Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ كَانَ تَأْدِيبُ الزُّنَاةِ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْحَدِّ التَّثْرِيبَ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُمْ بِالْحَدِّ وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّثْرِيبِ
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ التَّثْرِيبِ بَعْدَ الْجَلْدِ فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ لِمَا ارْتَكَبَتْهُ فَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ بِالْحَدِّ وَالتَّعْيِيرُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي طَائِفَةٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الدِّلَالَةِ لِلْجُمْهُورِ انْتَهَى (ثَلَاثَ مِرَارٍ) أَيْ قَالَ ﷺ قَوْلَهُ إِذَا زَنَتْ إِلَخْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَلْيَبِعْهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْبَيْعُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ هُوَ وَاجِبٌ (بِضَفِيرٍ أَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ قُيِّدَ بِالشَّعْرِ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَكْثَرَ فِي حِبَالِهِمْ
قَالَ الْحَافِظُ وَاسْتُشْكِلَ الْأَمْرُ بِبَيْعِ الرَّقِيقِ إِذَا زَنَى مَعَ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَأْمُورٌ أَنْ يَرَى لِأَخِيهِ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ وَمِنْ لَازِمِ الْبَيْعِ أَنْ يُوَافِقَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى أَنْ يَقْتَنِي مَا لَا يرضى اقتناؤه لِنَفْسِهِ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بَاعَهُ لِأَجْلِهِ لَيْسَ مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِجَوَازِ أَنْ يَرْتَدِعَ الرَّقِيقُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى عَادَ أُخْرِجَ فَإِنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْوَطَنِ الْمَأْلُوفِ شَاقٌّ وَلِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ الْإِعْفَافُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ أو بغيره
قال بن الْعَرَبِيِّ يُرْجَى عِنْدَ تَبْدِيلِ الْمَحَلِّ تَبْدِيلُ الْحَالِ
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لِلْمُجَاوَرَةِ تَأْثِيرًا فِي الطَّاعَةِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا
[٤٤٧١] (فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابَ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلْيَجْلِدْهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ
стр. 4027
اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا على المحصنات من العذاب (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ أَيْ لَا يَجْمَعُ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ بِالْجَلْدِ وَبِالتَّعْيِيرِ
وَقِيلَ الْمُرَادُ لَا يَقْتَنِعُ بِالتَّوْبِيخِ دُونَ الْجَلْدِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ
٤ - (باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ)
[٤٤٧٢] (اشْتَكَى رَجُلٌ) أَيْ مَرِضَ (حَتَّى أُضْنِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ أَصَابَهُ الضَّنَا وَهُوَ شِدَّةُ الْمَرَضِ وَسُوءُ الْحَالِ حَتَّى يَنْحَلَ بَدَنُهُ وَيَهْزُلَ وَيُقَالُ إِنَّ الضَّنَا انْتِكَاسُ الْعِلَّةِ انْتَهَى
وَفِي الْقَامُوسِ ضَنِيَ كَرَضِيَ ضَنًى مَرِضَ مَرَضًا مُخَاطِرًا كُلَّمَا ظُنَّ بُرْؤُهُ نُكِسَ وَأَضْنَاهُ الْمَرَضُ (فَعَادَ) أَيْ صَارَ (جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ) أَيْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ بَلْ بَقِيَ عَظْمٌ عَلَيْهِ جِلْدَةٌ (فَهَشَّ) أَيِ ارْتَاحَ وَخَفَّ (لَهَا) أَيْ لِتِلْكَ الْجَارِيَةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْهَشَاشَةُ وَالْهَشَاشُ الِارْتِيَاحُ وَالْخِفَّةُ وَالنَّشَاطُ وَالْفِعْلُ كَدَبَّ وَمَلَّ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ هَشَّ لِهَذَا الْأَمْرِ يَهَشُّ هَشَاشَةً إِذَا فَرِحَ بِهِ وَاسْتَسَرَّ وَارْتَاحَ لَهُ وَخَفَّ وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ هَشَشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ انْتَهَى (فَوَقَعَ عَلَيْهَا) أَيْ جَامَعَهَا (يَعُودُونَهُ) مِنَ الْعِيَادَةِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ) أَيْ وُقُوعِهِ عَلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ وَالْجِمَاعِ بِهَا (مِنَ الضُّرِّ) أَيِ الْمَرَضِ (مِثْلَ الَّذِي هُوَ) أَيِ الضُّرِّ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَرِيضِ الْوَاقِعِ عَلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ (لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ) أَيْ تَكَسَّرَتْ وَتَفَرَّقَتْ (أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ
стр. 4028
قَالَ الطِّيِبِيُّ الْعِثْكَالُ الْغُصْنُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَغْصَانٌ صِغَارٌ وَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ شِمْرَاخًا انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْعِثْكَالُ الْعِذْقُ وَكُلُّ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهِ شِمْرَاخٌ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْبُسْرُ (فَيَضْرِبُوهُ بِهَا) عَطْفٌ عَلَى يَأْخُذُوا
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَضْرِبُونَهَا وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِمِائَةِ شِمْرَاخٍ (ضَرْبَةً وَاحِدَةً) أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا لَمْ يَحْتَمِلِ الْجَلْدَ ضُرِبَ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ أَوْ مَا يُشَابِهُهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تُبَاشِرَهُ جَمِيعُ الشَّمَارِيخُ وَقِيلَ يَكْفِي الِاعْتِمَادُ وَهَذَا الْعَمَلُ مِنَ الْحِيَلِ الْجَائِزَةِ شَرْعًا وَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ مثله في قوله وخذ بيدك ضغثا الآية قاله الشوكاني
وقال بن الْهُمَامِ وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا حُدَّ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ قَتْلُهُ وَرَجْمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ
وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ أَوْ كَانَ خِدَاجًا ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهِ دَفْعَةً وَلَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ كُلِّ شِمْرَاخٍ إِلَى بَدَنِهِ وَلِذَا قِيلَ لَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ مَبْسُوطَةً انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَادَةَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٤٧٣] (عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ الطُّهَوِيُّ الْكُوفِيُّ (فَجَرَتْ) أَيْ زَنَتْ (جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَمَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ (فَإِذَا) هِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ (دَمٌ) أَيْ دَمُ النِّفَاسِ (يَسِيلُ) أَيْ يَجْرِي
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ (أَفَرَغْتَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَفْرَغْتَ عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا (دَعْهَا) أَيِ اتْرُكْهَا (حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا) أَيْ دَمُ نِفَاسِهَا (ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ وَالْجَمْعُ أَنَّ مَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُمْهَلُ وَمَنْ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يُؤَخَّرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ وَتَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ
стр. 4029
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَاللَّفْظِ الثَّانِي وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ كُوفِيٌّ
وَأَبُو الْأَحْوَصِ هُوَ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ
وَالثَّعْلَبِيُّ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ
وَأَبُو الْأَحْوَصِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ صَادٌ مُهْمَلَةٌ
وَأَبُو جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ تَاءُ تَأْنِيثٍ
وَالطُّهَوِيُّ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مَنْسُوبٌ إِلَى طهية بنت عبسمس بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَفِي النِّسْبَةِ إِلَى طُهَيَّةَ لُغَاتٌ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَعًا وَالثَّالِثَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَالرَّابِعَةُ بِضَمِّ الطاء وسكون الهاء وعبسمس هَذَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُهَا
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ خَطَبَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَ بِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحْسَنْتَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٥ - (باب في حد القاذف)
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدُّ الْقَذْفِ
وَهُوَ الرَّمْيُ بالزنى وَالِاتِّهَامُ بِهِ وَحَدُّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً
[٤٤٧٤] (لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي) أَيِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى بَرَاءَتِهَا شَبَّهَتْهَا بالعذر الذي يبرىء الْمَعْذُورَ مِنَ الْجُرْمِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (فَذَكَرَ ذَلِكَ) أَيْ عُذْرِي (تَلَا) أَيْ قَرَأَ (تَعْنِي) أَيْ تُرِيدُ عَائِشَةُ ﵂ (الْقُرْآنَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ تَلَا وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِمَفْعُولِ تَلَا الْمَحْذُوفِ وَالْمُرَادُ مِنَ الْقُرْآنِ قوله تعالى إن الذين جاؤوا بالإفك
стр. 4030
إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ (أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ) أَيْ بِحَدِّهِمَا أَوْ بِإِحْضَارِهِمَا وَهُمَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ (وَالْمَرْأَةِ) بِالْجَرِّ أَيْ وَبِالْمَرْأَةِ وَهِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ (فَضُرِبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَدَّهُمْ) أَيْ حَدَّ الْمُفْتَرِينَ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ فحد واحدهم
[٤٤٧٥] (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيِ النُّفَيْلِيُّ (مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِالْفَاحِشَةِ) أَيِ الْقَذْفِ (حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُشَدَّدَةِ الصَّحَابِيُّ الْأَنْصَارِيُّ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ ﷺ فِي شَأْنِهِ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَ حَسَّانٍ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي أُثَاثَةَ (يَقُولُونَ) أَيِ الْمُحَدِّثُونَ (الْمَرْأَةُ) أَيِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ (حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ) أَيْ أُخْتُ زَيْنَبَ ﵂
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ هَذَا آخر كلامه
وقد أسنده بن إِسْحَاقَ مَرَّةً وَأَرْسَلَهُ أُخْرَى
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ
٦ - (باب في الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ)
قَالَ الْعَيْنِيُّ الْحَدُّ الْمَنْعُ لُغَةً يُقَالُ لِلْبَوَّابِ حَدَّادٌ لِمَنْعِهِ النَّاسَ عَنِ الدُّخُولِ
وَفِي الشَّرْعِ الْحَدُّ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِلَّهِ تعالى
[٤٤٧٦] (عن محمد بن علي) بن يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ الْمُطَّلِبِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعَنْهُ بن جريج وثقه بن حِبَّانَ (لَمْ يَقِتْ فِي الْخَمْرِ) أَيْ لَمْ يُوقِتْ وَلَمْ يُعَيِّنْ يُقَالُ وَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ يَقِتُ فَهُوَ مَوْقُوتٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَا قَرَّرَ حَدًّا أَصْلًا حَتَّى يُقَالَ لَا تَثْبُتُ بِالرَّأْيِ فَكَيْفَ أَثْبَتَ النَّاسُ فِي الْخَمْرِ حَدًّا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ قَدْرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إِلَى ثَمَانِينَ وَعَلَى هَذَا فَحِينَ شَاوَرَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَقْرِيرِ أَقْصَى الْمَرَاتِبِ
قِيلَ سَبَبُهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِي الشُّرْبِ وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ فَانْدَفَعَ تَوَهُّمُ أَنَّهُمْ كَيْفَ زَادُوا فِي حَدٍّ مِنْ
стр. 4031
