← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

٢ - وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نَفَذَتْ سِنُّهُ أَيْ هَكَذَا جَرَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ الْعَاضِّ وَلَمْ يُوجِبْ لَهُ شَيْئًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ فيه يعلى وسلمة ابْنَيْ أُمَيَّةَ [٤٥٨٥] (إِنْ شِئْتَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ يَدِكَ) مِنَ التَّمْكِينِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلرَّجُلِ الْمَعْضُوضِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَكَّنْتُهُ مِنَ الشَّيْءِ وَأَمْكَنْتُهُ مِنْهُ فَتَمَكَّنَ وَاسْتَمْكَنَ وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِأَجْلِ الدَّفْعِ عَنِ الضَّرَرِ تُهْدَرُ وَلَا دِيَةَ عَلَى الْجَانِي وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَوْ أُمَيَّةُ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَالَ بَعْضُهُمُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لِأَجِيرِ يَعْلَى لَا لِيَعْلَى انتهى (باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب فَأَعْنَتَ) أَيْ أَضَرَّ بِالْمَرِيضِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رسول الله ﷺ قال لَوْ أَنَّ رَجُلًا اِطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إِذْن فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأْت عَيْنه مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاح وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عَيْنه رَوَاهُ مُسْلِم وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ مَنْ اِطَّلَعَ في بيت قوم ففقأوا عَيْنه فَلَا دِيَة لَهُ وَلَا قِصَاص رَوَاهُ النسائي

стр. 4132

[٤٥٨٦] (مَنْ تَطَبَّبَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى أَيْ تَعَاطَى عِلْمَ الطِّبِّ وَعَالَجَ مَرِيضًا (وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ) أَيْ مُعَالَجَةٌ صَحِيحَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى الْخَطَأِ فَأَخْطَأَ فِي طِبِّهِ وَأَتْلَفَ شَيْئًا مِنَ الْمَرِيضِ (فَهُوَ ضَامِنٌ) لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْهَلَاكُ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ إِذْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ مَضْمُونَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُعَالِجَ إِذَا تَعَدَّى فَتَلِفَ الْمَرِيضُ كَانَ ضَامِنًا وَالْمُتَعَاطِي عِلْمًا أَوْ عَمَلًا لَا يَعْرِفُهُ مُتَعَدٍّ فَإِذَا تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ التَّلَفُ ضَمِنَ الدِّيَةَ وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِدُّ بِذَلِكَ دُونَ إِذْنِ الْمَرِيضِ وَجِنَايَةُ الطَّبِيبِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ على عاقلته انتهى (قال نصر) بن عَاصِمٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حدثني بن جُرَيْجٍ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ فَقَالَ عَنِ بن جُرَيْجٍ (لَمْ يَرْوِهِ) أَيِ الْحَدِيثَ مُسْنَدًا (إِلَّا الوليد) بن مُسْلِمٍ (لَا نَدْرِي أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ لَا) أَيْ لَا نَدْرِي هُوَ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ أَمْ لَا وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ بن جُرَيْجٍ غَيْرُ الْوَلِيدِ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ مُرْسَلًا وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فِي الطِّبِّ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ قَالَ المنذري وأخرجه النسائي مسندا ومنقطعا وأخرجه بن مَاجَهْ انْتَهَى [٤٥٨٧] (فَأَعْنَتَ) أَيْ أَضَرَّ بِالْمَرِيضِ وَأَفْسَدَهُ (فَهُوَ ضَامِنٌ) أَيْ لِمَنْ طَبَّهُ بِالدِّيَةِ عَلَى عاقلته إن مات بسببه لهوره بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَقْتُلُ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَأَمَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ بِذَلِكَ تَجَارِبُ فَهُوَ حَقِيقٌ بِالصَّوَابِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَعَنْ بَذْلِ الْجَهْدِ الصِّنَاعِيِّ أَوْ قُصُورِ الصِّنَاعَةِ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَلُومًا كَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَلْقَمِيُّ (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) أَيِ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) أَيِ الطَّبِيبُ (إِنَّمَا هُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ) أَيِ الْفَصْدُ (وَالْبَطُّ) أَيِ الشَّقُّ يُقَالُ بَطَطْتُ الْقُرْحَةَ شَقَقْتُهَا (وَالْكَيُّ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَوَاهُ يَكْوِيهِ كَيًّا أَحْرَقَ جِلْدَهُ بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوِهَا وَمُرَادُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ

