سَرِيَّةٍ وَكَانُوا ثَلَاثِينَ رَجُلًا كَمَا في رواية الترمذي وبن مَاجَهْ (بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْحَيِّ (إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ ضَرَبَتْهُ الْعَقْرَبُ بِذَنَبِهَا (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَبْهَمَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (اسْتَضَفْنَاكُمْ) أَيْ طَلَبْنَا مِنْكُمُ الضِّيَافَةَ (فَأَبَيْتُمْ) أَيِ امْتَنَعْتُمْ (أَنْ تُضَيِّفُونَا) مِنَ التَّفْعِيلِ (تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
وَفِي الْكِرْمَانِيِّ الْجُعْلُ بِضَمِّ الْجِيمِ مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْمَالِ عَلَى فِعْلٍ (قَطِيعًا) أَيْ طَائِفَةً (مِنَ الشَّاءِ) جَمْعُ شَاةٍ وَكَانَتْ ثَلَاثِينَ رَأْسًا (وَيَتْفُلُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ أَيْ فِي فِيهِ وَيَتْفُلُ (حَتَّى بَرَأَ) سَيِّدُ أُولَئِكَ (كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ) أَيْ أُخْرِجَ مِنْ قَيْدٍ (فَأَوْفَاهُمْ) أَيْ أَوْفَى ذَلِكَ الْحَيُّ لِلصَّحَابَةِ (جُعْلَهُمْ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِأَوْفَى (الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ) وَهُوَ ثَلَاثُونَ رَأْسًا مِنَ الشَّاءِ (فَقَالُوا) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِبَعْضِهِمُ (اقْتَسِمُوا) الشَّاءَ (فَقَالَ الَّذِي رَقَى) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ (مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمَا أَدْرَاكَ (أَنَّهَا) أَيْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ (أَحْسَنْتُمْ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ خُذُوهَا (مَعَكُمْ بِسَهْمٍ) كَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَصْوِيبِهِ إِيَّاهُمْ
وَفِيهِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ وَبِهِ قَالَتِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 3494
[٣٩٠١] (مَعْتُوهًا) أَيْ مَجْنُونًا (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ نُشِطَ إِذَا عُقِدَ وَأُنْشِطَ إِذَا حُلَّ وَعِنْدَ الْهَرَوِيِّ أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ أُقِيمَ بِسُرْعَةٍ وَمِنْهُ يُقَالُ رَجُلٌ نَشِيطٌ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ عَمِّ خَارِجَةَ هِيَ غَيْرُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لِأَنَّ الَّذِي فِي السَّابِقَةِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ وَالرَّاقِي لَهُ عَمُّ خَارِجَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لُدِغَ وَالرَّاقِي لَهُ أَبُو سَعِيدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَمِّ خَارِجَةَ
[٣٩٠٢] (وَيَنْفُثُ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ يَنْفُخُ نَفْخًا لَطِيفًا أَقَلَّ مِنَ التَّفْلِ (رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) أَيْ بَرَكَةَ يَدِهِ أَوْ بَرَكَةَ الْقِرَاءَةِ
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ مَعْمَرٌ فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ كَيْفَ يَنْفُثُ قَالَ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَفِيهِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ لَكِنْ بشروط أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
قَالَ الرَّبِيعُ قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ أَيَرْقِي أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ نَعَمْ إِذَا رَقَوْا بِمَا يُعْرَفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَذِكْرِ اللَّهِ
وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْيَهُودِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْقِي عائشة ارقيها بكتاب الله
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةَ الرُّقْيَةِ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَعُقَدِ الْخَيْطِ وَالَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
стр. 3495
١٩ - (بَاب فِي السُّمْنَةِ)
[٣٩٠٣] هِيَ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَالسُّمْنَةُ دَوَاءٌ يُتَّخَذُ لِلسِّمَنِ