حُدُودِ اللَّهِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الْحَدِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (فَسَكِرَ) بِكَسْرِ الْكَافِ (فَلُقِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رؤي (يَمِيلُ) حَالٌ مِنَ الْمُسْتَسْكِنِ فِي لُقِيَ أَيْ مَائِلًا (فِي الْفَجِّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ (فَانْطُلِقَ بِهِ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ فَأُخِذَ وَأُرِيدَ أَنْ يُذْهَبَ بِالرَّجُلِ (فَلَمَّا حَاذَى) أَيْ قَابَلَ الشَّارِبَ (انْفَلَتَ) أَيْ تَخَلَّصَ وَفَرَّ (فَالْتَزَمَهُ) أَيِ الْتَجَأَ الشَّارِبُ إِلَى الْعَبَّاسِ وَتَمَسَّكَ بِهِ أَوِ اعْتَنَقَهُ مُتَشَفِّعًا لَدَيْهِ (فَذُكِرَ ذَلِكَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ فَحُكِيَ مَا ذُكِرَ (وَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (أَفَعَلَهَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ الضَّمِيرُ لِلْمَذْكُورَاتِ مِنَ الِانْفِلَاتِ وَالدُّخُولِ وَالِالْتِزَامِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْدَرِ أَيْ أَفَعَلَ الْفَعْلَةَ (وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَخَفُّ الْحُدُودِ وَأَنَّ الْخَطَرَ فِيهِ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْفَوَاحِشِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْعَبَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ أَوْ شَهَادَةِ عُدُولٍ وَإِنَّمَا لُقِيَ فِي الطَّرِيقِ يَمِيلُ فَظُنَّ بِهِ السُّكْرُ فَلَمْ يَكْشِفْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَهُ عَلَى ذَلِكَ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ إِلَخْ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ حَدِيثَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَلَّالِ هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ عكرمة عن بن عباس وعكرمة مولى بن عَبَّاسٍ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٤٧٧] (قَدْ شَرِبَ) أَيِ الْخَمْرَ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (اضْرِبُوهُ) أَيِ الشَّارِبَ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا حِينَئِذٍ (الضَّارِبُ بِيَدِهِ) أَيْ بِكَفِّهِ (وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ) أَيْ بَعْدَ فَتْلِهِ لِلْإِيلَامِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) مِنَ الضَّرْبِ (قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ) قِيلَ إِنَّهُ عُمَرُ ﵁ (أَخْزَاكَ اللَّهُ) أَيْ أَذَلَّكَ اللَّهُ (لَا تَقُولُوا هَكَذَا) أَيْ لَا تَدْعُوا عَلَيْهِ بِالْخِزْيِ وَهُوَ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ (لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّارِبِ (الشَّيْطَانَ) لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْخِزْيُ فَإِذَا دَعَوْا عليه بالخزي
стр. 4032
فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلُوا مَقْصُودَ الشَّيْطَانِ
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَا تَدْعُوا عَلَيْهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَخْزَاهُ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ مِنْكُمُ انْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي وَحَمَلَهُ اللَّجَاجُ وَالْغَضَبُ عَلَى الْإِصْرَارِ فَيَصِيرُ الدُّعَاءُ وَصْلَةً وَمَعُونَةً فِي إِغْوَائِهِ وَتَسْوِيلِهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْعُ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَاصِي بِالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَاللَّعْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[٤٤٧٨] (بِإِسْنَادِهِ) السَّابِقِ (وَمَعْنَاهُ) أَيِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (قَالَ) الرَّاوِي (فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (بَكِّتُوهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ مِنَ التَّبْكِيتِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيرُ بِاللِّسَانِ وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ (فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَاضٍ مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ (مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ) أَيْ مُخَالَفَتَهُ (مَا خَشِيتَ اللَّهَ) أَيْ مَا لَاحَظْتَ عَظَمَتَهُ أَوْ مَا خِفْتَ عقوبته (وما استحييت من رسول الله) أَيْ مِنْ تَرْكِ مُتَابَعَتِهِ أَوْ مُوَاجَهَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ (ثُمَّ أَرْسَلُوهُ) أَيِ الشَّارِبَ (وَقَالَ) الرَّاوِي (فِي آخِرِهِ) أَيِ الْحَدِيثِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أَيْ بِمَحْوِ الْمَعْصِيَةِ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أَيْ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَةِ أَوِ اغْفِرْ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَارْحَمْهُ فِي الْعُقْبَى (وَبَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ الرُّوَاةِ (يَزِيدُ الْكَلِمَةَ) فِي حَدِيثِهِ (وَنَحْوَهَا) أَيْ نَحْوَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٤٧٩] (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ) لَعَلَّ فِيهِ تَجْرِيدًا أَيْ أَمَرَ بِالضَّرْبِ (فِي الْخَمْرِ) أَيْ فِي شَارِبِهَا أَوِ التَّقْدِيرُ جَلَدَ شَارِبَ الْخَمْرِ لِأَجْلِ شُرْبِهَا (بِالْجَرِيدِ) وَهُوَ جَمْعُ جَرِيدَةٍ وَهِيَ السَّعَفَةُ سُمِّيَتْ بِهَا لِكَوْنِهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النَّخْلِ (وَالنِّعَالِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ النَّعْلِ وَهُوَ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ وَهَذَا مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الآتية التي رواها بن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ (وَجَلَدَ) أَيْ ضَرَبَ (أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ) أَيْ جَلْدَةً أَوْ ضَرْبَةً
قَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ كَانُوا يَكْتَفُونَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَيْضًا فِي زَمَانِهِمَا إِلَّا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ قَطُّ انْتَهَى
стр. 4033
قَالَ الْعَيْنِيُّ احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّ حَدَّ السَّكْرَانِ أَرْبَعُونَ سوطا
وقال بن حَزْمٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابُنَا
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَمَانُونَ سَوْطًا
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ انْتَهَى
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدِ اسْتَقَرَّ الإجماع على ثبوت حد الخمر وأن لاقتل فِيهِ وَاسْتَمَرَّ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا يُحَدُّ فِيهِ (فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَبِتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْوِلَايَةِ أَيْ مَلَكَ أَمْرَ النَّاسِ وَقَامَ بِهِ (دَعَا النَّاسَ) أَيِ الصَّحَابَةَ (قَدْ دَنَوْا مِنَ الرِّيفِ) فِي النِّهَايَةِ الرِّيفُ كُلُّ أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ وَنَخْلٌ وَقِيلَ هُوَ مَا قَارَبَ الْمَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَمِنْ غَيْرِهَا انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ الرِّيفُ الْمَوَاضِعُ الَّتِي فِيهَا الْمِيَاهُ أَوْ هِيَ قَرْيَةٌ مِنْهَا وَمَعْنَاهُ لَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَفُتِحَتِ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَسَكَنَ النَّاسُ فِي الرِّيفِ وَمَوَاضِعِ الْخِصْبِ وَسَعَةِ الْعَيْشِ وَكَثْرَةِ الْأَعْنَابِ وَالثِّمَارِ أَكْثَرُوا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَزَادَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْهَا (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِعُمَرَ (نَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ) أَيْ حَدَّ الْخَمْرِ (كَأَخَفِّ الْحُدُودِ) يَعْنِي الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ وَهِيَ حَدُّ السَّرِقَةِ بقطع اليد وحد الزنى جَلْدُ مِائَةٍ وَحَدُّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ وَهُوَ أَخَفُّ الْحُدُودِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِهَذَا
وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَأَشَارَا جَمِيعًا وَلَعَلَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَدَأَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَوَافَقَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ فَنُسِبَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ لِسَبْقِهِ بِهِ وَنُسِبَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ لِفَضِيلَتِهِ وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَرُجْحَانِهِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ وَفِي هَذَا جَوَازُ الْقِيَاسِ وَاسْتِحْبَابُ مُشَاوَرَةِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي أَصْحَابَهُ وَحَاضِرِي مَجْلِسِهِ فِي الْأَحْكَامِ (فَجَلَدَ) عُمَرُ (فِيهِ) أَيْ فِي حَدِّ الْخَمْرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ
وَأَخْرَجَ البخاري المسند وفعل الصديق فقط وأخرج بن مَاجَهْ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ (أَنَّهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (جَلَدَ بِالْجَرِيدِ) مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ شاخ خرما (ضَرَبَ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَرِيدَتَيْنِ كَانَتَا مُفْرَدَتَيْنِ جَلَدَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَدَدًا حَتَّى كَمَلَ مِنَ
стр. 4034
الْجَمِيعِ أَرْبَعُونَ وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ يَقُولُ جَلْدُ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فَجَلَدَهُ بِهِمَا أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَيَكُونُ الْمَبْلَغُ ثَمَانِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَحَدِيثُ شُعْبَةَ الَّذِي عَلَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اللَّفْظَ
[٤٤٨٠] (عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْجِيمِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الدَّانَا بِحَذْفِ الْجِيمِ وَالدَّانَاهُ بِالْهَاءِ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْعَالِمُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (حَدَّثَنِي حُضَيْنٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرًا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ (شَهِدْتُ) أَيْ حَضَرْتُ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) أَيْ عِنْدَهُ (وَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فَشَهِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَلِيدِ (حُمْرَانُ) بضم أوله بن أَبَانٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ اشْتَرَاهُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ثِقَةٌ (أَنَّهُ رَآهُ) أَيِ الْوَلِيدَ (وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ) أَيِ الوليد (يتقيأها) أي الخمر (إنه) الوليد (لم يتقيأها) أَيِ الْخَمْرَ (حَتَّى شَرِبَهَا) أَيِ الْخَمْرَ (فَقَالَ) عثمان (لعلي) بن أَبِي طَالِبٍ (أَقِمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَلِيدِ (الْحَدَّ)
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّهُ مَنْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ يُحَدُّ حَدَّ الشارب (فقال علي للحسن) بن عَلِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْحَدُّ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ عُثْمَانُ ﵁ وَهُوَ الْإِمَامُ لِعَلِيٍّ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرِمَةِ لَهُ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ قُمْ فَاجْلِدْهُ أَيْ أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِأَنْ تَأْمُرَ مَنْ تَرَى بِذَلِكَ فَقَبِلَ عَلِيٌّ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْحَسَنِ قُمْ فَاجْلِدْهُ فَامْتَنَعَ الْحَسَنُ فَقَالَ لِابْنِ جَعْفَرٍ فَقَبِلَ فَجَلَدَهُ وَكَانَ عَلِيٌّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّفْوِيضِ إِلَى مَنْ رَأَى قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَلِّ) أَمْرٌ مِنَ التَّوْلِيَةِ (حَارَّهَا) أَيِ الْخِلَافَةِ وَالْوِلَايَةِ الْحَارُّ الشَّدِيدُ الْمَكْرُوهُ (مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا) أَيِ الْخِلَافَةِ وَالْوِلَايَةِ الْقَارُّ الْبَارِدُ وَالْهَنِيءُ الطَّيِّبُ وَهَذَا مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ وَلِّ شِدَّتَهَا وَأَوْسَاخَهَا مَنْ تَوَلَّى هَنِيئَهَا وَلَذَّاتِهَا أَيْ كَمَا أَنَّ عُثْمَانَ وَأَقَارِبَهُ يَتَوَلَّوْنَ هَنِيءَ الْخِلَافَةِ وَيَخْتَصُّونَ بِهِ يَتَوَلَّوْنَ نَكَدَهَا وَقَاذُورَاتِهَا وَمَعْنَاهُ لِيَتَوَلَّى هَذَا الْجَلْدَ عُثْمَانُ بِنَفْسِهِ أَوْ بَعْضُ خَاصَّةِ أَقَارِبِهِ الْأَدْنِينَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مَثَلٌ يَقُولُ وَلِّ الْعُقُوبَةَ وَالضَّرْبَ مَنْ تُوَلِّيهِ الْعَمَلَ وَالنَّفْعَ انتهى
стр. 4035
(لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) الطَّيَّارِ (أَقِمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَلِيدِ (فَأَخَذَ) عَبْدُ اللَّهِ (السَّوْطَ فَجَلَدَهُ) أَيِ الْوَلِيدَ (وَعَلِيٌّ يَعُدُّ) ضَرَبَاتِ السَّوْطِ (فَلَمَّا بَلَغَ) الْجَلَّادُ (أَرْبَعِينَ) سَوْطًا (قَالَ) عَلِيٌّ مُخَاطِبًا لِعَبْدِ اللَّهِ (حَسْبُكَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَقَالَ أَمْسِكْ (وَكُلٌّ سُنَّةٌ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ سُنَّةٌ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَوْلُهُ وَكُلٌّ سُنَّةٌ يَقُولُ إِنَّ الْأَرْبَعِينَ سُنَّةٌ قَدْ عَمِلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي زَمَانِهِ وَالثَّمَانِينَ سُنَّةٌ قَدْ عَمِلَ بِهَا عُمَرُ ﵁ فِي زَمَانِهِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ وَكُلٌّ سُنَّةٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَالْوُصُولُ إِلَى الثَّمَانِينَ سُنَّةُ عُمَرَ رَدْعًا لِلشَّارِبِينَ الَّذِينَ احْتَقَرُوا الْعُقُوبَةَ الْأُولَى انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ سُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا وَكَذَا فِعْلُ عُمَرَ وَلَكِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ (وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ) إِشَارَةً إِلَى الْأَرْبَعِينَ التي كان جلدها وقال لجلاد حَسْبُكَ وَمَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي قَدْ جَلَدْتَهُ وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الثَّمَانِينَ
قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ مِنَ اسْتِنْبَاطِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا السُّكْرَ مَقَامَ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ فَقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَلَمْ يُنْكِرْهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُنْكِرٌ انْتَهَى
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَا يُزَادُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَحَرَّى مَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ أَرْبَعِينَ فَعَمِلَ بِهِ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ فِي زَمَنِهِ مُخَالِفٌ فَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ إِجْمَاعًا فَهَذَا الْإِجْمَاعُ سَابِقٌ عَلَى مَا وَقَعَ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَفَعَلَهُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بِحَضْرَتِهِ وَبِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ إِجْمَاعًا فَهَذَا هُوَ الْأَخِيرُ فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَةِ بِمَا صُنِعَ فِي عَهْدِ عُمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنِ الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ الْمَضْرُوبَ كَانَ عَبْدًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَانِينَ تَعْزِيرًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ أَنَّ عُمَرَ حَدَّ الشَّارِبَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى الشَّامِ وَبِمَا أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ النَّجَاشِيَّ الشَّاعِرَ ثَمَانِينَ ثُمَّ أَصْبَحَ فَجَلَدَهُ عِشْرِينَ بِجَرَاءَتِهِ بِالشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ انْتَهَى
стр. 4036
قال المنذري والحديث أخرجه مسلم وبن مَاجَهْ
[٤٤٨١] (جَلَدَ) أَيْ ضَرَبَ (فِي الْخَمْرِ) أَيْ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ (وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً أَوْ ضَرْبَةً (وَكَمَّلَهَا) مِنَ التَّكْمِيلِ أَيْ عُقُوبَةَ حَدِّ الْخَمْرِ (وَلِّ شَدِيدَهَا) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ وَلِّ حَارَّهَا (مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا) أَيْ سَهْلَهَا وَلَيِّنَهَا وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(باب إِذَا تَتَابَعَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ أَيْ تَوَالَى فِي شُرْبِهَا)
وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ رَجُلٌ الْخَمْرَ مَرَّةً فَجُلِدَ ثُمَّ شَرِبَ فَجُلِدَ وَهَكَذَا فَعَلَ مِرَارًا فَمَا حُكْمُهُ هَلْ يُجْلَدُ كُلَّ مَرَّةٍ أَمْ له حكم آخر
وفي بعض النسخ تتابع بِالتَّحْتِيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ فَإِنَّ التَّتَايُعَ الْإِسْرَاعُ فِي الشَّرِّ وَاللَّجَاجَةُ
[٤٤٨٢] (ذَكْوَانُ) بَدَلٌ مِنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ السَّمَّانُ الزَّيَّاتُ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ (ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ)
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ أَيْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَقِيلَ مُؤَوَّلُ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ
وَقَالَ الزيلعي قال بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَعْنَاهُ إِذَا اسْتَحَلَّ وَلَمْ يَقْبَلِ التَّحْرِيمَ انْتَهَى
وَبَسَطَ السُّيُوطِيُّ الْكَلَامَ فِي حَاشِيَةِ التِّرْمِذِيِّ وَقَصَدَ بِهِ إِثْبَاتَ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ كَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ فِي حاشية بن ماجه
стр. 4037
قُلْتُ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِيهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ هَكَذَا فَهَذِهِ بِضْعَةُ عَشَرَ حَدِيثًا كُلُّهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ فِي قَتْلِهِ بِالرَّابِعَةِ وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ صَرِيحٌ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ لا يعضده دليل
وقولهم إنه أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ بِالرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ لَا يَصْلُحُ لِرَدِّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِوُجُوهٍ الأول أنه مرسل إذ رواية قَبِيصَةُ وُلِدَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَكَانَ عُمْرُهُ عِنْدَ موته سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَلَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا يَرْوِيهِ
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا صَحِيحًا لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَكْثَرُ
الثَّالِثُ أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا
وَالرَّابِعُ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ تَشْرِيعٌ عَامٌّ وَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا
الْخَامِسُ أَنَّ الصَّحَابَةَ خُصُّوا فِي تَرْكِ الْحُدُودِ بِمَا لَمْ يُخَصُّ بِهِ غَيْرُهُمْ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُفَسَّقُونَ بِمَا يُفَسَّقُ بِهِ غَيْرُهُمْ خُصُوصِيَّةً لَهُمْ وَقَدْ وَرَدَ بِقِصَّةِ نُعْمَانَ لَمَّا قَالَ عُمَرُ أَخْزَاهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يؤتى به فقال النبي لَا تَطْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَعَلِمَ النبي مِنْ بَاطِنِهِ صِدْقَ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَأَكْرَمَهُ بترك القتل فله أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ فَلَا أَقْبَلُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا بِنَصٍّ صريح من قوله وَهُوَ لَا يُوجَدُ
وَقَدْ تَرَكَ عُمَرُ إِقَامَةَ حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِمُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَتَرَكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِقَامَتَهُ عَلَى أَبِي مِحْجَنٍ لِحُسْنِ بَلَائِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَالصَّحَابَةُ ﵃ جَمِيعًا جَدِيرُونَ بِالرُّخْصَةِ إِذَا بَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمْ زَلَّةٌ
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُدْمِنُونَ لِلْخَمْرِ الْفَسَقَةُ الْمَعْرُوفُونَ بِأَنْوَاعِ الْفَسَادِ وَظُلْمِ الْعِبَادِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَمُجَاوَزَةِ الأحكام الشريعة وَإِطْلَاقِ أَنْفُسِهِمْ بِحَالِ سُكْرِهِمْ بِالْكُفْرِيَّاتِ وَمَا قَارَبَهَا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِالرَّابِعَةِ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا ارْتِيَابَ
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا رَدَّهُ حَقٌّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ مَحْكِيٌّ عَنْ طَائِفَةٍ فَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ ائْتُونِي بِرَجُلٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ فَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ فَأَنَا كَذَّابٌ
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ائْتُونِي بِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا فِي الرَّابِعَةِ وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَهُ انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي صالح عن
стр. 4038
مُعَاوِيَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ورواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَسَكَتَ عَنْهُ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ هُوَ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ معاوية عن النبي إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا
[٤٤٨٣] (بِهَذَا الْمَعْنَى) أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁ الْمَذْكُورِ (قَالَ) أَيْ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (وَأَحْسِبُهُ) أَيْ أَظُنُّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ رَاجِعٌ إِلَى حَمَّادٍ (إِنْ شربها أو) الْخَمْرَ وَالْخَمْرُ مُؤَنَّثٌ
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ حَدِيثِ مُغِيرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي نعم عن بن عمر ونفر من أصحاب محمد قالوا قال رسول الله مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ انْتَهَى فَفِيهِ ذِكْرُ الْقَتْلِ فِي الرابعة وعبد الرحمن هذا ضعيف ضعفه بن معين قاله بن الْقَطَّانِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي غُطَيْفٍ) بِالتَّصْغِيرِ الْهُذَلِيِّ مَجْهُولٍ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقِيلَ هُوَ غُطَيْفٌ أَوْ غُضَيْفٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَحَدِيثُ أَبِي غُطَيْفٍ أخرجه الطبراني وبن مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ (فِي الْخَامِسَةِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ كَذَا وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ ذِكْرُ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ كَمَا سَيَظْهَرُ لَكَ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ غُطَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ وَالِدُ عِيَاضٍ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَأَخْرَجَ له بن السَّكَنِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عِيَاضِ بْنِ غُطَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده سمعت رسول الله يَقُولُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه وأخرجه بن شاهين وبن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ انْتَهَى
فَذَكَرَ الْقَتْلَ فِي الثَّالِثَةِ
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ وَفِيهِ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَتْلَ قَالَ الْبَزَّارُ لَا نَعْلَمُ رَوَى غُطَيْفٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ لِلزَّيْلَعِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَبُو غُطَيْفٍ هَذَا لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ وَهُوَ هُذَلِيٌّ وَغُطَيْفٌ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَيَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ ساكنة
стр. 4039
[٤٤٨٤] (إِذَا سَكَرَ) أَيْ مِنَ الشَّرَابِ
قَالَ فِي أَقْرَبِ الْمَوَارِدِ سَكَرَ مِنَ الشَّرَابِ سُكْرًا نَقِيضُ صَحَا (فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ) فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الشَّارِبَ يُقْتَلُ بَعْدَ الرابعة وهم بعض أهل الظاهر ونصره بن حَزْمٍ وَقَوَّاهُ السُّيُوطِيُّ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَجِيءُ بَعْضُ الْكَلَامِ فِي هَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن ماجه انتهى وقال الزيلعي وأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ انْتَهَى
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هذا هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ مَدَنِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَعَ لَنَا حَدِيثُهُ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ (وَكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلٍ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا وَقَعَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سُهَيْلٍ وَفِيهِ قَالَ فحدثت به بن الْمُنْكَدِرِ قَالَ قَدْ تُرِكَ ذَلِكَ قَدْ أُتِيَ رسول الله بِابْنِ النُّعْمَانِ فَجَلَدَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَزِدِ انْتَهَى
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ الْحَدِيثَ
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ أَحْمَدُ في مسنده (وكذا حديث بن أَبِي نُعْمٍ إِلَخْ
стр. 4040
قال المنذري فأما حديث بن أَبِي نُعْمٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَقَعَ لَنَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْهُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو شَيْئًا
وَأَمَّا حَدِيثُ الْجَدَلِيِّ هَذَا عَبْدِ بْنِ عَبْدٍ وَيُقَالُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ تَقَدَّمَ آنِفًا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ في المستدرك من طريق إسحاق بن رَاهَوَيْهِ أَنْبَأَ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ قُرَّةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ شهر بن حوشب به
ورواه بن رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بِهِ وَزَادَ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ ائْتُونِي بِرَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ
وَكَذَلِكَ لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ائْتُونِي بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فِيهِ ثَلَاثًا فلكم علي الحديث
ومن طريق بن رَاهَوَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الشريد فأخرجه الحاكم في المستدرك عن بن إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ انْتَهَى
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ
[٤٤٨٥] (قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنَا عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا وَالضَّمِيرُ فِي قَالَ لِسُفْيَانَ وَفِي أَخْبَرَنَا لِلزُّهْرِيِّ أَيْ قَالَ سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ (فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ) شَكٌ مِنَ الراوي
стр. 4041
(فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ) وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ رَجُلٍ (وَرَفَعَ الْقَتْلَ) أَيْ رَفَعَ رسول الله الْقَتْلَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَيْ لَمْ يَقْتُلْهُ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ ثُمَّ أتي النبي بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ (فَكَانَتْ رُخْصَةً) هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَسَيَظْهَرُ لَكَ حَالُهُ فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ
قَالَ الطِّيِبِيُّ هَذَا أَيْ قَوْلُهُ لَمْ يَقْتُلْهُ قَرِينَةٌ نَاهِضَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فَاقْتُلُوهُ مَجَازٌ عَنِ الضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ مُبَالَغَةً لَمَّا عَتَا وَتَمَرَّدَ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ جَلْدَ ثَمَانِينَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى (وَعِنْدَهُ) أَيِ الزُّهْرِيِّ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ) أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْمَشْهُورُ الْكُوفِيُّ (وَمُخَوَّلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ كَمُعَظَّمٍ (بْنُ رَاشِدٍ) النَّهْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو رَاشِدٍ الْكُوفِيُّ (فَقَالَ) الزُّهْرِيُّ (كُونَا) أَمْرٌ مِنَ الْكَوْنِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ (وَافِدَيْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ) وَافِدَيْ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَفَدَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَدِمَ وَوَرَدَ
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ وَمُخَوَّلَ بْنَ رَاشِدٍ لَمَّا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ الزهري لهما بعد ما حَدَّثَهُمَا هَذَا الْحَدِيثَ اذْهَبَا بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَخْبِرَاهُمْ بِهِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْقَتْلَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ النَّاسِخَ لَهُ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْقَتْلُ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْ يُرَادُ الْأَمْرُ بِالْوَعِيدِ وَلَا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ وَالتَّحْذِيرُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ فِي الْخَامِسَةِ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ غَيْرُهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ إِلَّا طَائِفَةٌ شَاذَّةٌ قَالَتْ يُقْتَلُ بَعْدَ حَدِّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لِلْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ الْكَافَّةِ مَنْسُوخٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يذكر له سماع من رسول الله وَعَدَّهُ الْأَئِمَّةُ مِنَ التَّابِعِينَ وَذَكَرُوا أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ سمع من رسول الله وقد قيل إنه أتي به النبي وَهُوَ غُلَامٌ يَدْعُو لَهُ
وَذُكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ قَالَ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَمَّا أَبُوهُ ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ فَلَهُ صُحْبَةٌ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ إِلَى آخِرِهِ قَالَ ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الرَّابِعَةِ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ محمد بن إسحاق به أن النبي أتي
стр. 4042
بِالنُّعْمَانِ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَلَمَّا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ الْحَدَّ فَكَانَ نَسْخًا انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ إِلَى قَوْلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَتْ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ (رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ) أَيْ حَدِيثَ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ (وَشُرَحْبِيلُ بْنُ أَوْسٍ) وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ
وَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَوْا عَنِ النبي أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ وَأَمَّا قَبِيصَةُ فروى عنه رُخْصَةً فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٤٤٨٦] (قَالَ لَا أَدِي) مِنَ الدِّيَةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا أَدْرِي وَهُوَ غَلَطٌ (أَوْ مَا كُنْتُ أَدِي) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي أَيْ مَا كُنْتُ أَغْرَمُ الدِّيَةَ (مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ حَدًّا) أَيْ فَمَاتَ (إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ) الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ وَدَيْتُ شَارِبَ الْخَمْرِ لَوْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فمات
وفي رواية النسائي وبن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَنْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدًّا فَمَاتَ فَلَا دِيَةَ لَهُ إِلَّا مَنْ ضَرَبْنَاهُ فِي الْخَمْرِ (لَمْ يَسُنَّ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ (فِيهِ شَيْئًا) أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ حَدًّا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْحَدُّ الَّذِي نُقِيمُ عَلَى الشَّارِبِ (شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ
قَالَ الْحَافِظُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ إِلَّا فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَعَنْ عَلِيٍّ مَا تَقَدَّمَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ ضَرَبَ بِغَيْرِ السَّوْطِ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ جَلَدَ بِالسَّوْطِ ضَمِنَ قِيلَ الدِّيَةَ وَقِيلَ قَدْرَ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْجَلْدِ بِالسَّوْطِ وَبِغَيْرِهِ
وَالدِّيَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى عاقلة الإمام وكذلك لو مات في ما زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ انْتَهَى
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَاسَانَ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّ النبي جَلَدَ أَرْبَعِينَ قُلْتُ جَمَعَ الْحَافِظُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ الثَّمَانِينَ أَيْ لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعْنَاهُ نَحْنُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ لَوْ مَاتَ لَوَدَيْتُهُ أَيْ في الأربعين
стр. 4043
الزائدة وبذلك جزم البيهقي وبن حَزْمٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَمْ يَسُنَّهُ أَيِ الثَّمَانِينَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعْنَاهُ فَكَأَنَّهُ خَافَ مِنَ الَّذِي صَنَعُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ مُطَابِقًا
وَاخْتَصَّ هُوَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَمَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَوْلَى فَرَجَعَ إِلَى تَرْجِيحِهِ وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ وَدَاهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَسُنَّهُ لِصِفَةِ الضَّرْبِ وَكَوْنِهَا بِسَوْطِ الْجِلْدِ أَيْ لَمْ يَسُنَّ الْجَلْدَ بِالسَّوْطِ وَإِنَّمَا كَانَ يُضْرَبُ فِيهِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَشَارَ إِلَى ذلك البيهقي
وقال بن حَزْمٍ أَيْضًا لَوْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَسْنُونٍ لَوَجَبَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ فَضْلًا عَنْ عَلِيٍّ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ وَإِذَا تَعَارَضَ خَبَرُ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَخَبَرُ أَبِي سَاسَانَ فَخَبَرُ أَبِي سَاسَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ فِيهِ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَرْفُوعُ وَالْمَوْقُوفُ قُدِّمَ الْمَرْفُوعُ
وَأَمَّا دَعْوَى ضَعْفِ سَنَدِ أَبِي سَاسَانَ فَمَرْدُودَةٌ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مَهْمَا أَمْكَنَ مِنْ تَوْهِينِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمًا فَرِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ وَقَدْ سَاعَدَتْهَا رِوَايَةُ أَنَسٍ انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ في من مَاتَ مِنْ ضَرْبِ حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى بيت المال واختلفوا في من مَاتَ مِنَ التَّعْزِيرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَقْلُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَقِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
فَإِذَا ضَرَبَ الْإِمَامُ شَارِبَ الْخَمْرِ الْحَدَّ أَرْبَعِينَ وَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَمَنْ جَلَدَهُ ثَمَانِينَ وَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَإِنْ جَلَدَهُ وَاحِدًا وَأَرْبَعِينَ وَمَاتَ ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ وَقِيلَ يَضْمَنُ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّيَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٤٨٧] (عَنْ عَبْدِ الرحمن بن أزهر) أي القرشي وهو بن أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَهِدَ حُنَيْنًا رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُ مَاتَ بِالْحَرَّةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي الْإِكْمَالِ فِي الصحابة (كأني أنظر إلى رسول الله الْآنَ) الْمَقْصُودُ بَيَانُ اسْتِحْضَارِ الْقِصَّةِ كَالْعِيَانِ (وَهُوَ) أي
стр. 4044
رسول الله (فِي الرِّحَالِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَحْلٍ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْمَنْزِلِ وَالْمَسْكَنِ (يَلْتَمِسُ) أَيْ يَطْلُبُ (وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ ثُمَّ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ كَذَا ضُبِطَ فِي النُّسَخِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ قَدِ اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا فَقِيلَ هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ التَّشْدِيدِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّاءِ قَبْلَ الْيَاءِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَقْدِيمِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ عَلَى التَّاءِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِجَرَائِدِ النَّخْلِ وَأَصْلِ الْعُرْجُونِ وَقِيلَ هِيَ اسْمٌ لِلْعَصَا وَقِيلَ الْقَضِيبُ الدَّقِيقُ اللَّيِّنُ وَقِيلَ كُلُّ مَا ضُرِبَ بِهِ مِنْ جَرِيدٍ أَوْ عَصًا أَوْ دِرَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَصْلُهَا فِيمَا قِيلَ مِنْ مَتَخَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ بِالسَّهْمِ إِذَا ضَرَبَهُ وَقِيلَ مِنْ تَيَّخَهُ الْعَذَابَ وَطَيَّخَهُ إِذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ من الطاء انتهى (قال بن وَهْبٍ الْجَرِيدَةُ الرَّطْبَةُ) الْجَرِيدَةُ هِيَ السَّعَفَةُ سُمِّيَتْ بِهَا لِكَوْنِهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النخل أي قال بن وَهْبٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيتَخَةِ الْجَرِيدَةُ الرَّطْبَةُ وَفِي المشكاة قال بن وَهْبٍ يَعْنِي الْجَرِيدَةَ الرَّطْبَةَ بِزِيَادَةِ لَفْظِ يَعْنِي (فَرَمَى بِهِ) أَيْ بِالتُّرَابِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ رَمَاهُ فِي وَجْهِهِ قَالَ الطِّيِبِيُّ رَمَى بِهِ إِرْغَامًا لَهُ وَاسْتِهْجَانًا لِمَا ارْتَكَبَهُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٤٨٨] (وَهُوَ بِحُنَيْنٍ) كَزُبَيْرٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ (فَحَثَى فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ) أَيْ رَمَى بِهِ (وَمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ) عَطْفٌ عَلَى نِعَالِهِمْ أَيْ ضَرَبُوهُ بِنِعَالِهِمْ وَمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَصَا وَالْقَضِيبِ وَغَيْرِهِمَا (حَتَّى قَالَ لَهُمُ ارْفَعُوا) أَيْ كُفُّوا عَنْ ضَرْبِهِ (صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) أَيْ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ (ثُمَّ جَلَدَ ثَمَانِينَ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ) أَيْ إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ) بَدَلٌ مِنَ الْحَدَّيْنِ أَيْ جَلَدَ عُثْمَانُ مَرَّةً ثَمَانِينَ وَمَرَّةً أَرْبَعِينَ (ثُمَّ أَثْبَتَ معاوية) أي بن أَبِي سُفْيَانَ (الْحَدَّ ثَمَانِينَ) أَيْ عَيَّنَهُ وَأَقَرَّهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ انْقِطَاعٌ
стр. 4045
[٤٤٨٩] (قال رأيت رسول الله إِلَخْ) حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى آخِرِ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ من طرق والحاكم
وقال بن أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ وَأَبَا زُرْعَةَ فَقَالَا لَمْ يَسْمَعْهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ انْتَهَى
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَزْهَرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْحُدُودِ
فَحَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَحَدِيثُ النسائي في رواية بن الْأَحْمَرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى (فَحَرَزُوهُ) أَيْ حَفِظُوهُ أَرْبَعِينَ يُقَالُ أَحْرَزْتُ الشَّيْءَ أُحْرِزُهُ إِحْرَازًا إِذَا حَفِظْتُهُ وَضَمَمْتُهُ وَصُنْتُهُ عَنِ الْأَخْذِ
كَذَا فِي النِّهَايَةِ (كَحَدِّ الْفِرْيَةِ) أَيْ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ ثَمَانُونَ سَوْطًا
وَالْفِرْيَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ الِاسْمُ يُقَالُ افْتَرَى عَلَيْهِ كَذِبًا أَيِ اخْتَلَقَهُ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (أَدْخَلَ عُقَيْلَ بْنَ خَالِدٍ إِلَخْ) فَصَارَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا
وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ هَذَا بِضَمِّ الْعَيْنِ ثَبْتٌ ثِقَةٌ حُجَّةٌ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَاسِمٍ وَسَالِمٍ وَعَنْهُ اللَّيْثُ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ أَثْبَتُ مِنْ مَعْمَرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 4046
٨ - (باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ هَلْ يَجُوزُ)
أَمْ لَا
[٤٤٩٠] (أَخْبَرَنَا الشُّعَيْثِيُّ) بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا صَدُوقٌ مِنَ السَّابِعَةِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُهَاجِرِ (عَنْ زُفَرَ بْنِ وَثِيمَةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ حَكِيمِ بن حزام) بن خويلد المكي بن أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَحِبَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ عَاشَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ أَوْ بَعْدَهَا قَالَهُ الْحَافِظُ (أَنْ يُسْتَقَادَ) أَيْ يُطْلَبَ الْقَوَدُ أَيِ الْقِصَاصُ وَقَتْلُ الْقَاتِلِ بَدَلَ الْقَتِيلِ أَيْ يُقْتَصُّ (فِي الْمَسْجِدِ) لِئَلَّا يَقْطُرَ الدَّمُ فِيهِ كَذَا قِيلَ
قُلْتُ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لِهَذَا (وَأَنْ تُنْشَدَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُقْرَأَ (فِيهِ) أَيِ الْمَسْجِدِ (الْأَشْعَارُ) أَيِ الْمَذْمُومَةُ (وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ) أَيْ سَائِرُهَا أَيْ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ أَيِ الْحُدُودُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّهِ أَوْ بِالْآدَمِيِّ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعُ هَتْكٍ لِحُرْمَتِهِ وَلِاحْتِمَالِ تلوثه بجرح أو حدث
قاله القارىء وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ لَا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِمَا بَوَّبَ لَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُهَاجِرٍ الشُّعَيْثِيُّ النَّصْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالشُّعَيْثِيُّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ
وَالنَّصْرِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا العقيلي انتهى كلام المنذري
٩ - التَّعْزِيرُ مَصْدَرُ عَزَّرَ قَالَ فِي الصِّحَاحِ التَّعْزِيرُ التَّأْدِيبُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الضَّرْبُ دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا وَقَالَ فِي الْمَدَارِكِ وَأَصْلُ الْعَزْرِ الْمَنْعُ وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ لِأَنَّهُ مَنْعٌ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْقَبِيحِ انْتَهَى وَمِنْهُ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَيْ أَدَّبَهُ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقَبِيحِ وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي لَا يُجْلَدُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجَلْدِ أَيْ لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ الِاسْتِثْنَاءُ مُفْرَغٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ عَدَدٌ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ مَخْصُوصٌ أَوْ عُقُوبَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَالْمُتَّفَقُ عليه من ذلك أصل الزنى والسرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنى وَالْقَتْلُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْقَتْلُ فِي الِارْتِدَادِ وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا وَاخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ قَوْلَانِ وَقَالَ الْآخَرُونَ هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا الطَّعْنُ فِيهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَهُمَا الْعُمْدَةُ فِي التَّصْحِيحِ وَمِنْهَا أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ يَقْتَضِي نَسْخَهُ فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا تَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ وَضَرَبَ عُمَرُ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِّ أَوْ مِنْ مِائَةٍ وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ النَّسْخِ وَمِنْهَا حَمْلُهُ عَلَى وَاقِعَةِ
стр. 4047
حَدِيثُهُ فِي آخِرِ بَابِ التَّعْزِيرِ أَيْضًا لَكِنْ بِدُونِ ذِكْرِ هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النسخ ها هنا هَذَا الْبَابُ وَلَا حَدِيثُهُ لَكِنْ وَقَعَ حَدِيثُهُ فِي آخِرِ بَابِ التَّعْزِيرِ
[٤٤٩٣] (فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ) أَيْ فَلْيَجْتَنِبْ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَمَعْدِنُ جَمَالِهِ وَمَنْبَعُ حَوَاسِّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ ضَرْبِهِ وَتَجْرِيحِهِ وَتَقْبِيحِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ تَشْرِيفُ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنِ الشَّيْنِ سريعا ولأن فيه أعضاء نَفِيسَةً وَفِيهَا الْمَحَاسِنُ وَأَكْثَرُ الْإِدْرَاكَاتِ وَقَدْ يُبْطِلُهَا بِفِعْلِهِ وَالشَّيْنُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا سِيَّمَا الْأَسْنَانُ وَالْبَادِي مِنْهُ وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَرَّمَ بِهَا بَنِي آدَمَ وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ بِمَعْنَاهُ أَتَمَّ مِنْهُ
٠ - (باب فِي التَّعْزِيرِ)
التَّعْزِيرُ مَصْدَرُ عَزَّرَ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ التَّعْزِيرُ التَّأْدِيبُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الضَّرْبُ دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا
وَقَالَ فِي الْمَدَارِكِ وَأَصْلُ الْعَزْرِ الْمَنْعُ وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ لِأَنَّهُ مَنْعٌ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْقَبِيحِ انْتَهَى
وَمِنْهُ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَيْ أَدَّبَهُ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقَبِيحِ وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ
كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي
[٤٤٩١] (لَا يُجْلَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجَلْدِ أَيْ لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ (فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) الِاسْتِثْنَاءُ مُفْرَغٌ
قَالَ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ عَدَدٌ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ مَخْصُوصٌ أَوْ عُقُوبَةٌ مخصوصة والمتفق عليه من ذلك أصل الزنى والسرقة وشرب المسكر والحرابة
стр. 4048
والقذف بالزنى وَالْقَتْلُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْقَتْلُ فِي الِارْتِدَادِ وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا وَاخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أو العبد قولان
وقال آخرون هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا الطَّعْنُ فِيهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَهُمَا الْعُمْدَةُ فِي التَّصْحِيحِ وَمِنْهَا أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ يَقْتَضِي نَسْخَهُ فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا تَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا
وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ
وَضَرَبَ عُمَرُ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِّ أَوْ مِنْ مِائَةٍ وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ النَّسْخِ
وَمِنْهَا حَمْلُهُ عَلَى وَاقِعَةِ عَيْنٍ بِذَنْبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قُلْتُ وَمِنْ وُجُوهِ الْجَوَابِ قَصْرُهُ عَلَى الْجَلْدِ وَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ أَدْنَى الْحُدُودِ وَهَذَا رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ
قَالَ الْحَافِظُ كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ الضَّرْبِ انْتَهَى
وَلَيْسَ فِي أَيْدِي الَّذِينَ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَوَابٌ شَافٍ
قَالَ فِي النَّيْلِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ آثَارٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ وَأَحْسَنُ مَا يُصَارُ إِلَيْهِ فِي هَذَا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ الْمَذْكُورَ
قَالَ الْحَافِظُ فَتَبَيَّنَ بِمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنْ لَا اتِّفَاقَ عَلَى عَمَلٍ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يُدَّعَى نَسْخُ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ وَيُصَارُ إِلَى مَا يُخَالِفُهُ مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٤٤٩٢] (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٤٩٣] (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شرحه قريبا
стр. 4049
٦ - أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ النَّفْسَ مَأْخُوذَةٌ بِالنَّفْسِ مَقْتُولَةٌ بِهَا إِذَا قَتَلَتْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ
٣٨ - كتاب الديات
[٤٤٩٤] (كَانَ قُرَيْظَةُ) بِالتَّصْغِيرِ (وَالنَّضِيرُ) كَالْأَمِيرِ وَهُمَا قَبِيلَتَانِ وَخَبَرُ كَانَ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي الشَّرَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قُتِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ (فَوُدِيَ) أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الَّذِي كَانَ مِنْ قُرَيْظَةَ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْفِدَاءِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْفِدَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ وَالْفَتْحِ مَعَ الْقَصْرِ فِكَاكُ الْأَسِيرِ يُقَالُ فَدَاهُ يَفْدِيهِ فِدَاءً وَفَدَى وَفَادَاهُ يُفَادِيهِ مُفَادَاةً إِذَا أَعْطَى فِدَاءَهُ وَأَنْقَذَهُ (بِمِائَةِ وَسْقٍ) بِفَتْحِ وَاوٍ وَسُكُونِ سِينٍ وكسر
стр. 4050
الْوَاوِ لُغَةً سِتُّونَ صَاعًا (فَقَالُوا) أَيْ بَنُو قُرَيْظَةَ (ادْفَعُوهُ) أَيِ الْقَاتِلَ مِنَ النَّضِيرِ (نَقْتُلْهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أَيْ قَالَتِ قريظة ذَاكَ حِينَ أَبَى النَّضِيرُ دَفْعَ الْقَاتِلِ إِلَيْهِمْ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ السَّالِفَةِ (فَأَتَوْهُ) أَيْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (فَنَزَلَتْ) هَذِهِ الْآيَةُ (بِالْقِسْطِ) أَيِ الْعَدْلِ (والقسط النفس بالنفس) وهذا تفسير من بن عَبَّاسٍ أَيْ قَتْلُ النَّفْسِ بَدَلَ قَتْلِ النَّفْسِ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَاتِ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ إِلَى قَوْلِهِ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الدِّيَةِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى بَنِي النَّضِيرِ كَانَ لَهُمْ شَرَفٌ يُرِيدُونَ الدِّيَةَ كَامِلَةً وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْآيَةِ قَالَ مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَرُدُّوا فِي حُقُوقِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ فِي حَدٍّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ لِرَسُولِهِ وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بينهم بالقسط انتهى (أفحكم الجاهلية يبغون) أَيْ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ
قَالَ النَّسَفِيُّ بَنُو النَّضِيرِ يَطْلُبُونَ تَفَاضُلَهُمْ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَتْلَى سَوَاءٌ فَقَالَ بَنُو النَّضِيرِ نَحْنُ لَا نَرْضَى بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ انْتَهَى
وَفِي الْخَازِنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنَّ دَمَ الْقُرَظِيِّ وَفَاءٌ مِنْ دَمِ النَّضِيرِيِّ وَدَمَ النَّضِيرِيِّ وَفَاءٌ مِنْ دَمِ الْقُرَظِيِّ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي دَمٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا جِرَاحَةٍ فَغَضِبَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَقَالُوا لَا نَرْضَى بِحُكْمِكَ فأنزل الله أفحكم الجاهلية يبغون انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
(باب لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه أو أخيه)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجَرِيرَةُ الْجِنَايَةُ وَالذَّنْبُ
[٤٤٩٥] (حَدَّثَنَا إياد) بكسر الهمزة بن لَقِيطٍ السَّدُوسِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) بِكَسْرِ الراء
стр. 4051
الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
قَالَ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ أَبُو رِمْثَةَ التَّيْمِيُّ مِنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بن أدوهم تَيْمُ الرَّبَابِ وَيُقَالُ التَّمِيمِيُّ مِنْ وَلَدِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي رِمْثَةَ كَثِيرًا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو
قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو رِمْثَةَ التَّيْمِيُّ اسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ حَيَّانَ وَقِيلَ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ انْتَهَى (آبْنُكَ) بِالْمَدِّ لِأَنَّهَا هَمْزَتَانِ الْأُولَى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَالثَّانِيَةُ هَمْزَةُ لَفْظَةِ ابْنِكَ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ (قَالَ) أَبِي (إِي) مِنْ حُرُوفِ الْإِيجَابِ (قَالَ) أَبِي حَقًّا أَيْ نَقُولُ حَقًّا إِنَّهُ وَلَدِي (قَالَ) أَبِي (أَشْهَدُ بِهِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَفَتْحِ هَاءٍ أَيْ كُنْ شَاهِدًا بِأَنَّهُ ابْنِي مِنْ صُلْبِي وَبِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْضًا وَهُوَ تَقْرِيرٌ أَنَّهُ ابْنُهُ وَالْمَقْصُودُ الْتِزَامُ ضَمَانِ الْجِنَايَاتِ عَنْهُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ كُلٍّ مِنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ بِجِنَايَةِ الْآخَرِ (قَالَ) أَيْ أَبُو رِمْثَةَ (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أي ابتداء (ضاحكا) أي انتهاء (مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي) أَيْ مِنْ أَجْلِ ثُبُوتِ مُشَابَهَتِي فِي أَبِي بِحَيْثُ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الْحَلِفِ وَمَعَ ذَلِكَ حَلِفَ أَبِي (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (ثُمَّ قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ رَدًّا لِزَعْمِهِ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) لِلشَّأْنِ أَوِ الِابْنِ (لَا يَجْنِي عَلَيْكَ) أَيْ لَا يُؤَاخَذُ بِذَنْبِكَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ أَيْ جِنَايَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ لَا تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْإِثْمُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ مُتَعَدِّيَةٌ انْتَهَى (وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) أَيْ لَا تُؤَاخَذُ بِذَنْبِهِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجِنَايَةُ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ وَمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ أَوِ الْقِصَاصَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَبَاعِدِهِ فَإِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً لَا يُعَاقَبُ بِهَا الْآخَرُ (وَقَرَأَ) اسْتِشْهَادًا (وَلَا تَزِرُ) أَيْ لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ (وَازِرَةٌ) آثِمَةٌ (وِزْرَ) إِثْمَ نَفْسٍ (أُخْرَى)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَادٍ
(باب الْإِمَامِ يَأْمُرُ بِالْعَفْوِ فِي الدَّمِ)
[٤٤٩٦] (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ
стр. 4052
وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَيُقَالُ هَانِئٌ وَيُقَالُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (الْخُزَاعِيِّ) بِضَمِّ أُولَى الْمُعْجَمَتَيْنِ (مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ) أَيِ ابْتُلِيَ بِقَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ مِمَّنْ يَرِثُهُ (أَوْ خَبْلٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْخَبْلُ الْجُرْحُ بِضَمِّ الجيم قاله القارىء
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْخَبْلُ بِسُكُونِ الْبَاءِ فَسَادُ الْأَعْضَاءِ يُقَالُ خَبَلَ الْحُبُّ قَلْبَهُ إِذَا أَفْسَدَهُ يَخْبِلُهُ وَيَخْبُلُهُ خَبْلًا وَرَجُلٌ خَبِلٌ وَمُخْتَبِلٌ أَيْ مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلِ نَفْسٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يُطَالِبُونَ بِدِمَاءٍ وَخَبْلٍ أَيْ بِقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (فَإِنَّهُ) أَيِ الْمُصَابُ الذي أصابته المصيبة وهو الوارث قاله القارىء (إِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ (إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ) أَيْ يَقْتَادَ مِنْ خَصْمِهِ (وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ) عَنْهُ (فَإِنْ أَرَادَ) أَيِ الْمُصَابُ (الرَّابِعَةَ) أَيِ الزَّائِدَةَ عَلَى الثَّلَاثِ (فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ) أَيِ امْنَعُوهُ عَنْهَا (وَمَنِ اعْتَدَى) أَيْ إِلَى الرَّابِعَةِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِ هَذَا الْبَيَانِ أَوْ بَعْدَ مَنْعِ النَّاسِ إِيَّاهُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
أَوْ أَنَّ مَنِ اعْتَدَى إِلَى الرَّابِعَةِ أَيْ تَجَاوَزَ الثَّلَاثَ وَطَلَبَ شَيْئًا آخَرَ بِأَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَعْدَ الْعَفْوِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوْ بِأَنْ عَفَا ثُمَّ طَلَبَ الدِّيَةَ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُعْتَدِي (عَذَابٌ أَلِيمٌ) أَيْ مُوجِعٌ شَدِيدٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِنَّ الْمُخَيَّرَ فِي الْقَوَدِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَرَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخِيَارَ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ انْتَهَى
وَأَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ انْتَهَى
قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بتغيير يسير
[٤٤٩٧] (إلا أمر) رسول الله (فِيهِ) أَيْ فِي الْقِصَاصِ (بِالْعَفْوِ) قَالَ فِي النيل والترغيب
стр. 4053
فِي الْعَفْوِ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَنُصُوصِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعَفْوِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا هُوَ الْأَوْلَى للمظلوم هل الْعَفْوُ عَنْ ظَالِمِهِ أَوْ تَرْكُ الْعَفْوِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٤٩٨] (فَرُفِعَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) الْأَمْرُ (فَدَفَعَهُ) أَيْ دَفَعَ النَّبِيُّ الْقَاتِلَ (مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ) أَيْ مَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) أَيِ الْقَاتِلُ (إِنْ كَانَ صَادِقًا) يُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْعَمْدُ لَا يُسْمَعُ فِيهِ كَلَامُ الْقَاتِلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ فِي الْحُكْمِ نَعَمْ يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ خَوْفًا مِنْ لُحُوقِ الْإِثْمِ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ دَعْوَى الْقَاتِلِ (فَخَلَّى سَبِيلَهُ) أَيْ تَرَكَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلَ (وَكَانَ) أَيِ الْقَاتِلُ (مَكْتُوفًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَكْتُوفُ الَّذِي شُدَّتْ يَدَاهُ مِنْ خَلْفِهِ (بِنِسْعَةٍ) بِكَسْرِ نُونٍ قِطْعَةِ جِلْدٍ تُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
وَفِي النِّهَايَةِ النِّسْعَةُ بِالْكَسْرِ سَيْرٌ مَضْفُورٌ يُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تُنْسَجُ عَرِيضَةٌ تُجْعَلُ عَلَى صَدْرِ الْبَعِيرِ (فَخَرَجَ) الْقَاتِلُ (فَسُمِّيَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْقَاتِلُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٤٤٩٩] (الْجُشَمِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةٍ (الْعَائِذِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةٍ (بِرَجُلٍ قَاتِلٍ) بِالْكَسْرِ صِفَةٌ لرجل (قال) وائل (فدعا) النبي (ولي المقتول) بفتح الياء (فقال) النبي لولي المقتول (أتعفو) عنه (قال) النبي لِلْوَلِيِّ (اذْهَبْ بِهِ) أَيِ الْقَاتِلِ (فَلَمَّا وَلَّى
стр. 4054
وأدبر الولي (قال) النبي (إِنْ عَفَوْتَ) خِطَابٌ لِلْوَلِيِّ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْقَاتِلِ (يَبُوءُ) بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ أَيْ يَلْتَزِمُ وَيَرْجِعُ الْقَاتِلُ (بِإِثْمِهِ) أَيِ الْقَاتِلِ (وَإِثْمِ صَاحِبِهِ) يَعْنِي الْمَقْتُولَ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْبَوَاءِ اللُّزُومُ وَمَعْنَى يَبُوءُ إِلَخْ أَيْ كَانَ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ وَعُقُوبَةُ قَتْلِ صَاحِبِهِ فَأَضَافَ الْإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ سَبَبٌ لِإِثْمِهِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ إِثْمَهُ فِي قَتْلِ صَاحِبِهِ فَأَضَافَ الْإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ إِذْ صَارَ بِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْقَتْلِ سَبَبًا لِإِثْمِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لمجنون فَأَضَافَ الرَّسُولَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رسول الله أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَّا الْإِثْمُ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا فَهُوَ إِثْمُهُ فِيمَا قَارَفَهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سِوَى الْإِثْمِ الَّذِي قَارَفَهُ مِنَ الْقَتْلِ فَهُوَ يَبُوءُ بِهِ إِذَا عَفَا عَنِ الْقَتِيلِ وَلَوْ قُتِلَ لَكَانَ كَفَّارَةً لَهُ انْتَهَى
وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْ يَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِإِثْمِهِ السَّابِقِ وَبِالْإِثْمِ الْحَاصِلِ لَهُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ فَأُضِيفَ إِلَى الصَّاحِبِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُتِلَ فَإِنَّ الْقَتْلَ يَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ عَنْ إِثْمِ الْقَتْلِ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ يَتَحَمَّلُ إِثْمَ الْمَقْتُولِ لِإِتْلَافِهِ مُهْجَتَهُ وَإِثْمَ الْوَلِيِّ لِكَوْنِهِ فَجَعَهُ فِي أَخِيهِ وَيَكُونُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي هَذَا الرَّجُلِ خَاصَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَكُونُ عَفْوُكَ عَنْهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ إِثْمِكَ وَإِثْمِ أَخِيكَ الْمَقْتُولِ وَالْمُرَادُ إِثْمُهُمَا السَّابِقُ بِمَعَاصٍ لَهُمَا مُتَقَدِّمَةٍ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا الْقَاتِلِ فَيَكُونُ مَعْنَى يَبُوءُ يَسْقُطُ وَأُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَيْهِ مَجَازًا انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيُّ لَعَلَّ الْوَجْهَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِرُجُوعِهِ بِإِثْمِهِمَا هُوَ رُجُوعُهُ مُلْتَبِسًا بِزَوَالِ إِثْمِهِمَا عَنْهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَعَالَى يَرْضَى بِعَفْوِ الْوَلِيِّ فَيَغْفِرَ لَهُ وَلِمَقْتُولِهِ فَيَرْجِعُ الْقَاتِلُ وَقَدْ أُزِيلَ عَنْهُمَا إِثْمُهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ (قَالَ) وَائِلٌ (فَعَفَا) أَيِ الْوَلِيُّ (عَنْهُ) عَنِ الْقَاتِلِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَلِيَّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دِيَةِ الْعَمْدِ تَجِبُ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَشْفَعُ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ فِي الْعَفْوِ بَعْدَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِاسْتِيثَاقِ بِالشَّدِّ وَالرِّبَاطِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِذَا خُشِيَ انْفِلَاتُهُ وَذَهَابُهُ وَفِيهِ جَوَازُ إِقْرَارِ مَنْ جِيءَ بِهِ فِي حَبْلٍ أَوْ رِبَاطٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْزِيرٌ وَيُحْكَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ يُضْرَبُ بَعْدَ الْعَفْوِ مِائَةَ سَوْطٍ وَيُحْبَسُ سَنَةً انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 4055
[٤٥٠٠] (بِإِسْنَادِهِ) السَّابِقِ (وَمَعْنَاهُ) أَيِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ
[٤٥٠١] (فَقَالَ) الرَّجُلُ (إِنَّ هَذَا) أَيِ الْحَبَشِيَّ (قَالَ) النَّبِيُّ لِلْحَبَشِيِّ (بِالْفَأْسِ) آلَةٌ ذَاتُ هِرَاوَةٍ قَصِيرَةٍ يُقْطَعُ بِهَا الْخَشَبُ وَغَيْرُهُ (وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ) أَيْ ما كان القتل عمدا (قال) النبي (دِيَتَهُ) أَيِ الْمَقْتُولِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ كَيْفَ قَتَلْتَهُ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قرنه فقتلته فقال له النبي هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ مَا لِيَ مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي قَالَ فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ قَالَ أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ الْحَدِيثَ (أَفَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (فَمَوَالِيكَ) الْمَوَالِي جَمْعُ الْمَوْلَى وَالْمُرَادُ بِهِ ها هنا السَّيِّدُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَوْلَى اسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وبن الْعَمِّ وَالْحَلِيفُ وَالْعَقِيدُ وَالصِّهْرُ وَالْعَبْدُ وَالْمُعْتَقُ وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا وَقَامَ بِهِ فَهُوَ مَوْلَاهُ وَوَلِيُّهُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ مَصَادِرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَالْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ فِي النَّسَبِ وَالنُّصْرَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوِلَايَةُ بِالْكَسْرِ فِي الْإِمَارَةِ وَالْوَلَاءُ فِي الْمُعْتِقِ وَالْمُوَالَاةُ مَنْ وَالَى الْقَوْمَ (دِيَتَهُ) أَيِ الْمَقْتُولِ (خُذْهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (فَخَرَجَ) الرَّجُلُ (بِهِ) أَيْ بِالْقَاتِلِ (لِيَقْتُلَهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (أَمَا إِنَّهُ) أَيْ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ (إِنْ قَتَلَهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (كَانَ) وَلِيُّ الْمَقْتُولِ (مِثْلَهُ) أَيِ الْقَاتِلِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ لَا فَضْلَ وَلَا مِنَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ وَجَزِيلُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَجَمِيلُ الثَّنَاءِ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ فَهُوَ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ قَاتِلٌ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ لَكِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى لاسيما وقد طلب النبي مِنْهُ الْعَفْوَ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِصَاحِبِ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلَهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ قَتْلَهُ
