Полный текст (4 665 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
[٤٤] (إبراهيم بن مَيْمُونَةَ) الْحِجَازِيِّ مَجْهُولُ الْحَالِ (هَذِهِ الْآيَةُ) وَالْمُشَارُ إِلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيهِ رجال الْآيَةَ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ أَيْ فِي سَاكِنِيهِ وَقُبَاءٌ بِضَمِّ الْقَافِ وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَمْدُودَةِ مَصْرُوفَةٌ وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْقَصْرِ وَعَدَمِ الصَّرْفِ مَوْضِعٌ بِمِيلَيْنِ أو ثلاثة من المدينة
قال بن الْأَثِيرِ هُوَ بِمَدٍّ وَصَرْفٍ عَلَى الصَّحِيحِ (يُحِبُّونَ أن يتطهروا) أَيْ يُحِبُّونَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فِي غَسْلِ الْأَدْبَارِ (قَالَ) أَبُو هُرَيْرَةَ (كَانُوا) أَيْ أَهْلُ قُبَاءٍ
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ
٤ - (بَاب الرَّجُلِ يَدْلُكُ يَدَهُ بِالْأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى لِتُزِيلَ الرَّائِحَةَ)
[٤٥] الْكَرِيهَةَ إِنْ بَقِيَتْ بَعْدَ الْغَسْلِ
(عَنِ الْمُغِيرَةِ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْمُغِيرَةِ بَيْنَ جَرِيرٍ وَأَبِي زُرْعَةَ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَقَدْ بَالَغْتُ فِي تَتَبُّعِهِ فَلَمْ أَعْرِفْ مَنْ هُوَ وَالَّذِي تَحَقَّقَ لِي أَنَّهُ غَلَطٌ بِثَلَاثَةِ وُجُوِهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَافِظَ جَمَالَ الدِّينِ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ أَبَى هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُغِيرَةَ وَهَذَا لَفْظُهُ أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ اسْمُهُ هَرَمٌ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ عُمَرُ
وإبراهيم بن جرير بن عبد اللهالبجلي عن بن أَخِيهِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ
стр. 37
رَكْوَةٍ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ عَنْ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ بِهِ
انْتَهَى
وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ فِي فَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ تَخْرِيجِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُغِيرَةَ فِي السَّنَدِ وَهَذَا لَفْظُهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
الْحَدِيثَ
الثَّانِي قَالَ الطَّبَرَانِيُّ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُغِيرَةَ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ
الثَّالِثُ قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ اطَّلَعْتُ عَلَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَلَمِيَّةٍ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلْمُغِيرَةِ بين جرير وأبي زرعة موافق لإسناد بن مَاجَهْ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذِكْرَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَزِيدِ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَإِمَّا وَهْمًا مِنَ النُّسَّاخِ
انْتَهَى
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي مَنْهِيَّةِ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالرَّابِعُ أَنِّي طَالَعْتُ كِتَابَ رِجَالِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لِلْحَافِظِ وَلِيِّ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ شَيْخِنَا أَحْمَدَ الشَّرْقِيِّ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ ذِكْرَ الْمُغِيرَةِ
(فِي تَوْرٍ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ يُشْرَبُ مِنْهُ وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ ويؤكل منه الطعام
قاله الطيبي
وفي المتوسط فيه جواز التوضىء بِآنِيَةِ الصُّفْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ (أَوْ رَكْوَةٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ ظَرْفٌ مِنْ جِلْدٍ أَيْ دَلْوٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُشْرَبُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْجَمْعُ رِكَاءٌ وَأَوْ لِلشَّكِّ لِلرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْتِيهِ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا (ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ) لِيَتَوَضَّأَ بِهِ (فَتَوَضَّأَ) بِالْمَاءِ ليس المعنى أنه لا يجوز التوضىء بِالْمَاءِ الْبَاقِي مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ بِالْإِنَاءِ الَّذِي اسْتَنْجَى بِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِإِنَاءٍ آخَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَوَّلِ شَيْءٌ أَوْ بَقِيَ قليل والإتيان بالإناء الآخراتفاقي كَانَ فِيهِ الْمَاءُ فَأَتَى بِهِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ إِنَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ غَيْرَ إِنَاءِ الْوَضُوءِ (وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمُّ) مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ وَحَدِيثُ وَكِيعٍ أَقْصَرُ مِنْ حَدِيثِ الأسود
أخرج النسائي وبن مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَلَمَّا اسْتَنْجَى دَلَكَ يده بالأرض انتهى
قال المنذري وأخرجه بن ماجة
стр. 38
٢٥ - (بَاب السِّوَاكِ)
[٤٦] بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّوَاكُ مَا تُدْلَكُ بِهِ الْأَسْنَانُ مِنَ الْعِيدَانِ مِنْ سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ إِذَا دَلَكَهُ بِالسِّوَاكِ فَإِذَا لَمْ تَذْكُرِ الْفَمَ قُلْتَ اسْتَاكَ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الفعل والآلة والأول هو المراد ها هنا وَجَمْعُهُ سُوُكٌ كَكُتُبٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِعُودٍ مِنْ أَرَاكٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ عَرْضًا لَا طُولًا لِئَلَّا يُدْمِي لَحْمَ أَسْنَانِهِ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ يَكُونَ عَرْضًا وَفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ
(يَرْفَعُهُ) هَذِهِ مَقُولَةُ الْأَعْرَجِ أَيْ يَقُولُ الْأَعْرَجُ يَرْفَعُ أَبُو هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهَذِهِ صِيغَةٌ يُكَنَّى بِهَا عَنْ صَرِيحِ الرَّفْعِ فَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْمَرْفُوعِ الْحُكْمِيِّ كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَافِظُ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (لَوْلَا) مَخَافَةُ (أَنْ أَشُقَّ) مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وجوبا أي لولا المشقة موجود (بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ) إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ لَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
(وَبِالسِّوَاكِ) أَيْ لَأَمَرْتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ آلَةٌ وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَكَى فِي الْمُحْكَمِ تَأْنِيثَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ بِلَفْظِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ الْحَافِظُ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوِ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غيره ولا النَّافِيَةُ فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفَىَ الْأَمْرَ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ
وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ جَعَلَ
стр. 39
الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَ وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فيه بالإجماع لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ
هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الأمر به فعند بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَضْلَ السِّوَاكِ فَقَطْ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ الْفَضْلَيْنِ وَأَخْرَجَ بن مَاجَهْ فَضْلَ الصَّلَاةِ وَأَخْرَجَ فَضْلَ السِّوَاكِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فَضْلَ السِّوَاكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
انْتَهَى
[٤٧] (الْجُهَنِيِّ) الْمَدَنِيِّ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) أَيْ لَوْلَا مَخَافَةُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ لَأَمَرْتُهُمْ بِهِ لَكِنْ لَمْ آمُرْ بِهِ وَلَمْ أَفْرِضْ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ خَوْفِ الْمَشَقَّةِ (وَإِنَّ السِّوَاكَ) أَيْ مَوْضِعَ السِّوَاكِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِتَصْحِيحِ الْحَمْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ البر من آمن بالله أَيْ وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ أَوْ وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ (مِنْ أُذُنِهِ) حَالٌ مِنَ الِاسْمِ الْمُضَافِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ (مَوْضِعُ الْقَلَمِ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ إِنَّ (مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ) حَالٌ مِنَ الْخَبَرِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ أَيْ إِنَّ مَوْضِعَ السِّوَاكِ الْكَائِنَ مِنْ أُذُنِ زَيْدٍ مَوْضِعُ الْقَلَمِ الْكَائِنِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ أَيْ يَضَعُ السِّوَاكَ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ أَوْ تَقْدِيرُ أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ الْمَوْضُوعِ عَلَى أُذُنِ الْكَاتِبِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ (اسْتَاكَ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَحَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْفَضْلَيْنِ
وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
стр. 40
[٤٨] (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بْنِ يَسَارٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ثِقَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ (حَبَّانَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (قُلْتُ) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَرَأَيْتَ) مَعْنَاهُ الِاسْتِخْبَارُ أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ كَذَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ فِي الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ تَقُولُ أَرَأَيْتَ وَأَرَأَيْتُكَ وَأَرَأَيْتُكُمَا وَأَرَأَيْتُكُمْ وَاسْتِعْمَالُ أَرَأَيْتَ فِي الْإِخْبَارِ مَجَازٌ أَيْ أَخْبِرُونِي عَنْ حَالَتِكُمُ الْعَجِيبَةِ وَوَجْهُ الْمَجَازِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ سَبَبًا لِلْإِخْبَارِ عَنْهُ أَوِ الْإِبْصَارُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْإِحَاطَةِ بِهِ عِلْمًا وَإِلَى صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ اسْتُعْمِلَتِ الصِّيغَةُ الَّتِي لِطَلَبِ الْعِلْمِ أو لطلب الإبصار في طلب الخير لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّلَبِ فَفِيهِ مَجَازَانِ اسْتِعْمَالُ رَأَى الَّتِي بِمَعْنَى عَلِمَ أَوْ أَبْصَرَ فِي الْإِخْبَارِ وَاسْتِعْمَالُ الْهَمْزَةِ الَّتِي هِيَ لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ فِي طَلَبِ الْإِخْبَارِ
قَالَ أَبُو حِبَّانَ فِي النَّهْرِ وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ التَّاءَ هِيَ الْفَاعِلُ وَمَا لَحِقَهَا حَرْفُ خِطَابٍ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُخَاطَبِ وَمَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ التَّاءُ وَأَنَّ أَدَاةَ الْخِطَابِ اللَّاحِقَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَمَذْهَبُ الْفَرَّاءِ أَنَّ التَّاءَ هِيَ حَرْفُ خِطَابٍ كَهِيَ فِي أَنْتِ وَأَنَّ أَدَاةَ الْخِطَابِ بَعْدَهُ هِيَ فِي مَوْضِعِ الْفَاعِلِ اسْتُعِيرَتْ فِيهِ ضَمَائِرُ النَّصْبِ لِلرَّفْعِ وَلَا يَلْزَمُ عَنْ كَوْنِ أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي أَنْ يَتَعَدَّى تَعْدِيَتَهُ لِأَنَّ أَخْبِرْنِي يَتَعَدَّى بِعَنْ تَقُولُ أَخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ وَأَرَأَيْتَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ بِهِ صَرِيحٍ وَإِلَى جُمْلَةٍ اسْتِفْهَامِيَّةٍ هِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ فَمَا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ مُبْتَدَأٌ وَصَنَعَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ وَيَرِدُ عَلَى مَذْهَبِ الْكِسَائِيِّ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا فَعَلَ فَلَوْ جَعَلْتَ الْكَافَ مَفْعُولًا لَكَانَتِ الْمَفَاعِيلُ ثَلَاثَةً وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْعُولًا لَكَانَ هُوَ الْفَاعِلَ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ بَلْ أَرَأَيْتَ غَيْرَكَ وَلِذَلِكَ قُلْتُ أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا وَزَيْدٌ لَيْسَ هُوَ الْمُخَاطَبُ وَلَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ كَلَامًا حَسَنًا رَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ فَإِنَّهُ مَتِينٌ نَافِعٌ قَالَ لِلْعَرَبِ فِي أَرَأَيْتَ لُغَتَانِ وَمَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْعَيْنِ فَإِذَا أَرَدْتَ هَذَا عَدَّيْتَ الرُّؤْيَةَ بِالضَّمِيرِ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَتَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ سَائِرِ الْأَفْعَالِ تَقُولُ لِلرِّجَالِ أَرَأَيْتُكَ عَلَى غير هذه الحال تزيد هَلْ رَأَيْتَ نَفْسَكَ ثُمَّ تُثَنَّى وَتُجْمَعُ فَتَقُولُ أَرَأَيْتُمَا كَمَا أَرَأَيْتُمُوكُمْ أَرَأَيْتُكُنَّ
الْمَعْنَى الْآخَرُ أَنْ تَقُولَ أَرَأَيْتُكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ مَعْنَى أَخْبِرْنِي كَقَوْلِكَ أَرَأَيْتُكَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا مَاذَا تَفْعَلُ أَيْ أَخْبِرْنِي وَتُتْرَكُ التَّاءُ إِذَا أَرَدْتَ هَذَا الْمَعْنَى مُوَحَّدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ
تَقُولُ أَرَأَيْتُكُمَا أَرَأَيْتُكُمْ أَرَأَيْتُكُنَّ وَإِنَّمَا تَرَكَتِ الْعَرَبُ التَّاءَ وَاحِدَةً لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ وَاقِعًا مِنَ الْمُخَاطَبِ عَلَى نَفْسِهِ فَاكْتَفَوْا مِنْ عَلَاقَةِ الْمُخَاطَبِ بِذِكْرِهَا فِي الْكَافِ وَتَرَكُوا التَّاءَ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّوْحِيدِ مُفْرَدَةً إِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ وَاقِعًا
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْمَنْصُوبِ أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَفْعُولٌ أَوَّلٌ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ
стр. 41
نصب سادة مسد المفعول الثاني
وقال بن كيسان إن الجملة الاستفهامية في أرأيتك زَيْدًا مَا صَنَعَ بَدَلٌ مِنْ أَرَأَيْتُكَ
وَقَالَ الْأَخْفَشُ إِنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ أَرَأَيْتَ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي مِنَ الِاسْمِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهُ وَيَلْزَمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَهُ الِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّ أَخْبِرْنِي مُوَافِقٌ لِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ جَمَلٍ في حاشيته على تفسير الجلالين
(توضىء بن عُمَرَ) بِكَسْرِ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ بِصُورَةِ الْيَاءِ
قَالَ النَّوَوِيُّ صَوَابُهُ تَوَضُّؤَ بِضَمِّ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ بِصُورَةِ الْوَاوِ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنَ التَّفَعُّلِ (طَاهِرًا) أَيْ سواء كان بن عُمَرَ طَاهِرًا (وَغَيْرَ طَاهِرٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (عَمَّ ذَاكَ) بِإِدْغَامِ نُونِ عَنْ فِي مِيمِ مَا سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِهِ (فَقَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (حَدَّثَتْنِيهِ) أَيْ فِي شَأْنِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ (أُمِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ) أَيِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَفِي التَّوَسُّطِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَهَذَا الْأَمْرُ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ لَهُ خَاصًّا بِهِ أَوْ شَامِلًا لِأُمَّتِهِ وَيَحْتَمِلُ كَوْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا بأن تكون الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا
انْتَهَى
قُلْتُ وَهَكَذَا فَهِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ
أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ الْآيَةَ (أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَاسْتَدَلَّ بِهِ من أوجب السواك لكل صلاة (فكان بن عُمَرَ يَرَى) هَذِهِ مَقُولَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ (بِهِ) أَيْ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْجَارُّ مَعَ مَجْرُورِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِأَنَّ (قُوَّةً) عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ اسْمُهُ الْمُؤَخَّرُ وَالْجُمْلَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ مَفْعُولَيْ يَرَى وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ وظاهره أن سبب توضىء بن عُمَرَ وُرُودُ الْأَمْرِ قَبْلَ النَّسْخِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ (لَا يَدَعُ) مِنْ وَدَعَ يَدَعُ أَيْ لَا يَتْرُكُ
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مَعَ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وأحمد والنسائي وصححه بن خُزَيْمَةَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وضوء
стр. 42
تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْعِبَارَةِ بِأَنْ يُقَالَ أَيْ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ صَلَاةٍ كَمَا قَدَّرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَلْ فِي هَذَا رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَهِيَ السِّوَاكُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْمَلَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَتَمَشَّى هَذَا التَّعْلِيلُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَاكَ ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَسْتَاكَ
انْتَهَى
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَسْتَاكَ ثُمَّ يَدْخُلَ وَيُصَلِّيَ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ كَيْفَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ كَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُوُكُهُمْ خَلْفَ آذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَرُوحُونَ وَالسِّوَاكُ عَلَى آذَانِهِمْ
(رَوَاهُ) أَيِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ (قَالَ) أَيْ إِبْرَاهِيمُ (عُبَيْدُ اللَّهِ) مُصَغَّرًا لَا مُكَبَّرًا وَأَخْرَجَهُ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ
انْتَهَى
٦ - (بَاب كيف يستاك على لسانه)
[٤٩] (أَبِي بُرْدَةَ) أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ (أَبِيهِ) أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ) أَبُو مُوسَى (نَسْتَحْمِلُهُ) أَيْ نَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُمْلَانَهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ أَبِي مُوسَى حِينَ جَاءَ هُوَ وَنَفَرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَحَلَفَ لَا يَحْمِلُهُمْ ثُمَّ جَاءَهُ إِبِلٌ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا وَقَالَ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا
стр. 43
خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي الْحَدِيثَ (قَالَ) أَبُو مُوسَى (عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ) أَيْ طَرَفِهِ الدَّاخِلِ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ يَسْتَنُّ إِلَى فَوْقُ (يَقُولُ إِهْ إِهْ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أُعْ أُعْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَلِلْجَوْزَقِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَ الهمزة المكسورة
قال الحافظ ورواية أعأع أَشْهَرُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ لِتَقَارُبِ مَخَارِجِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِكَايَةِ صَوْتِهِ إِذْ جَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ (يَعْنِي يَتَهَوَّعُ) وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ دُونَ أَبِي مُوسَى وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ أَرَاهُ يَعْنِي يَتَهَوَّعُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ وَهَذَا يَقْتَضِي أنه من مقولة أبي موسى والتهوع التقيء أي له صوت كصوت المتقيىء عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ عَلَى اللِّسَانِ طُولًا وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَرْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ بَيَانِهِ (قَالَ مُسَدَّدٌ كَانَ) أَيِ الْمَذْكُورُ (اخْتَصَرَهُ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمَ
قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ كَذَا فِي أَصْلِنَا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَنَقَلَ عَنْ عَامَّةِ النُّسَخِ اخْتَصَرْتُهُ انْتَهَى
قُلْتُ وَالَّذِي فِي عَامَّةِ النُّسَخِ هُوَ الصَّحِيحُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
([٥٠] بَاب في الرجل)
إلخ (يَسْتَنُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ السِّنِّ بِالْكَسْرِ أَوِ الْفَتْحِ إِمَّا لِأَنَّ السِّوَاكَ يَمُرُّ عَلَى الْأَسْنَانِ أَوْ لِأَنَّهُ يَسُنُّهَا أَيْ يُحَدِّدُهَا يُقَالُ سَنَنْتُ الْحَدِيدَ أَيْ حَكَكْتُهُ عَلَى الْحَجَرِ حَتَّى يَتَحَدَّدَ وَالْمِسَنُّ بكسر الميم الحجر الذي يمد عَلَيْهِ السِّكِّينُ
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ (أَنْ كَبِّرْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ نَائِبُ فَاعِلِ أَوْحَى أَيْ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ فَضْلَ السِّوَاكِ وَحَقَّهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ
وَمَعْنَى كَبِّرْ أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ سِنًّا فِي إِعْطَاءِ السِّوَاكِ
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ وَيُلْتَحَقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ وَهَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي
стр. 44
الْجُلُوسِ فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ
وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ بِرِضَاهُ الصَّرِيحِ أَوِ الْعُرْفِيِّ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ (أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي
كَذَا فِي الشَّرْحِ
وَقَالَ فِي مَنْهِيَّةِ الشَّرْحِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ ها هنا هذه العبارة قال أحمد هو بن حزم قال لنا أبو سعيد هو بن الْأَعْرَابِيِّ
هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
انتهى
قُلْتُ أَحْمَدُ هُوَ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنُ حَزْمٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ وَجِيهُ الدِّينِ أَبُو الضِّيَاءِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنُ عُمَرَ الدَّيْبَعُ الشَّيْبَانِيُّ فِي ثَبْتِهِ وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ بِشْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَحَدُ رُوَاةِ السُّنَنِ لِلْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ وَكَانَتْ هذه العبارة في نسخة بن الْأَعْرَابِيِّ فَبَعْضُ النُّسَّاخِ لِرِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ اطَّلَعَ عَلَى رواية بن الأعرابي فأدرجها في نسخة اللؤلؤي
وغرض بن الْأَعْرَابِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُتَفَرِّدَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ
قَالَ المنذري وأخرج مسلم معناه من حديث بن عُمَرَ مُسْنَدًا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا
٨ - (بَابُ غَسْلِ السِّوَاكِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ)
[٥٢] لِلنَّظَافَةِ وَدَفْعِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْفَمِ لِئَلَّا يَنْفِرَ الطَّبْعُ عَنْهُ فِي الاستعمال مرة أخرى
(لِأَغْسِلَهُ) أَيِ السِّوَاكَ لِلتَّطَيُّبِ وَالتَّنْظِيفِ (فَأَبْدَأُ بِهِ) أَيْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي فَمِي قَبْلَ الْغَسْلِ لِيَصِلَ بَرَكَةُ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ وَالْحَدِيثُ فِيهِ ثُبُوتُ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَالتَّلَذُّذِ بِهَا وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ جَائِزٌ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ السِّوَاكِ
стр. 45
٢٩ - (بَابُ السِّوَاكِ مِنَ الْفِطْرَةِ)
[٥٣] بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ السنة القديمة للأنبياء السابقين
(يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ مَشْهُورٌ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ويحيى بن سعد الْقَطَّانِ وَجَمَاعَةٍ وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَخَلَائِقُ
قَالَ أَحْمَدُ كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ يَحْيَى فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو سليمان الخطابي فسرأكثر الْعُلَمَاءِ الْفِطْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالسُّنَّةِ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَبِهُدَاهُمُ اقتده وَأَوَّلُ مَنْ أُمِرَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال بن عَبَّاسٍ أَمَرَهُ بِعَشْرِ خِصَالٍ ثُمَّ عَدَّدَهُنَّ فَلَمَّا فعلهن قال إني جاعلك للناس إماما لِيُقْتَدَى بِكَ وَيُسْتَنَّ بِسُنَّتِكَ وَقَدْ أُمِرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِمُتَابَعَتِهِ خُصُوصًا وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حنيفا وَيُقَالُ كَانَتْ عَلَيْهِ فَرْضًا وَهُنَّ لَنَا سُنَّةٌ (قَصُّ الشَّارِبِ) أَيْ قَطْعُ الشَّعْرِ النَّابِتِ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِلَفْظِ الْحَلْقِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْخَاتَمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) هُوَ إِرْسَالُهَا وَتَوْفِيرُهَا
وَاللِّحْيَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ شَعْرُ الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَفِّرُوا اللِّحَى وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ أَوْفُوا اللِّحَى وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْفُرْسِ قَصُّ اللِّحْيَةِ فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ ذلك وأمر بإعفائها (والسواك) لأنه مطهرة الفم مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ) أَيْ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى خَيَاشِيمِهِ يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ الشَّرْعُ بِاسْتِحْبَابِهِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِيقَاظِ وَعَلَى مُطْلَقِهِ وَعَلَى حَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ بِاجْتِمَاعِ أَوْسَاخٍ فِي الْأَنْفِ وَكَذَا السِّوَاكُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا (وَقَصُّ الْأَظْفَارِ) جَمْعُ ظُفُرٍ أَيْ تَقْلِيمُهَا (الْبَرَاجِمُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِالْجِيمِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا كُلُّهَا (وَنَتْفُ الْإِبْطِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ
стр. 46
وَسُكُونِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةُ فِيهِ بِالْيُمْنَى وَيَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْحَلْقِ ولاسيما مَنْ يُؤْلِمُهُ النَّتْفُ
قَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ مُوجِعٌ وَلَكِنْ يَسْهُلُ عَلَى مَنِ اعْتَادَهُ
قَالَ وَالْحَلْقُ كَافٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي نَتْفِهِ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَإِنَّمَا يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَخِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بِالْعَرَقِ فَشُرِعَ فِيهِ النَّتْفُ الَّذِي يُضْعِفُهُ فَتُخَفَّفُ الرَّائِحَةُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ يُكْثِرُ الرائحة
وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ مَنْ نَظَرَ إِلَى اللَّفْظِ وَقَفَ مَعَ النَّتْفِ وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى أَجَازَهُ بِكُلِّ مُزِيلٍ (وَحَلْقُ الْعَانَةِ) قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ الَّذِي فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ وَكَذَا الشَّعْرُ الَّذِي حَوَالَيْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبُرِ فَتَحَصَّلَ عَنْ مَجْمُوعِ هَذَا اسْتِحْبَابُ حَلْقِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ والدبر وحولهما لكن قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْفَرْجِ وَقِيلَ هُوَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ فَكَأَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ
قَالَ وَالْأَوْلَى في إزالة الشعر ها هنا الْحَلْقُ اتِّبَاعًا (يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ) هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ وَكِيعٍ كَمَا بَيَّنَهُ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَسَّرَهُ وَكِيعٌ بِالِاسْتِنْجَاءِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي غَسْلِ الْمَذَاكِيرِ
قَالَ النَّوَوِيُّ انْتِقَاصٌ بِالْقَافِ وَالصَّادِ هُوَ الِانْتِضَاحُ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ الِانْتِضَاحُ بَدَلَ انْتِقَاصِ الْمَاءِ
قَالَ الْجُمْهُورُ الِانْتِضَاحُ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ
انتهى
وقال في القاموس الانتفاص بِالْفَاءِ رَشُّ الْمَاءِ مِنْ خَلَلِ الْأَصَابِعِ عَلَى الذَّكَرِ وَالِانْتِقَاصُ بِالْقَافِ مِثْلُهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْمَاءِ خَاصِّيَّةُ قَطْعِ الْبَوْلِ (أَنْ تَكُونَ) الْعَاشِرَةُ (الْمَضْمَضَةَ) فَهَذَا شَكٌّ مِنْ مُصْعَبٍ فِي الْعَاشِرَةِ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَعَلَّهَا الْخِتَانُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْخَمْسِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ أَوْلَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
[٥٤] (عَنْ سَلَمَةَ) الْمَدَنِيِّ مَجْهُولِ الْحَالِ (قَالَ مُوسَى) بْنُ إِسْمَاعِيلَ (عَنْ أَبِيهِ) مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ ياسر العنسى ذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلٌ لِأَنَّ أَبَاهُ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ
انْتَهَى (وَقَالَ دَاوُدُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وحديثه عن جده عمار
стр. 47
قال بن مَعِينٍ مُرْسَلٌ
وَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَرَ جَدَّهُ
انْتَهَى
وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ إِنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمَّارٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَإِنْ روى عن جده عمارا (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) أَيْ ذَكَرَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَمُحَمَّدٌ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَمَامُ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ قَالَ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَالِانْتِضَاحُ وَالِاخْتِتَانُ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَحَدُهُمَا فِي حَدِيثِهِ (وَزَادَ) أَحَدُهُمَا (قَالَ) أَيْ أَحَدُهُمَا وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ وَانْتِقَاصِ الْمَاءِ وَزَادَ فِيهِ الْخِتَانَ وَالِانْتِضَاحَ وَهُوَ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسُ (وَرُوِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ (الْفَرْقَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ أَنْ يَقْسِمَ رَأْسَهُ نِصْفًا مِنْ يَمِينِهِ وَنِصْفًا مِنْ يساره (ولم يذكر) بن عباس وهذا الأثر وصل عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن بن طاوس عن أبيه عن بن عباس وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قَالَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ فِي الرَّأْسِ قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ وَفِي الْجَسَدِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ (رُوِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (قَوْلُهُمْ) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ (رُوِيَ) أَيْ قَوْلُ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ وَبَكْرٍ الْمُزَنِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ دُونَ مُتَّصِلٍ مَرْفُوعٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا هَؤُلَاءِ فِي حَدِيثِهِمْ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (وَذَكَرَ) أَيْ إِبْرَاهِيمُ فِي رِوَايَتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن ماجه
стр. 48
(باب السواك)
[٥٥] إلخ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ عَامٌّ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ بِمَا إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ إِذَا قَامَ للتهجد ولمسلم نحوه وكذا في بن مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ (يَشُوصُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ دَلْكُ الْأَسْنَانِ بِالسِّوَاكِ عرضا
قاله بن الْأَعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ هُوَ الْغَسْلُ
قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ (فَاهُ بِالسِّوَاكِ) لِأَنَّ النَّوْمَ يَقْتَضِي تَغَيُّرَ الْفَمِ فَيُسْتَحَبُّ تَنْظِيفُهُ عِنْدَ مُقْتَضَاهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن ماجه
[٥٦] (وضوؤه) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ (تَخَلَّى) أَيْ قَضَى حَاجَتَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ
[٥٧] (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ) بْنِ جُدْعَانَ فِيهِ مَقَالٌ (عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ) وَاسْمُهَا أُمَيَّةُ أَوْ أَمِينَةُ هِيَ زَوْجَةُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ تَفَرَّدَ عَنْهَا رَبِيبُهَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ مَجْهُولَةٌ (لَا يَرْقُدُ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ لَا يَنَامُ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَقَدَ نَامَ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِنَوْمِ اللَّيْلِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
стр. 49
[٥٨] (بِتُّ) مُتَكَلِّمٌ مِنْ بَاتَ أَيْ نِمْتُ (طَهُورَهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ
(ثُمَّ تَلَا) أَيْ قَرَأَ بَعْدَ الِاسْتِيَاكِ (هَذِهِ الْآيَاتِ) مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لَآيَاتٌ دَلَالَاتٌ لِأُولِي الألباب لذوي العقول (أو) شك من بن عَبَّاسٍ (مُصَلَّاهُ) أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اتَّخَذَهُ لِصَلَاتِهِ (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) فَصَارَ مَجْمُوعُ صَلَاتِهِ ﷺ سِتَّ رَكَعَاتٍ (كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ (ثُمَّ أَوْتَرَ) أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ (رَوَاهُ) أَيِ الْحَدِيثَ المذكور (قال) أي بن عَبَّاسٍ (حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ) مِنْ غَيْرِ شَكٍّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ كريب عن بن عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
انْتَهَى
(قَالَ) أَيْ شُرَيْحٌ (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ) مِنَ الْأَفْعَالِ (بِالسِّوَاكِ) فِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ السِّوَاكِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَتَكْرَارِهِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَكَذَا لَيْسَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ وَلَا الْخَطَّابِيِّ وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ فَفِي بَعْضِهَا فِي هَذَا الْبَابِ
стр. 50
أَيْ فِي بَابِ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ وَفِي بَعْضِهَا فِي بَابِ الرَّجُلُ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ الْحَدِيثُ تَرْجَمَةَ الْبَابَيْنِ فَرَجَعْتُ إِلَى جَامِعِ الْأُصُولِ لِلْحَافِظِ بن الْأَثِيرِ فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بَلْ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ مسلم وأما الإمام بن تَيْمِيَّةَ فَنَسَبَهُ فِي الْمُنْتَقَى إِلَى الْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ وَكَذَا الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الدَّمِيرِيِّ في ديباجة حاشية بن ماجه نسبه إلى بن مَاجَهْ وَغَيْرِهِ فَازْدَادَ إِشْكَالًا ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِمُطَالَعَةِ تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ لِلْحَافِظِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ فَرَأَيْتُهُ أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى مسلم وأبي داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَّةَ
انْتَهَى
فَعُلِمَ أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةَ الْبَابَيْنِ هُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ أَصْلًا وإنما درجه الناسخ فيها من رواية بن دَاسَّةَ فَخَلَطَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَسْتَاكُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْبَيْتَ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَاكَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ
١ - (بَاب فَرْضِ الْوُضُوءِ)
[٥٩] أَيِ الْوُضُوءُ فَرْضٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ
(مِنْ غُلُولٍ) ضبطه النووي ثم بن سَيِّدِ النَّاسِ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْغُلُولُ الْخِيَانَةُ خِفْيَةٌ فَالصَّدَقَةُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهُورٍ
انْتَهَى
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الْغُلُولُ هُوَ الْخِيَانَةُ مُطْلَقًا وَالْحَرَامُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْغُلُولُ الْخِيَانَةُ وَأَصْلُهُ السَّرِقَةُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ
انْتَهَى (بِغَيْرِ طَهُورٍ) قال بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهُوَ بِضَمِّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَبِفَتْحِهَا عِبَارَةٌ عن الماء
وقال بن الْأَثِيرِ الطُّهُورُ بِالضَّمِّ التَّطَهُّرُ وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ الطَّهُورُ بِالْفَتْحِ يَقَعُ عَلَى الْمَاءِ وَالْمَصْدَرِ مَعًا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وضمها والمراد التطهر
انتهى
وضبطه بن سَيِّدِ النَّاسِ بِضَمِّ الطَّاءِ لَا غَيْرُ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَبُولُ اللَّهِ الْعَمَلَ هُوَ رِضَاهُ وَثَوَابُهُ عَلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن ماجه وأخرجه مسلم والترمذي وبن ماجه من حديث بن عُمَرَ ﵄ وَالصَّلَاةُ فِي حَدِيثِ جَمِيعِهِمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ
انْتَهَى
стр. 51
[٦٠] (إِذَا أَحْدَثَ) أَيْ وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ أَوِ الْأَصْغَرُ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) أَيْ إِلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَتُقْبَلُ حِينَئِذٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوِ اضْطِرَارِيًّا لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَدَثٍ وَحَدَثٍ وَحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
[٦١] (عَنْ بن عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةَ نُسِبَ إِلَيْهَا وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْيَمَامَةِ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَقِيلَ كَانَتْ أَمَةً لِبَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ) بالضم وبفتح
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي باب فرض الوضوء قوله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم
اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى ثَلَاثَة أَحْكَام
الْحُكْم الْأَوَّل أَنَّ مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَالْمِفْتَاح مَا يُفْتَح بِهِ الشَّيْء الْمُغْلَق فَيَكُون فَاتِحًا لَهُ وَمِنْهُ مِفْتَاح الْجَنَّة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَوْله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور يُفِيد الْحَصْر وَأَنَّهُ لَا مِفْتَاح لَهَا سِوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدهمَا حَصْر الْمُبْتَدَأ فِي الْخَبَر إِذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ
فَإِنَّ الْخَبَر لَا بُدّ وَأَنْ يَكُون مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أَوْ أَعَمّ مِنْهُ وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون أَخَصّ مِنْهُ
فَإِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأ مُعَرَّفًا بِمَا يَقْتَضِي عُمُومه كَاللَّامِ وَكُلّ وَنَحْوهمَا ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ بِخَبَرٍ اِقْتَضَى صِحَّة الْإِخْبَار أَنْ يَكُون إِخْبَارًا عَنْ جَمِيع أَفْرَاد الْمُبْتَدَأ فَإِنَّهُ لَا فَرْد مِنْ أَفْرَاده إِلَّا وَالْخَبَر حَاصِل لَهُ
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا لَزِمَ الْحَصْر وَإِنَّهُ لَا فَرْد مِنْ أَفْرَاد مَا يُفْتَتَح بِهِ الصَّلَاة إِلَّا وَهُوَ الطَّهُور
فَهَذَا أَحَد الطَّرِيقَيْنِ
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُبْتَدَأ مُضَاف إِلَى الصَّلَاة وَالْإِضَافَة تَعُمّ
فَكَأَنَّهُ قِيلَ جَمِيع مِفْتَاح الصَّلَاة هُوَ الطَّهُور
وَإِذَا كَانَ الطَّهُور هُوَ جَمِيع مَا يُفْتَح بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِفْتَاح غَيْره
وَلِهَذَا فَهِمَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالْأُمَّة أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أَنَّهُ عَلَى الْحَصْر أَيْ مَجْمُوع أَجَلهنَّ الَّذِي لَا أَجَل لَهُنَّ سِوَاهُ
وَضْع الْحَمْل
وَجَاءَتْ السُّنَّة مُفَسِّرَة لِهَذَا الْفَهْم مُقَرِّرَة لَهُ بِخِلَافِ قَوْله ﴿وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ﴾ فَإِنَّهُ فِعْل لَا عُمُوم له بل
стр. 52
وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الطُّهُورَ مِفْتَاحًا مَجَازًا لِأَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ فَالْحَدَثُ كَالْقُفْلِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّ الْغَلْقُ وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا النُّبُوَّةُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ أَبْوَابَ الجنة مغلقة يفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة
قاله بن الْعَرَبِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ قَوْلِهِمَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَهَذَا مذهب باطل
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
هُوَ مُطْلَق وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاة لَا يُمْكِن الدُّخُول فِيهَا إِلَّا بِالطَّهُورِ
وَهَذَا أَدَلّ عَلَى الِاشْتِرَاط مِنْ قَوْله لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة أَحَدكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ نَفْي الْقَبُول قَدْ يَكُون لِفَوَاتِ الشَّرْط وَعَدَمه
وَقَدْ يَكُون لِمُقَارَنَةِ مُحَرَّم يَمْنَع مِنْ الْقَبُول كَالْإِبَاقِ وَتَصْدِيق الْعَرَّاف وَشُرْب الْخَمْر وَتَطَيُّب الْمَرْأَة إِذَا خَرَجَتْ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوه
الثَّانِي أَنَّ عَدَم الِافْتِتَاح بِالْمِفْتَاحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل لَهُ الدُّخُول فِيهَا وَأَنَّهُ مَصْدُود عَنْهَا كَالْبَيْتِ الْمُقْفَل عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُوله بِغَيْرِ مِفْتَاح
وَأَمَّا عَدَم الْقَبُول فَمَعْنَاهُ عَدَم الِاعْتِدَاد بِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُرَتَّب عَلَيْهَا أَثَرهَا الْمَطْلُوب مِنْهَا بَلْ هِيَ مَرْدُودَة عَلَيْهِ
وَهَذَا قَدْ يَحْصُل لِعَدَمِ ثَوَابه عَلَيْهَا وَرِضَا الرَّبّ عَنْهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُعَاقِبهُ عَلَيْهَا عُقُوبَة تَارِكهَا جُمْلَة بَلْ عُقُوبَة تَرْك ثَوَابه وَفَوَات الرِّضَا لَهَا بَعْد دُخُوله فِيهَا
بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَفْتَحهَا أَصْلًا بِمِفْتَاحِهَا فَإِنَّ عُقُوبَته عَلَيْهَا عُقُوبَة تَارِكهَا
وَهَذَا وَاضِح
فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ فِي الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَادِم الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِر عَلَى أَحَدهمَا لِأَنَّ صَلَاته غَيْر مُفْتَتَحَة بِمِفْتَاحِهَا فَلَا تُقْبَل مِنْهُ قِيلَ قَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ وَلَا حُجَّة فِيهِ
وَلَا بُدّ مِنْ تَمْهِيد قَاعِدَة يَتَبَيَّن بِهَا مَقْصُود الْحَدِيث وَهِيَ أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله أَوْ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْعِبَادَةِ أَوْ رُكْنًا فِيهَا أَوْ وَقْف صِحَّتهَا عَلَيْهِ هُوَ مُقَيَّد بِحَالِ الْقُدْرَة لِأَنَّهَا الْحَال الَّتِي يُؤْمَر فِيهَا بِهِ
وَأَمَّا فِي حَال الْعَجْز فَغَيْر مَقْدُور وَلَا مَأْمُور فَلَا تَتَوَقَّف صِحَّة الْعِبَادَة عَلَيْهِ
وَهَذَا كَوُجُوبِ الْقِيَام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود عِنْد الْقُدْرَة وَسُقُوط ذَلِكَ بِالْعَجْزِ وَكَاشْتِرَاطِ سَتْر الْعَوْرَة وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة عِنْد الْقُدْرَة وَيَسْقُط بِالْعَجْزِ
وقد قال لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة حَائِض إِلَّا بِخِمَارٍ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْخِمَار صَلَّتْ بِدُونِهِ وَصَحَّتْ صَلَاتهَا
وَكَذَلِكَ قَوْله لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة أَحَدكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ فَإِنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوء صَلَّى بِدُونِهِ وَكَانَتْ صَلَاته مقبولة
وكذلك قوله لا تجزىء صَلَاة لَا يُقِيم الرَّجُل فِيهَا صُلْبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِنَّهُ لَوْ كُسِرَ صُلْبه وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِقَامَته أَجْزَأْته صَلَاته وَنَظَائِره كَثِيرَة فَيَكُون الطَّهُور مِفْتَاح الصَّلَاة هُوَ مِنْ هَذَا
стр. 53
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ وَلَوْ صَلَّى مُحْدِثًا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَلَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكْفُرُ لِتَلَاعُبِهِ
انْتَهَى (وَتَحْرِيمُهَا التكبير وتحليلها
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَكِنْ هُنَا نَظَر آخَر وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِن اِعْتِبَار الطَّهُور عِنْد تَعَذُّره فَإِنَّهُ يَسْقُط وُجُوبه فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الصَّلَاة تُشْرَع بِدُونِهِ فِي هَذِهِ الْحَال وَهَذَا حَرْف الْمَسْأَلَة وَهَلَّا قُلْتُمْ إِنَّ الصَّلَاة بِدُونِهِ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْحَيْض غَيْر مَشْرُوعَة لَمَّا كَانَ الطَّهُور غَيْر مَقْدُور لِلْمَرْأَةِ فَلَمَّا صَارَ مَقْدُورًا لَهَا شُرِعَتْ لَهَا الصَّلَاة وَتَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتهَا فَمَا الْفَرْق بَيْن الْعَاجِز عَنْ الطَّهُور شَرْعًا وَالْعَاجِز عَنْهُ حِسًّا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْر مُتَمَكِّن مِنْ الطَّهُور
قِيلَ هَذَا سُؤَال يَحْتَاج إِلَى جَوَاب
وَجَوَابه أَنْ يُقَال زَمَن الْحَيْض جَعَلَهُ الشَّارِع مُنَافِيًا لِشَرْعِيَّةِ الْعِبَادَات مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالِاعْتِكَاف
فَلَيْسَ وَقْتًا لِعِبَادَةِ الْحَائِض فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا فِيهِ شَيْء
وَأَمَّا الْعَاجِز فَالْوَقْت فِي حَقّه قَابِل لِتَرَتُّبِ الْعِبَادَة الْمَقْدُورَة فِي ذِمَّته فَالْوَقْت فِي حَقّه غَيْر مُنَافٍ لِشَرْعِيَّةِ الْعِبَادَة بِحَسَبِ قُدْرَته بِخِلَافِ الْحَائِض فَالْعَاجِز مُلْحَق بِالْمَرِيضِ الْمَعْذُور الَّذِي يُؤْمَر بِمَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَسْقُط عَنْهُ مَا يَعْجِز عَنْهُ وَالْحَائِض مُلْحَقَة بِمَنْ هُوَ مِنْ غَيْر أَهْل التَّكْلِيف فَافْتَرَقَا
وَنُكْتَة الْفَرْق أَنَّ زَمَن الْحَيْض لَيْسَ بِزَمَنِ تَكْلِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة بِخِلَافِ الْعَاجِز فَإِنَّهُ مُكَلَّف بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَة وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أن النبي بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَة أَضَاعَتْهَا عَائِشَةُ فَحَضَرَتْ الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ آيَة التَّيَمُّم
فَلَمْ ينكر النبي عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَأْمُرهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَحَالَة عَدَمِ التُّرَاب كَحَالَةِ عَدَم مَشْرُوعِيَّته وَلَا فَرْق فَإِنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّة التَّيَمُّم حِينَئِذٍ
فَهَكَذَا مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَيَمُّم لِعَدَمِ مَا يَتَيَمَّم بِهِ فَأَيّ فَرْق بَيْن عَدَمه فِي نَفْسه وَعَدَم مَشْرُوعِيَّته
فَمُقْتَضَى الْقِيَاس وَالسُّنَّة أَنَّ الْعَادِم يُصَلِّي عَلَى حَسَب حَاله فَإِنَّ اللَّه لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا وَيُعِيد لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِعَادَة كَمَنْ تَرَكَ الْقِيَام وَالِاسْتِقْبَال وَالسُّتْرَة وَالْقِرَاءَة لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا مُوجَب النَّصّ وَالْقِيَاس
فَإِنْ قِيلَ الْقِيَام لَهُ بَدَل وَهُوَ الْقُعُود فَقَامَ بَدَله مَقَامه كَالتُّرَابِ عِنْد عَدَم الْمَاء وَالْعَادِم هُنَا صَلَّى بِغَيْرِ أَصْل وَلَا بَدَل
قِيلَ هَذَا هُوَ مَأْخَذ الْمَانِعِينَ مِنْ الصَّلَاة وَالْمُوجِبِينَ لِلْإِعَادَةِ وَلَكِنَّهُ مُنْتَقِض بِالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَة
فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ غَيْر اِعْتِبَار بَدَل وَكَذَلِكَ الْعَاجِز عَنْ الِاسْتِقْبَال وَكَذَلِكَ الْعَاجِز عَنْ الْقِرَاءَة وَالذِّكْر