وَفِي التَّهْذِيبِ السُّمْنَةُ دَوَاءٌ تُسَمَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ دَوَاءٌ يَتَسَمَّنُ بِهِ النِّسَاءُ وَقَدْ سُمِّنَتْ فَهِيَ مُسَمَّنَةٌ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابٌ فِي الْمُسَمَّنَةِ أَيْ عَلَى وَزْنِ مُعَظَّمَةٍ
قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ امْرَأَةٌ مُسْمَنَةٌ سَمِينَةٌ وَمُسَمَّنَةٌ بِالْأَدْوِيَةِ انْتَهَى
(قَالَتْ عَائِشَةُ لَمْ أُقْبِلْ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمَعْلُومِ مِنْ أَقْبَلَ ضِدَّ أَدْبَرَ أَيْ لَمْ أَتَوَجَّهْ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أُمِّي (بِشَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُ) أَنْ تُسَمِّنَنِي بِهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ بَلْ أَدْبَرْتُ عَنْهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ أَيْ مَا اسْتَعْمَلْتُ شَيْئًا مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنَنِي بِهِ بَلِ استنكفت عن ذلك كله
ولفظ بن ماجه كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أَنْ تُدْخِلَنِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ سُمْنَةٍ (حَتَّى أَطْعَمَتْنِي الْقِثَّاءَ) كَسْرُ الْقَافِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا وهواسم لِمَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْخِيَارَ وَبَعْضُ النَّاسِ يُطْلِقُ الْقِثَّاءَ عَلَى نَوْعٍ يُشْبِهُ الْخِيَارَ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (بِالرُّطَبِ) ثَمَرُ النَّخْلِ إِذَا أَدْرَكَ وَنَضِجَ قَبْلَ أَنْ يَتَتَمَّرَ
وَالرُّطَبُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَتَتَمَّرُ وَإِذَا تَأَخَّرَ أَكْلُهُ يُسَارِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ وَالثَّانِي يَتَتَمَّرُ وَيَصِيرُ عَجْوَةً وَتَمْرًا يَابِسًا أَيْ فَطَعِمْتُهُ بِهِ وَلَمْ أُدْبِرْ عَنْ أُمِّي فِيهِ وَلَمْ أَسْتَنْكِفْ عَنْهُ (فَسَمِنْتُ) مِنْ بَابِ عَلِمَ (عَلَيْهِ) أَيْ بِهِ فَإِنَّ عَلَى هَذِهِ بِنَائِيَّةٌ (كَأَحْسَنِ السِّمَنِ) بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٍ
قَالَ الدَّمِيرِيُّ كَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِصْلَاحِ وَتَنْمِيَةِ الْجَسَدِ وَأَمَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ فَذَاكَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَأَخْرَجَهُ بن ماجه من حديث يونس بن بكير عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ احْتَجَّ به مسلم واستشهد به البخاري
стр. 3496
([٣٩٠٤] كِتَابُ الْكَهَانَةِ وَالتَّطَيُّرِ)
بِفَتْحِ الْكَافِ مِصْدَرٌ يُقَالُ كَهُنَ كَهَانَةً إِذَا صَارَ كَاهِنًا
وَالْكَاهِنُ مَنْ يقضي بالغيب (والتطير) أي التشاؤم بالشيء
٠ - (باب في الكهانة)
بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ جَمْعُ كَاهِنٍ
(مَنْ أَتَى كَاهِنًا) فِي اللِّسَانِ الْكَاهِنُ الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ كَشِقٍّ وَسَطِيحٍ وَغَيْرِهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ حَالِهِ وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْعَرَّافِ كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَكَانَتِ الْكِهَانَةُ فِي الْعَرَبِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيًّا وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ بِالشُّهُبِ وَمُنِعَتِ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَإِلْقَائِهِ إِلَى الْكَهَنَةِ بَطَلَ عِلْمُ الْكِهَانَةِ وَأَزْهَقَ اللَّهُ أَبَاطِيلَ الْكِهَانَةِ بِالْفُرْقَانِ الذي فرق الله عزوجل بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَأَطْلَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْوَحْيِ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ الَّتِي عَجَزَ الْكَهَنَةُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ فَلَا كِهَانَةَ الْيَوْمَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَإِغْنَائِهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنْهَا
стр. 3497
قال بن الْأَثِيرِ وَقَوْلُهُ مَنْ أَتَى كَاهِنًا يَشْتَمِلُ عَلَى إِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ وَالْمُنَجِّمِ (أَوْ أَتَى امْرَأَةً) أي بالوطأ (فِي دُبُرِهَا) أَيْ حَائِضًا أَوْ طَاهِرَةً (فَقَدْ بَرِئَ) أَيْ كَفَرَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ أَوْ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ الْأَثْرَمِ