стр. 4133

أَنَّ لَفْظَ الطَّبِيبِ الْوَاقِعَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْنَاهُ الْوَصْفِيُّ الْعَامُّ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَنْ يُعَالِجُ بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ قَاطِعُ الْعُرُوقِ وَالْبَاطُّ الْكَاوِي وَلَكِنْ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لَفْظَ الطَّبِيبِ فِي اللُّغَةِ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ يُعَالِجُ الْجِسْمَ فَلَا بُدَّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ مِنْ دَلِيلٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْضُ الْوَفْدِ مَجْهُولٌ وَلَا يُعْلَمُ هَلْ لَهُ صُحْبَةٌ أَمْ لَا انْتَهَى وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ بَعْضِ مَنْ قَدِمَ عَلَى أَبِيهِ وَلَا يُعْلَمُ هَلْ لَهُ صُحْبَةٌ أَمْ لَا انْتَهَى وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ مِنْ طَبَقَةِ تَبَعِ التَّابِعِينَ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٧ - (بَاب فِي دِيَةِ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ) [٤٥٨٨] هَذَا الْبَابُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَكَذَا ثَابِتٌ فِي مختصر المنذري ثمقال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الدِّيَةِ كَمْ هِيَ وَذَكَرَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ انْتَهَى وَأَمَّا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَهَذَا الْبَابُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ سَاقِطٌ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي بَابِ الدِّيَةِ كَمْ هِيَ فَلْيُرْجَعْ إليه والله أعلم ٨ - (بَاب الْقِصَاصِ مِنْ السِّنِّ) [٤٥٩٥] (كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) بِضَمِّ رَاءٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ هِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

стр. 4134

(أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ) بَدَلٌ مِنَ الرُّبَيِّعِ وَهُوَ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (فَقَضَى بِكِتَابِ اللَّهِ الْقِصَاصِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (لَا تُكْسَرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ثَنِيَّتُهَا) أَيْ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ وَلَمْ يَرُدَّ أَنَسٌ الرَّدَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِنْكَارَ بِحُكْمِهِ وَإِنَّمَا قَالَهُ تَوَقُّعًا وَرَجَاءً مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهَا وَيُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَضِيَ الْقَوْمُ بِالْأَرْشِ مَا قَالَ (قَالَ يَا أنس) أي بن النَّضْرِ (كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ) الْأَشْهَرُ فِيهِمَا الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ وَالْقِصَاصَ خَبَرُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ فَرْضُ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ وأنزله من وحيه وتكلم به وقال بضمهم أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فيها أن النفس بالنفس إلى قوله والسن بالسن وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ لَازِمَةٌ لَنَا وَقِيلَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى قوله سبحانه والجروح قصاص انْتَهَى مُخْتَصَرًا (فَرَضُوا) أَيْ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا (بِأَرْشٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ بِالدِّيَةِ (لَأَبَرَّهُ) أَيْ جَعَلَهُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ لَا حَانِثًا (قَالَ تُبْرَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ قَالَ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ وَبَرَدَ الْحَدِيدَ بِالْمِبْرَدِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ يَبْرُدُهُ بَرْدًا سَحَلَهُ وَالْبُرَادَةُ بِالضَّمِّ السُّحَالَةُ وَفِي الصِّحَاحِ الْبُرَادَةُ مَا سَقَطَ مِنْهُ وَالْمِبْرَدُ كَمِنْبَرٍ مَا بُرِدَ بِهِ وَهُوَ السوهان بِالْفَارِسِيَّةِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي السِّنِّ وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَسْرًا لَا قَلْعًا وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْرَفَ مِقْدَارُ الْمَكْسُورِ وَيُمْكِنُ أَخْذُ مِثْلِهِ مِنْ سِنِّ الْكَافِرِ فَيَكُونُ الِاقْتِصَاصُ بِأَنْ تُبْرَدَ سِنُّ الْجَانِي إِلَى الْحَدِّ الذَّاهِبِ مِنْ سِنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَذَا فِي النَّيْلِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَالرُّبَيِّعُ بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَكَذَا وَقَعَ فِي لَفْظِ أَبِي داود والبخاري والنسائي وبن مَاجَهْ (كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حارثة جرحت إنسانا ورجح بعضهم الأول

