Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي القتلى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخيه شيء قال بن عَبَّاسٍ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ
قال المنذري والحديث أخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
(باب ولي العمد يأخذ الدية)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ يَأْخُذُ الدِّيَةَ وَيَرْضَى بِهَا
[٤٥٠٤] (سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الْكَعْبِيَّ) هُوَ أَبُو شُرَيْحٍ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَعْبِيُّ الْعَدَوِيُّ الْخُزَاعِيُّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ (أَلَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ مَا بَعْدَهَا وَتَأْتِي لِمَعَانٍ أُخَرَ (خُزَاعَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالزَّايِ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرِهَا وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ خُطْبَتِهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ قَتَلُوا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي هُذَيْلٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ دِيَتَهُ لِإِطْفَاءِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ (هَذَا الْقَتِيلَ) أَيِ الْمَقْتُولَ (مِنْ هُذَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَإِنِّي عَاقِلُهُ) أَيْ مُؤَدٍّ دِيَتَهُ مِنَ الْعَقْلِ وَهُوَ الدِّيَةُ سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ إِبِلَهَا تُعْقَلُ بِفِنَاءِ وَلِيِّ الدَّمِ أَوْ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ أَيْ تَمْنَعُ دَمَ الْقَاتِلِ عَنِ السَّفْكِ (فَأَهْلُهُ) أَيْ وَارِثِ الْقَتِيلِ (بَيْنَ خِيرَتَيْنِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ أَيِ اخْتِيَارَيْنِ وَالْمَعْنَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ الْخِيَرَةُ الْإِثْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ (بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (الْعَقْلَ) أَيِ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ (أَوْ يَقْتُلُوا) أَيْ قَاتِلَهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْخِيَرَةَ إِلَى وَلِيِّ الدَّمِ فِي الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَأَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قَالَ لَأُعْطِيَنَّكُمُ الْمَالَ فَاسْتَفِيدُوا مِنِّي وَاخْتَارَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ الْمَالَ كَانَ لَهُمْ مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ كَانَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَيُطَالِبَ بِالدِّيَةِ مَنْ شَاءَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
стр. 4062
وقد روي هذا المعنى عن بن عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وبن سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ لَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ إِلَّا الدَّمُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْقَاتِلُ أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٤٥٠٥] (مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أَيِ الْقَتِيلُ بِهَذَا الْقَتْلِ لَا بِقَتْلٍ سَابِقٍ لِأَنَّ قَتْلَ الْقَتِيلِ مُحَالٌ
قَالَ فِي الْعُمْدَةِ قَتِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ سُمِّيَ بِمَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ لِوَلِيِّ قَتِيلٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ قُتِلَ مَعْنَى وُجِدَ لَهُ قَتِيلٌ قَالَ وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ ﵇ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَالْأَوَّلُ مِنْ قَبِيلِ تَسْمِيَةِ الْعَصِيرِ خَمْرًا وَجَوَابُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ (فَهُوَ) أَيْ وَلِيُّ الْقَتِيلِ (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) وَهُمَا الدِّيَةُ وَالْقِصَاصُ (إِمَّا أَنْ يؤدي) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أي يعطي القاتل أو أولياءه لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْقَوَدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ أَيْ يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِلِ يَعْنِي يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِهِ (أَبُو شَاهٍ) بِالْهَاءِ لَا غَيْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بالتاء قاله العيني (قال العباس) هو بن الْوَلِيدِ فِي حَدِيثِهِ (اكْتُبُوا لِي) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
[٤٥٠٦] (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا تَرْكُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غَيْلَةَ أَنْ يُقْتَلَ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا
стр. 4063
اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمَجُوسِيِّ (دُفِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْقَاتِلُ (فَإِنْ شَاءُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ (قَتَلُوهُ) أَيِ الْقَاتِلَ (وَإِنْ شَاءُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ
وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الديات وكذا الترمذي وبن مَاجَهْ فِيهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَحَدِيثُ أبي داود في رواية بن الأعرابي وبن دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
(بَاب من قتل بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ)
[٤٥٠٧] (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَمْ يُجْزَمْ (لَمْ يَخْرُجْ) سَمَاعُهُ مِنَ الْحَسَنِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا (عَنِ الْحَسَنِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الْحَسَنُ هَذَا هُوَ الْبَصْرِيُّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ (لَا أُعْفِيَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَيْ لَا كَثُرَ مَالُهُ وَلَا اسْتَغْنَى انْتَهَى
قَالَ السِّنْدِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُعْفِيَ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِعْفَاءِ لُغَةً فِي الْعَفْوِ أَيْ لَا أَدَعُ وَلَا أَتْرُكُهُ بَلْ أَقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ انْتَهَى
وَكَانَ الْوَلِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَمِّنُ الْقَاتِلَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ ثُمَّ يَظْفَرُ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيَرُدُّ الدِّيَةَ فَزَجَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
стр. 4064
(باب فيمن سقى رجلا سما)
قَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا السَّمُّ فَبِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْفَتْحُ أَفْصَحُ جَمْعُهُ سِمَامٌ وَسُمُومٌ أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ أَيِ الرَّجُلُ أَيُقَادُ أَيْ أَيُقْتَصُّ مِنْهُ أَيْ مِنَ السَّاقِي [٤٥٠٨] (أَتَتْ رسول الله ﷺ في خَيْبَرَ (بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ) وَأَكْثَرَتْ مِنَ السُّمِّ فِي الذِّرَاعِ لَمَّا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ ﵊ يُحِبُّهَا (فَأَكَلَ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الشَّاةِ وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَةٌ (فَجِيءَ بِهَا) أَيْ بِالْيَهُودِيَّةِ (فَسَأَلَهَا) أَيِ الْيَهُودِيَّةَ (عَنْ ذَلِكَ) الْأَمْرِ (فَقَالَتْ) الْيَهُودِيَّةُ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لِيُسَلِّطَكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى قَتْلِي فِيهِ بَيَانُ عِصْمَتِهِ ﷺ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ والله يعصمك من الناس وَهِيَ مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَلَامَتِهِ مِنَ السُّمِّ الْمُهْلِكِ لِغَيْرِهِ وَفِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَكَلَامِ عُضْوٍ مَيِّتٍ لَهُ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ إِنْ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ (أَوْ قَالَ عَلِيٌّ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ) أَيْ أَنَسٌ (فَقَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (أَلَا نَقْتُلُهَا) أَيِ الْيَهُودِيَّةَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لَا) لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ بِشْرٌ فَقَتَلَهَا بِهِ قِصَاصًا (فَمَا زِلْتُ) قَوْلُ أَنَسٍ (أَعْرِفُهَا) أَيِ الْعَلَامَةَ كَأَنَّهُ بَقِيَ لِلسُّمِّ عَلَامَةٌ وَأَثَرٌ مِنْ سَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي لَهَوَاتِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَاءِ وَالْوَاوِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُعَلَّقَةُ فِي أَصْلِ الْحَنَكِ وَقِيلَ هِيَ مَا بَيْنَ مُنْقَطِعِ اللِّسَانِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَصْلِ الْفَمِ وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَعْتَرِيهِ الْمَرَضُ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ أَحْيَانًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي اللَّهَوَاتِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهَا أَوْ بِنُتُوٍّ فِيهَا أَوْ تَحْفِيرٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٤٥٠٩] (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ
стр. 4065
الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (فَمَا عَرَضَ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ مَا نَافِيَةٌ أَيْ مَا تَعَرَّضَ (لَهَا) أَيْ لِلْيَهُودِيَّةِ بِشَيْءٍ أَيْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَلَمَّا مَاتَ بِشْرٌ الَّذِي أَكْلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً فَقَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّةَ قِصَاصًا
قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ أُخْتُ مَرْحَبٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مَرْحَبٍ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ
[٤٥١٠] (شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ) أَيْ مَشْوِيَّةٌ (ثُمَّ أَهْدَتْهَا) أَيِ الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ (فَأَكَلَ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الذِّرَاعِ (وَأَكَلَ رَهْطٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ (مَعَهُ) ﷺ (ثُمَّ قَالَ لَهُمْ) أَيْ لِأَصْحَابِهِ الْآكِلِينَ (ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهَا (وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا (فَدَعَاهَا) أَيْ دَعَا الرَّجُلُ الْيَهُودِيَّةَ فَجَاءَتْ (أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَجَعَلْتِ فِيهَا السُّمَّ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (هَذِهِ فِي يَدِي الذِّرَاعُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ بَدَلٌ مِنْ هَذِهِ (قالت) اليهود (قُلْتُ) أَيْ فِي نَفْسِي (إِنْ كَانَ) أَيْ مُحَمَّدٌ (نَبِيًّا) وَيَأْكُلُ الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ (فَلَمْ يَضُرَّهُ) ﷺ أَكْلُ السُّمِّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ مُحَمَّدٌ (نَبِيًّا) فَيَأْكُلُهُ فَيَمُوتُ (اسْتَرَحْنَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ (فَعَفَا عَنْهَا) أَيْ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ (وَلَمْ يُعَاقِبْهَا) أَيْ لَمْ يُؤَاخِذِ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّةَ بِهَذَا الْفِعْلِ
قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقُتِلَتْ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ الثَّابِتُ عِنْدَنَا أن رسول الله ﷺ قَتَلَهَا وَأَمَرَ بِلَحْمِ الشَّاةِ فَأُحْرِقَ
стр. 4066
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي قَتْلِهَا وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَصَحُّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يُعَاقِبْهَا حِينَ لَمْ يَمُتْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ أَكَلَ فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَمَرَ بِقَتْلِهَا فَرَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّوَاةِ مَا شَاهَدَ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَاخْتَلَفَ الْآثَارُ وَالْعُلَمَاءُ هَلْ قَتَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَمْ لَا فَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا أَلَا نَقْتُلُهَا قَالَ لَا وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَعَنْ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ ﷺ قَتَلَهَا وفي رواية بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ دَفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَاءِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَكَانَ أَكَلَ مِنْهَا فَمَاتَ بِهَا فَقَتَلُوهَا
وَقَالَ بن سَحْنُونَ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَهَا
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقَاوِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا أَوَّلًا حِينَ اطَّلَعَ عَلَى سُمِّهَا وَقِيلَ لَهُ اقْتُلْهَا فَقَالَ لَا فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ ذَلِكَ سَلَّمَهَا لِأَوْلِيَائِهِ فَقَتَلُوهَا قِصَاصًا فَيَصِحُّ قَوْلُهُمْ لَمْ يَقْتُلْهَا أَيْ فِي الْحَالِ وَيَصِحُّ قَوْلُهُمْ قَتَلَهَا أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (عَلَى كَاهِلِهِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْكَاهِلُ مُقَدَّمُ أَعْلَى الظَّهْرِ مِمَّا يَلِي الْعُنُقَ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْكَاهِلُ مِنَ الْإِنْسَانِ خَاصَّةً وَيُسْتَعَارُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ (حَجَمَهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (بِالْقَرْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ فَإِمَّا هُوَ الْمِيقَاتُ أَوْ غَيْرُهُ وَقِيلَ هُوَ قَرْنُ ثَوْرٍ جُعِلَ كَالْمِحْجَمَةِ انْتَهَى وَبِالْفَارِسِيَّةِ شاخ كاو (وَالشَّفْرَةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الشَّفْرَةُ السِّكِّينُ الْعَرِيضَةُ (وَهُوَ) أَيْ أَبُو هِنْدٍ (مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ بَعَثَتْهَا إِلَيْهِ فَصَارَتْ مِلْكًا لَهُ وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَضْيَافًا لَهُ وَلَمْ تَكُنْ هِيَ قَدَّمَتْهَا إِلَيْهِ وَإِلَيْهِمْ وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ فَالْقَوَدُ فِيهِ سَاقِطٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عِلَّةِ الْمُبَاشَرَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى السَّبَبِ
وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلٌ وَحَدِيثَ جَابِرٍ مُنْقَطِعٌ كَمَا ذَكَرْنَا
[٤٥١١] (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُرْسَلٌ ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ شَاةً الْحَدِيثَ
стр. 4067
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنَ الْأَطْرَافِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً الْحَدِيثَ انْتَهَى (أَهْدَتْ لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (مَصْلِيَّةً) أَيْ مَشْوِيَّةً (نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ) السَّابِقِ (قَالَ) الرَّاوِي (فَأَرْسَلَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا (فَأَمَرَ بِهَا) أَيْ بِالْيَهُودِيَّةِ (فَقُتِلَتْ) قِصَاصًا مِنْ بِشْرٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ جَعَلَ فِي طَعَامِ رَجُلٍ سُمًّا فَأَكَلَهُ فَمَاتَ فَقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِذَا جَعَلَ فِي طَعَامِهِ سُمًّا وَأَطْعَمَهُ إِيَّاهُ وَفِي شَرَابِهِ فَسَقَاهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّ فِيهِ سُمًّا فَمَاتَ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ فَوَضَعَهُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ كُلْهُ فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَذْكُرِ) الرَّاوِي (أَمْرَ الْحِجَامَةِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ وَرُوِّينَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٤٥١٢] (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ) الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ بن داسة هكذا مختصرا وأما في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ فَهُوَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(وَإِنْ كُنْتَ) بِالْخِطَابِ (مَلِكًا) مِنَ الْمُلُوكِ (فَأَمَرَ بِهَا) أَيْ بِالْيَهُودِيَّةِ (ثُمَّ قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (فِي
стр. 4068
وجعه) أي مرضه (مازلت أَجِدُ) أَيْ أَلَمًا (مِنَ الْأَكْلَةِ) الْأَكْلَةُ بِالْفَتْحِ المرة وبالضم اللقمة وهي المراد ها هنا (فَهَذَا أَوَانُ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْأَوَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا لُغَةً الْحِينُ وَالزَّمَانُ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ وَيَجُوزُ فِي أَوَانٍ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ فَالضَّمُّ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْفَتْحُ عَلَى الْبِنَاءِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيٍّ (قَطَعَتْ أَبْهَرَيَّ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأَبْهَرُ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ وَهُمَا أَبْهَرَانِ وَقِيلَ هُمَا الْأَكْحَلَانِ اللَّذَانِ فِي الذِّرَاعَيْنِ وَقِيلَ هُوَ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الْقَلْبَ فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ تَبْقَ مَعَهُ حَيَاةٌ انْتَهَى
هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يذكره المنذري
стр. 4069
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الدِّيَاتِ عَنْ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ
قَالَ وَهْبٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ولم يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ (أَيْ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَعِنْدَ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيهِ أبو هريرة وقد جوده بن الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
[٤٥١٣] (مَا يُتَّهَمُ بِكَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَرَضِ يُظَنُّ بِكَ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ اتَّهَمْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ أي ظننت به سوء (فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ) أَيْ لَا أَظُنُّ (بِابْنِي شَيْئًا) مِنَ الْمَرَضِ (وَأَنَا) أَيْضًا (لَا أَتَّهِمُ) أَيْ لَا أَظُنُّ (بِنَفْسِي) مِنَ الْمَرَضِ (إِلَّا ذَلِكَ) أَيْ أَثَرَ السُّمِّ
هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ أُمِّ مُبَشِّرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الدِّيَاتِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن بن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ
[٤٥١٤] وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ رَبَاحٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ مُبَشِّرٍ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ
قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ كَذَا قَالَ عَنْ أُمِّهِ وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَّةَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
(باب مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ أَوْ مَثَّلَ بِهِ أَيُقَادُ مِنْهُ)
[٤٥١٥] (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) فَشُعْبَةُ وَحَمَّادٌ يَرْوِيَانِ عَنْ قَتَادَةَ (عَنِ الحسن) هو البصري (عن سمرة) بن جُنْدُبٍ (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ)
قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إِلَى هَذَا
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قِصَاصٌ فِي النَّفْسِ وَلَا فِي دُونِ النَّفْسِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا قَتَلَ عَبْدَهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ عَبْدَ غَيْرِهِ قُتِلَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ انتهى
وقال القارىء قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا زَجْرٌ لِيَرْتَدِعُوا فَلَا يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ ﷺ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ ثُمَّ لَمْ يَقْتُلْهُ حِينَ جِيءَ بِهِ وَقَدْ شَرِبَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ
стр. 4070
فِي عَبْدٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَزَالَ عَنْهُ مُلْكُهُ فَصَارَ كُفُؤًا لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ والعبد بالعبد إلى والجروح قصاص انْتَهَى
وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ دُونَ عَبْدِ نَفْسِهِ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ
وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ (وَمَنْ جَدَعَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عَبْدَهُ) أَيْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ (جَدَعْنَاهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْجَدْعُ قَطْعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالشَّفَةِ وَهُوَ بِالْأَنْفِ أَخَصُّ فَإِذَا أُطْلِقَ غَلَبَ عَلَيْهِ يُقَالُ رَجُلٌ أَجْدَعُ وَمَجْدُوعٌ إِذَا كَانَ مَقْطُوعَ الْأَنْفِ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ طَرَفَ الْحُرِّ لَا يُقْطَعُ بِطَرَفِ الْعَبْدِ فَثَبَتَ بِهَذَا الِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ
[٤٥١٦] (بِإِسْنَادِهِ) أَيِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (خَصَيْنَاهُ) فِي الْمِصْبَاحِ خَصَيْتُ الْعَبْدَ أَخْصِيهِ خِصَاءً بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ سَلَلْتُ خُصْيَيْهِ وَقَدْ مَرَّ تَأْوِيلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ
قَالَ السِّنْدِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ قَتَلْنَاهُ وَأَمْثَالِهِ عَاقَبْنَاهُ وَجَازَيْنَاهُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ إِلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لِلْمُشَاكَلَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مثلها وَفَائِدَةُ هَذَا التَّعْبِيرِ الزَّجْرُ وَالرَّدْعُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنًى أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَتَهُ لِقَصْدِ الزَّجْرِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مُهْمَلَةً وَالثَّانِي يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَكَذَا كُلُّ مَا جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ هَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ فَمُرَادُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ مُنَاسِبٍ لِلْمَقَامِ انْتَهَى (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ شُعْبَةَ) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النسائي
стр. 4071
[٤٥١٧] (بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ
ولفظ بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ انْتَهَى (نَسِيَ هَذَا الْحَدِيثَ) أَيْ حَدِيثَ سَمُرَةَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ الْحَدِيثَ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَيَرَاهُ نَوْعًا مِنَ الزَّجْرِ لِيَرْتَدِعُوا فَلَا يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ حَدِيثَ سَمُرَةَ مَنْسُوخٌ
[٤٥١٨] (لَا يُقَادُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ) أَيْ لَا يُقْتَصُّ مِنَ الْحُرِّ إِذَا قَتَلَ الْحُرُّ الْعَبْدَ
[٤٥١٩] (مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ تَسْنِيمٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ تَسْنِيمٍ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ الْأَزْدِيُّ الْعَتَكِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ صَدُوقٌ انْتَهَى (حَدَّثَنَا عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (جَاءَ رَجُلٌ) أَيْ عَبْدٌ (مُسْتَصْرِخٌ) أَيْ مُسْتَغِيثٌ
فِي النِّهَايَةِ الِاسْتِصْرَاخُ الِاسْتِغَاثَةُ (فَقَالَ) أَيِ الْمُسْتَصْرِخُ هَذِهِ جَارِيَةٌ) لَهُ أَيْ لِفُلَانٍ يَعْنِي لِسَيِّدِي وَقَدْ أَوْجَعَنِي السَّيِّدُ مِنْ أَجْلِهَا (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَيْحَكَ) فِي النِّهَايَةِ وَيْحُ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَقَدْ يُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَقَدْ تُرْفَعُ وَتُضَافُ وَلَا تُضَافُ يُقَالُ وَيْحُ زَيْدٍ وَوَيْحًا لَهُ وَوَيْحٌ لَهُ (فَقَالَ) العبد المستصرخ (شر) أَيْ حَصَلَ شَرٌّ (أَبْصَرَ) بَيَانٌ لِلشَّرِّ أَيْ نَظَرَ الْعَبْدُ (لِسَيِّدِهِ جَارِيَةً لَهُ) أَيْ لِلسَّيِّدِ أَيْ نَظَرَ الْعَبْدُ جَارِيَةً لِسَيِّدِهِ وَفِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ صَارِخًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لَكَ قَالَ سَيِّدِي رَآنِي أُقَبِّلُ جَارِيَةً لَهُ فَجَبَّ مَذَاكِيرِي الْحَدِيثَ (فَغَارَ) مِنَ الْغَيْرَةِ وَهِيَ الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفَةُ يُقَالُ رَجُلٌ غَيُورٌ وَامْرَأَةٌ غَيُورٌ
стр. 4072
أَيْ غَارَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ (فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ) أَيْ قَطَعَ السَّيِّدُ ذَكَرَ عَبْدِهِ (عَلَيَّ) أَيِ ائْتُونِي (بِالرَّجُلِ) أَيِ السَّيِّدِ (فَطُلِبَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيِ السَّيِّدُ (فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْهُ
وَفِي الْمِصْبَاحِ قَدَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ قَوِيتُ عَلَيْهِ وَتَمَكَّنْتُ مِنْهُ (اذْهَبْ) لِلْعَبْدِ الْمَقْطُوعِ مَذَاكِيرُهُ (فَأَنْتَ حُرٌّ) كَأَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يجترىء النَّاسُ عَلَى مِثْلِهِ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ بن مَاجَهْ
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ الشَّنِيعَ بِعَبْدِهِ يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَيَصِيرُ حُرًّا وبوب بن ماجه باب من مثل بعبده فهو حرا انْتَهَى
وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقَالَ) الْعَبْدُ (عَلَى مَنْ نُصْرَتِي) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ عَلَى مَنْ نُصْرَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَقُولُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَرَقَّنِي مَوْلَايَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَوْ مُسْلِمٍ (أَوْ قَالَ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ أَبُو دَاوُدَ الَّذِي عُتِقَ كَانَ اسْمُهُ إِلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ إِلَى آخِرِهَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النسخ
وأخرج بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَخْصَى غُلَامًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بالمثلة انتهى
(باب القسامة)
بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ أَقْسَمَ وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إِذَا ادَّعَوُا الدَّمَ أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمُ الدَّمُ
وَخُصَّ الْقَسَمُ عَلَى الدَّمِ بِالْقَسَامَةِ
وَقَدْ حَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْقَسَامَةَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ
وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْحَالِفِينَ
وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَاعِدَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَبِهِ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِهِ
стр. 4073
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ إِبْطَالُ الْقَسَامَةِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِهَا أَمْ لَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ لَا يَجِبُ بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ وَيَجِبُ الْحَقُّ بِحَلِفِهِمْ
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَتَحَرَّاهُمُ الْوَلِيُّ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَمَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ فَإِذَا حَلَفُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِمْ بِالدِّيَةِ انْتَهَى