وَقَالَ أَيْضًا وَضَعَّفَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ لِأَبِي تَمِيمَةَ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ حَكِيمٌ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ وَتَفَرَّدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ حَكِيمٍ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ حَكِيمٌ الْأَثْرَمُ مَنْ هُوَ قَالَ أَعْيَانَا هَذَا انْتَهَى
١ - (بَاب فِي النُّجُومِ)
[٣٩٠٥] (مَنِ اقْتَبَسَ) أَيْ أَخَذَ وَحَصَّلَ وَتَعَلَّمَ (عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ) أَيْ عِلْمًا مِنْ عُلُومِهَا أَوْ مَسْأَلَةً مِنْ عِلْمِهَا (اقْتَبَسَ شُعْبَةً) أَيْ قِطْعَةً (مِنَ السِّحْرِ زَادَ) أَيِ الْمُقْتَبِسُ مِنَ السِّحْرِ (مَا زَادَ) أَيْ مُدَّةَ زِيَادَتِهِ مِنَ النُّجُومِ
فَمَا بِمَعْنَى مَا دَامَ أَيْ زَادَ اقْتِبَاسَ شُعْبَةِ السِّحْرِ ما زاد اقتباس علم النجوم قاله القارىء
стр. 3498
وَقَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ زَادَ مِنَ السِّحْرِ مَا زَادَ مِنَ النُّجُومِ
وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي أَيْ زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي التَّقْبِيحِ مَا زَادَ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ عِلْمُ النُّجُومِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّنْجِيمِ مِنْ عِلْمِ الْكَوَائِنِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ كَمَجِيءِ الْأَمْطَارِ وَتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ وَأَمَّا مَا يُعْلَمُ بِهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْمَنْهِيُّ مِنْ عُلُومِ النُّجُومِ مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وَرُبَّمَا تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مِثْلُ إِخْبَارِهِمْ بِوَقْتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَمَجِيءِ مَاءِ الْمَطَرِ وَوُقُوعِ الثَّلْجِ وَظُهُورِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَتَغْيِيرِ الْأَسْعَارِ وَنَحْوِهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَ مَعْرِفَتَهَا بِسَيْرِ الْكَوَاكِبِ وَاجْتِمَاعِهَا وَافْتِرَاقِهَا وَهَذَا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ علم الساعة وينزل الغيث فَأَمَّا مَا يُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الزَّوَالُ وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وقال تعالى وبالنجم هم يهتدون فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النُّجُومَ طُرُقٌ لِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَالْمَسَالِكِ وَلَوْلَاهَا لَمْ يَهْتَدِ النَّاسُ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ ثُمَّ أَمْسِكُوا كَذَا في المرقاة
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ انْتَهَى وَأَيْضًا رَوَاهُ أَحْمَدُ
[٣٩٠٦] (فِي إِثْرِ سَمَاءٍ) أَيْ عَقِبَ مَطَرٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالسَّمَاءُ الْمَطَرُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَطَرَ سَمَاءً لِأَنَّهُ مِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ وَالنَّوْءُ وَاحِدُ الْأَنْوَاءِ وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الثَّمَانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الَّتِي هِيَ مِنَازِلُ الْقَمْرِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَمْرَ إِذَا نَزَلَ بِبِعْضِ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُمْ وَجَعَلَ الْمَطَرَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ فِعْلِ غَيْرِهِ انْتَهَى
(كَانَتْ) أَيْ كَانَ الْمَطَرُ وَتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ أَوْ لَفْظِ السَّمَاءِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ سَمَاءٍ وَقَوْلُهُ (مِنَ اللَّيْلِ) ظَرْفٌ لَهَا أَيْ فِي بِعْضِ أَجْزَائِهِ وَأَوْقَاتِهِ (مَاذَا) أَيْ أَيُّ شيء (قال)
стр. 3499