стр. 4135

٩ - (بَاب فِي الدَّابَّةِ تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا) يُقَالُ نَفَحَتِ الدَّابَّةُ أَيْ ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا [٤٥٩٢] (الرِّجْلُ جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ هَدَرٌ أَيْ مَا أَصَابَتْهُ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا فَلَا قَوَدَ عَلَى صَاحِبِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ إِنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ مَعْرُوفٌ بِسُوءِ الْحِفْظِ قَالُوا وَإِنَّمَا هُوَ الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ كَانَ الْقَوْلُ بِهِ وَاجِبًا وَقَدْ قَالَ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الرَّاكِبَ إِذَا رَمَحَتْ دَابَّتُهُ إِنْسَانًا برجلها فهو هدر وإن نفتحه بِيَدِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّاكِبَ يَمْلِكُ تَصْرِيفَهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا فيما ورائها انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَخَالَفَهُ الحفاظ عن الزهري منهم مالك وبن عيينة ويونس ومعمر وبن جُرَيْجٍ وَالزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالُوا الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالْبِيرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَلَمْ يَذْكُرُوا الرَّجُلَ وَهُوَ الصَّوَابُ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ هَذَا عِبَارَةَ الْخَطَّابِيِّ الْمَذْكُورَةَ بِحُرُوفِهَا ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ وَمُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ لَمْ يَذْكُرُوا الرَّجُلَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ عَنْ شعيبة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرِّجْلُ جُبَارٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ عَنْ شُعْبَةَ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ السلمي الوسطي اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ٠ - (بَاب الْعَجْمَاءُ وَالْمَعْدِنُ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) [٤٥٩٣] (الْعَجْمَاءُ) أَيِ الْبَهِيمَةُ وَالدَّابَّةُ وَسُمِّيَتْ بِهَا لِعُجْمَتِهَا وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ

стр. 4136

أعجمي (جرحها) بفتح الجيم على المصدر لاغير قال الأزهري وأما بالضم فهو اسم كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ (جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ هَدَرٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا يَكُونُ جَرْحُهَا هَدَرًا إِذَا كَانَتْ مُنْفَلِتَةً عَائِرَةً عَلَى وَجْهِهَا لَيْسَ لَهَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ وَلَا عَلَيْهَا رَاكِبٌ (وَالْمَعْدِنُ) بِكَسْرِ الدَّالِ (جُبَارٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَحْفِرُ الْمَعْدِنَ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَيَمُرُّ بِهَا مَارٌّ فَيَسْقُطُ فِيهَا فَيَمُوتُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ فِيهَا فَيَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُونَ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْفِرُهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ وَيَتْلَفُ فَلَا ضَمَانَ وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِوُجُوبِ الْخُمْسِ فِي الرِّكَازِ وَهُوَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ هُوَ المعدن وهما عندهم لفظان مترادفان وهذا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَعَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْعَجْمَاءُ) أَيِ الَّتِي يَكُونُ جَرْحُهَا جُبَارًا (الْمُنْفَلِتَةُ) أَيِ الْمُسَرَّحَةُ (الَّتِي لَا يَكُونُ مَعَهَا) أَيِ الْعَجْمَاءُ (أَحَدٌ) أَيْ مِنَ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَالرَّاكِبِ (وَتَكُونُ بِالنَّهَارِ لَا تَكُونُ بِاللَّيْلِ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْبَهَائِمِ بِالنَّهَارِ لَا ضَمَانَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاكِبٌ أَوْ سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَمَانِ مَا أتلفته وأما إذا أتلفت ليلا فقال مالك يَضْمَنُ صَاحِبُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَضْمَنَ إِنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى مُخْتَصَرًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ ١ - (بَاب فِي النَّارِ) تَعَدَّى بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ [٤٥٩٤] (النَّارُ جُبَارٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن ماجة قال

