Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ مَكِّيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بحديثه
[٤٠٤٨] (لا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ وَاوٌ خَفِيفَةٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْأُرْجُوَانُ الْأَحْمَرُ وَأَرَاهُ أَرَادَ بِهِ الْمَيَاثِرَ الحمر وقد تتخذ مِنْ دِيبَاجٍ وَحَرِيرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنِ السَّرَفِ وَلَيْسَتْ مِنْ لِبَاسِ الرِّجَالِ (وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ) أَيِ الْمَصْبُوغَ بالعصفر قال القارىء وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ وَقَبْلَهُ
فَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ (وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ) الْمُكَفَّفُ بِفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيِ الَّذِي عُمِلَ عَلَى ذَيْلِهِ وَأَكْمَامِهِ وَجَيْبِهِ كِفَافٌ مِنْ حَرِيرٍ وَكُفَّةُ كُلِّ شَيْءٍ بِالضَّمِّ طَرَفُهُ وَحَاشِيَتُهُ وَكُلُّ مُسْتَدِيرٍ كِفَّةٌ بِالْكَسْرِ كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ وَكُلُّ مُسْتَطِيلٍ كُفَّةٌ كَكُفَّةِ الثَّوْبِ
قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَسْمَاءَ لَهَا لبة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج وقالت هذه جبة رسول الله رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَلْبَسِ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَجَمُّلٍ وَتَرَفُّهٍ وربما لبس الجبة المكففة
قال القارىء وَالْأَظْهَرُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَدْرَ مَا كَفَّ هُنَا أَكْثَرُ مِنَ الْقَدْرِ الْمُرَخَّصِ ثَمَّةَ وَهُوَ أَرْبَعُ أَصَابِعٍ أَوْ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى وَذَاكَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَالْفَتْوَى وَقَبْلَ هَذَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى لُبْسِ الْجُبَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَوْمَأَ) أَيْ أَشَارَ (الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ (إِلَى جَيْبِ قَمِيصِهِ) الْجَيْبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وسكون التحتانية بعدها موحدة هو ما يُقْطَعُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الرَّأْسُ أَوِ الْيَدُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ (قَالَ) أَيْ عِمْرَانُ بن حصين (وقال) أي رسول الله (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (وَطِيبُ الرِّجَالِ) أَيِ الْمَأْذُونُ فِيهِ (رِيحٌ) أَيْ مَا فِيهِ رِيحٌ (لَا لَوْنَ لَهُ) كَمِسْكٍ وَكَافُورٍ وَعُودٍ (وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ) كَالزَّعْفَرَانِ وَالْخَلُوقِ (قَالَ سَعِيدٌ) أي بن أَبِي عَرُوبَةَ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ (قال إنما حملوا) أي العلماء (قوله) (فِي طِيبِ النِّسَاءِ) يَعْنِي وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ (إِذَا خَرَجَتْ) أَيْ مِنْ بَيْتِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهَا التَّطَيُّبُ بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهَا (بِمَا شَاءَتْ) أَيْ بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ أَوْ لا
стр. 3642
قال المنذري وأخرج الترمذي أن النبي قَالَ إِنَّ خَيْرَ طِيبِ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَخَيْرُ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ وَنَهَى عَنْ مِيثَرَةِ الْأُرْجُوَانِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
[٤٠٤٩] (يَعْنِي الْهَيْثَمَ بْنَ شَفِيٍّ) بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ بِوَزْنِ عَلِيٍّ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ الْحَافِظُ (مِنَ الْمَعَافِرِ) فِي الْقَامُوسِ مَعَافِرَ بَلَدٌ وَأَبُو حَيٍّ مِنْ حَمْدَانَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ المراد هنا هو الأول (لنصلي) علة لقوله خرجت (بإيليا) عَلَى وَزْنِ كِيمْيَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَكَانَ قَاصَّهُمْ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَ وَالْقَاصُّ مَنْ يَأْتِي بِالْقِصَّةِ وَالْمُرَادُ مِنْ قَاصَّهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ (رَجُلٌ) اسْمُ كَانَ (إِلَى جَنْبِهِ) أَيْ إِلَى جَنْبِ صَاحِبِي (أَدْرَكْتُ قَصَصَ أَبِي رَيْحَانَةَ) أَيْ وَعْظَهُ وَبَيَانَهُ (عَنْ عَشْرٍ) أَيْ عَشْرِ خِصَالٍ (عَنِ الْوَشْرِ) بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ وَهُوَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ تَحْدِيدُ الْأَسْنَانِ وَتَرْقِيقُ أَطْرَافِهَا تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ تَتَشَبَّهُ بِالشَّوَابِّ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنِ التَّغْرِيرِ وَتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ (وَالْوَشْمِ) وَهُوَ أَنْ يُغْرَزَ الْجِلْدُ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ يُحْشَى بِكُحْلٍ أَوْ نِيلٍ فَيَزْرَقُّ أَثَرُهُ أَوْ يَخْضَرُّ (وَالنَّتْفِ) أَيْ وَعَنْ نَتْفِ النِّسَاءِ الشُّعُورَ مِنْ وُجُوهِهِنَّ أَوْ نَتْفِ اللِّحْيَةِ أَوِ الْحَاجِبِ بِأَنْ يُنْتَفَ الْبَيَاضُ مِنْهُمَا أَوْ نَتْفُ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ (وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ ثَوْبٍ يَتَّصِلُ بِشَعْرِ الْبَدَنِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يُضَاجِعَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا حَاجِزَ بَيْنهُمَا
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُكَامَعَةُ هِيَ الْمُضَاجَعَةُ
وَرَوَى أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عن بن الْأَعْرَابِيِّ قَالَ الْمُكَامَعَةُ مُضَاجَعَةُ الْعُرَاةِ الْمُحَرَّمِينَ (وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ) أَيْ فِي ذَيْلِهَا وَأَطْرَافِهَا (حَرِيرًا) أَيْ كَثِيرًا زَائِدًا عَلَى أربع أصابع لما مر من جوازه وبدل عَلَيْهِ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ (مِثْلُ الْأَعَاجِمِ) أَيْ مِثْلُ ثِيَابِهِمْ فِي تَكْثِيرِ سِجَافِهَا وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهَا أَيْضًا عَلَى ظِهَارَةِ ثِيَابِهِمْ تَكَبُّرًا وَافْتِخَارًا
стр. 3643
قَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي لُبْسَ الْحَرِيرِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ سَوَاءً كَانَتْ تَحْتَ الثِّيَابِ أَوْ فَوْقَهَا وَعَادَةُ جُهَّالِ الْعَجَمِ أَنْ يَلْبَسُوا تَحْتَ الثِّيَابِ ثَوْبًا قَصِيرًا مِنَ الْحَرِيرِ لِيُلَيِّنَ أَعْضَاءَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ (أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا) أَيْ علما من حرير زائدا عَلَى قَدْرِ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ (وَعَنِ النُّهْبَى) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى النَّهْبِ وَالْإِغَارَةِ وَقَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا يُنْهَبُ وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ إِغَارَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَرُكُوبِ النُّمُورِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ نِمْرٍ أَيْ جُلُودِهَا قِيلَ لِأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ (وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ) بِضَمِّ اللَّامِ مَصْدَرٌ كَالدُّخُولِ وَالْخَاتِمُ بِكَسْرِ التاء ويفتح (إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِثْمًا كُرْهُ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِينَةً مَحْضَةً لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِإِرْبٍ غَيْرِ الزِّينَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي رَيْحَانَةَ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَأَبَاحُوهُ ومن حجتهم حديث أنس أن النبي لَمَّا أَلْقَى خَاتَمَهُ أَلْقَى النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ فِي العهد النبوي من ليس ذا سلطان
قان قِيلَ هُوَ مَنْسُوخٌ قُلْنَا الَّذِي نُسِخَ مِنْهُ خَاتَمُ الذَّهَبِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَوَاتِمَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ انْتَهَى
وَلَمْ يَجِبْ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لُبْسَهُ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّزَيُّنِ وَاللَّائِقُ بِالرِّجَالِ خِلَافُهُ وَتَكُونُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْجَوَازِ هِيَ الصَّارِفَةُ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ نَهَى عَنِ الزِّينَةِ وَالْخَاتَمِ الْحَدِيثَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ مَنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ عَلَيْهِ لَا السُّلْطَانُ الْأَكْبَرُ خَاصَّةً وَالْمُرَادُ بِالْخَاتَمِ مَا يَخْتِمُ بِهِ فَيَكُونَ لُبْسُهُ عَبَثًا وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخَاتَمَ الَّذِي لَا يَخْتِمُ بِهِ وَكَانَ مِنَ الْفِضَّةِ لِلزِّينَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَالُ مَنْ لَبِسَهُ
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ فَضَعَّفَهُ انْتَهَى كَلَامُ الحافظ باختصار
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَفِيهِ مَقَالٌ وَأَبُو رَيْحَانَةَ هَذَا اسْمُهُ شَمْعُونَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ شَمْغُونَ بِالشِّينِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ وَقِيلَ قُرَشِيٌّ وَيُقَالُ لَهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ قَدِمَ بُصْرَةَ وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ
[٤٠٥٠] (قَالَ نَهَى) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بسند صحيح
стр. 3644
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ نُهِيَ عَنْ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ هَكَذَا عِنْدَهُمْ بِلَفْظِ نُهِيَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ انْتَهَى (عَنْ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ) جَمْعُ مِيثَرَةٍ بِالْكَسْرِ وَهِيَ مِفْعَلَةٌ مِنَ الوثارة بالمثلثة وكان أصلها مؤثرة قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً كَمِيزَانٍ
قَالَ إِمَامُ الْمُحَدِّثِينَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ الْمِيثَرَةُ كَانَتِ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَهُ لِبُعُولَتِهِنَّ أَمْثَالَ الْقَطَائِفِ يَصُفُّونَهَا
قَالَ الْحَافِظُ مَعْنَى يَصُفُّونَهَا أَيْ يَجْعَلُونَهَا كَالصُّفَّةِ
وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَالْمِيثَرَةُ مرفقة كصفة السرج
وقال الطبري هو وطأ يُوضَعُ عَلَى سَرْجِ الْفَرَسِ أَوْ رَحْلِ الْبَعِيرِ كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْأُرْجُوَانِ الْأَحْمَرِ وَمِنِ الدِّيبَاجِ وَكَانَتْ مَرَاكِبُ الْعَجَمِ انْتَهَى
وَالْأُرْجُوَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ هُوَ الصُّوفُ الْأَحْمَرُ كَذَا قال بن رَسْلَانَ وَقِيلَ الْأُرْجُوَانُ الْحُمْرَةُ وَقِيلَ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةُ وَقِيلَ الصِّبَاغُ الْأَحْمَرُ
ذَكَرَهُ فِي النَّيْلِ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ الْأُرْجُوَانُ صِبْغٌ أَحْمَرُ وَيُتَّخَذُ كَالْفِرَاشِ الصَّغِيرِ وَيُحْشَى بِقُطْنٍ يَجْعَلُهَا الرَّاكِبُ تَحْتَهُ عَلَى الرِّحَالِ فَوْقَ الْجِمَالِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَيَاثِرُ السَّرْجِ لِأَنَّ النَّهْيَ يَشْمَلُ كُلَّ مِيثَرَةٍ حَمْرَاءَ كَانَتْ عَلَى رَحْلٍ أَوْ سَرْجٍ انْتَهَى
وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَلَكِنْ وُجِدَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ السُّنَنِ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ نَهَى عَنْ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ وَالسَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ انْتَهَى
[٤٠٥١] (عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ (وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ الْمِيثَرَةُ هِيَ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْرَاءُ يَجْعَلُهَا الرَّاكِبُ تَحْتَهُ وَالنَّهْيُ إِذَا كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ وَلِكَوْنِهَا مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمِيثَرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا حَمْرَاءَ فَالتَّقْيِيدُ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ بِنَاءٍ عَلَى التَّجْرِيدِ
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٤٠٥٢] (صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْخَمِيصَةُ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُعَلَّمُ الطَّرَفَيْنِ وَيَكُونُ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا فَلَيْسَ بِخَمِيصَةٍ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ ثَوْبُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعَلَّمٍ وَقِيلَ لَا تُسَمَّى خَمِيصَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ سوداء
стр. 3645