النَّبِيُّ ﷺ (قَالَ) اللَّهُ تَعَالَى (مُطِرْنَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) أَيْ بِسُقُوطِ نَجْمٍ وَطُلُوعِ نَظِيرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ النَّوْءُ النَّجْمُ مَالَ للغروب وقال بن الأثير إنما سمي نوء لِأَنَّهُ سَقَطَ السَّاقِطُ مِنْهَا بِالْغَرْبِ نَاءَ الطَّالِعُ بِالشَّرْقِ يَنُوءُ نَوْءًا أَيْ نَهَضَ وَطَلَعَ وَقِيلَ أَرَادَ بِالنَّوْءِ الْغُرُوبَ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَمْ نَسْمَعْ فِي النَّوْءِ أَنَّهُ السُّقُوطُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَإِنَّمَا غَلَّظَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَمْرِ الْأَنْوَاءِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَنْسُبُ الْمَطْرَ إِلَيْهَا فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْمَطَرَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا أَيْ فِي وَقْتِ كَذَا وَهُوَ هَذَا النَّوْءُ الْفُلَانِيُّ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَرَى الْعَادَةَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَطْرُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ سَالِبٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَنْ قَالَهُ معتقدا بأن الكوكب فاعل مدبر منشىء لِلْمَطَرِ كَزَعْمِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ وَثَانِيهَا أَنَّهُ مَنْ قَالَ مُعْتَقِدًا بِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِفَضْلِهِ وَأَنَّ النَّوْءَ عَلَامَةٌ لَهُ وَمَظِنَّةٌ بِنَزُولِ الْغَيْثِ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ كَأَنَّهُ قَالَ مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ كلمة موهمة مترددة بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَيُسَاءُ الظَّنُ بِصَاحِبِهَا وَلِأَنَّهَا شِعَارُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي كُفْرَانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِاقْتِصَارِهِ عَلَى إِضَافَةِ الْغَيْثِ إِلَى الْكَوْكَبِ
وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرًا وَكَافِرًا وَفِي أُخْرَى مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ بِهَا كَافِرِينَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ
٢ - (بَاب فِي الْخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ)
[٣٩٠٧] (الْعِيَافَةُ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهِيَ زَجْرُ الطَّيْرِ وَالتَّفَاؤُلُ وَالِاعْتِبَارُ في ذلك بأسمائها كما يتفاؤل
стр. 3500
بِالْعُقَابِ عَلَى الْعِقَابِ وَبِالْغُرَابِ عَلَى الْغُرْبَةِ وَبِالْهُدْهُدِ عَلَى الْهُدَى
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطِّيَرَةِ أَنَّ الطِّيَرَةَ هِيَ التَّشَاؤُمُ بِهَا وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّشَاؤُمِ بِغَيْرِ الطَّيْرِ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ كَذَا في المرقاة
قال بن الْأَثِيرِ الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ وَالتَّفَاؤُلُ بِأَسْمَائِهَا وَأَصْوَاتِهَا وَمَمَرِّهَا وَهُوَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ كَثِيرًا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ يُقَالُ عَافَ يَعِيفُ عَيْفًا إِذَا زَجَرَ وَحَدَسَ وَظَنَّ وَبَنُو أَسَدٍ يُذْكَرُونَ بِالْعِيَافَةِ وَيُوصَفُونَ بِهَا انْتَهَى (وَالطِّيَرَةُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ وَهُوَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ طِيَرَةً وَتَخَيَّرَ خِيَرَةً ولم يجيء مِنَ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُهُمَا وَأَصْلُهُ فِيمَا يُقَالُ التَّطَيُّرُ بِالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالظِّبَاءِ وَغَيْرِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ فَنَفَاهُ الشَّرْعُ وَأَبْطَلَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَالطَّرْقُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْحَصَى الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ وَقِيلَ هُوَ الْخَطُّ فِي الرَّمْلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَاقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ عَلَى الْأَوَّلِ (مِنَ الْجِبْتِ) وَهُوَ السِّحْرُ وَالْكِهَانَةُ عَلَى مَا فِي الْفَائِقِ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ هُوَ كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الصَّنَمِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