стр. 4056
كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ الْعَمْدِ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ وَالْأُخْرَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ فِي حُكْمِ الْبَوَاءِ فَصَارَا مُتَسَاوِيَيْنِ لَا فَضْلَ لِلْمُقْتَصِّ إِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ انْتَهَى (فَبَلَغَ بِهِ) أَيْ بِالْقَاتِلِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (الرَّجُلُ) فَاعِلُ بَلَغَ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَالْمَعْنَى فَأَبْلَغَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلَ عند رسول الله (حَيْثُ) أَيْ حِينَ (يَسْمَعُ) وَلِيُّ الْمَقْتُولِ (قَوْلَهُ) أي قول رسول الله إِمَّا بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ رَجُلٍ آخَرَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَنَصُّهُ فَرَجَعَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ
وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ فَقَالَ له مقالة رسول الله (فَقَالَ) الرَّجُلُ (هُوَ) أَيِ الْقَاتِلُ (ذَا) أَيْ حَاضِرٌ (فَمُرْ فِيهِ) أَيِ الْقَاتِلِ (أَرْسِلْهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (فَيَكُونَ) أَيِ الْقَاتِلُ (مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) أَيْ إِنْ مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ تَفَضُّلًا أَوِ الْمَعْنَى فَيَكُونَ مِنْهُمْ جَزَاءً وَاسْتِحْقَاقًا وَأَمَّا وُصُولُ الْجَزَاءِ إِلَيْهِ فَمَوْقُوفٌ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ وَعَدَمِ عَفْوِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ وَعِنْدَ أَحَدِهِمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الْجَزَاءُ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (قَالَ) وَائِلٌ (فَأَرْسَلَهُ) أَيْ أَرْسَلَ الرَّجُلَ الَّذِي هُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٥٠٢] (وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ) أَيْ مَحْبُوسٌ فِيهَا يُقَالُ حَصَرَهُ إِذَا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَكَانَ فِي الدَّارِ مَدْخَلٌ) هُوَ اسْمُ كَانَ وَمَدْخَلُ الْبَيْتِ بِفَتْحِ الْمِيمِ لِمَوْضِعِ الدُّخُولِ إِلَيْهِ (مَنْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (دَخَلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَدْخَلَ (سَمِعَ) أَيِ الدَّاخِلُ (كَلَامَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَفْعُولٌ لِسَمِعَ مُضَافٌ إِلَى (مَنْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (عَلَى الْبَلَاطِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْبَلَاطُ ضَرْبٌ مِنَ الْحِجَارَةِ تُفْرَشُ بِهِ الْأَرْضُ ثُمَّ سُمِّيَ الْمَكَانُ بَلَاطًا اتِّسَاعًا وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ انْتَهَى
قُلْتُ وهو المراد ها هنا (فَدَخَلَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فَدَخَلَ ذَلِكَ الْمَدْخَلَ (عُثْمَانُ) لِيَسْمَعَ كَلَامَ النَّاسِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ البلاط (فخرج) عثمان (إلينا) من المدخل الواو للحال
стр. 4057
(إِنَّهُمْ) أَيِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ الْبَلَاطِ (قَالَ) أَبُو أُمَامَةَ (يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) أَيْ يَكْفِي اللَّهُ وَيَرْفَعُ وَيَمْنَعُ عَنْكَ شَرَّهُمْ (قَالَ) عُثْمَانُ (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ مِنَ الْخِصَالِ (بَعْدَ إِحْصَانٍ) أَيْ بَعْدَ تَزْوِيجٍ (وَلَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي) وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَلَا تَمَنَّيْتُ بَدَلًا بِدِينِي (وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ (فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي) أَيْ فَبِأَيِّ سَبَبٍ يُرِيدُونَ قَتْلِي
وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ مَظْلُومًا فَقَالَ لَهُمْ لِمَ أَرَدْتُمْ قَتْلِي إِنِّي مَا صَنَعْتُ شَيْئًا قَطُّ يُوجِبُ الْقَتْلَ فَقَالَ مَا زَنَيْتُ إِلَخْ فاعتذر بهذه الكلمات وطلب عنهم الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ إِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الدِّيَاتِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ والنسائي في المحاربة وبن مَاجَهْ فِي الْحُدُودِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ رواه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَلِلدَّارِمِيِّ لَفْظُ الْحَدِيثِ
[٤٥٠٣] (زِيَادُ بْنُ ضُمَيْرَةَ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (زِيَادُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ السُّلَمِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ زِيَادٌ وَيُقَالُ زَيْدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ وَيُقَالُ زِيَادُ بْنُ
стр. 4058
ضُمَيْرَةَ بْنِ سَعْدٍ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (وَهُوَ أَتَمُّ) أَيْ حَدِيثُ وَهْبٍ (يُحَدِّثُ) أَيْ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ (عُرْوَةَ) بِفَتْحِ التَّاءِ مَفْعُولُ يُحَدِّثُ (عَنْ) أَبِيهِ أَيْ نَاقِلًا عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ سعد (قال موسى) بن إِسْمَاعِيلَ (وَجَدِّهِ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ يُحَدِّثُ زِيَادٌ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ وَعَنْ جَدِّهِ ضُمَيْرَةَ (وَكَانَا) أَيْ سَعْدٌ وَضُمَيْرَةُ (أَنَّ مُحَلِّمَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا ميم قاله المنذري (بن جَثَّامَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِهَا وَبَعْدَ الْأَلِفِ مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (مِنْ أَشْجَعَ) بِسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا جيم مفتوحة وعين مهملة هو بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ بَطْنٌ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَبِيلَةٌ مِنْ غَطَفَانَ وَرَيْثٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (أَوَّلُ غِيَرٍ) الْغِيَرُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَرَاءٍ الدِّيَةُ قِيلَ هِيَ جَمْعُ غَيْرَةٍ وَقِيلَ مُفْرَدٌ جَمْعُهَا أَغْيَارٌ كَضِلَعٍ وَأَضْلَاعٍ وَأَصْلُهَا مِنَ الْمُغَايَرَةِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْقَتْلِ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (قَضَى بِهِ) أَيْ بِالْغِيَرِ (فَتَكَلَّمَ عُيَيْنَةُ فِي قَتْلِ الْأَشْجَعِيِّ) قَالَ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ الْأَشْجَعِيُّ هُوَ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ الَّذِي قَتَلَتْهُ سَرِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مُتَعَوِّذًا بِالشَّهَادَةِ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي وَجَدِّي وَكَانَا شهدا حنينا مع النبي قالا صلى بنا النبي الظُّهْرَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ثُمَّ جَلَسَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَعُيَيْنَةُ يَوْمَئِذٍ يُطْلَبُ بِدَمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْمَقْتُولِ الْحَدِيثَ (لِأَنَّهُ) أَيِ الْأَشْجَعِيَّ (مِنْ غَطَفَانَ) وَعُيَيْنَةُ أَيْضًا كَانَ مِنْ غَطَفَانَ
قَالَ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ الْفَزَارِيُّ انْتَهَى فَكَانَا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ (دون محلم) بن جثامة أي من جانبه وفي رواية بن إسحاق في المغازي والأقرع بدافع عَنْ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ الْقَاتِلِ
(لِأَنَّهُ) أَيْ مُحَلِّمًا (مِنْ خِنْدَفَ) وَأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَيْضًا مِنْ خِنْدَفَ وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبَعْدَهَا الدَّالُ الْمُهْمَلَةُ الْمَكْسُورَةُ وَهِيَ زَوْجُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ وَاسْمُهَا لَيْلَى انْتَسَبَ إِلَيْهَا وَلَدُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ وَهِيَ أُمُّهُمْ وَكَانَ سَبَبُ تَلَقُّبِهَا بِذَلِكَ أَنَّ إِلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ خَرَجَ مُنْتَجِعًا (قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ انْتَجَعَ الْقَوْمُ إذا ذهبوا لطلب الكلاء مِنْهُ) فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ مِنْ أَرْنَبٍ فَطَلَبَهَا ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ إِلْيَاسَ فَأَدْرَكَهَا فَسُمِّيَ مُدْرِكَةَ وَخَرَجَ عَامِرُ بْنُ إِلْيَاسَ فِي طَلَبِهَا فَأَخَذَهَا
стр. 4059
فَطَبَخَهَا فَسُمِّيَ طَابِخَةَ وَانْقَمَعَ عُمَيْرُ بْنُ إِلْيَاسَ فِي الْخِبَاءِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَسُمِّيَ قَمَعَةَ فَخَرَجَتْ أُمُّهُ لَيْلَى تَنْظُرُ مَشْيَ الْخِنْدِفَةِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ فِيهِ تَبَخْتُرٌ فَقَالَ لَهَا إِلْيَاسُ أَيْنَ تُخَنْدِفِينَ وَقَدْ رُدَّتِ الْإِبِلُ فَسُمِّيَتْ خِنْدِفًا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
(وَاللَّغَطُ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ اللغط صوت وضجة لا يفهم معناها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ (لَا تَقْبَلُ الْغِيَرَ) أَيِ الدِّيَةَ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ (لَا وَاللَّهِ) أَيْ لَا أَقْبَلُ وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ (حَتَّى أُدْخِلَ) مِنَ الْإِدْخَالِ (عَلَى نِسَائِهِ) أَيِ الْقَاتِلِ (مِنَ الْحَرْبِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ الْمُقَاتَلَةِ (وَالْحَزَنِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ (مَا) مَوْصُولَةٌ
(أَدْخَلَ) أَيِ الْقَاتِلُ (قال) أي سعدا وَضُمَيْرَةُ (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيِ الْقَوْلِ السَّابِقِ (مُكَيْتِلٌ) بِمُثَنَّاةٍ مُصَغَّرٌ وَقِيلَ بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ اللَّيْثِيُّ قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ (عَلَيْهِ شِكَّةٌ) بِكَسْرِ الشين الْمُعْجَمَةِ السِّلَاحُ (وَفِي يَدِهِ) أَيْ مُكَيْتِلٍ (دَرَقَةٌ) الدَّرَقَةُ الْحَجَفَةُ وَهِيَ التُّرْسُ مِنْ جُلُودٍ لَيْسَ فِيهَا خَشَبٌ وَلَا عَصَبٌ (فَقَالَ) مُكَيْتِلٌ (لِمَا فَعَلَ هَذَا) أَيْ مُحَلِّمٌ (فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ غُرَّةُ الْإِسْلَامِ أَوَّلُهُ وَغُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ (إِلَّا غَنَمًا وَرَدَتْ) عَلَى الْمَاءِ لِلشُّرْبِ (فَرُمِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِالنَّبْلِ أَوِ الْحِجَارَةِ لِقَتْلِهَا أَوْ لِطَرْدِهَا (أَوَّلُهَا) أَيِ الْغَنَمُ (فَنَفَرَ آخِرُهَا) أَيْ بَقِيَّةُ الْغَنَمِ لِخَوْفِ الْقَتْلِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْأَوَّلَ حَتَّى يَكُونَ قَتْلُهُ عِظَةً وَعِبْرَةً لِلْآخَرِينَ قَالَهُ السِّنْدِيُّ (اسْنُنِ الْيَوْمَ) صِيغَةُ أَمْرٍ مِنْ سَنَّ سُنَّةً مِنْ بَابِ نَصَرَ (وَغَيِّرْ غَدًا) صِيغَةُ أَمْرٍ مِنَ التَّغْيِيرِ وَهَذَا مَثَلٌ ثَانٍ ضَرَبَهُ لِتَرْكِ الْقَتْلِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ ضَرَبَهُ لِلْقَتْلِ وَلِذَلِكَ تُرِكَ الْعَطْفُ أَيْ وَإِلَّا قَوْلَهُمْ هَذَا وَمَعْنَاهُ وَقَرِّرْ حُكْمَكَ الْيَوْمَ وَغَيِّرْهُ غَدًا أَيْ إِنْ تَرَكْتَ الْقِصَاصَ الْيَوْمَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ وَاكْتَفَيْتَ بِالدِّيَةِ ثُمَّ أَجْرَيْتَ الْقِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ يَصِيرُ ذَلِكَ كَهَذَا الْمَثَلِ وَالْحَاصِلُ إِنْ قَتَلْتَ الْيَوْمَ يَصِيرُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ غَنَمٍ وَإِنْ تَرَكْتَ الْيَوْمَ يَصِيرُ مَثَلُهُ كَهَذَا الْمَثَلِ قاله السندي
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا أَيِ اعْمَلْ بِسُنَّتِكَ الَّتِي سَنَنْتَهَا فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا شِئْتَ أَنْ تُغَيِّرَ فَغَيِّرْ أَيْ تُغَيِّرَ مَا سَنَنْتَ وَقِيلَ تُغَيِّرْ مَنْ أَخَذَ الْغِيَرَ وَهِيَ الدِّيَةُ انْتَهَى
стр. 4060
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مَثَلٌ يَقُولُ إِنْ لَمْ تَقْتَصَّ مِنْهُ الْيَوْمَ لَمْ تَثْبُتْ سُنَّتُكَ غَدًا وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُكَ بَعْدَكَ أَوْ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ وَجَدَ الْقَاتِلُ سَبِيلًا إِلَى أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ أَعْنِي قَوْلَهُ اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا فَتَتَغَيَّرْ لِذَلِكَ سُنَّتُكَ وَتُبَدَّلُ أَحْكَامُهَا انْتَهَى
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ إِنَّ مَثَلَ مُحَلِّمٍ فِي قَتْلِهِ الرَّجُلَ وَطَلَبِهِ أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْهُ وَتُؤْخَذَ مِنْهُ الدِّيَةُ وَالْوَقْتُ أَوَّلُ الْإِسْلَامِ وَصَدْرُهُ كَمَثَلِ هَذِهِ الْغَنَمِ النَّافِرَةِ يَعْنِي إِنْ جَرَى الْأَمْرُ مَعَ أَوْلِيَاءِ هَذَا الْقَتِيلِ عَلَى مَا يُرِيدُ مُحَلِّمٌ ثَبَّطَ النَّاسَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مَعْرِفَتُهُمْ أَنَّ الْقَوَدَ يُغَيَّرُ بِالدِّيَةِ وَالْعِوَضِ خُصُوصًا وَهُمْ حِرَاصٌ على درك الأوثار وَفِيهِمُ الْأَنَفَةُ مِنْ قَبُولِ الدِّيَاتِ ثُمَّ حَثَّ رسول الله عَلَى الْإِقَادَةِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا يُرِيدُ إِنْ لَمْ تَقْتَصَّ مِنْهُ غَيَّرْتَ سُنَّتَكَ وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُهَيِّجُ الْمُخَاطَبَ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْإِقْدَامِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ
(خَمْسُونَ) أَيْ إِبِلًا لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ (فِي فَوْرِنَا هَذَا) أَيْ عَلَى الْوَقْتِ الْحَاضِرِ لَا تَأْخِيرَ فِيهِ (وَخَمْسُونَ) إِبِلًا وَالْمَعْنَى أَنَّ النبي رَضِيَ بِالدِّيَةِ بَدَلَ الْقِصَاصِ فَقَالَ إِنَّ عَلَى الْقَاتِلِ مِائَةَ إِبِلٍ فِي الدِّيَةِ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ خَمْسُونَ إِبِلًا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ وَخَمْسُونَ إِبِلًا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ (وَذَلِكَ) أَيِ الْقَتْلُ وَالْقِصَّةُ كَانَ (طَوِيلٌ آدَمُ) أَيْ أَسْمَرُ اللَّوْنِ (وَهُوَ) أَيْ مُحَلِّمٌ جَالِسٌ (فِي طَرَفِ النَّاسِ) أَيْ فِي جَانِبِهِمْ (فَلَمْ يَزَالُوا) أَيْ مُعَاوِنُونَ لِمُحَلِّمٍ انْتَصَرُوا لَهُ (حَتَّى تَخَلَّصَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَشِدَّةِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ نَجَا مُحَلِّمٌ مِنَ الْقَتْلِ (وَعَيْنَاهُ) أَيْ مُحَلِّمٍ (تَدْمَعَانِ) أَيْ تُسِيلَانِ الدَّمْعَ وَهُوَ مَاءُ الْعَيْنِ (بِصَوْتٍ عَالٍ) أي قال النبي هَذِهِ الْجُمْلَةَ اللَّهُمَّ إِلَخْ بِصَوْتٍ عَالٍ (فَقَامَ) مُحَلِّمٌ (وَإِنَّهُ) أَيْ مُحَلِّمًا (لَيَتَلَقَّى) أَيْ لَيَأْخُذُ وَيَمْسَحُ
قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَتَلَقَّاهُ أَيِ اسْتَقْبَلَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ ربه كلمات فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْهُ انْتَهَى (فَزَعَمَ قَوْمُهُ) أَيْ مُحَلِّمٍ (اسْتَغْفَرَ لَهُ) أَيْ لِمُحَلِّمٍ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا أَمَرَ عُيَيْنَةَ بِأَخْذِ الدِّيَةِ عِوَضَ الْقِصَاصِ فَهُوَ أَمْرٌ بِالْعَفْوِ
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عن بن عباس
стр. 4061
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي القتلى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخيه شيء قال بن عَبَّاسٍ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ
قال المنذري والحديث أخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
(باب ولي العمد يأخذ الدية)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ يَأْخُذُ الدِّيَةَ وَيَرْضَى بِهَا
[٤٥٠٤] (سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الْكَعْبِيَّ) هُوَ أَبُو شُرَيْحٍ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَعْبِيُّ الْعَدَوِيُّ الْخُزَاعِيُّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ (أَلَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ مَا بَعْدَهَا وَتَأْتِي لِمَعَانٍ أُخَرَ (خُزَاعَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالزَّايِ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرِهَا وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ خُطْبَتِهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ قَتَلُوا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي هُذَيْلٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ دِيَتَهُ لِإِطْفَاءِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ (هَذَا الْقَتِيلَ) أَيِ الْمَقْتُولَ (مِنْ هُذَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَإِنِّي عَاقِلُهُ) أَيْ مُؤَدٍّ دِيَتَهُ مِنَ الْعَقْلِ وَهُوَ الدِّيَةُ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ إِبِلَهَا تُعْقَلُ بِفِنَاءِ وَلِيِّ الدَّمِ أَوْ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ أَيْ تَمْنَعُ دَمَ الْقَاتِلِ عَنِ السَّفْكِ (فَأَهْلُهُ) أَيْ وَارِثِ الْقَتِيلِ (بَيْنَ خِيرَتَيْنِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ أَيِ اخْتِيَارَيْنِ وَالْمَعْنَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ الْخِيَرَةُ الْإِثْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ (بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (الْعَقْلَ) أَيِ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ (أَوْ يَقْتُلُوا) أَيْ قَاتِلَهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْخِيَرَةَ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ فِي الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَأَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قَالَ لَأُعْطِيَنَّكُمُ الْمَالَ فَاسْتَفِيدُوا مِنِّي وَاخْتَارَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ الْمَالَ كَانَ لَهُمْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ كَانَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَيُطَالِبَ بِالدِّيَةِ مَنْ شَاءَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
стр. 4062
وقد روي هذا المعنى عن بن عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وبن سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ لَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ إِلَّا الدَّمُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْقَاتِلُ أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٤٥٠٥] (مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أَيِ الْقَتِيلُ بِهَذَا الْقَتْلِ لَا بِقَتْلٍ سَابِقٍ لِأَنَّ قَتْلَ الْقَتِيلِ مُحَالٌ
قَالَ فِي الْعُمْدَةِ قَتِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ سُمِّيَ بِمَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ لِوَلِيِّ قَتِيلٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ قُتِلَ مَعْنَى وُجِدَ لَهُ قَتِيلٌ قَالَ وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ ﵇ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَالْأَوَّلُ مِنْ قَبِيلِ تَسْمِيَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا وَجَوَابُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ (فَهُوَ) أَيْ وَلِيُّ الْقَتِيلِ (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) وَهُمَا الدِّيَةُ وَالْقِصَاصُ (إِمَّا أَنْ يؤدي) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أي يعطي القاتل أو أولياءه لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْقَوَدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ أَيْ يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِلِ يَعْنِي يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِهِ (أَبُو شَاهٍ) بِالْهَاءِ لَا غَيْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بالتاء قاله العيني (قال العباس) هو بن الْوَلِيدِ فِي حَدِيثِهِ (اكْتُبُوا لِي) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
[٤٥٠٦] (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا تَرْكُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غَيْلَةَ أَنْ يُقْتَلَ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا
стр. 4063
اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمَجُوسِيِّ (دُفِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْقَاتِلُ (فَإِنْ شَاءُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (قَتَلُوهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (وَإِنْ شَاءُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الديات وكذا الترمذي وبن مَاجَهْ فِيهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَحَدِيثُ أبي داود في رواية بن الأعرابي وبن دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
(بَاب من قتل بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ)
[٤٥٠٧] (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَمْ يُجْزَمْ (لَمْ يَخْرُجْ) سَمَاعُهُ مِنَ الْحَسَنِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا (عَنِ الْحَسَنِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الْحَسَنُ هَذَا هُوَ الْبَصْرِيُّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ (لَا أُعْفِيَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَيْ لَا كَثُرَ مَالُهُ وَلَا اسْتَغْنَى انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُعْفِيَ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِعْفَاءِ لُغَةً فِي الْعَفْوِ أَيْ لَا أَدَعُ وَلَا أَتْرُكُهُ بَلْ أَقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ انْتَهَى
وَكَانَ الْوَلِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَمِّنُ الْقَاتِلَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ ثُمَّ يَظْفَرُ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيَرُدُّ الدِّيَةَ فَزَجَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
стр. 4064
(باب فيمن سقى رجلا سما)
قَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا السَّمُّ فَبِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْفَتْحُ أَفْصَحُ جَمْعُهُ سِمَامٌ وَسُمُومٌ أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ أَيِ الرَّجُلُ أَيُقَادُ أَيْ أَيُقْتَصُّ مِنْهُ أَيْ مِنَ السَّاقِي [٤٥٠٨] (أَتَتْ رسول الله ﷺ في خَيْبَرَ (بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ) وَأَكْثَرَتْ مِنَ السُّمِّ فِي الذِّرَاعِ لَمَّا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ ﵊ يُحِبُّهَا (فَأَكَلَ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الشَّاةِ وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَةٌ (فَجِيءَ بِهَا) أَيْ بِالْيَهُودِيَّةِ (فَسَأَلَهَا) أَيِ الْيَهُودِيَّةَ (عَنْ ذَلِكَ) الْأَمْرِ (فَقَالَتْ) الْيَهُودِيَّةُ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لِيُسَلِّطَكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى قَتْلِي فِيهِ بَيَانُ عِصْمَتِهِ ﷺ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ والله يعصمك من الناس وَهِيَ مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَلَامَتِهِ مِنَ السُّمِّ الْمُهْلِكِ لِغَيْرِهِ وَفِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَكَلَامِ عُضْوٍ مَيِّتٍ لَهُ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ إِنْ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ (أَوْ قَالَ عَلِيٌّ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ) أَيْ أَنَسٌ (فَقَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (أَلَا نَقْتُلُهَا) أَيِ الْيَهُودِيَّةَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لَا) لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ بِشْرٌ فَقَتَلَهَا بِهِ قِصَاصًا (فَمَا زِلْتُ) قَوْلُ أَنَسٍ (أَعْرِفُهَا) أَيِ الْعَلَامَةَ كَأَنَّهُ بَقِيَ لِلسُّمِّ عَلَامَةٌ وَأَثَرٌ مِنْ سَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي لَهَوَاتِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ وَالْوَاوِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُعَلَّقَةُ فِي أَصْلِ الْحَنَكِ وَقِيلَ هِيَ مَا بَيْنَ مُنْقَطِعِ اللِّسَانِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَصْلِ الْفَمِ وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَعْتَرِيهِ الْمَرَضُ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ أَحْيَانًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي اللَّهَوَاتِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهَا أَوْ بِنُتُوٍّ فِيهَا أَوْ تَحْفِيرٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٤٥٠٩] (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ
стр. 4065
الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (فَمَا عَرَضَ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ مَا نَافِيَةٌ أَيْ مَا تَعَرَّضَ (لَهَا) أَيْ لِلْيَهُودِيَّةِ بِشَيْءٍ أَيْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَلَمَّا مَاتَ بِشْرٌ الَّذِي أَكْلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً فَقَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّةَ قِصَاصًا
قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ أُخْتُ مَرْحَبٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مَرْحَبٍ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ
[٤٥١٠] (شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ) أَيْ مَشْوِيَّةٌ (ثُمَّ أَهْدَتْهَا) أَيِ الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ (فَأَكَلَ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الذِّرَاعِ (وَأَكَلَ رَهْطٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ (مَعَهُ) ﷺ (ثُمَّ قَالَ لَهُمْ) أَيْ لِأَصْحَابِهِ الْآكِلِينَ (ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهَا (وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا (فَدَعَاهَا) أَيْ دَعَا الرَّجُلُ الْيَهُودِيَّةَ فَجَاءَتْ (أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَجَعَلْتِ فِيهَا السُّمَّ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (هَذِهِ فِي يَدِي الذِّرَاعُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ بَدَلٌ مِنْ هَذِهِ (قالت) اليهود (قُلْتُ) أَيْ فِي نَفْسِي (إِنْ كَانَ) أَيْ مُحَمَّدٌ (نَبِيًّا) وَيَأْكُلُ الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ (فَلَمْ يَضُرَّهُ) ﷺ أَكْلُ السُّمِّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ مُحَمَّدٌ (نَبِيًّا) فَيَأْكُلُهُ فَيَمُوتُ (اسْتَرَحْنَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ (فَعَفَا عَنْهَا) أَيْ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ (وَلَمْ يُعَاقِبْهَا) أَيْ لَمْ يُؤَاخِذِ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّةَ بِهَذَا الْفِعْلِ
قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقُتِلَتْ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ الثَّابِتُ عِنْدَنَا أن رسول الله ﷺ قَتَلَهَا وَأَمَرَ بِلَحْمِ الشَّاةِ فَأُحْرِقَ
следующие страницы →