مُعَلَّمَةً وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ قَدِيمًا انْتَهَى (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) هُوَ عُبَيْدٌ وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِإِرْسَالِ الْخَمِيصَةِ لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي) أَيْ شَغَلَتْنِي يُقَالُ لَهِيَ بِالْكَسْرِ إِذَا غَفَلَ وَلَهَى بِالْفَتْحِ إِذَا لَعِبِ (آنِفًا) أَيْ قَرِيبًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنِ ائْتِنَافِ الشَّيْءِ أَيِ ابْتِدَائِهِ (فِي صَلَاتِي) أَيْ عَنْ كَمَالِ الْحُضُورِ فِيهَا (وَأَتَوْنِي بِأَنْبِجَانِيتِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ النُّونِ يَاءُ النِّسْبَةِ كِسَاءٌ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ لَهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَطْيِيبُ خَاطِرِهِ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ وَيَرَى أَنَّ هَدَيْتَهُ رد عليه
[٤٠٥٣] (أخبرنا سفيان) هو بن عُيَيْنَةَ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ (وَالْأَوَّلُ أَشْبَعُ) أَيِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَتَمُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ وَأَبُو جَهْمٍ اسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ عُبَيْدٌ
١ - (بَاب الرُّخْصَةِ فِي الْعَلَمِ وَخَيْطِ الْحَرِيرِ)
الْعَلَمُ مُحَرَّكَةٌ رَسْمُ الثَّوْبِ وَرَقْمُهُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَذَلِكَ كَالطِّرَازِ وَالسِّجَافِ
[٤٠٥٤] (اشْتَرَى ثَوْبًا شَامِيًّا فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَيْطَ كَانَ مِنَ الْحَرِيرِ (فَرَدَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الثَّوْبَ وَفِي رواية بن مَاجَهِ اشْتَرَى عِمَامَةً لَهَا عَلَمٌ فَدَعَا بِالْقَلَمَيْنِ فَقَصَّهُ وَلَعَلَّهُمَا قِصَّتَانِ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيِ اشْتِرَاءَ بن عُمَرَ الثَّوْبَ وَرَدَّهُ بَعْدَ مَا رَأَى فِيهِ الْخَيْطَ الْأَحْمَرَ (لَهَا) أَيْ لِأَسْمَاءَ ﵂ (نَاوِلِينِي) أَيْ أَعْطِينِي (فَأَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةَ) بإضافة جبة إلى طيالسة كما ذكره بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ
وَالطَّيَالِسَةُ جَمْعُ طَيْلَسَانَ وَهُوَ كِسَاءٌ غَلِيظٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجُبَّةَ غَلِيظَةٌ كأنها من
стр. 3646
طَيْلَسَانَ (مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ) أَيْ مُرَقَّعٌ جَيْبُهَا وَكُمَّاهَا وَفَرْجَاهَا بِشَيْءٍ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالْكَفُّ عَطْفُ أَطْرَافِ الثَّوْبِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ جَعَلَ لَهَا كُفَّةً بِضَمِّ الْكَافِ هُوَ مَا يُكَفُّ بِهِ جَوَانِبُهَا وَيُعْطَفُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّيْلِ وَفِي الْفَرْجَيْنِ وَفِي الْكُمَّيْنِ
قَالَ وَأَمَّا إِخْرَاجُ أَسْمَاءَ جُبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَصَدَتْ بِهَا بَيَانَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُحَرَّمًا
وَهَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الثَّوْبَ وَالْجُبَّةَ وَالْعِمَامَةَ وَنَحْوَهَا إِذَا كَانَ مَكْفُوفَ الطَّرَفِ بِالْحَرِيرِ جَازِمًا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعٍ فَإِنْ زَادَ فَهُوَ حَرَامٌ لِحَدِيثِ عُمَرَ يَعْنِي مَا مَرَّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ الْحَدِيثَ
قَالَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَثِيَابِهِمْ وَفِيهِ جواز لباس الجبة ولباس ماله فَرْجَانِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَكْرَهُ الْعَلَمَ مِنَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ وَيَقُولُ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَحَدِيثُ الْبَابِ وَحَدِيثُ عُمَرَ الْمَذْكُورِ يَدُلَّانِ عَلَى الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَهُوَ مَذْهَبُ الجمهور
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا
[٤٠٥٥] (عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَهُوَ الَّذِي جَمِيعُهُ حَرِيرٌ لَا يُخَالِطُهُ قُطْنٌ وَلَا غَيْرُهُ قاله بن رَسْلَانَ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ سَدَاهُ وَلُحْمَتُهُ مِنَ الْحَرِيرِ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ وَمُفَادُ الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ (وَسَدَى الثَّوْبِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالدَّالِ بِوَزْنِ الْحَصَى وَيُقَالُ سَتَى بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ بَدَلَ الدَّالِ لُغَتَانِ بِمَعْنَىً وَاحِدٍ وَهُوَ خِلَافُ اللَّحْمَةِ وَهِيَ الَّتِي تُنْسَجُ مِنَ الْعَرْضِ وَذَاكَ مِنَ الطُّولِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ السَّدَى مِنَ الْحَرِيرِ وَاللَّحْمَةُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ (فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّ تَمَامَ الثَّوْبِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِلُحْمَتِهِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ إِذَا كَانَ غَيْرَ الْحَرِيرِ الْأَغْلَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
وَذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَالتَّابِعِينَ كَابْنِ سِيرِينَ إِلَى تَحْرِيمِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ الْحَدِيثَ لِتَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ بِأَنَّهُ مَا خَالَطَ غَيْرُ الْحَرِيرِ فِيهِ الْحَرِيرَ كَمَا مَرَّ
قَالَ الْحَافِظُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ أَنَّهُ الَّذِي يُخَالِطهُ الْحَرِيرُ لَا أَنَّهُ الْحَرِيرُ الصِّرْفُ وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ الرُّخْصَةُ فِي الْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ قَالُوا إِذَا جَازَ الْحَرِيرُ الْخَالِصُ
стр. 3647
قدر أربع أصابع فما يَمْنَعُ مِنَ الْجَوَازِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ مفرقا كما في الثوب المختلط
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ كُلِّ مُخْتَلِطٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا كَانَ مَجْمُوعُ الْحَرِيرِ فِيهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ شَامِلًا لِلْخَالِصِ وَالْمُخْتَلِطِ وَبَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ أَرْبَعُ أَصَابِعٍ إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً وَيَلْتَحِقُ بِهَا فِي المعنى ما إذا كانت مختلطة
واستدل بن الْعَرَبِيِّ لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَرِيرِ حقيلة فِي الْخَالِصِ وَالْإِذْنَ فِي الْقُطْنِ وَنَحْوِهُ صَرِيحٌ فَإِذَا خُلِطَا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى حَرِيرًا بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَلَا تَشْمَلُهُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ خَرَجَ عَنِ الْمَمْنُوعِ فَجَازَ
وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَزِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا مَرَّ وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الْخَزِّ أَنَّهُ ثِيَابٌ سَدَاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهَا مِنْ غَيْرِهِ
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا أَحَدُ تَفَاسِيرِ الْخَزِّ وَقَدْ سَلَفَ الِاخْتِلَافُ فِي تَفْسِيرِهِ فَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ كَانَ مِنَ الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير كَذَا قَرَّرَ الْحَافِظُ
قُلْتُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ ما معناه أن الخز الذي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْلُوطٌ مِنْ صُوفٍ وَحَرِيرٍ وَلَكِنْ قَدْ ظَهَرَ لَكَ مِمَّا سَلَفَ أَنَّ الْخَزَّ حَرَامٌ وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مِنْ لُبْسِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إِبَاحَتُهُ فَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ لُبْسَ الْخَزِّ مُبَاحٌ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ لُبْسِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إِيَّاهُ عَلَى إِبَاحَةِ لُبْسِ مَا يُخَالِطُهُ الْحَرِيرُ
فَإِنْ قُلْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَقَدْ رَأَى عَلِيٌّ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ﷺ حِينَ أَتَاهُ لَابِسًا لَهَا كَمَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُخْتَلِطِ لِأَنَّ السِّيَرَاءَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ الَّتِي يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ
قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ الَّذِي يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّيَرَاءَ قَدْ تَكُونُ حَرِيرًا صِرْفًا وقد غَيْرَ مَحْضٍ فَالَّتِي فِي قِصَّةِ عُمَرَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ مَحْضٍ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَالَّتِي فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ لم تكن حريرا صرفا لما روى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً مُسَيَّرَةً بِحَرِيرٍ إِمَّا سَدَاهَا أَوْ لَحْمَتُهَا فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ مَا أَصْنَعُ بِهَا أَلْبَسُهَا قَالَ لَا أَرْضَى لَكَ إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي وَلَكِنِ اجْعَلْهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ قَالَ وَلَمْ يَقَعْ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ وَعِيدٌ عَلَى لُبْسِهَا كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ بَلْ لَا أَرْضَى لَكَ إِلَّا مَا أَرْضَى لِنَفْسِي
قَالَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ أَوْلَى مِنْ لُبْسهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ خَصِيفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
стр. 3648
قلت وفي التقريب ما لفظه صدوق سيىء الْحِفْظِ خَلَطَ بِآخِرِهِ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ انْتَهَى
وَفِي الخلاصة ضعفه أحمد ووثقه بن معين وأبو زرعة وقال بن عَدِيٍّ إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
٢ - (بَاب فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرٍ)
[٤٠٥٦] (فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمْعُ قَمِيصٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ (مِنْ حِكَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هِيَ الْجَرَبُ وَقِيلَ هِيَ غَيْرُهُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْحَرِيرِ إِذَا كَانَتْ بِهِ حِكَّةٌ وَهَكَذَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْقَمْلِ لِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا شَكَوَا الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَيُقَاسُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَعْذَارِ عَلَيْهِمَا وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ بَيَانٌ لِلْحَالِ الَّذِي كَانَا عَلَيْهِ لَا لِلتَّقْيِيدِ وَقَدْ جَعَلَ السَّفَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَيْدًا فِي التَّرْخِيصِ وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه وذكر السفر عبد مُسْلِمٍ وَحْدَهُ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامِّ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ في غزاة لها
٣ - (بَاب فِي الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ)
[٤٠٥٧] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ) بِضَمِّ الزَّايِ مُصَغَّرًا (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِهِمَا لَا إلى عينهما
стр. 3649
وقال بن مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ هَذَيْنِ فَحَذَفَ الِاسْتِعْمَالَ وَأَقَامَ هَذَيْنِ مَقَامَهُ فَأَفْرَدَ الْخَبَرَ (عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) أَيْ وَحَلَّ لِإِنَاثِهِمْ كَمَا في رواية بن مَاجَهْ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلْجَمَاهِيرِ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَتَحْلِيلِهِمَا لِلنِّسَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي وبن ماجه وفي حديث بن ماجه حل لنسائهم وفي إسناد حديث بن مَاجَهْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلِّ لِإِنَاثِهِمْ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ
[٤٠٥٨] (عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ) هِيَ بِنْتُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ تَزَوَّجَهَا عُثْمَانُ بَعْدَ رُقَيَّةَ (بِرِدَاءٍ سِيَرَاءَ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ أَلِفٌ مَمْدُودَةٌ كَعِنَبَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ (قَالَ وَالسِّيَرَاءُ الْمُضَلَّعُ) أَيِ الَّذِي فِيهِ خُطُوطٌ عَرِيضَةٌ كَالْأَضْلَاعِ (بِالْقَزِّ) بِالْقَافِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ وَهَذَا أَحَدُ تَفَاسِيرِ السِّيَرَاءِ
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ إِنْ فُرِضَ إِطْلَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ لِابْنِ مَاجَهْ وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ رَأَيْتُ عَلَى زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ السِّيَرَاءَ الْمُضَلَّعُ بِالْقَزِّ
[٤٠٥٩] (عن جابر) هو بن عَبْدِ اللَّهِ ﵄ (كُنَّا نَنْزِعُهُ) أَيِ الْحَرِيرَ (عَنِ الْغِلْمَانِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ جَمْعُ الْغُلَامِ أَيْ عَنِ الصِّبْيَانِ (عَلَى الْجَوَارِي) جَمْعُ جَارِيَةٍ وَهِيَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَمْ تَبْلُغِ الحلم
стр. 3650
