Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
(الْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ) أَيْ إِذَا كَانَ رَبَطَهُ بِقَصْدِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا (لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هُوَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ (وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ) أَيْ عَنِ الْكَعْبَيْنِ
وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ الْغَائِبَ بِمَا فِيهِ مِنْ مَكْرُوهٍ شَرْعًا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَرْتَدِعُ عَنْهُ وَيَتْرُكُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ (فَأَخَذَ شَفْرَةً) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سِكِّينًا (إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ) أَيْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ حِينَ دُخُولِهِمْ بِلَادِهِمْ مِنَ السَّفَرِ (كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَهِيَ الْخَالُ أَيْ كَالْأَمْرِ الْمُتَبَيِّنِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ يَقْصِدُهُ إِذِ الْعَادَةُ دُخُولُ الْإِخْوَانِ عَلَى الْقَادِمِ قَصْدًا لِزِيَارَتِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنْ ذُنُوبٍ ومعاصي ويكثر وروده في الزنى وَكُلُّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ فَاحِشَةٍ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ (وَلَا التَّفَحُّشَ) هُوَ تَكَلُّفُ الْفُحْشِ وَتَعَمُّدُهُ
فَالْهَيْئَةُ الرَّدِيَّةُ وَالْحَالَةُ الْكَثِيفَةُ دَاخِلَةٌ أَيْضًا تَحْتَ الْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ وَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ
قَالَ المنذري وبن الْحَنْظَلِيَّةِ هُوَ سَهْلُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو وَيُقَالُ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ وَالْحَنْظَلِيَّةُ أُمُّهُ وَقِيلَ هِيَ أُمُّ جَدِّهِ وَهِيَ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ تَمِيمٍ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ إِلَّا قَيْسَ بْنَ بِشْرٍ فَاخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ (وَكَذَلِكَ) أَيْ كَمَا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بن عمر وعن هِشَامِ (قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْقُرَشِيِّ بِإِسْنَادِهِ (قَالَ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ) وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الحديث روي عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو
وَأَبُو نُعَيْمٍ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ
وَوَكِيعٌ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَكُلُّهُمْ أَيْ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَوَكِيعٌ رَوَى عَنْ هِشَامٍ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةً فِي النَّاسِ لَكِنَّ عبد الملك
стр. 3677
اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرَوَى عَنْهُ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ تَقْوِيَةَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ بِإِثْبَاتِهَا وَأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ قَدْ تَابَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ تَابَعَهُ وَكِيعٌ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَرْوِهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَالِاعْتِبَارُ لِمَنْ حَفِظَهَا لَا لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ وَكِيعٍ فَرَوَاهُ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ)
[٤٠٩٠] (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ صِفَتَانِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَاخْتَصَّ بِهِمَا لَا يَشْرَكُهُ أَحَدٌ فِيهِمَا وَلَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَتَعَاطَاهُمَا لِأَنَّ صِفَةَ المخلوق التواضع والتذلل
وضرب الرداء وا لإزار مَثَلًا فِي ذَلِكَ يَقُولُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا لَا يُشْرَكُ الْإِنْسَانُ فِي رِدَائِهِ وَإِزَارِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَشْرَكُنِي فِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مَخْلُوقٌ (فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ مِنَ الْوَصْفَيْنِ
وَمَعْنَى نَازَعَنِي تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمُشَارِكِ (قَذَفْتُهُ) أَيْ رَمَيْتُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِهِ وَفِيهِ عَذَّبْتُهُ مَكَانَ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ
[٤٠٩١] (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ مِقْدَارُ وَزْنِ حَبَّةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) قِيلَ إِنَّهُ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقِلَّةِ كَمَا جَاءَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ (مِنْ كِبْرٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ كِبْرَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قَابَلَهُ فِي نَقِيضِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُ
стр. 3678
الْجَنَّةَ نَزَعَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكِبْرِ حَتَّى يَدْخُلَهَا بِلَا كِبْرٍ وَلَا غِلٍّ فِي قَلْبِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ من غل انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بُعْدٌ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ عَلَى النَّاسِ وَاحْتِقَارُهِمْ وَدَفْعُ الْحَقِّ بَلِ الظَّاهِرُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا دُونَ مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ وَقِيلَ هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ وَقَدْ تَكَرَّمَ بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيهِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةَ إِمَّا أَوَّلًا وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْدَ تَعْذِيبِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا وَقِيلَ لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّلَ وَهْلَةٍ (وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال خردل من إيمان) وقال الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا دُخُولَ تَخْلِيدٍ وتأبيد
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
[٤٠٩٢] (إِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنِ التَّحْبِيبِ (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (إِمَّا قَالَ بِشِرَاكِ نعلي) بكسر الشين بالفارسية بند نعل ازدوال (وَإِمَّا قَالَ بِشِسْعِ نَعْلِي) بِكَسْرِ الشِّينِ هُوَ بالفارسية دوال نعل (ولكن الكبر من بطرا الْحَقَّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تضييعه من قولهم ذهب دم فلان بطر أَيْ هَدَرًا يَعْنِي الْكِبْرَ هُوَ تَضْيِيعُ الْحَقِّ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ
كذا قال بن مَالِكٍ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَطَرُ الْحَقِّ هُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا (وَغَمَطَ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ المعجمة وفتح الميم وكسرها وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اسْتِحْقَارِهِمْ وَتَعْيِيبِهِمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمَطُ النَّاسِ
стр. 3679
٢٩ - (بَاب فِي قَدْرِ مَوْضِعِ الْإِزَارِ)
[٤٠٩٣] (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) أَيْ عَلَى الْعَارِفِ بِهِ وَقَعْتَ وَهُوَ مَثَلٌ إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ (الْإِزْرَةُ بِكَسْرِ هَمْزٍ وَسُكُونِ زَايٍ الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِاتِّزَارِ مِثْلُ الرِّكْبَةِ وَالْجِلْسَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَى نِصْفِ السَّاقِ) أَيْ مُنْتَهِيَةً إِلَيْهِ يَعْنِي الْحَالَةَ وَالْهَيْئَةَ الَّتِي يُرْتَضَى مِنْهَا الْمُؤْمِنُ فِي الِاتِّزَارِ هِيَ أَنْ يَكُونَ على هذه الصفة (ولا حرج أو لاجناح) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ لَا إِثْمَ عَلَى الْمُسْلِمِ (فِيمَا بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ (مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ) أَيْ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ فَهُوَ فِي النَّارِ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِهِ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَفِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ فِي النَّارِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مَعْدُودٌ وَمَحْسُوبٌ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ انْتَهَى (مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ) عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (بَطَرًا) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ تَكَبُّرًا أَوْ فَرَحًا وَطُغْيَانًا بِالْغِنَى (لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِزَارُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَا كَانَ أَسْفَلُ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ وممنوع
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهِ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
[٤٠٩٤] (الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ إِلَخْ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْإِسْبَالِ بِالْإِزَارِ بَلْ يَكُونُ فِي الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ
قَالَ بن رسلان والطيلسان والرداء والشملة
قال بن بَطَّالٍ وَإِسْبَالُ الْعِمَامَةِ الْمُرَادُ بِهِ إِرْسَالُ الْعَذَبَةِ زَائِدًا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ انْتَهَى
وَتَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ تَطْوِيلًا زَائِدًا عَلَى الْمُعْتَادِ مِنَ الْإِسْبَالِ
وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي
стр. 3680
عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ فِي الطُّولِ وَالسَّعَةِ كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَقَالَ بن ماجه قال أبو بكر يعني بن أَبِي شَيْبَةَ مَا أَعْرِفهُ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ انْتَهَى
[٤٠٩٥] (مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ) أَيْ مَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْبَالِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ أَيْضًا وَلَيْسَ بمختص بالإزار كما يدل عليه حديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعُ الْمَذْكُورُ آنِفًا وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا وَرَدَ بِذِكْرِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَحْدَهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ فَلَمَّا لَبِسَ النَّاسُ الْقَمِيصَ وَالدَّرَارِيعَ كَانَ حكمها حكم الإزار فِي النَّهْيِ كَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
[٤٠٩٦] (أنه رأى بن عَبَّاسٍ يَأْتَزِرُ) أَيْ يَلْبَسُ الْإِزَارَ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ائْتِزَارِهِ فَقَالَ (فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إِزَارِهِ) أَيْ طَرَفَهُ الْأَسْفَلَ (عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ) أَيْ نَازِلًا وَوَاقِعًا عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ (وَيَرْفَعُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقَفَا بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ مُنْتَهَاهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ لَعَلَّهُ وَقْتُ الرُّكُوعِ انْتَهَى
قُلْتُ نَشَأَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى (قُلْتُ) أَيْ لِابْنِ عَبَّاسٍ (لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الْإِزْرَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَهِيَ لِلْحَالَةِ كَالْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْ لِمَ تَأْتَزِرُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا مِنْكَ (قال) أي بن عَبَّاسٍ مُجِيبًا لِعِكْرِمَةَ عَنْ وَجْهِ ائْتِزَارِهِ بِالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتَزِرُهَا) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْإِزْرَةِ أَيْ يَلْبَسُ إِزَارَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي رَأَيْتَهَا مِنِّي بِأَنْ يَكُونَ طَرَفُهُ الْأَسْفَلِ مِنْ مُقَدَّمِهِ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ وَمِنْ جِهَةِ مُؤَخَّرِهِ مَرْفُوعًا بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِائْتِزَارَ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْإِسْبَالِ الْمُحَرَّمِ
