Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
قَالَ السِّنْدِيُّ فَذَاكَ أَيْ يُبَاحُ لَهُ أَوْ هُوَ مُصِيبٌ لَكِنْ لَا يُدْرَى الْمُوَافِقُ فَلَا يُبَاحُ أَوْ فَلَا يُعْرَفُ الْمُصِيبُ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِمِثْلِهِ الْحَاصِلُ أَنَّهُ مُنِعَ عَنْ ذَلِكَ انتهى
قال الإمام بن الأثير قال بن عَبَّاسٍ الْخَطُّ هُوَ الَّذِي يَخُطُّهُ الْحَازِي وَهُوَ عِلْمٌ قَدْ تَرَكَهُ النَّاسُ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَازِي فَيُعْطِيهِ حُلْوَانًا فَيَقُولُ لَهُ اقْعُدْ حَتَّى أَخُطَّ لَكَ وَبَيْنَ يَدَيِ الْحَازِي غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ مِيلٌ ثُمَّ يَأْتِي إِلَى أَرْضٍ رَخْوَةٍ فَيَخُطُّ فِيهَا خُطُوطًا كَثِيرَةً بِالْعَجَلَةِ لِئَلَّا يَلْحَقَهَا الْعَدَدُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَمْحُو مِنْهَا عَلَى مَهَلٍ خَطَّيْنِ خَطَّيْنِ وَغُلَامُهُ يَقُولُ لِلتَّفَاؤُلِ ابْنَيْ عِيَانَ أَسْرِعَا الْبَيَانَ فَإِنْ بَقِيَ خَطَّانِ فَهُمَا عَلَامَةُ النُّجْحِ وَإِنْ بَقِيَ خَطٌّ وَاحِدٌ فَهُوَ عَلَامَةُ الْخَيْبَةِ
قَالَ الْحَرْبِيُّ الْخَطُّ هُوَ أَنْ يَخُطَّ ثَلَاثَةَ خُطُوطٍ ثُمَّ يَضْرِبُ عَلَيْهِنَّ بِشَعِيرٍ أَوْ نَوًى وَيَقُولُ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْكِهَانَةِ
قُلْتُ الْخَطُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِلْمٌ مَعْرُوفٌ وَلِلنَّاسِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ إِلَى الْآنَ وَلَهُمْ فِيهِ أَوْضَاعٌ وَاصْطِلَاحٌ وَعَمَلٌ كَثِيرٌ وَيَسْتَخْرِجُونَ بِهِ الضَّمِيرَ وَغَيْرَهُ وَكَثِيرًا مَا يُصِيبُونَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا
٣ - (بَاب فِي الطِّيَرَةِ)
[٣٩١٠] وَتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُهُ
(الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) أَيْ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الطِّيَرَةَ تَجْلِبُ لَهُمْ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُمْ ضُرًّا فَإِذَا عَمِلُوا بِمُوجِبِهَا فَكَأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمَّى شِرْكًا خَفِيًّا وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ بِالِاسْتِقْلَالِ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكًا جَلِيًّا
قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا سَمَّاهَا شِرْكًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مَا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ سَبَبًا مُؤَثِّرًا فِي حُصُولِ الْمَكْرُوهِ وَمُلَاحَظَةُ الْأَسْبَابِ فِي الْجُمْلَةِ شِرْكٌ خَفِيٌّ فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا جَهَالَةٌ وَسُوءُ اعْتِقَادٍ (ثَلَاثًا) مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهَا (وَمَا مِنَّا) أَيْ أَحَدٌ (إِلَّا) أَيْ إِلَّا مَنْ يَخْطِرُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ مَا لِتَعَوُّدِ النُّفُوسِ بِهَا فَحُذِفَ الْمُسْتَثْنَى كَرَاهَةَ أَنْ يُتَلَفَّظَ بِهِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيْ إِلَّا مَنْ يَعْرِضُ لَهُ الْوَهْمُ مِنْ قِبَلَ الطِّيَرَةِ وَكَرِهَ أَنْ يُتِمَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَدَبِ الْكَلَامِ يَكْتَفِي دُونَ الْمَكْرُوهِ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَا يَضْرِبُ لِنَفْسِهِ مَثَلَ السَّوْءِ
стр. 3502
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ قَدْ يَعْتَرِيهِ الطِّيَرَةُ وَيَسْبِقُ إِلَى قَلْبِهِ الْكَرَاهَةُ فِيهِ فَحُذِفَ اخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ وَاعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَذَلِكَ الْحَذْفُ يُسَمَّى فِي الْبَدِيعِ بِالِاكْتِفَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا مِنَّا إِلَى آخِرِهِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَهُوَ الصَّوَابُ
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ الطيرة والتطير أن التطير هو الظن السيء الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالطِّيَرَةُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الظَّنِّ السَّيِّئِ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ) مِنَ الْإِذْهَابِ (بِالتَّوَكُّلِ) أَيْ بِسَبَبِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطْرَةَ لَيْسَ بِهَا عِبْرَةٌ فَإِنْ وَقَعَتْ غَفْلَةً لَا بُدَّ مِنْ رَجْعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سلمة بْنِ كُهَيْلٍ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ هَذَا الْحَرْفُ لَيْسَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وكأنه قول بن مَسْعُودٍ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ نَحْوَ هَذَا وَأَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَمَا مِنَّا إِلَّا انْتَهَى
[٣٩١١] (لَا عَدْوَى) نَفْيٌ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْمَرَضِ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ (وَلَا صَفَرَ) نَفْيٌ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَنَّهُ دَاءٌ بِالْبَاطِنِ يُعْدِي أَوْ حَيَّةٌ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ وَهِيَ تُعْدِي أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ أَوِ الْمُرَادُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ أَوْ هُوَ دَاءٌ فِي الْبَطْنِ مِنَ
стр. 3503
الْجُوعِ أَوْ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ (وَلَا هَامَةَ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ طَائِرٌ وَقِيلَ هُوَ الْبُومَةُ
قَالُوا إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِمْ وَقَعَتْ فِيهَا مُصِيبَةٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (مَا بَالُ الْإِبِلِ) أَيْ مَا شَأْنُ جَمَاعَةٍ مِنْهَا (تَكُونُ فِي الرَّمْلِ) هُوَ خَبَرُ تَكُونُ (كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) فِي النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الدَّاءِ وَالظِّبَاءُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ وَفِي الرَّمْلِ خَبَرٌ وَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى النَّقَاوَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي التُّرَابِ رُبَّمَا يَلْصَقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ (الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ) أَيِ الَّذِي فِيهِ جَرَبٌ وَحَكَّةٌ (فَيُجْرِبُهَا) مِنَ الْإِجْرَابِ أَيْ يَجْعَلُهَا جَرِبَةً بِإِعْدَائِهَا
وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ أَيْ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْجَرَبُ لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ فَإِنْ أَجَابُوا مِنْ بَعِيرٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلْيُفْصِحُوا بِهِ
فَإِنْ أَجَابُوا بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ هُوَ الْقَادِرُ الْخَالِقُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مُؤَثِّرَ سِوَاهُ (لَا يُورِدَنَّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَنُونِ التَّأْكِيدِ الثَّقِيلَةِ (مُمْرِضٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى (عَلَى مُصِحٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ لَا يُورِدَنَّ إِبِلَهُ الْمَرِيضَةَ عَلَى إِبِلِ غَيْرِهِ الصَّحِيحَةِ
وَجَمَعَ بن بَطَّالٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ لَا عَدْوَى فَقَالَ لَا عَدْوَى إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَأَمَّا النَّهْيُ فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْمُصِحُّ أَنَّ مَرَضَهَا حَدَثَ مِنْ أَجْلِ وُرُودِ الْمَرِيضِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ داخلا بتوهمه
стр. 3504
ذلك في تصحيح ما أبطله النبي وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَالَ) الزُّهْرِيُّ (فَرَاجَعَهُ الرَّجُلُ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ وَتُوَضِّحُهَا رِوَايَةُ مسلم من طريق يونس عن بن شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف حدثه أن رسول الله قَالَ لَا عَدْوَى وَيُحَدَّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عن رسول الله ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدَ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ
قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ بن أبي ذباب وهو بن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك ياأبا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ كُنْتَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فما رآه (مِنَ الْمُمَارَاةِ) الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَا قُلْتُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَى قُلْتُ أَبَيْتُ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ انْتَهَى
(حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي الْعُمْرِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُؤَثِّرُ نِسْيَانُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ لَا عَدْوَى بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نِسْيَانَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأنس بن مالك وبن عمر عن النبي انْتَهَى
وَنَقَلَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَعَلَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا قَبْلَ بَسْطِ رِدَائِهِ ثُمَّ ضَمِّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ فَرَاغِ النَّبِيِّ مِنْ مَقَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ
стр. 3505
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
[٣٩١٢] (وَلَا نَوْءَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ طُلُوعُ نَجْمٍ وَغُرُوبُ مَا يُقَابِلُهُ أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يَنْسُبُونَهُ إلى الطالع أو الغارب فنفى صِحَّةَ ذَلِكَ