قَالَ وَلَيْسَ مِنْ مَحْضِ الْعَرَبِيَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٩٠٨] (قَالَ عَوْفٌ) وَهُوَ الْأَعْرَابِيُّ (زَجْرُ الطَّيْرِ) فِي النِّهَايَةِ الزَّجْرُ لِلطَّيْرِ هُوَ التيمن والتشؤم بِهَا وَالتَّفَاؤُلُ بِطَيَرَانِهَا كَالسَّانِحِ وَالْبَارِحِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْكِهَانَةِ وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ الْخَطِّ
[٣٩٠٩] (يَخُطُّونَ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَالطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ (قَالَ كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) قِيلَ دَانْيَالُ وَقِيلَ إِدْرِيسُ ﵉ (يَخُطُّ) أَيْ بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ أَوْ عِلْمٍ لَدُنِّيٍ (فمن وافق) أي خطه (خطه) بالنصب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ (فَذَاكَ) أَيْ مُصِيبٌ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَرَامٌ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ مَعْدُومَةٌ أَوْ موهومة قاله القارىء
стр. 3501
قَالَ السِّنْدِيُّ فَذَاكَ أَيْ يُبَاحُ لَهُ أَوْ هُوَ مُصِيبٌ لَكِنْ لَا يُدْرَى الْمُوَافِقُ فَلَا يُبَاحُ أَوْ فَلَا يُعْرَفُ الْمُصِيبُ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِمِثْلِهِ الْحَاصِلُ أَنَّهُ مُنِعَ عَنْ ذَلِكَ انتهى
قال الإمام بن الأثير قال بن عَبَّاسٍ الْخَطُّ هُوَ الَّذِي يَخُطُّهُ الْحَازِي وَهُوَ عِلْمٌ قَدْ تَرَكَهُ النَّاسُ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَازِي فَيُعْطِيهِ حُلْوَانًا فَيَقُولُ لَهُ اقْعُدْ حَتَّى أَخُطَّ لَكَ وَبَيْنَ يَدَيِ الْحَازِي غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ مِيلٌ ثُمَّ يَأْتِي إِلَى أَرْضٍ رَخْوَةٍ فَيَخُطُّ فِيهَا خُطُوطًا كَثِيرَةً بِالْعَجَلَةِ لِئَلَّا يَلْحَقَهَا الْعَدَدُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَمْحُو مِنْهَا عَلَى مَهَلٍ خَطَّيْنِ خَطَّيْنِ وَغُلَامُهُ يَقُولُ لِلتَّفَاؤُلِ ابْنَيْ عِيَانَ أَسْرِعَا الْبَيَانَ فَإِنْ بَقِيَ خَطَّانِ فَهُمَا عَلَامَةُ النُّجْحِ وَإِنْ بَقِيَ خَطٌّ وَاحِدٌ فَهُوَ عَلَامَةُ الْخَيْبَةِ
قَالَ الْحَرْبِيُّ الْخَطُّ هُوَ أَنْ يَخُطَّ ثَلَاثَةَ خُطُوطٍ ثُمَّ يَضْرِبُ عَلَيْهِنَّ بِشَعِيرٍ أَوْ نَوًى وَيَقُولُ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْكِهَانَةِ
قُلْتُ الْخَطُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِلْمٌ مَعْرُوفٌ وَلِلنَّاسِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ إِلَى الْآنَ وَلَهُمْ فِيهِ أَوْضَاعٌ وَاصْطِلَاحٌ وَعَمَلٌ كَثِيرٌ وَيَسْتَخْرِجُونَ بِهِ الضَّمِيرَ وَغَيْرَهُ وَكَثِيرًا مَا يُصِيبُونَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا
٣ - (بَاب فِي الطِّيَرَةِ)
[٣٩١٠] وَتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُهُ
(الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) أَيْ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الطِّيَرَةَ تَجْلِبُ لَهُمْ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُمْ ضُرًّا فَإِذَا عَمِلُوا بِمُوجِبِهَا فَكَأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمَّى شِرْكًا خَفِيًّا وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ بِالِاسْتِقْلَالِ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكًا جَلِيًّا
قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا سَمَّاهَا شِرْكًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مَا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ سَبَبًا مُؤَثِّرًا فِي حُصُولِ الْمَكْرُوهِ وَمُلَاحَظَةُ الْأَسْبَابِ فِي الْجُمْلَةِ شِرْكٌ خَفِيٌّ فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا جَهَالَةٌ وَسُوءُ اعْتِقَادٍ (ثَلَاثًا) مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهَا (وَمَا مِنَّا) أَيْ أَحَدٌ (إِلَّا) أَيْ إِلَّا مَنْ يَخْطِرُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ مَا لِتَعَوُّدِ النُّفُوسِ بِهَا فَحُذِفَ الْمُسْتَثْنَى كَرَاهَةَ أَنْ يُتَلَفَّظَ بِهِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيْ إِلَّا مَنْ يَعْرِضُ لَهُ الْوَهْمُ مِنْ قِبَلَ الطِّيَرَةِ وَكَرِهَ أَنْ يُتِمَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَدَبِ الْكَلَامِ يَكْتَفِي دُونَ الْمَكْرُوهِ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يَضْرِبُ لِنَفْسِهِ مَثَلَ السَّوْءِ