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ كَانَ يُرْخِي الْإِزَارَ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَرْفَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ رواه بن سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ
стр. 3681
قُلْتُ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْوَاعِ الْكَلَامِ لَا تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهَذَا الَّذِي قُلْتُ بِهِ هُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَانِي وَرَضِيَ بِهِ شَيْخُنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْيَمَانِيُّ وَإِلَيْهِ جَنَحَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ في شرح المشكاة والله أعلم
وحديث بن عَبَّاسٍ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٠ - (بَاب فِي لِبَاسِ النِّسَاءِ)
[٤٠٩٧] (أَنَّهُ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ إِلَخْ) قَالَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَلَا الْعَكْسُ
قَالَ الْحَافِظُ وَكَذَا فِي الكلام والمشي فأماهيئة اللِّبَاسِ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فَرُبَّ قَوْمٍ لَا يَفْتَرِقُ زِيُّ نِسَائِهِمْ مِنْ رِجَالِهِمْ فِي اللُّبْسِ لَكِنْ يَمْتَازُ النِّسَاءُ بِالِاحْتِجَابِ وَالِاسْتِتَارِ وَأَمَّا ذَمُّ التَّشَبُّهِ بِالْكَلَامِ وَالْمَشْيِ فَمُخْتَصٌّ بِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أصل خلقته فإنما يُؤْمَرُ بِتَكَلُّفِ تَرْكِهِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَمَادَى دَخَلَهُ الذَّمُّ وَلَا سِيَّمَا إِنْ بَدَا مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرضى بِهِ وَأَخْذُ هَذَا وَاضِحٌ مِنْ لَفْظِ الْمُتَشَبِّهِينَ
وَأَمَّا إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ كَالنَّوَوِيِّ أَنَّ الْمُخَنَّثَ الْخِلْقِيَّ لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ اللَّوْمُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِ التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّرِ فِي الْمَشْيِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ تَعَاطِيهِ الْمُعَالَجَةَ لِتَرْكِ ذَلِكَ وَإِلَّا مَتَى كَانَ تَرْكُ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَلَوْ بِالتَّدْرِيجِ فَتَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَحِقَهُ اللَّوْمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٤٠٩٨] لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَمَثَلِ الحمار يحمل أسفارا (وَالْمَرْأَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الرَّجُلِ أَيْ وَلَعَنَ الْمَرْأَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٠٩٩] (لُوَيْنُ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ لَقَبُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ (إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ) أَيِ الَّتِي يَخْتَصُّ
стр. 3682
بِالرِّجَالِ فَمَا حُكْمُهَا (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَةَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ (مِنَ النِّسَاءِ) بَيَانٌ لِلرَّجُلَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّهُ لَعَنَ الْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ يَعْنِي اللَّاتِي يَتَشَبَّهْنَ بِالرِّجَالِ فِي زِيِّهِمْ وهيأتهم فَأَمَّا فِي الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فَمَحْمُودٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَعَنَ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ بِمَعْنَى الْمُتَرَجِّلَةِ
وَيُقَالُ امرأة رجلة إذا شبهت بِالرِّجَالِ فِي الرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ انْتَهَى
وَفِي الْمِرْقَاةِ وَالتَّاءُ فِي الرَّجُلَةِ لِلْوَصْفِيَّةِ أَيِ الْمُتَشَبِّهَةُ فِي الْكَلَامِ وَاللِّبَاسِ بِالرِّجَالِ انْتَهَى
وَقَالَ السِّنْدِيُّ الرَّجُلَةُ تَأْنِيثُ الرَّجُلِ أَيِ الْمُتَشَبِّهَةُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(بَاب فِي قول الله تَعَالَى يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الْآيَةُ بِتَمَامِهَا)
فِي الْأَحْزَابِ هَكَذَا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وكان الله غفورا رحيما وقوله جلابيهن جَمْعُ جِلْبَابٍ وَهِيَ الْمُلَاءَةُ الَّتِي تَشْتَمِلُ بِهَا الْمَرْأَةُ أَيْ يُرْخِينَ بَعْضَهَا عَلَى الْوُجُوهِ إِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَتِهِنَّ إِلَّا عَيْنًا وَاحِدَةً كَذَا فِي الْجَلَالَيْنِ
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ الْجِلْبَابُ رِدَاءٌ فَوْقَ الْخِمَارِ تَسْتُرُ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلَ يَعْنِي يُرْخِينَهَا عَلَيْهِنَّ وَيُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ وَأَبْدَانَهُنَّ انْتَهَى (ذَلِكَ أَدْنَى) أَقْرَبُ إِلَى (أَنْ يُعْرَفْنَ) بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرٌ (فَلَا يُؤْذَيْنَ) بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ بِخِلَافِ الْإِمَاءِ فَلَا يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ
قَالَ السُّيُوطِيُّ هَذِهِ آيَةُ الْحِجَابِ فِي حَقِّ سَائِرِ النِّسَاءِ فَفِيهَا وُجُوبُ سَتْرِ الرَّأْسِ
وَالْوَجْهِ عَلَيْهِنَّ
[٤١٠٠] (لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النُّورِ عَمَدْنَ) أَيْ قَصَدْنَ (إِلَى حُجُورِ) بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (أَوْ حُجُوزِ) بالزاء المعجمة
стр. 3683
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْحُجُورُ لَا مَعْنَى له ها هنا وَإِنَّمَا هِيَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ هَكَذَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُسَيْكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ عَمَدْنَ إِلَى حُجَزِ أَوْ حُجُوزِ مَنَاطِقِهِنَّ فَشَقَقْنَهُنَّ وَالْحُجَزُ جَمْعُ الْحُجْزَةِ وَأَصْلُ الْحُجْزَةِ مَوْضِعُ مِلَاثِ الْإِزَارِ ثُمَّ قِيلَ لِلْإِزَارِ الْحُجْزَةُ وَأَمَّا الْحُجُوزُ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ وَيُقَالُ احْتَجَزَ الرَّجُلُ بِالْإِزَارِ إِذَا شَدَّهُ عَلَى وَسَطِهِ انْتَهَى (فَشَقَقْنَهُنَّ) أَيِ الْحُجُوزَ (فَاتَّخَذْنَهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَاتَّخَذْنَهُنَّ (خُمُرًا) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ خِمَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمِقْنَعَةُ وَنَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ خِطْتُهُ قَمِيصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرِ بْنِ جَابِرٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
[٤١٠١] (بن ثور) هو محمد بن ثور قال المزي (كأن على رؤوسهن الْغِرْبَانَ) جَمْعُ غُرَابُ (مِنَ الْأَكْسِيَةِ) جَمْعُ كِسَاءٍ شَبَّهَتِ الْخُمُرُ فِي سَوَادِهَا بِالْغُرَابِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
(باب في قول الله تعالى وليضربن بخمرهن على جيوبهن)
أي يسترن الرؤوس وَالْأَعْنَاقَ وَالصُّدُورَ بِالْمَقَانِعِ
[٤١٠٢] (يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ) إِضَافَةُ الْمَوْصُوفِ إِلَي الصِّفَةِ (الْأُوَلُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ جَمْعُ الْأُولَى أَيِ السَّابِقَاتُ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلْيَضْرِبْنَ إِلَخْ) هَذِهِ الآية في
стр. 3684
سُورَةِ النُّورِ (شَقَقْنَ أَكْنَفَ) بِالنُّونِ بَعْدَ الْكَافِ (قال بن صَالِحٍ) هُوَ أَحْمَدُ (أَكْثَفَ مُرُوطِهِنَّ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بعد الكاف ومروط جمع مِرْطٍ وَهُوَ كِسَاءٌ يُتَّزَرُ بِهِ أَيْ قَالَ سليمان بن داود وبن السَّرْحِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي رِوَايَاتِهِمْ شَقَقْنَ أَكْنَفَ مُرُوطِهِنَّ بِالنُّونِ أَيِ الْأَسْتَرَ وَالْأَصْفَقَ مِنْهَا وَمِنْ هَذَا قِيلَ لِلْوِعَاءِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الشيء كنف وللبناء الساتر لما رواه كَنَفٌ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ شَقَقْنَ أَكْثَفَ مُرُوطِهِنَّ بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ أَغْلَظَهَا وَأَثْخَنَهَا (فَاخْتَمَرْنَ بِهَا) أَيْ تَقَنَّعْنَ بِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيْوِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ الْمِصْرِيُّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جدا
[٤١٠٣] (حدثنا بن السَّرْحِ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ (قَالَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ خَالِي) قَالَ الْمِزِّيُّ اسْمُ خَالِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بن سالم (عن عقيل) بن خالد (عن بن شِهَابٍ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْحَدِيثَ فَقُرَّةُ بن عبد الرحمن وعقيل بن خالد كلاهمايرويان عَنِ الزُّهْرِيِّ وَنَظِيرُ هَذَا الْإِسْنَادِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ خَالِي عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَاب فِيمَا تُبْدِي الْمَرْأَةُ مِنْ زِينَتِهَا هِيَ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ حُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ أَوْ خِضَابٍ)
وَالْمُرَادُ مَوَاضِعُهَا
[٤١٠٤] (قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ دُرَيْكٍ) أَيْ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ بزيادة لفظ بن دُرَيْكٍ بَعْدَ خَالِدٍ وَدُرَيْكٍ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا (وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ) بِكَسْرِ
стр. 3685
الرَّاءِ جَمْعُ رَقِيقٍ (فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُعْرِضًا (إِذَا بَلَغْتِ الْمَحِيضَ) أَيْ زَمَانَ البلوغ وخص المحيض للغالب (لم يصح) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ (أَنْ يُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُبْصَرَ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ بَدَنِهَا وَأَعْضَائِهَا
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ مِنَ الْعَوْرَةِ فَيَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ مِمَّا تَدْعُو الشَّهْوَةُ إِلَيْهِ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مَا دُونَهِ
أَمَّا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْحَاجَةِ وَيَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْحَاجَةِ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ لا سيما عند كثرة الفساق قاله بن رَسْلَانَ
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ لَيْسَتَا مِنَ الْعَوْرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ وَهُوَ يَعْنِي مَا ظهر منها الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (أَيْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَرُجِّحَ حَسْمًا لِلْبَابِ انْتَهَى
وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين عن بن عباس ﵁ أخرجه بن أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنِ بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّصْرِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقٍ مَوْلَى بَنِي نَصْرٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ الْجُرْجَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ وَقَالَ مَرَّةً فِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بَدَلَ عَائِشَةَ
٤ - (بَاب فِي الْعَبْدِ يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ)
أَيْ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا [٤١٠٥] (اسْتَأْذَنَتِ
стр. 3686
النَّبِيَّ ﷺ إِلَخْ) الْحَدِيثُ لَا يُطَابِقُ الْبَابَ صَرِيحًا إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْمُؤَلِّفَ الْإِمَامَ قَاسَ الْعَبْدَ عَلَى الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ فَإِنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فَكَمَا جَازَ لِلْغُلَامِ الدُّخُولُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غير الأستئذان في غير الأوقات الثلاثة الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ جَازَ أَيْضًا لِلْعَبْدِ الدُّخُولُ عَلَى سَيِّدَتِهِ سَوَاءً لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَرَنَ الْعَبْدَ وَالْغُلَامَ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَجَعَلَ لَهُمَا حُكْمًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جناح بعدهن طوافون عليكم الْآيَةَ
فَاللَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ جَمِيعًا بِهَذَا الْحُكْمِ وَقَالَ لَيْسَ عَلَى الْعَبِيدِ وَعَلَى الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مِنَ الْأَحْرَارِ بَأْسٌ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ أَيَّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ شَاءُوا وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا مِنْكُمْ وَقْتَ الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقِيَامِ مِنَ الْمَضَاجِعِ وَطَرْحِ ثِيَابِ النَّوْمِ وَلُبْسِ ثِيَابِ الْيَقَظَةِ وَمَرَّةٍ حِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ لِلْقَيْلُولَةِ وَمَرَّةً بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّجَرُّدِ عَنِ اللِّبَاسِ وَالِالْتِحَافِ بِاللِّحَافِ وَقَالَ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ أَيْ هِيَ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ (يُحْتَمَلُ) فِيهَا تَسَتُّرُكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فِي تَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي آيَةَ الِاسْتِئْذَانِ فَيَنْسَخُهَا لِأَنَّهُ فِي الصِّبْيَانَ وَمَمَالِيكِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ وَتِلْكَ فِي الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ
قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَوْلُهُ طوافون عليكم أَيْ هُمْ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَهَذَا بَيَانٌ لِلْعُذْرِ الْمُرَخِّصِ فِي تَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ وَهُوَ الْمُخَالَطَةُ وَكَثْرَةُ المداخلة قاله البيضاوي
فلما أذن للعبد الدُّخُولِ عَلَى سَيِّدَتِهِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ فَإِنَّ غَالِبَ الْأَحْوَالِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَكْشِفُ الرَّأْسَ فِي بَيْتِهَا عِنْدَ ضَرُورَةِ الْحَرِّ أَوْ غَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وبن ماجه وأبوطيبة بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا بَاءٌ بِوَاحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ اسْمُهُ دِينَارٌ وَقِيلَ نَافِعٌ وَقِيلَ مَيْسَرَةُ وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي حَارِثَةَ
[٤١٠٦] (أَخْبَرَنَا أَبُو جُمَيْعٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مُصَغَّرًا (سَالِمُ بْنُ دِينَارٍ) بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أَبُو
стр. 3687
جُمَيْعٍ (أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ) أَيْ مُصَاحِبًا بِهُ (وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ) أَيْ قَصِيرٌ (إِذَا قَنَّعَتْ) أَيْ سَتَرَتْ (فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا تَلْقَى) أَيْ مَا تَلْقَاهُ فَاطِمَةُ مِنِ التَّحَيُّرِ وَالْخَجَلِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ فِي التَّسَتُّرِ مِنْ جَرِّ الثَّوْبِ مِنْ رِجْلِهَا إِلَى رأسها من رَأْسِهَا إِلَى رِجْلِهَا حَيَاءً أَوْ تَنَزُّهًا (قَالَ إِنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (إِنَّمَا هُوَ) أَيْ مَنِ اسْتَحْيَيْتِ مِنْهُ (أَبُوكِ وَغُلَامُكِ) أَيْ عَبْدُكِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ النَّظَرُ إِلَى سَيِّدَتِهِ وَأَنَّهُ مِنْ مَحَارِمِهَا يَخْلُو بِهَا وَيُسَافِرُ مَعَهَا وَيَنْظُرُ مِنْهَا مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَحْرَمُهَا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ كَالْأَجْنَبِيِّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَزَوُّجِهَا إِيَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَحَمَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ صَغِيرًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْغُلَامِ وَلِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وبقوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْآيَةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ لَا تَغُرَّنَّكُمْ آيَةُ النُّورِ فَالْمُرَادُ بِهَا الْإِمَاءُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو جُمَيْعٍ سَالِمُ بْنُ دِينَارٍ ألهجيمى البصري
قال بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ بَصْرِيٌّ لين الحديث وهوسالم بن أبي راشد
٥ - (باب في قوله تعالى غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ)
الْإِرْبَةُ وَالْإِرْبُ الْحَاجَةُ وَالشَّهْوَةُ والمراد من غير أولى الإربة الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى النِّسَاءِ لِكِبَرٍ أَوْ تَخْنِيثٍ أَوْ عُنَّةٍ
[٤١٠٧] (عَنْ مَعْمَرِ) بْنِ رَاشِدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) فَمَعْمَرٌ يَرْوِي عَنْ شَيْخَيْنِ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامٍ وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ) بفتح النون
стр. 3688
وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي يَلِينُ فِي قَوْلِهِ وَيَتَكَسَّرُ فِي مِشْيَتِهِ وَيَنْثَنِي فِيهَا كَالنِّسَاءِ وَقَدْ يَكُونُ خِلْقَةً وَقَدْ يَكُونُ تَصَنُّعًا مِنَ الْفَسَقَةِ وَمَنْ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ خِلْقَةً فَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ وَلِذَلِكَ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَعْدُدْنَ هَذَا الْمُخَنَّثَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وَكُنَّ لَا يَحْجُبْنَهُ إِلَى أَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَا ظَهَرَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ (إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ) الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعِ هِيَ الْعُكَنُ جَمْعُ عُكْنَةٍ وَهِيَ الطَّيَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبَطْنِ مِنْ كَثْرَةِ السِّمَنِ يُقَالُ تَعَكَّنَ الْبَطْنُ إِذَا صَارَ ذَلِكَ فِيهِ وَلِكُلِّ عُكْنَةٍ طَرَفَانِ فَإِذَا رَآهُنَّ الرَّائِي مِنْ جِهَةِ الْبَطْنِ وَجَدَهُنَّ أَرْبَعًا وَإِذَا رَآهُنَّ مِنْ جِهَةِ الظَّهْرِ وَجَدَهُنَّ ثَمَانِيًا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا مَمْلُوءَةُ الْبَدَنِ بِحَيْثُ يَكُونُ لِبَطْنِهَا عُكَنٌ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلسَّمِينَةِ مِنِ النِّسَاءِ وَجَرَتْ عَادَةُ الرِّجَالِ غَالِبًا فِي الرَّغْبَةِ فِيمَنْ تَكُونُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ (هَذَا) أَيِ الْمُخَنَّثُ (فَحَجَبُوهُ) أَيْ مَنَعُوهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ مَنْعُ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ وَمَنْعُهُنَّ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ وَبَيَانُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الرِّجَالِ الْفُحُولِ الرَّاغِبِينَ فِي النِّسَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَكَذَا حُكْمُ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ ذَكَرُهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ انْتَهَى
وَقَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
وَأَبُو دَاوُدَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ
وَالنَّسَائِيُّ فِي عشرة النِّسَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ
وَعَنْ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
وَرَوَاهُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَلَمَةَ
стр. 3689
وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ
[٤١٠٩] (زَادَ) أَيْ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ (وَأَخْرَجَهُ) أَيْ أَخْرَجَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ الْمُخَنَّثَ (فَكَانَ) أَيِ الْمُخَنَّثُ (بِالْبَيْدَاءِ) بِالْمَدِّ الْقَفْرُ وَكُلُّ صَحْرَاءٍ فَهِيَ بَيْدَاءُ كَأَنَّهَا تُبِيدُ سَالِكَهَا أَيْ تَكَادُ تُهْلِكُهُ (يَسْتَطْعِمُ) أَيْ يَطْلُبُ الطَّعَامَ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَدْخُلُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعُقُوبَةِ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ لِمَا يُخَافُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْفِسْقِ
[٤١١٠] (إِنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمُخَنَّثُ (إِذًا يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (فَيَسْأَلُ ثُمَّ يَرْجِعُ) أَيْ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْدَاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ الله تعالى
(باب في قوله وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)
فِي الْقَامُوسِ غَضَّ طَرَفَهُ خَفَضَهُ
[٤١١١] (فَنُسِخَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ) أَيِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ الْآيَةَ
وَالْفِعْلَانِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ فَاعِلِهِمَا هُوَ قَوْلُهُ الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَخْ (الْقَوَاعِدُ من النساء) أَيِ اللَّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ لِكِبَرِهِنَّ (اللاتي لا يرجون نكاحا الْآيَةَ) وَتَمَامُ الْآيَةِ
стр. 3690
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سميع عليم وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى بِعُمُومِهَا كَانَتْ شَامِلَةً لِلْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ أَيْضًا فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ خَرَجْنَ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ الْأُولَى فَلَهُنَّ أَنْ لَا يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ
[٤١١٢] (حَدَّثَنِي نَبْهَانُ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ (احْتَجِبَا) الْخِطَابُ لِأُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ ﵄ (منه) أي من بن أُمِّ مَكْتُومٍ (أَفَعَمْيَاوَانِ) تَثْنِيَةُ عَمْيَاءَ تَأْنِيثُ أَعْمَى
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَظَرُ الرَّجُلِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نَظَرُ الْمَرْأَةِ وَهُوَ أحد قول الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلِقَوْلِهِ تعالى قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْآدَمِيِّينَ فَحَرُمَ عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إِلَى النَّوْعِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الرِّجَالِ وَيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ هُوَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً وَأَقَلُّ عَقْلًا فَتُسَارِعُ إِلَيْهَا الْفِتْنَةُ أَكْثَرَ مِنِ الرَّجُلِ
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فأقد وأقدر الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ غير مكلفة على ما تقتضي بِهِ عِبَارَةُ الْحَدِيثِ
وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحِجَابِ
وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَلِعَائِشَةَ يَوْمَئِذٍ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةٍ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تعتد في بيت بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَالَ إِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ غَضِّ الْبَصَرِ مِنْهَا وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ الِاجْتِمَاعِ فِي الْبَيْتِ وَالنَّظَرِ
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً إِلَخْ) أَيْ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مُخْتَصٌّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ هَكَذَا جَمَعَ الْمُؤَلِّفُ أَبُو دَاوُدَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ
стр. 3691
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ قُلْتُ وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ وَبِهِ جَمَعَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِيهِ وَاسْتَحْسَنَهُ شَيْخُنَا انْتَهَى
وَجَمَعَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بالاحتجاب من بن أُمِّ مَكْتُومٍ لَعَلَّهُ لِكَوْنِ الْأَعْمَى مَظِنَّةَ أَنْ يَنْكَشِفَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوَازِ النَّظَرِ مُطْلَقًا
قَالَ وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْأَسْفَارِ مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ وَلَمْ يُؤْمَرِ الرِّجَالُ قَطُّ بِالِانْتِقَابِ لِئَلَّا يَرَاهُمُ النِّسَاءُ فَدَلَّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْحُكْمِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَبِهَذَا احْتَجَّ الْغَزَالِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٤١١٣] (إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ) أَيْ مَمْلُوكَتَهُ (فَلَا يَنْظُرْ إِلَى عَوْرَتِهَا) لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَيَجِيءُ تَفْسِيرُ الْعَوْرَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