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ مَعَ طُلُوعِ الصُّبْحِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَجْمًا يَسْقُطُ فِي كُلِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً نَجْمٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَطْلُعُ آخَرُ مُقَابِلَهُ فِي الْمَشْرِقِ مِنْ سَاعَتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٣٩١٣] (لَا غُولَ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْغُولُ أَحَدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الغول في الفلاء تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا أَيْ تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى وَتَغُولُهُمْ أَيْ تُضِلُّهُمْ عَنِ الطريق وتهلكهم فنفاه النبي وَأَبْطَلَهُ
وَقِيلَ قَوْلُهُ لَا غُولَ لَيْسَ نَفْيًا لِعَيْنِ الْغُولِ وَوُجُودِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ إِبْطَالُ زَعْمِ الْعَرَبِ فِي تَلَوُّنِهِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاغْتِيَالِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ لَا غُولَ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّ أَحَدًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا غُولَ وَلَكِنِ السَّعَالِي وَالسَّعَالِي سَحَرَةُ الْجِنِّ أَيْ وَلَكِنْ فِي الْجِنِّ سَحَرَةُ تَلْبِيسٍ وَتَخْيِيلٍ
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ أَيْ ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذِكْرِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِنَفْيِهَا عَدَمُهَا
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ كَانَ لِي تَمْرٌ فِي سَهْوَةٍ فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا غُولَ انْتَهَى
стр. 3506
[٣٩١٤] (كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ) الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ أَيْ أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَحِلُّ صَفَرَ مَرَّةً وَكَانَتْ تُحَرِّمُهُ مَرَّةً وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ النَّسِيءُ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا النَّسِيءُ زيادة في الكفر أَيْ هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ شَهْرٌ حَرَامٌ وَهُمْ مُحَارِبُونَ أَحَلُّوهُ وَحَرَّمُوا بَدَلَهُ شَهْرًا مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ حَتَّى رَفَضُوا خُصُوصَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ الْعَدَدِ فَإِنَّ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَتَحْلِيلَ مَا حَرَّمَهُ كُفْرٌ ضَمُّوهُ إِلَى كُفْرِهِمْ
وَقَالَ تَعَالَى فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمُوا الشَّهْرَ الْحَرَامَ بَلْ وَافَقُوا فِي الْعَدَدِ وَحْدَهُ
كَذَا فِي جَامِعِ البيان
قال بن الْأَثِيرِ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ النَّسِيءَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ وَيَجْعَلُونَ صَفَرَ هُوَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فَأَبْطَلَهُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ لَا صَفَرَ فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ تَأْخِيرُهُمْ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ وَهُوَ النَّسِيءُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ
وَالثَّانِي أَنَّ الصَّفَرَ دَوَابٌّ فِي الْبَطْنِ وَهِيَ دُودٌ وَهَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصحيح وبه قال مطرف وبن وهب وبن حَبِيبٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَخَلَائِقُ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ
[٣٩١٦] (وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ) لِأَنَّهُ حُسْنُ ظَنٍّ بِاللَّهِ تَعَالَى (الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفِطْرَةِ مَحَبَّةَ ذَلِكَ كَمَا جَعَلَ فِيهَا الِارْتِيَاحَ بِالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْمَاءِ الصَّافِي وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ وَيَسْتَعْمِلْهُ
وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أبى هريرة قال قال النبي لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يارسول اللَّهِ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ يُعْجِبُهُ أَنْ يَسْمَعَ يَا نَجِيحُ يَا رَاشِدُ
стр. 3507
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن مَاجَهْ انْتَهَى
أَيْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي السِّيَرِ
[٣٩١٥] (تَقُولُ لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْهَامَةُ الرَّأْسُ وَاسْمُ طَائِرٍ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا وَهِيَ مِنَ طَيْرِ اللَّيْلِ وَقِيلَ هِيَ الْبُومَةُ وَقِيلَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَقُولُ اسْقُونِي فَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ
وَقِيلَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ وَقِيلَ رُوحَهُ تَصِيرُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهُ الصَّدَى فَنَفَاهُ الْإِسْلَامُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْهَاءِ وَالْوَاوِ وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الْهَاءِ وَالْيَاءِ انْتَهَى (يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ) أَيْ بشهر صَفَرَ وَيَعْتَقِدُونَ شَآمَتَهُ (هُوَ يُعْدِي) مِنَ الْإِعْدَاءِ أَيْ يَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَى غَيْرِهِ
[٣٩١٧] (فَأَعْجَبَتْهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ إِلَى الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ (فَأْلُكَ) بِالْهَمْزِ السَّاكِنِ بَعْدَ الْفَاءِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَأْلُ ضِدُّ الطِّيَرَةِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (مِنْ فِيكَ) أَيْ مِنْ فَمِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النبي سمع رجلا وفيه فقال رسول الله يَا لَبَّيْكَ نَحْنُ أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ
[٣٩١٨] (فَمَا الْهَامَةُ) أَيْ مَا تَفْسِيرُهَا (قَالَ) عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي جَوَابِهِ (يَقُولُ نَاسٌ) مِنَ الَّذِينَ فِيهِمْ آثَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَاعْتِقَادُهَا (الْهَامَةُ) أَيِ الْبُومَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ (الَّتِي تَصْرُخُ) بِالْخَاءِ
стр. 3508
المعجمة من باب قتل أي تصحيح وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِهَامَةٍ (هَامَةُ النَّاسِ) أَيْ هِيَ هَامَةُ النَّاسِ أَيْ رُوحُ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ عَطَاءٌ بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَتْ) هَذِهِ الْهَامَةُ الَّتِي تَصِيحُ وَتَصْرُخُ فِي اللَّيْلِ مِنَ الْبُومَةِ أَوْ غَيْرِهَا (بِهَامَةِ الْإِنْسَانِ) أَيْ بِرُوحِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ بَلْ (إِنَّمَا هِيَ دَابَّةٌ) مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ
[٣٩١٩] (عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ) قُرَشِيٌّ تَابِعِيٌّ سمع بن عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وحبيب بن أبى ثابت ذكره بن حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ (قَالَ) عُرْوَةُ (ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْفَأْلُ مَهْمُوزٌ فِيمَا يَسُرُّ وَيَسُوءُ وَالطِّيَرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يَسُوءُ وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا يَسُرُّ يُقَالُ تَفَأَّلْتُ بِكَذَا وَتَفَاءَلْتُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْقَلْبِ وَقَدْ أُولِعَ النَّاسُ بِتَرْكِ هَمْزِهِ تَخْفِيفًا وَإِنَّمَا أُحِبُّ الْفَأْلَ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا أَمَلُوا فَائِدَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَجَوْا عَائِدَتَهُ عِنْدَ كُلِّ سَبَبٍ ضَعِيفٍ أَوْ قَوِيٍّ فَهُمْ عَلَى خَيْرٍ وَلَوْ غَلِطُوا فِي جِهَةِ الرَّجَاءِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِذَا قَطَعُوا أَمَلَهُمْ وَرَجَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ
وَأَمَّا الطِّيَرَةُ فَإِنَّ فِيهَا سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَتَوَقُّعَ الْبَلَاءِ
وَمَعْنَى التَّفَاؤُلِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مريض فَيَتَفَاءَلُ بِمَا يَسْمَعُ مِنْ كَلَامٍ فَيَسْمَعُ آخَرَ يقول ياسالم أَوْ يَكُونَ طَالِبَ ضَالَّةٍ فَيَسْمَعُ آخَرَ يَقُولُ ياواجد فَيَقَعُ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ وَيَجِدُ ضَالَّتَهُ انْتَهَى (وَلَا تَرُدُّ) أَيِ الطِّيَرَةُ (مُسْلِمًا) وَالْجُمْلَةُ عَاطِفَةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْسَنَ الطِّيَرَةِ مَا يُشَابِهُ الْفَأْلَ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَمْنَعُ الطِّيَرَةُ مُسْلِمًا عَنِ الْمُضِيِّ فِي حَاجَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ بَلْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَيَمْضِي فِي سَبِيلِهِ (فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ) أَيْ إِذَا رَأَى مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ (بِالْحَسَنَاتِ) أَيْ بِالْأُمُورِ الْحَسَنَةِ الشَّامِلَةِ لِلنِّعْمَةِ وَالطَّاعَةِ (السَّيِّئَاتِ) أَيِ الْأُمُورَ الْمَكْرُوهَةَ الْكَافِلَةَ لِلنِّقْمَةِ وَالْمَعْصِيَةِ (وَلَا حَوْلَ) أَيْ عَلَى دَفْعِ السَّيِّئَاتِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ عَلَى تَحْصِيلِ الْحَسَنَاتِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعُرْوَةُ هَذَا قِيلَ فِيهِ الْقُرَشِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ فِيهِ الْجُهَنِيُّ حَكَاهُمَا الْبُخَارِيُّ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ وَلَا صُحْبَةَ لَهُ تَصِحُّ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وغيره أنه سمع من بن عَبَّاسٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا انْتَهَى