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الصِّغَارِ هَلْ يَحْرُمُ إِلْبَاسُهُمُ الْحَرِيرَ أَمْ لَا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى التَّحْرِيمِ قَالُوا لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ يَعُمُّهُمْ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ حَرِيرٍ وَسِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَشَقَّ الْقَمِيصَ وَفَكَّ السِّوَارَيْنِ وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحسن إنه يجوز للباسهم الْحَرِيرَ
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ فِي يَوْمِ الْعيدِ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وَفِي جَوَازِ إِلْبَاسِهِمْ فِي بَاقِي السَّنَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا جَوَازُهُ وَالثَّانِي تَحْرِيمُهُ وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ بَعْدَ سِنِّ التمييز انتهى ملخصا
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ أَيْضًا لَكِنَّهُمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَرُمَ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُمُ انْتَهَى (قَالَ مِسْعَرٌ فَسَأَلْتُ إِلَخْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
يَعْنِي أَنَّ مِسْعَرًا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرَّادِ الْكُوفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فلعله نسيه وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٤ - (بَاب فِي لُبْسِ الْحِبَرَةِ)
بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الموحدة
قال الجوهري الحبرة بوزن عتبة برديمان
وقال الهروي هوشية مُخَطَّطَةٌ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ لَوْنُهَا أَخْضَرُ لِأَنَّهَا لِبَاسُ أهل الجنة
كذا قال
وقال بن بَطَّالٍ هِيَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ تُصْنَعُ مِنْ قُطْنٍ وَكَانَتْ أَشْرَفَ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ سُمِّيَتْ حِبَرَةً لِأَنَّهَا تُحَبِّرُ أَيْ تُزَيِّنُ وَالتَّحْبِيرُ التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
[٤٠٦٠] (أَوْ أَعْجَبَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ الْحِبَرَةُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ زِينَةٍ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ احْتِمَالًا لِلْوَسَخِ مِنْ غَيْرِهَا
стр. 3651
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٥ - (بَاب فِي الْبَيَاضِ)
[٤٠٦١] (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبِيضَ) جَمْعُ الْأَبْيَضِ وَأَصْلُهُ فُعْلٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَحُمْرٍ وَصُفْرٍ وَسُودٍ فَكَانَ الْقِيَاسُ بُوضٍ لَكِنْ كُسِرَ أَوَّلُهُ إِبْقَاءً عَلَى أَصْلِ الْيَاءِ فِيهِ (فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ) لِدَلَالَتِهِ غَالِبًا عَلَى التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْعُجْبِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ وَبَيَّنَ فِي كَوْنِهَا مِنْ خَيْرِ الثِّيَابِ وجوه أخر (وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) عَطْفٌ عَلَى الْبَسُوا أَيِ الْبَسُوهَا فِي حَيَاتِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُثَلَّثُةٌ سَاكِنَةٌ وَحُكِيَ فِيهِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ أَسْوَدٌ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ يَكُونُ بِبِلَادِ الْحِجَازِ وَأَجْوَدُهُ يُؤْتَى بِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ (يَجْلُو الْبَصَرَ) مِنَ الْجَلَاءِ أَيْ يُحَسِّنُ النَّظَرَ وَيَزِيدُ نُورَ الْعَيْنِ بِدَفْعِهِ الْمَوَادَّ الرَّدِيئَةَ الْمُنْحَدِرَةَ مِنَ الرَّأْسِ (وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ) مِنَ الْإِنْبَاتِ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ هُنَا الْهُدْبُ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ مثره وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى أَشْفَارِ الْعَيْنِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الْبِيضِ مِنَ الثِّيَابِ وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى بِهَا
قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ أَمَّا فِي اللِّبَاسِ فَلِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ لُبْسِ غَيْرِهِ وَإِلْبَاسِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ثِيَابًا غَيْرَ بِيضٍ وَتَقْرِيرِهِ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ لُبْسِ الْبَيَاضِ وَأَمَّا فِي الْكَفَنِ فَلِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَ الْحَافِظُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
стр. 3652
١٦ - (باب في الخلقان وفي غسل الثوب الْخُلْقَانُ)
بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ خَلَقٍ بِفَتْحَتَيْنِ يُقَالُ ثَوْبٌ خَلَقٌ أَيْ بَالٍ (فِي الْفَارِسِيَّةِ كهنة)
[٤٠٦٢] (شَعِثًا) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فِي الْفَارِسِيَّةِ برا كنده موى (قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ شَعِثًا (أَمَا كَانَ) مَا نَافِيَةٌ أَيْ أَلَمْ يَكُنْ (هَذَا) يَعْنِي الرَّجُلَ الشَّعِثَ (مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ) أَيْ مَا يَلُمُّ شَعَثَهُ وَيَجْمَعُ تَفَرُّقَهُ فَعَبَّرَ بِالتَّسْكِينِ عَنْهُ (وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَسِخَ الثَّوْبُ كوجل يوسخ وياسخ وبيسخ واستوسخ وتوسخ وَاتَّسَخَ عَلَاهُ الدَّرَنُ (مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ) أَيْ مِنَ الصَّابُونِ أَوِ الْأُشْنَانِ أَوْ نَفْسِ الْمَاءِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ بِالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ
وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَنْظِيفِ شَعْرِ الرَّأْسِ بِالْغُسْلِ وَالتَّرْجِيلِ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ
وَفِيهِ طَلَبُ النَّظَافَةِ مِنَ الْأَوْسَاخِ الظَّاهِرَةِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ
وَفِيهِ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الثَّوْبِ وَلَوْ بِمَاءٍ فَقَطْ كَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزِيُّ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٠٦٣] (فِي ثَوْبٍ دُونٍ) أَيْ دَنِيءٍ غَيْرِ لَائِقٍ بِحَالِي مِنَ الْغِنَى
فَفِي الْقَامُوسِ دُونٌ بِمَعْنَى الشَّرِيفِ وَالْخَسِيسُ ضِدُّ (قَالَ مِنْ أَيِّ الْمَالِ) أَيْ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْ جِنْسِ الْأَمْوَالِ (قَدْ آتَانِي) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَانِي (وَالرَّقِيقِ) أَيْ مِنَ الْمَمَالِيكِ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ (فَلْيُرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَلْيُبْصَرْ وَلْيُنْظَرْ (أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ) أَيِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعْنَى
стр. 3653
الْبَسْ ثَوْبًا جَيِّدًا لِيَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّكَ غَنِيٌّ وَأَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٧ - (بَاب فِي الْمَصْبُوغِ بِالصُّفْرَةِ)
لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ بِالصُّفْرَةِ
[٤٠٦٤] (كَانَ يَصْبُغُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيُفْتَحُ وَيُكْسَرُ) لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ أَيْ بِالْوَرْسِ وَهُوَ نَبْتٌ يُشْبِهُ الزَّعْفَرَانَ وَقَدْ يخلط به (حتى تمتلىء ثِيَابُهُ) أَيْ مِنَ الْقِنَاعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعَالِيهِ (فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ غَيْرَكَ لَمْ يَصْبُغْ (فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصبغ بِهَا) أَيْ بِالصُّفْرَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَرَادَ الْخِضَابَ لِلِحْيَتِهِ بِالصُّفْرَةِ وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادَ كَانَ يُصَفِّرُ ثِيَابَهُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا صُفْرًا انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهَى
وَالزِّيَادَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ قَوْلُهُ وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَصْبُغُ بِهَا الشَّعْرَ وَأَمَّا الثِّيَابُ فَذَكَرَ صَبْغَهَا فِي مَا بَعْدُ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ فَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ وجاء أنه لبس ملحفة ورسية رواه بن سَعْدٍ فَلَا يُنَافِي نَهْيَ التَّزَعْفُرِ وَجَاءَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ جَنَازَةَ الْمُتَضَمِّخِ بِالزَّعْفَرَانِ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ
وَفِي الْمَوَاهِبِ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأُمِّ سلمة وبن عُمَرَ أُجِيبَ لَعَلَّهُ يَصْبُغُ بِالزَّعْفَرَانِ بَعْضَ الثَّوْبِ وَالنَّهْيُ عَنِ اسْتِيعَابِ الثَّوْبِ بِالصَّبْغِ كَذَا ذَكَرَهُ في حاشية المواهب
وأجاب بن بطال وبن التِّينِ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزَعْفُرِ مَخْصُوصٌ بِالْجَسَدِ وَمَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ تَزَعْفُرَ الْجَسَدِ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ عَنْهَا دُونَ التَّحْرِيمِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَيْ زَعْفَرَانٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ فَلَمْ ينكر عليه
стр. 3654
النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَمَرَهُ بِغَسْلِهَا انْتَهَى (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الصُّفْرَةِ (وَقَدْ كَانَ) قَالَ على القارىء في المرقاة أي بن عمر فأرجع الضمير إلى بن عُمَرَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَتَيِ النَّيْلِ وَفَتْحِ الْوَدُودِ الْمَذْكُورَتَيْنِ (حَتَّى عِمَامَتَهُ) بِالنَّصْبِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بن جريج عن بن عُمَرَ قَالَ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا
٨ - (بَاب فِي الخضرة)
[٤٠٦٥] (يعني بن إِيَادٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُخَفَّفَةِ (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) بِكَسْرِ رَاءٍ فَسُكُونِ مِيمٍ فَمُثَلَّثَةٍ اسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ
كَذَا قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ اسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ وَهْبٍ (نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ إِلَيْهِ ﷺ (فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ) أَيْ مَصْبُوغَيْنِ بِلَوْنِ الْخُضْرَةِ وَهُوَ أَكْثَرُ لِبَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْإِخْبَارُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خضر) وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَنْفَعِ الْأَلْوَانِ لِلْأَبْصَارِ وَمِنْ أَجْمَلِهَا فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَانَا أخضرين بحتين
وقال القارىء وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا كَانَا مَخْطُوطَيْنِ بِخُطُوطٍ خُضْرٍ لِأَنَّ الْبُرُودَ تَكُونُ غَالِبًا ذَوَاتِ الْخُطُوطِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَادٍ وَهَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَأَبُوهُ ثِقَتَانِ وَإِيَادٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ
стр. 3655
١٩ - (بَاب فِي الْحُمْرَةِ)
[٤٠٦٦] (هَبَطْنَا) أَيْ نَزَلْنَا (مِنْ ثَنِيَّةٍ) هِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الْجَبَلِ وَفِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ وَهُوَ عَلَى وَزْنِ أَفَاعِلَ ثَنِيَّةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَعَلَيَّ رَيْطَةٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَيُقَالُ رَائِطَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بهما وهي كل ملاءة منسوجة بنسخ وَاحِدٍ وَقِيلَ كُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لَيِّنٍ وَالْجَمْعُ رَيْطٌ وَرِيَاطٌ (مُضَرَّجَةٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ الْمُلَطَّخَةُ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ أَيْ لَيْسَ صَبْغُهَا بِالْمُشَبَّعِ (يَسْجُرُونَ) أَيْ يُوقِدُونَ وَالسَّجْرُ فِي الْفَارِسِيَّةِ تافتن تنور (فَقَذَفْتُهَا) أَيْ أَلْقَيْتُ الرَّيْطَةَ (فِيهِ) أَيْ فِي التَّنُّورِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِلنِّسَاءِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ لِلرِّجَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ بْن الْقَيِّم ﵀ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ لِبَاس الْقِسِّيّ وَالْمُعَصْفَر
وَعَنْ تَخَتُّم الذَّهَب وَعَنْ قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الرُّكُوع وَقَدْ تَقَدَّمَ
وَرَوَى أَيْضًا فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ رَأَى رَسُول اللَّه ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ أُمّك أَمَرَتْك بِهَذَا قُلْت أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلْ أَحْرِقْهُمَا
وَرَوَى أَيْضًا فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْضًا قَالَ رَأَى عَلَيَّ رَسُول اللَّه ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ مِنْ لِبَاس الْكُفَّار فَلَا تَلْبَسهَا وَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي التَّحْرِيم لا معارض لها
فالمعجب مِمَّنْ تَرَكَهَا