[٤٥٢٠] (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ (وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ (أَنَّ مُحَيِّصَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ يُسَكَّنُ الْيَاءُ وَكَذَلِكَ حُوَيِّصَةُ الْآتِي ذِكْرُهُ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ مُشَدَّدَتَيِ الصَّادِ صَحَابِيَّانِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَشْدِيدَ الصَّادِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ سُكُونِ الْيَاءِ (قِبَلَ خَيْبَرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ إِلَى خَيْبَرَ (فِي النَّخْلِ) اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى النَّخِيلِ (فَقُتِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَجَاءَ أَخُوهُ) أَيْ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) بَدَلٌ مِنْ أَخُوهُ (وَابْنَا عَمِّهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِعَبْدِ اللَّهِ (حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ) بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ ابْنَا عَمِّهِ (فِي أَمْرِ أَخِيهِ) أَيِ الْمَقْتُولِ (وَهُوَ) أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (أَصْغَرُهُمْ) أَيْ أَصْغَرُ مِنَ الثَّلَاثَةِ (الْكُبْرَ الْكُبْرَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ لِيَبْدَأَ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ أَوْ قَدِّمُوا الْأَكْبَرَ إِرْشَادًا إِلَى الْأَدَبِ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ (أَوْ) لِلشَّكِّ (فَتَكَلَّمَا) أَيْ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ (فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا) أَيِ الْمَقْتُولِ (خَمْسُونَ) أَيْ رَجُلًا (عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ (فَلْيُدْفَعْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِرُمَّتِهِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْحَبْلِ وَالْمُرَادُ ها هنا الحبل الذي يربط في ربقة الْقَاتِلِ وَيُسْلَمُ فِيهِ إِلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ
стр. 4074
وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْقَسَامَةَ يَثْبُتُ فِيهَا الْقِصَاصُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَتَأَوَّلَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْقِصَاصِ فِيهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُسَلَّمَ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ الدِّيَةُ لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ (فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ) أي تبرأ إليكم من دعوا كم بِخَمْسِينَ يَمِينًا
وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنَ الْيَمِينِ بِأَنْ يَحْلِفُوا فَإِذَا حَلَفُوا انْتَهَتِ الْخُصُومَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَخَلَصْتُمْ أَنْتُمْ مِنَ الْيَمِينِ
كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ (قَوْمٌ كُفَّارٌ) أَيْ هُمْ قَوْمٌ كُفَّارٌ لَا تُقْبَلُ أَيْمَانُهُمْ أَوْ كَيْفَ نَعْتَبِرُ أَيْمَانَهُمْ (فَوَدَاهُ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ أَعْطَى دِيَةَ الْقَتِيلِ (مِنْ قِبَلِهِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّمَا وَدَاهُ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنَ فَإِنَّ أَهْلَ الْقَتِيلِ لَا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا أن يحلفوا أو يَسْتَحْلِفُوا الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَقَدِ امْتَنَعُوا مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُمْ مَكْسُورُونَ بِقَتْلِ صَاحِبِهِمْ فَأَرَادَ ﷺ جَبْرَهُمْ وَقَطْعَ الْمُنَازَعَةِ بِدَفْعِ دِيَتِهِ من عنده (قال سهل) أي بن أَبِي حَثْمَةَ (مِرْبَدًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ التَّمْرُ لِيَجِفَّ (فَرَكَضَتْنِي) أَيْ ضَرَبَتْنِي بِالرِّجْلِ وَالرَّكْضُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ
وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ ضَبَطَ الْحَدِيثَ وَحَفِظَهُ حِفْظًا بَلِيغًا (قال حماد) أي بن زَيْدٍ (هَذَا أَوْ نَحْوُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا كَمَا رُوِّينَاهُ أَوْ فِيهِ تَغَيُّرُ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ) أَيْ يَثْبُتُ حَقُّكُمْ عَلَى مَنْ حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ وَهَلْ ذَلِكَ الْحَقُّ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ
وَكَلِمَةُ أَوْ لِلشَّكِّ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْقَسَامَةِ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الدَّعَاوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا وَهُوَ يَخُصُّ قَوْلَهُ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِيُنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (وَلَمْ يَذْكُرْ بِشْرٌ دَمَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى الْحِكَايَةِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ دَمًا بِالتَّنْوِينِ أَيْ قَالَ بِشْرٌ فِي رِوَايَتِهِ تَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ بِحَذْفِ لَفْظَةِ دَمٍ
стр. 4075
(وقال عبدة عن يحيى) هو بن سَعِيدٍ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (كَمَا قَالَ حَمَّادٌ) أي بن زَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْقَاقَ) أي لم يذكر بن عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ (وهذا وهم من بن عُيَيْنَةَ) الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ بُدَاءَتُهُ بِقَوْلِهِ تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا يَحْلِفُونَ
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْحَدِيثُ وهم من بن عُيَيْنَةَ يَعْنِي التَّبْدِئَةَ انْتَهَى
وَأَبُو عِيسَى هَذَا هُوَ الرَّمْلِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ أَبِي دَاوُدَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إِلَّا أن بن عيينة لا يثبت أقدم (إقدام) النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارِيِّينَ فِي الْأَيْمَانِ أَوْ يَهُودَ فَيُقَالُ فِي الْحَدِيثِ إِنَّهُ قَدَّمَ الْأَنْصَارِيِّينَ فَيَقُولُ هُوَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ هذا وحديث الإمام الشافعي أيضا عن بن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ وَقَالَ وَكَانَ سُفْيَانُ يُحَدِّثُهُ هَكَذَا وَرُبَّمَا قَالَ لَا أَدْرِي أَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَنْصَارِ فِي أَمْرِ يَهُودِيٍّ فَيُقَالُ لَهُ إِنَّ النَّاسَ يُحَدِّثُونَ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ قَالَ فَهُوَ ذَاكَ وَرُبَّمَا حَدَّثَهُ وَلَمْ يَشُكَّ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِالْأَنْصَارِ
[٤٥٢١] (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أَيْ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَ أَبَا لَيْلَى (هُوَ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أَخْبَرَ (وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ) الضَّمِيرُ لِسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ (مِنْ جَهْدٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهِ أَيْ قَحْطٍ وَفَقْرٍ وَمَشَقَّةٍ (فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ (فِي فَقِيرٍ) بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ هُوَ الْبِيرُ الْقَرِيبَةُ الْقَعْرِ الْوَاسِعَةُ الْفَمِ وَقِيلَ الْحُفْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ النَّخْلِ (أَوْ عَيْنٍ) شَكٌ مِنَ الرَّاوِي (فَأَتَى) أَيْ مُحَيِّصَةُ (يَهُودَ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ فَفِيهِ التَّأْنِيثُ وَالْعَلَمِيَّةُ (حَتَّى قَدِمَ) أَيْ فِي الْمَدِينَةِ (فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ) أَيْ مَا جَرَى لَهُ (ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ) أَيْ مُحَيِّصَةُ (وَهُوَ) أَيْ
стр. 4076
حُوَيِّصَةُ (أَكْبَرُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحَيِّصَةَ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) هُوَ أَخُو الْمَقْتُولِ (فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ) وَإِنَّمَا بَدَّرَ لِكَوْنِهِ حَاضِرًا فِي الْوَقْعَةِ (كَبِّرْ كَبِّرْ) أَيْ عَظِّمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ وَقَدِّمْهُ فِي التَّكَلُّمِ (يُرِيدُ السِّنَّ) أَيْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ كَبِّرْ كَبِّرْ كَبِيرَ السِّنِّ وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى الْأَدَبِ يَعْنِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ الْأَكْبَرُ سِنًّا أَوَّلًا (إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُخَفَّفَةِ مِنْ وَدَى يَدِي دِيَةً كَوَعَدَ يَعِدُ عِدَةً أَيْ إِمَّا أَنْ يُعْطُوا دِيَةَ صَاحِبِكُمُ الْمَقْتُولِ (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا) أَيْ يُخْبَرُوا وَيُعْلَمُوا (بِحَرْبٍ) أَيْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالضَّمِيرَانِ لِلْيَهُودِ (إِلَيْهِمْ) أَيْ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ (لَيْسُوا مُسْلِمِينَ) أَيْ فَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَهُمْ (فَوَدَاهُ) أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (حَتَّى أُدْخِلَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّاقَةِ (لَقَدْ رَكَضَتْنِي) أَيْ ضَرَبَتْنِي بِرِجْلِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٤٥٢٢] (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ إِلَخْ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ وَكَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ بْنِ سُفْيَانَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنِ الْوَلِيدِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى (مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ
وَفِي بعض النسخ بالضاد المعجمة
وروى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِذَلِكَ
ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ (بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ) فِي الْقَامُوسِ بَحْرَةُ الرُّغَاءِ بِالضَّمِّ مَوْضِعُ بِلِيَّةِ الطائف بنى بها النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدًا وَإِلَى الْيَوْمِ عَامِرٌ يُزَارُ
وَفِي الْمَعَالِمِ لِلْخَطَّابِيِّ الْبَحْرَةُ الْبَلْدَةُ تَقُولُ الْعَرَبُ هَذِهِ بَحْرَتُنَا أَيْ بَلْدَتُنَا قَالَ الشَّاعِرُ كَأَنَّ بَقَايَاهُ بِبَحْرَةِ مَالِكٍ بَقِيَّةُ سُحْقٍ مِنْ رِدَاءٍ مُحَبَّرٍ
стр. 4077
(على شط لية البحرة) الشط شاطىء النَّهَرِ وَلِيَّةٌ بِالْكَسْرِ وَادٍ لِثَقِيفٍ أَوْ جَبَلٌ بِالطَّائِفِ أَعْلَاهُ لِثَقِيفٍ وَأَسْفَلُهُ لِنَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَالْبَحْرَةُ الْبَلْدَةُ وَالْمُنْخَفَضُ مِنَ الْأَرْضِ وَالرَّوْضَةُ الْعَظِيمَةُ وَمُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ وَاسْمُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَرْيَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ وَكُلُّ قَرْيَةٍ لَهَا نَهَرٌ جَارٍ وَمَاءٌ نَاقِعٌ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (قَالَ) أَيْ مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ فِي رِوَايَتِهِ دُونَ كَثِيرٍ وَمُحَمَّدٍ (الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ (وَهَذَا لَفْظُ محمود) بن خَالِدٍ (بِبَحْرَةٍ) أَيْ قَالَ مَحْمُودٌ فِي رِوَايَتِهِ بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ عَلَى شَطِّ لِيَّةِ الْبَحْرَةِ وَزَادَ فِيهِ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ
وَأَمَّا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَا فِي رِوَايَتِهِمَا إِنَّهُ قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ بِالرُّغَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ مِنْهُمْ
وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَقَعَ مِنَ النُّسَّاخِ وَحَقُّ الْعِبَارَةِ هَكَذَا وَهَذَا لَفْظُ مَحْمُودٍ بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ عَلَى شَطِّ لِيَّةِ الْبَحْرَةِ إِلَخْ
فَقَوْلُهُ بِبَحْرَةٍ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا لَفْظُ مَحْمُودٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَقَامَهُ مَحْمُودٌ وَحْدَهُ فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَيْ مَحْمُودٌ أَقْوَمُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ بِبَحْرَةِ الرُّغَاءِ
قَالَ مَحْمُودٌ عَلَى شَطِّ لِيَّةَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْهُمْ وَقَالَ كَثِيرُ الرُّغَاءِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُعْضَلٌ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ انْتَهَى
(باب فِي تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ)
الْقَوَدُ الْقِصَاصُ وَقَتْلُ الْقَاتِلِ بَدَلَ الْقَتِيلِ
[٤٥٢٣] (فَتَفَرَّقُوا فِيهَا) أَيْ فِي خَيْبَرَ (فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ) أَيْ أَحَدًا مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا إلى خيبر
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
سَاقَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ كَلَام الْمُنْذِرِيِّ عَلَى حَدِيث بَشِير بْن يَسَار إِلَى قَوْله وَلَمْ يَذْكُر مُسْلِم لَفْظ الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن الْأَخْنَس عَنْ عَمْرو بْن شعيب عن أبيه عن جده أن بن
стр. 4078
(فَقَالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ) أَيِ الْقَتِيلَ (عِنْدَهَمْ) وَهُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ ﷺ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ وَجُمِعَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ
وَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ رِوَايَةُ مِنْ عِنْدَهِ أَصَحُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ لَفْظَ الْحَدِيثِ
وَبُشَيْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ
وَيَسَارٌ بِيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ
[٤٥٢٤] (أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ (لَمْ يَكُنْ ثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مُحَيّصَة الْأَصْغَر أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَاب خَيْبَر فقال رسول الله ﷺ أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعهُ إِلَيْك بِرُمَّتِهِ قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ أُصِيب شَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابهمْ قَالَ فَتَحْلِف خَمْسِينَ قَسَامَة قَالَ يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف أَحْلِف عَلَى مَا لَا أَعْلَم فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ فَتَسْتَحْلِف مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَة فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه كَيْف نَسْتَحْلِفهُمْ وَهُمْ الْيَهُود فَقَسَمَ رَسُول اللَّه ﷺ دِيَته عَلَيْهِمْ وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا
قَالَ النَّسَائِيُّ لَا نَعْلَم أَحَدًا تَابَعَ عَمْرو بْن شُعَيْب عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة وَلَا سَعِيد بْن عُبَيْد عَلَى رِوَايَته عَنْ بَشِير بْن يَسَار وَاللَّهُ أَعْلَم
وَقَالَ مُسْلِم رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد غَلَط وَيَحْيَى بْن سَعِيد أَحْفَظ مِنْهُ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا يَحْتَمِل أَنْ لَا يُخَالِف رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ بَشِير بْن يَسَار وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا أَيْمَان الْمُدَّعِينَ مَعَ اللَّوْث كَمَا فَسَّرَهُ يَحْيَى بْن سَعِيد أَوْ طَالَبَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ بَيِّنَة عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَان كَمَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد
فَلَمَّا لَمْ يَحْلِفُوا رَدَّهَا عَلَى الْيَهُود كَمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا
وَيَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيث النَّسَائِيِّ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب
وَالصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة الَّذِينَ هُمْ أَئِمَّة أَثَبَات أَنَّهُ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ فَلَمَّا لَمْ يَحْلِفُوا ثَنَّى بِأَيْمَانِ الْيَهُود
وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فِي هَذِهِ الْقِصَّة وَمَا سِوَاهُ وَهْم وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 4079
وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَتْلِ (وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنَ النِّفَاقِ وَمُخَادَعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَاسْتَحْلِفُوهُمْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ أَمْرَانِ (فَأَبَوْا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنِ اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أن المدعى عليهم يبدءون فِي الْقَسَامَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ عَبَايَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
[٤٥٢٥] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَقُولَةُ لِعَبْدِ الرحمن بن بجيد (إن سهلا) يعني بن أَبِي حَثْمَةَ (أَوْهَمَ الْحَدِيثَ) أَيْ وَهِمَ فِيهِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو داود وبن مَنْدَهْ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمَا كَانَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عِلْمًا وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ انْتَهَى (فَدُوهُ) أَمْرٌ مِنَ الدِّيَةِ (فَكَتَبُوا) أَيْ يَهُودُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَقَالَ قَائِلٌ مَا مَنَعَكَ أَنْ تأخذ بحديث بن بجيد قلت لا أعلم بن بُجَيْدٍ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مِنْهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ فَلَسْنَا وَإِيَّاكَ نُثْبِتُ الْمُرْسَلَ وَقَدْ عَلِمْتُ سَهْلَ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ سِيَاقًا يَثْبُتُ بِهِ الْإِثْبَاتُ فَأَخَذْتُ بِهِ لِمَا وَصَفْتُ انْتَهَى كَلَامُ المنذري
стр. 4080
وَفِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ له صحبة
وقال بن أَبِي حَاتِمٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن جدته
وقال بن حِبَّانَ يُقَالُ لَهُ صُحْبَةٌ ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ لَا أَدْرِي لَهُ صُحْبَةٌ أَمْ لَا
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ في ما أَحْسَبُ وَفِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ إِلَّا أَنَّهُ رَوَى فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّ حَدِيثَهُ مُرْسَلٌ وَكَانَ يُذْكَرُ بِالْعِلْمِ انْتَهَى
[٤٥٢٦] (فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ اسْتَحِقُّوا) فِي القاموس استحقه استوجبه والمراد ها هنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْأَنْصَارَ بِأَنْ يَسْتَوْجِبُوا الْحَقَّ الَّذِي يَدَّعُونَهُ عَلَى الْيَهُودِ بِأَيْمَانِهِمْ فَأَجَابُوا بِأَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ عَلَى الْغَيْبِ (دِيَةً عَلَى يَهُودَ) وَفِي رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ ﷺ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذَكَرَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ كَلَام الْمُنْذِرِيِّ عَلَى حَدِيث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة إِلَى قَوْل الشَّافِعِيّ ﵀ وَكُلّه عِنْدنَا بِنِعْمَةِ اللَّه ثِقَة ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْحَدِيث لَهُ عِلَّة وَهِيَ أَنَّ مَعْمَرًا انفرد به عن الزهري وخالفه بن جُرَيْجٍ وَغَيْره فَرَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسُلَيْمَان عَنْ رِجَال مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أن رسول الله ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَضَى بِهَا بَيْن نَاس مِنْ الْأَنْصَار فِي قَتِيل اِدَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُود ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ
وَالْقَسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ قَسَامَة الدَّم
وَفِي قول الشافعي إن حديث بن شِهَاب مُرْسَل نَظَر
وَالرِّجَال مِنْ الْأَنْصَار لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُونُوا صَحَابَة
فَإِنَّ أَبَا سَلَمَة وَسُلَيْمَان كُلّ مِنْهُمَا مِنْ التَّابِعِينَ قَدْ لَقِيَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا أَنَّ الْحَدِيث غَيْر مَجْزُوم بِاتِّصَالِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْن الْأَنْصَارِيَّيْنِ مِنْ التَّابِعِينَ وَاللَّهُ أَعْلَم
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصَحّ مَا رُوِيَ فِي الْقَتْل بِالْقَسَامَةِ وَأَعْلَاهُ بَعْد حَدِيث سَهْل مَا رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي خَارِجَة بْن زَيْد بْن ثَابِت قَالَ قَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار وَهُوَ سَكْرَان رَجُلًا آخَر مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي النَّجَّار فِي عَهْد مُعَاوِيَة وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَة إِلَّا لَطِيخ وَشُبْهَة
قَالَ فَاجْتَمَعَ رَأْي النَّاس عَلَى أَنْ يَحْلِف وُلَاة الْمَقْتُول ثُمَّ يُسَلَّم إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُوهُ قَالَ خَارِجَة بْن زَيْد فَرَكِبْنَا إِلَى
стр. 4081
وَرِوَايَةُ سَهْلٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى قِصَّتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَكَانَ الْمَخْرَجُ مُتَّحِدًا فَالْمَصِيرُ إِلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنَّ أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَحْسَنُ اتِّصَالًا وَأَصَحُّ مُتُونًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مُعَاوِيَة وَقَصَصْنَا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَكَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى سَعِيد بْن الْعَاصِ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ فَقَالَ سَعِيد أَنَا مُنْفِذ كِتَاب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَاغْدُوَا عَلَى بَرَكَة اللَّه فَغَدَوْنَا عَلَيْهِ فَأَسْلَمَهُ إِلَيْنَا سَعِيد بَعْد أَنَّ حَلَفْنَا عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا
وَفِي بَعْض طُرُقه وَفِي النَّاس يَوْمئِذٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ وَمِنْ فُقَهَاء النَّاس مَا لَا يُحْصَى وَمَا اِخْتَلَفَ اِثْنَانِ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِف وُلَاة الْمَقْتُول وَيَقْتُلُوا أَوْ يَسْتَحْيُوا فَحَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَتَلُوا وَكَانُوا يُخْبِرُونَ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَضَى بِالْقَسَامَةِ
وَأَمَّا حَدِيث مُحَمَّد بْن رَاشِد الْمَكْحُولِيّ عَنْ مَكْحُول أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَمْ يَقْضِ فِي الْقَسَامَة بِقَوَدٍ فَمُنْقَطِع
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعه عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ الْقَسَامَة تُوجِب الْعَقْل وَلَا تُشَيِّط الدَّم فَمُنْقَطِع مَوْقُوف
وَأَمَّا حَدِيث الْكَلْبِيّ عَنْ أبي صالح عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ اِسْتَحْلَفَ الْيَهُود خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَة
فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ مُعَارَضَة رِوَايَة الْأَئِمَّة الثِّقَات بِالْكَلْبِيِّ وَأَمْثَاله
وَأَمَّا حَدِيث عُمَر بْن صُبَيْح عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّانَ عَنْ صفوان عن بن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر فِي قَضَائِهِ بِذَلِكَ وَقَوْله إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ
فَلَا يَجُوز أَيْضًا مُعَارَضَة الْأَحَادِيث الثَّابِتَة مَنْ قَدْ أَجْمَع عُلَمَاء الْحَدِيث عَلَى تَرْك الِاحْتِجَاج به وهو بن صُبَيْح الَّذِي لَمْ يُسْفِر صَبَاح صِدْقه فِي الرِّوَايَة
وَأَمَّا حَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُور عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَتَبَ فِي قَتِيل وُجِدَ بَيْن جِيزَان وَوَادِعَة أَنْ يُقَاسَ مَا بَيْن الْفَرِيقَيْنِ فَإِلَى أَيّهمَا كَانَ أَقْرَب أَخْرَجَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا حَتَّى يُوَافُوهُ بِمَكَّة فَأَدْخَلَهُمْ الْحِجْر ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ فَقَالُوا مَا وَقْت أَمْوَالنَا أَيْمَاننَا وَلَا أَيْمَاننَا أَمْوَالنَا
فَقَالَ عُمَر كَذَلِكَ الْأَمْر
وَفِي لَفْظ قَالَ عُمَر حَقَنْت بِأَيْمَانِكُمْ دِمَائِكُمْ وَلَا يُطَلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم
فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَقَدْ قِيلَ لَهُ هَذَا ثَابِت عِنْدك قَالَ لَا إِنَّمَا رَوَاهُ الشَّعْبِيّ عَنْ الْحَارِث الْأَعْوَر وَالْحَارِث مَجْهُول وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْ النَّبِيّ ﷺ بِالْإِسْنَادِ الثَّابِت أَنَّهُ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ فَلَمَّا لَمْ يَحْلِفُوا قَالَ فَتُبَرِّئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَإِذَا قَالَ فَتُبَرِّئكُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَرَامَة وَلَمَّا لَمْ يَقْبَل الْأَنْصَار أَيْمَانهمْ وَدَاهُ النَّبِيّ ﷺ وَلَمْ يَجْعَل عَلَى يَهُود شَيْئًا وَالْقَتِيل بَيْن أَظْهُرهُمْ
стр. 4082
وَقَدْ رَوَى ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ بَدَأَ فِي الْيَمِينِ بِالْمُدَّعِينَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسُوِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَارِثٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِهَا إِلَّا دِيَةَ الْقَتِيلِ وَلَا يَحْلِفُ الْإِنْسَانُ إِلَّا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ وَالْوَرَثَةُ يَقْتَسِمُونَ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمُ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن خُزَيْمَة عَنْ بن عَبْد الْحَكَم سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول سَافَرْت إِلَى جِيزَان وَوِدَاعَة ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَفْرَة أَسْأَلهُمْ عَنْ حُكْم عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي الْقَتِيل وَأَحْكِي لَهُمْ مَا رُوِيَ عَنْهُ فَقَالُوا إِنَّ هَذَا لَشَيْء مَا كَانَ بِبَلَدِنَا قَطّ
قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْعَرَب أَحْفَظ شَيْء لِأَمْرٍ كَانَ
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْن حَيَّيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يُقَاسَ إِلَى أَيّهمَا أَقْرَب فَوُجِدَ أَقْرَب إلى أحد الحيين بشير فَأَلْقَى دِيَته عَلَيْهِمْ فَرَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده وَهُوَ مِنْ رِوَايَة أَبِي إِسْرَائِيل الْمُلَائِيّ عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَكِلَاهُمَا فِيهِ ضَعْف
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُضَادّ حَدِيث الْقَسَامَة
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَد فِي رِوَايَة حَكَاهُ فِي كتاب الورع عنه
وأما حديث بن عَبَّاس لَوْ يُعْطَى النَّاس بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَال دِمَاء رِجَال وَأَمْوَالهمْ
وَلَكِنْ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
فَهَذَا إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَد بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ دَم رَجُل وَلَا مَاله
وَأَمَّا فِي الْقَسَامَة فَلَمْ يُعْطَ الْأَوْلِيَاء فيها بمجرد دعواهم بل بالمبينة وَهِيَ ظُهُور اللَّوْث وَأَيْمَان خَمْسِينَ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَظُهُور اللَّوْث وَحَلَفَ خَمْسِينَ بَيِّنَة بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَة أَوْ أَقْوَى
وَقَاعِدَة الشَّرْع أَنَّ الْيَمِين تَكُون فِي جَانِبه أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ
وَلِهَذَا يَقْضِي لِلْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَة لِقُوَّةِ جَانِبه بِنُكُولِ الْخَصْم الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلِهَذَا يُحْكَم لَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا لِقُوَّةِ جَانِبه بِالشَّاهِدِ فَالْقَضَاء بِهَا فِي الْقَسَامَة مَعَ قُوَّة جَانِب الْمُدَّعِينَ بِاللَّوْثِ الظَّاهِر أَوْلَى وَأَحْرَى
وَطَرَدَ هَذَا الْقَضَاء بِهَا فِي بَاب اللِّعَان إِذَا لَاعَنَ الزَّوْج وَنَكَلَتْ الْمَرْأَة فَإِنَّ الَّذِي يَقُوم عَلَيْهِ الدَّلِيل أَنَّ الزَّوْجَة تَحُدّ وَتَكُون أَيْمَان الزَّوْج بِمَنْزِلَةِ الشُّهُود كَمَا قَالَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة لَا تُقْبَل فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَقَالَ مَالِك تُقْبَل فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَقَالَ أَحْمَد تُقْبَل فِي الْقَسَامَة دُون اللِّعَان
