← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَأَمَّا ذِكْرهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج فَمِنْ الْعَجَب أَنْ يُحَال هَذَا الْحَدّ الْفَاصِل عَلَى تمثيل النبي نَبْق السِّدْرَة بِهَا وَمَا الرَّابِط بَيْن الْحُكْمَيْنِ وَأَيّ مُلَازَمَة بَيْنهمَا أَلِكَوْنِهَا مَعْلُومَة عِنْدهمْ مَعْرُوفَة لَهُمْ مَثَّلَ لَهُمْ بِهَا وَهَذَا مِنْ عَجِيب حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد وَالتَّقْيِيد بِهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج لِبَيَانِ الْوَاقِع فَكَيْف يُحْمَل إِطْلَاق حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهِ وَكَوْنهَا مَعْلُومَة لَهُمْ لَا يُوجِب أَنْ يَنْصَرِف الْإِطْلَاق إِلَيْهَا حَيْثُ أُطْلِقَتْ الْعِلَّة فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا وَيَعْرِفُونَ غَيْرهَا وَالظَّاهِر أَنَّ الْإِطْلَاق فِي حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَى قِلَال الْبَلَد الَّتِي هِيَ أَعْرَف عِنْدهمْ وَهُمْ لَهَا أَعْظَم مُلَابَسَة مِنْ غَيْرهَا فَالْإِطْلَاق إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَيْهَا كَمَا يَنْصَرِف إِطْلَاق النَّقْد إِلَى نَقْد بَلَد دُون غَيْره هَذَا هُوَ الظاهر وإنما مثل النبي بِقِلَالِ هَجَرَ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر كَمَا مَثَّلَ بَعْض أَشْجَار الْجَنَّة بِشَجَرَةٍ بِالشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَة دُون النَّخْل وَغَيْره مِنْ أَشْجَارهمْ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع لَا لِكَوْنِ الْجَوْز أَعْرَف الْأَشْجَار عِنْدهمْ وَهَكَذَا التَّمْثِيل بِقِلَالِ هَجَرَ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع لَا لِكَوْنِهَا أَعْرَف الْقِلَال عِنْدهمْ هَذَا بِحَمْدِ اللَّه وَاضِح وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهَا مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار فَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ ذِكْرهمَا تَحْدِيد وَالتَّحْدِيد إِنَّمَا يَقَع بِالْمَقَادِيرِ الْمُتَسَاوِيَة وَهَذَا دَوْر بَاطِل وَهُوَ لَمْ يَنْقُلهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة وَهُوَ الثِّقَة فِي نَقْله وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عِيَان ثُمَّ إِنَّ الْوَاقِع بِخِلَافِهِ فَإِنَّ الْقِلَال فِيهَا الْكِبَار وَالصِّغَار فِي الْعُرْف الْعَامّ أَوْ الْغَالِب وَلَا تَعْمَل بِقَالَبٍ وَاحِد وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَر السَّلَف الْقُلَّة الْجَرَّة وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَحَد رُوَاة الْحَدِيث الْقِلَال الْخَوَابِي الْعِظَام وَأَمَّا تَقْدِيرهَا بِقِرَبِ الْحِجَاز فَلَا نُنَازِعكُمْ فِيهِ وَلَكِنْ الْوَاقِع أَنَّهُ قَدَّرَ قُلَّة مِنْ الْقِلَال بِقِرْبَتَيْنِ مِنْ الْقِرَب فَرَآهَا تَسَعهُمَا فَهَلْ يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ كُلّ قُلَّة مِنْ قِلَال هَجَرَ تَأْخُذ قِرْبَتَيْنِ مِنْ قِرَب الْحِجَاز وَأَنَّ قِرَب الْحِجَاز كُلّهَا عَلَى قَدْر وَاحِد لَيْسَ فِيهَا صِغَار وَكِبَار وَمَنْ جَعَلَهَا مُتَسَاوِيَة فَإِنَّمَا مُسْتَنَده أَنْ قَالَ التَّحْدِيد لَا يَقَع بِالْمَجْهُولِ فَيَا سُبْحَان اللَّه إِنَّمَا يَتِمّ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ التَّحْدِيد مُسْتَنِدًا إِلَى صَاحِب الشَّرْع فَأَمَّا وَالتَّقْدِير بِقِلَالِ هَجَرَ وَقِرَب الْحِجَاز تَحْدِيد يَحْيَى بْنِ عقيل وبن جُرَيْجٍ فَكَانَ مَاذَا وَأَمَّا تَقْرِير كَوْن الْمَفْهُوم حُجَّة فَلَا تَنْفَعكُمْ مُسَاعَدَتنَا عَلَيْهِ إِذْ الْمُسَاعَدَة عَلَى مُقَدِّمَة مِنْ مُقَدِّمَات الدَّلِيل لَا تَسْتَلْزِم الْمُسَاعَدَة عَلَى الدَّلِيل وَأَمَّا تَقْدِيمكُمْ لَهُ عَلَى الْعُمُوم فَمَمْنُوع وَهِيَ مَسْأَلَة نِزَاع بَيْن الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء وَفِيهَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ وَمَنْشَأ النِّزَاع تَعَارُض خُصُوص الْمَفْهُوم وَعُمُوم الْمَنْطُوق فَالْخُصُوص يَقْتَضِي التَّقْدِيم وَالْمَنْطُوق يَقْتَضِي التَّرْجِيح فَإِنْ رَجَّحْتُمْ الْمَفْهُوم بِخُصُوصِهِ رَجَّحَ مُنَازِعُوكُمْ الْعُمُوم بِمَنْطُوقِهِ ثُمَّ التَّرْجِيح مَعَهُمْ ها هنا لِلْعُمُومِ مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ حَدِيثه أَصَحّ الثَّانِي أَنَّهُ مُوَافِق لِلْقِيَاسِ الصَّحِيح

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الثَّالِث أَنَّهُ مُوَافِق لِعَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَف عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ حَدَّدَ الْمَاء بِقُلَّتَيْنِ وَعَمَلهمْ بِتَرْكِ التَّحْدِيد فِي الْمِيَاه عَمَل نَقْلِيّ خَلَفًا عَنْ سَلَف فَجَرَى مَجْرَى نَقْلهمْ الصَّاع وَالْمُدّ وَالْأَجْنَاس وَتَرْك أَخْذ الزَّكَاة مِنْ الْخَضْرَوَاتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُحْتَجّ بِهِ مِنْ إِجْمَاعهمْ دُون مَا طَرِيقه الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُمْ وَغَيْرهمْ فِيهِ سَوَاء وَرُبَّمَا يُرَجَّح غَيْرهمْ عَلَيْهِمْ وَيُرَجَّحُوا هُمْ عَلَى غَيْرهمْ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِع فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّرْجِيح فَمَعَنَا مِنْ التَّرْجِيح مَا يُقَابِلهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُوم هُنَا قَدْ تَأَيَّدَ بِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الرَّاكِد وَالْأَمْر بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب وَالْأَمْر بِغَسْلِ الْيَد مِنْ نَوْم اللَّيْل فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَاء يَتَأَثَّر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر وَلَا سَبِيل إِلَى تَأَثُّر كُلّ مَاء بِهَا بَلْ لَا بُدّ مِنْ تَقْدِيره فَتَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيره بِغَيْرِهِمَا لِأَنَّ التَّقْدِير بِالْحَرَكَةِ وَالْأَذْرُع الْمُعَيَّنَة وَمَا يُمْكِن نَزْحه وَمَا لَا يُمْكِن تَقْدِيرَات بَاطِلَة لَا أَصْل لَهَا وَهِيَ غَيْر مُنْضَبِطَة فِي نَفْسهَا فَرُبَّ حَرَكَة تُحَرِّك غَدِيرًا عَظِيمًا مِنْ الْمَاء وَأُخْرَى تُحَرِّك مِقْدَارًا يَسِيرًا مِنْهُ بِحَسَبِ الْمُحَرِّك وَالْمُتَحَرِّك وَهَذَا التَّقْدِير بِالْأَذْرُعِ تَحَكُّم مَحْض لَا بِسُنَّةٍ وَلَا قِيَاس وَكَذَا التَّقْدِير بِالنَّزْحِ الْمُمْكِن مَعَ عَدَم اِنْضِبَاطه فَإِنَّ عَشْرَة آلَاف مَثَلًا يُمْكِنهُمْ نَزْح مَا لَا يَنْزَحهُ غَيْرهمْ فَلَا ضَابِط لَهُ وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ التَّقْدِيرَات وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير فَالتَّقْدِير بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى لِثُبُوتِهِ إما عن النبي وَإِمَّا عَنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ قِيلَ هَذَا السُّؤَال مَبْنِيّ عَلَى مَقَامَات أَحَدهَا أَنَّ النَّهْي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مُسْتَلْزِم لِنَجَاسَةِ الْمَاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا التَّنْجِيس لَا يَعُمّ كُلّ مَاء بَلْ يَخْتَصّ بِبَعْضِ الْمِيَاه دُون بَعْض وَالثَّالِث أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ التَّقْدِير كَانَ تَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ هُوَ الْمُتَعَيِّن فَأَمَّا الْمَقَام الْأَوَّل فَنَقُول لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْمَاء يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل وَالْوُلُوغ وَغَمْس الْيَد فِيهِ أَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمَاء كُلّه يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل لِبَعْضِهِ بَلْ قَدْ يَكُون ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَوْل سَبَب لِتَنْجِيسِهِ فَإِنَّ الْأَبْوَال مَتَى كَثُرَتْ فِي الْمِيَاه الدَّائِمَة أَفْسَدَتْهَا وَلَوْ كَانَتْ قِلَالًا عَظِيمَة فَلَا يَجُوز أَنْ يُخَصّ نَهْيه بِمَا دُون الْقُلَّتَيْنِ فَيَجُوز لِلنَّاسِ أَنْ يَبُولُوا فِي الْقُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا وَحَاشَى لِلرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَكُون نَهْيه خَرَجَ عَلَى مَا دُون الْقُلَّتَيْنِ وَيَكُون قَدْ جَوَّزَ لِلنَّاسِ الْبَوْل فِي كُلّ مَاء بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِمَا وَهَلْ هَذَا إِلَّا إِلْغَازٌ فِي الْخِطَاب أَنْ يَقُول لَا يَبُولَن أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي وَمُرَاده مِنْ هَذَا اللَّفْظ الْعَامّ أَرْبَعمِائَةِ رَطْل بِالْعِرَاقِيِّ أَوْ خَمْسمِائَةِ مَعَ مَا يَتَضَمَّنهُ التَّجْوِيز مِنْ الْفَسَاد الْعَامّ وَإِفْسَاد مَوَارِد النَّاس وَمِيَاههمْ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ حَمْله عَلَى مَا لَا يُمْكِن نَزْحه أَوْ مَا لَا يَتَحَرَّك أَحَد طَرَفَيْهِ بِحَرَكَةِ طَرَفه الْآخَر وَكُلّ هذا خلاف