[٤١١٤] (إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ) أَيْ أَمَتَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَادِمَتَهُ (فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونِ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ) هَذَا تَفْسِيرُ الْعَوْرَةِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ كِلْتَاهُمَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَكَذَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأُمَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّرَّةَ مِنَ الرَّجُلِ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَأَمَّا الرُّكْبَةُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَيْسَتْ مِنَ الْعَوْرَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهَا مِنْهَا وَأَمَّا عَوْرَةُ الْأَمَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ بَطْنَهَا وَظَهْرَهَا انْتَهَى (وَصَوَابُهُ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى دَاوُدَ بْنِ سَوَّارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ (سَوَّارُ بْنُ دَاوُدَ) لَا دَاوُدُ بْنُ سَوَّارٍ كَمَا وهم وكيع
стр. 3692
٣٧ - (باب كيف الِاخْتِمَارِ)
[٤١١٥] (وَهِيَ تَخْتَمِرُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ دَخَلَ عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِهَا تَلْبَسُ خِمَارِهَا يُقَالُ اخْتَمَرَتِ الْمَرْأَةُ وَتَخَمَّرَتْ إِذَا لَبِسَتِ الْخِمَارَ كَمَا قَالَ اعْتَمَّ وَتَعَمَّمَ إِذَا لَبِسَ الْعِمَامَةَ
وَالْخِمَارُ بِالْكَسْرِ الْمِقْنَعَةُ (فَقَالَ لَيَّةً) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالنَّاصِبُ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ أَيْ لَوِّيهِ لَيَّةً (لَا لَيَّتَيْنِ) أَمَرَهَا أَنْ تَلْوِيَ خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَتُدِيرُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَرَّتَيْنِ لِئَلَّا يُشْبِهَ اخْتِمَارُهَا تَدْوِيرَ عَمَائِمِ الرِّجَالِ إذا اعتموا فيكون ذلك من التشبيه الْمُحَرَّمِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْقَاضِي أَمَرَهَا بِأَنْ تَجْعَلَ الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا وَتَحْتَ حَنَكِهَا عَطْفَةً وَاحِدَةً لَا عَطْفَتَيْنِ حَذَرًا عَنِ الْإِسْرَافِ أَوِ التَّشَبُّهِ بِالْمُتَعَمِّمِينَ انْتَهَى (لَا تُكَرِّرْهُ) أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ أَوِ الْخِمَارَ (طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ) وَمَعْنَى الطَّاقِ فِي الْهِنْدِيَّةِ بيج وته وَفِي الصِّحَاحِ وَيُقَالُ طَاقُ نَعْلٍ وَجَاءَ فِي الْهِدَايَةِ لَفْظُ طَاقٍ فِي مَحَلٍّ حَيْثُ قَالَ الْقُرْطَقُ الَّذِي ذُو طَاقٍ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ هُوَ تَعْرِيبُ كرته يكتاهي انْتَهَى
وَالْمَعْنَى لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ بَلْ تَقْتَصِرْ على اللي مرة واحدة وتكرار اللَّيِّ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ تَكْرَارَ الشَّيْءِ هُوَ فِعْلُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ فَعَلَ أَحَدٌ شَيْئًا مَرَّةً فَقَطْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرَارًا
نَعَمْ إِنْ فَعَلَهُ مَرَّتَيْنِ أَيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا وَاحِدًا وإن فعله ثلاث مرار كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارَيْنِ وَإِنْ فَعَلَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كان ذلك ثلاث تكرارت وَهَكَذَا فَإِذَا فَعَلَ اللَّيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرَارًا لَهُ وَكَانَ هَذَا جَائِزًا وَإِذَا فَعَلَ مَرَّتَيْنِ كَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا لَهُ واحدا ولم يكن هذا جائز وكذلك إن فعل ثلاث مرارا وأكثر مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ ﵀ لَا تُكَرِّرْهُ طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّكْرَارُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَيْ لَا تُكَرِّرِ اللَّيَّ أَصْلًا وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذِكْرِ التَّكْرَارِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَدَمُ جَوَازِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى لَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا وَالْحَاصِلُ لا تكرر لي الخمار مرة أي مَرَّتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهْبٌ هَذَا يشبه المجهول انتهى
وفي الخلاصة وثقة بن حبان
стр. 3693
٣٨ - (بَاب فِي لِبْسِ الْقَبَاطِيِّ لِلنِّسَاءِ)
الْقَبَاطِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَمُوَحَّدَةٍ وَكَسْرِ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ جَمْعُ قُبْطِيَّةٍ وَهِيَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ مِصْرَ رَقِيقَةٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقِبْطِ وَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ وَضَمُّ الْقَافِ مِنْ تَغْيِيرِ النَّسَبِ وَهَذَا فِي الثِّيَابِ فَأَمَّا فِي النَّاسِ فَقِبْطِيٌّ بِالْكَسْرِ
وَفِي الْمِصْبَاحِ وَالْقُبْطِيُّ ثَوْبٌ مِنْ كَتَّانٍ رَقِيقٍ يُعْمَلُ بِمِصْرَ نِسْبَةً إِلَى الْقِبْطِ انْتَهَى
[٤١١٦] (عَنْ دِحْيَةَ) بِكَسْرِ الدال المهملة ويفتح وسكون الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَتَحْتِيَّةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ التَّابِعِينَ (أُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ جِيءَ (بِقَبَاطِيَّ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ كَأَمَانِيَّ (فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبْطِيَّةَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَيُكْسَرُ (اصْدَعْهَا) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ شُقَّهَا (صِدْعَيْنِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِهِ اسْمٌ وَالْمَعْنَى اقْطَعْهَا نِصْفَيْنِ (تَخْتَمِرُ بِهِ) أَيْ بِالْآخَرِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ مَجْزُومٌ جَوَابًا
كَذَا قَوْلُهُ لَا يَصِفُهَا (فَلَمَّا أَدْبَرَ) أَيْ دِحْيَةُ فَفِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى (وَأْمُرْ) أَمْرٌ مِنَ الْأَمْرِ (لَا يَصِفُهَا) أَيْ لَا يَنْعَتُهَا وَلَا يُبَيِّنُ لَوْنَ بَشَرَتِهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ الْقُبْطِيُّ رَقِيقًا
وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهَا بِهَذَا اهْتِمَامًا بِحَالِهَا وَلِأَنَّهَا قَدْ تُسَامَحُ فِي لُبْسِهَا بخلاف الرَّجُلِ فَإِنَّهُ غَالِبًا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ فَوْقَ السَّرَاوِيلِ وَالْإِزَارِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَدْ تَابَعَ بن لَهِيعَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمِصْرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ (رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمِصْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ (فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ مَكَانَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
стр. 3694
٣٩ - (بَاب فِي قَدْرِ الذَّيْلِ)
[٤١١٧] (حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ) أَيْ ذَمَّ إِسْبَالَهُ (فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) عَطْفٌ عَلَى الْكَلَامِ الْمُقَدَّرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَعَلَّ الْمُقَدَّرَ قَوْلُهُ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ أَيْ فَمَا تَصْنَعُ الْمَرْأَةُ أَوْ فَالْمَرْأَةُ مَا حُكْمُهَا كَذَا قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ (قَالَ تُرْخِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ تُرْسِلُ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَوْبِهَا (شِبْرًا) أَيْ مِنْ نِصْفِ السَّاقَيْنِ (قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِذًا) بِالتَّنْوِينِ (يَنْكَشِفُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَنْكَشِفُ أَيِ الْقَدَمُ (عَنْهَا) أَيِ الْمَرْأَةِ إِذَا مَشَتْ (فَذِرَاعٌ) أَيْ فَالْقَدْرُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ذِرَاعٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَذِرَاعًا أَيْ فَتُرْخِي ذِرَاعًا (لَا تَزِيدُ) أَيِ الْمَرْأَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَدْرِ الذِّرَاعِ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ بِهِ الذِّرَاعُ الشَّرْعِيُّ إِذْ هُوَ أَقْصَرُ مِنَ الْعُرْفِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤١١٨] (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى إِلَخْ) الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى نَافِعٍ فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأُولَى وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَمَا فِي هَذِهِ الرواية وروى بن إِسْحَاقَ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَفْسِهَا
قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ اخْتِلَافَاتٌ أُخْرَى وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حديث بن عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبَى الصديق عن بن عمر انتهى
وحديث بن عُمَرَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ هُوَ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْبَابِ
[٤١١٩] (أَخْبَرَنِي زَيْدٌ الْعَمِّيُّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (فَزَادَهُنَّ شِبْرًا) أَيْ شِبْرًا آخَرَ فَصَارَ ذِرَاعًا
стр. 3695
قَالَ الْحَافِظُ أَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَدْرَ الذِّرَاعِ الْمَأْذُونَ فِيهِ وَأَنَّهُ شِبْرَانِ بِشِبْرِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ (فنذرع لهن ذراعا) وفي رواية بن ماجه فنذرع لهن بالقصب ذراعا
قال بن رَسْلَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّبْرِ وَالذِّرَاعِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَدْرُ زَائِدًا عَلَى قَمِيصِ الرَّجُلِ لَا أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْأَرْضِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَا لَفْظُهُ إِنَّ لِلرِّجَالِ حَالَيْنِ حَالَ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ أَنْ يَقْتَصِرَ بِالْإِزَارِ عَلَى نِصْفِ السَّاقِ وَحَالَ جَوَازٍ وَهُوَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَكَذَلِكَ لِلنِّسَاءِ حَالَانِ حَالُ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا هُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِقَدْرِ الشِّبْرِ وَحَالُ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّرَ لِفَاطِمَةَ مِنْ عَقِبِهَا شِبْرًا وَقَالَ هَذَا ذَيْلُ الْمَرْأَةِ
وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِلَفْظِ شَبَّرَ مِنْ ذَيْلِهَا شِبْرًا أَوْ شِبْرَيْنِ وَقَالَ لَا تَزِدْنَ عَلَى هَذَا وَلَمْ يُسَمِّ فَاطِمَةَ
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مُعْتَمِرٌ عن حميد
قال الحافظ وأوشك مِنَ الرَّاوِي وَالَّذِي جَزَمَ بِالشِّبْرِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّرَ لِفَاطِمَةَ شِبْرًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن ماجه وأخرجه النسائي من حديث بن عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ وَفِي إِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ وَهُوَ أَبُو الْحَوَارِيِّ زَيْدُ بْنُ الْحَوَارِيِّ الْعَمِّيُّ الْبَصْرِيُّ قَاضِي هَرَاةَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقِيلَ لَهُ الْعَمِّيُّ لِأَنَّهُ كُلَّمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ حَتَّى أَسْأَلَ عَمِّي وَالْعَمِّيُّ أَيْضًا مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَمِّ بَطْنٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَأَمَّا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَحْمُودٍ الْعَمِّيُّ فَقِيلَ لَهُ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْعَمِّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ
٠ - (بَاب فِي أُهُبِ الْمَيْتَةِ)
بفتح الهمزة والهاء وبضمها لغتان جمع إهاب بكس الْهَمْزَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْإِهَابِ فَقِيلَ هُوَ الْجِلْدُ مُطْلَقًا وَقِيلَ هُوَ الجلد قبل
стр. 3696
الدِّبَاغِ فَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يُسَمَّى إِهَابًا انْتَهَى
وَسَيَجِيءُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ يسمى إهابا لَمْ يُدْبَغْ فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَهُ إِهَابٌ
[٤١٢٠] (قَالَ مُسَدَّدٌ وَوَهْبٌ عَنْ مَيْمُونَةَ) أَيْ قالا في روايتهما عن بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِزِيَادَةِ وَاسِطَةِ مَيْمُونَةَ