стр. 3502
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ قَدْ يَعْتَرِيهِ الطِّيَرَةُ وَيَسْبِقُ إِلَى قَلْبِهِ الْكَرَاهَةُ فِيهِ فَحُذِفَ اخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ وَاعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَذَلِكَ الْحَذْفُ يُسَمَّى فِي الْبَدِيعِ بِالِاكْتِفَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا مِنَّا إِلَى آخِرِهِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَهُوَ الصَّوَابُ
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ الطيرة والتطير أن التطير هو الظن السيء الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالطِّيَرَةُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الظَّنِّ السَّيِّئِ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ) مِنَ الْإِذْهَابِ (بِالتَّوَكُّلِ) أَيْ بِسَبَبِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطْرَةَ لَيْسَ بِهَا عِبْرَةٌ فَإِنْ وَقَعَتْ غَفْلَةً لَا بُدَّ مِنْ رَجْعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سلمة بْنِ كُهَيْلٍ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ هَذَا الْحَرْفُ لَيْسَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وكأنه قول بن مَسْعُودٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ نَحْوَ هَذَا وَأَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَمَا مِنَّا إِلَّا انْتَهَى
[٣٩١١] (لَا عَدْوَى) نَفْيٌ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْمَرَضِ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ (وَلَا صَفَرَ) نَفْيٌ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَنَّهُ دَاءٌ بِالْبَاطِنِ يُعْدِي أَوْ حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ وَهِيَ تُعْدِي أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ أَوِ الْمُرَادُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ أَوْ هُوَ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ مِنَ
стр. 3503
الْجُوعِ أَوْ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ (وَلَا هَامَةَ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ طَائِرٌ وَقِيلَ هُوَ الْبُومَةُ
قَالُوا إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ وَقَعَتْ فِيهَا مُصِيبَةٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (مَا بَالُ الْإِبِلِ) أَيْ مَا شَأْنُ جَمَاعَةٍ مِنْهَا (تَكُونُ فِي الرَّمْلِ) هُوَ خَبَرُ تَكُونُ (كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) فِي النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الدَّاءِ وَالظِّبَاءُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَفِي الرَّمْلِ خَبَرٌ وَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى النَّقَاوَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي التُّرَابِ رُبَّمَا يَلْصَقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ (الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ) أَيِ الَّذِي فِيهِ جَرَبٌ وَحَكَّةٌ (فَيُجْرِبُهَا) مِنَ الْإِجْرَابِ أَيْ يَجْعَلُهَا جَرِبَةً بِإِعْدَائِهَا
وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ أَيْ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْجَرَبُ لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ فَإِنْ أَجَابُوا مِنْ بَعِيرٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلْيُفْصِحُوا بِهِ
فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ هُوَ الْقَادِرُ الْخَالِقُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مُؤَثِّرَ سِوَاهُ (لَا يُورِدَنَّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ (مُمْرِضٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى (عَلَى مُصِحٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ لَا يُورِدَنَّ إِبِلَهُ الْمَرِيضَةَ عَلَى إِبِلِ غَيْرِهِ الصَّحِيحَةِ