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مَدْلُول الْحَدِيث وَخِلَاف مَا عَلَيْهِ النَّاس وَأَهْل الْعِلْم قَاطِبَة فَإِنَّهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه وَإِنْ كَانَ مُجَرَّد الْبَوْل لَا يُنَجِّسهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ إِذَا مُكِّنَ النَّاس مِنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَة عَظِيمَة لَمْ تَلْبَث أَنْ تَتَغَيَّر وَتَفْسُد عَلَى النَّاس كَمَا رَأَيْنَا مِنْ تَغَيُّر الْأَنْهَار الْجَارِيَة بِكَثْرَةِ الْأَبْوَال وَهَذَا كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد ظِلَالهمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخَلِّي فِيهَا وَإِفْسَاد طُرُقَاتهمْ بِذَلِكَ فَالتَّعْلِيل بِهَذَا أَقْرَب إِلَى ظَاهِر لَفْظه وَمَقْصُوده وَحِكْمَته بِنَهْيِهِ وَمُرَاعَاته مَصَالِح الْعِبَاد وَحِمَايَتهمْ مِمَّا يُفْسِد عَلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ مَوَارِدهمْ وَطُرُقَاتهمْ وَظِلَالهمْ كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْجِنّ مِنْ طَعَامهمْ وَعَلَف دَوَابّهمْ فَهَذِهِ عِلَّة مَعْقُولَة تَشْهَد لَهَا الْعُقُول وَالْفِطَر وَيَدُلّ عَلَيْهَا تَصَرُّف الشَّرْع فِي مَوَارِده وَمَصَادِره وَيَقْبَلهَا كُلّ عَقْل سَلِيم وَيَشْهَد لَهَا بِالصِّحَّةِ وَأَمَّا تَعْلِيل ذَلِكَ بِمِائَةِ وَثَمَانِيَّة أَرْطَال بِالدِّمَشْقِيِّ أَوْ بِمَا يَتَحَرَّك أَوْ لَا يَتَحَرَّك أَوْ بِعِشْرِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَة أَوْ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه فَأَقْوَال كُلٌّ مِنْهَا بِكُلٍّ مُعَارَضٌ وَكُلٌّ بِكُلٍّ مُنَاقَضٌ لَا يُشَمّ مِنْهَا رَائِحَة الْحِكْمَة وَلَا يُشَام مِنْهَا بَوَارِق الْمَصْلَحَة وَلَا تُعَطَّل بِهَا الْمَفْسَدَة الْمَخُوفَة فَإِنَّ الرَّجُل إِذَا عَلِمَ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَنَاوَلَ هَذَا الْمِقْدَار مِنْ الْمَاء لَمْ يَبْقَ عِنْده وَازِع وَلَا زَاجِر عَنْ الْبَوْل فِيمَا هُوَ أَكْثَر مِنْهُ وَهَذَا يَرْجِع عَلَى مَقْصُود صَاحِب الشَّرْع بِالْإِبْطَالِ وَكُلّ شَرْط أَوْ عِلَّة أَوْ ضَابِط يَرْجِع عَلَى مَقْصُود الشَّارِع بِالْإِبْطَالِ كَانَ هُوَ الْبَاطِل الْمُحَال وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّبِيّ ذَكَرَ فِي النَّهْي وَصْفًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَر فِي النَّهْي وَهُوَ كَوْن الْمَاء دَائِمًا لَا يَجْرِي وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله الدَّائِم حَتَّى نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة بِقَوْلِهِ لَا يَجْرِي فَتَقِف النَّجَاسَة فِيهِ فَلَا يَذْهَب بِهَا وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة فِي الْقُلَّتَيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَالْعَجَب مِنْ مُنَاقَضَة الْمُحَدِّدِينَ بِالْقُلَّتَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ اِعْتَبَرُوا الْقُلَّتَيْنِ حَتَّى فِي الْجَارِي وَقَالُوا إِنْ كَانَتْ الْجَرِيَّة قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يَتَأَثَّر بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَتْ دُون الْقُلَّتَيْنِ تَأَثَّرَتْ وَأَلْغَوْا كَوْن الْمَاء جَارِيًا أَوْ وَاقِفًا وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي اِعْتَبَرَهُ الشَّارِع وَاعْتَبَرُوا فِي الْجَارِي وَالْوَاقِف الْقُلَّتَيْنِ وَالشَّارِع لَمْ يَعْتَبِرهُ بَلْ اِعْتَبَرَ الْوُقُوف وَالْجَرَيَان فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا لَمْ تُخَصِّصُوا الْحَدِيث وَلَمْ تُقَيِّدُوهُ بِمَاءٍ دُون مَاء لَزِمَكُمْ الْمُحَال وَهُوَ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْبَحْر لِأَنَّهُ دَائِم لَا يَجْرِي قيل ذكره الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي تَنْبِيه عَلَى أَنَّ حِكْمَة النَّهْي إِنَّمَا هِيَ مَا يَخْشَى مِنْ إِفْسَاد مِيَاه النَّاس عَلَيْهِمْ وَأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمِيَاهِ الدَّائِمَة الَّتِي مِنْ شَأْنهَا أَنْ تُفْسِدهَا الْأَبْوَال فَأَمَّا الْأَنْهَار الْعِظَام وَالْبِحَار فلم يدل نهي النبي عَلَيْهَا بِوَجْهِ بَلْ لَمَّا دَلَّ كَلَامه بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَاز الْبَوْل فِي الْأَنْهَار الْعِظَام كَالنِّيلِ وَالْفُرَات فَجَوَاز الْبَوْل فِي الْبِحَار أَوْلَى وَأَحْرَى وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا تَخْصِيص لِعُمُومِ كَلَامه فَلَا يَسْتَرِيب عَاقِل أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصه بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْ مَا لَا يُمْكِن نَزْحه أَوْ مَا لَا يُمْكِن تَبَلُّغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] لِأَنَّ الْمَفْسَدَة الْمَنْهِيّ عَنْ الْبَوْل لِأَجْلِهَا لَا تزول فِي هَذِهِ الْمِيَاه بِخِلَافِ مَاء الْبَحْر فَإِنَّهُ لَا مَفْسَدَة فِي الْبَوْل فِيهِ وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نَهْيه عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ وَبَوْله فِي ظِلّ الشَّجَرَتَيْنِ وَاسْتِتَاره بِجِذْمِ الْحَائِط فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ النَّافِع وَتَخَلَّى مُسْتَتِرًا بِالشَّجَرَتَيْنِ وَالْحَائِط حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِع أَحَد بِظِلِّهِمَا فَلَمْ يُفْسِد ذَلِكَ الظِّلّ عَلَى أَحَد وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان قَدْ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَاج إِلَيْهِ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي إِنَاء ثُمَّ يَصُبّهُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَا يَسْتَرِيب فِي هَذَا مَنْ عَلِمَ حِكْمَة الشَّرِيعَة وَمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مصالح العباد ونصائحهم ودع الظاهرية البحتة فإنهما تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية مَحَاسِن الشَّرِيعَة وَبَهْجَتهَا وَمَا أُودِعَتْهُ مِنْ الْحِكَم وَالْمَصَالِح وَالْعَدْل وَالرَّحْمَة وَهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي جَاءَتْك عفوا تنظر إليها نظر متكىء عَلَى أَرِيكَته قَدْ تَقَطَّعَتْ فِي مَفَاوِزهَا أَعْنَاق الْمَطِيّ لَا يَسْلُكهَا فِي الْعَالَم إِلَّا الْفَرْد بَعْد الْفَرْد وَلَا يَعْرِف مِقْدَارهَا مَنْ أَفْرَحَتْ قَلْبه الْأَقْوَال الْمُخْتَلِفَة وَالِاحْتِمَالَات الْمُتَعَدِّدَة وَالتَّقْدِيرَات الْمُسْتَبْعَدَة فَإِنْ عَلَتْ هِمَّته جَعَلَ مَذْهَبه عُرْضَة لِلْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّة وَخَدَمَهُ بِهَا وَجَعَلَهُ أَصْلًا مُحْكَمًا يَرُدّ إِلَيْهِ مُتَشَابِههَا فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا قَبِلَهُ وَمَا خَالَفَهُ تَكَلَّفَ لَهُ وُجُوهًا بِالرَّدِّ غَيْر الْجَمِيل فَمَا أَتْعَبَهُ مِنْ شَقِيّ وَمَا أَقَلّ فَائِدَته وَمِمَّا يُفْسِد قَوْل الْمُحَدِّدِينَ بِقُلَّتَيْنِ أَنَّ النَّبِيّ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم ثُمَّ يَغْتَسِل الْبَائِل فِيهِ بَعْد الْبَوْل هَكَذَا لَفْظ الصَّحِيحَيْنِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِل فِيهِ وَأُنْتَمَ تُجَوِّزُونَ أَنْ يَغْتَسِل فِي مَاء دَائِم قَدْر القلتين بعد ما بَالَ فِيهِ وَهَذَا خِلَاف صَرِيح لِلْحَدِيثِ فَإِنْ مَنَعْتُمْ الْغُسْل فِيهِ نَقَضْتُمْ أَصْلكُمْ وَإِنْ جَوَّزْتُمُوهُ خَالَفْتُمْ الْحَدِيث فَإِنْ جَوَّزْتُمْ الْبَوْل وَالْغُسْل خَالَفْتُمْ الْحَدِيث مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَلَا يُقَال فَهَذَا بِعَيْنِهِ وَارِد عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ إِذَا بَالَ فِي الْمَاء الْيَسِير وَلَمْ يَتَغَيَّر جَوَّزْتُمْ لَهُ الْغُسْل فِيهِ لِأَنَّا لَمْ نُعَلِّل النَّهْي بِالتَّنْجِيسِ وَإِنَّمَا عَلَّلْنَاهُ بِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنْجِيس كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَرِد عَلَيْنَا هَذَا وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاء كَثِيرًا فَبَالَ فِي نَاحِيَة ثُمَّ اِغْتَسَلَ فِي نَاحِيَة أُخْرَى لَمْ يَصِل إِلَيْهَا الْبَوْل فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث لِأَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِل فِي الْمَاء الَّذِي بَالَ فِيهِ وَإِلَّا لَزِمَ إِذَا بَالَ فِي نَاحِيَة مِنْ الْبَحْر أَنْ لَا يَغْتَسِل فِيهِ أَبَدًا وَهُوَ فَاسِد وَأَيْضًا فَالنَّبِيّ نَهَى عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ إِصَابَة الْبَوْل لَهُ وَنَظِير هَذَا نَهْيه أَنْ يَبُول الرَّجُل فِي مُسْتَحَمّه وَذَلِكَ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ تَطَايُر رَشَاش الْمَاء الَّذِي يُصِيب الْبَوْل فَيَقَع فِي الْوَسْوَاس كَمَا فِي الْحَدِيث فَإِنَّ عَامَّة الْوَسْوَاس مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَكَان مُبَلَّطًا لَا يَسْتَقِرّ فِيهِ الْبَوْل بَلْ يَذْهَب مَعَ الْمَاء لَمْ يُكْرَه ذَلِكَ عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء وَنَظِير هَذَا مَنْع الْبَائِل أَنْ يَسْتَجْمِر أَوْ يَسْتَنْجِي مَوْضِع بَوْله لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ التَّلَوُّث بِالْبَوْلِ ولم يرد النبي بِنَهْيِهِ الْإِخْبَار عَنْ نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم بِالْبَوْلِ فَلَا يَجُوز تَعْلِيل كَلَامه بِعِلَّةٍ عَامَّة

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] تَتَنَاوَل مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي بِئْر بُضَاعَةَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ بِئْر يُطْرَح فِيهَا الْحَيْض (١) وَلُحُوم الْكِلَاب وَعُذْر النَّاس فَقَالَ الْمَاء طَهُور لَا يُنَجِّسهُ شَيْء فَهَذَا نَصّ صَحِيح صَرِيح عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَنْجُس بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَة مَعَ كَوْنه وَاقِفًا فَإِنَّ بِئْر بُضَاعَةَ كَانَتْ وَاقِفَة وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْده بِالْمَدِينَةِ مَاء جَارٍ أَصْلًا فَلَا يَجُوز تَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ وَفَعَلَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ وَيُعَارَض أَحَدهمَا بِالْآخَرِ بَلْ يُسْتَعْمَل هَذَا وَهَذَا هَذَا فِي مَوْضِعه وَهَذَا فِي مَوْضِعه وَلَا تضرب سنة رسول الله بعضها ببعض فوضوؤه مِنْ بِئْر بُضَاعَةَ وَحَالهَا مَا ذَكَرُوهُ لَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَتَنَجَّس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّر وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِي الْمَاء الدَّائِم بَعْد الْبَوْل فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى تَلَوُّثه بِالْبَوْلِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ التَّعْلِيل بِنَظِيرِهِ فَاسْتَعْمَلْنَا السُّنَن عَلَى وُجُوههَا وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل حَدِيث بِئْر بُضَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَكْثَر مِنْ قلتين لأن النبي لَمْ يُعَلِّل بِذَلِكَ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَلَا دَلَّ كَلَامه عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاء وَهَذِهِ عِلَّة مُطَّرِدَة فِي كُلّ مَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَا يَرِد الْمُتَغَيِّر لِأَنَّ طَهُور النَّجَاسَة فِيهِ يَدُلّ عَلَى تَنَجُّسه بِهَا فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ مَحَلّ وفاق فلا يناقض به وأيضا فلو أراد النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال الْمَاء الدَّائِم الْيَسِير إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ أَيّ نَجَاسَة كَانَتْ لَأَتَى بِلَفْظٍ يَدُلّ عَلَيْهِ وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل لَا يَدُلّ عَلَى مِقْدَار وَلَا تَنْجِيس فَلَا يُحَمَّل مَا لَا يَحْتَمِلهُ ثُمَّ إِنَّ كُلّ مَنْ قَدَّرَ الْمَاء الْمُتَنَجِّس بِقَدْرٍ خَالَفَ ظَاهِر الْحَدِيث فَأَصْحَاب الْحَرَكَة خَالَفُوهُ بِأَنْ قَدَّرُوهُ بِمَا لَا يَتَحَرَّك طَرَفَاهُ وَأَصْحَاب النَّزْح خَصُّوهُ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه وَأَصْحَاب الْقُلَّتَيْنِ خَصُّوهُ بِمِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ وَأَسْعَد النَّاس بِالْحَدِيثِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَلَمْ يَخُصّهُ وَلَمْ يُقَيِّدهُ بَلْ إِنْ كَانَ تَوَاتُر الْأَبْوَال فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِفْسَاده مَنَعَ مِنْ جَوَازهَا وَإِلَّا مَنَعَ مِنْ اِغْتِسَاله فِي مَوْضِع بَوْله كَالْبَحْرِ وَلَمْ يَمْنَع مِنْ بَوْله فِي مَكَان وَاغْتِسَاله فِي غَيْره وَكُلّ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث عَلَى نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم لِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ ظَاهِر الْحَدِيث مَا هُوَ أَبْيَن دَلَالَة مِمَّا قَالَ بِهِ وَقَالَ بِشَيْءٍ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ لَفْظ الْحَدِيث لِأَنَّهُ إِنْ عَمَّمَ النَّهْي فِي كُلّ مَاء بَطَلَ اِسْتِدْلَاله بِالْحَدِيثِ وإن خصه بقدر خَالَفَ ظَاهِره وَقَالَ مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّز الْبَوْل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الْقَدْر وَهَذَا لَا يَقُولهُ أَحَد فَظَهَرَ بُطْلَان الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى التَّنْجِيس بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاة على كل تقدير وأما من قدره بِالْحَرَكَةِ فَيَدُلّ عَلَى بُطْلَان قَوْله أَنَّ الْحَرَكَة مُخْتَلِفَة اِخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِط وَالْبَوْل قَدْ يَكُون قَلِيلًا وَقَدْ يَكُون كَثِيرًا وَوُصُول النَّجَاسَة إِلَى الْمَاء أَمْر حِسِّيّ وَلَيْسَ تَقْدِيره بِحَرَكَةِ الطَّهَارَة الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى أَوْلَى مِنْ سَائِر أَنْوَاع الحركات فيا لله العجب حَرَكَة الطَّهَارَة مِيزَان وَمِعْيَار عَلَى وُصُول