وَأَمَّا عثمان وبن أَبِي خَلَفٍ فَلَمْ يَذْكُرَا مَيْمُونَةَ (أُهْدِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَلَا) هُوَ لِلتَّحْضِيضِ (فَاسْتَمْتَعْتُمْ) أَيِ اسْتَنْفَعْتُمْ (بِهِ) أَيْ بِإِهَابِهَا (إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ لَفْظَ القرآن (حرمت عليكم الميتة) وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فِي كُلِّ حَالٍ فَخَصَّتِ السُّنَّةُ ذَلِكَ بِالْأَكْلِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لِجُلُودِ الْمَيْتَةِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى سَبْعَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جَمِيعُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَغَيْرِهِ وَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ وَبَاطِنُهُ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَائِعَةِ وَالْيَابِسَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ ﵃ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَلَا يطهر غيره وهو مذهب الأوزاعي وبن الْمُبَارَكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ يَطْهُرُ جُلُودُ جَمِيعِ الْمَيْتَاتِ إِلَّا الْخِنْزِيرَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ
وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ يَطْهُرُ الجميع إلا أنه يطهر ظاهر لا دُونَ بَاطِنِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسَاتِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ فِي حِكَايَةِ أَصْحَابِنَا عَنْهُ
وَالْمَذْهَبُ السَّادِسُ يَطْهُرُ الْجَمِيعُ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يوسف
والمذهب السابع أنه ينتفع جلود الْمَيْتَةِ وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَائِعَاتِ وَالْيَابِسَاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ
كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مسلم
стр. 3697
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه وحديث بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن عبيد الله عن بن عباس وفيه فَمَرَّ بِهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هلا أخذتم إهابها فد بغتموه الْحَدِيثَ انْتَهَى
[٤١٢١] (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ الْمَذْكُورِ (لَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ مَيْمُونَةَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَافِظِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ مَيْمُونَةُ
نَعَمْ أَخْرَجَ مسلم والنسائي من طريق بن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ بن عَبَّاسٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ (لَمْ يَذْكُرِ الدِّبَاغَ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ قَوْلَهُ أَلَا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا
[٤١٢٢] (وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ وَيَقُولُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ وَتَمَسَّكَ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الدِّبَاغِ وَيُجَابُ بِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ وَجَاءَتِ الرِّوَايَاتُ الْبَاقِيَةُ بِبَيَانِ الدِّبَاغِ وَأَنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ
[٤١٢٣] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ بِهَذَا الْوَجْهِ أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لِجِلْدِ مَيْتَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ كَمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ عُمُومِ كَلِمَةِ أَيُّمَا وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْإِهَابُ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ جِلْدَ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرَهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ جِلْدَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُسَمَّى إِهَابًا وَذَهَبُوا إِلَى أن الدباغ
стр. 3698
لَا يَعْمَلُ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا فِي جِلْدِ الْجِنْسِ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْإِهَابِ يَتَنَاوَلُ جِلْدَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَتَنَاوُلِهِ جِلْدَ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ قَوْلُ عَائِشَةَ حِينَ وَصَفَتْ أَبَاهَا وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا تُرِيدُ بِهِ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ كَلْبَيْنِ لَا يَذْخَرَانِ مِنَ الْإِيغَالِ بَاقِيَةً حَتَّى يَكَادَ تُفَرَّى عَنْهُمَا الْأُهُبُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٤١٢٤] (قُسَيْطٌ) بِالْقَافِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا (أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ) هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ كُلَّهَا طَاهِرَةٌ بَعْدَ الدِّبَاغِ يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَأُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ تُنْسَبْ وَلَمْ تُسَمَّ
[٤١٢٥] (عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ) يفتح الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا نُونٌ (عَنْ سَلَمَةَ بن المحبق) ويجيء ضبط فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ (فَسَأَلَ) أَيْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهَا مَيْتَةٌ) الْمَعْنَى أَنَّ الْقِرْبَةَ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ (فَقَالَ دِبَاغُهَا طُهُورُهَا) أَيْ طَهَارَتُهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِهَابَ الْمَيْتَةِ إِذَا مَسَّهُ الْمَاءُ بَعْدَ الدِّبَاغِ يَنْجُسُ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَطَهَارَةِ الْمُذَكَّى وَأَنَّهُ إِذَا بُسِطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ أَوْ خُرِزَ مِنْهُ خُفٌّ فَصُلِّيَ فِيهِ جَازَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ لَا نعرف هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَجَوْنٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدهَا نُونٌ
وَسَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبَّقِ لَهُ صُحْبَةٌ وَهُوَ هُذَلِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ كُنْيَتُهُ أَبُو سِنَانٍ وَاسْمُ الْمُحَبَّقِ صَخْرٌ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَقَافٌ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَ الْبَاءَ
стр. 3699
وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ مَكْسُورَةٌ وَإِنَّمَا سماه أبو الْمُحَبَّقَ تَفَاؤُلًا بِشَجَاعَتِهِ أَنَّهُ يُضْرِطُ أَعْدَاءَهُ
[٤١٢٦] (عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أُمِّهِ (فَقَالَتْ أو يحل ذَلِكَ) الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا (مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ إِلَخْ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهَا نَعَمْ (مِثْلُ الْحِمَارِ) أَيْ مِثْلُ جَرِّهِ أَوْ كَوْنُهَا مَيْتَةٌ مُنْتَفِخَةٌ (يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ) بِفَتْحَتَيْنِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَرَظُ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِهِ الْأُهُبُ وَهُوَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُفُوصَةِ والقبض ينشف الملة وَيُذْهِبُ الرَّخَاوَةَ وَيُجَفِّفُ الْجِلْدَ وَيُصْلِحُهُ وَيُطَيِّبُهُ فَكُلُّ شَيْءٍ عَمِلَ عَمَلَ الْقَرَظِ كَانَ حُكْمُهُ فِي التَّطْهِيرِ حُكْمَهُ
وَذِكْرُ الْمَاءِ مَعَ الْقَرَظِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَرَظَ يَخْتَلِطُ بِهِ حِينَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِلْدِ وَيَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجِلْدَ إِذَا خَرَجَ مِنِ الدِّبَاغِ غُسِلَ بِالْمَاءِ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنْ وَضَرِ الدَّبْغِ وَدَرَنِهِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُطَهِّرُهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
١ - (بَاب مَنْ رَوَى أَنْ لَا يستنفع بإهاب الميتة)
[٤١٢٧] (عن عبد اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ قُرِئَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا) أَنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذكر الشيخ بن القيم ﵀ حديث بن عُكَيْم وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ حَدِيث بْن عُكَيْم مُضْطَرِب جِدًّا
فَلَا يُقَاوِم الْأَوَّل وَاخْتَلَفَ مَالِك وَالْفُقَهَاء في حديث بن عُكَيْم وَأَحَادِيث الدِّبَاغ
стр. 3700
مُفَسِّرَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ (بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ أَطْنَابُ مَفَاصِلِ الْحَيَوَانِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤١٢٨] (رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ (كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَدِيثُ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ دُبِغَ الْجِلْدُ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَاسِخٌ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ فَصَّلَهَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَقَالَ بَعْدَ تَفْصِيلِهَا وَمُحَصَّلُ الْأَجْوِبَةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِرْسَالُ لِعَدَمِ سَمَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ الِانْقِطَاعُ لِعَدَمِ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ثُمَّ الِاضْطِرَابُ فِي سَنَدِهِ فَإِنَّهُ تَارَةً قَالَ عَنْ كِتَابِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَطَائِفَة قَدَّمَتْ أَحَادِيث الدِّبَاغ عَلَيْهِ لِصِحَّتِهَا وَسَلَامَتهَا من الاضطراب وطعنوا في حديث بن عُكَيْم بِالِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَاده
وَطَائِفَة قَدَّمَتْ حَدِيث بن عكيم لتأخره وثقة رواته ورأو أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب لَا يَمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ
وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عُبَيْد اللَّه بن عكيم فالحديث مَحْفُوظ
قَالُوا وَيُؤَيِّدهُ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِنْ النَّهْي عَنْ اِفْتِرَاش جُلُود السِّبَاع وَالنُّمُور كَمَا سَيَأْتِي
وَطَائِفَة عَمِلَتْ بِالْأَحَادِيثِ كُلّهَا وَرَأَتْ أَنَّهُ لَا تَعَارُض بينها فحديث بن عُكَيْم إِنَّمَا فِيهِ النَّهْي عَنْ الِانْتِفَاع بِإِهَابِ الْمَيْتَة
وَالْإِهَاب هُوَ الْجِلْد الَّذِي لَمْ يُدْبَغ كَمَا قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ الْإِهَاب الْجِلْد مَا لَمْ يُدْبَغ وَالْجَمْع أُهُب
وَأَحَادِيث الدِّبَاغ تَدُلّ عَلَى الِاسْتِمْتَاع بِهَا بَعْد الدِّبَاغ فَلَا تَنَافِي بَيْنهَا
وَهَذِهِ الطَّرِيقَة حَسَنَة لولا أن قوله في الحديث بن عُكَيْم كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُود الْمَيْتَة فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب وَاَلَّذِي كَانَ رَخَّصَ فِيهِ هُوَ الْمَدْبُوغ
بِدَلِيلِ حَدِيث مَيْمُونَة
وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ
стр. 3701
النَّبِيِّ ﷺ وَتَارَةً عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ وَتَارَةً عَمَّنْ قَرَأَ الْكِتَابَ ثُمَّ الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِتَقْيِيدِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ التَّرْجِيحُ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الدِّبَاغِ أَصَحُّ ثُمَّ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ بِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ لَا بَعْدَهُ حَمَلَهُ عَلَى ذلك بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ في الفتح بعد ما تَكَلَّمَ عَلَى بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مُعَارَضَةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَهُ وَأَنَّهَا عَنْ سَمَاعٍ وَهَذَا عَنْ كِتَابَةٍ وَأَنَّهَا أَصَحُّ مَخَارِجٍ وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْإِهَابِ عَلَى الجلد قَبْلَ الدِّبَاغِ وَأَنَّهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ لَا يُسَمَّى إِهَابًا إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ كَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ انْتَهَى
وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ بَعْدَ تَمَامِ الْحَدِيثِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ أَيْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الميتة بإهاب ولا عصب ولكن ثم تَرَكَ الْحَدِيثَ لِلِاضْطِرَابِ فِي الْإِسْنَادِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَيَجِيءُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِي عِبَارَةِ الْمُنْذِرِيِّ (إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ قِرْبَةً خَلِقَةً