وَقَدْ عَارَضَهَا بَعْض النَّاس بِحَدِيثِ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ فِي حُلَّة حَمْرَاء لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطّ أَحْسَن مِنْهُ مُتَّفَق عليه
стр. 3656
[٤٠٦٧] (قال هشام يعني بن الْغَازِ الْمُضَرَّجَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُشَبَّعَةٍ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (وَلَا الْمُوَرَّدَةِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا بِمُوَرَّدَةٍ وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَتْ بِالْمُشَبَّعَةِ وَلَا الْمُوَرَّدَةِ وَمَعْنَى مُشَبَّعَةٍ وَافِرَةٍ مَا يَكُونُ صِبْغُهُ وَافِرًا تَامًّا وَالْمُوَرَّدُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُضَرَّجَةَ هِيَ الَّتِي لَيْسَ صَبْغُهَا مُشَبَّعًا وَلَا مُوَرَّدًا بَلْ دُونَ الْمُشَبَّعِ وَفَوْقَ الْمُوَرَّدِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ هِشَامٍ وَضَرَّجْتُ الثَّوْبَ إِذَا صبغته بالحمرة وهودون الْمُشَبَّعِ وَهُوَ الْمُوَرَّدُ انْتَهَى
[٤٠٦٨] (عَنْ شُفْعَةَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ السَّهْمِيِّ الْحِمْصِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو وعنه شرحبيل بن مسلم وثقه بن حِبَّانَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَالَ أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ) هُوَ صَاحِبُ أَبِي دَاوُدَ الْمُؤَلِّفُ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ (مُوَرَّدًا) بتشديد الراء المفتوحة
قال التوربشتي أي صبعا مُوَرَّدًا أَقَامَ الْوَصْفَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ الْمَوْصُوفِ وَالْمُوَرَّدُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ انْتَهَى
ذَكَرَهُ القارىء وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ الضَّمِيرِ فِي مَصْبُوغٍ (أَفَلَا كَسَوْتَهُ بَعْضَ أَهْلِكَ) يَعْنِي زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَ نِسَاءِ مَحَارِمِهِ وَأَقَارِبِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَكَانَ بَعْض الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْم يَخْرُج إِلَى أَصْحَابه فِي الثَّوْب الْمُصَبَّغ حُمْرَة وَيَزْعُم أَنَّهُ يَقْصِد اِتِّبَاع هَذَا الْحَدِيث
وَهَذَا وَهْم وَغَلَط بَيِّن
فَإِنَّ الْحُلَّة هِيَ الْبُرُود الَّتِي قَدْ صُبِغَ غَزْلهَا وَنُسِجَ الْأَحْمَر مَعَ غَيْره فَهِيَ بُرْد فِيهِ أَسْوَد وَأَحْمَر وَهِيَ مَعْرُوفَة عِنْد أَهْل الْيَمَن قَدِيمًا وَحَدِيثًا
وَالْحُلَّة إِزَار وَرِدَاء مَجْمُوعهمَا يُسَمَّى حُلَّة فَإِذَا كَانَ الْبُرْد فِيهِ أَحْمَر وَأَسْوَد قِيلَ بُرْد أَحْمَر وَحُلَّة حَمْرَاء فَهَذَا غَيْر الْمُضَرَّج الْمُصَبَّغ حُمْرَة
وَذَهَبَ بَعْض أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ الْمُعَصْفَر خَاصَّة
فَأَمَّا الْمَصْبُوغ بِغَيْرِ الْعُصْفُر مِنْ الْأَصْبَاغ الَّتِي تُحَمِّر الثَّوْب كَالْمَدْرِ وَالْمَغْرَة
فَلَا بَأْس بِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث النَّهْي عَنْ الْمُعَصْفَر مَعْنَاهُ عِنْد أَهْل الْحَدِيث أَنَّهُ كَرِهَ الْمُعَصْفَر
قَالَ وَرَأَوْا أَنَّ مَا صُبِغَ بِالْحُمْرَةِ مِنْ مَدَر أَوْ غَيْره فَلَا بَأْس بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَصْفَرًا
стр. 3657
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ ثَوْرُ) بْنُ يَزِيدَ (عَنْ خَالِدِ) بْنِ مَعْدَانَ أَحَدِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ (فَقَالَ) فِي رِوَايَتِهِ وَعَلَيَّ ثَوْبٌ (مُوَرَّدٌ)
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الكفار فلا تلبسها (وطاؤس قَالَ مُعَصْفَرٌ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الأحول عن طاؤس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ الْحَدِيثَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ وَفِيهِ أَيْضًا شُرَحْبِيلُ بن مسلم الخولاني وقد ضعفه يحي بْنُ مَعِينٍ
[٤٠٦٩] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُزَابَةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ الْمَرْوَزِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ وَثَّقَهُ الْخَطِيبُ (مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ الْحَدِيثَ) احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْقَائِلُونَ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَأَجَابَ الْمُبِيحُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ في مقابلة الأحاديث القاضية با لإباحة لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ وَبِأَنَّهُ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ كَذَا قَالَ الْمُبِيحُونَ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَرْكِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِمَنْهِيٍّ عَنْهُ رَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا عَلَى مَعْصِيَتِهِ
قال بن رَسْلَانَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أَنَا لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ مُرْتَكِبٌ لِمَنْهِيٍّ عَنْهُ وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَزَجْرًا وَلِذَلِكَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ السَّلَامَ عَلَيَّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ وَيُقَالُ اسْمُهُ زَاذَانُ وَيُقَالُ عِمْرَانُ وَيُقَالُ مُسْلِمٌ وَيُقَالُ زِيَادٌ وَيُقَالُ يَزِيدُ وَهُوَ كُوفِيٌّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَيْعِ الْقَتِّ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
стр. 3658
وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا إِلَّا هَذَا الطَّرِيقَ وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيلَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَإِنْ وَقَعَ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ حَسَنٌ انْتَهَى
[٤٠٧٠] (عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إِبِلِنَا) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَقَوْلُهُ عَلَى إِبِلِنَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ عَلَى رَوَاحِلِنَا وَهِيَ جَمْعُ رَاحِلَةٍ
قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ الرَّاحِلَةُ النَّجِيبُ الصَّالِحُ لِأَنْ يُرْحَلَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْقَوِيُّ عَلَى الْأَسْفَارِ وَالْأَحْمَالِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ الرَّاحِلَةُ الْمَرْكَبُ مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أنثى وبعضهم بقول الرَّاحِلَةُ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تُرْحَلَ وَجَمْعُهَا رَوَاحِلٌ
وَالرَّحْلُ مَرْكَبٌ لِلْبَعِيرِ وَحِلْسٌ وَرَسَنٌ وَجَمْعُهُ أَرْحُلٌ وَرِحَالٌ مِثْلَ أَفْلُسٍ وَسِهَامٍ وَرَحَلْتُ الْبَعِيرَ رَحْلًا مِنْ بَابِ نَفَعَ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلَهُ انْتَهَى
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَعَلَى رَوَاحِلِنَا وَهِيَ عَلَى إِبِلِنَا وَهَذَا لَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّ مَرْكَبَ الْبَعِيرِ يُقَالُ لَهُ الرَّحْلُ وَجَمْعُهُ أَرْحُلٌ وَرِحَالٌ وَلَوْ كَانَ كَذَا لَقَالَ الرَّاوِي وَعَلَى رِحَالِنَا وَهِيَ عَلَى إِبِلِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(أَكْسِيَةٌ) جَمْعُ كِسَاءٍ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ (خُيُوطُ عِهْنٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ هُوَ الصُّوفُ مُطْلَقًا أَوْ مَصْبُوغًا (حُمْرٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِخُيُوطٍ (قَدْ عَلَتْكُمْ) أَيْ غَلَبَتْكُمْ (فَقُمْنَا سِرَاعًا) بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ سَرِيعٍ أَيْ مُسْرِعِينَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ قُمْنَا (حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلِنَا) أَيْ لِشِدَّةِ إِسْرَاعِنَا (فَنَزَعْنَاهَا) أَيِ الْأَكْسِيَةَ (عَنْهَا) أَيْ عَنِ الرَّوَاحِلِ وَالْإِبِلِ
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَلَكِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلًا مَجْهُولًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ في إسناده رجل مجهول
стр. 3659
[٤٠٧١] (بن عَوْفٍ الطَّائِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بْنُ عَيَّاشٍ (حَدَّثَنِي أَبِي) إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ (عَنْ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبَجِّ السَّلِيحِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ شَامِيٌّ مَجْهُولٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبْلَجِ بِزِيَادَةِ اللَّامِ بَيْنَ الْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ وَكَذَا وَقَعَ فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ وَلَكِنْ قَالَ فِي هَامِشِ الْخُلَاصَةِ كَذَا فِي أُخْرَى
وَفِي التَّهْذِيبِ وَالْمِيزَانِ الْأَبَجِّ انْتَهَى وَحُرَيْثٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ (بِمَغْرَةٍ) بِسُكُونِ غَيْنٍ وَقَدْ يُحَرَّكُ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَغْرَةُ طِينٌ أَحْمَرُ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ الْمَدَرُ الْأَحْمَرُ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ (وَوَارَتْ) أَيْ أَخْفَتْ وَسَتَرَتْ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل بن عياش وفيهما قال وَهَكَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا وَفِي غَيْرِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبْلَجِ السَّلِيحِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْلَجِ السَّلِيحِيِّ وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَشْرَافِ سِوَاهُ وَسَمَّاهُ عُبَيْدُ بْنُ الْأَبَجِّ وَالنَّفْسُ لِمَا قَالَهُ أَمْيَلُ انْتَهَى
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حُرَيْثُ بْنُ الْأَبَجِّ السَّلِيحِيُّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي اللِّبَاسِ وَهَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ حُرَيْثُ بْنُ الْأَبَجِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبَجِّ وَهُوَ وَهْمٌ انْتَهَى
стр. 3660
٢٠ - (بَاب فِي الرُّخْصَةِ)
فِي ذَلِكَ [٤٠٧٢] أَيْ فِي الْحُمْرَةِ
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) شَحْمَةُ الْأُذُنِ هِيَ اللَّيِّنُ مِنَ الْأُذُنِ فِي أَسْفَلِهَا وَهُوَ مُعَلَّقُ الْقُرْطِ مِنْهَا (وَرَأَيْتُهُ) أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) فِي الْقَامُوسِ الْحُلَّةُ بِالضَّمِّ إِزَارٌ وَرِدَاءُ بُرْدٍ أَوْ غَيْرُهُ وَلَا يَكُونُ حُلَّةً إِلَّا مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَوْبٍ لَهُ بِطَانَةٌ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْحُلَّةُ هِيَ ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَحُلُّ عَلَى الْآخَرِ وَقِيلَ لَا تَكُونُ الْحُلَّةُ إِلَّا الثَّوْبَ الْجَدِيدِ الَّذِي يُحَلُّ مِنْ طَيِّهِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ بن الْقَيِّمِ وَغَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ بَحْتًا لَا يُخَالِطُهَا غَيْرُهَا وَإِنَّمَا الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ شُبْهَةٌ مِنْ لَفْظِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ
[٤٠٧٣] (بِمِنًى) بِالْأَلِفِ مُنْصَرِفٌ وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَيُمْنَعُ عَنِ الصرف
قاله القارىء (وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رِدَاءٌ مكان برد (وعلي) أي بن أَبِي طَالِبٍ (أَمَامَهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ قُدَّامَهُ (يُعَبِّرُ عَنْهُ) أَيْ يُبَلِّغُ عَنْهُ الْكَلَامَ إِلَى النَّاسِ لِاجْتِمَاعِهِمْ وَازْدِحَامِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَكُنْ لِيَبْلُغَ أَهْلَ الْمَوْسِمِ وَيَسْمَعُ سَائِرُهُمُ الصَّوْتَ الْوَاحِدَ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْكَثْرَةِ
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثَيِ الْبَابِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَاسْتَدَلُّوا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْمَصْبُوغِ بِالْعُصْفُرِ قَالُوا لِأَنَّ الْعُصْفُرَ يَصْبُغُ صِبَاغًا أَحْمَرَ
وَالثَّانِي مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ مُطْلَقِ الْأَحْمَرِ
стр. 3661
أَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ أَعْنِي الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْمَصْبُوغِ بِالْعُصْفُرِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ أَخَصُّ مِنَ الدَّعْوَى وَقَدْ عَرَفْتَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَحَدِيثُ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبَجِّ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الْحُمْرَةِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ لِمَا فِي أَسَانِيدِهَا مِنَ الْمَقَالِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَمِنْهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّهْيَ عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنَ الدَّعْوَى وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ تَحْرِيمُ الميثر الْحَمْرَاءِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهَا مَعَ ثُبُوتِ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ فِي غَيْرِ مَرَّةٍ وَمِنْهُ حديث رافع بن بردا وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِلَفْظِ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَغَيْرُهُمَا وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلْحُجِّيَّةِ