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] النَّجَاسَة وَسَرَيَانهَا مَعَ شِدَّة اِخْتِلَافهَا وَنَحْنُ نَعْلَم بِالضَّرُورَةِ أَنَّ حَرَكَة الْمُغْتَسِل تَصِل إِلَى مَوْضِعٍ لَا تَصِل إِلَيْهِ الْقَطْرَة مِنْ الْبَوْل وَنَعْلَم أَنَّ الْبَوْلَة الْكَبِيرَة تَصِل إِلَى مَكَان لَا تَصِل إِلَيْهِ الْحَرَكَة الضَّعِيفَة وَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَل حَدًّا فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام وَالَّذِينَ قَدَّرُوهُ بِالنَّزْحِ أَيْضًا قَوْلهمْ بَاطِل فَإِنَّ الْعَسْكَر الْعَظِيم يُمْكِنهُمْ نَزْح مَا لَا يُمْكِن الْجَمَاعَة الْقَلِيلَة نَزْحه وَأَمَّا حَدِيث وُلُوغ الْكَلْب فَقَالُوا لَا يُمْكِنكُمْ أَنْ تَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ خَالَفَهُ أَوْ قَيَّدَهُ أَوْ خَصَّصَهُ فَخَالَفَ ظَاهِره فَإِنْ اِحْتَجَّ بِهِ عَلَيْنَا مَنْ لَا يُوجِب التَّسْبِيع وَلَا التُّرَاب كَانَ اِحْتِجَاجه بَاطِلًا فَإِنَّ الْحَدِيث إِنْ كَانَ حُجَّة لَهُ فِي التَّنْجِيس بِالْمُلَاقَاةِ فَهُوَ حُجَّة عَلَيْهِ فِي الْعَدَد وَالتُّرَاب فَأَمَّا أَنْ يَكُون حُجَّة لَهُ فِيمَا وَافَقَ مَذْهَبه وَلَا يَكُون حُجَّة عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَهُ فَكَلَّا ثُمَّ هُمْ يَخُصُّونَهُ بِالْمَاءِ الَّذِي لَا تَبْلُغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ وَأَيْنَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيص ثُمَّ يَظْهَر تَنَاقُضهمْ مِنْ وَجْه آخَر وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَاء رَقِيقًا جِدًّا وَهُوَ مُنْبَسِط اِنْبِسَاطًا لَا تَبْلُغهُ الْحَرَكَة أَنْ يَكُون طَاهِرًا وَلَا يُؤَثِّر الْوُلُوغ فِيهِ وَإِذَا كَانَ عَمِيقًا جِدًّا وَهُوَ مُتَضَايِق بِحَيْثُ تَبْلُغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ أَنْ يَكُون نَجِسًا وَلَوْ كَانَ أَضْعَاف أَضْعَاف الْأَوَّل وَهَذَا تَنَاقُض بَيِّن لَا مَحِيد عَنْهُ قَالُوا وَإِنْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول بِالْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُخَصِّصهُ بِمَا دُون الْقُلَّتَيْنِ وَيَحْمِل الْأَمْر بِغَسْلِهِ وَإِرَاقَته عَلَى هَذَا الْمِقْدَار وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُشْعِر بِهَذَا بِوَجْهٍ وَلَا يَدُلّ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الدَّلَالَات الثَّلَاث وَإِذَا كَانَ لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ تَقْيِيد الْحَدِيث وَتَخْصِيصه وَمُخَالَفَة ظَاهِره كَانَ أَسْعَد النَّاس بِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُلُوغ الْمُعْتَاد فِي الْآنِيَة الْمُعْتَادَة الَّتِي يُمْكِن إِرَاقَتهَا وَهُوَ وُلُوغ مُتَتَابِع فِي آنِيَة صِغَار يَتَحَلَّل مِنْ فَم الْكَلْب فِي كل مرة ريق ولعاب نحس يُخَالِط الْمَاء وَلَا يُخَالِف لَوْنَهُ لَوْنه فَيَظْهَر فِيهِ التَّغَيُّر فَتَكُون أَعْيَان النَّجَاسَة قَائِمَة بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تُرَ فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ وَغَسْل الْإِنَاء فَهَذَا الْمَعْنَى أَقْرَب إِلَى الْحَدِيث وَأَلْصَق بِهِ وَلَيْسَ فِي حَمْله عَلَيْهِ مَا يُخَالِف ظَاهِره بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْآنِيَة الْمُعْتَادَة الَّتِي تُتَّخَذ لِلِاسْتِعْمَالِ فَيَلَغ فِيهَا الْكِلَاب فَإِنْ كَانَ حَمْله عَلَى هَذَا مُوَافَقَة لِلظَّاهِرِ فَهُوَ الْمَقْصُود وَإِنْ كَانَ مُخَالَفَة لِلظَّاهِرِ فَلَا رَيْب أَنَّهُ أَقَلّ مُخَالَفَة مِنْ حَمْله عَلَى الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة فَيَكُون أَوْلَى عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث النَّهْي عَنْ غَمْس الْيَد فِي الْإِنَاء عِنْد الْقِيَام مِنْ نَوْمه فَالِاسْتِدْلَال بِهِ أَضْعَف مِنْ هَذَا كُلّه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى نَجَاسَة الْمَاء وَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى طَهَارَته وَالْقَوْل بِنَجَاسَتِهِ مِنْ أَشَذِّ الشَّاذِّ وَكَذَا الْقَوْل بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا ضَعِيف أَيْضًا وَإِنْ كَانَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَار الْقَاضِي وَأَتْبَاعه وَاخْتِيَار أَبِي بَكْر وَأَصْحَاب أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى فَسَاد الْمَاء وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِيهِ لَا يَدُلّ عَلَى فَسَاده بِمُجَرَّدِ الْبَوْل فَكَيْف يغمس الْيَد فِيهِ بَعْد الْقِيَام مِنْ النَّوْم وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي النَّهْي عَنْهُ فَقِيلَ تَعَبُّدِيّ وَيَرُدّ هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ مُعَلَّل فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقِيلَ مُعَلَّل بِاحْتِمَالِ النَّجَاسَة كَثْرَة فِي يَدَيْهِ أَوْ مُبَاشَرَة الْيَد لِمَحَلِّ الِاسْتِجْمَار وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا لِأَنَّ النَّهْي عَامّ لِلْمُسْتَنْجِي وَالْمُسْتَجْمِر وَالصَّحِيح وَصَاحِب الْبَثَرَات فَيَلْزَمكُمْ أَنْ تَخُصُّوا النَّهْي بِالْمُسْتَجْمِرِ وَصَاحِب الْبُثُور وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَد وَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيح أَنَّهُ مُعَلَّل بِخَشْيَةِ مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى يَده أَوْ مَبِيتهَا عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْعِلَّة نَظِير تَعْلِيل صَاحِب الشَّرْع الِاسْتِنْشَاق بِمَبِيتِ الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم فَإِنَّهُ قَالَ إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدكُمْ مِنْ نَوْمه فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاء فَإِنَّ الشَّيْطَان يَبِيت عَلَى خَيْشُومه مُتَّفَق عَلَيْهِ وَقَالَ هُنَا فَإِنَّ أَحَدكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده فَعَلَّلَ بِعَدَمِ الدِّرَايَة لِمَحَلِّ الْمَبِيت وَهَذَا السَّبَب ثَابِت فِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم فَإِنَّ الْيَد إِذَا بَاتَتْ مُلَابِسَة لِلشَّيْطَانِ لَمْ يَدْرِ صَاحِبهَا أَيْنَ بَاتَتْ وَفِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم وَمُلَابَسَته لِلْيَدِ سِرّ يَعْرِفهُ مَنْ عَرَفَ أَحْكَام الْأَرْوَاح وَاقْتِرَان الشَّيَاطِين بِالْمَحَالِّ الَّتِي تُلَابِسهَا فَإِنَّ الشَّيْطَان خَبِيث يُنَاسِبهُ الْخَبَائِث فَإِذَا نَامَ الْعَبْد لَمْ يُرَ فِي ظَاهِر جَسَده أَوْسَخ مِنْ خَيْشُومه فَيَسْتَوْطِنهُ فِي الْمَبِيت وَأَمَّا مُلَابَسَته لِيَدِهِ فَلِأَنَّهَا أَعَمّ الْجَوَارِح كَسْبًا وَتَصَرُّفًا وَمُبَاشَرَة لِمَا يَأْمُر بِهِ الشَّيْطَان مِنْ الْمَعْصِيَة فَصَاحِبهَا كَثِير التَّصَرُّف وَالْعَمَل بِهَا وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جَارِحَة لِأَنَّهُ يَجْتَرِح بِهَا أَيْ يَكْسِب وَهَذِهِ الْعِلَّة لَا يَعْرِفهَا أَكْثَر الْفُقَهَاء وَهِيَ كَمَا تَرَى وُضُوحًا وَبَيَانًا وَحَسْبك شَهَادَة النَّصّ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ وَالْمَقْصُود أَنَّهُ لَا دَلِيل لَكُمْ فِي الْحَدِيث بِوَجْهٍ مَا وَاللَّهُ أَعْلَم وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا جَوَاب الْمَقَامَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِث فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَاب عَنْ تَمَام الْوُجُوه الْخَمْسَة عَشَر فَنَقُول وَأَمَّا تَقْدِيمكُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ فَمِمَّا يُخَالِفكُمْ فِيهِ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء وَالْأُصُولِيِّينَ وَيَقُولُونَ الْقِيَاس الْجَلِيّ مُقَدَّم عَلَيْهِ وَإِذَا كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْقِيَاس عَلَى الْعُمُوم الَّذِي هُوَ حُجَّة الِاتِّفَاق فَلَأَنْ يُقَدَّم عَلَى الْمَفْهُوم الْمُخْتَلَف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ أَوْلَى ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا تَقْدِيم الْمَفْهُوم عَلَى الْقِيَاس فِي صُورَة ما فتقديم القياس ها هنا مُتَعَيِّن لِقُوَّتِهِ وَلِتَأَيُّدِهِ بِالْعُمُومَاتِ وَلِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّنَاقُض الْمُلَازِم لِمَنْ قَدَّمَ الْمَفْهُوم كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِأَدِلَّةِ الشَّرْع الدَّالَّة عَلَى عَدَم التَّحْدِيد بِالْقُلَّتَيْنِ فَالْمَصِير إِلَيْهِ أَوْلَى وَلَوْ كَانَ وَحْده فَكَيْف بِمَا مَعَهُ مِنْ الْأَدِلَّة وَهَلْ يُعَارِض مَفْهُوم وَاحِد لِهَذِهِ الْأَدِلَّة مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَالْقِيَاس الْجَلِيّ وَاسْتِصْحَاب الْحَال وَعَمَل أَكْثَر الْأُمَّة مَعَ اِضْطِرَاب أَصْل مَنْطُوقه وَعَدَم بَرَاءَته مِنْ الْعِلَّة وَالشُّذُوذ قَالُوا وَأَمَّا دَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَفْهُوم عَامّ فِي جَمِيع الصُّوَر الْمَسْكُوت عَنْهَا فَدَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا فَإِنَّ الِاحْتِجَاج بِالْمَفْهُومِ يَرْجِع إِلَى حَرْفَيْنِ التَّخْصِيص وَالتَّعْلِيل كَمَا تَقَدَّمَ وَمَعْلُوم أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَة بِدُونِ الْعُمُوم بَقِيَتْ دَعْوَى الْعُمُوم بَاطِلَة لِأَنَّهَا دَعْوَى مُجَرَّدَة وَلَا لَفْظ مَعَنَا يَدُلّ عَلَيْهَا وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم مِنْ اِنْتِفَاء حُكْم الْمَنْطُوق اِنْتِفَاؤُهُ عَنْ كُلّ فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْمَسْكُوت لِجَوَازِ أَنْ يَكُون فِيهِ تَفْصِيل فَيَنْتَفِي عَنْ بَعْضهَا وَيَثْبُت لِبَعْضِهَا وَيَجُوز أَنْ يَكُون

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ثَابِتًا لِجَمِيعِهَا بِشَرْطٍ لَيْسَ فِي الْمَنْطُوق فَتَكُون فَائِدَة التَّخْصِيص بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى ثُبُوت الْحُكْم لَهُ مُطْلَقًا وَثُبُوته لِلْمَفْهُومِ بِشَرْطٍ فَيَكُون الْمَنْفِيّ عَنْهُ الثُّبُوت الْمُطْلَق لَا مُطْلَق الْمَثْبُوت فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْعُمُوم لِلْمَفْهُومِ وَهُوَ مِنْ عَوَارِض الْأَلْفَاظ وَعَلَى هَذَا عَامَّة الْمَفْهُومَات فَقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لَا يَدُلّ الْمَفْهُوم عَلَى أَنَّ بِمُجَرَّدِ نِكَاحهَا الزَّوْج الثَّانِي تَحِلّ لَهُ وَكَذَا قَوْله (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) لَا يَدُلّ عَلَى عَدَم الْكِتَابَة عِنْد عَدَم هَذَا الشَّرْط مُطْلَقًا وَكَذَا قَوْله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ وَنَظَائِره أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَكَتْ طَرِيقَة التَّعْلِيل لَمْ يَلْزَم الْعُمُوم أَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْ اِنْتِفَاء الْعِلَّة اِنْتِفَاء مَعْلُولهَا وَلَا يَلْزَم اِنْتِفَاء الْحُكْم مُطْلَقًا لِجَوَازِ ثُبُوته بِوَصْفٍ آخَر وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَنْطُوق حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ لَا نُنَازِعكُمْ فِيهِ وَمَفْهُومه لَا عُمُوم لَهُ فَبَطَل الِاحْتِجَاج بِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد وَالتَّقْيِيد كَنُصُبِ الزَّكَوَات فَهَذَا بَاطِل مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا مِقْدَارًا فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام وَالطَّاهِر وَالنَّجِس لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيّ بَيَانه بَيَانًا عَامًّا مُتَتَابِعًا تَعْرِفهُ الْأُمَّة كَمَا بَيَّنَ نُصُب الزَّكَوَات وَعَدَد الْجَلْد فِي الْحُدُود وَمِقْدَار مَا يَسْتَحِقّهُ الْوَارِث فَإِنَّ هَذَا أَمْر يَعُمّ الِابْتِلَاء بِهِ كُلّ الْأُمَّة فَكَيْف لَا يُبَيِّنهُ حَتَّى يَتَّفِق سُؤَال سَائِل لَهُ عَنْ قَضِيَّة جُزْئِيَّة فَيُجِيبهُ بِهَذَا وَيَكُون ذَلِكَ حَدًّا عَامًّا لِلْأُمَّةِ كُلّهَا لَا يَسَع أَحَدًا جَهْله وَلَا تَتَنَاقَلهُ الْأُمَّة وَلَا يَكُون شَائِعًا بَيْنهمْ بَلْ يُحَالُونَ فِيهِ عَلَى مَفْهُوم ضَعِيف شَأْنه مَا ذَكَرْنَاهُ قَدْ خَالَفَتْهُ الْعُمُومَاتُ وَالْأَدِلَّة الْكَثِيرَة وَلَا يَعْرِفهُ أَهْل بَلْدَته وَلَا أَحَد مِنْهُمْ يَذْهَب إِلَيْهِ الثَّانِي أَنَّ اللَّه قَالَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَوْ كَانَ الْمَاء الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّر بِالنَّجَاسَةِ مِنْهُ مَا هُوَ حَلَال وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَام لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان لِلْأُمَّةِ مَا يَتَّقُونَ وَلَا كَانَ قَدْ فَصَّلَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْمَنْطُوق مِنْ حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ لَا دَلِيل فِيهِ وَالْمَسْكُوت عَنْهُ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم يَقُولُونَ لَا يَدُلّ عَلَى شَيْء فَلَمْ يَحْصُل لَهُمْ بَيَان وَلَا فَصْل الْحَلَال مِنْ الْحَرَام وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ لَا بُدّ مِنْ مُخَالَفَة الْمَسْكُوت لِلْمَنْطُوقِ وَمَعْلُوم أَنَّ مُطْلَق الْمُخَالَفَة لَا يَسْتَلْزِم الْمُخَالَفَة الْمُطْلَقَة الثَّابِتَة لكل فرد فرد من الْمَسْكُوت عَنْهُ فَكَيْف يَكُون هَذَا حَدًّا فَاصِلًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْطُوق وَلَا فِي الْمَسْكُوت عَنْهُ فَصْل وَلَا حَدٌّ الثَّالِث أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ إِنَّمَا قَالُوا بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَب اِقْتَضَى التَّخْصِيص بِالْمَنْطُوقِ فَلَوْ ظَهَرَ سَبَب يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِهِ لَمْ يَكُنْ الْمَفْهُوم مُعْتَبَرًا كَقَوْلِهِ (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فَذَكَرَ هَذَا الْقَيْد لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِينَ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ الْحَامِل لَهُمْ عَلَى قَتْلهمْ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم بِهِ وَنَظِيره ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وَنَظَائِره كَثِيرَة وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون ذِكْر الْقُلَّتَيْنِ وَقَعَ فِي الْجَوَاب لِحَاجَةِ السَّائِل إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُمْكِن الْجَزْم