وَأَيْضًا فَالْعَجْز عَنْ الْبَدَل فِي الشَّرْع كَالْعَجْزِ عَنْ الْمُبْدَل مِنْهُ سَوَاء
هَذِهِ قَاعِدَة الشَّرِيعَة
وَإِذَا كَانَ عَجْزه عَنْ الْمُبْدَل لَا يَمْنَعهُ مِنْ الصَّلَاة فَكَذَلِكَ عَجْزه عَنْ الْبَدَل وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة مُسْتَوْفَاة فِي بَاب التَّيَمُّم إِنْ شَاءَ الله
стр. 54
التسليم) قال بن مَالِكٍ إِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يُحَرِّمُ مَا كَانَ حَلَالًا فِي خَارِجِهَا وَالتَّسْلِيمُ يُحَلِّلُ مَا كَانَ حَرَامًا فِيهَا
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سُمِّيَ الدُّخُولُ فِي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِعْتِبَار النِّيَّة فِي الطهارة بوجه بديع
وذلك لأنه جَعَلَ الطَّهُور مِفْتَاح الصَّلَاة الَّتِي لَا تُفْتَتَح وَيُدْخَل فِيهَا إِلَّا بِهِ وَمَا كَانَ مِفْتَاحًا لِلشَّيْءِ كَانَ قَدْ وُضِعَ لِأَجْلِهِ وَأُعِدَّ لَهُ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَوْنه مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ هُوَ جِهَة كَوْنه طَهُورًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَاةِ وَجُعِلَ مِفْتَاحًا لَهَا وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَا شُرِعَ لِلشَّيْءِ وَوُضِعَ لِأَجْلِهِ لَا بُدّ أَنْ يَكُون الْآتِي بِهِ قَاصِدًا مَا جُعِلَ مِفْتَاحًا لَهُ وَمَدْخَلًا إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف حِسًّا كَمَا هُوَ ثَابِت شَرْعًا وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ مَنْ سَقَطَ فِي مَاء وَهُوَ لَا يُرِيد التَّطَهُّر لَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ مِفْتَاح الصَّلَاة فَلَا تُفْتَح لَهُ الصَّلَاة وَصَارَ هَذَا كَمَنْ حَكَى عَنْ غَيْره أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَهُوَ غَيْر قَاصِد لِقَوْلِهَا فَإِنَّهَا لَا تَكُون مِفْتَاحًا لِلْجَنَّةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدهَا
وَهَكَذَا هَذَا لَمَّا لَمْ يَقْصِد الطَّهُور لَمْ يَحْصُل لَهُ مِفْتَاح الصَّلَاة وَنَظِير ذَلِكَ الْإِحْرَام هُوَ مِفْتَاح عِبَادَة الْحَجّ وَلَا يَحْصُل لَهُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ فَلَوْ اِتَّفَقَ تَجَرُّده لِحَرٍّ أَوْ غَيْره وَلَمْ يَخْطِر بِبَالِهِ الْإِحْرَام لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِالِاتِّفَاقِ
فَهَكَذَا هَذَا يَجِب أَنْ لَا يَكُون مُتَطَهِّرًا
وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّه بَيِّنٌ
فَصْلٌ الْحُكْم الثَّانِي قَوْله وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَفِي هَذَا مِنْ حَصْر التَّحْرِيم فِي التَّكْبِير نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي حَصْر مِفْتَاح الصَّلَاة فِي الطَّهُور مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ دَلِيل بَيِّن أَنَّهُ لَا تَحْرِيم لَهَا إِلَّا التَّكْبِير
وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور وَعَامَّة أَهْل الْعِلْم قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
يَنْعَقِد بِكُلِّ لَفْظ يَدُلّ عَلَى التَّعْظِيم
فَاحْتَجَّ الْجُمْهُور عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَقَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَأَكْثَر السَّلَف يَتَعَيَّن لَفْظ اللَّه أَكْبَر وَحْدهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَعَيَّن أحد اللفظين الله أكبر والله الْأَكْبَر وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَعَيَّنُ التَّكْبِير وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ نَحْو اللَّه الْكَبِير وَنَحْوه وَحُجَّته أَنَّهُ يُسَمَّى تَكْبِيرًا حَقِيقَة فَيَدْخُل فِي قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَحُجَّة الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُعَرَّف فِي مَعْنَى الْمُنَكَّر فَاللَّام لَمْ تُخْرِجهُ عَنْ مَوْضُوعه بَلْ هِيَ زِيَادَة فِي اللَّفْظ غَيْر مُخِلَّة بِالْمَعْنَى بِخِلَافِ اللَّه الْكَبِير وَكَبَّرْت اللَّه وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم وَالتَّفْضِيل وَالِاخْتِصَاص مَا فِي لَفْظه اللَّه أَكْبَر
وَالصَّحِيح قَوْل الْأَكْثَرِينَ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّن اللَّه أَكْبَر لِخَمْسِ حُجَج إِحْدَاهَا قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَاللَّام هُنَا لِلْعَهْدِ فَهِيَ كَاللَّامِ فِي قَوْله مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ كُلّ طَهُور بَلْ الطَّهُور الذي واظب عليه رسول الله وَشَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ وَكَانَ فِعْله لَهُ تَعْلِيمًا وَبَيَانًا لِمُرَادِ اللَّه مِنْ كَلَامه
وَهَكَذَا التَّكْبِير هُنَا هُوَ التَّكْبِير الْمَعْهُود الَّذِي نَقَلَتْهُ الْأُمَّة نَقْلًا ضروريا خلفا عن سلف عن نبيها أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ فِي كُلّ صَلَاة لَا يَقُول غَيْره وَلَا مَرَّة وَاحِدَة
فَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِلَا شَكٍّ فِي قَوْله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَهَذَا حُجَّة عَلَى مَنْ جَوَّزَ اللَّه الْأَكْبَر والله الكبير فإنه وإن سمي تكبيرا لكنه لَيْسَ التَّكْبِير الْمَعْهُود الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ
стр. 55
الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ التَّحْرِيمَ بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ أَيِ الدُّخُولُ فِي حُرْمَتِهَا فَالتَّحْلِيلُ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنْ حُرْمَتِهَا
قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَإِحْرَامُهَا التَّكْبِيرُ وَإِحْلَالُهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الحجة الثانية أن النبي قَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاته إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ وَلَا يَكُون مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ
وَهَذَا أَمْر مُطْلَق يَتَقَيَّد بِفِعْلِهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُ بِهِ هُوَ وَلَا أَحَد مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا أَصْحَابه
الْحُجَّة الثَّالِثَة مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيّ قَالَ لَا يَقْبَل اللَّه صَلَاة اِمْرِئٍ حَتَّى يَضَع الطَّهُور مَوَاضِعه ثُمَّ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَة وَيَقُول اللَّه أَكْبَر
الْحُجَّة الرَّابِعَة أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاة تَنْعَقِد بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظ لَتَرَكَهُ النَّبِيّ وَلَوْ فِي عُمْره مَرَّة وَاحِدَة لِبَيَانِ الْجَوَاز
فَحَيْثُ لَمْ يَنْقُل أَحَد عَنْهُ قَطّ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاة لَا تَنْعَقِد بِغَيْرِهِ
الْحُجَّة الْخَامِسَة أَنَّهُ لَوْ قَامَ غَيْره مَقَامه لَجَازَ أَنْ يَقُوم غَيْر كَلِمَات الْأَذَان مَقَامهَا وَأَنْ يَقُول الْمُؤَذِّن كَبَّرَتْ اللَّه أَوْ اللَّه الْكَبِير أَوْ اللَّه أَعْظَم وَنَحْوه
بَلْ تَعَيَّنَ لَفْظَة اللَّه أَكْبَر فِي الصَّلَاة أَعْظَم مِنْ تَعَيُّنهَا فِي الْأَذَان لِأَنَّ كُلّ مُسْلِمٍ لَا بُدّ لَهُ مِنْهَا وَأَمَّا الْأَذَان فَقَدْ يَكُون فِي الْمِصْر مُؤَذِّن وَاحِد أَوْ اِثْنَانِ وَالْأَمْر بِالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة آكَد مِنْ الْأَمْر بِالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَان
وَأَمَّا حُجَّة أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ عَلَى تَرَادُف اللَّه أكبر والله الْأَكْبَر فَجَوَابهَا
أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَرَادِفَيْنِ فَإِنَّ الْأَلِف وَاللَّام اِشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَة فِي اللَّفْظ وَنَقْص فِي الْمَعْنَى
وَبَيَانه أَنَّ أَفْعَل التَّفْضِيل إِذَا نُكِّرَ وَأُطْلِقَ تَضَمَّنَ مِنْ عُمُوم الْفَضْل وَإِطْلَاقه عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنهُ الْمُعَرَّف فَإِذَا قِيلَ
اللَّه أَكْبَر كَانَ مَعْنَاهُ
مِنْ كُلّ شَيْء
وَأَمَّا إِذَا قِيلَ اللَّه أَكْبَر فَإِنَّهُ يَتَقَيَّد مَعْنَاهُ وَيَتَخَصَّص وَلَا يُسْتَعْمَل هَذَا إِلَّا فِي مُفَضَّل عَلَيْهِ مُعَيَّن كَمَا إِذَا قِيلَ مَنْ أَفْضَل أَزِيد أَمْ عَمْرو فَيَقُول زَيْد الْأَفْضَل
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَالِاسْتِعْمَال
فَإِنَّ أَدَاة التَّعْرِيف لَا يُمْكِن أَنْ يُؤْتَى بِهَا إِلَّا مَعَ مَنْ وَأَمَّا بِدُونِ مَنْ فَلَا يُؤْتَى بِالْأَدَاةِ فَإِذَا حُذِفَ الْمُفَضَّل عَلَيْهِ مَعَ الْأَدَاة أَفَادَ التَّعَمُّم وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ اللَّام وَهَذَا الْمَعْنَى مَطْلُوب مِنْ الْقَائِل اللَّه أَكْبَر بِدَلِيلِ مَا رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عدي بن حاتم الطويل أن النبي قَالَ لَهُ مَا يَضُرّك أَيَضُرُّك أَنْ يُقَال اللَّه أَكْبَر فَهَلْ تَعْلَم شَيْئًا أَكْبَر مِنْ اللَّه وَهَذَا مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَابًا لَا شَيْء أَكْبَر شَهَادَة مِنْ اللَّه فَاَللَّه أَكْبَر شَهَادَة مِنْ كُلّ شَيْء
كَمَا أَنَّ قَوْله لِعَدِيٍّ هَلْ تَعْلَم شَيْئًا أَكْبَر مِنْ اللَّه يَقْتَضِي جَوَابًا لَا شَيْء أَكْبَر مِنْ اللَّه فَاَللَّه أَكْبَر مِنْ كُلّ شَيْء
وَفِي اِفْتِتَاح الصَّلَاة بِهَذَا اللَّفْظ الْمَقْصُود مِنْهُ اِسْتِحْضَار هَذَا الْمَعْنَى وَتَصَوُّره سِرّ عَظِيم يَعْرِفهُ أَهْل الْحُضُور الْمُصَلُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانهمْ
فَإِنَّ الْعَبْد إِذَا وَقَفَ بَيْن يَدَيْ اللَّه وَقَدْ عَلِمَ أَنْ لَا شَيْء
стр. 56
التَّسْلِيمُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي
أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خِلَافًا لِسَعِيدٍ وَالزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إِنَّ الْإِحْرَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَقَوْلُهُ التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ إِحْرَامِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَكْبَر مِنْهُ وَتَحَقَّقَ قَلْبه ذَلِكَ وَأَشْرَبَهُ سِرّه اِسْتَحَى مِنْ اللَّه وَمَنَعَهُ وَقَاره وَكِبْرِيَاؤُهُ أَنْ يشغل قلبه بغيره وما لَمْ يَسْتَحْضِر هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ وَاقِف بَيْن يَدَيْهِ بِجِسْمِهِ وَقَلْبه يَهِيم فِي أَوْدِيَة الْوَسَاوِس وَالْخَطَرَات وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَان
فَلَوْ كَانَ اللَّه أَكْبَر مِنْ كُلّ شَيْء فِي قَلْب هَذَا لَمَا اِشْتَغَلَ عَنْهُ وَصَرَفَ كُلِّيَّة قَلْبه إِلَى غَيْره كَمَا أَنَّ الْوَاقِف بَيْن يَدَيْ الْمَلِك الْمَخْلُوق لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبه أَعْظَم مِنْهُ لَمْ يَشْغَل قَلْبه بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَصْرِفهُ عَنْهُ صَارِف
فَصْلٌ الْحُكْم الثَّالِث قَوْله تَحْلِيلهَا التَّسْلِيم وَالْكَلَام فِي إِفَادَته الْحَصْر كَالْكَلَامِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ قَبْله
وَالْكَلَام فِي التَّسْلِيم عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِف مِنْ الصَّلَاة إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ
وَهَذَا قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَعَيَّن التَّسْلِيم بَلْ يَخْرُج مِنْهَا بِالْمُنَافِي لَهَا مِنْ حَدَثٍ أَوْ عَمَل مُبْطِل وَنَحْوه
واستدل له بحديث بن مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ فِي تعليمه التشهد وبأن النبي لَمْ يُعَلِّمهُ الْمُسِيء فِي صَلَاته وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا وَيَخْرُج بِهِ مِنْهَا وَلِهَذَا لَوْ أَتَى بِهِ فِي أَثْنَائِهَا لَأَبْطَلَهَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا عُلِمَ أَنَّهُ شُرِعَ مُنَافِيًا لَهَا وَالْمُنَافِي لَا يَتَعَيَّن
هَذَا غَايَة مَا يُحْتَجّ لَهُ بِهِ
وَالْجُمْهُور أَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الْحُجَج
أما حديث بن مَسْعُودٍ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَكْثَر الْحُفَّاظ الصَّحِيح أَنَّ قَوْله إِذَا قُلْت هَذَا فَقَدْ قضيت صلاتك من كلام بن مَسْعُودٍ فَصَّلَهُ شَبَابَةُ عَنْ زُهَيْرٍ وَجَعَلَهُ مِنْ كلام بن مَسْعُودٍ وَقَوْله أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ مِمَّنْ أَدْرَجَهُ وَقَدْ اتفق من روى تشهد بن مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى حَذْفه
وَأَمَّا كون النبي لَمْ يُعَلِّمهُ الْمُسِيء فِي صَلَاته فَمَا أَكْثَر مَا يُحْتَجّ بِهَذِهِ الْحُجَّة عَلَى عَدَم وَاجِبَات فِي الصَّلَاة وَلَا تَدُلّ لِأَنَّ الْمُسِيء لَمْ يُسِيء فِي كُلّ جُزْء مِنْ الصَّلَاة فَلَعَلَّهُ لَمْ يُسِيء فِي السَّلَام بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا بِالسَّلَامِ
وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَسَاءَ فِيهِ لَكَانَ غَايَة مَا يَدُلّ عَلَيْهِ تَرْك التَّعْلِيم اِسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة مِنْ الْوُجُوب فَكَيْف يُقَدَّم عَلَى الْأَدِلَّة النَّاقِلَة لِحُكْمِ الِاسْتِصْحَاب
وَأَيْضًا فَأُنْتَمَ لَمْ تُوجِبُوا فِي الصَّلَاة كُلّ مَا أُمِرَ بِهِ الْمُسِيء فَكَيْف تَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ أَمْره عَلَى عَدَم الْوُجُوب وَدَلَالَة الْأَمْر عَلَى الْوُجُوب أَقْوَى مِنْ دَلَالَة تَرْكه عَلَى نَفْي الْوُجُوب فَإِنَّهُ قَالَ إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ وَلَمْ تُوجِبُوا التَّكْبِير وَقَالَ ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا وَقُلْتُمْ لَوْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَة لَمْ تَبْطُل صَلَاته وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا
стр. 57
صِفَاتِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قوله وذكر اسم ربه فصلى فَخُصَّ التَّكْبِيرُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ فِي القرآن لاسيما وَقَدِ اتَّصَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ فَكَانَ يُكَبِّرُ ﷺ وَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِعُمُومِ الْقُرْآنِ
وَقَالَ الشافعي ويجوز
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَافِيهَا وَيَخْرُج مِنْهَا بِهِ فَجَوَابه أَنَّ السَّلَام مِنْ تَمَامهَا وَهُوَ نِهَايَتهَا وَنِهَايَة الشَّيْء مِنْهُ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَته وَلِهَذَا أُضِيفَ إِلَيْهَا إِضَافَة الْجُزْء بِخِلَافِ مِفْتَاحهَا فَإِنَّ إِضَافَته إِضَافَة مُغَايِر بِخِلَافِ تَحْلِيلهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّل مِنْهَا إِلَّا بِهِ
وَأَمَّا بُطْلَان الصَّلَاة إِذَا فَعَلَهُ فِي أَثْنَائِهَا فَلِأَنَّهُ قَطْع لَهَا قَبْل إِتْمَامهَا وَإِتْيَان بِنِهَايَتِهَا قَبْل فَرَاغهَا فَلِذَلِكَ أبطلها فالتسليم آخرها وخاتمها كَمَا فِي حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ يَخْتِم صَلَاته بِالتَّسْلِيمِ فَنِسْبَة التَّسْلِيم إِلَى آخِرهَا كَنِسْبَةِ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام إِلَى أَوَّلهَا فَقَوْل اللَّه أَكْبَر أَوَّل أَجْزَائِهَا وَقَوْل السَّلَام عَلَيْكُمْ آخِر أَجْزَائِهَا
ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهَا فَإِنَّهُ تَحْلِيل لَهَا لَا يَخْرُج مِنْهَا إِلَّا بِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُجُوبه كَتَحَلُّلَاتِ الْحَجّ فَكَوْنه تَحْلِيلًا لَا يَمْنَع الْإِيجَاب
فَإِنْ قِيلَ وَلَا يَقْتَضِي قِيلَ إِذَا ثَبَتَ اِنْحِصَار التَّحْلِيل فِي السَّلَام تَعَيَّنَ الْإِتْيَان بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْحَصْر مِنْ وَجْهَيْنِ
فَصْلٌ وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كُلّ مَا تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَمِفْتَاحه الطَّهُور فَيَدْخُل فِي هَذَا الوتر بركعة خلافا لبعضهم
واحتج بقوله صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى
وَجَوَابه أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُفَّاظ طَعَنَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَة وَرَأَوْهَا غَيْر مَحْفُوظَة
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوِتْر تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَيَجِب أَنْ يَكُون مِفْتَاحه الطَّهُور
وَأَيْضًا فَالْمَغْرِب وِتْر لَا مَثْنَى وَالطَّهَارَة شرط فيها
وأيضا فالنبي سَمَّى الْوِتْر صَلَاة بِقَوْلِهِ فَإِذَا خِفْت الصُّبْح فَصَلِّ رَكْعَة تُوتِر لَك مَا قَدْ صَلَّيْت
وَأَيْضًا فَإِجْمَاع الْأُمَّة مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ عَلَى إِطْلَاق اِسْم الصَّلَاة عَلَى الْوِتْر
فَهَذَا الْقَوْل فِي غَايَة الْفَسَاد
وَيَدْخُل فِي الْحَدِيث أَيْضًا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التسليم وهذا قول أصحاب رسول الله لَا يُعْرَف عَنْهُمْ فِيهِ خِلَاف وَهُوَ قَوْل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَجُمْهُور الْأُمَّة خِلَافًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ
стр. 58
بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ بِقَوْلِكَ اللَّهُ الْكَبِيرُ
أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ زِيَادَةٌ لَمْ تُخِلَ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَعْنَى
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ التَّكْبِيرُ
قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ إِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّفْظِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وقد ثبت عن النبي تَسْمِيَتهَا صَلَاة وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَة وَحَمَلَة الشَّرْع كُلّهمْ يُسَمُّونَهَا صَلَاة
وَقَوْل النَّبِيّ مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم هُوَ فَصْل الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْمَسَائِل وَغَيْرهَا طَرْدًا وَعَكْسًا فَكُلّ مَا كَانَ تَحْرِيمه التَّكْبِير وَتَحْلِيله التَّسْلِيم فَلَا بُدّ مِنْ اِفْتِتَاحه بِالطَّهَارَةِ
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الطَّوَاف بِالْبَيْتِ فَإِنَّهُ يُفْتَتَح بِالطَّهَارَةِ وَلَا تَحْرِيم فِيهِ وَلَا تَحْلِيل
قِيلَ شَرْط النَّقْض أَنْ يَكُون ثَابِتًا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاع
وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف فِي اِشْتِرَاط الطَّهَارَة لِلطَّوَافِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهَا شَرْط كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ
وَالثَّانِي لَيْسَتْ بِشَرْطٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة اِبْنه عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْره بَلْ نَصّه فِي رِوَايَة عَبْدِ اللَّهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَإِنَّهُ قَالَ أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأ وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَةَ
قَالَ شَيْخ الْإِسْلَام أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَهَذَا قَوْل أَكْثَر السَّلَف قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُل أَحَد عن النبي أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمره وَلَا فِي حَجَّته مَعَ كَثْرَة مَنْ حَجَّ مَعَهُ وَاعْتَمَرَ وَيَمْتَنِع أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَاجِبًا وَلَا يُبَيِّنهُ لِلْأُمَّةِ وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْته ممتنع
فإن قيل فقد طاف النبي متوضأ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ
قِيلَ الْفِعْل لَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب
وَالْأَخْذ عَنْهُ هُوَ أَنْ يَفْعَل كَمَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْه الَّذِي فَعَلَ فَإِذَا كَانَ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْه الِاسْتِحْبَاب فَأَوْجَبْنَاهُ لَمْ نَكُنْ قَدْ أَخَذْنَا عَنْهُ ولا تأسينا به مع أنه فَعَلَ فِي حَجَّته أَشْيَاء كَثِيرَة جِدًّا لَمْ يُوجِبهَا أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تقولون في حديث بن عَبَّاسٍ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ صَلَاة
قِيلَ هَذَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعه وَوَقْفه فَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا الصَّوَاب أَنَّهُ مَوْقُوف وَعَلَى تَقْدِير رَفْعه فَالْمُرَاد شَبِيه بِالصَّلَاةِ كَمَا شَبَّهَ اِنْتِظَار الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ وَكَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَا دُمْت تَذْكُر اللَّه فَأَنْتَ فِي صَلَاة وَإِنْ كُنْت في السوق ومنه قوله إِنَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاة مَا دَامَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَالطَّوَاف وَإِنْ سُمِّيَ صَلَاة فَهُوَ صَلَاة بِالِاسْمِ الْعَامّ لَيْسَ بِصَلَاةٍ خَاصَّة وَالْوُضُوء إِنَّمَا يُشْتَرَط لِلصَّلَاةِ الْخَاصَّة ذَات التَّحْرِيم وَالتَّحْلِيل
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي سُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر
قِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدهمَا يُشْتَرَط لَهُ الطَّهَارَة
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْفُقَهَاء ولا يعرف
стр. 59
الَّذِي جَاءَ بِهِ الْفِعْلُ فَفَسَّرَ الْمُطْلَقَ فِي الْقَوْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّعْلِيلُ وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى الرَّسْمِ الْوَارِدِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ مِثْلُهُ فِي حَصْرِ الْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي التَّسْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كَثِير مِنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا وَرُبَّمَا ظَنَّهُ بَعْضهمْ إِجْمَاعًا
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَط لَهُ الطَّهَارَة وَهَذَا قول كثير من السلف حكاه عنهم بن بَطَّالٍ فِي شَرْح الْبُخَارِيِّ وَهُوَ قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صحيحه فقال وكان بن عُمَرَ يَسْجُد لِلتِّلَاوَةِ عَلَى غَيْر وُضُوء وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيِّ وَاسْتِدْلَاله يَدُلّ عَلَى اِخْتِيَاره إِيَّاهُ فَإِنَّهُ قَالَ بَاب مَنْ قَالَ يُسْجَد عَلَى غَيْر وُضُوء هَذَا لَفْظه
وَاحْتَجَّ الْمُوجِبُونَ لِلْوُضُوءِ لَهُ بِأَنَّهُ صَلَاة قَالُوا فَإِنَّهُ لَهُ تَحْرِيم وَتَحْلِيل كَمَا قَالَهُ بَعْض أَصْحَاب أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ
وَفِيهِ وَجْه أَنَّهُ يُتَشَهَّد لَهُ وَهَذَا حَقِيقَة الصَّلَاة
وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَدَ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يسلم له
وقال عطاء وبن سِيرِينَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه يُسَلِّم وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ
وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم قَالُوا وَلِأَنَّهُ يَفْعَل تَبَعًا للامام ويعتبر أن يكون القارىء يَصْلُح إِمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ وَهَذَا حَقِيقَة الصَّلَاة
قَالَ الْآخَرُونَ لَيْسَ مَعَكُمْ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَة لَهُ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس صَحِيح
وَأَمَّا اِسْتِدْلَالكُمْ بِقَوْلِهِ تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم فَهُوَ مِنْ أَقْوَى مَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَيْكُمْ
فَإِنَّ أَئِمَّة الْحَدِيث وَالْفِقْه لَيْسَ فِيهِمْ أَحَد قط نقل عن النبي وَلَا عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابه أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْهُ وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ السَّلَام مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ أَحْمَدُ لَا يَعْرِف التَّسْلِيم فِي هَذَا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
وَيَذْكُر نَحْوه عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَكَذَلِكَ الْمَنْصُوص عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّم فِيهِ
وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا يُسَلَّم مِنْهُ إِنَّمَا اِحْتَجُّوا بقول النبي وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم وَبِذَلِكَ اِحْتَجَّ لَهُمْ إِسْحَاقُ وَهَذَا استدلال ضعيف فإن النبي وَأَصْحَابه فَعَلُوهَا وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ سَلَام مِنْهَا وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَغَيْره وَتَجْوِيز كَوْنه سَلَّمَ مِنْهُ وَلَمْ يُنْقَل كَتَجْوِيزِ كَوْنه سَلَّمَ مِنْ الطَّوَاف
قَالُوا وَالسُّجُود هُوَ مِنْ جِنْس ذِكْر اللَّه وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء وَلِهَذَا شُرِعَ فِي الصَّلَاة وَخَارِجهَا فَكَمَا لَا يُشْتَرَط الْوُضُوء لِهَذِهِ الْأُمُور وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْزَاء الصَّلَاة فَكَذَا لَا يُشْتَرَط لِلسُّجُودِ وَكَوْنه جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَا يُوجِبُ أَنْ لَا يُفْعَل إِلَّا بِوُضُوءٍ
واحتج البخاري بحديث بن عباس أن النبي سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس
وَمَعْلُوم أَنَّ الْكَافِر لَا وُضُوء لَهُ
قالوا وأيضا فالمسلمون الذين سجدوا معه لم ينقل أن النبي أَمَرَهُمْ بِالطَّهَارَةِ وَلَا سَأَلَهُمْ
стр. 60
مِنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مُضَادٍّ كَالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ حَمْلًا عَلَى السَّلَامِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْحَصْرِ
انتهى بتلخيصه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
هَلْ كُنْتُمْ مُتَطَهِّرِينَ أَمْ لَا وَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَة شَرْطًا فِيهِ لَلَزِمَ أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَتَقَدَّم أَمْره لَهُمْ بِالطَّهَارَةِ وَإِمَّا أَنْ يَسْأَلهُمْ بَعْد السُّجُود لِيُبَيِّن لَهُمْ الِاشْتِرَاط وَلَمْ يَنْقُل مُسْلِمٌ وَاحِدًا مِنْهُمَا
فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّ الْوُضُوء تَأَخَّرَتْ مَشْرُوعِيَّته عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا جَوَاب بَعْض الْمُوجِبِينَ
قِيلَ الطَّهَارَة شُرِعَتْ لِلصَّلَاةِ مِنْ حِين الْمَبْعَث وَلَمْ يُصَلِّ قَطّ إِلَّا بِطَهَارَةٍ أَتَاهُ جِبْرِيل فَعَلَّمَهُ الطَّهَارَة وَالصَّلَاة
وَفِي حَدِيث إِسْلَامِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُمَكَّن مِنْ مَسّ الْقُرْآن إِلَّا بَعْد تَطَهُّره فَكَيْف نَظُنّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بِلَا وُضُوء
قَالُوا وَأَيْضًا فَيَبْعُد جِدًّا أَنْ يَكُون الْمُسْلِمُونَ كُلّهمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى وُضُوء
قَالُوا وَأَيْضًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُول الله يَقْرَأ الْقُرْآن فَيَقْرَأ السُّورَة فِيهَا السَّجْدَة فَيَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِد بَعْضنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَته
قَالُوا وَقَدْ كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن عَلَيْهِمْ فِي الْمَجَامِع كُلّهَا وَمِنْ الْبَعِيد جِدًّا أن يكون كُلّهمْ إِذْ ذَاكَ عَلَى وُضُوء وَكَانُوا يَسْجُدُونَ حَتَّى لَا يَجِد بَعْضهمْ مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ وَمَعْلُوم أن مجامع الناس تجمع المتوضىء وَغَيْره
قَالُوا وَأَيْضًا فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْقُرْآن أَنَّ السَّحَرَة سَجَدُوا لِلَّهِ سَجْدَة فَقَبِلَهَا اللَّه مِنْهُمْ وَمَدَحَهُمْ عليها ولم يكونوا متطهرين قطعا ومنازعونا يَقُولُونَ مِثْل هَذَا السُّجُود حَرَام فَكَيْف يَمْدَحهُمْ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَجُوز فَإِنْ قِيلَ شَرْع مَنْ قَبْلنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا
قِيلَ قَدْ اِحْتَجَّ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة بِشَرْعِ مَنْ قَبْلنَا وَذَلِكَ مَنْصُوص عَنْهُمْ أَنْفُسهمْ فِي غَيْر مَوْضِع
قَالُوا سَلَّمْنَا لَكِنْ مَا لَمْ يَرِد شَرْعنَا بِخِلَافِهِ
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ فَأَيْنَ وَرَدَ فِي شَرَعْنَا خِلَافه قَالُوا وَأَيْضًا فَأَفْضَل أَجْزَاء الصَّلَاة وَأَقْوَالهَا هُوَ الْقِرَاءَة وَيُفْعَل بِلَا وُضُوء فَالسُّجُود أَوْلَى
قَالُوا وَأَيْضًا فَاَللَّه أَثْنَى عَلَى كُلّ مَنْ سَجَدَ عِنْد التِّلَاوَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا عَقِب تِلَاوَته بِلَا فَضْل سَوَاء كَانُوا بِوُضُوءٍ أَوْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ السُّجُود عَقِب التِّلَاوَة وَلَمْ يَشْتَرِط وُضُوءًا
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَات الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
стр. 61
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ
هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَحْسَنُ
انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَكَذَلِكَ سُجُود الشُّكْر مُسْتَحَبّ عِنْد تَجَدُّد النِّعَم الْمُنْتَظَرَة
وَقَدْ تَظَاهَرَتْ السُّنَّة عَنْ النَّبِيّ بِفِعْلِهِ فِي مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة وَكَذَلِكَ أَصْحَابه مَعَ وُرُود الْخَبَر السَّارّ عَلَيْهِمْ بَغْتَة وَكَانُوا يَسْجُدُونَ عَقِبه وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِوُضُوءٍ وَلَمْ يُخْبِرُوا أَنَّهُ لَا يُفْعَل إِلَّا بِوُضُوءٍ
وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْأُمُور تَدْهَم الْعَبْد وَهُوَ عَلَى غَيْر طَهَارَة فَلَوْ تَرَكَهَا لَفَاتَتْ مَصْلَحَتهَا
قَالُوا وَمِنْ الْمُمْتَنِع أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى قَدْ أَذِنَ فِي هَذَا السُّجُود وَأَثْنَى عَلَى فَاعِله وَأَطْلَقَ ذَلِكَ وَتَكُون الطَّهَارَة شَرْطًا فِيهِ وَلَا يَسُنّهَا وَلَا يأمر بها رسول الله أَصْحَابه وَلَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْف وَاحِد
وَقِيَاسه عَلَى الصَّلَاة مُمْتَنِع لِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ الْفَارِق بَيْنه وَبَيْن الصَّلَاة أَظْهَر وَأَكْثَر مِنْ الْجَامِع إِذْ لَا قِرَاءَة فِيهِ وَلَا رُكُوع لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّة ثَابِتَة بِالتَّسْلِيمِ
ويجوز أن يكون القارىء خَلْف الْإِمَام فِيهِ وَلَا مُصَافَّة فِيهِ
وَلَيْسَ إِلْحَاق مَحَلّ النِّزَاع بِصُوَرِ الِاتِّفَاق أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقه بِصُوَرِ الِافْتِرَاق
الثَّانِي أَنَّ هَذًّا الْقِيَاس إِنَّمَا يَمْتَنِع لَوْ كَانَ صَحِيحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ الشَّيْء الْمَقِيس قَدْ فُعِلَ عَلَى عَهْد النبي ثُمَّ تَقَع الْحَادِثَة فَيَحْتَاج الْمُجْتَهِد أَنْ يُلْحِقهَا بما وقع على عهده مِنْ الْحَوَادِث أَوْ شَمِلَهَا نَصّه وَأَمَّا مَعَ سُجُوده وَسُجُود أَصْحَابه وَإِطْلَاق الْإِذْن فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِوُضُوءٍ فَيَمْتَنِع التَّقْيِيد بِهِ
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث الليث عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَسْجُد الرَّجُل إِلَّا وَهُوَ طَاهِر وَهَذَا يُخَالِف مَا رَوَيْتُمُوهُ عَنْ بن عُمَرَ مَعَ أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات وَكَانَ بن عُمَرَ يَسْجُد عَلَى وُضُوء وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِهِ لِأَجْلِ رِوَايَة اللَّيْثِ
قِيلَ أَمَّا أَثَر اللَّيْثِ فَضَعِيف
وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى كَانَ يَسْجُد عَلَى وُضُوء فَغَلَط لِأَنَّ تَبْوِيب الْبُخَارِيِّ وَاسْتِدْلَاله وَقَوْله وَالْمُشْرِك لَيْسَ لَهُ وُضُوء يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِلَفْظِ غَيْر وَعَلَيْهَا أَكْثَر الرُّوَاة
وَلَعَلَّ النَّاسِخ اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ فَظَنَّ أَنَّ لفظه غير غلط فأسقطها ولاسيما إِنْ كَانَ قَدْ اِغْتَرَّ بِالْأَثَرِ الضَّعِيف الْمَرْوِيِّ عَنْ اللَّيْثِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّ إِسْقَاط الْكَلِمَة لِلِاسْتِشْكَالِ كَثِير جِدًّا وَأَمَّا زِيَادَة غَيْر فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع فَلَا يُظَنّ زِيَادَتهَا غَلَطًا ثُمَّ تَتَّفِق عَلَيْهَا النُّسَخ الْمُخْتَلِفَة أَوْ أكثرها
стр. 62
٣٢ - (بَابُ الرَّجُلِ يُجَدِّدُ)
[٦٢] مِنَ التَّجْدِيدِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُحْدِثُ مِنَ الْإِحْدَاثِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ
(قَالَ) أَبُو غُطَيْفٍ (نُودِيَ) أُذِّنَ (فَقُلْتُ لَهُ) أَيْ لِابْنِ عُمَرَ فِي تَكْرَارِهِ الْوُضُوءَ مَعَ كونه متوضأ (فقال) بن عُمَرَ (عَلَى طُهْرٍ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ طَاهِرًا (كتب له عشر حسنات) قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كتب الله به عشرة وضوءات فَإِنَّ أَقَلَّ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الْأَضْعَافِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَقَدْ وَعَدَ بِالْوَاحِدَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَوَعَدَ ثَوَابًا بِغَيْرِ حِسَابٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ (وَهُوَ أَتَمُّ) أَيْ أَكْمَلُ وَأَزْيَدُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنْقَصُ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ وأنا لحديث بن يَحْيَى أَضْبَطُ لِأَنَّ الضَّبْطَ هُوَ الْإِتْقَانُ وَالْحِفْظُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ وَبَيْنَ الْكَمَالِ وَالزِّيَادَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَكْمَلَ وَأَزْيَدَ وَلَا يَكُونَ أَشَدَّ مَحْفُوظِيَّةً وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَشَدَّ مَحْفُوظِيَّةً وَلَا يَكُونَ أَكْمَلَ وَأَزْيَدَ
٣ - (بَاب مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ)