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ وَكَانَ يَقُولُ كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَازِمٍ الْحَافِظُ وَقَدْ حَكَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي حَدِيثِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهمَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يَذْكُرهَا أَحَد مِنْ أَهْل السُّنَن فِي هَذَا الْحَدِيث وَإِنَّمَا ذكروا قوله ﷺ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة الْحَدِيث وَإِنَّمَا ذَكَرهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ خَالِد الْحَذَّاء وَشُعْبَة عَنْ الْحَكَم فَلَمْ يَذْكُرَا كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فَهَذِهِ اللَّفْظَة فِي ثُبُوتهَا شَيْء
وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّ الرُّخْصَة كَانَتْ مُطْلَقَة غَيْر مُقَيَّدَة بِالدِّبَاغِ وَلَيْسَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ ذِكْر الدِّبَاغ وَلِهَذَا كَانَ يُنْكِرهُ وَيَقُول نَسْتَمْتِع بِالْجِلْدِ عَلَى كُلّ حَال فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَخِيرًا وَأَحَادِيث الدِّبَاغ قِسْم آخَر لَمْ يَتَنَاوَلهَا النَّهْي وَلَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ وَلَا مَنْسُوخَة وَهَذِهِ أَحْسَن الطُّرُق
وَلَا يُعَارِض مِنْ ذَلِكَ نَهْيه عَنْ جُلُود السِّبَاع فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ مُلَابَسَتهَا بِاللُّبْسِ وَالِافْتِرَاش كَمَا نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومهَا لِمَا فِي أَكْلهَا وَلُبْس جُلُودهَا مِنْ الْمَفْسَدَة وَهَذَا حُكْم لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَلَا نَاسِخ أَيْضًا وَإِنَّمَا هُوَ حُكْم اِبْتِدَائِيّ رَافِع لِحُكْمِ الِاسْتِصْحَاب الْأَصْلِيّ
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَة تَأْتَلِف السُّنَن وَتَسْتَقِرّ كُلّ سَنَة مِنْهَا فِي مُسْتَقَرّهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 3702
بن عُكَيْمٍ لَمَّا رَأَى تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ رَجَعَ عَنْهُ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ تَصْنِيفِهُ وحديث بن عُكَيْمٍ مُضْطَرِبٌ جِدًّا فَلَا يُقَاوِمُ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ في الصحيحين يعني حديث ميمونة وقال أبو عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله عن بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٢ - (بَاب فِي جُلُودِ النُّمُورِ وَالسِّبَاعِ)
جَمْعُ نَمِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهُوَ سَبُعٌ أَجْرَأُ وَأَخْبَثُ مِنَ الْأَسَدِ وَهُوَ مُنَقَّطُ الْجِلْدِ نُقَطٌ سُودٌ وَبِيضٌ وَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْأَسَدِ إِلَّا أَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ وَرَائِحَةُ فَمِهِ طَيِّبَةٌ بِخِلَافِ الْأَسَدِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ عَدَاوَةٌ وَهُوَ بَعِيدُ الْوَثْبَةِ فَرُبَّمَا وَثَبَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا
[٤١٢٩] (لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ) جَمْعُ نَمِرٍ وَالنَّمِرُ كَكَتِفٍ وَبِالْكَسْرِ سَبُعٌ مَعْرُوفٌ جَمْعُهُ أَنْمُرٌ وَأَنْمَارٌ وَنِمَارٌ وَنِمَارَةٌ وَنُمُورَةٌ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ اسْتِعْمَالِ جُلُودِهِ لما فيها من الزينة والخيلاء ولأنه زي الْعَجَمِ وَعُمُومُ النَّهْيِ شَامِلٌ لِلْمُذَكَّى وَغَيْرِهِ وَالْكَلَامُ عَلَى الْخَزِّ تَفْسِيرًا وَحُكْمًا قَدْ تَقَدَّمَ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ وَفِي رِوَايَةٍ النُّمُورِ أَيْ جُلُودِ النُّمُورِ وَهِيَ السِّبَاعُ الْمَعْرُوفَةُ وَاحِدُهَا نَمِرٌ إِنَّمَا نَهَى عَنِ اسْتِعْمَالِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ وَالْخُيَلَاءِ وَلِأَنَّهُ زِيُّ الْأَعَاجِمِ أَوْ لِأَنَّ شَعْرَهُ لَا يَقْبَلُ الدِّبَاغَ عِنْدَ أحد الأئمة إذا كان غير زكي وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ جُلُودَ النُّمُورِ إِذَا مَاتَتْ لِأَنَّ اصْطِيَادَهَا عَسِيرٌ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ
[٤١٣٠] (لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا جَمَاعَةٌ تُرَافِقُهُمْ فِي سَفَرِكَ (فِيهَا) أَيْ فِي الرُّفْقَةِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ جُلُودِ النُّمُورِ وَاسْتِصْحَابُهَا فِي السَّفَرِ وَإِدْخَالُهَا الْبُيُوتَ لِأَنَّ
стр. 3703
مُفَارَقَةَ الْمَلَائِكَةِ لِلرُّفْقَةِ الَّتِي فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُجَامِعُ جَمَاعَةً أَوْ مَنْزِلًا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ إِلَّا لِعَدَمِ جِوَازِ اسْتِعْمَالِهَا كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ وَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصَاوِيرِ وَجَعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو الْعَوَّامِ عِمْرَانُ بْنُ دَاوَرٍ الْقَطَّانُ وَثَّقَهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَدَاوَرٌ آخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ
[٤١٣١] (وَفَدَ الْمِقْدَامُ) أَيْ قَدِمَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَفَدَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ يَفِدُ وَفْدًا وَقَدِمَ وَوَرَدَ انتهى
والمقدام بن معد يكرب هو بن عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ نَزَلَ الشَّامَ (وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ) الْعَنْسِيُّ حِمْصِيٌّ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ (وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كُورَةٌ بِالشَّامِ (إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) حِينَ إِمَارَتِهِ (أُعْلِمْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الْإِعْلَامِ أَيْ أُخْبِرْتُ أَوْ بِفَتْحِ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ وَبِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (تُوُفِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مَاتَ وَكَانَ الْحَسَنُ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ وَبَايَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا ثُمَّ جَرَى مَا جَرَى بَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵃ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ وَسَارَ هُوَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا تَقَارَبَا رَأَى الْحَسَنُ ﵁ الْفِتْنَةَ وَأَنَّ الْأَمْرَ عَظِيمٌ تُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ وَرَأَى اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعَلِمَ الْحَسَنُ ﵁ أَنَّهُ لَنْ تُغْلَبَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى يُقْتَلَ أَكْثَرُ الْأُخْرَى فَأَرْسَلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُسَلِّمُ لَهُ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَظَهَرَتِ الْمُعْجِزَةُ فِي قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ مِنْ شَرَفِ مَنْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدًا
وَكَانَ وَفَاةُ الْحَسَنِ ﵁ مَسْمُومًا سَمَّتْهُ زَوْجَتُهُ جَعْدَةَ بِإِشَارَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَشَيْئًا وَعَلَى قَوْلٍ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَيْتِ (فَرَجَّعَ) مِنِ التَّرْجِيعِ أَيْ قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (فَقَالَ لَهُ فُلَانٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَعَ رَجُلٌ مَكَانَ فُلَانٍ وَالْمُرَادُ بِفُلَانٍ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالْمُؤَلِّفُ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ وَهَذَا دَأْبُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنَا بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ أَيَرَاهَا مُصِيبَةُ الْحَدِيثِ
стр. 3704
(أَتَعُدُّهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَتَرَاهَا أَيْ أَنَعُدُّ يَا أَيُّهَا الْمِقْدَامُ حَادِثَةَ مَوْتِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مُصِيبَةً وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا عَرَفَ قَدْرَ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ فَإِنَّ مَوْتَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ وَجَزَى اللَّهُ الْمِقْدَامَ وَرَضِيَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مَا سَكَتَ عَنْ تَكَلُّمِ الْحَقِّ حَتَّى أَظْهَرَهُ وَهَكَذَا شَأْنُ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْمُخْلِصِ (فَقَالَ) أَيِ الْمِقْدَامُ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْفُلَانِ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ ﵁ (وَقَدْ وَضَعَهُ) أَيِ الْحَسَنُ ﵁ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (فَقَالَ هَذَا) أَيِ الْحَسَنُ (مِنِّي وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ) أَيِ الْحَسَنُ يُشْبِهُنِي وَالْحُسَيْنُ يُشْبِهُ عَلِيًّا وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْحَسَنِ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ كَالنَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى الْحُسَيْنِ الشِّدَّةُ كَعَلِيٍّ
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
(فَقَالَ الْأَسَدِيُّ) أَيْ طَلَبًا لِرِضَاءِ مُعَاوِيَةَ وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ (جَمْرَةٌ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ جَمْرَةُ النَّارِ الْقِطْعَةُ الْمُتَلَهِّبَةُ
وَفِي الْقَامُوسِ النَّارُ الْمُتَّقِدَةُ (أَطْفَأَهَا اللَّهُ) أَيْ خمد اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الْجَمْرَةَ وَأَمَاتَهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِنَّ حَيَاةَ الْحَسَنِ ﵁ كَانَتْ فِتْنَةً فَلَمَّا تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَكَنَتِ الْفِتْنَةُ فَاسْتَعَارَ مِنَ الْجَمْرَةِ بِحَيَاةِ الْحَسَنِ وَمِنْ إِطْفَائِهَا بِمَوْتِهِ ﵁ وَإِنَّمَا قَالَ الْأَسَدِيُّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الشَّدِيدَ السَّخِيفَ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ زَوَالِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَخُرُوجَ الْحَسَنِ ﵁ عَلَيْهِ وَكَذَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ ﵁ وَلِذَا خَطَبَ مَرَّةً فَقَالَ مُخَاطِبًا لِابْنِهِ يَزِيدَ وَإِنِّي لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ يُنَازِعَنَّكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ الْأَسَدِيُّ ذَلِكَ الْقَوْلَ لِيُرْضِيَ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَيَفْرَحَ بِهِ (قَالَ) خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ (فَقَالَ الْمِقْدَامُ) مُخَاطِبًا لِمُعَاوِيَةَ (أَمَّا أَنَا) فَلَا أَقُولُ قَوْلًا بَاطِلًا الَّذِي يَسْخَطُ بِهِ الرَّبُّ كَمَا قَالَ الْأَسَدِيُّ طَلَبًا لِلدُّنْيَا وَتَقَرُّبًا إِلَيْكَ وَمُرِيدًا لِرِضَاكَ بَلْ أَقُولُ كَلَامًا صَحِيحًا وَقَوْلًا حَقًّا (فَلَا أَبْرَحُ) أَيْ فَلَا أَزَالُ (الْيَوْمَ حَتَّى أُغَيِّظَكَ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ أُغْضِبَكَ وَأُسْخِطَكَ (وَأُسْمِعَكَ) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ (مَا تَكْرَهُ) مِنَ الْقَوْلِ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِسَخَطِكَ وَغَضَبِكَ وَإِنِّي جَرِيءٌ عَلَى إِظْهَارِ الْحَقِّ فَأَقُولُ عِنْدَكَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَإِنْ كُنْتَ تَكْرَهُ وَتَغْضَبُ عَلَيَّ (ثُمَّ قَالَ) الْمِقْدَامُ (يَا مُعَاوِيَةُ) اسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ (إِنْ أَنَا صَدَقْتُ) فِي كَلَامِي (فَصَدِّقْنِي) فِيهِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ التَّفْعِيلِ (وَإِنْ أَنَا كَذَبْتُ) فِي كَلَامِي (فَكَذِّبْنِي) فِيهِ (قَالَ) مُعَاوِيَةُ (أَفْعَلُ) كَذَلِكَ (فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ) أَيْ أَسْأَلُكَ بِهِ وَأُذَكِّرُكَ إِيَّاهُ
стр. 3705
(فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا) الْمَذْكُورَ مِنْ لُبْسِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَلُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا (كُلَّهُ) بِالنَّصْبِ تَأْكِيدٌ (فِي بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ) فَإِنَّ أَبْنَاءَكَ وَمَنْ تَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنِ اسْتِعْمَالِهَا وَأَنْتَ لَا تُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَتَطْعَنُ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ) لِأَنَّ كَلَامَكَ حَقٌّ صَحِيحٌ (فَأَمَرَ لَهُ) أَيْ لِلْمِقْدَامِ مِنَ الْعَطَاءِ وَالْإِنْعَامِ (بِمَا لَمْ يَأْمُرْ لِصَاحِبَيْهِ) وَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ وَالرَّجُلُ الْأَسَدِيُّ (وَفَرَضَ لِابْنِهِ) أَيْ لِابْنِ الْمِقْدَامِ (فِي الْمِائَتَيْنِ) أَيْ قَدْرَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رِزْقًا لَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْمِئِينَ فَكَانَ الْمِائَتَيْنِ (فَفَرَّقَهَا) مِنَ التَّفْرِيقِ أَيْ قَسَمَ الْعَطِيَّةَ الَّتِي أَعْطَاهَا مُعَاوِيَةُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَعْطَاهُمْ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ وَعَلَى النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ الْحَدِيثِ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طريق بقية عن المقدام بن معدى كرب قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَعَنْ مَيَاثِرِ النُّمُورِ (لِشَيْئِهِ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَيْ حَسَنُ الإمساك لما له وَمَتَاعِهِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الشَّيْءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ إِمَّا حِسًّا كَالْأَجْسَامِ أَوْ حُكْمًا كَالْأَقْوَالِ نَحْوَ قُلْتُ شَيْئًا وَجَمْعُ الشَّيْءِ أَشْيَاءُ
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ حَسَنُ الْإِمْسَاكِ كَسْبَهُ فَالْكَسْبُ مَفْعُولٌ لِلْإِمْسَاكِ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ أَيْ مِنْ أَطْيَبِ مَا وُجِدَ بِتَوَسُّطِ سَعْيِكُمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَفِي إِسْنَادِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ صَرَّحَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالتَّحْدِيثِ
стр. 3706
[٤١٣٢] (نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) قَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ جُلُودَ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ لِمَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ
وَقَالَ غَيْرُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ عَمَّا لَمْ يُدْبَغْ مِنْهَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ أَوْ أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ أَنَّهَا مَرَاكِبُ أَهْلِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ جُلُودَ السِّبَاعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ عَلَى الْعُمُومِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ كَمَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَنَجَاسَتِهِمَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ أَنْ تُفْتَرَشَ وَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ
وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَقَالَ هَذَا أَصَحُّ
٣ - (بَاب فِي الِانْتِعَالِ)
[٤١٣٣] (أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ اسْتَكْثِرُوا أَيِ اتَّخِذُوا كَثِيرًا (فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ) أَيْ مَا دَامَ الرَّجُلُ لَابِسَ النَّعْلَ يَكُونُ كَالرَّاكِبِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ المشقة عليه وقلة تعبه وسلامة رجله ما يَلْقَى فِي الطَّرِيقِ مِنْ خُشُونَةٍ وَشَوْكٍ وَأَذًى وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِظْهَارِ فِي السَّفَرِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤١٣٤] (أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ) الْقِبَالُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ لَامٌ هُوَ الزِّمَامُ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرِّجْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِهِ زِمَامَانِ يُجْعَلَانِ بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالْإِصْبَعَيْنِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ
стр. 3707
كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سيران يضع أَحَدَهُمَا بَيْنَ إِبْهَامِ رِجْلِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا وَمَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وهوالشراك
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَفِي الصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ قِبَالُ النَّعْلِ الزِّمَامُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٤١٣٥] (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا) مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ أَيْ يَلْبَسُ النَّعْلَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا نَهَى عَنْ لُبْسِ النَّعْلِ قَائِمًا لِأَنَّ لُبْسَهَا قَاعِدًا أَسْهَلُ عَلَيْهِ وَأَمْكَنُ لَهُ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِلَابِهِ إِذَا لَبِسَهَا قَائِمًا فَأُمِرَ بِالْقُعُودِ لَهُ وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْيَدِ فِيهِ لِيَأْمَنَ غَائِلَتَهُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤١٣٦] (لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ) نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَا يَمْشِ (لِيَنْتَعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا) أَيْ لِيَلْبَسْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَنْتَزِعْهُمَا جَمِيعًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّ النَّعْلَ شُرِعَتْ وقاية الرِّجْلِ عَمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِذَا انْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ احْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِأُخْرَى فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّةِ مَشْيِهِ وَلَا يَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْعِثَارِ
وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ أَوْ ضَعْفِهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدُّ الْأَبْصَارُ لِمَنْ تَرَى ذَلِكَ مِنْهُ
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ فَكُلُّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ شُهْرَةً فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
[٤١٣٧] (إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ) بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ وَيَدْخُلُ طَرَفُهُ فِي الثُّقْبِ الَّذِي فِي صَدْرِ النَّعْلِ الْمَشْدُودِ
стр. 3708
فِي الزِّمَامِ وَالزِّمَامُ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ (فَلَا يَمْشِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَا يَمْشِ وَكَذَا اخْتَلَفَتِ النُّسَخُ فِي الْفِعْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فَفِي بَعْضِهَا بِالنَّفْيِ وَفِي بَعْضِهَا بِالنَّهْيِ (حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَعْنَى حَتَّى إِنَّهُ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ إِذَا قُطِعَ شِسْعُ نَعْلِهِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ فَيَمْشِيَ بِالنَّعْلَيْنِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّ الْحَدِيثَ لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ مَعَ الِاحْتِجَاجِ فَمَعَ عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ أَوْلَى قَالَ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ عَلَى عَائِشَةَ
وَقَالَ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ علي وبن عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُمَا النَّهْيُ فَحَمَلَاهُ عَلَى التَّنْزِيهِ أَوْ كَانَ زَمَنُ فِعْلِهِمَا يَسِيرًا بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْمَحْذُورُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّهْيُ انْتَهَى (وَلَا يَمْشِي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ) قَدْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَشْيِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ وَالْخُفِّ الْوَاحِدِ إِخْرَاجَ أَحَدِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُمِّ وَإِلْقَاءُ الرِّدَاءِ عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤١٣٨] (مِنِ السُّنَّةِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ) ظَرْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ وَهُوَ قَوْلُهُ (أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ) أَيِ الْأَيْسَرِ تَعْظِيمًا لِلْأَيْمَنِ وَلَا يَضَعُ قُدَّامَهُ تَعْظِيمًا لِلْقِبْلَةِ وَلَا وَرَاءَهُ خَوْفًا مِنَ السَّرِقَةِ كَذَا قال القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو نَهِيكٍ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ بْنُ دُعَامَةَ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا كَافٌ
[٤١٣٩] (إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ) أَيْ أَرَادَ لُبْسَ النَّعْلِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) قَالَ الْحَافِظُ نَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ (وَلْتَكُنِ الْيَمِينُ أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) الْفِعْلَانِ مبنيان للمفعول
قال الحافظ زعم بن وضاح فيما حكاه بن التين أن
стр. 3709
هَذَا الْقَدْرَ مُدْرَجٌ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ بِالشِّمَالِ وَضَبَطَ أَوَّلَهُمَا وَآخِرَهُمَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ أَوْ عَلَى الْحَالِ وَالْخَبَرُ تُنْعَلُ وَتُنْزَعُ وَضُبِطَا بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقَانِيَّتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحِذَاءُ كَرَامَةٌ لِلرِّجْلِ حَيْثُ إِنَّهُ وِقَايَةٌ مِنَ الْأَذَى وَإِذَا كَانَتِ الْيُمْنَى أَفْضَلُ مِنَ الْيُسْرَى اسْتُحِبَّ التَّبْدِئَةُ بِهَا فِي لُبْسِ النَّعْلِ وَالتَّأْخِيرِ فِي نَزْعِهِ لِيَتَوَفَّرَ بِدَوَامِ لُبْسِهَا حَظُّهَا مِنَ الْكَرَامَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْجُمَحِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
[٤١٤٠] (يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أَيِ الشُّرُوعَ بِالْيَمِينِ قِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ إِذْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ (مَا اسْتَطَاعَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّيَمُّنِ (فِي شَأْنِهِ) أَيْ أَمْرِهِ (كُلِّهِ) بِالْجَرِّ تَأْكِيدٌ (وَتَرَجُّلِهِ) أَيْ تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ
قَالَ فِي الْمَشَارِقِ رَجَّلَ شَعْرَهُ إِذَا مَشَّطَهُ بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ لِيَلِينَ وَيُرْسِلَ الثَّائِرَ وَيَمُدَّ الْمُنْقَبِضَ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَنَعْلِهِ) أَيْ لُبْسِ نَعْلِهِ (قَالَ مسلم وسواكه) ولم يذكر في شأن كُلِّهِ أَيْ زَادَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي روايته لفظ وسواكه وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذِهِ قَاعِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِي الشَّرْعِ هِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالسِّوَاكِ والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترحيل الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالسَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَسْلِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُصَافَحَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِيهِ وَأَمَّا مَا كَانَ بِضِدِّهِ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَخَلْعِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيُسْتَحَبُّ التَّيَاسُرُ فِيهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِكَرَامَةِ الْيَمِينِ وَشَرَفِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه
стр. 3710
[٤١٤١] (فابدؤوا بِأَيَامِنِكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَيَامِنِكُمْ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ عِنْدَ لُبْسِ الثِّيَابِ وَالْوُضُوءِ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ لَوْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَصَحَّ وُضُوءُهُ
وَقَالَتِ الشِّيعَةُ هُوَ وَاجِبٌ وَلَا اعْتِدَادَ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ
قَالَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَا لَا يُسْتَحَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ وَهُوَ الْأُذُنَانِ وَالْكَفَّانِ وَالْخَدَّانِ بَلْ يَطْهُرَانِ دُفْعَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ كَمَا فِي حَقِّ الْأَقْطَعِ وَنَحْوِهِ قَدَّمَ الْيَمِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ
٤ - (بَاب فِي الْفُرُشِ)
بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ فِرَاشٍ