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] بِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَال نَعَمْ لَوْ أَنَّ النَّبِيّ قَالَ هَذَا اللَّفْظ اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر سُؤَال لَانْدَفَعَ هَذَا الِاحْتِمَال الرَّابِع أَنَّ حَاجَة الْأُمَّة حَضَرهَا وَبَدْوهَا عَلَى اِخْتِلَاف أَصْنَافهَا إِلَى مَعْرِفَة الْفَرْق بَيْن الطَّاهِر وَالنَّجِس ضَرُورِيَّة فَكَيْف يُحَالُونَ في ذلك على مالا سَبِيل لِأَكْثَرِهِمْ إِلَى مَعْرِفَته فَإِنَّ النَّاس لَا يَكْتَالُونَ الْمَاء وَلَا يَكَادُونَ يَعْرِفُونَ مِقْدَار الْقُلَّتَيْنِ لَا طُولهمَا وَلَا عَرْضهمَا وَلَا عُمْقهمَا فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاء نَجَاسَة فَمَا يُدْرِيه أَنَّهُ قُلَّتَانِ وَهَلْ تَكْلِيف ذَلِكَ إِلَّا مِنْ بَاب عِلْم الْغَيْب وَتَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فَإِنْ قِيلَ يَسْتَظْهِر حَتَّى يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ قُلَّتَانِ قِيلَ لَيْسَ هَذَا شَأْن الْحُدُود الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا مَضْبُوطَة لَا يُزَاد عَلَيْهَا وَلَا يُنْقَص مِنْهَا كَعَدَدِ الْجَلَدَات وَنُصُب الزَّكَوَات وَعَدَد الرَّكَعَات وَسَائِر الْحُدُود الشَّرْعِيَّة الْخَامِس أَنَّ خَوَاصّ الْعُلَمَاء إِلَى الْيَوْم لَمْ يَسْتَقِرّ لَهُمْ قَدَم عَلَى قَوْل وَاحِد فِي الْقُلَّتَيْنِ فَمِنْ قَائِل أَلْف رِطْل بِالْعِرَاقِيِّ وَمِنْ قَائِل سِتّمِائَةِ رِطْل وَمِنْ قَائِل خَمْسمِائَةِ وَمِنْ قَائِل أَرْبَعمِائَةِ وَأَعْجَب مِنْ هَذَا جَعْل هَذَا الْمِقْدَار تَحْدِيدًا فَإِذَا كَانَ الْعُلَمَاء قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَدْر الْقُلَّتَيْنِ وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالهمْ فِي ذَلِكَ فَمَا الظَّنّ بِسَائِرِ الْأُمَّة وَمَعْلُوم أَنَّ الْحُدُود الشَّرْعِيَّة لَا يَكُون هَذَا شَأْنهَا السَّادِس أَنَّ الْمُحَدِّدِينَ يَلْزَمهُمْ لَوَازِم بَاطِلَة شَنِيعَة جِدًّا مِنْهَا أَنْ يَكُون مَاء وَاحِد إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب تَنَجَّسَ وَإِذَا بَالَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسهُ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّعْرَة مِنْ الْمَيْتَة إِذَا كَانَتْ نَجِسَة فَوَقَعَتْ فِي قُلَّتَيْنِ إِلَّا رِطْلًا مَثَلًا أَنْ يَنْجُس الْمَاء وَلَوْ وَقَعَ رِطْل بَوْل فِي قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسهُ وَمَعْلُوم أَنَّ تَأَثُّر الْمَاء بِهَذِهِ النَّجَاسَة أَضْعَاف تَأَثُّره بِالشَّعْرَةِ فَمُحَال أَنْ يَجِيء شَرْع بِتَنَجُّسِ الْأَوَّل وَطَهَارَة الثَّانِي وَكَذَلِكَ مَيْتَة كَامِلَة تَقَع فِي قُلَّتَيْنِ لَا تُنَجِّسهَا وَشَعْرَة مِنْهَا تَقَع فِي قُلَّتَيْنِ إِلَّا نِصْف رِطْل أَوْ رِطْلًا فَتُنَجِّسهَا إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِم الَّتِي يَدُلّ بُطْلَانهَا عَلَى بُطْلَان مَلْزُومَاتهَا وَأَمَّا جَعْلكُمْ الشَّيْء نِصْفًا فَفِي غَايَة الضَّعْف فَإِنَّهُ شَكّ من بن جُرَيْجٍ فَيَا سُبْحَان اللَّه يَكُون شَكّه حَدًّا لَازِمًا لِلْأُمَّةِ فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام وَالنَّبِيّ قَدْ بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ الدِّين وَتَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّة الْبَيْضَاء لَيْلهَا كَنَهَارِهَا فَيَمْتَنِع أَنْ يُقَدِّر لِأُمَّتِهِ حَدًّا لَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى مَعْرِفَة إِلَّا شَكّ حَادِث بَعْد عَصْر الصَّحَابَة يَجْعَل نِصْفًا اِحْتِيَاطِيًّا وَهَذَا بَيِّن لِمَنْ أَنْصَفَ وَالشَّكّ الْجَارِي الْوَاقِع مِنْ الْأُمَّة فِي طَهُورهمْ وَصَلَاتهمْ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمه لِيَنْدَفِع عَنْهُمْ بِالْيَقِينِ فَكَيْف يُجْعَل شَكَّهُمْ حَدًّا فَاصِلًا فَارِقًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام ثُمَّ جَعْلكُمْ هَذَا اِحْتِيَاطًا بَاطِل لِأَنَّ الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك التكلف مِنْهَا عَمَلًا لِآخَر اِحْتِيَاطًا وَأَمَّا الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالْإِخْبَار عَنْ اللَّه وَرَسُوله فَطَرِيق الِاحْتِيَاط فِيهَا أَنْ لَا يُخْبِر عَنْهُ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ وَلَا يُثْبِت إِلَّا مَا أَثْبَتَهُ ثُمَّ إِنَّ الِاحْتِيَاط هُوَ فِي تَرْك هَذَا الِاحْتِيَاط فَإِنَّ الرَّجُل تَحْضُرهُ الصَّلَاة وَعِنْده قُلَّة

стр. 80

[٦٦] ٣٤ (بَاب مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ) هِيَ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَيَكْسِرُونَهَا وَالْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ الضَّمُّ كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ وَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ بُضَاعَةُ قِيلَ هُوَ اسْمٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعِهَا وَهِيَ بِئْرٌ بِالْمَدِينَةِ بَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَرَّكَ وَتَوَضَّأَ فِي دَلْوٍ وَرَدَّهُ فِيهَا وَكَانَ إِذَا مَرِضَ مَرِيضٌ يَقُولُ لَهُ اغْتَسِلْ بِمَائِهَا فَيَغْتَسِلُ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ وَهِيَ فِي دَارِ بَنِي سَاعِدَةَ مَشْهُورَةٌ انْتَهَى (أَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (يُطْرَحُ) أَيْ يُلْقَى (الْحِيَضُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ حِيضَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِثْلُ سِدَرٍ وَسِدْرَةٍ وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الْمَرْأَةُ فِي دَمِ الْحَيْضِ (وَالنَّتْنُ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ قَالَ بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَتِنَ الشَّيْءُ بكسر التاء ينتن بفتحها فهو نتن انتهى يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ يُلْقُونَ الْحِيَضَ وَلُحُومَ الْكِلَابِ وَالنَّتْنَ فِي الصَّحَارِي خَلْفَ بُيُوتِهِمْ فَيَجْرِي عَلَيْهَا الْمَطَرُ وَيُلْقِيهَا الْمَاءُ إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ لِأَنَّهَا فِي مَمَرِّ الْمَاءِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يلقونها فيها لأن هذا مما لا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مَاء قَدْ وَقَعَتْ فِيهَا شَعْرَة مَيْتَة فَتَرْكه الْوُضُوء مِنْهُ مُنَافٍ لِلِاحْتِيَاطِ فَهَلَّا أَخَذْتُمْ بِهَذَا الْأَصْل هُنَا وَقُلْتُمْ مَا ثَبَتَ تَنْجِيسه بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ نَجَّسْنَاهُ وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَصْل الطَّهَارَة لِأَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ طَاهِرًا قَطْعًا وَقَدْ شَكَكْنَا هَلْ حَكَمَ رَسُول اللَّه بِتَنْجِيسِهِ أَمْ لَا فَالْأَصْل الطَّهَارَة وَأَيْضًا فَأَنْتُمْ لَا تُبِيحُونَ لِمَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَة الْمَاء أَنْ يَعْدِل إِلَى التَّيَمُّم بَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ الْوُضُوء فَكَيْف تُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ الْوُضُوء هُنَا بِالشَّكِّ وَأَيْضًا فَإِنَّكُمْ إِذَا نَجَّسْتُمُوهُ بِالشَّكِّ نَجَّسْتُمْ مَا يُصِيبهُ مِنْ الثِّيَاب وَالْأَبَدَانِ وَالْآنِيَة وَحَرَّمْتُمْ شُرْبه وَالطَّبْخ بِهِ وَأَرَقْتُمْ الْأَطْعِمَة الْمُتَّخَذَة مِنْهُ وَفِي هَذَا تَحْرِيم لِأَنْوَاعِ عَظِيمَة مِنْ الْحَلَال بِمُجَرَّدِ الشَّكّ وَهَذَا مُنَافٍ لِأُصُولِ الشَّرِيعَة وَاللَّهُ أَعْلَم

стр. 81

يحوزه كافر فكيف يجوز الصَّحَابَةُ ﵃ كَذَا قَالُوا (الْمَاءُ) اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ (طُهُورٌ) بِضَمِّ الطَّاءِ (لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) لِكَثْرَتِهِ فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ بِئْرًا كَثِيرَ الْمَاءِ يَكُونُ مَاؤُهَا أَضْعَافَ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَغَيَّرُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالْمَاءُ الْكَثِيرُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَجَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ انْتَهَى (قَالَ بَعْضُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ) أَيْ مَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ فَعُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ أو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ [٦٧] (الْحَرَّانِيَّانِ) أَيْ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ وَكِلَاهُمَا الْحَرَّانِيَّانِ وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ نِسْبَةٌ إِلَى حَرَّانَ مَدِينَةٌ بِالْجَزِيرَةِ (سَلَمَةَ) بِفَتْحِ اللَّامِ قَالَ النَّوَوِيُّ سَلَمَةُ كُلُّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ إِلَّا عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَ قَوْمِهِ وَبَنِي سَلِمَةَ الْقَبِيلَةُ من الأنصار فبكسرها انتهى (عَنْ سَلِيطٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ هُوَ بن أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْهُ خَالِدُ بْنُ أيوب وثقه بن حِبَّانَ (الْعَدَوِيِّ) بِالْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَنْسُوبٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهَذَا ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَهُوَ صِفَةٌ الرافع (وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (إِنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوِ الْمَاءُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ (يُسْتَقَى لَكَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُخْرَجُ لَكَ الْمَاءُ (وَهِيَ) أَيْ بئر بضاعة (والمحايض) عَطْفٌ عَلَى اللُّحُومِ قِيلَ هُوَ جَمْعُ الْمَحِيضِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَاضَ وَيَقَعُ الْحَيْضُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالدَّمِ (وَعَذِرُ النَّاسِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ عَذِرَةٍ كَكَلِمَةٍ وَكَلِمٍ وَهِيَ الْغَائِطُ

стр. 82

قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْهُمْ عَادَةً وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ هَذَا الْفِعْلَ قَصْدًا وَتَعَمُّدًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِذِمِّيٍّ بَلْ بِوَثَنِيٍّ فَضْلًا عَنْ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَزَلْ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ تَنْزِيهُ الْمِيَاهِ وَصَوْنُهَا عَنِ النَّجَاسَاتِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَهُمْ أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ الدِّينِ وَأَفْضَلُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَاءُ بِبِلَادِهِمْ أَعَزُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمَسُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا صُنْعُهُمْ بِالْمَاءِ وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من تَغَوَّطَ فِي مَوَارِدِ الْمَاءِ وَمَشَارِعِهِ فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَ عُيُونَ الْمَاءِ وَمَنَابِعَهُ رَصَدًا لِلْأَنْجَاسِ وَمَطْرَحًا لِلْأَقْذَارِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا الظَّنُّ وَلَا يَلِيقُ بِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذَا الْبِئْرَ مَوْضِعُهَا فِي حُدُورٍ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنَّ السُّيُولَ كَانَتْ تَكْشَحُ هَذِهِ الْأَقْذَارَ مِنَ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَتَحْمِلُهَا وَتُلْقِيهَا فِيهَا وَكَانَ لِكَثْرَتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَلَا تُغَيِّرُهُ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَأْنِهَا لِيَعْلَمُوا حُكْمَهَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ (إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ تَنَجُّسِهِ إِلَّا بِالْمُغَيَّرِ وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ طَرِيقًا إِلَى الْبَسَاتِينِ فَهُوَ كَالنَّهَرِ وَحَكَاهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمُكَذِّبٌ لَهُ وَتَارِكٌ وَمُضَعِّفٌ وَقِيلَ كَذَّابٌ احْتَالَ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ نُصْرَةً لِلرَّأْيِ فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ مَشْهُورٌ فِي الْحُجَّاجِ بِخِلَافِ ما حكي عن الواقدي وما روى بن أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زمزم فأمر بترج الْمَاءِ ضَعَّفَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ أَنَا بِمَكَّةَ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ أَحَدًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ وَحَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ هَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ إِذْ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُوَافِقُ الْآخَرَ وَلَا يُنَاقِضُهُ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ وَيُبَيِّنُهُ وَلَا يَنْسَخُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (قَيِّمَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ مَنْ كَانَ يَقُومُ بِأَمْرِ الْبِئْرِ وَيُحَافِظُهَا (الْعَانَةِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ مَوْضِعُ مَنْبِتِ الشَّعْرِ فَوْقَ قُبُلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (فَإِذَا نَقَصَ) مَاؤُهَا فَمَا يَكُونُ مِقْدَارُ الْمَاءِ (دُونَ العورة) قال بن رَسْلَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَوْرَةُ الرَّجُلِ أَيْ دُونَ الرُّكْبَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ (بِرِدَائِي) مُتَعَلِّقٌ بِقَدَّرْتُ (مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا) أَيْ بَسَطْتُ رِدَائِي عَلَى الْبِئْرِ وَهَذِهِ كَيْفِيَّةُ تَقْدِيرِهَا وَلَمْ يَسْهُلْ تَقْدِيرُهَا إِلَّا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ (ثُمَّ ذَرَعْتُهُ) أَيْ رِدَائِي بَعْدَ مَدِّهِ (فَإِذَا عَرْضُهَا) أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ (سِتَّةُ أَذْرُعٍ) جَمْعُ ذِرَاعٍ وَهُوَ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ

стр. 83

الْأَصَابِعِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ (سَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ) وَكَانَتِ الْبِئْرُ فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ (هَلْ غُيِّرَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِنَاؤُهَا) أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ (عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ وَالْمُرَادُ مِنْ مَا الْحَالَةُ وَالْعِمَارَةُ الَّتِي كَانَتِ الْبِئْرُ عَلَيْهَا وَجُمْلَةُ هَلْ غُيِّرَ مَعَ مُتَعَلِّقِهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِسَأَلْتُ (قَالَ) مُحَافِظُهَا (لَا) أَيْ لَمْ يُغَيَّرْ بِنَاؤُهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ (وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ) قَالَ النَّوَوِيُّ يَعْنِي بِطُولِ الْمُكْثِ وَأَصْلِ الْمَنْبَعِ لَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ فِيهِ انتهى وإنما فسرنا بذلك لأنه قال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجَسٌ أَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ جَوَّدَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَزَادَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَالْحَاكِمُ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ قَالَ الحافظ ونقل بن الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ لَهُ وَلَا فِي السُّنَنِ قُلْتُ وَقَالَ فِي كَشْفِ الْمَنَاهِجِ وَقَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ انْتَهَى ٥ - (بَاب الْمَاءِ لَا يُجْنِبُ) [٦٨] (بَعْضُ أَزْوَاجِ) وَهِيَ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ من حديث بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَاغْتَسَلَ مِنْهُ (فِي جَفْنَةٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ قَصْعَةٌ كَبِيرَةٌ وَجَمْعُهُ جِفَانٌ (أَوْ يَغْتَسِلُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الشك من بعض الرواة لا من بن عباس