وَقَدْ بَسَطَ فِي النَّيْلِ فِي عَدَمِ حجيته رواية ودراية فليراجع إليه قال وقد زعم بن الْقَيِّمِ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءُ بَحْتًا قَالَ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا حَمْرَاءُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْوَاجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْمَجَازِ أَعْنِي كَوْنَ بَعْضِهَا أَحْمَرَ دُونَ بَعْضٍ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُوجِبٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ ذَلِكَ مَعْنَى الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ لُغَةً فَلَيْسَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَالْوَاجِبُ حَمْلُ مَقَالَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا لِسَانُهُ وَلِسَانُ قَوْمِهِ انتهى وقد
وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَافِظُ الناقد بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي عمدة القارىء
وَالصَّوَابُ أَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ الْمُشَبَّعِ بِالْحُمْرَةِ يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَحَدِيثُ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ فَقِيلَ انْفَرَدَ بِحَدِيثِهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ وَقِيلَ إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ لِأَنَّ يَعْلَى بْنَ عُبَيْدٍ قَالَ فِيهِ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ وَصَوَّبَ بعضهم الأول
وعمرو هذا هو بن رَافِعٍ الْمُزَنِيُّ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ وَذُكِرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ
стр. 3662
٢١ - (بَاب فِي السَّوَادِ)
[٤٠٧٤] (صَبَغْتُ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَدْ ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ التَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَعَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ لَيْسَ هُوَ إِلَّا عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بُرْدَةً) بِالنَّصْبِ أَوِ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوْ نَائِبُ الْفَاعِلِ (فَقَذَفَهَا) أَيْ أَخْرَجَهَا وَطَرَحَهَا
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ لُبْسِ السَّوَادِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا
٢ - (بَاب فِي الْهُدْبِ فِي الْقَامُوسِ)
الْهُدْبُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ شَعْرُ أَشْفَارِ الْعَيْنِ وَخَمْلُ الثَّوْبِ وَاحِدَتُهُمَا بِهَاءٍ
وَقَالَ الْحَافِظُ هِيَ أَطْرَافٌ مِنْ سَدًى بِغَيْرِ لُحْمَةٍ رُبَّمَا قَصَدَ بِهَا التَّجَمُّلَ وَقَدْ تُفْتَلُ صِيَانَةً لَهَا مِنَ الْفَسَادِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الْخُيُوطِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْدِيَةِ
[٤٠٧٥] (وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَا يَشْتَمِلُ بِهِ مِنَ الْأَكْسِيَةِ أَيْ يَلْتَحِفُ وَمُحْتَبٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الِاحْتِبَاءِ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عَلَى هَيْئَةِ الِاحْتِبَاءِ وَأَلْقَى شَمْلَتَهُ خَلْفَ رُكْبَتَيْهِ وَأَخَذَ بِكُلِّ يَدٍ طَرَفًا مِنْ تِلْكَ الشَّمْلَةِ ليكون كالمتكىء عَلَى شَيْءٍ وَهَذَا عَادَةُ الْعَرَبِ إِذَا لَمْ يَتَّكِئُوا عَلَى شَيْءٍ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ وَيَشُدُّهُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ بِالْيَدَيْنِ انْتَهَى
وَالنَّهْيُ عَنِ الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ (وَقَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ) أَيْ عَلَى قَدَمَيِ النَّبِيِّ ﷺ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ الْمُهَدَّبِ
وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابَ الْإِزَارِ الْمُهَدَّبِ وَأَوْرَدَ
стр. 3663
فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ وَفِيهِ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جلبابها
وقال العلامة الأردييلي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى فِي بَيَانِ الْحَدِيثِ هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا إِلَى جَابِرٍ الثَّانِيَةُ فِي اللَّفْظِ الشَّمْلَةُ الْكِسَاءُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَشْمَلُ الْبَدَنَ وَالْهُدْبُ الْحَاشِيَةُ الثَّالِثَةُ فِيهِ جَوَازُ الِاحْتِبَاءِ وَالِاشْتِمَالِ بِالْكِسَاءِ وَنَحْوِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ انْتَهَى
وَلَقَدْ سَقَطَ الْحَدِيثُ مِنْ نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَلَعَلَّهُ مِنْ سَهْوِ الْكَاتِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٣ - (بَاب فِي الْعَمَائِمِ)
جمع العمامة بكسر العين
قال القارىء وَقَوْلُ الْعِصَامِ بِفَتْحِهَا عَلَى وَزْنِ الْغَمَامَةِ هُوَ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ الْعَلَّامَةِ
[٤٠٧٦] (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ لَمْ يُذْكُرْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ ذُؤَابَةٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذُّؤَابَةَ لَمْ يَكُنْ يُرْخِيهَا دَائِمًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ الذُّؤَابَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُهَا فِي الْوَاقِعِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُرْخِي الذُّؤَابَةَ دَائِمًا
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والنسائي والترمذي وبن مَاجَهْ
[٤٠٧٧] (قَدْ أَرْخَى) أَيْ أَرْسَلَ (طَرَفَهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ طَرَفَيْهَا بِالتَّثْنِيَةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِرْخَاءِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ
وَقَالَ المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
стр. 3664
[٤٠٧٨] (صَارَعَ) الصَّرْعُ الطَّرْحُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمُفَاعَلَةُ لِلْمُشَارَكَةِ وَالْمُصَارَعَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ كشتى كرفتن وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ يَرْجِعُ إِلَى رُكَانَةَ النَّبِيَّ ﷺ بِالنَّصْبِ (فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ غَلَبَهُ فِي الصَّرْعِ فَفِيهِ الْمُغَالَبَةُ وَعَلَى ذِكْرِ فَعَلَ بَعْدَ الْمُفَاعَلَةِ لِإِظْهَارِ غَلَبَةِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَغَالِبَيْنِ (فَرْقُ مَا بَيْننَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيِ الْفَارِقُ فِيمَا بَيْننَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ (الْعَمَائِمُ) جَمْعُ الْعِمَامَةِ أَيْ لُبْسُ الْعَمَائِمِ (عَلَى الْقَلَانِسِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ
قَالَ الْعَزِيزِيُّ فَالْمُسْلِمُونَ يَلْبَسُونَ الْقَلَنْسُوَةَ وَفَوْقَهَا الْعِمَامَةُ وَلُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ وَحْدَهَا زِيُّ الْمُشْرِكِينَ انْتَهَى
وَكَذَا نَقَلَ الْجَزَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ
وَقِيلَ أَيْ نَحْنُ نَتَعَمَّمُ عَلَى الْقَلَانِسِ وَهُمْ يَكْتَفُونَ بِالْعَمَائِمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ وتبعهما بن الملك كذا قال القارىء في المرقاة وقال روي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْقَلَنْسُوَةَ بِغَيْرِ الْعَمَائِمِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا زِيَّ الْمُشْرِكِينَ انْتَهَى
قلت قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَكَانَ يَلْبَسُهَا يَعْنِي الْعِمَامَةَ وَيَلْبَسُ تَحْتَهَا الْقَلَنْسُوَةَ وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ بِغَيْرِ عِمَامَةٍ وَيَلْبَسُ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ قَلَنْسُوَةَ انْتَهَى
وفي الجامع الصغير برواية الطبراني عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً بَيْضَاءَ
قَالَ العزيزي إسناده حسن
وفيه برواية الروياني وبن عساكر عن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَبِغَيْرِ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ الْيَمَانِيَّةَ وَهُنَّ الْبِيضُ الْمُضَرَّبَةُ وَيَلْبَسُ الْقَلَانِسَ ذَوَاتَ الْآذَانِ فِي الْحَرْبِ وَكَانَ رُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَةً فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الْحَدِيثَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ وَلَا نَعْرِفُ أَبَا الحسن العسقلاني ولا بن رُكَانَةَ
[٤٠٧٩] (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ خَرَّبُوذٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وتشديد الراء بعد هاء مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ مَجْهُولٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (عَمَّمَنِي) بميمين أي لف عمامتي على رأسي (فسد لها بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ
стр. 3665
خَلْفِي) أَيْ أَرْسَلَ لِعِمَامَتِي طَرَفَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى صدري والآخر من خلفي
والحديث ضعيف فالأولى أن يرسل طرف العمامة الذي يسمى العلامة والعذبة والذبابة بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَفِي جامع الترمذي عن بن عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قال نافع وكان بن عُمَرَ يَسْدُلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ
قَالَ فِي السُّبُلِ مِنْ آدَابِ الْعِمَامَةِ تَقْصِيرُ الْعَذَبَةِ فَلَا تَطُولُ طُولًا فَاحِشًا وَإِرْسَالُهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا بِالْأَصَالَةِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْي عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ وَإِرْسَالُهَا إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ ويكره لغيره انتهى
وقد أخرج بن أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ
وَرَوَى سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ رِشْدِينَ قَالَ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَيُرْخِيهَا شِبْرًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأوسط عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعٍ أَوْ نَحْوَهَا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ قَالَ السُّيُوطِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
وَفِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ قَدْ تَتَبَّعْتُ الْكُتُبَ وَتَطَلَّبْتُ مِنِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ لِأَقِفَ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﷺ عِمَامَةٌ قَصِيرَةٌ وَعِمَامَةٌ طَوِيلَةٌ وَأَنَّ الْقَصِيرَةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ وَالطَّوِيلَةَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا
ذكره القارىء وَقَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَصِيرِ والطويل انتهى
وفي النيل قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ شِعَارَ الصَّالِحِينَ المتمسكين بالسنة يعني إرسال العلامة عَلَى الصَّدْرِ انْتَهَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مَجْهُولٌ
٤ - (بَاب فِي لِبْسَةِ الصَّمَّاءِ)
[٤٠٨٠] بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَبِالْمَدِّ
(عَنْ لِبْسَتَيْنِ) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّ
стр. 3666
الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ الْهَيْئَةُ الْمَخْصُوصَةُ لَا الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ اللُّبْسِ (أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ) الِاحْتِبَاءُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى إِلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَلُفَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا وَيُقَالُ لَهُ الْحَبْوَةُ وَكَانَتْ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ (مُفْضِيًا بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ يُوَارِيهُ فَالنَّهْيُ عَنِ الِاحْتِبَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِقَيْدِ كَشْفِ الْفَرْجِ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ (وَيَلْبَسَ ثَوْبَهُ إِلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَحْتَبِيَ وَهَذَا هُوَ اللِّبْسَةُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ الصَّمَّاءُ وَالْمَعْنَى وَيَلْبَسُ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ وَيُلْقِيهِ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيُخْرِجُ أَحَدَ جَانِبَيْهِ عَنِ الثَّوْبِ وَيَبْدُو
وَجَاءَ تَفْسِيرُ الصَّمَّاءِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ منه شيء [٤٠٨١] (عن جابر) هو بن عَبْدِ اللَّهِ ﵄ (عَنِ الصَّمَّاءِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ أَنْ يُجَلِّلَ جَسَدَهُ بِالثَّوْبِ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا وَلَا يَبْقَى ما يخرج منه يده
قال بن قُتَيْبَةَ سُمِّيَتْ صَمَّاءَ لِأَنَّهُ يَسُدُّ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا فَتَصِيرُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَصِيرُ فَرْجُهُ بَادِيًا