وَجَمَعَ بن بَطَّالٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ لَا عَدْوَى فَقَالَ لَا عَدْوَى إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَأَمَّا النَّهْيُ فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْمُصِحُّ أَنَّ مَرَضَهَا حَدَثَ مِنْ أَجْلِ وُرُودِ الْمَرِيضِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ داخلا بتوهمه
стр. 3504
ذلك في تصحيح ما أبطله النبي وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَالَ) الزُّهْرِيُّ (فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ وَتُوَضِّحُهَا رِوَايَةُ مسلم من طريق يونس عن بن شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف حدثه أن رسول الله قَالَ لَا عَدْوَى وَيُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عن رسول الله ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدَ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ بن أبي ذباب وهو بن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك ياأبا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ كُنْتَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فما رآه (مِنَ الْمُمَارَاةِ) الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَا قُلْتُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَى قُلْتُ أَبَيْتُ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ انْتَهَى
(حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي الْعُمْرِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُؤَثِّرُ نِسْيَانُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ لَا عَدْوَى بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نِسْيَانَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأنس بن مالك وبن عمر عن النبي انْتَهَى
وَنَقَلَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَعَلَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا قَبْلَ بَسْطِ رِدَائِهِ ثُمَّ ضَمِّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ فَرَاغِ النَّبِيِّ مِنْ مَقَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ
стр. 3505
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
[٣٩١٢] (وَلَا نَوْءَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ طُلُوعُ نَجْمٍ وَغُرُوبُ مَا يُقَابِلُهُ أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يَنْسُبُونَهُ إلى الطالع أو الغارب فنفى صِحَّةَ ذَلِكَ
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ مَعَ طُلُوعِ الصُّبْحِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَجْمًا يَسْقُطُ فِي كُلِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً نَجْمٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَطْلُعُ آخَرُ مُقَابِلَهُ فِي الْمَشْرِقِ مِنْ سَاعَتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٣٩١٣] (لَا غُولَ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْغُولُ أَحَدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الغول في الفلاء تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا أَيْ تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى وَتَغُولُهُمْ أَيْ تُضِلُّهُمْ عَنِ الطريق وتهلكهم فنفاه النبي وَأَبْطَلَهُ
وَقِيلَ قَوْلُهُ لَا غُولَ لَيْسَ نَفْيًا لِعَيْنِ الْغُولِ وَوُجُودِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ إِبْطَالُ زَعْمِ الْعَرَبِ فِي تَلَوُّنِهِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاغْتِيَالِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ لَا غُولَ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّ أَحَدًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا غُولَ وَلَكِنِ السَّعَالِي وَالسَّعَالِي سَحَرَةُ الْجِنِّ أَيْ وَلَكِنْ فِي الْجِنِّ سَحَرَةُ تَلْبِيسٍ وَتَخْيِيلٍ
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ أَيْ ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذِكْرِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِنَفْيِهَا عَدَمُهَا
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ كَانَ لِي تَمْرٌ فِي سَهْوَةٍ فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا غُولَ انْتَهَى
следующие страницы →