стр. 84

لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ طُرُقٍ بِتَعْيِينِ لَفْظِ يَغْتَسِلُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ (إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا) وَقَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ وَالْجَنَابَةُ مَعْرُوفَةٌ يُقَالُ مِنْهَا أَجْنَبَ بِالْأَلِفِ وَجَنُبَ عَلَى وَزْنِ قَرُبَ فَهُوَ جُنُبٌ وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ (إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنِبُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ جَنَبَ أَيْ كَمَنَعَ وَجَنِبَ أَيْ كَفَرِحَ وَجَنُبَ أَيْ كَكَرُمَ فَيَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُهَا وَيَصِحُّ مِنْ أَجْنَبَ يُجْنِبُ وَهُوَ إِصَابَةُ الْجَنَابَةِ وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْنِبُ وَكَذَا الثَّوْبُ وَالْأَرْضُ وَيُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْهَا جُنُبًا يَحْتَاجُ إِلَى الْغُسْلِ لملامسة الجنب قال في المتوسط وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اغْتَرَفَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْغَمِسْ إِذْ يَبْعُدُ الِاغْتِسَالُ دَاخِلَ الْجَفْنَةِ عَادَةً وَفِي بِمَعْنَى مِنْ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ إِذَا غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ يَدِهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ٦ - (بَاب الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) [٦٩] رَكَدَ رُكُودًا مِنْ بَابِ قَعَدَ أَيْ سَكَنَ وَأَرْكَدْتُهُ أَسْكَنْتُهُ وَرَكَدَتِ السَّفِينَةُ أَيْ وَقَفَتْ فَلَا تَجْرِي (فِي حَدِيثِ هِشَامٍ) أَيْ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ هِشَامٍ أَوْ عَنْ حَدِيثِ هِشَامٍ فَفِي بِمَعْنَى عَنْ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ رِوَايَةُ الدَّارِمِيِّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَحَدِ ثُمَّ الصَّلَاةُ لِلنَّبِيِّ أَحْمَدَ قَالَ شَارِحُهَا السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ الْأَهْدَلُ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ أَحْمَدَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَخِرُّونَ للأذقان أَيْ عَلَيْهَا وَقَالَ وَلَدُهُ السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى هذا إنما يأتي على مذهب الكوفيين وبن مَالِكٍ الْقَائِلِينَ إِنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِقِيَاسٍ وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ وَفِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ (لَا يَبُولَنَّ) بِلَا النَّهْيِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ (فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) السَّاكِنِ الَّذِي لَا يَجْرِي (ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي بَالَ فِيهِ وَثُمَّ يغتسل عطف على الفعل المنفي وثم استبعادية أَيْ بَعِيدٌ مِنَ الْعَاقِلٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا

стр. 85

وَالْحَدِيثُ وَإِنْ دَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بين البول والاغتسال فيه لاعلى الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُمِ الْبَوْلُ فِيهِ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وفي لفظ النسائي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ انْتَهَى [٧٠] (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحُ الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا مَرَّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يَغْتِسَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ يَفْعَلُ قَالَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ يَخْرُجُ عَنْ كونه أهلا للتطهير لأن النهي ها هنا عَنْ مُجَرَّدِ الْغُسْلِ فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِمُجَرَّدِهِ وَحُكْمُ الْوُضُوءِ حُكْمُ الْغُسْلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَقَالُوا وَالْبَوْلُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَكَذَا الِاغْتِسَالُ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْهُمَا جَمِيعًا وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى هَذَا وَقَالَ إِنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ وَأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ كَوْنُهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بَلْ مَصِيرُهُ مُسْتَخْبَثًا بِتَوَارُدِ الِاسْتِعْمَالِ فَيَبْطُلُ نَفْعُهُ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الِانْغِمَاسِ لَا عَنِ الِاسْتِعْمَالِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ بَيْنَ الِانْغِمَاسِ وَالتَّنَاوُلِ فَرْقٌ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَعَطَاءٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَجَمِيعِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْوُضُوءِ وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَأُتِي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى عِنْدَهُ أَيْضًا قَالَ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا يَعْنِي أَبَا مُوسَى وَبِلَالًا اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَهُ أَيْضًا قَالَ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رسول الله إن بن أُخْتِي وَقَعَ أَيْ مَرِيضٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ الْحَدِيثَ فَإِنْ قَالَ الذَّاهِبُ إِلَى نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْوُضُوءِ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ غَايَةُ مَا فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى طَهَارَةِ مَا تَوَضَّأَ بِهِ ﷺ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ قُلْنَا هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ

стр. 86

نَافِقَةٍ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ حُكْمَهُ وَحُكْمَ أُمَّتِهِ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي بِالِاخْتِصَاصِ وَلَا دَلِيلَ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَلَفْظُهُ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ انْتَهَى ٧ - (بَاب الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا) [٧١] فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَقَالَ سُفْيَانُ هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ تَجِدُوا ماء فتيمموا وَهَذَا مَاءٌ وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ فِي إِنَاءٍ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً غَيْرَهُ قَالَ يتوضأ به وأخرجه بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيعِ لِلنَّدْبِ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لِلتَّعَبُّدِ لِكَوْنِ الْكَلْبِ طَاهِرًا عِنْدَهُمْ انْتَهَى لَكِنَّ الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ نَجَاسَةُ سُؤْرِ الْكَلْبِ لِقَوْلِهِ ﷺ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ وَالطَّهَارَةُ تُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ وَقَدْ ثَبَتَ عن بن عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ رِجْسٌ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَصِحَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّوَضِّي (التَّوَضُّؤُ) بِهِ (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) الْأَشْهَرُ فِيهِ الضَّمُّ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (إِذَا وَلَغَ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وُلُوغًا إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ يُقَالُ وَلَغَ الْكَلْبُ بِشَرَابِنَا وَفِي شَرَابِنَا وَمِنْ شَرَابِنَا (أَنْ يَغْسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ نَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفِي غَسْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَمَعْنَى الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ أَنْ يَخْلِطَ التُّرَابَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَتَكَدَّرَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَطْرَحَ الْمَاءَ عَلَى التُّرَابِ أَوِ التُّرَابَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الْكَدِرَ مِنْ مَوْضِعٍ فَيَغْسِلَ بِهِ وَأَمَّا مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بالتراب فلا يجزئ انْتَهَى وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَنَّ وُلُوغَ الْكَلْبِ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ

стр. 87

الَّذِي فِي الْإِنَاءِ غَالِبًا قَالَ الْحَافِظُ فِي فتح الباري واختلف الرواة عن بن سِيرِينَ فِي مَحَلِّ غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ فَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْهُ أُولَاهُنَّ وهي رواية الأكثر عن بن سيرين واختلف عن قتادة عن بن سِيرِينَ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْهُ أُولَاهُنَّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبَانُ عَنْ قَتَادَةَ السَّابِعَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ بن سِيرِينَ أُولَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُنَّ وَفِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ عَنِ الْبَزَّارِ إِحْدَاهُنَّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُقَالَ إِحْدَاهُنَّ مُبْهَمَةٌ وَأُولَاهُنَّ وَالسَّابِعَةُ مُعَيَّنَةٌ وَأَوْ إِنْ كَانَتْ في نفس الخبر فهي التخيير فَيَقْتَضِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ المعينة وإن كانت أوشكا مِنَ الرَّاوِي فَرِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ وَلَمْ يَشُكَ أولى من رواية من أبهم أوشك فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ وَرِوَايَةِ السَّابِعَةِ وَرِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّةِ وَالْأَحْفَظِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا لِأَنَّ تَتْرِيبَ الْأَخِيرِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى غَسْلِهِ أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَكَذَلِكَ) أَيْ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أولاهن بالتراب [٧٣] (عن محمد) هو بن سِيرِينَ (بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (وَلَمْ يَرْفَعَاهُ) أَيْ وَلَمْ يَرْفَعِ الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَالْمُعْتَمِرُ عَنْ أَيُّوبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ وَقَفَاهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ (وَزَادَ) أَيْ أَيُّوبُ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَا رواه عنه المعتمر وحماد (وإذا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً) قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً انْتَهَى وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَهِمُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ مَرْفُوعٌ وَفِي وُلُوغِ الْهِرِّ مَوْقُوفٌ انْتَهَى وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَعِلَّتُهُ أَنَّ مُسَدَّدًا رَوَاهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ فَوَقَفَهُ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ فِي الْإِمَامِ وَالَّذِي تَلَخَّصَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَاعْتَمَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ عَلَى عَدَالَةِ الرِّجَالِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِوَقْفِ مَنْ وَقَفَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 88

(فِي الْإِنَاءِ) ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الْآنِيَةِ وَمَفْهُومُهُ يُخْرِجُ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ مَثَلًا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ دُونَ الْكَثِيرِ (فَاغْسِلُوهُ) أَيِ الْإِنَاءَ وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ الْإِنَاءَ (بِالتُّرَابِ) وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ التَّتْرِيبُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عن بن سِيرِينَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَأَبِي رَافِعٍ وَالْحَسَنِ عَلَى أن بعض أصحاب بن سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَمَعَ هَذَا أَخَذْنَا بِالتَّتْرِيبِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ) فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَضُرُّ عدم ذكر هؤلاء لهذه اللفظة لأن بن سِيرِينَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَأَبَا رَافِعٍ ذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ الْحَسَنِ وَأَبِي رَافِعٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ الْحَسَنِ لا بأس به وللطحاوي في شرح معالي الْآثَارِ فِي إِبْطَالِ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ كَلَامٌ شَنِيعٌ وَقَدْ أَجَادَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي رَدِّ كَلَامِهِ في كتابه المعرفة والحافظ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فَجَزَاهُمَا اللَّهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ [٧٤] (أَبُو التَّيَّاحِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مُشَدَّدَةٌ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا الراء المكسورة المشددة هو بن عَبْدِ اللَّهِ الشِّخِّيرُ الْعَامِرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البصري أحد سادة التابعين قال بن سَعْدٍ ثِقَةٌ لَهُ فَضْلٌ وَوَرَعٌ وَعَقْلٌ وَأَدَبٌ (عن بن مُغَفَّلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ (أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَنَسْخِ قَتْلِهَا إِلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ النَّهْيَ أَوَّلًا كَانَ نَهْيًا عَامًّا مِنِ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَالْأَمْرَ بِقَتْلِهَا

стр. 89

جَمِيعًا ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ مَا عَدَا الْأَسْوَدِ وَامْتَنَعَ الِاقْتِنَاءُ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا الْمُسْتَثْنَى كَذَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ قُلْتُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ (ثُمَّ قَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مالهم) أي للناس يقتلون الكلاب (ومالها) أَيْ مَا لِلْكِلَابِ أَنْ تُقْتَلَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ قَتْلِ الْكِلَابِ وَنَسْخِهِ وَقَدْ عَقَدَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِبَارِ لِذَلِكَ بَابًا وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ (فِي) اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ أَيِ الْكِلَابِ الَّتِي تَصِيدُ (وَفِي) اقْتِنَاءِ (كَلْبِ الْغَنَمِ) أَيِ الَّتِي تَحْفَظُ الْغَنَمَ فِي الْمَرْعَى وَزَادَ مُسْلِمٌ وَكَلْبِ الزَّرْعِ (عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ) التَّعْفِيرُ التَّمْرِيغُ بِالتُّرَابِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ حُكْمُ غَسْلِهِ ثَامِنَةً وَأَنَّ غَسْلَةَ التُّرَابِ غَيْرُ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ بِالْمَاءِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَفْتَى بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أيضا قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ قَوْلُهُ عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا غَسْلَةً مُسْتَقِلَّةً لَكِنْ لَوْ وَقَعَ التَّعْفِيرُ فِي أَوَّلِهِ قَبْلَ وُرُودِ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ كَانَتِ الْغَسَلَاتُ ثَمَانِيَةً وَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْغَسْلَةِ عَلَى التُّرَابِ مَجَازًا وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالتَّرْجِيحُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ الجمع والأخذ بحديث بن مُغَفَّلٍ يَسْتَلْزِمُ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ دُونَ الْعَكْسِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ سُلِكَ التَّرْجِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ نَقُلْ بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا لِأَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ بِدُونِهِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَثْبَتَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَقُلْنَا بِهِ أَخْذًا بِزِيَادَةِ الثِّقَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ ٨ - (بَاب سُؤْرِ الْهِرَّةِ) [٧٥] الْهِرُّ الذَّكَرُ وَجَمْعُهُ هِرَرَةٌ مِثْلُ قِرْدٍ وَقِرَدَةٍ وَالْأُنْثَى هِرَّةٌ مِثْلُ سدرة قاله الأزهري

стр. 90

قال بن الْأَنْبَارِيِّ الْهِرُّ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ يُدْخِلُونَ الْهَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ وَتَصْغِيرُهَا هُرَيْرَةُ كَذَا في المصباح (عن حميدة) قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيِّ فَقَالَ إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ (بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ) الْأَنْصَارِيَّةِ الزُّرَقِيَّةِ أُمِّ يَحْيَى عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ وَعَنْهَا زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ آنِفًا وَابْنُهَا يحيى بن إسحاق وثقها بن حِبَّانَ وَقَالَ الْحَافِظُ هِيَ مَقْبُولَةٌ قَالَ فِي النيل الحديث صححه البخاري والعقيلي وبن خزيمة وبن حبان والحاكم والدارقطني وأعله بن مَنْدَهْ بِأَنَّ حُمَيْدَةَ الرَّاوِيَةَ عَنْ كَبْشَةَ مَجْهُولَةٌ وَكَذَلِكَ كَبْشَةُ قَالَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا إِلَّا هذا الحديث وتعقبه الحافظ بن حَجَرٍ بِأَنَّ لِحُمَيْدَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَهَا حَدِيثٌ ثَالِثٌ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ رَوَى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند بن مَعِينٍ فَارْتَفَعَتِ الْجَهَالَةُ (كَبْشَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ) الْأَنْصَارِيَّةِ زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ (وَكَانَتْ) كَبْشَةُ (تحت بن أَبِي قَتَادَةَ) أَيْ فِي نِكَاحِهِ (دَخَلَ) فِي بَيْتِ كَبْشَةَ (فَسَكَبْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّكْبُ الصَّبُّ أَيْ صَبَبْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ (وَضُوءًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ صَبَّتْ لَهُ مَاءَ الْوُضُوءِ فِي قَدَحٍ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِي الْإِنَاءِ (فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ) أَيْ أَمَالَ أَبُو قَتَادَةَ لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّرْبُ (فَرَآنِي) أَبُو قَتَادَةَ وَالْحَالُ أَنِّي (أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى شُرْبِ الْهِرَّةِ لِلْمَاءِ نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ (يَا ابْنَةَ أَخِي) الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمِنْ عادة العرب أن يدعوا بيا بن أخي ويا بن عَمِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا أَوْ عَمًّا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ (فَقَالَ) أَبُو قَتَادَةَ لَا تَعْجَبِي (بِنَجَسٍ) يَعْنِي نَجَاسَةً مُؤَثِّرَةً فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَلَوْ قِيلَ بِكَسْرِ الْجِيمِ لَقِيلَ بِنَجِسَةٍ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِهِرَّةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمُ النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ النَّجَاسَةُ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ نَجَسٍ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ المنذري ثم النووي ثم بن دقيق العيد ثم بن سَيِّدِ النَّاسِ مَفْتُوحُ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ قَالَ الله تعالى إنما المشركون نجس انْتَهَى إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ بِعَدَمِ نَجَاسَةِ الْهِرَّةِ