стр. 3509
[٣٩٢٠] (كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ) أَيْ مِنْ جِهَةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِذَا أَرَادَ فِعْلَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مُرَادِفَةً لِلْبَاءِ فَالْمَعْنَى مَا كَانَ يَتَطَيَّرُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَتَطَيَّرُ بِهِ النَّاسُ (فَإِذَا بَعَثَ عَامِلًا) أَيْ أَرَادَ إِرْسَالَ عامل (وروئي) أَيْ أُبْصِرَ وَظَهَرَ (بِشْرُ ذَلِكَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَثَرُ بَشَاشَتِهِ وَانْبِسَاطِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْبِشْرُ بِالْكَسْرِ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ (كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ) أَيْ ذَلِكَ الِاسْمِ الْمَكْرُوهِ (فِي وَجْهِهِ) لَا تَشَاؤُمًا وَتَطَيُّرًا بِاسْمِهِ بَلْ لِانْتِفَاءِ التَّفَاؤُلِ
وَقَدْ غَيَّرَ ذَلِكَ الِاسْمَ إِلَى اسْمٍ حَسَنٍ فَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ إِذَا بَعَثْتُمْ إِلَيَّ رَجُلًا فَابْعَثُوا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ قال بن الْمَلَكِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْتَارَ الْإِنْسَانُ لِوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَكْرُوهَةَ قَدْ تُوَافِقُ الْقَدَرَ كَمَا لَوْ سَمَّى أَحَدٌ ابْنَهُ بِخَسَارَةٍ فَرُبَّمَا جَرَى قَضَاءُ اللَّهِ بِأَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ أَوِ ابْنِهِ خَسَارَةٌ فَيَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْمِهِ فَيَتَشَاءَمُونَ وَيَحْتَرِزُونَ عَنْ مُجَالَسَتِهِ وَمُوَاصَلَتِهِ
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخْتَارَ لِوَلَدِهِ وَخَدَمِهِ الْأَسْمَاءَ الْحَسَنَةَ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَكْرُوهَةَ قَدْ تُوَافِقُ الْقَدَرَ
رَوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُكَ قال جمرة قال بن من قال بن شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنَ الْحَرَّاقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُكَ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى فَقَالَ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁ انتهى
قال القارىء فَالْحَدِيثُ فِي الْجُمْلَةِ يَرُدُّ عَلَى مَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَسْمِيَةِ أَوْلَادِهِمْ بِأَسْمَاءٍ قَبِيحَةٍ كَكَلْبٍ وَأَسَدٍ وَذِئْبٍ وَعَبِيدِهِمْ بِرَاشِدٍ وَنَجِيحٍ وَنَحْوِهِمَا مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ أَبْنَاءَنَا لِأَعْدَائِنَا وَخَدَمَنَا لِأَنْفُسِنَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٣٩٢١] (عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) هُوَ بن أَبِي وَقَّاصٍ
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَكِنْ قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ هُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ
стр. 3510
حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ) أَيْ صَحِيحَةً أَوْ إِنْ تَقَعْ وَتُوجَدْ (فِي شَيْءٍ) مِنَ الْأَشْيَاءِ (فَفِي الْفَرَسِ) أَيِ الْجَمُوحِ (وَالْمَرْأَةِ) أَيِ السَّلِيطَةِ (وَالدَّارِ) أَيْ فَهِيَ الدَّارُ الضَّيِّقَةُ
وَالْمَعْنَى إِنْ فُرِضَ وُجُودُهَا تَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَتُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ التَّالِيَةُ
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ نَفْيُ صِحَّةِ الطِّيَرَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قوله لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ فَلَا يُنَافِيهِ حِينَئِذٍ عُمُومُ نَفْيِ الطِّيَرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ
وَقِيلَ إِنْ تَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ لَا تَكُونُ الطِّيَرَةُ إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ غَالِبِ وُقُوعِهَا وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا وَقَعَ مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٩٢٢] (الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ) هَذِهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَكَذَا رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ أَدَاةِ الْحَصْرِ نَعَمْ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عن الزهري عن حمزة وسالم عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ
وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالم عن بن عمر أن رسول الله قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ إِنْ كَانَ مَا يُكْرَهُ وَيُخَافُ عَاقِبَتُهُ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَتَخْصِيصُهُ لَهَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ مَذْهَبَ الْعَرَبِ فِي التَّطَيُّرِ بِالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالظِّبَاءِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ ارْتِبَاطَهَا فَلْيُفَارِقْهَا بِأَنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الدَّارِ وَيُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ وَيَبِيعَ الْفَرَسَ
وَقِيلَ إِنَّ شُؤْمَ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جَارِهَا وَشُؤْمَ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ وُشُؤْمَ الْفَرَسِ أَلَّا يُغْزَى عَلَيْهَا انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الدَّارَ قَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوِ الْهَلَاكِ وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوِ الْفَرَسِ أو
стр. 3511
الْخَادِمِ قَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَاهُ قَدْ يَحْصُلُ الشُّؤْمُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَثِيرُونَ هُوَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الطِّيَرَةِ أَيِ الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ أَوْ خَادِمٌ فَلْيُفَارِقِ الْجَمِيعَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الحافظ بن حَجَرٍ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ سَمِعْتُ مَنْ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِقَوْلِ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ وَشُؤْمِ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهَا وَشُؤْمِ الدَّارِ جَارُ السَّوْءِ
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ السلفي من حديث بن عمر أن رسول الله قَالَ إِذَا كَانَ الْفَرَسُ حَرُونًا فَهُوَ مَشْئُومٌ وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَدْ عَرَفَتْ زَوْجًا قَبْلَ زَوْجِهَا فَحَنَّتْ إِلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ بَعِيدَةً عَنِ الْمَسْجِدِ لَا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشئوومة وَإِذَا كُنَّ بِغَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ فَهُنَّ مُبَارَكَاتٌ وَأَخْرَجَهُ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِ الْخَيْلِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قال سمعت رسول الله يَقُولُ لَا شُؤْمَ وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(سَكَنَهَا قَوْمٌ فَهَلَكُوا) أَيْ لِأَجْلِ كَثَافَتِهَا وَعَدَمِ نَظَافَتِهَا وَرَدَاءَةِ مَحِلِّهَا أَوْ لِمَسَاكِنِ الْأَجِنَّةِ فِيهَا كَمَا يُشَاهَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ (قَالَ عُمَرُ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ بَلْ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمِزِّيُّ أَيْضًا فِي الْأَطْرَافِ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3512
[٣٩٢٣] (فروة) بفتح الفاء وسكون الراء (بن مُسَيْكٍ) تَصْغِيرُ مِسْكٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُرَادِيٌّ غُطَيْفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سَنَةَ تِسْعٍ فَأَسْلَمَ رَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ (أَبْيَنَ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فتحتية فنون بلفظ اسم التفصيل مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ رَجُلٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَدَنَ وَيُقَالُ عَدَنُ أَبْيَنُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ بِوَزْنِ أَحْمَرَ قَرْيَةٌ إِلَى جَانِبِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَدِينَةِ عَدَنَ انْتَهَى (هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا) بِإِضَافَةِ أَرْضُ إِلَى رِيفِنَا وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا فَاءٌ وَهُوَ الْأَرْضُ ذات الزرع والخصب
قال بن الْأَثِيرِ هُوَ كُلُّ أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ وَنَخْلٌ انْتَهَى (وَمِيرَتِنَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى رِيفِنَا أَيْ طَعَامُنَا الْمَجْلُوبُ أَوِ الْمَنْقُولُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ (وَإِنَّهَا وَبِئَةٌ) عَلَى وَزْنِ فَعِلَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ كَثِيرَةُ الْوَبَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِيئَةٌ عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةٍ
قَالَ في المصباح وبأمثل فلس كَثُرَ مَرَضُهَا فَهِيَ وَبِئَةٌ وَوَبِيئَةٌ عَلَى فَعِلَةٍ وَفَعِيلَةٍ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ الْوَبَا بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ الطَّاعُونُ وَالْمَرَضُ الْعَامُّ وَقَدْ أَوْبَأَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مُوبِئَةٌ وَوَبِئَتْ فَهِيَ وَبِيئَةٌ انْتَهَى (وَبَاؤُهَا) أَيْ عَنْ كَثَافَةِ هَوَائِهَا (شَدِيدٌ) قَوِيٌّ كَثِيرٌ