وَقَالَ الشَّافِعِيّ تُقْبَل فِي اللِّعَان دُون الْقَسَامَة
وَقَوْل مَالِك أَرْجَح وَعَلَيْهِ تدل الأدلة
стр. 4083
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ
وَقَدْ قِيلَ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْخُذَ بحديث بن شِهَابٍ فَقَالَ مُرْسَلٌ وَالْقَتِيلُ أَنْصَارِيُّ وَالْأَنْصَارِيُّونَ بِالْعِنَايَةِ أَوْلَى بِالْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ إِذْ كَانَ كُلٌّ ثِقَةٌ وَكُلٌّ عِنْدَنَا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ثِقَةٌ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵁ وَأَظُنُّهُ أَرَادَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مَا رَوَى عَنْهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ
(بَاب يُقَادُ مِنْ الْقَاتِلِ)
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيُقَادُ مِنَ الْقَاتِلِ بِحَجَرٍ أَوْ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ وَهَذَا أَنْسَبُ
[٤٥٢٧] (أَنَّ جَارِيَةً) أَيْ بِنْتًا وَالْجَارِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَمْ تَبْلُغْ (وُجِدَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَدْ رُضَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ كُسِرَ وَدُقَّ (مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا) أَيِ الرَّضَّ (أَفُلَانٌ) أَيْ فَعَلَ بِكِ كِنَايَةً عَنْ أَسْمَاءِ بَعْضِهِمْ (حَتَّى سُمِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَأَوْمَتْ) مِنَ الْإِيمَاءِ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَأَوْمَأَتْ أَيْ أَشَارَتْ (بِرَأْسِهَا) أَيْ قَالَتْ نَعَمْ (أَنْ يُرَضَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا قَتْلُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَهُوَ إِجْمَاعُ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ وَمِنْهَا أَنَّ الْجَانِيَ عَمْدًا يُقْتَلُ قِصَاصًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَتَلَ فَإِنْ قَتَلَ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ وَإِنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ
وَمِنْهَا ثُبُوتُ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلَاتِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمُحَدِّدَاتِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْقَتْلِ بِمُحَدِّدٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النَّاسِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَبِالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ والنسائي (ومسلم والنسائي) وبن ماجه
وفي بعض طرق البخاري فرض رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ الَّذِي رَضَّ بِهِ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْآخَرِ
стр. 4084
[٤٥٢٨] (عَلَى حُلِيٍّ لَهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ حِلْيَةٍ (فِي قَلِيبٍ) أَيْ بِيرٍ (فَأُخِذَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْيَهُودِيُّ (فَأُتِيَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَنْ يُرْجَمَ) أَيْ يُكْسَرَ وَيُدَقَّ رَأْسُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
قِيلَ إِنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا الرَّضْخَ وَالرَّضَّ لِأَنَّ الرَّجْمَ وَالرَّضْخَ وَالرَّضَّ كُلَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّرْبِ بِالْحِجَارَةِ
ثُمَّ بَيَّنَ قَتَادَةُ الْمَوْضِعَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ أَبُو قِلَابَةَ فَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ وَقِيلَ رَمَاهُ (رَمْيُهُ) بِالْحَجَرِ الْأَعْلَى أَوِ الْحِجَارَةِ وَرَأْسُهُ عَلَى آخَرَ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ وَقَدْ يَكُونُ رَجْمُهُ أَنْوَاعًا مِمَّا فَعَلَ بِهَا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا رَجْمٌ لَا يُشَكُّ فِيهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ قِيلَ إِنَّ هَذَا كَانَ الْحُكْمَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَتِيلِ وَأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَمَا جَاءَ مِنَ اعْتِرَافِهِ وَإِنَّمَا جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وَهُوَ مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ لَفْظَةَ الِاعْتِرَافِ قَدْ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَأَخَذَ الْيَهُودِيَّ فَأَقَرَّ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى النَّسْخِ فِيهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَارِيخٌ وَلَا سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ وَلَكِنْ (يُمْكِنُ) الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ فِيمَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً لَا عَلَى طَرِيقِ الْمُكَافَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٥٢٩] (كَانَ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ لَهَا) جَمْعُ وَضَحٍ بِفَتْحَتَيْنِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ حُلِيًّا لَهَا
وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْحُلِيِّ يُعْمَلُ مِنَ الْفِضَّةِ سُمِّيَتْ بِهَا لِبَيَاضِهَا وَاحِدُهَا وَضَحٌ (وَبِهَا رَمَقٌ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ بَقِيَّةُ الْحَيَاةِ وَالرُّوحِ (فَقَالَتْ لَا بِرَأْسِهَا) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لا
стр. 4085
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَقَالَ بِهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وعطاء وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ
وَفِيهِ صِحَّةُ الْقِصَاصِ بِالْمُثْقَلِ
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلِ الْيَهُودِيَّ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِي أَوْ بِقَوْلِهِ وَقَتَلَهُ بِاعْتِرَافِهِ بِالْحَجَرِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْآخَرِ
١ - (بَاب أَيُقَادُ المسلم من الكافر)
[٤٥٣٠] (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مُخَضْرَمٌ (وَالْأَشْتَرُ) بِالْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ كَذَا ضَبَطَهُ الْحَافِظُ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ (إلى علي) أي بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ (هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ) أَيْ أَوْصَاكَ (فَأَخْرَجَ كِتَابًا) وَلَيْسَ يَخْفَى أَنَّ مَا فِي كِتَابِهِ مَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَخْصُوصَةِ (وَقَالَ أَحْمَدُ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ) أَيْ زَادَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كِتَابًا لَفْظَ مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ وَالْقِرَابُ بِكَسْرِ الْقَافِ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ شِبْهُ الْجِرَابَ يَطْرَحُ فِيهِ الرَّاكِبُ سَيْفَهُ بِغِمْدِهِ وَسَوْطَهُ (فَإِذَا فِيهِ) أَيْ فِي الْكِتَابِ (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ تَتَسَاوَى (دِمَاؤُهُمْ) أَيْ فِي الدِّيَاتِ وَالْقِصَاصِ
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقِصَاصِ يُقَادُ الشَّرِيفُ مِنْهُمْ بِالْوَضِيعِ وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا أَوْ عَالِمًا وَالْقَاتِلُ وَضِيعًا أَوْ جَاهِلًا وَلَا يُقْتَلُ بِهِ غَيْرُ قَاتِلِهِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانُوا لَا يَرْضَوْنَ فِي دَمِ الشَّرِيفِ بِالِاسْتِقَادَةِ مِنْ قَاتِلِهِ الْوَضِيعِ حَتَّى يَقْتُلُوا عِدَّةً مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ (وَهُمْ) أَيِ الْمُؤْمِنُونَ (يَدٌ) أَيْ كَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ فِي التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْ الْمُسْلِمُونَ لَا يَسَعُهُمُ التَّخَاذُلُ بَلْ يُعَاوِنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) الذِّمَّةُ الْأَمَانُ وَمِنْهَا سُمِّيَ الْمُعَاهَدُ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ أُومِنَ عَلَى مَالِهِ وَدَمِهِ لِلْجِزْيَةِ
وَمَعْنَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا آمَنَ كَافِرًا حَرُمَ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَمُهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُجِيرُ أَدْنَاهُمْ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا تَابِعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يُخْفَرُ ذِمَّتَهُ (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافر
стр. 4086
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِأَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفْيٌ عَنْ نَكِرَةٍ فَاشْتَمَلَ عَلَى جِنْسِ الْكُفَّارِ عُمُومًا (وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ) قَالَ الْقَاضِي أَيْ لَا يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ ما دام معاهدا غير ناقض
وقال بن الْمَلَكِ أَيْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مَا دَامَ فِي الْعَهْدِ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَادُ بِالْكَافِرِ أَمَّا الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ فَذَلِكَ إِجْمَاعٌ وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِصِدْقِ اسْمِ الْكَافِرِ عَلَيْهِ وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَقَالُوا إِنَّ قَوْلَهَ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مُؤْمِنٌ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ كَمَا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَقَطْ بِدَلِيلِ جَعْلِهِ مُقَابِلًا لِلْمُعَاهَدِ لِأَنَّ الْمُعَاهَدَ يُقْتَلُ بِمَنْ كَانَ مُعَاهَدًا مِثْلَهُ مِنَ الذِّمِّيِّينَ إِجْمَاعًا فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَيَّدَ الْكَافِرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالْحَرْبِيِّ كَمَا قُيِّدَ فِي الْمَعْطُوفِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ
وَهُوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ صِفَةً وَفِي الْعَمَلِ بِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْحَنَفِيَّةُ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِهِ وَبِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَعْطُوفَةَ أَعْنِي قَوْلَهَ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ لِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ فَلَا تَقْدِيرَ فِيهَا أَصْلًا
وَبِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمَعْلُومَ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحَاةِ وَهُوَ الَّذِي نص عليه الرِّضَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اشْتَرَاكُ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْحُكْمِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ العطف وهو ها هنا النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى كَوْنِهِ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَ قِصَاصٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُ إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْقِصَاصِ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَى مِثْلَهَا حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ الْمُدَّعَى (مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ) أَيْ مَنْ جَنَى جِنَايَةً كَانَ مَأْخُوذًا بِهَا وَلَا يُؤْخَذُ بِجُرْمِ غَيْرِهِ وَهَذَا فِي الْعَمْدِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ دُونَ الْخَطَأِ الَّذِي يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَوْ آوَى مُحْدِثًا) أَيْ آوى جانيا أَوْ أَجَارَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ سَأَلْتُ عَلِيًّا هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ آخِر الْبَاب وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْمَرَاسِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْعَزِيز الْحَضْرَمِيّ قَالَ
стр. 4087
[٤٥٣١] (وَيُجِيرُ) مِنَ الْإِجَارَةِ أَيْ يُعْطَى الْأَمَانَ (أَقْصَاهُمْ) أَيْ أَبْعَدُهُمْ (وَيَرُدُّ مُشِدُّهُمْ) أَيْ قَوِيُّهُمْ (عَلَى مُضْعِفِهِمْ) أَيْ ضَعِيفِهِمْ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُشِدُّ الَّذِي دَوَابُّهُ شَدِيدَةٌ قَوِيَّةٌ وَالْمُضْعِفُ الَّذِي دَوَابُّهُ ضَعِيفَةٌ يُرِيدُ أَنَّ الْقَوِيَّ مِنَ الْغُزَاةِ يُسَاهِمُ الضَّعِيفَ فِيمَا يَكْسِبُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ انْتَهَى (وَمُتَسَرِّيهِمْ) أَيِ الْخَارِجُ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى الْقِتَالِ (عَلَى قَاعِدِهِمْ) أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ فِي الْجَيْشِ قَالَهُ السندي
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي مَادَّةِ سَرَى يَرُدُّ مُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمُ الْمُتَسَرِّي الَّذِي يَخْرُجُ فِي السَّرِيَّةِ وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ وَجَمْعُهَا السَّرَايَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ السَرِيِّ النَّفِيسِ
وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَنْفُذُونَ سِرًّا وَخِفْيَةً وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ رَاءٌ وَهَذِهِ يَاءٌ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَ الْجَيْشِ يَبْعَثُهُمْ وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَإِذَا غَنِمُوا شَيْئًا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَيْشِ عَامَّةً لِأَنَّهُمْ رِدْءٌ لَهُمْ وَفِئَةٌ فَإِذَا بَعَثَهُمْ وَهُوَ مُقِيمٌ فَإِنَّ الْقَاعِدِينَ مَعَهُ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْمَغْنَمِ فَإِنْ كَانَ جَعَلَ لَهُمْ نَفْلًا مِنَ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَشْرَكْهُمْ غَيْرُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا
انتهى كلامه
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
٢ - (باب فيمن وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ)
[٤٥٣٢] (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (الْحَوْطِيُّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَتَلَ رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم خَيْبَر مُسْلِمًا بِكَافِرٍ قَتَلَهُ غِيلَة وَقَالَ أَنَا أَوْلَى وَأَحَقّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ
فَمُرْسَل لَا يَثْبُت
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِيّ وَلَا يَصِحّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْإِرْسَال وبن البيلماني
وقد أسنده بعضهم من حديث بن البيلماني عن بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَلَا يَصِحّ
وَهَذَا الْحَدِيث مَدَاره عَلَى بن الْبَيْلَمَانِيّ وَالْبَلِيَّة فِيهِ مِنْهُ وَهُوَ مُجْمَع عَلَى تَرْك الِاحْتِجَاج بِهِ فَضْلًا عَنْ تَقْدِيم رِوَايَته عَلَى أَحَادِيث الثِّقَات الْأَئِمَّة الْمُخَرَّجَة فِي الصِّحَاح كلها
стр. 4088
سَاكِنَةٌ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا) أَيْ لَا يُقْتَلُ (قَالَ سَعْدٌ بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَلَيْسَ هُوَ رَدًّا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُخَالَفَةً لِأَمْرِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ حَالَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الرَّجُلَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَضَبِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُعَالِجُهُ بِالسَّيْفِ (اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ) عَدَّى السَّمْعَ بِإِلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِصْغَاءِ
زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ هَذَا إِنَّهُ لَغَيُورٌ وَأَنَا أَغْيَرُ منه والله أغير مني
قال القارىء وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْهُ ﷺ لِسَعْدٍ وَأَنَّ مَا قَالَهُ سَعْدٌ قَالَهُ لِغَيْرَتِهِ (قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَخْ) أَيْ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي رِوَايَتِهِ سَعْدٌ مَكَانَ سَيِّدِكُمْ
قَالَ المنذري وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ
[٤٥٣٣] (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (رَجُلًا) أَيْ أَجْنَبِيًّا (حَتَّى آتِيَ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ أَجِيءَ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَعَمْ) أَيْ يُمْهِلُهُ وَيَأْتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَزَعَمَ أَنَّهُ وَجَدَهُ قَدْ زَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ يَعْتَرِفَ بِهِ وَرَثَةُ الْقَتِيلِ وَالْبَيِّنَةُ أَرْبَعَةٌ مِنْ عُدُولِ الرجال يشهدون على نفس الزنى وَيَكُونُ الْقَتِيلُ مُحْصَنًا وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ قَتَلَ زَانِيًا مُحْصَنًا الْقِصَاصُ مَا لَمْ يَأْمُرِ السُّلْطَانُ بِقَتْلِهِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ
وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ تَصْدِيقُهُ فِي أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ وَقَتَلَهُ بِذَلِكَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 4089
٣ - (باب العامل)
أَيْ عَامِلُ الصَّدَقَةِ يُصَابُ أَحَدٌ عَلَى يَدَيْهِ خَطَأً فَهَلْ فِيهِ قَوَدٌ
[٤٥٣٤] (فَلَاجَّهُ) نَازَعَهُ وَخَاصَمَهُ مِنَ اللَّجَاجِ
وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ فَلَاحَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَنْقُوصًا وَهُمَا بِمَعْنًى (فَشَجَّهُ) جَرَحَ رَأْسَهُ وَشَقَّهُ وَالشَّجُّ ضَرْبُ الرَّأْسِ خَاصَّةً وَجَرْحُهُ وَشَقُّهُ (فَأَتَوْا) أَيْ أَهْلُ الرَّجُلِ الْمَشْجُوجِ (فَقَالُوا الْقَوَدَ) بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ نَحْنُ نُرِيدُ الْقِصَاصَ وَنَطْلُبُهُ (لَكُمْ كَذَا وَكَذَا) أَيْ مِنَ الْمَالِ وَالْمَعْنَى اتْرُكُوا الْقِصَاصَ وَاعْفُوا عَنْهُ وَخُذُوا فِي عِوَضِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ (إِنِّي خَاطِبٌ) مِنَ الْخُطْبَةِ بِالضَّمِّ (الْعَشِيَّةَ) أَيْ فِي وَقْتِهَا وَهِيَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ
(فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ) أَيْ قَصَدُوا زَجْرَهُمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوبُ الْإِفَادَةِ مِنَ الْوَالِي وَالْعَامِلِ إِذَا تَنَاوَلَ دَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ كَوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِوَالٍ وَجَوَازُ إِرْضَاءِ الْمَشْجُوجِ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ فِي دِيَةِ الشَّجَّةِ إِذَا طَلَبَ الْمَشْجُوجُ الْقِصَاصَ
وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي الصَّدَقَةِ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلسَّاعِي ضَرْبُهُ وَإِكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ من ماله
وقوله فلا حاه معناه نَازَعَهُ وَخَاصَمَهُ
وَفِي بَعْضِ الْأَمْثَالِ عَادَاكَ مَنْ لَاحَاكَ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَقَادَا مِنَ الْعُمَّالِ وَمِمَّنْ رَأَى عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
стр. 4090
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُنْقَطِعًا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ حَافِظٌ قَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهَ فَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ
٤ - (بَاب القود بغير حديد)
[٤٥٣٥] قَدْ وُجِدَ هَذَا الْبَابُ مَعَ حَدِيثِهِ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي بَابِ يُقَادُ مِنَ الْقَاتِلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَاللَّفْظِ
٥ - (بَاب الْقَوَدِ مِنْ الضَّرْبَةِ وَقَصِّ الْأَمِيرِ مِنْ نفسه)
وَسَيَجِيءُ مَعْنَى الْقَصِّ
[٤٥٣٦] (عَنْ بُكَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) فِي الْقَامُوسِ أَكَبَّ عَلَيْهِ أَقْبَلَ وَلَزِمَ (فَطَعَنَهُ) أَيْ ضَرَبَهُ وَوَخَزَهُ (بِالْعُرْجُونِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضَمِّ الْجِيمِ هُوَ عُودٌ أَصْفَرُ فِيهِ شَمَارِيخُ الْعِذْقِ (فَاسْتَقِدْ) أَيْ خُذِ القصاص مني
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة الرَّبِيع وَرَوَى مِنْ حَدِيث عُمَر أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله يُعْطِي الْقَوَد مِنْ نَفْسه وَأَبَا بَكْر يُعْطِي الْقَوَد مِنْ نَفْسه وَأَنَا أُعْطِي الْقَوَد مِنْ نَفْسِي اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي الْقِصَاص فِيمَا دُون النَّفْس
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث النُّعْمَان بْن بَشِير وَقَوْله لِمُدَّعِي السَّرِقَة إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَضْرِبهُمْ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ عِلْم
стр. 4091
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٥٣٧] (أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهُمَا أَلِفٌ فَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ (عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِي فِرَاسٍ) بِكَسْرِ الْفَاءِ (أَبْشَارَكُمْ) أَيْ أَجْسَامَكُمْ (فَمَنْ فُعِلَ بِهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) أَيِ الضَّرْبُ وَأَخْذُ الْأَمْوَالِ (أَقُصُّهُ مِنْهُ) فِي الْقَامُوسِ أَقَصَّ الْأَمِيرُ فُلَانًا مِنْ فُلَانٍ اقْتَصَّ لَهُ مِنْهُ فَجَرَحَهُ مِثْلَ جَرْحِهِ أَوْ قَتَلَهُ قَوَدًا (قَالَ إِي) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ بَلَى (أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ) فِي الْقَامُوسِ أَقَصَّ الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ مَكَّنَ مِنَ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَأَبُو فِرَاسٍ قِيلَ هُوَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنَسٍ الْحَارِثِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَإِلَّا أَخَذْت مِنْ ظُهُوركُمْ مِثْل مَا أَخَذْت مِنْ ظُهُورهمْ فَقَالُوا هَذَا حُكْمك فَقَالَ هَذَا حكم الله ورسوله
وروى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن هِلَال عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ كُنَّا نَقْعُد مع رسول الله فِي الْمَسْجِد فَإِذَا قَامَ قُمْنَا فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ وَسَط الْمَسْجِد أَدْرَكَهُ أَعْرَابِيّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا فَحَمَّرَ رَقَبَته قَالَ يَا مُحَمَّد اِحْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّك لَا تَحْمِل مِنْ مَالِك وَلَا مِنْ مَال أَبِيك فقال رسول الله لَا وَأَسْتَغْفِر اللَّه لَا أَحْمِل لَك حَتَّى تُقِيدنِي مِمَّا جَبَذْت بِرَقَبَتِي فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ لَا وَاَللَّه لَا أُقِيدك فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْل الْأَعْرَابِيّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُول اللَّه فَقَالَ عَزَمْت عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَح مَقَامه حَتَّى آذَن لَهُ فَقَالَ رسول الله لِرَجُلِ مِنْ الْقَوْم يَا فُلَان اِحْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِير شَعِيرًا وَعَلَى بَعِير تَمْرًا ثُمَّ قال رسول الله اِنْصَرِفُوا
تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْقَوَد مِنْ الْجَبْذَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث سعيد بن جبير أخبرني بن عَبَّاس أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَب كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَطَمَهُ الْعَبَّاس فَجَاءَ قَوْمه فقالوا لتلطمنه كَمَا لَطَمَهُ فَلَبِسُوا السِّلَاح فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَقَالَ أَيّهَا النَّاس أَيُّ أَهْل الْأَرْض تَعْلَمُونَ أَكْرَم عَلَى اللَّه قَالُوا أَنْتَ قَالَ فَإِنَّ الْعَبَّاس مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ لَا تَسُبُّوا أَمْوَاتنَا فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا فَجَاءَ الْقَوْم فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ غَضَبك اِسْتَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْقَوَد مِنْ اللَّطْمَة
стр. 4092
وَقِيلَ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ
وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَنْ أَبِي فِرَاسٍ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ عُمَرَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ وَلَا أَعْرِفُ أَبَا نضرة
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا حَدِيث أَبِي سَعِيد الْمُتَقَدِّم وقال بينا رسول الله يَقْسِم شَيْئًا بَيْننَا إِذَا أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُل فطعنه رسول الله بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ فَصَاحَ الرَّجُل فَقَالَ لَهُ رسول الله تعالى فَاسْتَقِدْ فَقَالَ الرَّجُل بَلْ عَفَوْت يَا رَسُول اللَّه
وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْقَوَد مِنْ الطَّعْنَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ لَدَدْنَا رَسُول اللَّه فِي مَرَضه فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلِدُونِي فَقُلْنَا كَرَاهَة الْمَرِيض لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَا يَبْقَى أَحَد مِنْكُمْ إِلَّا لَدَّ وَأَنَا أَنْظُر إِلَى الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَد
وَمِنْ بَعْض تَرَاجِم الْبُخَارِيّ عَلَيْهِ
بَاب الْقِصَاص
بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْجِرَاحَات
وَفِي الْبَاب حَدِيث أُسَيْد بن حضير أن النبي طَعَنَهُ فِي خَاصِرَته بِعُودٍ فَقَالَ اِصْبِرْنِي فَقَالَ اِصْطَبِرْ قَالَ إِنَّ عَلَيْك قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قميص فرفع النبي عَنْ قَمِيصه
فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّل كَشْحه قَالَ إِنَّمَا أَرَدْت هَذَا يَا رَسُول اللَّه رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْأَدَب وَسَيَأْتِي هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
وَاصْبِرْنِي أَيْ أَقِدْنِي من نفسك وواصطبر أَيْ اِسْتَقِدْ
وَالِاصْطِبَار الِاقْتِصَاص
يُقَال أَصَبَرْته بِقَتِيلِهِ أَقَدْته مِنْهُ
وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عن عائشة أن النبي بَعَثَ أَبَا جَهْم بْن حُذَيْفَة مُصَدِّقًا فَلَاحَاهُ رَجُل فِي صَدَقَته فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْم فَأَتَوْا النبي فَقَالُوا الْقَوَد يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا بِهِ فَقَالَ رَسُول اللَّه إِنِّي خَاطِب عَلَى النَّاس وَمُخْبِرهمْ بِرِضَاكُمْ قَالُوا نعم فخطب النبي فَقَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَد فَعَرَضْت عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا قَالُوا لَا فَهَمَّ المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله أَنْ يَكُفُّوا ثُمَّ دَعَاهُمْ فَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي خَاطِب عَلَى النَّاس وَمُخْبِرهمْ بِرِضَاكُمْ قَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ النَّاس ثُمَّ قَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ
وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ السُّلْطَان يُصَاب عَلَى يَده فَصْل
وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَهِيَ الْقِصَاص فِي اللَّطْمَة وَالضَّرْبَة وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يُمْكِن لِلْمُقْتَصِّ أَنْ يَفْعَل بِخَصْمِهِ مِثْل مَا فَعَلَهُ بِهِ مِنْ كُلّ وجه هل يسوع الْقِصَاص فِي ذَلِكَ أَوْ يَعْدِل إِلَى عُقُوبَته بِجِنْسٍ آخَرَ وَهُوَ التَّعْزِير عَلَى قَوْلَيْنِ
أَصَحّهمَا أَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ الْقِصَاص وَهُوَ مَذْهَب الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمْ حَكَاهُ عَنْهُمْ
стр. 4093
رَوَى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ شَيْئًا إِنَّمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو مِجْلَزٍ وَقَتَادَةُ وَذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ فِي بَعْضِ أَخْبَارِهِ
وَأَبُو فِرَاسٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو نَضْرَةَ هُوَ النَّهْدِيُّ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَبُو نَضْرَةَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الضَّادِ المعجمة هو المنذر بن مالك العوقي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحْمَد وَأَبُو إِسْحَاق الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَم وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَام أَحْمَد فِي رِوَايَة الشَّالِنْجِيّ وَغَيْره قَالَ شَيْخنَا ﵀ وَهُوَ قَوْل جُمْهُور السَّلَف