стр. 91

هِيَ الضَّرْوَةُ النَّاشِئَةُ مِنْ كَثْرَةِ دَوَرَانِهَا فِي الْبُيُوتِ وَدُخُولِهَا فِيهِ بِحَيْثُ يَصْعُبُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَطُوفُ عَلَيْكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ فَتَمْسَحُونَهَا بِأَبْدَانِكُمْ وَثِيَابِكُمْ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَأَمَرْتُكُمْ بِالْمُجَانَبَةِ عَنْهَا وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الرِّفْقِ بِهَا وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ فِي مُوَاسَاتِهَا وَالطَّائِفُ الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُكَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَجَمْعُهُ الطَّوَّافُونَ قَالَ البغوي في شرح السنة يحتمل أنها شَبَّهَهَا بِالْمَمَالِيكِ مِنْ خَدَمِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى بَيْتِهِ لِلْخِدْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْأَجْرَ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ (وَالطَّوَّافَاتِ) وَفِي رواية الترمذي أو الطوافات قال بن سَيِّدِ النَّاسِ جَاءَ هَذَا الْجَمْعُ فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى صِيغَةِ جَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ قَالَ السُّيُوطِيُّ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الذُّكُورِ الطَّوَّافِينَ أَوِ الْإِنَاثِ الطَّوَّافَاتِ وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ شَبَّهَ ذُكُورَ الْهِرِّ بِالطَّوَّافِينَ وَإِنَاثَهَا بِالطَّوَّافَاتِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ جَوَّدَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَرِوَايَتُهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ انْتَهَى [٧٦] (أَنَّ مَوْلَاتَهَا) أَيْ مُعْتَقَةَ أُمِّ دَاوُدَ وَكَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً لِبَعْضِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ وَالْمَوْلَى اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ والمراد ها هنا بِالْكَسْرِ (أَرْسَلَتْهَا) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْمَوْلَاةٍ وَالْمَنْصُوبُ لِأُمِّهِ (بِهَرِيسَةٍ) فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ هَرَسَهَا مِنْ بَابِ قتل دقها قال بن فَارِسٍ الْهَرْسُ دَقُّ الشَّيْءِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْهَرِيسَةُ وَفِي النَّوَادِرِ الْهَرِيسُ الْحَبُّ الْمَدْقُوقُ بِالْمِهْرَاسِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ فَإِذَا طُبِخَ فَهُوَ الْهَرِيسَةُ بِالْهَاءِ وَالْمِهْرَاسُ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي يُهْرَسُ بِهِ الشَّيْءُ وَقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْخَشَبَةِ الَّتِي يُدَقُّ فِيهَا الْحَبُّ فَقِيلَ لَهَا مِهْرَاسٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمِهْرَاسِ مِنَ الْحَجَرِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ هَرِيسٌ كَأَمِيرٍ طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْحُبُوبِ وَاللَّحْمِ وَأَطْيَبُهُ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمِ الدِّيكِ قَالَتْ أُمُّ دَاوُدَ (فَوَجَدْتُهَا) أَيْ عَائِشَةَ (فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا) أَيِ

стр. 92

الهريسة وأن مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْإِشَارَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَائِزَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْإِشَارَةُ فِي الصَّلَاةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ (بِفَضْلِهَا) أَيْ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ ذَاتَ الْهِرَّةِ طَاهِرَةٌ وَأَنَّ سُؤْرَهَا غَيْرُ نَجِسٍ وَأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ وَالْوُضُوءَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ طَاهِرِ الذَّاتِ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولَ اللَّحْمِ طَاهِرٌ انْتَهَى قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا قُلْتُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بَلْ نَجِسٌ كَالسَّبُعِ لَكِنْ خُفِّفَ فِيهِ فَكُرِهَ سُؤْرُهُ وَاسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَنَّ الْهِرَّةَ سَبُعٌ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ السِّنَّوْرُ سَبُعٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ نَاطِقٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ حَدِيثِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ مَا يَقْضِي بِنَجَاسَةِ السِّبَاعِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالسَّبُعِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهَا نَجَسٌ إِذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالسَّبُعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ لَهُ أَسَانِيدُ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَانَتْ قَوِيَّةً بِلَفْظِ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ قَالَ نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ نَصَّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّهِ بهذه الألفاظ انتهى ٩ - (بَابُ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) [٧٧] وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ وَالْفَضْلُ هُوَ بَقِيَّةُ الشَّيْءِ أَيِ اسْتِعْمَالُ مَا يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ من الماء بعد ما شَرَعَتِ الْمَرْأَةُ فِي وُضُوئِهَا أَوْ غُسْلِهَا سَوَاءٌ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ فَرَاغٍ مِنْ تَطْهِيرِهَا فِيهِ صُورَتَانِ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى وَهِيَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَهَا صَرِيحَةً وَعَلَى الثَّانِيَةِ اسْتِنْبَاطًا أَوْ بِانْضِمَامِ أَحَادِيثَ أُخْرَى (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا

стр. 93

عَلَى الضَّمِيرِ (وَنَحْنُ جُنُبَانِ) هَذَا بِنَاءً عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي الْجُنُبِ أَنَّهُ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ فَيُقَالُ جُنُبٌ وَجُنُبَانِ وَجُنُبِيُّونَ وَأَجْنَابٌ وَاللُّغَةُ الْأُخْرَى رَجُلٌ جُنُبٌ وَرَجُلَانِ جُنُبٌ وَرِجَالٌ جُنُبٌ وَنِسَاءٌ جُنُبٌ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَأَصْلُ الْجَنَابَةِ فِي اللُّغَةِ الْبُعْدُ وَيُطْلَقُ الْجُنُبُ عَلَى الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِجِمَاعٍ أَوْ خُرُوجِ مَنِيٍّ لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْمَسْجِدَ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ فَضْلِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا اغْتَرَفَتْ بِيَدِهَا مِنَ الْقَدَحِ وَأَخَذَتِ الْمَاءَ مِنْهُ الْمَرَّةَ الْأُولَى صَارَ الْمَاءُ بَعْدَهَا مِنْ فَضْلِهَا وَمَا كَانَ أَخْذُهُ ﷺ بَعْدَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إِلَّا مِنْ فَضْلِهَا وَأَمَّا مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلْبَابِ فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ الْغُسْلُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْوُضُوءِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ انْتَهَى [٧٨] (بن خَرَّبُوذَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ آخِرًا هُوَ سَالِمُ بْنُ سَرْجٍ أَبُو النُّعْمَانِ الْمَدَنِيُّ عَنْ مَوْلَاتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ وَثَّقَهُ بن معين قال الحافظ بن حَجَرٍ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مَنْ قَالَ بن سرج عربه ومن قال بن خربوذ أراد به إلا كاف بِالْفَارِسِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ سَالِمَ بْنَ النُّعْمَانِ (عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ) بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا مَعَ التَّثْقِيلِ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَهِيَ جَدَّةُ خَارِجَةَ بْنِ الْحَارِثِ وقال بن مَنْدَهْ إِنَّ أُمَّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قيس بن قهد وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ الْحَافِظُ فَأَصَابَ أَيْ أَبُو نُعَيْمٍ وَفِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ إِنَّهَا قَدْ أَدْرَكَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله بن مَاجَهْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ فَذَكَرْتُ لِأَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ صَدَقَ (اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ كَانَ يَغْتَرِفُ تَارَةً قَبْلَهَا وَتَغْتَرِفُ هِيَ تَارَةً قَبْلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي زَادَ النَّسَائِيُّ وَأُبَادِرُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي (فِي الْوُضُوءِ) بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ في التوضىء (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالْوُضُوءِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اغْتِرَافِ الْجُنُبِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّطَهُّرِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَا بِمَا يَفْضُلُ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ انْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُسْتَقْذَرَ لَا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ نَجِسًا بِانْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ بَدَنِ الْجُنُبِ وَبَيْنَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَحَكَى أَنَّ أُمَّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ انْتَهَى

стр. 94

[٧٩] (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ وَمِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى غَيْرِ الْجَائِزِ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ (قَالَ مُسَدَّدٌ) وَحْدَهُ فِي رِوَايَتِهِ (مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ) ثُمَّ اتَّفَقَا بِقَوْلِهِمَا (جَمِيعًا) فَلَفْظُ مُسَدَّدٍ كان الرجال والنساء يتوضؤون فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ جَمِيعًا وَلَفْظُ عَبْدِ الله كان الرجال والنساء يتوضؤون فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا فَقَوْلُهُ جَمِيعًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يتناولون الماء في حالة واحدة وحكى بن التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَالَ والنساء كانوا يتوضؤون جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ تَرُدُّ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ اسْتَبْعَدَ اجْتِمَاعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَقَدْ أجاب بن التين عنه أن معناه كان الرجال يتوضؤون وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَتَتَوَضَّأْنَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْجَمِيعُ ضِدُّ الْمُفْتَرِقِ وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الإناء في صحيح بن خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عن عبيد الله عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاءُ مَعَهُمْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَتَطَهَّرُ مِنْهُ قَالَهُ الْحَافِظُ قَالَ الحافظ الإمام المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ انْتَهَى [٨٠] (نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا) هُوَ مِنَ الْإِدْلَاءِ وَمِنَ التَّفْعِيلِ وَالْأَوَّلُ لُغَةُ الْقُرْآنِ كَذَا فِي التَّوَسُّطِ يُقَالُ أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ فِي الْبِئْرِ وَدَلَّيْتُهَا إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْبِئْرِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِلْوُضُوءِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَلَا مَانِعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِمِ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الواحد وفيه نظر لما حكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُنْهَى عنه وكذا حكاه بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عليهم

стр. 95

٤ ([٨١] بَاب النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ إِبَاحَتُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَهَذَا النَّهْيُ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ سَابِقًا (عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ الْبَصْرِيُّ الْفَقِيهُ عَنْ أَبِي هريرة وأبي بكرة وعنه بن سيرين وبن أبي وحشية وثقه العجلي قال بن سِيرِينَ هُوَ أَفْقَهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْحِمْيَرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ (لَقِيتُ رَجُلًا) وَدَعْوَى الْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ (قَالَ) الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (بِفَضْلِ الرَّجُلِ) أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْغُسْلِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ مَعَهُ بِفَضْلِهِ وَلَا بَعْدَ غُسْلِهِ بِفَضْلِهِ (بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ غُسْلِهَا أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي الْغُسْلِ فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَهَا بِفَضْلِهَا وَلَا بعد غسلها ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أَبِي حَاجِبٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ وَحَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ فِي هَذَا الْبَاب الصَّحِيح هُوَ مَوْقُوف وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأ تَمَّ كَلَامه وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ فِي كِتَاب الطَّهُور حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخ يَعْنِي نَفْسه فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى نَبِيّكُمْ ﷺ وَأَكَلَ مَعَهُ قَالَ عَاصِمٌ فَسَمِعْته يَقُول لَا بَأْس بِأَنْ يَغْتَسِل الرَّجُل وَالْمَرْأَة مِنْ الْجَنَابَة مِنْ الْإِنَاء الْوَاحِد فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَعَلَّ بَعْض الرُّوَاة ظَنَّ أَنَّ قَوْله فَسَمِعْته يَقُول مِنْ كَلَام عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ فَوَهَمَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَحْكِيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حدثنا حَجَّاجٌ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ مُهَاجِرٍ أَبِي الْحَسَنِ

стр. 96

بِفَضْلِهَا (وَلْيَغْتَرِفَا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ لِيَأْخُذِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ غَرْفَةً غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمَا مِنْهُ (جَمِيعًا) أَيْ يَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لَا باختلاف أيديهما فيه واحد بَعْدَ وَاحِدٍ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ تَطْهِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ مَمْنُوعٌ سَوَاءٌ يَتَطَهَّرَانِ مَعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ أو واحد بَعْدَ وَاحِدٍ كَذَلِكَ لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّطْهِيرُ مِنَ الْفَضْلِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَتَطَهَّرَا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لا باختلاف أيديهما فيه واحد بَعْدَ وَاحِدٍ هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ تَبْوِيبِ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ ﵁ قَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٨٢] (وَهُوَ الْأَقْرَعُ) أَيْ عَمْرٌو وَالِدُ الْحَكَمِ هُوَ الْأَقْرَعُ (بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) بِفَتْحِ الطَّاءِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ أَبُو حَاجِبٍ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ وَلَا أَرَاهُ يَصِحُّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ خَبَرُ الْأَقْرَعِ فِي النَّهْيِ لَا يَصِحُّ وَاعْلَمْ أَنَّ تَطْهِيرَ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَطْهِيرَهَا بِفَضْلِهِ فِيهِ مَذَاهِبُ الْأَوَّلُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الْآخَرِ شَرَعَا جَمِيعًا أَوْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالثَّانِي كَرَاهَةُ تَطْهِيرِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ وَالثَّالِثُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا اغْتَرَفَا جَمِيعًا وَالرَّابِعُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ مَا لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا وَالرَّجُلُ جُنُبًا وَالْخَامِسُ جَوَازُ تَطْهِيرِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ طَهُورِ الرَّجُلِ وَكَرَاهَةُ الْعَكْسِ وَالسَّادِسُ جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا شَرَعَا جَمِيعًا لِلتَّطْهِيرِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اغْتَرَفَا جَمِيعًا أَوْ لَمْ يَغْتَرِفَا كَذَلِكَ وَلِكُلِّ قَائِلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ حَدَّثَنِي كُلْثُومُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْحَرْثِ قَالَ تَوَضَّأَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ عَمَّته قَالَ فَأَرَدْت أَنْ أَتَوَضَّأ بِفَضْلِ وُضُوئِهَا فَجَذَبَتْ الْإِنَاء وَنَهَتْنِي وَأَمَرَتْنِي أَنْ أُهْرِيقَهَ قَالَ فَأَهْرَقَتْهُ وَقَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ شُرَيْكٍ عن مهاجر الصائغ عن بن لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَفَعَلَتْ بِهِ مِثْل ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسٍ وَجُوَيْرِيَةُ وَأُمُّ سلمة وخالفهم في ذلك بن عباس وبن عُمَر قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَدِينِيِّ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سُؤْر الْمَرْأَة فَقَالَ هِيَ أَلْطَف بَنَانًا وَأَطْيَب رِيحًا حَدَّثْنَا