(دَعْهَا عَنْكَ) أَيِ اتْرُكْهَا عَنْ دُخُولِكَ فِيهَا وَالتَّرَدُّدِ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَلَدِ الطَّاعُونِ (فَإِنَّ مِنَ الْقَرَفِ) بِفَتْحَتَيْنِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَرَفُ مُلَابَسَةُ الدَّاءِ وَمُدَانَاةُ الْمَرَضِ (التَّلَفُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْهَلَاكُ
وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنَ مُلَابَسَةِ الدَّاءِ وَمُدَانَاةِ الوباء تحصل بها هلاكة النَّفْسِ فَالدُّخُولُ فِي أَرْضٍ بِهَا وَبَاءٌ وَمَرَضٌ لا يليق
قال الخطابي وبن الْأَثِيرِ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَالْعَدْوَى وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ الطِّبِّ لِأَنَّ اسْتِصْلَاحَ الْهَوَاءِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْأَبَدَانِ وَفَسَادَ الْهَوَاءِ مِنْ أَضَرِّهَا وَأَسْرَعِهَا إِلَى إِسْقَامِ الْبَدَنِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْرٍ عَنْ فَرْوَةَ وَأَسْقَطَ مَجْهُولًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاذٍ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يُكَذِّبُهُ انْتَهَى
стр. 3513
[٣٩٢٤] (فِيهَا عَدَدُنَا) أَيْ أَهْلُونَا (فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ إِلَخْ) وَالْمَعْنَى أَنَتْرُكُهَا وَنَتَحَوَّلُ إِلَى غَيْرِهَا أَوْ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (ذَرُوهَا ذَمِيمَةً) أَيِ اتْرُكُوهَا مَذْمُومَةً فَعِيلَةً بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ قاله بن الْأَثِيرِ
وَالْمَعْنَى اتْرُكُوهَا بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا حَالَ كَوْنِهَا مَذْمُومَةً لِأَنَّ هَوَاءَهَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لَكُمْ
قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ أَيْ ذَرُوهَا وَتَحَوَّلُوا عَنْهَا لِتَخْلُصُوا عَنْ سُوءِ الظَّنِّ وَرُؤْيَةِ الْبَلَاءِ مِنْ نزول تلك الدار انتهى
قال الخطابي وبن الْأَثِيرِ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إِبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إِنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ السُّكْنَى فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَزَالَ عَنْهُمْ مَا خَامَرَهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٣٩٢٥] (أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ) قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ الْمَجْذُومُ الَّذِي وضع رسول الله أَوْ عُمَرُ ﵁ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَأَكَلَ مَعَهُ هُوَ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ (فِي الْقَصْعَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَفِيهِ غَايَةُ التَّوَكُّلِ مِنْ جِهَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا الْأَخْذُ بِيَدِهِ وَثَانِيَتُهُمَا الْأَكْلُ مَعَهُ
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كُلْ مَعَ صَاحِبِ الْبَلَاءِ تَوَاضُعًا لِرَبِّكَ وَإِيمَانًا (كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْوُثُوقِ كَالْعِدَةِ وَالْوَعْدِ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ كُلْ مَعِي أَثِقْ ثِقَةً بِاللَّهِ أَيْ اعْتِمَادًا بِهِ وَتَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَيْهِ (وَتَوَكُّلًا) أَيْ وَأَتَوَكَّلُ تَوَكُّلًا (عَلَيْهِ) وَالْجُمْلَتَانِ حَالَانِ ثَانِيَتُهُمَا مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ قَالَ البيهقي أخذه بيد المجذوم ووضعها في القصعة وأكل مَعَهُ فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ حَالُهُ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَتَرْكَ الِاخْتِيَارِ فِي مَوَارِدِ الْقَضَاءِ
وقوله وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ وأمره فِي مَجْذُومِ بَنِي ثَقِيفٍ
стр. 3514
بِالرُّجُوعِ فِي حَقِّ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنِ احْتِمَالِ الْمَكْرُوهِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فَيُحْرَزُ بِمَا هُوَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاحْتِرَازَاتِ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفَ الْآثَارُ عَنِ النبي فِي قِصَّةِ الْمَجْذُومِ فَثَبَتَ عَنْهُ الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ أَيْ حَدِيثُ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ وَحَدِيثُ الْمَجْذُومِ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النبي أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ وَقَالَ لَهُ كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَنَا مَوْلَى مَجْذُومٌ فَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي
قَالَ وَقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ إِلَى الْأَكْلِ مَعَهُ وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخٌ
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا نَسْخَ بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ لَا الْوُجُوبِ وَأَمَّا الْأَكْلُ مَعَهُ فَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ هَذَا شَيْخٌ بَصْرِيٌّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ شَيْخٌ مِصْرِيٌّ أَوْثَقُ مِنْ هَذَا وَأَشْهَرُ
وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشهيد عن بن بُرَيْدَةَ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ وَحَدِيثُ شُعْبَةَ أَشْبَهُ عِنْدِي وَأَصَحُّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْبَصْرِيُّ أَخُو مُبَارَكٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْهُ يَعْنِي عَنِ بن المنكدر
وقال بن عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ لَا أَعْلَمُ يَرْوِيهِ عَنْ حَبِيبٍ غَيْرُ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ وَقَالَ أَيْضًا وَقَالُوا تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ هَذَا بَصْرِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو مَالِكٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وقد أخرج مسلم في صحيحه والنسائي وبن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفَ رجل مجذوم فأرسل إليه النبي إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ أبا هريرة يقول قال رسول
стр. 3515
الله يَقُولُ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
قُلْتُ قَوْلُهُ تَعْلِيقًا يُنْظَرُ فِي كَوْنِهِ تَعْلِيقًا فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ بَابُ الْجُذَامِ وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ ميناء فذكره وعفان هو بن مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ رَوَى عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَوَاضِعَ وَرَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ أَيْضًا كَثِيرًا فَقَوْلُهُ قَالَ عَفَّانُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاتِّصَالِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ عَنِ الْجُمْهُورِ وَذَكَرَهُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَزِيرُ في كتابه تنقيح الأنظار ورد على بن حَزْمٍ قَوْلَهُ إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الِاصْطِلَاحِ أَنَّ مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَهُنَا قَدْ جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَرَى
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَأَبِي قُتَيْبَةَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ شَيْخِ عَفَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ فَذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3516
٢٨ - كِتَابِ الْعِتْقِ
[٣٩٢٦] بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ إِزَالَةُ الْمِلْكِ يُقَالُ عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتُفْتَحُ وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ وَعَتَقَ الْفَرْخُ إِذَا طَارَ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ
ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ
(بَابٌ فِي الْمُكَاتَبِ)
بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ
قَالَ الرَّاغِبُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ وَمِنْهُ كَتَبَ عَلَى الْخَطِّ
فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الِالْتِزَامِ وَعَلَى الثَّانِي مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ لِوُجُودِهِ عند عقدها غالبا
قال بن التِّينِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ (يُؤَدِّي) مِنَ الْأَدَاءِ (بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَيَعْجِزُ) أَيْ عَنْ أَدَاءِ بَعْضِهَا (أَوْ يَمُوتُ) قَبْلَ أَدَاءِ الْبَعْضِ
(عَبْدٌ) أَيْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ (مَا بَقِيَ) ما دائمة (من كتابته درهم) وأخرجه بن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَثْنَاءَ حَدِيثٍ وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه من كتابته شيء
مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ
وَقَدْ روى بن
стр. 3517
أبي شيبة وبن سَعْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي فَقَالَتْ سُلَيْمَانُ فَقُلْتُ سُلَيْمَانُ فَقَالَتْ أَدَّيْتَ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ قُلْتُ نَعَمْ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا قَالَتْ ادْخُلْ فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ رَأْيِي
قُلْتُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَنِ السَّلَفِ فَعَنْ عَلِيٍّ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ وَعَنْهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ما أدى
стр. 3518
وعن بن مَسْعُودٍ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَأَدَّى الْمِائَةَ عَتَقَ