стр. 4137

الْخَطَّابِيُّ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعْ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِنَّمَا هُوَ الْبِئْرُ جُبَارٌ حَتَّى وَجَدْتُهُ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ مَعْمَرٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق هذا آخِرُ كَلَامِهِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ ضَعَّفَهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَصْحِيفُ الْبِئْرِ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يُمِيلُونَ النار ويكسرون النون فسمع بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِمَالَةِ فَكَتَبَهُ بِالْيَاءِ فَنَقَلُوهُ مُصَحَّفًا فعلى هذا الذي ذكره هُوَ عَلَى الْعَكْسِ مِمَّا قَالَهُ فَإِنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَهِيَ النَّارُ يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ لإرب له فيها فتطيرها الريح فتشتعلها فِي مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ لِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا فَيَكُونُ هَدَرًا انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ٢ - (باب جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ) [٤٥٩٠] (فَأَتَى أَهْلُهُ) أَيْ أهل الغلام القاطع (النبي) بِالنَّصْبِ (فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَيْهِمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ الْغُلَامَ الجاني كان جرا وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ فُقَرَاءَ وَإِنَّمَا تُوَاسِي الْعَاقِلَةُ عَنْ وَجْدٍ وَسَعَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْهُمْ وَيُشْبِهُ أَنَّ الْغُلَامَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَانَ حُرًّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لِاعْتِذَارِ أَهْلِهِ بِالْفَقْرِ مَعْنًى لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا لَا تَحْمِلُ عَمْدًا وَلَا اعْتِرَافًا وَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَّا الْغُلَامُ الْمَمْلُوكُ إِذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَجِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ٣ - (بَاب فِيمَنْ قَتَلَ) الخ [٤٥٩١] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْبَابُ مَعَ حَدِيثِهِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ

стр. 4138

النسائي وبن مَاجَهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِيمَا تقدم مسندا وقال ها هنا حدثت عن سعيد بن سليمان ولم يُسَمِّ مَنْ حَدَّثَهُ فَهِيَ رِوَايَةُ مَجْهُولٍ انْتَهَى

стр. 4139

٣٩ - كتاب السُّنَّة [٤٥٩٦] (افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ إِلَخْ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ وَقَعَ قَالَ الْعَلْقَمِيُّ قَالَ شَيْخُنَا أَلَّفَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ كِتَابًا قَالَ فِيهِ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ الْمُقَاوَلَاتِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِالْفِرَقِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ مِنْ أَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالذَّمِّ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ الْحَقِّ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَفِي تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي شُرُوطِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَفِي مُوَالَاةِ الصحابة وماجرى مَجْرَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا قَدْ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَلَا تَفْسِيقٍ لِلْمُخَالِفِ فِيهِ فَيَرْجِعُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِي افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَقَدْ حَدَثَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الصَّحَابَةِ خِلَافُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَأَتْبَاعِهِ ثُمَّ حَدَثَ الْخِلَافُ بعد ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ أَحَادِيث الْبَاب وَزَادَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَرْفَعهُ لَيَأْتِيَنّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل حَذْو النَّعْل بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمّه عَلَانِيَة لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَع ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّة وَتَفْتَرِق أُمَّتِي عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ مِلَّة كُلّهمْ فِي النَّار إِلَّا مِلَّة وَاحِدَة قَالُوا مَنْ هِيَ يَا رَسُول اللَّه قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن غَرِيب مُفَسَّر لَا نَعْرِفهُ مِثْل هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَفِيهِ الْأَفْرِيقِيّ عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد وَقَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْد وَعَوْف بْن مَالِك وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَحَدِيث عَوْف الَّذِي أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَيْهِ هُوَ حَدِيث نُعَيْم بْن حَمَّاد عَنْ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ جَرِير بْن عُثْمَان عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْف وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ نُعَيْم لِأَجْلِهِ