стр. 97

بِهِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْأُوَلِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَطْهِيرُهُ ﷺ مَعَ أَزْوَاجِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلُ فَضْلَ صَاحِبِهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ اغْتَسَلَ بِفَضْلِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ وَجَمَعَ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ فَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ كَانَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ النَّهْيِ وَهُوَ حَدِيثُ الْأَقْرَعِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ التَّطْهِيرِ بِفَضْلِ مَا تَسْتَعْمِلُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ مَا سَالَ وَفَضَلَ عَنْ أَعْضَائِهَا عِنْدَ التَّطْهِيرِ دُونَ الْفَضْلِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الإيجاب وكان بن عُمَرَ ﵁ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا فَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْإِبَاحَةِ أَجْوَدُ مِنْ إِسْنَادِ خَبَرِ النَّهْيِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ فَضْلِ أَعْضَائِهَا وَهُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنْهَا وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ أَحْمَدَ إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَازُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ أَوْ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ١ - (بَاب الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ) [٨٣] وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ أَوِ الْمَالِحُ فَقَطْ وَجَمْعُهُ بُحُورٌ وَأَبْحُرٌ وَبِحَارٌ وَأَشَارَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ (وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) أَيِ الْمُغِيرَةُ (سَأَلَ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِسُؤْرِ الْمَرْأَة إِلَّا أَنْ تَكُون حَائِضًا أَوْ جُنُبًا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا الْمَنْع مِنْ الْوُضُوء بِالْمَاءِ الَّذِي تَخْلُو بِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَدْ كَرِهَهُ غَيْر وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَالْقَوْل الثَّانِي يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه عن بن عباس أن رسول الله ﷺ كَانَ يَغْتَسِل بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ وَفِي السُّنَن الأربع عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ نِسَاء النَّبِيّ ﷺ اِسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَة فَجَاءَ النَّبِيّ ﷺ يَتَوَضَّأ مِنْ فَضْلهَا فَقَالَتْ إِنِّي اِغْتَسَلَتْ مِنْهُ فَقَالَ إِنَّ الْمَاء لَا يُنَجِّسهُ شَيْء وَفِي رِوَايَة لا يجنب

стр. 98

أَنَّ اسْمَ السَّائِلِ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ وَكَذَا ساقه بن بَشْكُوَالَ وَأَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيمَنِ اسْمُهُ عَبْدٌ وَتَبِعَهُ أَبُو مُوسَى فَقَالَ عَبْدٌ أَبُو زَمْعَةَ الْبَلَوِيُّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ قال بن مَعِينٍ بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ وَقِيلَ اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ قَالَ أَبُو مُوسَى وأورده بن مَنْدَهْ فِي مَنِ اسْمُهُ عَرَكِيٌّ وَالْعَرَكِيُّ هُوَ الْمَلَّاحُ وَلَيْسَ هُوَ اسْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ قُلْتُ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَلَفْظُهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ) الْمِلْحُ وَهُوَ مَالِحٌ وَمُرٌّ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ زَادَ الْحَاكِمُ نُرِيدُ الصَّيْدَ (بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي نَحْمِلُهُ (عَطِشْنَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ وَفَقْدِهِ (أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ) فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شَكُّوا فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ قُلْنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ ﷺ لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وسعيد بن منصور في سننه عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ به وقد روي موقوفا على بن عُمَرَ بِلَفْظِ مَاءُ الْبَحْرِ لَا يُجْزِئُ مِنْ وُضُوءٍ وَلَا جَنَابَةٍ إِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا ثُمَّ مَاءً ثُمَّ نَارًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أبحر وسبع أنيار وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ بِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ إِذَا عَارَضَتِ المرفوع والإجماع وحديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ضَعَّفُوا إِسْنَادَهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا تَوَقَّفُوا عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ وَمَا كَانَ طَبَقَ سُخْطٍ لَا يَكُونُ طَرِيقَ طَهَارَةٍ وَرَحْمَةٍ (هُوَ) أَيِ الْبَحْرُ وَيَحْتَمِلُ فِي إِعْرَابِهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ خَبَرُهُ مَاؤُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الطَّهُورُ وَمَاؤُهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالطَّهُورُ مَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ خَبَرٌ وَمَاؤُهُ فَاعِلُهُ قَالَهُ بن دَقِيقِ الْعِيدِ (الطَّهُورُ مَاؤُهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوِ الطَّاهِرُ المطهر كما في القاموس وههنا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ تَطْهِيرِ مَائِهِ لَا عَنْ طَهَارَتِهِ وَضَمِيرُ مَاؤُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ هُوَ الطَّهُورُ الْبَحْرُ إِذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ لَمَا احْتِيجَ إِلَى قَوْلِهِ مَاؤُهُ إِذْ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمَاءِ طَهُورٌ مَاؤُهُ وَفِي بَعْضِ لَفْظِ الدَّارِمِيِّ فَإِنَّهُ الطَّاهِرُ مَاؤُهُ

стр. 99

(الْحِلُّ) هُوَ مَصْدَرُ حَلَّ الشَّيْءَ ضِدَّ حَرُمَ وَلَفْظُ الدَّارِمِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ الْحَلَالُ (مَيْتَتُهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَلَا يُكْسَرُ مِيمُهُ وَالْحِلُّ عَطْفٌ عَلَى الطَّهُورِ مَاؤُهُ وَوَجْهُ إِعْرَابِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ الثَّانِيَةُ أَنَّ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ أَيْ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالْبَحْرِ حَلَالٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالُوا مَيْتَاتُ الْبَحْرِ حَلَالٌ وَهِيَ مَا خَلَا السَّمَكَ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ السَّمَكُ كَمَا فِي حَدِيثِ أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّالِثَةُ أَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَعَلِمَ أَنَّ لِلسَّائِلِ حَاجَةً إِلَى ذِكْرِ مَا يَتَّصِلُ بِمَسْأَلَتِهِ اسْتُحِبَّ تَعْلِيمُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ وَهِيَ زِيَادَةٌ تَنْفَعُ لِأَهْلِ الصَّيْدِ وَكَأَنَّ السَّائِلَ مِنْهُمْ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى قال الحافظ بن الْمُلَقِّنِ إِنَّهُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الطَّهَارَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ وَقَوَاعِدَ مُهِمَّةٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ عِلْمِ الطَّهَارَةِ قَالَ المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ لِأَجْلِ اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي اسْمِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ انْتَهَى ٢ - (بَاب الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ) [٨٤] بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ نَبَذْتُ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ إِذَا تَرَكْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِيَصِيرَ نبيذ أَوْ أَنْبَذْتُهُ اتَّخَذْتُهُ نَبِيذًا سَوَاءٌ كَانَ مُسْكِرًا أَوْ لَا يُقَالُ لِلْخَمْرِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ نبيذ كما يقال للنبيذ خمر قاله بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (عَنْ أَبِي زَيْدٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا نَعْرِفُ لَهُ رِوَايَةً غير هذا الحديث وقال الزيلعي قال بن حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ أَبُو زَيْدٍ شَيْخٌ يروي عن بن مَسْعُودٍ لَيْسَ يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَلَا بَلَدُهُ وَمَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ ثم لم يروا إِلَّا خَبَرًا وَاحِدًا خَالَفَ فِيهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ والقياس استحق مجانبة ما رواه وقال بن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْعِلَلِ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي فَزَارَةَ بِالنَّبِيذِ لَيْسَ بصحيح وأبو زيد مجهول وذكر بن

стр. 100

عَدِيٍّ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الَّذِي روى حديث بن مَسْعُودٍ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ خلاف القرآن وقال بن عَدِيٍّ أَبُو زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مجهول وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبُو زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مَجْهُولٌ عِنْدَهُمْ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي فَزَارَةَ وَحَدِيثُهُ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا رَوَاهُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ وَلَا يَثْبُتُ انْتَهَى (لَيْلَةَ الْجِنِّ) هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي جَاءَتِ الْجِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى قومه لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ الدِّينَ وَأَحْكَامَ الْإِسْلَامِ (مَا فِي إِدَاوَتِكَ) بِالْكَسْرِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ يُتَّخَذُ لِلْمَاءِ وَجَمْعُهَا أَدَاوَى (تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ) أَيِ النَّبِيذُ لَيْسَ إِلَّا تَمْرَةً وَهِيَ طَيِّبَةٌ لَيْسَ فِيهَا ما يمنع التوضي (وَمَاءٌ طَهُورٌ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مُطَهِّرٌ زَادَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَصَلَّى وَقَدْ ضَعَّفَ المحدثون حديث أبي زيد بثلاث علل أحدها جهالة أبي زيد والثاني التَّرَدُّدُ فِي أَبِي فَزَارَةَ هَلْ هُوَ رَاشِدُ بن كيسان أو غيره والثالث أن بن مَسْعُودٍ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التوضي بِالنَّبِيذِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ لا يجوز التوضي بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَقْرَبُ إِلَى الْكِتَابِ وَأَشْبَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صعيدا طيبا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ وَنَسْخُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ وَلَا ينسخ الخبر الْوَاحِدِ إِذَا صَحَّ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ضَعِيفًا مَطْعُونًا فِيهِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ لَهُ رِوَايَةٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ وَلَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَدِيثٌ بَلِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَاطِقَةٌ بِخِلَافِهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الروايات عن زيد عن بن مَسْعُودٍ وَأَبُو فَزَارَةَ قِيلَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَقِيلَ إِنَّ أَبَا فَزَارَةَ رَجُلَانِ وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَيْسَ هُوَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ أَبُو فَزَارَةَ فِي حديث بن مَسْعُودٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَبَا فَزَارَةَ الْعَبْسِيَّ رَاشِدَ بْنَ كَيْسَانَ وَأَبَا

стр. 101

فَزَارَةَ الْعَبْسِيَّ غَيْرَ مُسَمًى فَجَعَلَهُمَا اثْنَيْنِ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ كَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ فِي ضَعْفِ الْحَدِيثِ انْتَهَى (عَنْ أَبِي زَيْدٍ) أَيْ بِإِضَافَةِ لَفْظِ أَبِي إِلَى زَيْدٍ (أَوْ زَيْدٍ) بِلَا إِضَافَتِهِ (كَذَا قَالَ شَرِيكٌ) أَيِ الشَّاكُّ فِيهِ شَرِيكٌ وَأَمَّا هَنَّادٌ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شَرِيكٍ أَبَا زَيْدٍ بِلَا شَكٍّ (وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ) فِي رِوَايَتِهِ (لَيْلَةَ الْجِنِّ) وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا سُلَيْمَانُ [٨٥] (قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَخْ) أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ مِنْ جَامِعِهِ مُطَوَّلًا وَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الضَّعْفِ لِحَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ هَذَا صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وحضور بن مَسْعُودٍ مَعَهُ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ النَّبِيذِ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَدْ دلت الأحاديث الصحيحة على أن بن مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُ حِينَ انْطَلَقَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ يُرِيهِمْ آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ قَالَ وَقَدْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ لَيْلَتَهُ ثُمَّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَقَدْ تَلَخَّصَ لِحَدِيثِ بن مَسْعُودٍ سَبْعَةُ طُرُقٍ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ الْمُخَاطَبَةِ وَإِنَّمَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ مَرَّتَيْنِ فَفِي أَوَّلِ مَرَّةٍ خَرَجَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بن مَسْعُودٍ وَلَا غَيْرُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أخرى كما روى بن أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الجن من حديث بن جُرَيْجٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 102

[٨٦] (أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ لَا بِغَيْرِهِ (وَقَالَ) عَطَاءٌ (إِنَّ التَّيَمُّمَ) عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ (أَعْجَبُ) أَحَبُّ (إِلَيَّ مِنْهُ) أَيْ من التوضي بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ [٨٧] (سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ) هُوَ رُفَيْعُ بضم أوله بن مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ الْبَصْرِيُّ مُخَضْرَمٌ إِمَامٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَالَ الْحَافِظُ هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَشْهُورٌ بكنية وثقه بن مَعِينٍ وَغَيْرُهُ حَتَّى قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ مُجْمَعٌ عَلَى ثِقَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ (عَنْ رَجُلٍ) أَيْ عَنْ حَالِهِ ٣ - (بَاب أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وَهُوَ حَاقِنٌ) [٨٨] هُوَ مَنْ يَحْبِسُ بَوْلَهُ حَقَنَ الرَّجُلُ بَوْلَهُ حَبَسَهُ وَجَمَعَهُ فهو حاقن وقال بن فَارِسٍ وَيُقَالُ لِمَا جُمِعَ مِنْ لَبَنٍ وَشُدَّ حَقِينٌ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَابِسُ الْبَوْلِ حَاقِنًا وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِلَفْظِ الْحَقْنِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ يَعْنِي حَبْسَ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ وَلِذَا أَوْرَدَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْخَاصَّ وَهُوَ حَبْسُ الْبَوْلِ وَأَرَادَ بِلَفْظِ الْخَلَاءِ وَبِلَفْظِ الْأَخْبَثَانِ الْوَاقِعَيْنِ فِي الْحَدِيثِ أَحَدَ فَرْدَيْهِمَا وَهُوَ حَبْسُ الْبَوْلِ (وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ) فِي الصَّلَاةِ وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ صَحِبَهُ قَوْمٌ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ (صَلَاةَ الصُّبْحِ) بَدَلَ مِنَ الصَّلَاةِ (ثُمَّ قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (لِيَتَقَدَّمْ أحدكم) للإمامة

стр. 103

(وَذَهَبَ) عَبْدُ اللَّهِ (الْخَلَاءِ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ مَقُولَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ) فَيُفْرِغُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ تَشَوَّشَ خُشُوعُهُ وَاخْتَلَّ حُضُورُ قَلْبِهِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَجِدُ شَيْئًا مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ (عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ) فَأَدْخَلُوا هَؤُلَاءِ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ رَجُلًا روى عن بن جُرَيْجٍ أَيْضًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مِثْلَ ما روى وهيب قاله بن الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ رِوَايَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ رَجُلٍ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ (وَالْأَكْثَرُ) أَيْ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَشُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَالْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كِنَانَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القطان وزاد بن الْأَثِيرِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيَّ وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ وَمَعْمَرًا (كَمَا قَالَ زُهَيْرُ) بْنُ مُعَاوِيَةَ بِحَذْفِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ عُرْوَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقِيلَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمٍ روى عن النبي ﷺ حَدِيثًا وَاحِدًا وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ [٨٩] (الْمَعْنَى) أَيِ المعنى واحد وإن تغايرت ألفاظهم (قال بن عيسى في حديثه بن أَبِي بَكْرٍ) أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَاقْتَصَرَ يَحْيَى وَمُسَدَّدٌ عَلَى عَبْدِ الله بن محمد فقط بدون زيادة بن أَبِي بَكْرٍ (ثُمَّ اتَّفَقُوا) ثَلَاثَتُهُمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ فَقَالُوا (أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (فَقَامَ الْقَاسِمُ) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هريرة وبن عباس وبن عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ وَالشَّعْبِيُّ وَخَلَائِقُ قَالَ مَالِكٌ الْقَاسِمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ وَقَالَ بن سعد كان