وَعَنْ عَطَاءٍ إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ عَتَقَ
وَرَوَى النَّسَائِيُّ عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمُكَاتَبُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي وَهُوَ أَقْوَى وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ كُوتِبَتْ وَلَوْلَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ حُرًّا لَمُنِعَ بَيْعُهَا
وَقَدْ نَاظَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنه
стр. 3519
فقال أترجمه لوزني أَوْ تُجِيزُ شَهَادَتَهُ إِنْ شَهِدَ فَقَالَ عَلِيٌّ لَا فَقَالَ زَيْدٌ فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ
ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَبْدًا فَهُوَ مَمْلُوكٌ وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ وَلَمْ يَحْدُثْ لِغَيْرِهِ فِيهِ مِلْكٌ كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ بَيْعِهِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ نُجُومَهُ بِكَمَالِهَا لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِعِتْقِهِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً لِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يَصِرْ حُرًّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَأْخُذُ الْمَالَ سَيِّدُهُ وَيَكُونُ أَوْلَادُهُ رَقِيقًا لَهُ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْأَرْدُبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَدَاءِ النُّجُومِ أَوْ بَعْضِهَا مَاتَ رَقِيقًا قَلَّ الْبَاقِي أَوْ كَثُرَ تَرَكَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَتْرُكْ خَلَّفَ وَلَدًا أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ لِهَذَا الْحَدِيثِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ تَرَكَ وَفَاءً عَتَقَ أَوْ لَمْ يَتْرُكْ فَلَا
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ خَلَّفَ وَلَدًا عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ النُّجُومِ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَفِيهِ أَيْضًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى
[٣٩٢٧] (عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَجَمْعُهَا أَوَاقِيُّ بِفَتْحِ الهمزة
стр. 3520
وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَرُوِيَ بِمَدِّ الْأَلِفِ بِلَا يَاءٍ أَيْ أَوَاقٍ وَهُوَ لَحْنٌ كَذَا فِي الْأَزْهَارِ (أَوَاقٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هِيَ الْأَوَاقِيُّ جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَالْجَمْعُ يُشَدَّدُ وَيُخَفَّفُ وَكَانَتِ الْأُوقِيَّةُ قَدِيمًا عِبَارَةً عَنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا انْتَهَى
وَقَالَ فِي مَادَّةِ وَقَا الْأُوقِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ اسْمٌ لِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَزْنُهُ أُفْعُولَةٌ وَالْأَلِفُ زَائِدَةٌ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وُقِيَّةٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهِيَ لُغَةٌ عَامِّيَّةٌ وَالْجَمْعُ الْأَوَاقِيُّ مُشَدَّدًا وَقَدْ يُخَفَّفُ انْتَهَى (فَهُوَ عَبْدٌ) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السُّنَنِ فَهُوَ رَقِيقٌ
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ رِقٌّ مَمْلُوكٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ كَمَا قَالَ بِهِ الأكثرون خلافا لعلي ﵁ وبن عباس وبن مَسْعُودٍ ﵄ وَآخَرِينَ
قَالَهُ الْأَرْدُبِيلِيُّ
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَمْرٌو وَعَلَى هَذَا فُتْيَا الْمُفْتِينَ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ لَيْسَ هُوَ عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ قَالُوا هُوَ وَهْمٌ وَلَكِنَّهُ هُوَ شَيْخٌ آخَرُ) وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَمِيعُ النُّسَخِ عَنْهَا خَالٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هذا القول عن
стр. 3521
أبي داود الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ وَالتَّلْخِيصِ وَلَا الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 3522
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ أَخْبَرَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ فَذَكَرَهُ ثم قال وقال المقرئ وَعَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ انْتَهَى
وَإِنِّي لَمْ أَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَحْفُوظَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٣٩٢٨] (عَنْ نَبْهَانَ) بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ (إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ) وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ (فَلْتَحْتَجِبْ) أَيْ إِحْدَاكُنَّ وَهِيَ سَيِّدَتُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ مِلْكَهُ قَرِيبُ الزَّوَالِ وَمَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عليها
стр. 3523
قَالَ فِي السُّبُلِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا صَارَ مَعَهُ جَمِيعُ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ فَقَدْ صَارَ لَهُ مَا لِلْأَحْرَارِ فَتَحْتَجِبُ مِنْهُ سَيِّدَتُهُ إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ وإن لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ ذَلِكَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ هَذَا خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ احْتِجَابُهُنَّ عَنِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كما منع سودة من نظر بن زَمْعَةَ إِلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ
قُلْتُ وَلَكَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ قِنٌّ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي مُكَاتَبٍ وَاجِدٍ لِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا إِذَا كَاتَبَتْ إِحْدَاكُنَّ عَبْدَهَا فَلْيَرَهَا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا فَلَا تُكَلِّمْهُ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ
فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرِوَايَةُ الثِّقَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِخِلَافِهِ انْتَهَى فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُقَاوِمُ حَدِيثَ الْكِتَابِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَمْلُوكِ الْمَرْأَةِ النَّظَرُ إِلَيْهَا مَا لَمْ يُكَاتِبْهَا وَيَجِدْ مَالَ الْكِتَابَةِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ مَنْطُوقُ قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂ لَمَّا تَقَنَّعَتْ بِثَوْبٍ وَكَانَتْ إِذَا قَنَّعَتْ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا وَإِذَا غَطَّتْ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ كَالْأَجْنَبِيِّ قَالُوا يَدُلُّ لَهُ صِحَّةُ تَزْوِيجِهَا إِيَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا وَالْحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَوْلَى انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَمْ أَحْفَظْ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَهُ مِنْ نَبْهَانَ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَضِيتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُثْبِتُ هَذَا الْحَدِيثَ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي نَبْهَانُ فَذَكَرَ سَمَاعَ الزُّهْرِيِّ مِنْ نَبْهَانَ إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا لَمْ يُخَرِّجَا حَدِيثَهُ فِي الصَّحِيحِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَهُمَا أَوْ لَمْ يخرج
стр. 3524
عَنْ حَدِّ الْجَهَالَةِ بِرِوَايَةِ عَدْلٍ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَهُوَ فِيمَا رَوَاهُ قَبِيصَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ عَنْ مُكَاتَبٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ يُقَالُ لَهُ نَبْهَانُ فَذَكَرَ هذا الحديث
هكذا قاله بن خُزَيْمَةَ عَنْ قَبِيصَةَ
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مُكَاتَبٌ يُقَالُ لَهُ نَبْهَانُ
([٣٩٢٩] بَابٌ في بيع المكاتب)
بِفَتْحِ التَّاءِ (إِذَا فُسِخَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (الْمُكَاتَبَةُ) وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ
(فِي كِتَابَتِهَا) أَيْ فِي مَالِ كِتَابَتِهَا (إِلَى أَهْلِكَ) أَيْ سَادَاتِكَ (وَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ السَّابِقِ (وَلَاؤُكَ) أَيْ وَلَاءُ الْعِتْقِ لِي وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ وَرِثَهُ مُعْتَقُهُ وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
قَالَ مَالِكٌ إِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ فَعُتِقَ فَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ مِمَّنْ كَاتَبَهُ مِنَ الرِّجَالِ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمُكَاتَبُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ انْتَهَى (فَعَلْتُ) وَهَذَا جَوَابُ الشَّرْطِ
وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا أَدَّتْ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَكَيْفَ تَطْلُبُ وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهَا وَقَدْ أَزَالَ هَذَا الْإِشْكَالَ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ حَيْثُ قَالَ أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ غَرَضَهَا أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقُهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ (فَأَبَوْا) أَيِ امْتَنَعُوا أَيْ يَكُونُ الْوَلَاءُ لِعَائِشَةَ (إِنْ شَاءَتْ) عَائِشَةُ (أَنْ تَحْتَسِبَ) الْأَجْرَ (عَلَيْكِ) عِنْدَ اللَّهِ (وَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى أَنْ تَحْتَسِبَ (لَنَا وَلَاؤُكِ) لَا لَهَا (فَذَكَرَتْ) عَائِشَةُ (ابْتَاعِي) أَيِ ابْتَاعِيهَا (فَأَعْتِقِي) أَيْ فَأَعْتِقِيهَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ اشْتَرِي مَعَ ذَلِكَ الشَّرْطِ قَالُوا إِنَّمَا كَانَ خُصُوصِيَّتُهُ لِيُظْهِرَ لهم إبطال