[٦٣] مُضَارِعٌ مَعْلُومٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَعُلِمَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كَوْنَ الْمَاءِ أقل من القلتين ينجسه بوقوع النجاسة فيه
стр. 63
(عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ) هُوَ بِالنُّونِ أَيْ يَرِدُ عَلَيْهِ نَوْبَةً بَعْدَ نَوْبَةٍ وَحَاصِلُهُ أَيْ مَا حَالُ الْمَاءِ الَّذِي تَنُوبُهُ الدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ أَيْ يَشْرَبُ مِنْهَا وَيَبُولُ وَيُلْقِي الرَّوْثُ فِيهَا (قُلَّتَيْنِ) الْقُلَّةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْجَرَّةِ الْعَظِيمَةِ
رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ الْقِلَالُ هِيَ الْخَوَابِي الْعِظَامُ
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْخَابِيَةُ تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ الْكَبِيرَتَانِ
وعن الأوزاعي قال القلة ما تقله اليدأي ترفعه
وأخرج البيهقي من طريق بن إِسْحَاقَ قَالَ الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ الَّتِي تَسْتَقِي فِيهَا الْمَاءَ وَالدَّوْرَقُ
وَمَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ إِلَى تَفْسِيرِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَوْلَى
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُمَا بِالْكِبَرِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٍ وَيَحْيَى بْنِ آدم مثله
رواه بن الْمُنْذِرِ
انْتَهَى (لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ) بِفَتْحَتَيْنِ النَّجَسُ وَمَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ وَتَقْدِيرُ الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ
وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ مَعْنًى فَإِنَّ مَا دُونَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ
وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التوراة ثم لم يحملوها أي لم يقبلوا حكمها (هذا لفظ بن الْعَلَاءِ) أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ فِي رِوَايَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَحَاصِلُهُ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ (وَهُوَ الصَّوَابُ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ هُوَ الصَّوَابُ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْجِيحِ فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ هُوَ الصَّوَابُ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ثِقَةٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثِقَةٌ وَالْحَدِيثُ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزبير أشبه
وقال بن مَنْدَهْ وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ فَرُوِيَ عَنْهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ وَقَالَ مُرَّةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فَذَكَرَهُ وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ وَلَمَّا اخْتُلِفَ عَلَى أبي
стр. 64
أُسَامَةَ فِي إِسْنَادِهِ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ أَتَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا شُعَيْبَ بْنَ أَيُّوبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ فَصَحَّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَصَحَّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا فَكَانَ أَبُو أُسَامَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُرَّةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ
قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ
قُلْتُ هُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه والشافعي وأحمد وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ
قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا
وَقَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ
وَقَالَ بن مَنْدَهْ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَمَدَارُهُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ وَتَارَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
وَتَارَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا قَادِحًا فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَحْفُوظًا انْتِقَالٌ مِنْ ثِقَةٍ إِلَى ثِقَةٍ وَعِنْدَ التحقيق الصواب أنه عند الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبَّرِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُصَغَّرِ وَمَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَهِمَ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) فَكِلَاهُمَا أَيْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بن إسحاق
كذا في منهية الشرح (بن الزُّبَيْرِ) مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَيْ قَالَ أَبُو كَامِلٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عن بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَّا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ نُسِبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى جَدِّهِ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ نُسِبَ إِلَى أَبِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا كَامِلٍ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِذِكْرِ وَالِدِ جَعْفَرٍ أَيِ الزُّبَيْرِ وَقَالَ مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ وَالِدِ جَعْفَرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي (مَنْهِيَّةِ) غَايَةِ الْمَقْصُودِ (الْفَلَاةِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ الْأَرْضُ لَا مَاءَ فِيهَا وَالْجَمْعُ فَلًا مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصًى (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
стр. 65
[٦٥] (قُلَّتَيْنِ) وَالْمُرَادُ مِنَ الْقِلَالِ قِلَالُ هَجَرَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ وَكَذَلِكَ وَرَدَ التَّقَيُّدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رأى ليلة المعراج من نيق سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ فَقَالَ مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ
وَاعْتِذَارُ الطَّحَاوِيِّ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ أَصْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَكُونُ عُذْرًا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ
انْتَهَى (فَإِنَّهُ) أَيِ الْمَاءَ (لَا يَنْجَسُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ يَحْمِلُ الْخَبَثَ
قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ هَذَا جَيِّدُ الْإِسْنَادِ فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّ بن عُلَيَّةَ لَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ يَحْيَى وَإِنْ لَمْ يحفظه بن عُلَيَّةَ فَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ
انْتَهَى (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا غَيْرَ مَرْفُوعٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنِ بن عُمَرَ مَوْقُوفًا أَيْضًا
انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي بَاب مَا يُنَجِّسُ الْمَاء وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَك وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرْط الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ
رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ
هَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَجَمَاعَة عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ وَرَوَاهُ الْحَمِيدِيُّ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثْنَا الْوَلِيدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ
فَهَذَانِ وَجْهَانِ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَمَّا اُخْتُلِفَ على أبي أسامة اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب فنظرنا فِي ذَلِكَ فَإِذَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ قَدْ رَوَى عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَصَحَّ أَنَّ الْوَلِيد بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَكَانَ أَبُو أُسَامَةَ مَرَّة يُحَدِّث بِهِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَرَّة يُحَدِّث بِهِ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عباد بْنِ جَعْفَرٍ
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رواه جماعة عن بن إِسْحَاقَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ
وَفِيهِ تَقْوِيَة لِحَدِيثِ بن إِسْحَاقَ
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْجُه
стр. 66
وَقَدْ سَلَفَ آنِفًا مَا يُجَابُ عَنْ هَذَا
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعْمُولٌ بِهِ
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وبن خزيمة وبن حبان والحاكم وقال بن مَنْدَهْ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ قَالَ أَبُو عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالُوا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَقَالُوا يَكُونُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ
وَفِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الحديث منهم بن خُزَيْمَةَ انْتَهَى
وَأَمَّا الْجَرْحُ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ كما ذهب إليه الحافظ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُهُمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ وَحُجَّةٍ بَالِغَةٍ
وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَجَلُّ الْأَكْمَلُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ نَذِيرُ حُسَيْنٌ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ انْدَفَعَ مَا قَالَ بَعْضُ قَاصِرِي الْأَنْظَارِ الْمَعْذُورِينَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَى بَعْضِ الْكُتُبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ على التعديل
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَوَجْه خَامِس مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ عَنْ زائدة عن ليث عن مجاهد عن بن عمر عن النبي
وَوَجْه سَادِس مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَائِدَةَ عن ليث عن مجاهد عن بن عُمَرَ قَوْله
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ الصَّوَاب يَعْنِي حَدِيث مُجَاهِدٍ
وَوَجْه سَابِع بِالشَّكِّ فِي قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاث ذَكَرَهَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَكَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ دَخَلْت مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بُسْتَانًا فِيهِ مِقْرَاةُ مَاء (١) فِيهِ جِلْد بَعِير مَيِّت فَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقُلْت أَتَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَفِيهِ جِلْد بَعِير مَيِّت فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ النبي قَالَ إِذَا بَلَغَ الْمَاء قَدْر قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاث لَمْ يُنَجِّسهُ شَيْء وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدٍ الْمِصِّيصِيُّ حَدَّثْنَا حَجَّاجٌ قال بن جريج أخبرني لوط عن بن إسحاق عن مجاهد أن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يُنَجِّسهُ شَيْء
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْر بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ بن عَبَّاسٍ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا
وَرَوَى أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيث الْقَاسِمِ الْعَمْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله إِذَا بَلَغَ الْمَاء أَرْبَعِينَ قُلَّة لَا يَحْمِل الْخَبَث تَفَرَّدَ بِهِ الْقَاسِم الْعَمْرِيُّ هَكَذَا وَهُوَ ضَعِيف وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الْغَلَط فِيهِ وَقَدْ ضَعَّفَ الْقَاسِمَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرهمْ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْت أَبَا عَلِيٍّ الْحَافِظَ يَقُول حَدِيث مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النبي إِذَا بَلَغَ الْمَاء أَرْبَعِينَ قُلَّة خَطَأ وَالصَّحِيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَوْله
стр. 67
فلا يدافعه تصحيح بعض المحدثين له من ذكره بن حَجَرٍ وَغَيْرُهُ
وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فَرْعٌ لِوُجُودِ الْجَرْحِ وَقَدْ نَفَيْنَاهُ لِعَدَمِ وُجُودِ وَجْهِهِ وَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا فَأَيْنَ الْمُقَدَّمُ وَأَيْنَ التَّقْدِيمُ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ وَجْهَ الِاضْطِرَابِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَالْمَبْنَى فَقَدْ نَفَيْنَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِسْنَادِ وَسَنَنْفِي الْأَخِيرَيْنِ
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحِبُّ اللَّهِ الْبَهَارِيُّ فِي الْمُسلَّمِ إِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فَالتَّقْدِيمُ لِلْجَرْحِ مُطْلَقًا وَقِيلَ بَلْ لِلتَّعْدِيلِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا أُطْلِقَا أَوْ عَيَّنَ الْجَارِحُ شَيْئًا لَمْ يَنْفِهِ الْمُعَدِّلُ أَوْ نَفَاهُ لَا بِيَقِينٍ وَأَمَّا إِذَا نَفَاهُ يَقِينًا فَالْمَصِيرُ إِلَى التَّرْجِيحِ اتِّفَاقًا
وَقَالَ الْعَلَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ نَعَمْ إِنْ عَيَّنَ سَبَبًا
نَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فَإِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ
انْتَهَى
فَثَبَتَ صُلُوحُ مُعَارَضَةِ الْجَرْحِ لِلتَّعْدِيلِ ثُمَّ التَّرْجِيحُ لِلتَّعْدِيلِ لِجَوْدَةِ الْأَسَانِيدِ مِنْ حَيْثُ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قُلْت كَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَوْله
وَرَوَى بن لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ إِذَا كَانَ الْمَاء أَرْبَعِينَ قُلَّة لَمْ يَحْمِل خَبَثًا وَخَالَفَهُ غَيْر وَاحِد فَرَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالُوا أَرْبَعِينَ غَرْبًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ دَلْوًا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
وَالِاحْتِجَاج بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ مَبْنِيّ عَلَى ثُبُوت عِدَّة مَقَامَات (الْأَوَّل) صِحَّة سَنَده
(الثَّانِي) ثُبُوت وَصْله وَأَنَّ إِرْسَاله غَيْر قَادِح فِيهِ
(الثَّالِث) ثُبُوت رَفْعه وَأَنَّ وَقْف مَنْ وَقَفَهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ
(الرَّابِع) أَنَّ الِاضْطِرَاب الَّذِي وَقَعَ فِي سَنَده لَا يُوهِنهُ
(الْخَامِس) أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ مُقَدَّرَتَانِ بِقِلَالِ هَجَرَ
(السَّادِس) أَنَّ قِلَال هَجَرَ مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار لَيْسَ فِيهَا كِبَار وَصِغَار
(السَّابِع) أَنَّ الْقُلَّة مُقَدَّرَة بِقِرْبَتَيْنِ حِجَازِيَّتَيْنِ وَأَنَّ قِرَب الْحِجَاز لَا تَتَفَاوَت
(الثَّامِن) أَنَّ الْمَفْهُوم حُجَّة
(التَّاسِع) أَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى الْعُمُوم
(الْعَاشِر) أَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ
(الْحَادِي عَشَر) أَنَّ الْمَفْهُوم عَامّ فِي سَائِر صُوَر الْمَسْكُوت عَنْهُ
(الثَّانِي عَشَر) أَنَّ ذِكْر الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد وَالتَّقْيِيد (الثَّالِث عَشَر) الْجَوَاب عَنْ الْمُعَارِض وَمَنْ جَعَلَهُمَا خَمْسمِائَةِ رِطْل اِحْتَاجَ إِلَى مَقَام
(رَابِع عَشَر) وَهُوَ أَنَّهُ يَجْعَل الشَّيْء نِصْفًا اِحْتِيَاطًا
(وَمَقَام خَامِس عَشَر) أَنَّ مَا وَجَبَ بِهِ الِاحْتِيَاط صَارَ فَرْضًا
قَالَ الْمُحَدِّدُونَ الْجَوَاب عَمَّا ذَكَرْتُمْ أَمَّا صِحَّة سَنَده فَقَدْ وُجِدَتْ لِأَنَّ رُوَاته ثِقَات لَيْسَ فِيهِمْ مَجْرُوح وَلَا مُتَّهَم
وَقَدْ سَمِعَ بعضهم من بعض
ولهذا صححه بن خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرهمْ
وَأَمَّا وَصْله فَاَلَّذِينَ وصلوه ثقات وَهُمْ أَكْثَر مِنْ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُ فَهِيَ زِيَادَة مِنْ ثِقَة وَمَعَهَا التَّرْجِيح
وَأَمَّا رَفْعه فَكَذَلِكَ
وإنما وقفه مجاهد على بن عمر
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَإِذَا كَانَ مُجَاهِدٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَوْقُوفًا لَمْ يَمْنَع ذَلِكَ سَمَاع عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الله له من بن عُمَرَ مَرْفُوعًا
فَإِنْ قُلْنَا الرَّفْع زِيَادَة وَقَدْ أَتَى بِهَا ثِقَة فَلَا كَلَام
وَإِنْ قُلْنَا هي اختلاف وتعارض فعبد اللَّهِ أَوْلَى فِي أَبِيهِ مِنْ مُجَاهِدٍ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَعِلْمه بِحَدِيثِهِ وَمُتَابَعَة أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ مُضْطَرِب فَمِثْل هَذَا الِاضْطِرَاب لَا يَقْدَح فِيهِ إِذْ لَا مَانِع مِنْ سَمَاع الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْوَلِيد بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا فَحَدَّثَ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ لَا مَانِع مِنْ رِوَايَة عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ لَهُ جَمِيعًا عَنْ أَبِيهِمَا فَرَوَاهُ الْمُحَمَّدَانِ عَنْ هَذَا تَارَة وَعَنْ هَذَا تَارَة