стр. 4140

ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ تَكَامَلَتِ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ هُمْ أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية انتهىباختصار يسير قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجة وحديث بن مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ [٤٥٩٧] (الْحَرَازِيُّ) قَالَ فِي الْمُغْنِي الْحَرَازِيُّ بِمَفْتُوحَةٍ وَخِفَّةِ رَاءٍ وَبِزَايٍ بَعْدَ أَلِفٍ مَنْسُوبٍ إِلَى حَرَازِ بْنِ عَوْفٍ وَقِيلَ هُوَ حَرَّانُ بِشِدَّةِ رَاءٍ وَبِنُونٍ مِنْهُ أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ انْتَهَى (الْهَوْزَنِيُّ) بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَبِزَايٍ وَنُونٍ نِسْبَةً إِلَى هَوْزَنِ بْنِ عَوْفٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي (فَقَالَ أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ) يَعْنِي أُمَّتَهُ ﷺ (وَهِيَ) أَيِ الْوَاحِدَةُ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ (الْجَمَاعَةُ) أَيْ أَهْلُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّبَاعِ آَثَارِهِ ﷺ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَلَمْ يَبْتَدِعُوا بِالتَّخْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَلَمْ يُبَدِّلُوا بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ (تَجَارَى) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ تَدْخُلُ وَتَسْرِي (تِلْكَ الْأَهْوَاءُ) أَيِ البدع (كمايتجارى الْكَلَبُ) بِالْكَافِ وَاللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ من عض الكلب الْكَلْبِ وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الْكَلْبَ فَيُصِيبُهُ شِبْهُ الجنون فلا يعض أحد إِلَّا كَلُبَ وَيَعْرِضُ لَهُ أَعْرَاضٌ رَدِيَّةٌ وَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَالَ عَمْرٌو الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ) أَيْ قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بِصَاحِبِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَأَمَّا بن يحي فَقَالَ بِاللَّامِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَاحِبِهِ (عِرْقٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَفِي الْبَاب أَيْضًا حَدِيث أَنَس بْن مَالِك يَرْفَعهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل تَفَرَّقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اِثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلّهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة قَالَ وَهِيَ الْجَمَاعَة رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَزِيد الرِّقَاشِيّ عَنْ أَنَس ورواه بن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد اللَّه بْن غَزْوَانَ عَنْ عَمْرو بْن سَعْد عن يزيد

стр. 4141

([٤٥٩٨] بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ وَاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ الْقُرْآنِ) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عن القاسم بن محمد) قال الحافظ بن كَثِيرٍ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي الْحَدِيثَ هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي سُنَّةِ الْإِمَامِ أحمد من رواية بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ليس بينهما أحد وهكذا رواه بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ عُلَيَّةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ السَّدُوسِيِّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِهِ وَتَابَعَ أَيُّوبَ أبو عامر الخزاز وغيره عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي ملكية عن عائشة ورواه بن جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَنَافِعِ بن عمر الجمحي كلاهما عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ نَافِعٌ فِي روايته عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ فَذَكَرَهُ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ سُنَنِهِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيِّ عَنِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ تَلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ الْحَدِيثَ وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَذَكَرَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيَّ تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ واحد عن بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاسِمَ كذا قال وقد رواه بن أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ وحماد بن سلمة عن بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ هُوَ الَّذِي أنزل عليك الكتاب يعني القرآن منه آيات محكمات قَالَ الْخَازِنُ فِي