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُشْرَع فِيهِ الْقِصَاص وَهُوَ الْمَنْقُول عَنْ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَاب أَحْمَد حَتَّى حَكَى بَعْضهمْ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص فِيهِ
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ حِكَايَة إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَى الْقِصَاص أَقْرَب مِنْ حِكَايَة الْإِجْمَاع عَلَى مَنْعه
فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَلَا يُعْلَم لَهُمْ مُخَالِف فِيهِ
وَمَأْخَذ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بِالْعَدْلِ فِي ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّظَر فِي أَيّ الْأَمْرَيْنِ أَقْرَب إِلَى الْعَدْل
فَقَالَ الْمَانِعُونَ الْمُمَاثَلَة لَا تُمْكِن هُنَا فَكَأَنَّ الْعَدْل يَقْتَضِي الْعُدُول إِلَى جِنْس آخَر وهو التعزيز فَإِنَّ الْقِصَاص لَا يَكُون إِلَّا مَعَ الْمُمَاثَلَة وَلِهَذَا لَا يَجِب فِي الْجُرْح حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى حَدّ وَلَا فِي الْقَطْع إِلَّا مِنْ مَفْصِل لِتَمَكُّنِ الْمُمَاثَلَة فَإِذَا تَعَذَّرَتْ فِي الْقَطْع وَالْجُرْح صِرْنَا إِلَى الدِّيَة
فَكَذَا فِي اللَّطْمَة وَنَحْوهَا لَمَّا تَعَذَّرَتْ صِرْنَا إِلَى التَّعْزِير
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ الْقِصَاص فِي ذَلِكَ أَقْرَب إِلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَالْقِيَاس وَالْعَدْل مِنْ التَّعْزِير
أَمَّا الْكِتَاب فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَالَ (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَة مِثْلهَا) وَقَالَ (فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
وَمَعْلُوم أَنَّ الْمُمَاثَلَة مَطْلُوبَة بِحَسَبِ الْإِمْكَان وَاللَّطْمَة أَشَدّ مُمَاثَلَة لِلَّطْمَةِ وَالضَّرْبَة لِلضَّرْبَةِ مِنْ التَّعْزِيز لَهَا فَإِنَّهُ ضَرْب فِي غَيْر الْمَوْضِع غَيْر مُمَاثِل لَا فِي الصُّورَة وَلَا فِي الْمَحَلّ وَلَا فِي الْقَدْر فَأَنْتُمْ فَرَرْتُمْ مِنْ تَفَاوُت لَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز منه بين اللطمتين فصرتم إلى أعظم تفاوتا مِنْهُ بِلَا نَصّ وَلَا قِيَاس
قَالُوا وَأَمَّا السُّنَّة فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَاب إِلَّا سُنَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ لَكَفَى بِهَا دَلِيلًا وَحُجَّة
قَالُوا
فَالتَّعْزِير لَا يُعْتَبَر فِيهِ جِنْس الْجِنَايَة وَلَا قَدْرهَا بَلْ قَدْ يُعَزِّرُوهُ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَيَكُون إِنَّمَا ضَرَبَهُ بِيَدِهِ أَوْ رِجْله فَكَانَتْ الْعُقُوبَة بِحَسَبِ الْإِمْكَان فِي ذَلِكَ أَقْرَب إِلَى الْعَدْل الَّذِي أَنْزَلَ اللَّه بِهِ كُتُبه وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُله
قَالُوا وَقَدْ دَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة فِي أَكْثَر مِنْ مِائَة مَوْضِع عَلَى أَنَّ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ كَمَا قَالَ تَعَالَى (جَزَاء وِفَاقًا) أَيْ وَفْق أَعْمَالهمْ وَهَذَا ثَابِت شَرْعًا وَقَدْرًا
أَمَّا الشَّرْع
فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ وَالْأَنْف بِالْأَنْفِ وَالْأُذُن بِالْأُذُنِ وَالسِّنّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوح قِصَاص﴾ فَأَخْبَرَ سبحانه أن
стр. 4094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْجُرُوح قِصَاص مَعَ أَنَّ الْجَارِح قَدْ يَشْتَدّ عَذَابه إِذَا فَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ حَتَّى يستوفي منه
وقد ثبت عن النبي أَنَّهُ رَضَخَ رَأْسَ الْيَهُودِيّ كَمَا رَضَخَ رَأْس الْجَارِيَة وَهَذَا الْقَتْل قِصَاص لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَقْضِ الْعَهْد أَوْ لِلْحِرَابَةِ لَكَانَ بِالسَّيْفِ
وَلَا يُرْضَخ الرَّأْس
وَلِهَذَا كَانَ أَصَحّ الْأَقْوَال أَنَّهُ يُفْعَل بِالْجَانِي مِثْل مَا فَعَلَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّه كَالْقَتْلِ بِاللِّوَاطَةِ وَتَجْرِيع الْخَمْر وَنَحْوه فَيُحَرَّق كَمَا حَرَّقَ وَيُلْقَى مِنْ شَاهِق كَمَا فَعَلَ وَيُخْنَق كَمَا خَنَقَ لِأَنَّ هَذَا أَقْرَب إِلَى الْعَدْل
وَحُصُول مُسَمَّى الْقِصَاص وَإِدْرَاك الثَّأْر وَالتَّشَفِّي وَالزَّجْر الْمَطْلُوب مِنْ الْقِصَاص
وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَإِحْدَى الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَد
قَالُوا وَأَمَّا كَوْن الْقِصَاص لَا يَجِب فِي الْجُرْح حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ وَلَا فِي الطَّرَف حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مفصل لتحقق المماثلة فهذا إنما اشترط لِئَلَّا يَزِيد الْمُقْتَصّ عَلَى مِقْدَار الْجِنَايَة فَيَصِير الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ مَظْلُومًا بِذَهَابِ ذَلِكَ الْجُزْء فَتَعَذَّرَتْ الْمُمَاثَلَة فَصِرْنَا إِلَى الدِّيَة وَهَذَا بِخِلَافِ اللَّطْمَة والضربة فإنه لو قَدَّرَ تَعَدِّي الْمُتَقَضِّي فِيهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِذَهَابِ جُزْء بَلْ بِزِيَادَةِ أَلَم وَهَذَا لَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز مِنْهُ وَلِهَذَا تُوجِبُونَ التَّعْزِير مَعَ أن أَلَمه يَكُون أَضْعَاف أَلَم اللَّطْمَة وَالْبَرْد مِنْ سِنّ الْجَانِي مِقْدَار مَا كَسَرَ مِنْ سِنّ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ مَعَ شِدَّة الْأَلَم وَكَذَلِكَ قَلْع سِنّه وَعَيْنه أَوْ نَحْو ذَلِكَ لَا بُدّ فِيهِ مِنْ زِيَادَة أَلَم لِيَصِل الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ إِلَى اِسْتِيفَاء حَقّه فَهَلَّا اِعْتَبَرْتُمْ هَذَا الْأَلَم المقدرة زيادته في اللطمة والضربة كما اعتبرتموه فيما ذَكَرْنَا مِنْ الصُّوَر وَغَيْرهَا
قَالَ الْمَانِعُونَ كَمَا عَدَلْنَا فِي الْإِتْلَاف الْمَالِيّ إِلَى الْقِيمَة عِنْد تَعَذُّر الْمُمَاثَلَة فَكَذَلِكَ هَا هُنَا بَلْ أَوْلَى لِحُرْمَةِ الْبَشَرَة وَتَأَكُّدهَا عَلَى حُرْمَة الْمَال
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ هَذَا قِيَاس فَاسِد مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِالْمُمَاثَلَةِ فِي إِتْلَاف الْمَال فَإِنَّهُ إِذَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ ثَوْبًا لَمْ تُجَوِّزُوا أَنْ يُتْلِف عَلَيْهِ مِثْله مِنْ كُلّ وَجْه
وَلَوْ قَطَعَ يَده أَوْ قَتَلَهُ لَقُطِعَتْ يَده وَقُتِلَ بِهِ فَعُلِمَ الْفَرْق بَيْن الْأَمْوَال وَالْأَبْشَار وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَة عَلَى النُّفُوس وَالْأَطْرَاف يُطْلَب فِيهَا الْمُقَاصَّة بِمَا لَا يُطْلَب فِي الْأَمْوَال
وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ هُوَ الَّذِي سَلَّمَ لَكُمْ أَنَّ غَيْر الْمَكِيل وَالْمَوْزُون يُضَمْنَ بِالْقِيمَةِ لَا بِالنَّظِيرِ
وَلَا إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة وَلَا نَصّ بَلْ الصَّحِيح أَنَّهُ يَجِب الْمِثْل فِي الْحَيَوَان وَغَيْره بِحَسَبِ الْإِمْكَان كَمَا ثَبَتَ عَنْ الصَّحَابَة فِي جَزَاء الصَّيْد أَنَّهُمْ قَضَوْا فِيهِ بملثه مِنْ النَّعَم بِحَسَبِ الْإِمْكَان فَقَضَوْا فِي النَّعَامَة بِبَدَنَةٍ وَفِي بَقَرَة الْوَحْش بِبَقَرَةٍ وَفِي الظَّبْي بِشَاةٍ إِلَى غَيْر ذَلِكَ
قَالَ الْمَانِعُونَ هَذَا عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَيُصَار إِلَيْهِ اتِّبَاعًا لِلصَّحَابَةِ وَلِهَذَا مَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة وَقَدَّمَ الْقِيَاس عَلَيْهِ وَأَوْجَبَ الْقِيمَة
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ قَوْلكُمْ إِنَّ هَذَا عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَرْع عَلَى صِحَّة الدَّلِيل الدَّالّ عَلَى أَنَّ
стр. 4095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْمُعْتَبَر فِي ذَلِكَ هُوَ الْقِيمَة دُون النَّظِير وَأَنْتُمْ لَمْ تَذْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا مِنْ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا إِجْمَاع حَتَّى يَكُون قَضَاء الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَأَيْنَ الدَّلِيل قَالَ الْمَانِعُونَ الدَّلِيل عَلَى اِعْتِبَار الْقِيمَة فِي إِتْلَاف الْحَيَوَان دُون الْمِثْل أَنَّ النبي ضَمَّنَ مُعْتِق الشِّقْص إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ وَلَمْ يُضَمِّنهُ نَصِيب الشَّرِيك بِمِثْلِهِ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْل هُوَ الْقِيمَة فِي غَيْر الْمَكِيل وَالْمَوْزُون
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ هَذَا أَصْل مَا بَنَيْتُمْ عَلَيْهِ اِعْتِبَار الْقِيمَة فِي هَذِهِ الْمَسَائِل وَغَيْرهَا وَلَكِنَّهُ بِنَاء عَلَى غَيْر أَسَاس فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فِي شَيْء فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَاب ضَمَان الْمُتْلَفَات بِالْقِيمَةِ بَلْ هُوَ مِنْ بَاب تَمَلُّك مَال الْغَيْر بِالْقِيمَةِ كَتَمَلُّكِ الشِّقْص الْمَشْفُوع بِثَمَنِهِ فَإِنَّ نَصِيب الشريك يقدر دُخُوله فِي مِلْك الْمُعْتَق ثُمَّ يَعْتِق عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ وَالْقَائِلُونَ بِالسِّرَايَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ يَعْتِق كُلّه عَلَى مِلْك الْمُعْتَق وَالْوَلَاء لَهُ دُون الشَّرِيك
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَسْرِي الْعِتْق عَقِب إِعْتَاقه أَوْ لَا يَعْتِق حَتَّى يُؤَدِّي الثَّمَن عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِي وَهُمَا فِي مَذْهَب أَحْمَد قَالَ شَيْخنَا وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَعْتِق إِلَّا بِالْأَدَاةِ
وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي مَا إِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيك نَصِيبه بَعْد عِتْق الْأَوَّل وَقَبْل وَزْن الْقِيمَة فَعَلَى الْأَوَّل لَا يَعْتِق عَلَيْهِ وَعَلَى الثَّانِي يَعْتِق عَلَيْهِ وَيَكُون الْوَلَاء بَيْنهمَا
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي مَا إِذَا قَالَ أَحَدهمَا إِذَا أَعْتَقْت نَصِيبك فَنَصِيبِي حُرّ فَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل لَا يَصِحّ هَذَا التَّعْلِيق وَيَعْتِق كُلّه فِي مَال الْمُعْتَق
وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي يَصِحّ التَّعْلِيق وَيَعْتِق نَصِيب الشَّرِيك مِنْ مَاله
فَظَهَرَ أَنَّ اِسْتِدْلَالكُمْ بِالْعِتْقِ اِسْتِدْلَال بَاطِل بَلْ إِنَّمَا يَكُون إِتْلَافًا إِذَا قَتَلَهُ فَلَوْ ثَبَتَ لَكُمْ بِالنَّصِّ أَنَّهُ ضَمَّنَ قَاتِل الْعَبْد بِالْقِيمَةِ دُون الْمِثْل كَانَ حُجَّة وَأَنَّى لَكُمْ بِذَلِكَ
قَالُوا وَأَيْضًا فَالْفَرْق وَاضِح بَيْن أَنْ يَكُون الْمُتْلَف عَيْنًا كَامِلَة أَوْ بَعْض عَيْن
فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّضْمِين كَانَ تَضْمِين إِتْلَاف لَمْ يَجِب مِثْله فِي الْعَيْن الْكَامِلَة
وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ حَقّ الشَّرِيك فِي الْعَيْن الَّتِي لَا يُمْكِن قِسْمَتهَا فِي نِصْف الْقِيمَة مَثَلًا أَوْ ثُلُثهَا فَالْوَاجِب لَهُ مِنْ الْقِيمَة بِنِسْبَةِ مِلْكه وَلِهَذَا يُجْبَر شَرِيكه عَلَى الْبَيْع إِذَا طَلَبَهُ لِيَتَوَصَّل إلى حقه من القيمة والنبي رَاعَى ذَلِكَ وَقَوَّمَ عَلَيْهِ الْعَبْد قِيمَة كَامِلَة ثُمَّ أَعْطَاهُ حَقّه مِنْ الْقِيمَة وَلَمْ يُقَوِّم عَلَيْهِ الشِّقْص وَحْده فَيُعْطِيه قِيمَته
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقّ الشَّرِيك فِي نِصْف الْقِيمَة
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ ضَمَّنَّا الْمُعْتَق نَصِيب الشَّرِيك بِمِثْلِهِ مِنْ عَبْد آخَر لَمْ نُجْبِرهُ عَلَى الْبَيْع إِذَا طَلَبَهُ شَرِيكه لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقّ فِي الْقِيمَة بَلْ حَقّه فِي نَفْس الْعَيْن فَحَقّه بَاقٍ مِنْهَا
قَالُوا فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَكُمْ أَصْل تَقِيسُونَ عَلَيْهِ لَا مِنْ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا إِجْمَاع
وقد ثبت في الصحيح أن النبي اِقْتَرَضَ بَكْرًا وَقَضَى خَيْرًا مِنْهُ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ يُجَوِّز قَرْض الْحَيَوَان مَعَ أَنَّ الْوَاجِب فِي الْقَرْض رَدّ الْمِثْل وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَان مِثْلِيّ
стр. 4096
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَمِنْ الْعَجَب أَنْ يُقَال إِذَا اِقْتَرَضَ حَيَوَانًا رَدَّ قِيمَته وَيُقَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِتْلَاف وَالْغَصْب فَيُتْرَك مُوجَب النَّصّ الصَّحِيح لِقِيَاسٍ لَمْ يَثْبُت أَصْله بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاع وَنُصُوص أَحْمَد أَنَّ الْحَيَوَان فِي الْقَرْض يُضَمْنَ بِمِثْلِهِ
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه بَلْ بِالْقِيمَةِ طَرْدًا لِلْقِيَاسِ عَلَى الْغَصْب
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابه فِي مُوجَب الضَّمَان فِي الْغَصْب وَالْإِتْلَاف عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه أَحَدهَا أَنَّ الْوَاجِب الْقِيمَة فِي غَيْر الْمَكِيل وَالْمَوْزُون
وَالثَّانِي الْوَاجِب الْمِثْل فِي الْجَمِيع
وَالثَّالِث الْوَاجِب الْمِثْل فِي غَيْر الْحَيَوَان وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد فِي الثَّوْب وَالْقَصْعَة وَنَحْوهمَا
وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ فِي الْجِدَار الْمَهْدُوم ظُلْمًا يُعَاد مِثْله وَأَقْوَل النَّاس بِالْقِيمَةِ أَبُو حَنِيفَة وَمَعَ هَذَا فَعِنْده إِذَا أَتْلَفَ ثَوْبًا ثَبَتَ فِي ذِمَّته مِثْله لَا قِيمَته وَلِهَذَا يَجُوز الصُّلْح عَنْهُ بِأَكْثَر مِنْ قِيمَته وَلَوْ كَانَ الثَّابِت فِي الذِّمَّة الْقِيمَة لَمَا جَازَ الصُّلْح عَنْهَا بِأَكْثَر مِنْهَا
فَظَهَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَبِر الْمِثْل فَلَا بُدّ مِنْ تَنَاقُضه أَوْ مُنَاقَضَته لِلنَّصِّ الصَّرِيح وَهَذَا مَا لا ملخص مِنْهُ
وَأَصْل هَذَا كُلّه هُوَ الْحُكُومَة الَّتِي حكم فيها داود وسليمان ﵉ وَقَصَّهَا اللَّه عَلَيْنَا فِي كِتَابه
وَكَانَتْ فِي الْحَرْث وَهُوَ الْبُسْتَان وَقِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ أَشْجَار عِنَب