وَأَمَّا تَقْدِير الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنَا مسلم بن خالد عن بن جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرنِي ذِكْره أَنَّ رَسُول الله قَالَ إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا وَقَالَ فِي الْحَدِيث بِقِلَالِ هَجَرَ وَقَالَ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رسول الله قَالَ إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجَسًا وَلَا بَأْسًا قَالَ فَقُلْت لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ قِلَال هَجَرَ قَالَ قِلَال هَجَرَ قَالَ فَأَظُنّ أَنَّ كُلّ قُلَّة تَأْخُذ قِرْبَتَيْنِ
قَالَ بن عَدِيٍّ مُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى يُحَدِّث عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَيَحْيَى بن عقيل
قالوا وإن رسول الله ذَكَرَهَا لَهُمْ فِي حَدِيث الْمِعْرَاج وَقَالَ فِي سِدْرَة الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقَهَا مِثْل قِلَال هَجَرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَة عِنْدهمْ
وَقَدْ قَالَ يحيى بن آدم ووكيع وبن إِسْحَاقَ الْقُلَّة الْجَرَّة
وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ
وَأَمَّا كَوْنهَا مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمه قِلَال هَجَرَ مَشْهُورَة الصَّنْعَة مَعْلُومَة الْمِقْدَار لَا تَخْتَلِف كَمَا لَا تَخْتَلِف الْمَكَايِيل وَالصِّيعَان
وَهُوَ حُجَّة فِي اللُّغَة
وَأَمَّا تقديرها بقرب الحجاز فقد قال بن جريج رأيت القلة تسع قربتين
وبن جُرَيْجٍ حِجَازِيٌّ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ قِرَب الْحِجَاز لَا الْعِرَاق وَلَا الشَّام وَلَا غَيْرهمَا
وَأَمَّا كَوْنهَا لَا تَتَفَاوَت فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقِرَب الْمَنْسُوبَة إِلَى الْبُلْدَان الْمَحْذُوَّة عَلَى مِثَال وَاحِد يُرِيد أَنَّ قِرَب كُلّ بَلَدٍ عَلَى قَدْر وَاحِد لَا تَخْتَلِف
قَالَ وَالْحَدّ لَا يَقَع بِالْمَجْهُولِ
وَأَمَّا كَوْن الْمَفْهُوم حُجَّة فَلَهُ طَرِيقَانِ أَحَدهمَا التَّخْصِيص
وَالثَّانِي التَّعْلِيل
أَمَّا التَّخْصِيص فَهُوَ أَنْ يُقَال تَخْصِيص الْحُكْم بِهَذَا الْوَصْف وَالْعَدَد لَا بُدّ لَهُ مِنْ فَائِدَة وَهِيَ نَفْي الْحُكْم عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوق
وَأَمَّا التَّعْلِيل فَيَخْتَصّ بِمَفْهُومِ الصِّفَة وَهُوَ أَنَّ تَعْلِيق الْحُكْم بِهَذَا الْوَصْف
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْمُنَاسِب يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عِلَّة لَهُ فَيَنْتَفِي الْحُكْم بِانْتِفَائِهَا
فَإِنْ كَانَ الْمَفْهُوم مَفْهُوم شَرْط فَهُوَ قَوِيّ لِأَنَّ الْمَشْرُوط عَدَم عِنْد عَدَم شَرْطه وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَهُ
وَأَمَّا تَقْدِيمه عَلَى الْعُمُوم فَلِأَنَّ دَلَالَته خَاصَّة فَلَوْ قُدِّمَ الْعُمُوم عَلَيْهِ بَطَلَتْ دَلَالَته جُمْلَة وَإِذَا خُصَّ بِهِ الْعُمُوم عُمِلَ بِالْعُمُومِ فِيمَا عَدَا الْمَفْهُوم وَالْعَمَل بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا كَيْف وَقَدْ تَأَيَّدَ الْمَفْهُوم بِحَدِيثِ الْأَمْر بِغَسْلِ الْإِنَاء مِنْ وُلُوغ الْكَلْب وَإِرَاقَته وَبِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ غَمْس الْيَد فِي الْإِنَاء قَبْل غَسْلهَا عِنْد الْقِيَام مِنْ نَوْم اللَّيْل
وَأَمَّا تَقْدِيمه عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ فَوَاضِح لِأَنَّ الْقِيَاس عُمُوم مَعْنَوِيّ فَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيمه عَلَى الْعُمُوم اللَّفْظِيّ فَتَقْدِيمه عَلَى الْمَعْنَوِيّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَكُون خُرُوج صُوَر الْمَفْهُوم مِنْ مُقْتَضَى الْقِيَاس كَخُرُوجِهَا مِنْ مُقْتَضَى لَفْظ الْعُمُوم
وَأَمَّا كَوْن الْمَفْهُوم عَامًّا فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى نَفْي الْحُكْم عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوق بِطَرِيقِ سُكُوته عَنْهُ وَمَعْلُوم أَنَّ نِسْبَة الْمَسْكُوت إِلَى جَمِيع الصُّوَر وَاحِدَة فَلَا يَجُوز نَفْي الْحُكْم عَنْ بَعْضهَا دُون بَعْض لِلتَّحَكُّمِ
وَلَا إِثْبَات حُكْم الْمَنْطُوق لَهَا لِإِبْطَالِ فَائِدَة التَّخْصِيص فَتَعَيَّنَ بِقَيْدٍ عَنْ جَمِيعهَا
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد فَلِأَنَّهُ عَدَد صَدَرَ مِنْ الشَّارِع فَكَانَ تَحْدِيدًا وَتَقْيِيدًا كَالْخَمْسَةِ الْأَوْسُق وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَم وَالْخَمْس مِنْ الْإِبِل وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَر وَغَيْر ذَلِكَ إِذْ لَا بُدّ لِلْعَدَدِ مِنْ فَائِدَة وَلَا فَائِدَة لَهُ إِلَّا التَّحْدِيد
وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ بَعْض الْمُعَارِض فَلَيْسَ مَعَكُمْ إِلَّا عُمُوم لَفْظِيّ أَوْ عُمُوم مَعْنَوِيّ وَهُوَ الْقِيَاس وَقَدْ بَيَّنَّا تَقْدِيم الْمَفْهُوم عَلَيْهِمَا
وَأَمَّا جَعْل الشَّيْء نِصْفًا فَلِأَنَّهُ قد شك فيه فجعلناه نِصْفًا اِحْتِيَاطِيًّا وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَكُون أَكْثَر مِنْهُ وَيَحْتَمِل النِّصْف فَمَا دُون فَتَقْدِيره بِالنِّصْفِ أَوْلَى
وَأَمَّا كَوْن مَا أَوْجَبَ بِهِ الِاحْتِيَاط يَصِير فَرْضًا فَلِأَنَّ هَذَا حَقِيقَة الِاحْتِيَاط كَإِمْسَاكِ جُزْء مِنْ اللَّيْل مَعَ النَّهَار وَغَسْل جُزْء مِنْ الرَّأْس مَعَ الْوَجْه
فَهَذَا تَمَام تَقْرِير هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا وَوَجْه الِاحْتِجَاج بِهِ
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ التَّحْدِيد بِالْقُلَّتَيْنِ أَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ قَدْ صَحَّ سَنَده فَلَا يُفِيد الْحُكْم بِصِحَّتِهِ لِأَنَّ صِحَّةَ السَّنَدِ شَرْط أَوْ جُزْء سَبَب لِلْعِلْمِ بِالصِّحَّةِ لَا مُوجِب تَامّ فَلَا يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد صِحَّة السَّنَد صِحَّة الْحَدِيث مَا لَمْ يَنْتِف عَنْهُ الشُّذُوذ وَالْعِلَّة وَلَمْ يَنْتَفِيَا عَنْ هَذَا الْحَدِيث
أَمَّا الشُّذُوذ فَإِنَّ هَذَا حَدِيث فَاصِل بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام وَالطَّاهِر وَالنَّجِس وَهُوَ فِي الْمِيَاه كَالْأَوْسُقِ فِي الزَّكَاة وَالنُّصُب فِي الزَّكَاة فَكَيْف لَا يَكُون مَشْهُورًا شائعا بين
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الصحابة ينقله خلف عَنْ سَلَف لِشِدَّةِ حَاجَة الْأُمَّة إِلَيْهِ أَعْظَم مِنْ حَاجَتهمْ إِلَى نُصُب الزَّكَاة فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا تَجِب عَلَيْهِمْ زَكَاة وَالْوُضُوء بِالْمَاءِ الطَّاهِر فَرْض عَلَى كُلّ مُسْلِم فَيَكُون الْوَاجِب نَقْل هَذَا الْحَدِيث كَنَقْلِ نَجَاسَة الْبَوْل وَوُجُوب غَسْله وَنَقْل عَدَد الرَّكَعَات وَنَظَائِر ذَلِكَ
وَمِنْ المعلوم أن هذا لم يروه غير بن عمر ولا عن بن عُمَرَ غَيْر عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ فَأَيْنَ نَافِعٌ وَسَالِمٌ وَأَيُّوبُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَيْنَ أَهْل الْمَدِينَة وَعُلَمَاؤُهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّة الَّتِي مَخْرَجهَا مِنْ عِنْدهمْ وَهُمْ إِلَيْهَا أَحْوَج الْخَلْق لِعِزَّةِ الْمَاء عِنْدهمْ وَمِنْ الْبَعِيد جِدًّا أَنَّ تكون هذه السنة عند بن عُمَرَ وَتَخْفَى عَلَى عُلَمَاء أَصْحَابه وَأَهْل بَلْدَته وَلَا يَذْهَب إِلَيْهَا أَحَد مِنْهُمْ وَلَا يَرْوُونَهَا وَيُدِيرُونَهَا بَيْنهمْ
وَمَنْ أَنْصَفَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ اِمْتِنَاع هَذَا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ لِلسُّنَّةِ الْعَظِيمَة المقدار عند بن عُمَرَ لَكَانَ أَصْحَابه وَأَهْل الْمَدِينَة أَقْوَل النَّاس بِهَا وَأَرْوَاهُمْ لَهَا
فَأَيّ شُذُوذ أَبْلَغ مِنْ هَذَا وَحَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّحْدِيد أَحَد من أصحاب بن عُمَرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِنْده سنة من النبي فَهَذَا وَجْه شُذُوذه
وَأَمَّا عَلَيْهِ فَمِنْ ثَلَاثَة أوجه أحدها وقف مجاهد له على بن عُمَرَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أَيْضًا رَفْعًا وَوَقْفًا
وَرَجَّحَ شَيْخَا الْإِسْلَام أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَقْفه وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنه وَقْفه مِنْ طَرِيق مُجَاهِدٍ وَجَعَلَهُ هُوَ الصَّوَاب قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاسِ وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أن بن عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّث بِهِ عَنْ النَّبِيّ وَلَكِنْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِحَضْرَةِ اِبْنه فَنَقَلَ اِبْنه ذَلِكَ عَنْهُ
قُلْت وَيَدُلّ عَلَى وَقْفه أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا وَهُوَ الْعَلَم الْمَشْهُور الثَّبْت إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ وَقْفًا وَرَفْعًا
الْعِلَّة الثَّانِيَة اِضْطِرَاب سَنَده كَمَا تَقَدَّمَ
الْعِلَّة الثَّالِثَة اِضْطِرَاب منه فَإِنَّ فِي بَعْض أَلْفَاظه إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ وَفِي بَعْضهَا إِذَا بَلَغَ الْمَاء قَدْر قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاث وَاَلَّذِينَ زَادُوا هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسُوا بِدُونِ مَنْ سَكَتَ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ
قَالُوا وَأَمَّا تَصْحِيح مَنْ صَحَّحَهُ مِنْ الْحُفَّاظ فَمُعَارَض بِتَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ حَافِظُ الْمَغْرِبِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْره
وَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ أَصْحَاب الصَّحِيح جُمْلَة
قَالُوا وَأَمَّا تَقْدِير الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ فَلَمْ يَصِحّ عن رسول الله فِيهِ شَيْء أَصْلًا
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فَمُنْقَطِع وَلَيْسَ قَوْله بِقِلَالِ هَجَرَ فِيهِ مِنْ كلام النبي وَلَا إِضَافَة الرَّاوِي إِلَيْهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيث أَنَّ التَّفْسِير بِهَا مِنْ كَلَام يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ
فَكَيْف يَكُون بَيَان هَذَا الْحُكْم الْعَظِيم وَالْحَدّ الْفَاصِل بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام الَّذِي تَحْتَاج إِلَيْهِ جَمِيع الْأُمَّة لَا يُوجَد إِلَّا بِلَفْظٍ شَاذّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع وَذَلِكَ اللَّفْظ لَيْسَ من كلام رسول الله
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَأَمَّا ذِكْرهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج فَمِنْ الْعَجَب أَنْ يُحَال هَذَا الْحَدّ الْفَاصِل عَلَى تمثيل النبي نَبْق السِّدْرَة بِهَا وَمَا الرَّابِط بَيْن الْحُكْمَيْنِ وَأَيّ مُلَازَمَة بَيْنهمَا أَلِكَوْنِهَا مَعْلُومَة عِنْدهمْ مَعْرُوفَة لَهُمْ مَثَّلَ لَهُمْ بِهَا وَهَذَا مِنْ عَجِيب حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد
وَالتَّقْيِيد بِهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج لِبَيَانِ الْوَاقِع فَكَيْف يُحْمَل إِطْلَاق حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهِ وَكَوْنهَا مَعْلُومَة لَهُمْ لَا يُوجِب أَنْ يَنْصَرِف الْإِطْلَاق إِلَيْهَا حَيْثُ أُطْلِقَتْ الْعِلَّة فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا وَيَعْرِفُونَ غَيْرهَا
وَالظَّاهِر أَنَّ الْإِطْلَاق فِي حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَى قِلَال الْبَلَد الَّتِي هِيَ أَعْرَف عِنْدهمْ وَهُمْ لَهَا أَعْظَم مُلَابَسَة مِنْ غَيْرهَا فَالْإِطْلَاق إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَيْهَا كَمَا يَنْصَرِف إِطْلَاق النَّقْد إِلَى نَقْد بَلَد دُون غَيْره هَذَا هُوَ الظاهر وإنما مثل النبي بِقِلَالِ هَجَرَ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر كَمَا مَثَّلَ بَعْض أَشْجَار الْجَنَّة بِشَجَرَةٍ بِالشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَة دُون النَّخْل وَغَيْره مِنْ أَشْجَارهمْ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع لَا لِكَوْنِ الْجَوْز أَعْرَف الْأَشْجَار عِنْدهمْ
وَهَكَذَا التَّمْثِيل بِقِلَالِ هَجَرَ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع لَا لِكَوْنِهَا أَعْرَف الْقِلَال عِنْدهمْ
هَذَا بِحَمْدِ اللَّه وَاضِح
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهَا مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار فَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ ذِكْرهمَا تَحْدِيد وَالتَّحْدِيد إِنَّمَا يَقَع بِالْمَقَادِيرِ الْمُتَسَاوِيَة
وَهَذَا دَوْر بَاطِل وَهُوَ لَمْ يَنْقُلهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة وَهُوَ الثِّقَة فِي نَقْله وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عِيَان
ثُمَّ إِنَّ الْوَاقِع بِخِلَافِهِ فَإِنَّ الْقِلَال فِيهَا الْكِبَار وَالصِّغَار فِي الْعُرْف الْعَامّ أَوْ الْغَالِب وَلَا تَعْمَل بِقَالَبٍ وَاحِد
وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَر السَّلَف الْقُلَّة الْجَرَّة
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَحَد رُوَاة الْحَدِيث الْقِلَال الْخَوَابِي الْعِظَام
وَأَمَّا تَقْدِيرهَا بِقِرَبِ الْحِجَاز فَلَا نُنَازِعكُمْ فِيهِ وَلَكِنْ الْوَاقِع أَنَّهُ قَدَّرَ قُلَّة مِنْ الْقِلَال بِقِرْبَتَيْنِ مِنْ الْقِرَب فَرَآهَا تَسَعهُمَا فَهَلْ يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ كُلّ قُلَّة مِنْ قِلَال هَجَرَ تَأْخُذ قِرْبَتَيْنِ مِنْ قِرَب الْحِجَاز وَأَنَّ قِرَب الْحِجَاز كُلّهَا عَلَى قَدْر وَاحِد لَيْسَ فِيهَا صِغَار وَكِبَار وَمَنْ جَعَلَهَا مُتَسَاوِيَة فَإِنَّمَا مُسْتَنَده أَنْ قَالَ التَّحْدِيد لَا يَقَع بِالْمَجْهُولِ فَيَا سُبْحَان اللَّه إِنَّمَا يَتِمّ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ التَّحْدِيد مُسْتَنِدًا إِلَى صَاحِب الشَّرْع فَأَمَّا وَالتَّقْدِير بِقِلَالِ هَجَرَ وَقِرَب الْحِجَاز تَحْدِيد يَحْيَى بْنِ عقيل وبن جُرَيْجٍ فَكَانَ مَاذَا وَأَمَّا تَقْرِير كَوْن الْمَفْهُوم حُجَّة فَلَا تَنْفَعكُمْ مُسَاعَدَتنَا عَلَيْهِ إِذْ الْمُسَاعَدَة عَلَى مُقَدِّمَة مِنْ مُقَدِّمَات الدَّلِيل لَا تَسْتَلْزِم الْمُسَاعَدَة عَلَى الدَّلِيل
وَأَمَّا تَقْدِيمكُمْ لَهُ عَلَى الْعُمُوم فَمَمْنُوع وَهِيَ مَسْأَلَة نِزَاع بَيْن الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء وَفِيهَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ
وَمَنْشَأ النِّزَاع تَعَارُض خُصُوص الْمَفْهُوم وَعُمُوم الْمَنْطُوق فَالْخُصُوص يَقْتَضِي التَّقْدِيم وَالْمَنْطُوق يَقْتَضِي التَّرْجِيح فَإِنْ رَجَّحْتُمْ الْمَفْهُوم بِخُصُوصِهِ رَجَّحَ مُنَازِعُوكُمْ الْعُمُوم بِمَنْطُوقِهِ
ثُمَّ التَّرْجِيح مَعَهُمْ ها هنا لِلْعُمُومِ مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ حَدِيثه أَصَحّ
الثَّانِي أَنَّهُ مُوَافِق لِلْقِيَاسِ الصَّحِيح
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الثَّالِث أَنَّهُ مُوَافِق لِعَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَف عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ حَدَّدَ الْمَاء بِقُلَّتَيْنِ وَعَمَلهمْ بِتَرْكِ التَّحْدِيد فِي الْمِيَاه عَمَل نَقْلِيّ خَلَفًا عَنْ سَلَف فَجَرَى مَجْرَى نَقْلهمْ الصَّاع وَالْمُدّ وَالْأَجْنَاس وَتَرْك أَخْذ الزَّكَاة مِنْ الْخَضْرَوَاتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُحْتَجّ بِهِ مِنْ إِجْمَاعهمْ دُون مَا طَرِيقه الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال
فَإِنَّهُمْ وَغَيْرهمْ فِيهِ سَوَاء وَرُبَّمَا يُرَجَّح غَيْرهمْ عَلَيْهِمْ وَيُرَجَّحُوا هُمْ عَلَى غَيْرهمْ
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِع
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّرْجِيح فَمَعَنَا مِنْ التَّرْجِيح مَا يُقَابِلهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُوم هُنَا قَدْ تَأَيَّدَ بِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الرَّاكِد وَالْأَمْر بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب وَالْأَمْر بِغَسْلِ الْيَد مِنْ نَوْم اللَّيْل فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَاء يَتَأَثَّر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر وَلَا سَبِيل إِلَى تَأَثُّر كُلّ مَاء بِهَا بَلْ لَا بُدّ مِنْ تَقْدِيره فَتَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيره بِغَيْرِهِمَا لِأَنَّ التَّقْدِير بِالْحَرَكَةِ وَالْأَذْرُع الْمُعَيَّنَة وَمَا يُمْكِن نَزْحه وَمَا لَا يُمْكِن تَقْدِيرَات بَاطِلَة لَا أَصْل لَهَا وَهِيَ غَيْر مُنْضَبِطَة فِي نَفْسهَا فَرُبَّ حَرَكَة تُحَرِّك غَدِيرًا عَظِيمًا مِنْ الْمَاء وَأُخْرَى تُحَرِّك مِقْدَارًا يَسِيرًا مِنْهُ بِحَسَبِ الْمُحَرِّك وَالْمُتَحَرِّك