قَالَ النَّوَوِيُّ فَعَلَى تَفْسِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِئَلَّا يَعْرِضَ لَهُ حَاجَةٌ فَيَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ يَدِهِ فَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ وَعَلَى تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ يَحْرُمُ لِأَجْلِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ
قَالَ الْحَافِظُ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ فِي اللِّبَاسِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَرْفُوعٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لَا يُخَالِفُ الْخَبَرَ انْتَهَى
قُلْتُ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ مَرْفُوعٌ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ يونس عند الْبُخَارِيِّ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَعَنِ الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ واحد) تقدم معنى الاحتباء والمطلق ها هنا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 3667
٢٥ - (بَاب فِي حَلِّ الْأَزْرَارِ)
جَمْعُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْقَمِيصِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ زِرٌّ بِالْكَسْرِ كوبك كربيان وجزآن وَيُقَالُ لَهُ بِالْهِنْدِيَّةِ كهندي
[٤٠٨٢] (حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ بِنُونٍ وفاء مصغرا
(قال بن نُفَيْلٍ) هُوَ النُّفَيْلِيُّ الْمَذْكُورُ أَيْ قَالَ النُّفَيْلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الله (بن قُشَيْرٍ) بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا (أَبُو مَهَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ (الْجُعْفِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّفَيْلِيَّ قَالَ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرٍ أَبُو مَهَلٍ الْجُعْفِيُّ وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَطْ (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بِضَمِّ قَافٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ (فِي رَهْطٍ) أَيْ مَعَ طَائِفَةٍ وَفِي تَأْتِي بمعنى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ وَالرَّهْطُ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُحَرَّكُ قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (مِنْ مُزَيْنَةَ) بِالتَّصْغِيرِ قَبِيلَةٌ مِنْ مُضَرَ وَالْجَارُّ صِفَةٌ لِرَهْطٍ (وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ) جَمْعُ زِرِّ الْقَمِيصِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْأَزْرَارِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي شَمَائِلِهِ وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ أَوْ قال زر قميصه مطلق
قال القارىء مفسرا لقوله لطلق الْأَزْرَارِ أَيْ مَحْلُولُهَا أَوْ مَتْرُوكُهَا مُرَكَّبَةٌ
قَالَ مَيْرَكُ أَيْ غَيْرُ مَشْدُودِ الْأَزْرَارِ وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَيْ غَيْرُ مَزْرُورٍ
قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ ثُمَّ نَقَلَ رِوَايَةَ الشَّمَائِلِ إِلَى قَوْلِهِ وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ أَوْ قَالَ زِرَّ قَمِيصِهِ مُطْلَقٌ وَقَالَ أَيْ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ بِزُرَارٍ أَوْ غَيْرُ مَرْبُوطٍ وَالشَّكُّ مِنْ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ انْتَهَى (فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَا يُقْطَعُ مِنَ الثَّوْبِ لِيُخْرِجَ الرَّأْسَ أَوِ الْيَدَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ أَدْخَلْتُ يَدِي إِلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ كَانَ فِي صَدْرِهِ لِمَا فِي صَدْرِ الحديث أنه رؤى مُطْلَقُ الْقَمِيصِ أَيْ غَيْرُ مَزْرُورٍ انْتَهَى
(فَمَسِسْتُ) بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى وَيُفْتَحُ وَالْأُولَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ أَيْ لَمَسْتُ (الْخَاتَمَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَبِكَسْرٍ أَيْ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ
стр. 3668
(إِلَّا مُطْلِقَيْ أَزْرَارِهِمَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ سَقَطَتِ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ (وَلَا يُزَرِّرَانِ أَزْرَارَهُمَا أَبَدًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يُزِرَّانِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ
فِي الصُّرَاحِ زَرَّ بِالْفَتْحِ كوبك يستن بيراهن رابرخود مِنْ بَابِ نَصَرَ
وَإِنَّمَا تَرَكَا الزَّرَّ لِشِدَّةِ اتِّبَاعِهِمَا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَلِكَ كان بن عُمَرَ ﵁ يَكُونُ مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ
رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَوَالِدُ مُعَاوِيَةَ هُوَ قُرَّةُ بْنُ إِيَاسٍ الْمُزَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُوَ جَدُّ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ
وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِهِ
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ النَّمِرِيُّ أَنَّ قُرَّةَ بْنَ إِيَاسٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَبُو مَهَلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا هَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَلَامٌ مخففة بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشِيرٍ جُعْفِيٌّ كُوفِيٌّ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ﵃
٦ - (بَاب فِي التَّقَنُّعِ)
بِقَافٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ هُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَأَكْثَرُ الْوَجْهِ بِرِدَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ
[٤٠٨٣] (بَيْنَا نَحْنُ) أَيْ آلُ أَبِي بَكْرٍ (جُلُوسٌ) أَيْ جَالِسُونَ (فِي بَيْتِنَا) أَيْ بِمَكَّةَ (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَوَّلِ الْهَاجِرَةِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ حِينَ تَبْلُغُ الشَّمْسُ مُنْتَهَاهَا مِنَ الِارْتِفَاعِ كَأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى النَّحْرِ وَهُوَ أَعْلَى الصَّدْرِ وَنَحْرُ الشَّيْءِ أَوَّلُهُ (مُقْبِلًا) أَيْ مُتَوَجِّهًا (مُتَقَنِّعًا) بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ بِالْقِنَاعِ أَيْ بِطَرَفِ رِدَائِهِ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ لِحَرِّ الظَّهِيرَةِ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّسَتُّرَ لِكَيْلَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَهُمَا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ وَالْعَامِلُ مَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ
وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَتَى أَبُو دَاوُدَ بِطَرَفٍ مِنْهُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقَنُّعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الْهِجْرَةِ
стр. 3669
٢٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْإِزَارِ)
[٤٠٨٤] أَيْ فِي إِرْسَالِهِ وَإِرْخَائِهِ
(الْهُجَيْمِيُّ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ (وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ) أَبُو تَمِيمَةَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ خَبَرُهُ (عَنْ أَبِي جُرَيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مُصَغَّرًا (جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أَبِي جُرَيٍّ (يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيهِ) أَيْ يَرْجِعُونَ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ يَعْنِي يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ شبه المنصرفين عنه بَعْدَ تَوَجُّهِهِمْ إِلَيْهِ لِسُؤَالِ مَعَادِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ بِوَارِدَةٍ صَدَرُوا عَنِ الْمَنْهَلِ بَعْدَ الرِّيِّ أَيْ يَنْصَرِفُونَ عَمَّا يَرَاهُ وَيَسْتَصْوِبُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ (لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ وَيَقْبَلُونَ حُكْمَهُ (قَالَ لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي تَحِيَّةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيثًا فِيهِ وَسَلَام عَلَيْك تَحِيَّة الْمَوْتَى وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ إِلَى آخِره ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْفَرْق إِنْ صَحَّ فَهُوَ دَلِيل عَلَى التَّسْوِيَة بَيْن الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات فِي السَّلَام
فَإِنَّ الْمُسَلِّم عَلَى أَخِيهِ الْمَيِّت يَتَوَقَّع جَوَابه أيضا
قال بن عَبْد الْبَرّ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ رَجُل يَمُرّ بِقَبْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّم عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ رُوحه حتى يرد ﵇
قال الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ وَفِيهِ أَيْضًا نُكْتَة حَسَنَة
وهي أَنَّ الدُّعَاء بِالسَّلَامِ دُعَاء بِخَيْرٍ وَالْأَحْسَن فِي دُعَاء الْخَيْر أَنْ يُقَدِّم الدُّعَاء عَلَى الْمَدْعُوّ لَهُ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى (رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت) وَقَوْله (وَسَلَام عَلَيْهِ يَوْم وُلِدَ وَيَوْم يَمُوت) وَقَوْله (سَلَام عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) وَأَمَّا الدُّعَاء بِالشَّرِّ فَيُقَدَّم الْمَدْعُوّ عَلَيْهِ عَلَى الدُّعَاء غَالِبًا كَقَوْلِهِ لِإِبْلِيس (وَأَنَّ عَلَيْك لَعْنَتِي) وَقَوْله (وَإِنَّ عَلَيْك اللَّعْنَة) وَقَوْله (عَلَيْهِمْ دَائِرَة السَّوْء) وَقَوْله (وَعَلَيْهِمْ غَضَب وَلَهُمْ عَذَاب شَدِيد) وَسِرّ هَذَا أَنَّ فِي الدُّعَاء بِالْخَيْرِ يُقَدَّم اِسْم الدُّعَاء الْمَحْبُوب الْمَطْلُوب الَّذِي تَشْتَهِيه النُّفُوس فيبده
стр. 3670
الْمَيِّتِ أَنْ يُقَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلَامُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النبي أَنَّهُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَقَدَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى اسْمِ الْمَدْعُوِّ لَهُ كَهُوَ فِي تَحِيَّةِ الْأَحْيَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْهُمْ فِي تَحِيَّةِ الْأَمْوَاتِ إِذْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ اسْمَ الْمَيِّتِ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَشْعَارِهِمْ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَرَحْمَتُهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا وَكَقَوْلِ الشَّمَّاخِ عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
وَالسُّنَّةُ لَا تَخْتَلِفُ فِي تَحِيَّةِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ إِلَخْ) صِفَةٌ لِلَّهِ (فَدَعَوْتَهُ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ (كَشَفَهُ عَنْكَ) أَيْ دَفَعَهُ عَنْكَ (عَامُ سَنَةٍ) أَيْ قَحْطٍ وَجَدْبٍ (أَنْبَتَهَا لَكَ) أَيْ صَيَّرَهَا ذَاتَ نَبَاتٍ أَيْ بَدَّلَهَا خِصْبًا (بِأَرْضٍ قَفْرٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ خَالِيَةٍ عن الماء والشجر (أوفلاة) أَيْ مَفَازَةٍ (فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ) أَيْ ضَاعَتْ وَغَابَتْ عَنْكَ (اعْهَدْ إِلَيَّ) أَيْ أَوْصِنِي بِمَا أَنْتَفِعُ بِهِ (إِنَّ ذَلِكَ) أَيْ كَلَامَكُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ) أَيِ احْذَرْ إِرْسَالَ الْإِزَارِ وَإِرْخَاءَهُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ (فَإِنَّهَا) أَيْ إِسْبَالَ الْإِزَارِ (مِنَ الْمَخِيلَةِ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ وَهِيَ بِمَعْنَى الْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ (فَلَا تُعَيِّرْهُ) مِنَ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لِأَحَدٍ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ سَوَاءً عَلِمَ تَوْبَتَهُ مِنْهُ أَمْ لَا وَأَمَّا التَّعْيِيرُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْقَلْب وَالسَّمْع ذِكْر اِسْم الْمَحْبُوب الْمَطْلُوب ثُمَّ يَتْبَعهُ بِذِكْرِ الْمَدْعُوّ لَهُ
وَأَمَّا فِي الدُّعَاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيدان بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ الدُّعَاء كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ هَذَا لَك وَحْدك لَا يُشْرِكك فِيهِ الدَّاعِي وَلَا غَيْره بِخِلَافِ الدُّعَاء بِالْخَيْرِ
فَإِنَّ الْمَطْلُوب عُمُومه
وَكُلَّمَا عَمَّمَ بِهِ الدَّاعِي كَانَ أَفْضَل
فَلَمَّا كَانَ التَّقْدِيم مُؤْذِنًا بِالِاخْتِصَاصِ تُرِك
وَلِهَذَا يُقَدَّم إِذَا أُرِيد الِاخْتِصَاص كَقَوْلِهِ (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات من ربهم ورحمة) والله أعلم
стр. 3671
فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ بُعَيْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّوْبَةِ فَوَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر قال القارىء
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ فِيمَا يَنْزِلُ إِلَيْهِ الْإِزَارُ هُوَ نِصْفُ السَّاقَيْنِ وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَا نَزَلَ عَنِ الْكَعْبَيْنِ بِحَيْثُ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ قال رسول الله مَوْضِعُ الْإِزَارِ إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ وَالْعَضَلَةِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ فَإِنْ أَبَيْتَ فَمِنْ وَرَاءِ السَّاقِ ولا حق للكعبين في الإزار