стр. 3525
الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ أَصْلًا انْتَهَى (مَا بَالُ) أَيْ مَا حَالُ (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَشَرَعَهُ لَهُمْ
قَالَ أَبُو خُزَيْمَةَ أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ فَالشُّرُوطُ الْمَشْرُوعَةُ صَحِيحَةٌ وَغَيْرُهَا بَاطِلٌ (أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) لَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِمَا عَلَى بَابِهِ فَالْمُرَادُ أَنَّ شَرْطَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ وَالْقَوِيُّ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَعْجَزْ نَفْسُهُ وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ بِأَنَّهَا عَجَزَتْ نَفْسُهَا لِأَنَّهَا اسْتَعَانَتْ بِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ
وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِعَانَتِهَا مَا يَسْتَلْزِمُ الْعَجْزَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ كِتَابَةِ مَنْ لَا مَالَ عِنْدَهُ وَلَا حِرْفَةَ له
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ وَلَا أَخْبَرَتْ بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ اسْتِفْصَالُ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى
لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا رَضِيَ أَهْلُهَا بِالْبَيْعِ وَرَضِيَتِ الْمُكَاتَبَةُ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلْكِتَابَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٣٩٣٠] (أُوقِيَّةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (فَأَعِينِينِي) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ الْإِعَانَةِ هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ﵀ (أَنْ أَعُدَّهَا) أَيِ الْأَوَاقِي (وَأُعْتِقَكِ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى أَعُدَّهَا (وَسَاقَ) أَيْ هِشَامٌ (الْحَدِيثَ نَحْوَ الزُّهْرِيِّ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ
стр. 3526
ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ مَا بَالُ رِجَالٍ منكم يقول أحدهم أعتق يافلان وَلِيَ الْوَلَاءُ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ انْتَهَى
(إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِإِنَّمَا إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ فَلَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ
وَفِيهِ جَوَازُ سَعْيِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ وَاكْتِسَابِهِ وَتَمْكِينُ السَّيِّدِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إِذَا عُرِفَتْ جِهَةُ حِلِّ كَسْبِهِ وَأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حِينِ الْكِتَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ عَجْزُهُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَهُ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِ مَالِ الْكِتَابَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي خَبَرِ بَرِيرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي ابْتِيَاعِهَا بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهَا تَسْتَعِينُ بِهَا فِي ذَلِكَ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهَا قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِهَا
وَتَأَوَّلَ الْخَبَرَ مَنْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاؤُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتِقٍ
وَكَلِمَةُ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ جَمِيعًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
[٣٩٣١] (عن بن إِسْحَاقَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ بِالْعَنْعَنَةِ وَرَوَى يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كَذَا فِي أُسْدِ الْغَابَةِ وهكذا في الإصابة عن المغاري لِابْنِ إِسْحَاقَ (وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَافِعِ بْنِ صَفْوَانَ (بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَكَانَ الْحَارِثُ سَيِّدَ قَوْمِهِ (شَمَّاسٍ) بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ وكان ثابت
стр. 3527
خَطِيبَ الْأَنْصَارِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ بَشَّرَهُ ﷺ بالجنة
وعند بن إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (أو بن عَمٍّ لَهُ) أَيْ لِثَابِتٍ هَكَذَا بِأَوِ الَّتِي لِلشَّكِّ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَكَذَا فِي الْمَغَازِي وَذَكَرَهُ الواقدي بالواو للشركة وأنه خلصها من بن عَمِّهِ بِنَخَلَاتٍ لَهُ بِالْمَدِينَةِ وَسَيَجِيءُ لَفْظُهُ (عَلَى نَفْسِهَا) بِتِسْعِ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ (وَكَانَتِ امْرَأَةً مَلَّاحَةً) أَيْ مَلِيحَةً
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَعَالٌ يَجِيءُ فِي النُّعُوتِ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ فإذا شددوا كَانَ أَبْلَغَ فِي التَّوْكِيدِ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ مَلَّاحَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرُ مَلُحَ بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ ذَاتُ بَهْجَةٍ وَحُسْنِ مَنْظَرٍ انْتَهَى
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ امْرَأَةٌ مَلَّاحَةٌ أَيْ شَدِيدَةُ الْمَلَاحَةِ وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ
وَفِي كِتَابِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَكَانَتِ امْرَأَةً مَلَّاحَةً أَيْ ذَاتَ مَلَاحَةٍ وَفُعَالٌ مُبَالَغَةٌ فِي فَعِيلٍ نَحْوُ كَرِيمٍ وَكُرَامٍ وَكَبِيرٍ وَكُبَارٍ وَفُعَّالٌ مُشَدَّدٌ أَبْلَغُ مِنْهُ انْتَهَى (تأخذها العين) وعند بن إِسْحَاقَ وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مَلَّاحَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ (فِي كِتَابَتِهَا) أَيْ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا (كَرِهْتُ مَكَانَهَا) خَوْفًا أَنْ يَرْغَبَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَنْكِحُهَا لِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا وَكَانَتِ ابْنَةَ عِشْرِينَ سنة (الذي رأيت) من حسنها وملاحتها (يارسول اللَّهِ) زَادَ الْوَاقِدِيُّ إِنِّي امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ الله (بنت الحارث) سيد قومه (مالا يخفى عليك) وعند بن إِسْحَاقَ وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَايَا مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ (وَإِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي) وَلِلْوَاقِدِيِّ ووقعت في سهم ثابت وبن عَمٍّ لَهُ فَخَلَّصَنِي مِنْهُ بِنَخَلَاتٍ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فكاتبني على مالا طَاقَةَ لِي بِهِ وَلَا يَدَانِ لِي وَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ تِسْعُ أَوَاقٍ مِنَ الذَّهَبِ وَمَا أَكْرَهَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي رَجَوْتُكَ (فَهَلْ لَكَ) مَيْلٌ (خَيْرٌ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا تَسْأَلِينَ (وَأَتَزَوَّجُكِ) قَالَ الشَّامِيُّ نَظَرَهَا ﷺ حَتَّى عَرَفَ حُسْنَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً مَا مَلَأَ عَيْنَهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ النَّظَرُ إِلَى الْإِمَاءِ أو لأن مراده نكاحها (قالت) نعم يارسول اللَّهِ (قَدْ فَعَلْتُ) زَادَ الْوَاقِدِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَطَلَبَهَا مِنْهُ فَقَالَ ثَابِتٌ هي لك
стр. 3528
يارسول اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي
فَأَدَّى ﷺ مَا كَانَ مِنْ كِتَابَتِهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا (فَتَسَامَعَ تَعْنِي النَّاسُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ
قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ تَسَامَعَ بِهِ النَّاسُ أَيْ عِنْدَهُمْ (مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ) الْبَاقِي بِأَيْدِيهِمْ بِلَا فِدَاءٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُمْ وَرَجَعُوا بِهِمْ إِلَى بِلَادِهِمْ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فَدَوْا جُمْلَةً مِنْهُمْ وَأَعْتَقَ الْمُسْلِمُونَ الْبَاقِيَ لَمَّا تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ (وَقَالُوا) هُمْ (أَصْهَارُ) أَوْ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَرْسِلُوا أَوْ أَعْتِقُوا أَصْهَارَ (فِي سَبْيِهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسَبْيِهَا (مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ) بِالْإِضَافَةِ أَيْ مِائَةُ طَائِفَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُ بَيْتٍ وَلَمْ تَقُلْ مِائَةٌ هُمْ أَهْلُ بَيْتٍ لِإِيهَامِ أَنَّهُمْ مِائَةُ نَفْسٍ كُلُّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ وَلَيْسَ مُرَادًا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ
وَفِي أُسْدِ الْغَابَةِ وَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَبَهَا وَقَسَمَ لَهَا وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جويرية
رواه شعبة ومسعر وبن عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آل طلحة عن كريب مولى بن عباس عن بن عَبَّاسٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا) الْحَدِيثُ (حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ يُزَوِّجُ) وَلَوْ (نَفْسَهُ) الْمَرْأَةَ الَّتِي هُوَ وَلِيُّهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ سُلْطَانًا وَلَا وَلِيَّ لَهَا وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لاولي لَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ أبو عوانة وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