وَهَذَا التَّقْدِير بِالْأَذْرُعِ تَحَكُّم مَحْض لَا بِسُنَّةٍ وَلَا قِيَاس وَكَذَا التَّقْدِير بِالنَّزْحِ الْمُمْكِن مَعَ عَدَم اِنْضِبَاطه فَإِنَّ عَشْرَة آلَاف مَثَلًا يُمْكِنهُمْ نَزْح مَا لَا يَنْزَحهُ غَيْرهمْ فَلَا ضَابِط لَهُ
وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ التَّقْدِيرَات وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير فَالتَّقْدِير بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى لِثُبُوتِهِ إما عن النبي وَإِمَّا عَنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ
قِيلَ هَذَا السُّؤَال مَبْنِيّ عَلَى مَقَامَات
أَحَدهَا أَنَّ النَّهْي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مُسْتَلْزِم لِنَجَاسَةِ الْمَاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ
وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا التَّنْجِيس لَا يَعُمّ كُلّ مَاء بَلْ يَخْتَصّ بِبَعْضِ الْمِيَاه دُون بَعْض
وَالثَّالِث أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ التَّقْدِير كَانَ تَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ هُوَ الْمُتَعَيِّن
فَأَمَّا الْمَقَام الْأَوَّل فَنَقُول لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْمَاء يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل وَالْوُلُوغ وَغَمْس الْيَد فِيهِ
أَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمَاء كُلّه يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل لِبَعْضِهِ بَلْ قَدْ يَكُون ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَوْل سَبَب لِتَنْجِيسِهِ فَإِنَّ الْأَبْوَال مَتَى كَثُرَتْ فِي الْمِيَاه الدَّائِمَة أَفْسَدَتْهَا وَلَوْ كَانَتْ قِلَالًا عَظِيمَة
فَلَا يَجُوز أَنْ يُخَصّ نَهْيه بِمَا دُون الْقُلَّتَيْنِ فَيَجُوز لِلنَّاسِ أَنْ يَبُولُوا فِي الْقُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا وَحَاشَى لِلرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَكُون نَهْيه خَرَجَ عَلَى مَا دُون الْقُلَّتَيْنِ وَيَكُون قَدْ جَوَّزَ لِلنَّاسِ الْبَوْل فِي كُلّ مَاء بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِمَا وَهَلْ هَذَا إِلَّا إِلْغَازٌ فِي الْخِطَاب أَنْ يَقُول لَا يَبُولَن أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي وَمُرَاده مِنْ هَذَا اللَّفْظ الْعَامّ أَرْبَعمِائَةِ رَطْل بِالْعِرَاقِيِّ أَوْ خَمْسمِائَةِ مَعَ مَا يَتَضَمَّنهُ التَّجْوِيز مِنْ الْفَسَاد الْعَامّ وَإِفْسَاد مَوَارِد النَّاس وَمِيَاههمْ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ حَمْله عَلَى مَا لَا يُمْكِن نَزْحه أَوْ مَا لَا يَتَحَرَّك أَحَد طَرَفَيْهِ بِحَرَكَةِ طَرَفه الْآخَر وَكُلّ هذا خلاف
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مَدْلُول الْحَدِيث وَخِلَاف مَا عَلَيْهِ النَّاس وَأَهْل الْعِلْم قَاطِبَة
فَإِنَّهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه وَإِنْ كَانَ مُجَرَّد الْبَوْل لَا يُنَجِّسهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ
فَإِنَّهُ إِذَا مُكِّنَ النَّاس مِنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَة عَظِيمَة لَمْ تَلْبَث أَنْ تَتَغَيَّر وَتَفْسُد عَلَى النَّاس كَمَا رَأَيْنَا مِنْ تَغَيُّر الْأَنْهَار الْجَارِيَة بِكَثْرَةِ الْأَبْوَال
وَهَذَا كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد ظِلَالهمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخَلِّي فِيهَا وَإِفْسَاد طُرُقَاتهمْ بِذَلِكَ
فَالتَّعْلِيل بِهَذَا أَقْرَب إِلَى ظَاهِر لَفْظه وَمَقْصُوده وَحِكْمَته بِنَهْيِهِ وَمُرَاعَاته مَصَالِح الْعِبَاد وَحِمَايَتهمْ مِمَّا يُفْسِد عَلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ مَوَارِدهمْ وَطُرُقَاتهمْ وَظِلَالهمْ كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْجِنّ مِنْ طَعَامهمْ وَعَلَف دَوَابّهمْ
فَهَذِهِ عِلَّة مَعْقُولَة تَشْهَد لَهَا الْعُقُول وَالْفِطَر وَيَدُلّ عَلَيْهَا تَصَرُّف الشَّرْع فِي مَوَارِده وَمَصَادِره وَيَقْبَلهَا كُلّ عَقْل سَلِيم وَيَشْهَد لَهَا بِالصِّحَّةِ
وَأَمَّا تَعْلِيل ذَلِكَ بِمِائَةِ وَثَمَانِيَّة أَرْطَال بِالدِّمَشْقِيِّ أَوْ بِمَا يَتَحَرَّك أَوْ لَا يَتَحَرَّك أَوْ بِعِشْرِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَة أَوْ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه فَأَقْوَال كُلٌّ مِنْهَا بِكُلٍّ مُعَارَضٌ وَكُلٌّ بِكُلٍّ مُنَاقَضٌ لَا يُشَمّ مِنْهَا رَائِحَة الْحِكْمَة وَلَا يُشَام مِنْهَا بَوَارِق الْمَصْلَحَة وَلَا تُعَطَّل بِهَا الْمَفْسَدَة الْمَخُوفَة
فَإِنَّ الرَّجُل إِذَا عَلِمَ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَنَاوَلَ هَذَا الْمِقْدَار مِنْ الْمَاء لَمْ يَبْقَ عِنْده وَازِع وَلَا زَاجِر عَنْ الْبَوْل فِيمَا هُوَ أَكْثَر مِنْهُ وَهَذَا يَرْجِع عَلَى مَقْصُود صَاحِب الشَّرْع بِالْإِبْطَالِ
وَكُلّ شَرْط أَوْ عِلَّة أَوْ ضَابِط يَرْجِع عَلَى مَقْصُود الشَّارِع بِالْإِبْطَالِ كَانَ هُوَ الْبَاطِل الْمُحَال
وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّبِيّ ذَكَرَ فِي النَّهْي وَصْفًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَر فِي النَّهْي وَهُوَ كَوْن الْمَاء دَائِمًا لَا يَجْرِي وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله الدَّائِم حَتَّى نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة بِقَوْلِهِ لَا يَجْرِي فَتَقِف النَّجَاسَة فِيهِ فَلَا يَذْهَب بِهَا
وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة فِي الْقُلَّتَيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِمَا
وَالْعَجَب مِنْ مُنَاقَضَة الْمُحَدِّدِينَ بِالْقُلَّتَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ اِعْتَبَرُوا الْقُلَّتَيْنِ حَتَّى فِي الْجَارِي وَقَالُوا إِنْ كَانَتْ الْجَرِيَّة قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يَتَأَثَّر بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَتْ دُون الْقُلَّتَيْنِ تَأَثَّرَتْ وَأَلْغَوْا كَوْن الْمَاء جَارِيًا أَوْ وَاقِفًا وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي اِعْتَبَرَهُ الشَّارِع
وَاعْتَبَرُوا فِي الْجَارِي وَالْوَاقِف الْقُلَّتَيْنِ
وَالشَّارِع لَمْ يَعْتَبِرهُ بَلْ اِعْتَبَرَ الْوُقُوف وَالْجَرَيَان
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا لَمْ تُخَصِّصُوا الْحَدِيث وَلَمْ تُقَيِّدُوهُ بِمَاءٍ دُون مَاء لَزِمَكُمْ الْمُحَال وَهُوَ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْبَحْر لِأَنَّهُ دَائِم لَا يَجْرِي
قيل ذكره الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي تَنْبِيه عَلَى أَنَّ حِكْمَة النَّهْي إِنَّمَا هِيَ مَا يَخْشَى مِنْ إِفْسَاد مِيَاه النَّاس عَلَيْهِمْ وَأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمِيَاهِ الدَّائِمَة الَّتِي مِنْ شَأْنهَا أَنْ تُفْسِدهَا الْأَبْوَال
فَأَمَّا الْأَنْهَار الْعِظَام وَالْبِحَار فلم يدل نهي النبي عَلَيْهَا بِوَجْهِ بَلْ لَمَّا دَلَّ كَلَامه بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَاز الْبَوْل فِي الْأَنْهَار الْعِظَام كَالنِّيلِ وَالْفُرَات فَجَوَاز الْبَوْل فِي الْبِحَار أَوْلَى وَأَحْرَى وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا تَخْصِيص لِعُمُومِ كَلَامه فَلَا يَسْتَرِيب عَاقِل أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصه بِالْقُلَّتَيْنِ
أَوْ مَا لَا يُمْكِن نَزْحه أَوْ مَا لَا يُمْكِن تَبَلُّغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لِأَنَّ الْمَفْسَدَة الْمَنْهِيّ عَنْ الْبَوْل لِأَجْلِهَا لَا تزول فِي هَذِهِ الْمِيَاه بِخِلَافِ مَاء الْبَحْر فَإِنَّهُ لَا مَفْسَدَة فِي الْبَوْل فِيهِ
وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نَهْيه عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ
وَبَوْله فِي ظِلّ الشَّجَرَتَيْنِ وَاسْتِتَاره بِجِذْمِ الْحَائِط فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ النَّافِع وَتَخَلَّى مُسْتَتِرًا بِالشَّجَرَتَيْنِ وَالْحَائِط حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِع أَحَد بِظِلِّهِمَا فَلَمْ يُفْسِد ذَلِكَ الظِّلّ عَلَى أَحَد
وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان قَدْ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَاج إِلَيْهِ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي إِنَاء ثُمَّ يَصُبّهُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى
وَلَا يَسْتَرِيب فِي هَذَا مَنْ عَلِمَ حِكْمَة الشَّرِيعَة وَمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مصالح العباد ونصائحهم
ودع الظاهرية البحتة فإنهما تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية مَحَاسِن الشَّرِيعَة وَبَهْجَتهَا وَمَا أُودِعَتْهُ مِنْ الْحِكَم وَالْمَصَالِح وَالْعَدْل وَالرَّحْمَة
وَهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي جَاءَتْك عفوا تنظر إليها نظر متكىء عَلَى أَرِيكَته قَدْ تَقَطَّعَتْ فِي مَفَاوِزهَا أَعْنَاق الْمَطِيّ لَا يَسْلُكهَا فِي الْعَالَم إِلَّا الْفَرْد بَعْد الْفَرْد وَلَا يَعْرِف مِقْدَارهَا مَنْ أَفْرَحَتْ قَلْبه الْأَقْوَال الْمُخْتَلِفَة وَالِاحْتِمَالَات الْمُتَعَدِّدَة وَالتَّقْدِيرَات الْمُسْتَبْعَدَة
فَإِنْ عَلَتْ هِمَّته جَعَلَ مَذْهَبه عُرْضَة لِلْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّة وَخَدَمَهُ بِهَا وَجَعَلَهُ أَصْلًا مُحْكَمًا يَرُدّ إِلَيْهِ مُتَشَابِههَا فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا قَبِلَهُ وَمَا خَالَفَهُ تَكَلَّفَ لَهُ وُجُوهًا بِالرَّدِّ غَيْر الْجَمِيل فَمَا أَتْعَبَهُ مِنْ شَقِيّ وَمَا أَقَلّ فَائِدَته وَمِمَّا يُفْسِد قَوْل الْمُحَدِّدِينَ بِقُلَّتَيْنِ أَنَّ النَّبِيّ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم ثُمَّ يَغْتَسِل الْبَائِل فِيهِ بَعْد الْبَوْل
هَكَذَا لَفْظ الصَّحِيحَيْنِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِل فِيهِ وَأُنْتَمَ تُجَوِّزُونَ أَنْ يَغْتَسِل فِي مَاء دَائِم قَدْر القلتين بعد ما بَالَ فِيهِ
وَهَذَا خِلَاف صَرِيح لِلْحَدِيثِ فَإِنْ مَنَعْتُمْ الْغُسْل فِيهِ نَقَضْتُمْ أَصْلكُمْ وَإِنْ جَوَّزْتُمُوهُ خَالَفْتُمْ الْحَدِيث
فَإِنْ جَوَّزْتُمْ الْبَوْل وَالْغُسْل خَالَفْتُمْ الْحَدِيث مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَلَا يُقَال فَهَذَا بِعَيْنِهِ وَارِد عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ إِذَا بَالَ فِي الْمَاء الْيَسِير وَلَمْ يَتَغَيَّر جَوَّزْتُمْ لَهُ الْغُسْل فِيهِ لِأَنَّا لَمْ نُعَلِّل النَّهْي بِالتَّنْجِيسِ وَإِنَّمَا عَلَّلْنَاهُ بِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنْجِيس كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَرِد عَلَيْنَا هَذَا
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاء كَثِيرًا فَبَالَ فِي نَاحِيَة ثُمَّ اِغْتَسَلَ فِي نَاحِيَة أُخْرَى لَمْ يَصِل إِلَيْهَا الْبَوْل فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث لِأَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِل فِي الْمَاء الَّذِي بَالَ فِيهِ وَإِلَّا لَزِمَ إِذَا بَالَ فِي نَاحِيَة مِنْ الْبَحْر أَنْ لَا يَغْتَسِل فِيهِ أَبَدًا وَهُوَ فَاسِد
وَأَيْضًا فَالنَّبِيّ نَهَى عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ إِصَابَة الْبَوْل لَهُ
وَنَظِير هَذَا نَهْيه أَنْ يَبُول الرَّجُل فِي مُسْتَحَمّه
وَذَلِكَ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ تَطَايُر رَشَاش الْمَاء الَّذِي يُصِيب الْبَوْل فَيَقَع فِي الْوَسْوَاس كَمَا فِي الْحَدِيث فَإِنَّ عَامَّة الْوَسْوَاس مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَكَان مُبَلَّطًا لَا يَسْتَقِرّ فِيهِ الْبَوْل بَلْ يَذْهَب مَعَ الْمَاء لَمْ يُكْرَه ذَلِكَ عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء
وَنَظِير هَذَا مَنْع الْبَائِل أَنْ يَسْتَجْمِر أَوْ يَسْتَنْجِي مَوْضِع بَوْله لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ التَّلَوُّث بِالْبَوْلِ
ولم يرد النبي بِنَهْيِهِ الْإِخْبَار عَنْ نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم بِالْبَوْلِ فَلَا يَجُوز تَعْلِيل كَلَامه بِعِلَّةٍ عَامَّة
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
تَتَنَاوَل مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ
وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي بِئْر بُضَاعَةَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ بِئْر يُطْرَح فِيهَا الْحَيْض (١) وَلُحُوم الْكِلَاب وَعُذْر النَّاس فَقَالَ الْمَاء طَهُور لَا يُنَجِّسهُ شَيْء
فَهَذَا نَصّ صَحِيح صَرِيح عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَنْجُس بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَة مَعَ كَوْنه وَاقِفًا فَإِنَّ بِئْر بُضَاعَةَ كَانَتْ وَاقِفَة وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْده بِالْمَدِينَةِ مَاء جَارٍ أَصْلًا
فَلَا يَجُوز تَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ وَفَعَلَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ وَيُعَارَض أَحَدهمَا بِالْآخَرِ بَلْ يُسْتَعْمَل هَذَا وَهَذَا هَذَا فِي مَوْضِعه وَهَذَا فِي مَوْضِعه وَلَا تضرب سنة رسول الله بعضها ببعض
فوضوؤه مِنْ بِئْر بُضَاعَةَ وَحَالهَا مَا ذَكَرُوهُ لَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَتَنَجَّس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّر
وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِي الْمَاء الدَّائِم بَعْد الْبَوْل فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى تَلَوُّثه بِالْبَوْلِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ التَّعْلِيل بِنَظِيرِهِ فَاسْتَعْمَلْنَا السُّنَن عَلَى وُجُوههَا
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل حَدِيث بِئْر بُضَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَكْثَر مِنْ قلتين لأن النبي لَمْ يُعَلِّل بِذَلِكَ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَلَا دَلَّ كَلَامه عَلَيْهِ بِوَجْهٍ
وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاء وَهَذِهِ عِلَّة مُطَّرِدَة فِي كُلّ مَاء
قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَا يَرِد الْمُتَغَيِّر لِأَنَّ طَهُور النَّجَاسَة فِيهِ يَدُلّ عَلَى تَنَجُّسه بِهَا فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ مَحَلّ وفاق فلا يناقض به
وأيضا فلو أراد النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال الْمَاء الدَّائِم الْيَسِير إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ أَيّ نَجَاسَة كَانَتْ لَأَتَى بِلَفْظٍ يَدُلّ عَلَيْهِ
وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل لَا يَدُلّ عَلَى مِقْدَار وَلَا تَنْجِيس فَلَا يُحَمَّل مَا لَا يَحْتَمِلهُ
ثُمَّ إِنَّ كُلّ مَنْ قَدَّرَ الْمَاء الْمُتَنَجِّس بِقَدْرٍ خَالَفَ ظَاهِر الْحَدِيث
فَأَصْحَاب الْحَرَكَة خَالَفُوهُ بِأَنْ قَدَّرُوهُ بِمَا لَا يَتَحَرَّك طَرَفَاهُ وَأَصْحَاب النَّزْح خَصُّوهُ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه وَأَصْحَاب الْقُلَّتَيْنِ خَصُّوهُ بِمِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ
وَأَسْعَد النَّاس بِالْحَدِيثِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَلَمْ يَخُصّهُ وَلَمْ يُقَيِّدهُ بَلْ إِنْ كَانَ تَوَاتُر الْأَبْوَال فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِفْسَاده مَنَعَ مِنْ جَوَازهَا وَإِلَّا مَنَعَ مِنْ اِغْتِسَاله فِي مَوْضِع بَوْله كَالْبَحْرِ وَلَمْ يَمْنَع مِنْ بَوْله فِي مَكَان وَاغْتِسَاله فِي غَيْره
وَكُلّ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث عَلَى نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم لِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ ظَاهِر الْحَدِيث مَا هُوَ أَبْيَن دَلَالَة مِمَّا قَالَ بِهِ وَقَالَ بِشَيْءٍ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ لَفْظ الْحَدِيث
لِأَنَّهُ إِنْ عَمَّمَ النَّهْي فِي كُلّ مَاء بَطَلَ اِسْتِدْلَاله بِالْحَدِيثِ وإن خصه بقدر خَالَفَ ظَاهِره وَقَالَ مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّز الْبَوْل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الْقَدْر وَهَذَا لَا يَقُولهُ أَحَد
فَظَهَرَ بُطْلَان الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى التَّنْجِيس بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاة على كل تقدير
وأما من قدره بِالْحَرَكَةِ فَيَدُلّ عَلَى بُطْلَان قَوْله أَنَّ الْحَرَكَة مُخْتَلِفَة اِخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِط وَالْبَوْل قَدْ يَكُون قَلِيلًا وَقَدْ يَكُون كَثِيرًا وَوُصُول النَّجَاسَة إِلَى الْمَاء أَمْر حِسِّيّ وَلَيْسَ تَقْدِيره بِحَرَكَةِ الطَّهَارَة الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى أَوْلَى مِنْ سَائِر أَنْوَاع الحركات فيا لله العجب حَرَكَة الطَّهَارَة مِيزَان وَمِعْيَار عَلَى وُصُول
следующие страницы →