فَنَفَشَتْ فِيهَا الْغَنَم وَالنَّفْش إِنَّمَا يَكُون لَيْلًا فَقَضَى دَاوُدُ لِأَصْحَابِ الْبُسْتَان بِالْغَنَمِ لِأَنَّهُ اِعْتَبَرَ قِيمَة مَا أَفْسَدَتْهُ فَوَجَدَهُ يُسَاوِي الْغَنَم فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا وَأَمَّا سُلَيْمَان فَقَضَى عَلَى أَصْحَاب الْغَنَم بِالْمِثْلِ وَهُوَ أَنْ يَعْمُرُوا الْبُسْتَان كَمَا كَانَ ثُمَّ رَأَى أَنَّ مُغَلَّهُ إِلَى حِين عَوْدِهِ يَفُوت عَلَيْهِمْ وَرَأَى أَنَّ مُغَلّ الْغَنَم يُسَاوِيه فَأَعْطَاهُمْ الْغَنَم يَسْتَغِلُّونَهَا حَتَّى يَعُود بُسْتَانهمْ كَمَا كَانَ فَإِذَا عَادَ رَدُّوا إِلَيْهِمْ غَنَمهمْ
فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مِثْل هَذِهِ الْقَضِيَّة عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال
أَحَدهَا الْقَوْل بِالْحُكْمِ السُّلَيْمَانِيّ فِي أَصْل الضَّمَان وَكَيْفِيَّته وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَال وَأَشَدّهَا مُطَابَقَة لِأُصُولِ الشَّرْع وَالْقِيَاس كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَاب مُفْرَد فِي الِاجْتِهَاد وَهَذَا أَحَد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْر مَوْضِع وَيَذْكُر وَجْهًا فِي مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ
وَالثَّانِي مُوَافَقَته فِي النَّفْش دُون الْمِثْل وَهَذَا الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد
وَالثَّالِث عَكْسه وَهُوَ مُوَافَقَته فِي الْمِثْل دُون النَّفْش وَهُوَ قَوْل دَاوُدَ وَغَيْره فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا أَتْلَفَ الْبُسْتَان بِتَفْرِيطِهِ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ
وَأَمَّا إِذَا اِنْفَلَتَتْ الْغَنَم لَيْلًا لَمْ يَضْمَن صاحبها ما أتلفته
والرابع أن النقش لَا يُوجِب الضَّمَان وَلَوْ أَوْجَبَهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمِثْلِ بَلْ بِالْقِيمَةِ فَلَمْ تُوَافِقهُ لَا فِي النقش وَلَا فِي الْمِثْل وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَهَذَا مِنْ اِجْتِهَادهمْ فِي الْقِيَاس وَالْعَدْل هُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّه
فَكُلّ طَائِفَة رَأَتْ الْعَدْل هُوَ قَوْلهَا وَإِنْ كَانَتْ النُّصُوص وَالْقِيَاس وَأُصُول الشَّرْع تَشْهَد بِحُكْمِ سُلَيْمَان كَمَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَهَّمَهُ إِيَّاهُ
وَذَكَرَ مَأْخَذ هَذِهِ الْأَقْوَال وَأَدِلَّتهَا وَتَرْجِيح الرَّاجِح مِنْهَا لَهُ مَوْضِع غَيْر هَذَا أَلْيَق بِهِ مِنْ هَذَا
стр. 4097
٦ - (بَاب عَفْوِ النِّسَاءِ عَنْ الدَّمِ)
[٤٥٣٨] (دَاوُدَ بْنُ رُشَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (سَمِعَ حِصْنًا) بِكَسْرٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ساكنة ثم نون بن عبد الرحمن
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَالْمَقْصُود أَنَّ الْقِيَاس وَالنَّصّ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ يُفْعَل بِهِ كَمَا فَعَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النبي رضخ رأس اليهودي كما رضخ رأس الجارية وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِنَقْضِ الْعَهْد وَلَا لِلْحِرَابَةِ لِأَنَّ الْوَاجِب فِي ذَلِكَ الْقَتْل بِالسَّيْفِ وعن أحمد في ذَلِكَ أَرْبَع رِوَايَات
إِحْدَاهُنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي فِي الْقَوَد إِلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُق وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة
وَالثَّانِيَة أَنَّهُ يَفْعَل بِهِ كَمَا فَعَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ
وَالثَّالِثَة إِنْ كَانَ الْفِعْل أَوْ الْجُرْح مُرْهِقًا فُعِلَ بِهِ نَظِيره وَإِلَّا فَلَا
وَالرَّابِعَة إِنْ كَانَ الْجُرْح أَوْ الْقَطْع مُوجِبًا لِلْقَوَدِ لَوْ اِنْفَرَدَ فُعِلَ بِهِ نَظِيره وَإِلَّا فَلَا
وَعَلَى الْأَقْوَال كُلّهَا إِنْ لَمْ يَمُتْ بِذَلِكَ قُتِلَ
وَقَدْ أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَثِّلُوا بِالْكَفَّارِ إِذَا مَثَّلُوا بِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ الْمُثْلَة مَنْهِيًّا عَنْهَا
فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَة بِجَدْعِ الْأَنْف وَقَطْع الْأُذُن وَبَقْر الْبَطْن وَنَحْو ذَلِكَ هِيَ عُقُوبَة بِالْمِثْلِ لَيْسَتْ بِعُدْوَانٍ وَالْمِثْل هُوَ الْعَدْل
وَأَمَّا كَوْن الْمُثْلَة مَنْهِيًّا عَنْهَا فَلِمَا رَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث سَمُرَة بْن جُنْدُب وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قال ما خطبنا رسول الله خُطْبَة إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَة
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ لَمْ يَمُتْ إِذْ فُعِلَ بِهِ نَظِير مَا فَعَلَ فَأَنْتُمْ تَقْتُلُونَهُ وَذَلِكَ زِيَادَة عَلَى مَا فَعَلَ فَأَيْنَ الْمُمَاثَلَة قِيلَ هَذَا يَنْتَقِض بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ فَإِنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ فِي الْعُنُق وَلَمْ يُوجِبهُ كَانَ لَنَا أَنْ نَضْرِبهُ ثَانِيَة وَثَالِثَة حَتَّى يُوجِبهُ اِتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ الْأَوَّل إِذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَة وَاحِدَة
وَاعْتِبَار الْمُمَاثَلَة لَهُ طَرِيقَانِ إِحْدَاهُمَا اِعْتِبَار الشَّيْء بِنَظِيرِهِ وَمِثْله
وَهُوَ قِيَاس الْعِلَّة الَّذِي يَلْحَق فِيهِ الشَّيْء بِنَظِيرِهِ
وَالثَّانِي قِيَاس الدَّلَالَة الَّذِي يَكُون الْجَمْع فِيهِ بَيْن الْأَصْل وَالْفَرْع بِدَلِيلِ الْعِلَّة وَلَازِمهَا فَإِنْ اِنْضَافَ إِلَى وَاحِد مِنْ هَذَيْنِ عُمُوم لَفْظِيّ كَانَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة لِاجْتِمَاعِ الْعُمُومَيْن اللَّفْظِيّ وَالْمَعْنَوِيّ وَتَضَافُر الدَّلِيلَيْنِ السَّمْعِيّ وَالِاعْتِبَارِيّ
فَيَكُون مُوجِب الْكِتَاب وَالْمِيزَان وَالْقِصَاص فِي مَسْأَلَتنَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَاب كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره وَهَذَا وَاضِح لَا خَفَاء بِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة
ذَكَرَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث عَلَى الْمُقْتَتِلَيْنِ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّل فَالْأَوَّل وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ إِلَى آخِره ثُمَّ قال
стр. 4098
أو بن مُحْصَنٍ مَقْبُولٌ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ (عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ) أَيْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الطَّالِبِينَ الْقَوَدَ وَهُوَ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ فَاعِلٍ وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ مُقْتَتِلِينَ لِمَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ معنى المقتتلين ها هنا أَنْ يَطْلُبَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ الْقَوَدَ فَيَمْتَنِعُ الْقَتَلَةُ فَيَنْشَأُ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَجَعَلَهُمْ مُقْتَتِلِينَ لِمَا ذَكَرْنَا
قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ بِنَصْبِ التَّاءَيْنِ يُقَالُ اقْتَتَلَ فَهُوَ مُقْتَتَلُ غَيْرَ أَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ أَكْثَرُهُ فِيمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ (أَنْ يَنْحَجِزُوا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ثُمَّ زَايٍ أَيْ يَمْتَنِعُوا وَيَكُفُّوا عَنِ الْقَوَدِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ (الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) أَيِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً) كَلِمَةُ إِنْ وَصْلِيَّةٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَفْسِيرُهُ أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَأَيُّهُمْ عَفَا وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً سَقَطَ الْقَوَدُ وَصَارَ دِيَةً
قَالَ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَفْوِ النِّسَاءِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَفْوُ النِّسَاءِ عَنِ الدَّمِ جَائِزٌ كعفو الرجال
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذَا مَا يُبَيِّن وَجْه الْحَدِيث
وَقَدْ رَوَى الْأَوَّل فَالْأَوَّل وَرَوَى الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَهُوَ أَوْلَى وَبِهِ يَتَبَيَّن مَعْنَى الْحَدِيث
وَأَصْل الْحَجْز الْمَنْع وَمِنْهُ الْحَاجِز بَيْن الشَّيْئَيْنِ وَيَنْحَجِزُوا مُطَاوِع حَجَزْته فَانْحَجَزَ وَهُوَ يَدُلّ عَلَى حَاجِز بَيْنهمْ وَهُوَ عَفْو مَنْ لَهُ الدَّم فَإِنَّهُ إِذَا عَفَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْحَجِزُوا
لِأَنَّ صَاحِب الدَّم قَدْ عَفَا وَهَذَا الْعَفْو لِحَقٍّ يَسْتَحِقّهُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ الْمَقْتُول وَإِنْ كَانَ اِمْرَأَة فَإِذَا عَفَتْ وَهِيَ أَوْلَى بِالْمَقْتُولِ فَقَدْ حَجَزَ عَفْوهَا بَيْنهمْ وَلَا يَجُوز لِلرِّجَالِ الْأَبَاعِد بَعْد ذَلِكَ الطَّلَب بِدَمِهِ وَقَدْ عَفَا عَنْهُ الْأَوْلَى مِنْهُمْ
فَقَدْ اِتَّضَحَ بِحَمْدِ اللَّه وَجْهه وَأَسْفَرَ صُبْح مَعْنَاهُ
وَعَلَى هَذَا فَيَكُون الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى فَاعِل فِعْل دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُور أَيْ يَحْجِز بَيْنهمْ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ اِمْرَأَة
وَتَرْجَمَة أَبِي دَاوُدَ تُشْعِر بِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَم
стр. 4099
وقال الأوزاعي وبن شُبْرُمَةَ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ وَعَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لَيْسَ لِلزَّوْجِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ عَفْوٌ فِي الدَّمِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَحِصْنٌ هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا أَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا نَسَبَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ حِصْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ويقال بن مُحْصَنٍ أَبُو حُذَيْفَةَ التَّرَاغِمِيُّ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ رَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ
٧ - (باب من قتل في عميا بين قوم)
هذا الباب إنما وقع ها هنا فِي نُسْخَةٍ وَسَائِرُ النُّسَخِ خَالِيَةٌ مِنْهُ
[٤٥٣٩] (عَنْ طَاوُسٍ قَالَ مَنْ قَتَلَ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ بن السَّرْحِ فَلَمْ يُرْفَعِ الْحَدِيثُ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عبيد فرفعه كما قال المؤلف
وقال بن عُبَيْدٍ إِلَخْ (مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيًّا) بِكَسْرِ عَيْنٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَقَصْرِ فِعِّيلَا مِنَ الْعَمَى كَالرِّمِّيَا مِنَ الرَّمْيِ أَيْ مَنْ قُتِلَ في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله وَلَا حَالُ قَتْلِهِ (فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ) هَذَا بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ تَرَامَى الْقَوْمُ فَوُجِدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ (فَهُوَ خَطَأٌ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ حَيْثُ يَجِبُ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ (وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأِ) أَيْ دِيَتُهُ دِيَةُ الْخَطَأِ (فَهُوَ قَوَدٌ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ فَحُكْمُهُ الْقِصَاصُ (وَقَالَ بن عُبَيْدٍ قَوَدُ يَدٍ) أَيْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظَ يَدٍ بَعْدَ قَوَدٍ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ فَحُكْمُ قَتْلِهِ قَوَدُ نَفْسِهِ وَعَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالْيَدِ مَجَازًا (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ محمد بن عبيد وبن السَّرْحِ (وَمَنْ حَالَ دُونَهُ) أَيْ صَارَ حَائِلًا وَمَانِعًا مِنَ الِاقْتِصَاصِ (لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَسَّرُوا الْعَدْلَ الْفَرِيضَةَ وَالصَّرْفَ التَّطَوُّعَ انْتَهَى
وَقِيلَ الصَّرْفُ التَّوْبَةُ وَالْعَدْلُ الفدية
стр. 4100
قَالَ فِي الْمَعَالِمِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ دِيَةُ هَذَا الْقَتِيلِ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ دِيَتُهُ عَلَى الَّذِينَ نَازَعُوهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ دِيَتُهُ عَلَى عَوَاقِلِ الْآخَرِينَ إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيَكُونَ قَسَامَةً وكذلك قال إسحاق
وقال بن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اقْتَتَلُوا مَعًا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَقْلُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالْقِصَاصُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ قَسَامَةٌ إِنِ ادَّعَوْهُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ طَائِفَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِلَّا فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَبِيلَةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهِمْ إِنْ لَمْ يَدَّعِ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى غَيْرِهِمُ انْتَهَى
[٤٥٤٠] (فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ) قَالَ المنذري يعني بن عُيَيْنَةَ يَعْنِي الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ الَّذِي قَبْلَهُ
وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ مَرْفُوعًا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَوْلُهُ خَطَأٌ وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ شِبْهَ خَطَأٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ كَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ يُرِيدُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ إِلَّا أَنَّ قَتِيلَ الْخَطَأِ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
٨ - (بَاب الدِّيَةِ كَمْ هِيَ)
الدِّيَةُ مَصْدَرُ وَدَى الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ إِذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ ثُمَّ قِيلَ لِذَلِكَ الْمَالِ الدِّيَةُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَجَعَلُوا فِي الْعَمْدِ الْقِصَاصَ وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةَ وَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ الدِّيَةَ مُغَلَّظَةً وَيَأْتِي تَفْصِيلُ الدِّيَةِ وَبَيَانُ تَغْلِيظِهَا فِي الْبَابِ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ كَالْمُحَدَّدِ مِنَ
следующие страницы →