وَأَيْضًا كَانَ ﷺ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ لَهَا وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَلِيٌّ لِمُعْتَقِهِ لِكَوْنِهِ عَصَبَةً لَهُ فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ وَلِيًّا لَهَا وَقَدْ زَوَّجَهَا نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْوَلِيَّ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ
وَمَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ هُوَ قَوْلُهُ ﷺ وَأَتَزَوَّجُكِ
فَإِنْ قُلْتَ قد روى بن سَعْدٍ فِي مُرْسَلِ أَبَى قِلَابَةَ قَالَ سَبَى ﷺ جُوَيْرِيَةَ يَعْنِي وَتَزَوَّجَهَا فَجَاءَ أَبُوهَا فَقَالَ إِنَّ ابْنَتِي لَا يُسْبَى مِثْلُهَا فَخَلِّ سَبِيلَهَا فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ خَيَّرْتُهَا أَلَيْسَ قَدْ أَحْسَنْتُ قَالَ بَلَى فَأَتَاهَا أَبُوهَا فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ خَيَّرَكِ فَلَا تَفْضَحِينَا قَالَتْ فَإِنِّي أَخْتَارُ
стр. 3529
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ كَذَا فِي الْإِصَابَةِ وَشَرْحِ الْمَوَاهِبِ فَفِيهِ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ التَّزْوِيجِ
قُلْتُ أَبُوهَا وَإِنْ أَسْلَمَ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِسْلَامُهُ قَبْلَ هَذَا التَّزْوِيجِ فَكَانَتْ كَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا بَلْ يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ أَبِي جُوَيْرِيَةَ ﵁ إِنَّ إِسْلَامَهُ بَعْدَ هَذَا التَّزْوِيجِ وَاللَّهُ أعلم
وقال بن هِشَامٍ وَيُقَالُ اشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَأَعْتَقَهَا وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ انْتَهَى
([٣٩٣٢] بَابٌ فِي الْعِتْقِ)
على شرط وفي نسخة على الشرط وبوب بن تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً
(أُعْتِقُكَ) أَيْ أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَكَ (أن تخدم) تضم الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (مَا عِشْتَ) أَيْ مَا دُمْتَ تَعِيشُ فِي الدُّنْيَا (مَا فَارَقْتُ) أَيْ لَمْ أُفَارِقْ (مَا عِشْتُ) أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِي (وَاشْتَرَطَتْ) أم سلمة (على) ولفظ أحمد وبن مَاجَهْ عَنْ سَفِينَةَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَعْتَقَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ وَشَرَطَتْ عَلَيَّ أَنْ أَخْدُمَ النَّبِيَّ ﷺ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا وَعْدٌ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يُصَحِّحُونَ إِيقَاعَ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُلَاقِي مِلْكًا وَمَنَافِعُ الْحُرِّ لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ إِلَّا فِي الْإِجَارَةٍ أَوْ فِي مَعْنَاهَا انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ أُعْتِقُكَ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا فَقَبِلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ خِدْمَةُ شَهْرٍ وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي أَبَدًا أَوْ مُطْلَقًا فَقَبِلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ لِلْمَوْلَى وَهَذَا الشَّرْطُ إِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِالْعِتْقِ فَعَلَى الْعَبْدِ الْقِيمَةُ وَلَا خِدْمَةَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ انْتَهَى
стр. 3530
وَفِي النَّيْلِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صحة العتق المعلق على شرط
قال بن رُشْدٍ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يتم عتقه إلا بخدمته
قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هذا فكان بن سِيرِينَ يُثْبِتُ الشَّرْطَ فِي مِثْلِ هَذَا وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ فَقَالَ يَشْتَرِي هَذِهِ الْخِدْمَةَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ قِيلَ لَهُ يَشْتَرِي بِالدِّرْهَمِ قَالَ نَعَمْ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَا بَأْسَ بِأَسْنَادِهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ أَبُو حَفْصٍ الْأَسْلَمِيُّ الْبَصْرِيُّ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ انْتَهَى
([٣٩٣٣] بَاب فيمن أعتق نصيبا له عن مَمْلُوكٍ)
(أَبُو الْوَلِيدِ) الطَّيَالِسِيُّ فِي إِسْنَادِهِ (عَنْ أَبِيهِ) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ مُرْسَلًا (شِقْصًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ سَهْمًا وَنَصِيبًا مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا قَالَ السُّيُوطِيُّ شِقْصًا أَوْ شَقِيصًا كِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ النَّصِيبُ فِي الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ إِعْتَاقِ شِقْصٍ (لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ) أَيِ الْعِتْقُ لِلَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ كُلُّهُ وَلَا يَجْعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى (فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ عِتْقَهُ) أَيْ حَكَمَ بِعِتْقِهِ كُلِّهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّ السَّيِّدَ وَالْمَمْلُوكَ فِي كَوْنِهِمَا مَخْلُوقَيْنِ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ وَجَعَلَهُ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ تَمْتِيعًا فَإِذَا رَجَعَ بَعْضُهُ إِلَى الْأَصْلِ سَرَى بِالْغَلَبَةِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ إِذْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ انْتَهَى
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتِقَ جَمِيعَ عَبْدِهِ فَإِنَّ الْعِتْقَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ فَيَكُونُ أَمْرُ سَيِّدِهِ نَافِذًا فِيهِ بَعْدُ فَهُوَ كَشَرِيكٍ لَهُ تَعَالَى صُورَةٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِنَا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكِهِ فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ خَلَاصَهُ عَلَيْهِ فِي ماله وقال ليس لله عزوجل شَرِيكٌ
وَفِي لَفْظٍ لَهُ هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ انْتَهَى
стр. 3531
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ يُعْتَقُ كُلُّهُ إِذَا أُعْتِقَ الشِّقْصُ مِنْهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِتْقِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ وَأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَلَا عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ وَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ عِتْقَهُ وَقَالَ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ فَنَفَى أَنْ يُقَارِنَ الْمِلْكُ الْعِتْقَ وَأَنْ يَجْتَمِعَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافٍ عَلَى مَا وَرَدَ بَيَانُهُ فِي السُّنَّةِ انْتَهَى
وَسِيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ أَرْسَلَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَسَاقَهُ عَنْهُمَا مُرْسَلًا وَقَالَ هِشَامٌ وَسَعِيدٌ أَثْبَتُ مِنْ هَمَّامٍ فِي قَتَادَةَ وَحَدِيثُهُمَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَبُو الْمَلِيحِ اسْمُهُ عَامِرٌ وَيُقَالُ عُمَرُ وَيُقَالُ زَيْدٌ وَهُوَ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُوهُ أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ هُذَلِيٌّ بَصْرِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ أَبِي الْمَلِيحِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ كُلُّهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ انْتَهَى
[٣٩٣٤] (شَقِيصًا) بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الْقَافِ فَالشِّقْصُ وَالشَّقِيصُ مِثْلُ النِّصْفِ وَالنَّصِيفِ وَهُوَ الْقَلِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَقِيلَ هُوَ النَّصِيبُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الشِّقْصُ وَالسَّهْمُ وَالنَّصِيبُ وَالْحَظُّ كُلُّهُ وَاحِدٌ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ بَيَانِهِ (غَرَّمَهُ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَالْغَرَامَةُ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَنْصُوبُ إِلَى الرَّجُلِ الْمُعْتِقِ بِكَسْرِ التَّاءِ (بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ) أَيْ ثَمَنِ الْعَبْدِ لِشَرِيكِهِ غَيْرِ الْمُعْتِقِ أَيْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَرَامَةَ الشَّرِيكِ لِبَقِيَّةِ ثَمَنِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُعْتِقِ
[٣٩٣٥] (فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ) أَيْ فَعَلَى الْمُعْتِقِ خَلَاصُ الْعَبْدِ كُلِّهِ مِنَ الرِّقِّ
[٣٩٣٦] (عَتَقَ) أَيِ الْعَبْدُ
стр. 3532
(مِنْ مَالِهِ) أَيِ الْمُعْتِقِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَةَ الْبَاقِي مِنْ حِصَّةِ الْعَبْدِ مِنْ مَالِهِ (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) أَيْ يَبْلُغُ قِيمَةَ بَاقِيهِ
وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَبَرِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ وَبَيْنَ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ غَنِيًّا أَوْ مَا إِذَا كَانَ جَمِيعُهُ لَهُ فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ بِأَتَمِّ وَجْهٍ مَعَ ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
([٣٩٣٧] بَابُ مَنْ ذَكَرَ السِّعَايَةَ)
فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمَّا اخْتُلِفَ عَلَى قَتَادَةَ بِذِكْرِ السِّعَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ذِكْرَ السِّعَايَةِ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هريرة من قول النبي وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ فَلِذَا عَقَدَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْبَابَ
стр. 3533
(فِي مَمْلُوكِهِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُعْتِقِ (أَنْ يُعْتِقَهُ) أَيْ مَمْلُوكًا (إِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُعْتِقِ (مَالٌ) يَبْلُغُ قِيمَةَ بَقِيَّةِ الْعَبْدِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي أَعْتَقَ مَالٌ (اسْتُسْعِيَ) بِضَمِّ تَاءِ الِاسْتِفْعَالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ أُلْزِمَ وَمَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ أَنْ يُكَلَّفَ الْعَبْدُ الِاكْتِسَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى يُحَصِّلَ قِيمَةَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ عَتَقَ هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (الْعَبْدُ) السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِ الْقَدْرِ الَّذِي يَخْلُصُ بِهِ بَاقِيهِ مِنَ الرِّقِّ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) فِي الِاكْتِسَابِ إِذَا عَجَزَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 3534
[٣٩٣٨] (فَخَلَاصُهُ) كُلُّهُ مِنَ الرِّقِّ (فِي مَالِهِ) بِأَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَةَ بَاقِيهِ مِنْ مَالِهِ (قُوِّمَ) بِضَمِّ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (قِيمَةَ عَدْلٍ) بِأَنْ لَا يُزَادَ قِيمَتَهُ وَلَا يَنْقُصَ (ثُمَّ اسْتُسْعِيَ) أَيْ أُلْزِمَ الْعَبْدُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُعْتِقٍ لِحِصَّتِهِ (فِي قِيمَتِهِ) الْعَبْدُ (غَيْرَ مَشْقُوقٍ) فِي الِاكْتِسَابِ إِذَا عَجَزَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ أَيْ غَيْرَ مكلف عليه في الا كتساب بَلْ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ بِالِاسْتِسْعَاءِ قَدْرَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بِلَا تَشْدِيدٍ فَإِذَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَتَقَ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَخْذِ بِالِاسْتِسْعَاءِ إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ معسرا
стр. 3535
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِالِاسْتِسْعَاءِ إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَآخَرُونَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْأَكْثَرُ يَعْتِقُ جَمِيعُهُ فِي الْحَالِ وَيَسْتَسْعِي الْعَبْدُ فِي تَحْصِيلِ قِيمَةِ نصيب الشريك
وزاد بن أَبِي لَيْلَى فَقَالَ ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ بِمَا أَدَّاهُ لِلشَّرِيكِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ الِاسْتِسْعَاءِ وَبَيْنَ عِتْقِ نَصِيبِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً إِلَّا النَّصِيبُ الْأَوَّلُ فَقَطْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُكَاتَبِ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَإِنْ شَاءَ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ فَإِذَا أَدَّاهَا عَتَقَ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ نِصْفَ الْقِيمَةِ فَإِذَا أَدَّاهَا عَتَقَ وَرَجَعَ بِهَا الْمُضَمَّنُ عَلَى الْعَبْدِ فَاسْتَسْعَاهُ فِيهَا وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ فَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ
وحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يرى بتجزيء الْعِتْقِ وَأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ انْتَهَى
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا) أي في حديث يزيد بني زُرَيْعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ كِلَيْهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ذِكْرُ الِاسْتِسْعَاءِ
[٣٩٣٩] (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) هو بن سَعِيدٍ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ
стр. 3536
بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ كُلُّهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غير مشقوق عليه (وبن أَبِي عَدِيٍّ فَيَزِيدُ بْنُ) زُرَيْعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بشر العبدي ويحيى بن سعيد القطان وبن أَبِي عَدِيٍّ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ سَعِيدِ بن أبي عروبة بِذِكْرِ الِاسْتِسْعَاءِ بَلْ رَوَى بِذِكْرِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ
وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ
وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيُّ
وَرَوْحُ بْنُ عبادة وحديثه عند الطحاوي كلهم عن بن أَبِي عَرُوبَةَ
وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِذِكْرِ السِّعَايَةِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ (رَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ لَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ
وَعِنْدَ الطحاوي من رواية روح عن بن أبي عروبة بذكر السعاية وكذا ذكره بن عَبْدِ الْبَرِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3537
(وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ فِي الرَّقِيقِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ بِلَفْظِ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هريرة عن النبي قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ السَّرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ بِلَفْظِ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ وَكَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ أُعْتِقَ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ) بِالْخَاءِ وَاللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ الْعَمِّيُّ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
стр. 3538
قَالَ الْحَافِظُ وَأَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ فَوَصَلَهَا الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَفَرٍ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُطَهَّرٍ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ وَلَفْظُهُ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ لَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ يَحْيَى بن سعيد وبن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السِّعَايَةَ
وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ فَذَكَرَ فِيهِ السِّعَايَةَ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ اضْطَرَبَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي السِّعَايَةِ مَرَّةً يَذْكُرُهَا وَمَرَّةً لَا يَذْكُرُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ هَمَّامٌ وَبَيَّنَهُ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذلك حديث بن عُمَرَ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السِّعَايَةَ
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ أَثْبَتُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَلَى خِلَافِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَرِوَايَتُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَشْبَهُ
стр. 3539
بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَمَّامًا رَوَى هذا الحديث عن قتادة فجعل الكلام الأخير قوله وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ قَوْلَ قَتَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَحَادِيثُ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَتَبَهَا إِمْلَاءً
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ وَهُمَا أَثْبَتُ فَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الِاسْتِسْعَاءَ وَوَافَقَهُمَا هَمَّامٌ وَفَصَلَ الِاسْتِسْعَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ فَجَعَلَهُ مِنْ رَأْيِ قَتَادَةَ
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ مَا أَحْسَنَ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ وَضَبَطَهُ وَفَصَلَ بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ وَبَيْنَ قَوْلِ قَتَادَةَ
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوا السِّعَايَةَ أَثْبَتُ مِمَّنْ ذَكَرَهَا
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا
مَنْ أَسْقَطَ السِّعَايَةَ أَوْلَى مِمَّنْ ذَكَرَهَا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَقَدِ اجتمع ها هنا شُعْبَةُ مَعَ فَضْلِ حِفْظِهِ وَعِلْمِهِ بِمَا سَمِعَ قَتَادَةُ وَمَا لَمْ يَسْمَعْ وَهِشَامٌ مَعَ فَضْلِ حفيظه وَهَمَّامٌ مَعَ صِحَّةِ كِتَابِهِ وَزِيَادَةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا ليس من الحديث على خلاف بن أَبِي عَرُوبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي إِدْرَاجِ السِّعَايَةِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي هَذَا مَا يُضَعِّفُ ثُبُوتَ الإستسعاء بالحديث
стр. 3540
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْخَطِيبِ أَنَّ أَبَا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ قَالَ رَوَاهُ هَمَّامٌ وَزَادَ فِيهِ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَمَيَّزَهُ مِنْ كَلَامِ النبي انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ بن الْعَرَبِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ من قول النبي وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ
وَنَقَلَ الْخَلَّالُ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَةَ سَعِيدٍ فِي الِاسْتِسْعَاءِ
وَضَعَّفَهَا أَيْضًا الْأَثْرَمُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مُسْنَدًا وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ على ما رواه همام
وقال بن الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ هَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ مِنْ فُتْيَا قَتَادَةَ لَيْسَ فِي الْمَتْنِ انْتَهَى
وَفِي عُمْدَةِ القارىء قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى خِلَافِ مَا
следующие страницы →