[٤١٤٢] (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ) أَيْ فِرَاشٌ وَاحِدٌ كَافٍ لِلرَّجُلِ (وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَاتِّخَاذُهُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِالْتِهَاءِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ وَكُلُّ مَذْمُومٍ يُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَرْتَضِيهُ وَيُحَسِّنُهُ وَقِيلَ إِنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَانَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مَبِيتٌ وَمَقِيلٌ
وَأَمَّا تَعْدِيدُ الْفِرَاشِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى فِرَاشٍ عِنْدَ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النَّوْمُ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَنَّ لَهُ الِانْفِرَادُ عَنْهَا بِفِرَاشٍ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا وَقْتُ الْحَاجَةِ بِالْمَرَضِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ مَعَ الزَّوْجَةِ لَيْسَ وَاجِبًا لَكِنَّهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَالصَّوَابُ فِي النَّوْمِ مَعَ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عُذْرٌ فِي الِانْفِرَادِ فَاجْتِمَاعُهُمَا فِي
стр. 3711
فرش وَاحِدٍ أَفْضَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ مَعَ مُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فَيَنَامُ مَعَهَا فَإِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ لِوَظِيفَتِهِ قَامَ وَتَرَكَهَا فَيَجْمَعُ بَيْنَ وَظِيفَتِهِ وَقَضَاءِ حقها المندوب وعشرتها بالمعروف لاسيما إِنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهَا حِرْصُهَا عَلَى هَذَا ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّوْمِ مَعَهَا الْجِمَاعُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤١٤٣] (فَرَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ) بِكَسْرِ الْوَاوِ (زَادَ بن الْجَرَّاحِ عَلَى يَسَارِهِ أَيْ) زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظَ عَلَى يَسَارِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ فَرَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ وَكِيعٍ وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدُّورِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهِ وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ عَلَى يَسَارِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ نَحْوَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ عَنْ يَسَارِهِ إِلَّا مَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ
[٤١٤٤] (أَنَّهُ رَأَى رُفْقَةً) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا جَمَاعَةٌ تُرَافِقُكَ فِي السَّفَرِ (رِحَالُهُمْ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ رَحْلُ الْبَعِيرِ هُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْقَتَبِ وَالْجَمْعُ الرِّحَالِ انْتَهَى
وَفِي الْفَارِسِيَّةِ بالان شتر (الْأَدَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَدِيمٍ بِمَعْنَى الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَشْبَهِ رُفْقَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ إِلَى رُفْقَةٍ هُمْ أَشْبَهُ (كَانُوا) لَفْظُ كَانُوا زَائِدَةٌ كَمَا فِي قول الشاعر جيادابني أَبِي بَكْرٍ تَسَامَى عَلَى كَانَ الْمُسَوَّمَةِ الْعِرَابِ (بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَلِّقٌ بِأَشْبَهَ فَهَؤُلَاءِ الرُّفْقَةُ هُمْ أَشْبَهُ بِأَصْحَابِ رسول الله ﷺ في رِحَالِهِمْ (فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَؤُلَاءِ) أَيْ إِلَى الرُّفْقَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الَّذِينَ رَآهُمُ بن عمر
стр. 3712
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ زَائِدَةً فَالْمَعْنَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رُفْقَةٍ كَانُوا هُمْ أَشْبَهُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَؤُلَاءِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَمَاجِدِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤١٤٥] (أَتَّخَذْتُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ حَذَفَ مِنْهُ هَمْزَةَ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (أَنْمَاطًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ نَمَطٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ وَهُوَ ظِهَارَةُ الْفِرَاشِ وَقِيلَ ظَهْرُ الْفِرَاشِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى بِسَاطٍ لَطِيفٍ لَهُ خَمْلٌ يُجْعَلُ عَلَى الْهَوْدَجِ وَقَدْ يُجْعَلُ سِتْرًا وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ (فَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهَا) الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (سَتَكُونُ) تَامَّةٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْأَنْمَاطِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ حَرِيرٍ فيه معجزة ظاهرة بإخبار بِهَا وَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ فَأَنَا أَقُولُ نَحِّيهِ عَنِّي وَتَقُولُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّهَا سَتَكُونُ وَفِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ
[٤١٤٦] (كَانَ وِسَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوِسَادَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُتَّكَأُ وَالْمِخَدَّةُ (الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ) أَيْ يَتَوَسَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ النَّوْمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الَّتِي يَنَامُ عَلَيْهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ (مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ) فِي الْقَامُوسِ لِيفُ النَّخْلِ الكسر مَعْرُوفٌ انْتَهَى
وَفِي الصُّرَاحِ لِيفٌ بوست درخت خرما
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ
[٤١٤٧] (كَانَ ضِجْعَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ الضاد للمعجمة من اضطجاع وَهُوَ النَّوْمُ كَالْجِلْسَةِ مِنَ الْجُلُوسِ وَبِفَتْحِهَا الْمَرَّةُ وأراد ما كان يضطجع به فحذف مُضَافٍ أَيْ كَانَتْ ذَاتُ ضِجْعَتِهِ
كَذَا فِي المجمع
قال المنذري وأخرجه بن ماجه بنحوه
стр. 3713
[٤١٤٨] (حِيَالَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ تَحْتِيَّةٍ خَفِيفَةٍ أَيْ بِجَنْبِ مُصَلَّاهُ
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْفُرُشِ وَالْوَسَائِدِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهَا وَالِارْتِفَاقِ بِهَا وَجَوَازِ الْمَحْشُوِّ وَجَوَازِ اتِّخَاذِ ذَلِكَ مِنَ الْجُلُودِ وَاللَّهُ أعلم
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَقَالَ عَنْ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ
٥ - (بَاب فِي اتِّخَاذِ السُّتُورِ)
جَمْعُ سِتْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ
[٤١٤٩] (فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا) أَيْ مَوْشِيًّا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ (إِلَّا بَدَأَ بِهَا) أَيْ بِفَاطِمَةَ (فَرَآهَا مُهْتَمَّةً) أَيْ ذَاتَ هَمٍّ (أَنَّكَ جِئْتَهَا فَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فَاعِلٌ لِاشْتَدَّ (وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا) أَيْ لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ مَعَ الدُّنْيَا وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ ومحبة معي حتى أرغب إليها وأبسط عَلَيْهَا أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ مَعَ الدُّنْيَا (وَمَا أَنَا وَالرَّقْمُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ النَّقْشُ وَالْوَشْيُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلُ الرَّقْمِ الْكِتَابَةُ قَالَ الشَّاعِرُ سَأَرْقُمُ فِي الْمَاءِ الْقَرَاحِ إِلَيْكُمُ عَلَى بُعْدِكُمْ إِنْ كَانَ لِلْمَاءِ رَاقِمُ (مَا تأمرني به) أي بذلك السِّتْرِ أَيْ مَا أَفْعَلُ بِهِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قُلْ) أَيْ يَا عَلِيُّ (لَهَا) أَيْ لِفَاطِمَةَ (فَلْتُرْسِلْ بِهِ إِلَى بَنِي فُلَانٍ) يَكُونُونَ فُقَرَاءَ وَذَوِي الْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِهِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 3714
[٤١٥٠] (وَكَانَ سِتْرًا مَوْشِيًّا) أَيْ مُنَقَّشًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُوَشًّى مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ
٦ - (بَاب فِي الصَّلِيبِ فِي الثَّوْبِ أَيْ صُورَةُ الصَّلِيبِ فِيهِ)
وَالصَّلِيبُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ اللَّامِ هُوَ الَّذِي لِلنَّصَارَى وَصُورَتُهُ أَنْ تُوضَعَ خَشَبَةٌ عَلَى أُخْرَى عَلَى صُورَةِ التَّقَاطُعِ يَحْدُثُ مِنْهُ الْمُثَلَّثَانِ عَلَى صُورَةِ الْمَصْلُوبِ وَأَصْلُهُ أَنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْيَهُودَ صَلَبُوا عِيسَى ﵇ فَحَفِظُوا هَذَا الشَّكْلَ تَذَكُّرًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ الْغَرِيبَةِ الْفَظِيعَةِ وَتَحَسُّرًا عَلَيْهَا وَعَبَدُوهُ وَفِي الصُّرَاحِ الصَّلِيبُ جليباي ترسايان
[٤١٥١] (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (فِيهِ تَصْلِيبٌ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَصَالِيبٌ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَصَاوِيرُ تَصَالِيبٍ
قَالَ وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَثْبَتُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ تَصَالِيبٌ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبَانَ عَنْ يَحْيَى انْتَهَى
وَالْمُرَادُ مِنْ تَصْلِيبٍ مَا فِيهِ صُورَةُ الصَّلِيبِ وَقِيلَ بَلِ الْمُرَادُ مُطْلَقُ التَّصْوِيرِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (إِلَّا قَضَبَهُ) بِالْقَافِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ قَطَعَهُ وَأَزَالَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ نَقَضَهُ مَكَانَ قَضَبَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٧ - (بَاب فِي الصُّوَرِ)
بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ جَمْعُ الصُّورَةِ
стр. 3715
[٤١٥٢] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ) بِالتَّصْغِيرِ (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْمُرَادُ مِنَ الْجُنُبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الَّذِي يَتْرُكُ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيَتَّخِذُهُ عَادَةً وَأَمَّا الْكَلْبُ إِنَّمَا يُكْرَهُ إِذَا كَانَ اتَّخَذَهُ صَاحِبُهُ للهو ولعب لا لحاجة وضرورة كمن اتخذ لِحِرَاسَةِ زَرْعٍ أَوْ لِغَنَمٍ أَوْ لِقَنْصٍ وَصَيْدٍ فَأَمَّا الصُّورَةُ فَهُوَ كُلُّ مَا تَصَوَّرَتْ مِنَ الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصُّوَرُ الْمَنْصُوبَةُ الْقَائِمَةُ الَّتِي لَهَا أَشْخَاصٌ وَمَا لَا شَخْصَ لَهُ مِنَ الْمَنْقُوشَةِ فِي الْجُدُرِ وَالصُّورَةُ فِيهَا وَفِي الْفُرُشِ وَالْأَنْمَاطِ وَقَدْ رُخِّصَ فِيمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْأَنْمَاطِ الَّتِي تُوطَأُ وَتُدَاسُ بِالْأَرْجُلِ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ وَكُلِّ صُورَةٍ وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ
وَالْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي أَبْوَابِ الْجُنُبِ
قَالَ النووي وأخرجه النسائي وبن ماجه وليس في حديث بن مَاجَهْ وَلَا جُنُبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ الْحَضْرَمِيُّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَنُجَيٌّ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ
[٤١٥٣] (بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تِمْثَالٌ) بِكَسْرِ التَّاءِ هُوَ الصُّورَةُ مُطْلَقًا وَالْمُرَادُ صُورَةُ الْحَيَوَانِ (وَقَالَ انْطَلَقَ بِنَا) الْقَائِلُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَالْخِطَابُ لِسَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ (وَكُنْتُ أَتَحَيَّنُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَيْ أَطْلُبُ وَأَنْتَظِرُ حِينَ رُجُوعِهِ ﷺ (قُفُولَهُ) أَيْ رُجُوعَهُ (فَأَخَذْتُ نَمَطًا) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالنَّمَطِ هُنَا بِسَاطٌ لَطِيفٌ لَهُ خَمْلٌ وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ يُفْرَشُ وَيُجْعَلُ سِتْرًا وَيُطْرَحُ عَلَى الْهَوْدَجِ (فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْعَرَضِ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ الْعَرَضُ الْخَشَبَةُ الْمُعْتَرِضَةُ يُسْقَفُ بِهَا الْبَيْتُ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَشَبُ الصِّغَارُ يُقَالُ عَرَّضْتُ الْبَيْتَ تَعْرِيضًا انْتَهَى
следующие страницы →