وقال الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ انْتَهَى
[٤٠٨٥] (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْمَدِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ وَالْمَخِيلَةُ وَالْبَطَرُ وَالْكِبْرُ وَالزَّهْو وَالتَّبَخْتُرُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) النَّظَرُ حَقِيقَةٌ فِي إِدْرَاكِ الْعَيْنِ لِلْمَرْئِيِّ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ عَنِ الرَّحْمَةِ أَيْ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِامْتِنَاعِ حَقِيقَةِ النَّظَرِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَالْعَلَاقَةُ هِيَ السَّبَبِيَّةُ فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ مُمْتَهَنَةٍ رَحِمَهُ
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَبَّرَ عَنِ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عِنْدَ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّرٍ مَقَتَهُ فَالرَّحْمَةُ وَالْمَقْتُ مُتَسَبَّبَانِ عَنِ النَّظَرِ كَذَا فِي النَّيْلِ (إِنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ إِزَارِي) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ سَقَطَتِ النُّونُ بالإضافة (يسترخي) بالخاء المعجمة وكانت سَبَبُ اسْتِرْخَائِهِ نَحَافَةَ جِسْمِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (إِنِّي لَأَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ) مِنَ التَّعَاهُدِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ في
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة رَجُل مُسْبِل ثُمَّ قَالَ وَوَجْه هَذَا الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ إِسْبَال الْإِزَار مَعْصِيَة
وَكُلّ مَنْ وَاقَعَ مَعْصِيَة فَإِنَّهُ يُؤْمَر بِالْوُضُوءِ والصلاة
فإن الوضوء يطفيء حَرِيق الْمَعْصِيَة
وَأَحْسَن مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيث الأمر بالوضوء من القهقة فِي الصَّلَاة هَذَا الْوَجْه فَإِنَّ الْقَهْقَهَة فِي الصَّلَاة مَعْصِيَة فَأَمَرَ النَّبِيّ ﷺ مَنْ فَعَلَهَا بِأَنْ يُحْدِث وُضُوءًا يَمْحُو به أثرها
ومنه حَدِيث عَلِيّ عَنْ أَبِي بَكْر مَا مِنْ مُسْلِم يُذْنِب ذَنْبًا يَتَوَضَّأ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا غفر الله له ذنبه
стр. 3672
رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَرْخِي أَحَدُ جَانِبَيْ إِزَارِهِ إِذَا تَحَرَّكَ يَمْشِي أَوْ غَيْرُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهِ لَا يَسْتَرْخِي لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَادَ يَسْتَرْخِي شَدَّهُ (قَالَ) أي رسول الله (إنك لست ممن يفعله خيلاء) قال القارىء الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِرْخَاءَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَضُرُّ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِنْ شِيمَتِهِ الْخُيَلَاءُ وَلَكِنِ الْأَفْضَلُ هُوَ الْمُتَابَعَةُ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ فِي جَرِّ الْإِزَارِ هُوَ الْخُيَلَاءُ كَمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فِي الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُصَدَّرِ بِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلَاءَ وَالْمُرَادُ بِجَرِّهِ هُوَ جَرُّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لقوله مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ كَمَا سَيَأْتِي
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْبَالَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَا فِي صِيغَةِ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ جَرَّ مِنَ الْعُمُومِ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْإِسْبَالِ للنساء كما صرح بذلك بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ
وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ خُيَلَاءَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ جَرَّ الثَّوْبِ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ
قال بن عَبْدُ الْبَرِّ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْجَارَّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ إِلَّا أَنَّهُ مَذْمُومٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَا يَجُوزُ الْإِسْبَالُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ
قال بن الْعَرَبِيِّ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ وَيَقُولُ لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا وَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ لَفْظًا أَنْ يُخَالِفَهُ إِذْ صَارَ حُكْمُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَمْتَثِلُهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِيَّ فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ بَلْ إِطَالَةُ ذَيْلِهِ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ انْتَهَى
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ اللَّابِسُ
وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعتبار التقييد بالخيلاء قوله إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله إذ لحلقنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي حُلَّةِ إِزَارٍ ورداء قد أسبل فجعل يَأْخُذُ بِنَاحِيةِ ثَوْبِهِ وَيَتَوَاضَعُ لِلَّهِ ويقول عبدك وبن عَبْدِكَ وَأَمَتِكَ حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرٌو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْمَشُ السَّاقَيْنِ فَقَالَ يَا عَمْرُو إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ يَا عَمْرُو إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ في النيل إن قوله لِأَبِي بَكْرٍ إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ وَأَنَّ الْإِسْبَالَ قَدْ يَكُونُ لِلْخُيَلَاءِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ في حديث بن عُمَرَ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَالًا
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ تَرُدُّهُ الضَّرُورَةُ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُسْبِلُ إِزَارَهُ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْخُيَلَاءِ بِبَالِهِ وَيَرُدُّهُ ما تقدم من قوله لِأَبِي بَكْرٍ لِمَا عَرَفْتَ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَعَدَمُ إِهْدَارِ قَيْدِ الْخُيَلَاءِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَغَايَةُ مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ لا يحب المسبل وحديث بن عمر مقيد
стр. 3673
بِالْخُيَلَاءِ
وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ وَأَمَّا كَوْنُ الظَّاهِرِ مِنْ عَمْرٍو أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْخُيَلَاءَ فَمَا بِمِثْلِ هَذَا الظَّاهِرِ تُعَارَضُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ إِنْ فَعَلَهُ قَصْدًا
وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الْفَتْحِ فَأَجَادَ وَأَصَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٤٠٨٦] (مُسْبِلًا إِزَارَهُ) أَيْ مُرْسِلًا إِزَارَهُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ (اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ) قِيلَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ مُرْتَكِبُ مَعْصِيَةٍ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ الْخَطَايَا وَيُزِيلُ أَسْبَابَهَا كَالْغَضَبِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّ السِّرَّ فِي أَمْرِهِ بِالتَّوَضِّي وَهُوَ طَاهِرٌ أَنْ يَتَفَكَّرَ الرَّجُلُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَيَقِفَ عَلَى شَنَاعَةِ مَا ارْتَكَبَهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِبَرَكَةِ أَمْرِ رَسُولِ الله بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ يُطَهِّرُ بَاطِنَهُ مِنِ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الظَّاهِرَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي طَهَارَةِ الْبَاطِنِ (مالك أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ طَاهِرٌ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَشْدِيدِ أَمْرِ الْإِسْبَالِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ الْمُسْبِلِ وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ انْتَهَى
قُلْتُ وَالْحَدِيثُ سَنَدُهُ حَسَنٌ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَاب مَنْ قَالَ يَتَّزِرُ بِهِ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ انْتَهَى
[٤٠٨٧] (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (عَنْ خَرَشَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ بِكَلَامِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَبِإِظْهَارِ الرضى بَلْ بِكَلَامِ أَهْلِ السُّخْطِ وَالْغَضَبِ وَقِيلَ الْمُرَادُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ
وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ لَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أَيْ يعرض عنهم
стр. 3674
وَنَظَرُهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ رَحْمَتُهِ وَلُطْفُهِ بِهِمْ (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ (أَلِيمٌ) أَيْ مُؤْلِمٌ (قَدْ خَابُوا) أَيْ حُرِمُوا مِنَ الْخَيْرِ (وَخَسِرُوا) أَيْ أَنْفُسَهَمْ وَأَهْلِيهِمْ (الْمُسْبِلُ) أَيْ إِزَارَهُ عَنْ كَعْبَيْهِ كِبْرًا وَاخْتِيَالًا (وَالْمَنَّانُ) أَيِ الَّذِي إِذَا أَعْطَى مَنَّ وَقِيلَ الَّذِي إِذَا كَالَ أَوْ وَزَنَ نَقَصَ (وَالْمُنْفِقُ) قَالَ القارىء بِالتَّشْدِيدِ فِي أُصُولِنَا
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ بِالتَّخْفِيفِ أَيِ الْمُرَوِّجُ (بِالْحَلِفِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (الْكَاذِبِ أَوِ الْفَاجِرِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
وَالْمُرَادُ مِنَ الْفَاجِرِ الْكَاذِبُ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْبَالَ مِنْ أَشَدِّ الذُّنُوبِ
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
[٤٠٨٨] (بِهَذَا) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَالْأَوَّلُ) أَيِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ (قَالَ) أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ (الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْمَنَّانُ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمِنَّةِ وَهِيَ إن وقعت الصَّدَقَةِ أَبْطَلَتِ الْأَجْرَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَعْرُوفِ كَدَّرَتِ الصَّنِيعَةَ وَأَفْسَدَتْهَا
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَنِّ النَّقْصُ يُرِيدُ النَّقْصَ مِنَ الْحَقِّ وَالْخِيَانَةَ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ وَنَحْوَهُمَا وَمِنْ هَذَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) أَيْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ قَالُوا وَمِنْ ذَلِكَ يُسَمَّى الْمَوْتُ مَنُونًا لِأَنَّهُ يُنْقِصُ الْأَعْدَادَ وَيَقْطَعُ الْأَعْمَارَ انْتَهَى
[٤٠٨٩] (وَكَانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا) أَيْ مُنْفَرِدًا عَنِ النَّاسِ مُعْتَزِلًا مِنْهُمْ (إِنَّمَا هُوَ) أَيْ شَغَلَهُ (صلاة فإذا
стр. 3675
فَرَغَ فَإِنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبِيرٌ) الْمَعْنَى إِنَّمَا شَغَلَهُ عَنْ مُجَالَسَةِ النَّاسِ الصَّلَاةُ فَإِذَا فَرَغَ عَنِ الصَّلَاةِ شَغَلَهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ
وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ كَانَ بِدِمَشْقٍ رَجُلٌ يُقَالُ له بن الْحَنْظَلِيَّةِ مُتَوَحِّدًا لَا يَكَادُ يُكَلِّمُ أَحَدًا إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةٍ فَإِذَا فَرَغَ يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ انْتَهَى (قَالَ فمر بنا) أي قال أبي فمر بن الْحَنْظَلِيَّةِ بِنَا (وَنَحْنُ عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ (كَلِمَةً) بِالنَّصْبِ أَيْ قُلْ لَنَا كَلِمَةً (سَرِيَّةً) هِيَ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشٍ أَقْصَاهَا أَرْبَعُ مِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ وَجَمْعُهَا السَّرَايَا سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ السَّرِيِّ أَيِ النَّفِيسِ (فَحَمَلَ فُلَانٌ) أَيْ عَلَى الْعَدُوِّ (فَطَعَنَ) أَيْ بِالرُّمْحِ (فَقَالَ) ذَلِكَ فُلَانٌ وَكَانَ مِنْ بَنِي الْغِفَارِ لِلْعَدُوِّ (خُذْهَا) أَيِ الطَّعْنَةَ بالرمح (مني وأنا الغلام الغفاري) قاله ذَلِكَ لِيَحْمَدَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ (كَيْفَ تَرَى) الْخِطَابُ لِلرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِ الرَّجُلِ الْقَائِلِ فِي (قَوْلِهِ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْغِفَارِيُّ (قَالَ مَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ مَا أَظُنُّهُ (لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْجَرَ) أَيْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نبيه (وَيُحْمَدَ) أَيْ مِنَ النَّاسِ (سُرَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنِ السُّرُورِ (فَمَا زَالَ يُعِيدُ) أَبُو الدرداء (عليه) أي علي بن الْحَنْظَلِيَّةِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ أَيْ أَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ من رسول الله (لَيَبْرُكَنَّ) بِلَامِ التَّأَكُّدِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ أَيْ أَبُو الدرداء (على ركبتيه) أي بن الْحَنْظَلِيَّةِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَدْ بَالَغَ في السؤال عن بن الْحَنْظَلِيَّةِ وَقَرُبَ مِنْهُ قُرْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى إنِّي لأقول ليبركن أبو الدرداء على ركبتي بن الْحَنْظَلِيَّةِ مِنْ شِدَّةِ الْمُقَارَبَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فَسُرَّ بِذَلِكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ حَتَّى هَمَّ أَنْ يبحثو عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِرَارًا
انْتَهَى والله أعلم
стр. 3676
(الْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ) أَيْ إِذَا كَانَ رَبَطَهُ بِقَصْدِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا (لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هُوَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ (وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ) أَيْ عَنِ الْكَعْبَيْنِ
وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ الْغَائِبَ بِمَا فِيهِ مِنْ مَكْرُوهٍ شَرْعًا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَرْتَدِعُ عَنْهُ وَيَتْرُكُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ (فَأَخَذَ شَفْرَةً) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سِكِّينًا (إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ) أَيْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ حِينَ دُخُولِهِمْ بِلَادِهِمْ مِنَ السَّفَرِ (كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَهِيَ الْخَالُ أَيْ كَالْأَمْرِ الْمُتَبَيِّنِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ يَقْصِدُهُ إِذِ الْعَادَةُ دُخُولُ الْإِخْوَانِ عَلَى الْقَادِمِ قَصْدًا لِزِيَارَتِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنْ ذُنُوبٍ ومعاصي ويكثر وروده في الزنى وَكُلُّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ فَاحِشَةٍ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ (وَلَا التَّفَحُّشَ) هُوَ تَكَلُّفُ الْفُحْشِ وَتَعَمُّدُهُ
فَالْهَيْئَةُ الرَّدِيَّةُ وَالْحَالَةُ الْكَثِيفَةُ دَاخِلَةٌ أَيْضًا تَحْتَ الْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ وَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ
قَالَ المنذري وبن الْحَنْظَلِيَّةِ هُوَ سَهْلُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو وَيُقَالُ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ وَالْحَنْظَلِيَّةُ أُمُّهُ وَقِيلَ هِيَ أُمُّ جَدِّهِ وَهِيَ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ تَمِيمٍ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ إِلَّا قَيْسَ بْنَ بِشْرٍ فَاخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ (وَكَذَلِكَ) أَيْ كَمَا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بن عمر وعن هِشَامِ (قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْقُرَشِيِّ بِإِسْنَادِهِ (قَالَ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ) وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الحديث روي عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو
وَأَبُو نُعَيْمٍ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ
وَوَكِيعٌ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَكُلُّهُمْ أَيْ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَوَكِيعٌ رَوَى عَنْ هِشَامٍ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةً فِي النَّاسِ لَكِنَّ عبد الملك
стр. 3677
اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرَوَى عَنْهُ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ تَقْوِيَةَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ بِإِثْبَاتِهَا وَأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ قَدْ تَابَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ تَابَعَهُ وَكِيعٌ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَرْوِهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَالِاعْتِبَارُ لِمَنْ حَفِظَهَا لَا لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ وَكِيعٍ فَرَوَاهُ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ)
[٤٠٩٠] (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ صِفَتَانِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَاخْتَصَّ بِهِمَا لَا يَشْرَكُهُ أَحَدٌ فِيهِمَا وَلَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَتَعَاطَاهُمَا لِأَنَّ صِفَةَ المخلوق التواضع والتذلل
وضرب الرداء وا لإزار مَثَلًا فِي ذَلِكَ يَقُولُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا لَا يُشْرَكُ الْإِنْسَانُ فِي رِدَائِهِ وَإِزَارِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَشْرَكُنِي فِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مَخْلُوقٌ (فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ مِنَ الْوَصْفَيْنِ
وَمَعْنَى نَازَعَنِي تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمُشَارِكِ (قَذَفْتُهُ) أَيْ رَمَيْتُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِهِ وَفِيهِ عَذَّبْتُهُ مَكَانَ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ
[٤٠٩١] (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ مِقْدَارُ وَزْنِ حَبَّةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) قِيلَ إِنَّهُ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقِلَّةِ كَمَا جَاءَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ (مِنْ كِبْرٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ كِبْرَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قَابَلَهُ فِي نَقِيضِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُ
стр. 3678
الْجَنَّةَ نَزَعَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكِبْرِ حَتَّى يَدْخُلَهَا بِلَا كِبْرٍ وَلَا غِلٍّ فِي قَلْبِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ من غل انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بُعْدٌ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ عَلَى النَّاسِ وَاحْتِقَارُهِمْ وَدَفْعُ الْحَقِّ بَلِ الظَّاهِرُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا دُونَ مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ وَقِيلَ هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ وَقَدْ تَكَرَّمَ بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيهِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةَ إِمَّا أَوَّلًا وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْدَ تَعْذِيبِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا وَقِيلَ لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّلَ وَهْلَةٍ (وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال خردل من إيمان) وقال الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا دُخُولَ تَخْلِيدٍ وتأبيد
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
[٤٠٩٢] (إِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنِ التَّحْبِيبِ (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (إِمَّا قَالَ بِشِرَاكِ نعلي) بكسر الشين بالفارسية بند نعل ازدوال (وَإِمَّا قَالَ بِشِسْعِ نَعْلِي) بِكَسْرِ الشِّينِ هُوَ بالفارسية دوال نعل (ولكن الكبر من بطرا الْحَقَّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تضييعه من قولهم ذهب دم فلان بطر أَيْ هَدَرًا يَعْنِي الْكِبْرَ هُوَ تَضْيِيعُ الْحَقِّ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ
كذا قال بن مَالِكٍ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَطَرُ الْحَقِّ هُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا (وَغَمَطَ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ المعجمة وفتح الميم وكسرها وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اسْتِحْقَارِهِمْ وَتَعْيِيبِهِمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمَطُ النَّاسِ
стр. 3679
٢٩ - (بَاب فِي قَدْرِ مَوْضِعِ الْإِزَارِ)
[٤٠٩٣] (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) أَيْ عَلَى الْعَارِفِ بِهِ وَقَعْتَ وَهُوَ مَثَلٌ إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ (الْإِزْرَةُ بِكَسْرِ هَمْزٍ وَسُكُونِ زَايٍ الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِاتِّزَارِ مِثْلُ الرِّكْبَةِ وَالْجِلْسَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَى نِصْفِ السَّاقِ) أَيْ مُنْتَهِيَةً إِلَيْهِ يَعْنِي الْحَالَةَ وَالْهَيْئَةَ الَّتِي يُرْتَضَى مِنْهَا الْمُؤْمِنُ فِي الِاتِّزَارِ هِيَ أَنْ يَكُونَ على هذه الصفة (ولا حرج أو لاجناح) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ لَا إِثْمَ عَلَى الْمُسْلِمِ (فِيمَا بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ (مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ) أَيْ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ فَهُوَ فِي النَّارِ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِهِ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَفِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ فِي النَّارِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مَعْدُودٌ وَمَحْسُوبٌ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ انْتَهَى (مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ) عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (بَطَرًا) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ تَكَبُّرًا أَوْ فَرَحًا وَطُغْيَانًا بِالْغِنَى (لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِزَارُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَا كَانَ أَسْفَلُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ وممنوع
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهِ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
[٤٠٩٤] (الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ إِلَخْ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْإِسْبَالِ بِالْإِزَارِ بَلْ يَكُونُ فِي الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ
قَالَ بن رسلان والطيلسان والرداء والشملة
قال بن بَطَّالٍ وَإِسْبَالُ الْعِمَامَةِ الْمُرَادُ بِهِ إِرْسَالُ الْعَذَبَةِ زَائِدًا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ انْتَهَى
وَتَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ تَطْوِيلًا زَائِدًا عَلَى الْمُعْتَادِ مِنَ الْإِسْبَالِ
وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي
стр. 3680
عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ فِي الطُّولِ وَالسَّعَةِ كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَقَالَ بن ماجه قال أبو بكر يعني بن أَبِي شَيْبَةَ مَا أَعْرِفهُ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ انْتَهَى
[٤٠٩٥] (مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ) أَيْ مَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْبَالِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ أَيْضًا وَلَيْسَ بمختص بالإزار كما يدل عليه حديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعُ الْمَذْكُورُ آنِفًا وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا وَرَدَ بِذِكْرِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَحْدَهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ فَلَمَّا لَبِسَ النَّاسُ الْقَمِيصَ وَالدَّرَارِيعَ كَانَ حكمها حكم الإزار فِي النَّهْيِ كَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
[٤٠٩٦] (أنه رأى بن عَبَّاسٍ يَأْتَزِرُ) أَيْ يَلْبَسُ الْإِزَارَ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ائْتِزَارِهِ فَقَالَ (فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إِزَارِهِ) أَيْ طَرَفَهُ الْأَسْفَلَ (عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ) أَيْ نَازِلًا وَوَاقِعًا عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ (وَيَرْفَعُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقَفَا بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ مُنْتَهَاهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ لَعَلَّهُ وَقْتُ الرُّكُوعِ انْتَهَى
قُلْتُ نَشَأَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى (قُلْتُ) أَيْ لِابْنِ عَبَّاسٍ (لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الْإِزْرَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَهِيَ لِلْحَالَةِ كَالْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْ لِمَ تَأْتَزِرُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا مِنْكَ (قال) أي بن عَبَّاسٍ مُجِيبًا لِعِكْرِمَةَ عَنْ وَجْهِ ائْتِزَارِهِ بِالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتَزِرُهَا) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْإِزْرَةِ أَيْ يَلْبَسُ إِزَارَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي رَأَيْتَهَا مِنِّي بِأَنْ يَكُونَ طَرَفُهُ الْأَسْفَلِ مِنْ مُقَدَّمِهِ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ وَمِنْ جِهَةِ مُؤَخَّرِهِ مَرْفُوعًا بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِائْتِزَارَ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْإِسْبَالِ الْمُحَرَّمِ
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ كَانَ يُرْخِي الْإِزَارَ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَرْفَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ رواه بن سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ
следующие страницы →