стр. 104

ثِقَةً عَالِمًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْقَاسِمِ (لَا يُصَلَّى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا صَلَاةَ (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) أَيْ عِنْدَ حُضُورِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ أَيْ لَا تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ حَضَرَ فِيهِ الطَّعَامُ وَهُوَ يُرِيدُ أَكْلَهُ وَهُوَ عَامٌّ لِلنَّفْلِ وَالْفَرْضِ وَالْجَائِعِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ فِي الْحَالِ لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ (وَلَا) يُصَلِّي (وَهُوَ) الْمُصَلِّي (يُدَافِعُهُ) الْمُصَلِّيَ (الْأَخْبَثَانِ) فَاعِلُ يُدَافِعُ وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ أَيْ لَا صَلَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْمُصَلِّي حَالَةَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ وَهُوَ يُدَافِعُهُمَا لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ وَذَهَابِ الْخُشُوعِ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فِيهِ مَذَاهِبُ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأَكْلِ عَلَى الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَنْدُوبٌ وَمَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ [٩٠] (ثَلَاثٌ) ثَلَاثُ خِصَالٍ بِالْإِضَافَةِ ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَلِهَذَا جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ (أَنْ يَفْعَلَهُنَّ) الْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنْ وَالْفِعْلِ فَاعِلُ يَحِلُّ أَيْ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُنَّ بَلْ يَحْرُمُ قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ (لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ) يَؤُمُّ بِالضَّمِّ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ (فَيَخُصُّ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ هُوَ بِالضَّمِّ لِلْعَطْفِ وَبِالنَّصْبِ لِلْجَوَابِ وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ هُوَ مَنْصُوبٌ بِأَنِ الْمُقَدَّرَةِ لِوُرُودِهِ بَعْدَ النَّفْيِ على حد لا يقضي عليهم فيموتوا (بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ) قَالَ الْعَزِيزِيُّ أَيْ فِي الْقُنُوتِ خَاصَّةً بِخِلَافِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدِ وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ مَعْنَاهُ تَخْصِيصُ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّكُوتِ عَنِ الْمُقْتَدِينَ وَقِيلَ نَفْيُهُ عَنْهُمْ كَارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ أَوِ الثَّانِي حَرَامٌ فَقَطْ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ الْحَدِيثَ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ كَالدَّاخِلِ وَعَدَمِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ (فَقَدْ خَانَهُمْ) لِأَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ أَمَانَةٌ وَتَرْكُهُ خِيَانَةٌ (وَلَا يَنْظُرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يَؤُمُّ (فِي قَعْرِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَعْرُ الشَّيْءِ نِهَايَةُ أسفله

стр. 105

وَالْجَمْعُ قُعُورٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَمِنْهُ جَلَسَ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ انْتَهَى والمراد ها هنا دَاخِلُ الْبَيْتِ (قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ) أَهْلَهُ فِيهِ تَحْرِيمُ الِاطِّلَاعِ فِي بَيْتِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) اطَّلَعَ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (دَخَلَ) ارْتَكَبَ إِثْمَ مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ (وَلَا يُصَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَالْفِعْلُ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ وَالنَّكِرَةُ إِذَا جَاءَتْ فِي مَعْرِضِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَيَدْخُلُ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ صَلَاةُ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ كَالْجِنَازَةِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهَا (حَقِنٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ القاف قال بن الْأَثِيرِ الْحَاقِنُ وَالْحَقِنُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بِمَعْنًى (يَتَخَفَّفَ) بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ أَيْ يُخَفِّفَ نَفْسَهُ بخروج الفضلة قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه وحديث بن مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أُمَامَةَ وَحَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ وَكَانَ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ عَنْ ثَوْبَانَ فِي هَذَا أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَشْهَرُ انْتَهَى [٩١] (سَاقَ نَحْوَهُ) أَيْ سَاقَ ثَوْرٌ نَحْوَ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِيَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ تِلْمِيذَيْنِ أَحَدُهُمَا حَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ وَالْآخَرُ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الْكُلَاعِيُّ فَرِوَايَةُ ثَوْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ نَحْوَ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ (عَلَى هَذَا اللَّفْظِ) الْمُشَارِ إِلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (قَالَ) ثَوْرٌ (إِلَّا بِإِذْنِهِمْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّائِرِ أَنْ يَؤُمَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ بَلْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنَ الزَّائِرِ وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ (وَلَا يَخْتَصُّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَخُصُّ وَخُلَاصَةُ الْمَرَامِ أَنَّ بَيْنَ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ وَثَوْرٍ تَفَاوُتًا فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ثَوْرٍ جُمْلَةٌ لَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ وَهِيَ قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ حَبِيبٍ جُمْلَةٌ لَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ ثَوْرٍ وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَا يَنْظُرْ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ وَبَاقِي أَلْفَاظِهِمَا مُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّفْظِ وَمُتَّحِدَةٌ فِي الْمَعْنَى كَذَا فِي مَنْهِيَّةِ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَقَالَ فِيهِ قَدْ زَلَّ قَلَمِي فِي الشَّرْحِ فِي كِتَابَةِ فَاعِلٍ لِقَوْلِهِ سَاقَ فَكَتَبْتُ سَاقَ أَيْ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَيْ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ كَتَبْتُ مِنِ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَفْظُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ ذُهُولٌ مِنِّي

стр. 106

فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَصْلَحَهَا وَأَبْدَلَهَا بِلَفْظِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَمَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِذَا صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَأَمَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ دَافَعَ الْأَخْبَثَيْنِ خَرَجَ الْوَقْتُ صَلَّى عَلَى حَالِهِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا وَحَكَى أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِحَالِهِ بَلْ يَأْكُلُ وَيَتَطَهَّرُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَإِذَا صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَقَدِ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهَا وَلَا يَجِبُ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ (سُنَنِ) طُرُقِ (أَهْلِ الشَّامِ) أَيْ رُوَاةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كُلُّهُمْ شَامِيُّونَ (فِيهَا) فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ (أَحَدٌ) غَيْرُ أَهْلِ ٤ - (بَاب مَا يُجْزِئُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ مَا يَكْفِي) [٩٢] (بِالصَّاعِ) أَيْ بِمِلْءِ الصَّاعِ وَالصَّاعُ هُوَ مِكْيَالٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ هُوَ رِطْلَانِ فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا أَوْ ثَمَانِيَةَ أرطال قاله بن الْأَثِيرِ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَانَ الصَّاعُ فِي عَهْدِهِ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ هَذِهِ أَيْ كَانَ صَاعُهُ ﷺ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلٌ عِرَاقِيٌّ وَثُلُثُ رِطْلٍ فَزَادَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُدِّ بِحَيْثُ صَارَ الصَّاعُ مُدًّا وَثُلُثَ مُدٍّ مِنْ مُدِّ عُمَرَ وَقَالَ الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ الصَّاعُ عَلَى مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ سَبَبَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع ثم زادوا فيه لإزادة جَبْرِ الْكَسْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ (بِالْمُدِّ) هُوَ بِالضَّمِّ رُبْعُ الصَّاعِ لُغَةً وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ أَوْ مِلْءُ كَفِّ الْإِنْسَانِ الْمُعْتَدِلِ إِذَا مَلَأَهُمَا وَمَدَّ يَدَهُ بِهِمَا وَمِنْهُ سُمِّيَ مُدًّا وَقَدْ جَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا (قَالَ سَمِعْتُ صَفِيَّةَ) فَفِي رِوَايَةِ أَبَانَ قَدْ صَرَّحَ قَتَادَةُ بِالسَّمَاعِ فَارْتَفَعَتْ مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ

стр. 107

عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ الْمُعَنْعَنَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ بِنَحْوِهِ [٩٣] (يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِالصَّاعِ وَالْوُضُوءُ بِالْمُدِّ لِلتَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّاعِ وَرُبَّمَا زَادَ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ هو الفرق قال بن عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا هُوَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَدَّرَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ ﷺ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدَّرَهُمَا بِذَلِكَ فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ سَفِينَةَ مِثْلَهُ وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ وَهَذَا إِذَا لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى الزِّيَادَةِ وَهُوَ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ خَلْقُهُ مُعْتَدِلًا كَذَا فِي الْفَتْحِ وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الغسل قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ [٩٤] (عَنْ جَدَّتِي) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِي فَهِيَ جَدَّةُ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَرِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَصْرَحُ مِنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّائِمِ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ وَقَالَ أَبُو عِيسَى وَأُمُّ عُمَارَةَ هِيَ جَدَّةُ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ انْتَهَى وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ هِيَ جَدَّةُ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ انْتَهَى وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي الشَّرْحِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (أُمُّ عُمَارَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ اسْمُهَا نَسِيبَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ هِيَ بِنْتُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّةُ النَّجَّارِيَّةُ (توضأ) أراد التوضي (فَأُتِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ) كَانَ الْمَاءُ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ فَثُلُثَا الْمُدِّ هُوَ أَقَلُّ ما روى أنه تَوَضَّأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ

стр. 108

[٩٥] (يَسَعُ رِطْلَيْنِ) مِنَ الْمَاءِ وَالرِّطْلُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ وَكَسْرُهُ أَشْهَرُ مِنْ فَتْحِهِ وَهُوَ بِالْبَغْدَادِيِّ اثنتا عشرة أوقية والأوقية أستار وثلثا أستار والأستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم ستة دوانيق والدانق ثَمَانِي حَبَّاتٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ وَعَلَى هَذَا فَالرِّطْلُ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَهِيَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَالْجَمْعُ أَرْطُلٌ وَالرِّطْلُ مِكْيَالٌ أَيْضًا وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَبَعْضُهُمْ يَحْكِي فِيهِ بِالْفَتْحِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (إِلَّا أَنَّهُ) أَيْ شُعْبَةُ (بِمَكُّوكٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْكَافِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِهَا جَمْعُهُ مَكَاكِيكٌ وَمَكَاكِيٌّ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَكُّوكِ ها هنا المد قاله النووي وقال بن الْأَثِيرِ أَرَادَ بِالْمَكُّوكِ الْمُدَّ وَقِيلَ الصَّاعَ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَجَمْعُهُ الْمَكَاكِيُّ بِإِبْدَالِ الْيَاءِ مِنَ الْكَافِ الْأَخِيرَةِ وَالْمَكُّوكُ اسْمٌ لِلْمِكْيَالِ وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحِ فِي الْبِلَادِ انْتَهَى قُلْتُ الْمُرَادُ بِالْمَكُّوكِ ها هنا المد لاغير لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُفَسَّرًا بِالْمُدِّ قال القرطبي الصحيح أن المراد به ها هنا الْمُدُّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدين العراقي في صحيح بن حِبَّانَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْمَكُّوكُ الْمُدُّ (وَلَمْ يَذْكُرْ) شُعْبَةَ كَمَا ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى (عَتِيكٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ (قَالَ) أَبُو دَاوُدَ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ شُعْبَةُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ شَرِيكٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَبْرٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ هُوَ بن جَبْرٍ وَأَمَّا سُفْيَانُ فَقَالَ جَبْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالصَّحِيحُ الْمَحْفُوظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ لِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَهُوَ) أَيْ مَا قاله أحمد في تقدير الصاع (بن أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَبُو الْحَارِثِ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ عَنْ نَافِعٍ

стр. 109

وَالزُّهْرِيِّ وَشُرَحْبِيلَ وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَجَمَاعَةٌ قَالَ الْحَافِظُ هُوَ من أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاةِ لَكِنْ قَالَ بن الْمَدِينِيِّ كَانُوا يُوَهِّنُونَهُ فِي الزُّهْرِيِّ وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يَرْضَهُ فِي الزُّهْرِيِّ وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ بَلْ نَفَى ذَلِكَ عَنْهُ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَانَ أَحْمَدُ يُعَظِّمُهُ جِدًّا حَتَّى قَدَّمَهُ فِي الْوَرَعِ عَلَى مَالِكٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي سَمَاعِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ شَيْءٌ فَحَلَفَ الزُّهْرِيُّ أَنْ لَا يُحَدِّثَهُ ثُمَّ نَدِمَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي الزُّهْرِيِّ مِنْ كُلِّ شَامِيٍّ (وَهُوَ) أَيْ صَاعُ بن أَبِي ذِئْبٍ كَصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَا يَسَعُ فِيهِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وثلث مِنَ الْمَاءِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيٍّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَفِي رواية مكاكي ٥ - (بَابُ الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ) [٩٦] الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ إِسْرَافٌ فِي الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ) الْقَصْرُ هُوَ الدَّارُ الْكَبِيرَةُ الْمُشَيَّدَةُ لِأَنَّهُ يُقْصَرُ فِيهِ الْحُرُمُ كَذَا فِي التَّوَسُّطِ (إِذَا دَخَلْتُهَا) أَيِ الْجَنَّةَ (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ لِابْنِهِ حِينَ سمع يَدْعُو بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى ابْنِهِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّ ابْنَهُ طَمِعَ مَا لَا يَبْلُغُهُ عَمَلًا حَيْثُ سَأَلَ مَنَازِلَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ وَفِي الْبَاب حَدِيث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَال لَهُ الْوَلَهَان فَاتَّقُوا وَسْوَاس الْمَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيِّ عِنْد أَهْل الْحَدِيث لَا نَعْلَم أَحَدًا أَسْنَدَهُ غير خارجة يعني بن مُصْعَبٍ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ الْحَسَنِ قَوْله وَلَا يَصِحّ فِي هَذَا الْبَاب عَنْ النَّبِيّ ﷺ شَيْء وَخَارِجَةُ ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عند أصحابنا وضعفه بن الْمُبَارَكِ قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ هَذَا آخِر كَلَامه وَالَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ تَسْمِيَة شَيْطَان الصَّلَاة الَّذِي يُوَسْوِس لِلْمُصَلِّي فِيهَا خَنْزَبٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثقفي

стр. 110

الْأَنْبِيَاءِ وَجَعَلَهُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّجَاوُزِ عَنْ حَدِّ الْأَدَبِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ سَأَلَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (إِنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (يَعْتَدُونَ) يَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَدِّ (فِي الطُّهُورِ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا فَالِاعْتِدَاءُ فِي الطُّهُورِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ وَإِسْرَافِ الْمَاءِ وَبِالْمُبَالَغَةِ فِي الْغَسْلِ إِلَى حَدِّ الْوَسْوَاسِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَلَوْ فِي شاطئ البحر لما أخرجه أحمد وبن مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وهو يتوضأفقال مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نهر جار انتهى وحديث بن مُغَفَّلٍ هَذَا يَتَنَاوَلُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَإِزَالَةَ النَّجَاسَةِ (وَالدُّعَاءِ) عَطْفٌ عَلَى الطُّهُورِ وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِدَاءِ فِيهِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَقِيلَ الدُّعَاءُ بِمَا لَا يَجُوزُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ وَالصِّيَاحُ وَقِيلَ سُؤَالُ مَنَازِلِ الأنبياء ﵈ حكاها النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ السَّجْعَ فِي الدعاء قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى الدُّعَاءِ ([٩٧] بَاب فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فِي إِتْمَامِهِ بِحَيثُ لَا يُتْرَكُ شيء من فرائضه وسننه) (رَأَى قَوْمًا) وَتَمَامُ الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ العصر فتوضأ وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ (وَأَعْقَابُهُمْ) جَمْعُ عَقِبٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْقَافِ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ إِلَى مَوْضِعِ الشِّرَاكِ (تَلُوحُ) تَظْهَرُ يُبُوسَتُهَا وَيُبْصِرُ النَّاظِرُ فِيهَا بَيَاضًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَيْلٌ) جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أقوال أظهرها ما رواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ قَالَهُ الْحَافِظُ (لِلْأَعْقَابِ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا وَقِيلَ إِنَّ الْعَقِبَ مَخْصُوصٌ بِالْعِقَابِ إِذَا قَصَّرَ فِي غَسْلِهِ (مِنَ النَّارِ) بَيَانٌ لِلْوَيْلِ (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أَيْ أَكْمِلُوهُ وَأَتِمُّوهُ وَلَا تَتْرُكُوا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ غَيْرَ مَغْسُولَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْإِسْبَاغِ ها هنا إِكْمَالُ الْوُضُوءِ وَإِبْلَاغُ الْمَاءِ كُلَّ ظَاهِرِ أَعْضَائِهِ وهذا فرض
следующие страницы →