стр. 4142

تَفْسِيرِهِ يَعْنِي مُبَيَّنَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ أُحْكِمَتْ عِبَارَتُهَا مِنَ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ وَالِاشْتِبَاهِ سُمِّيَتْ مُحْكَمَةً مِنَ الْإِحْكَامِ كَأَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمَهَا فَمَنَعَ الْخَلْقَ مِنَ التَّصَرُّفِ فيها لظهورها ووضوح معناها إلى أولي الْأَلْبَابِ وَتَمَامُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا هُنَّ أم الكتاب يَعْنِي هُنَّ أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ وَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ قَالَ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ قُلْتُ لِأَنَّ الْآيَاتِ فِي اجْتِمَاعِهَا وَتَكَامُلِهَا كَالْآيَةِ الْوَاحِدَةِ وَكَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ منهن أم الكتاب كما قال وجعلنا بن مريم وأمه آية يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةٌ وَأُخَرُ جمع أخرى متشبهات يَعْنِي أَنَّ لَفْظَهُ يُشْبِهُ لَفْظَ غَيْرِهِ وَمَعْنَاهُ يُخَالِفُ مَعْنَاهُ فَإِنْ قُلْتَ قَدْ جَعَلَهُ هُنَا مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كُلَّهُ محكما فقال في أول هود ألركتاب أحكمت آياته وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كُلَّهُ مُتَشَابِهًا فَقَالَ تَعَالَى فِي الزُّمَرِ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كتابا متشابها فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ قُلْتُ حَيْثُ جَعَلَهُ كُلَّهُ مُحْكَمًا أَرَادَ أَنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَيْسَ فِيهِ عَبَثٌ وَلَا هَزْلٌ وَحَيْثُ جَعَلَهُ كُلَّهُ مُتَشَابِهًا أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا فِي الْحُسْنِ وَالْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَحَيْثُ جَعَلَهُ هُنَا بَعْضَهُ مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عبارات العلماء فيه فقال بن عَبَّاسٍ ﵁ إِنَّ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ هِيَ النَّاسِخُ وَالْمُتَشَابِهَاتُ هِيَ الْآيَاتُ الْمَنْسُوخَةُ وَبِهِ قال بن مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَقِيلَ إِنَّ الْمُحْكَمَاتِ مَا فِيهِ أَحْكَامُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ مَا سِوَى ذَلِكَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَقِيلَ إِنَّ الْمُحْكَمَاتِ مَا أَطْلَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى مَعْنَاهُ وَالْمُتَشَابِهَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ نَحْوَ الْخَبَرِ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِثْلَ الدَّجَّالِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَنُزُولِ عِيسَى ﵇ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَفَنَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ السَّاعَةِ فَجَمِيعُ هَذَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَقِيلَ إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ إِنَّ الْمُحْكَمَ سَائِرُ الْقُرْآنِ وَالْمُتَشَابِهَ هِيَ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قال بن عَبَّاسٍ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَنُظَرَاؤُهُمَا

стр. 4143

أَتَوُا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَهُ حُيَيٌّ بَلَغَنَا أَنَّكَ أُنْزِلَ عَلَيْكَ الم فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ أَأُنْزِلَتْ عَلَيْكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا فَإِنِّي أَعْلَمُ مُدَّةَ مُلْكِ أُمَّتِكَ هِيَ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً فَهَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ غَيْرُهَا قَالَ نَعَمْ المص قَالَ فَهَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ إِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَةٌ فَهَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ غَيْرُهَا قَالَ نَعَمْ الر قَالَ هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ سَنَةً فَهَلْ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ نَعَمْ المر قَالَ هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً وَلَقَدِ اخْتَلَطَ عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي أَبِكَثِيرِهِ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلِهِ وَنَحْنُ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ منه قاله الخازن في تفسيره وقال الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ فَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ حَيْثُ قَالَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فَهُنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ قَالَ وَالْمُتَشَابِهَاتُ فِي الصِّدْقِ لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَا يُصْرَفْنَ إِلَى الْبَاطِلِ وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنِ الْحَقِّ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فَأَمَّا الذين في قلوبهم زيغ أَيْ ضَلَالٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ فيتبعون ما تشابه منه أَيْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَيُنْزِلُوهُ عَلَيْهَا لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ دَافِعٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عليهم ولهذا قال تعالى ابتغاء الفتنة أَيِ الْإِضْلَالِ لِأَتْبَاعِهِمْ أَمَّا إِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ كَمَا قَالُوا احْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وَبِقَوْلِهِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كن فيكون وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَبْدٌ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ انْتَهَى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قلوبهم زيغ أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ قَالَ الْإِمَامُ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ الزَّيْغُ الْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ انْتَهَى وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ فَقِيلَ هُمْ وَفْدُ نَجْرَانَ الَّذِينَ خَاصَمُوا رسول الله ﷺ في عِيسَى ﵇ وَقَالُوا أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ قَالَ بَلَى قَالُوا حَسْبُنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَقِيلَ هُمُ الْيَهُودُ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَهُ الْخَازِنُ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ أَيْ يُحِيلُونَ الْمُحْكَمَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ وَالْمُتَشَابِهَ عَلَى الْمُحْكَمِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْحَقِّ مِنْ طَوَائِفِ الْبِدْعَةِ فإنهم يتلاعبون

стр. 4144

بِكِتَابِ اللَّهِ تَلَاعُبًا شَدِيدًا وَيُورِدُونَ مِنْهُ لِتَنْفِيقِ جَهْلِهِمْ مَا لَيْسَ مِنَ الدَّلَالَةِ فِي شَيْءٍ ابتغاء الفتنة أَيْ طَلَبًا مِنْهُمْ لِفِتْنَةِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَالتَّلَبُّسِ عَلَيْهِمْ وَإِفْسَادِ ذَوَاتِ بَيْنَهِمْ لَا تَحَرِّيًا للحق وابتغاء تأويله أَيْ تَفْسِيرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ وَيُوَافِقُ مَذَاهِبَهُمُ الْفَاسِدَةَ قَالَ الزَّجَّاجُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ فَأَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ وَوَقْتَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله (وما يعلم تأويله إلا الله) يَعْنِي تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَقِيلَ لَا يَعْلَمُ انْقِضَاءَ مُلْكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ انْقِضَاءَ مُلْكِهَا مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلٌ اسْتَأْثَرَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ كَعِلْمِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَعِلْمِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَحَقَائِقُ عُلُومِهِ مُفَوَّضَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ عبد الله بن مسعود وبن عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَائِشَةَ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ قاله الخازن والراسخون في العلم أَيِ الثَّابِتُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي عِلْمِهِمْ شَكٌّ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا يَعْنِي الْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ وَنَحْنُ مُعْتَمِدُونَ فِي الْمُتَشَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَنَكِلُ مَعْرِفَتَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْمُحْكَمِ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ أَيْ وَمَا يَتَّعِظُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا ذَوُو الْعُقُولِ وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأُصُولِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُحْكَمَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَكْشُوفُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِشْكَالٌ وَاحْتِمَالٌ وَالْمُتَشَابِهُ مَا يَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا انْتَظَمَ تَرْتِيبُهُ مُفِيدًا إِمَّا ظَاهِرًا وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ كَالْقُرْءِ فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ انْتَهَى مُلَخَّصًا يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ منه أَيْ مِنَ الْكِتَابِ يَعْنِي يَبْحَثُونَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ لِطَلَبِ أَنْ يَفْتِنُوا النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ وَيُضِلُّوهُمْ (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ) كِلَا مَفْعُولَيْهِ مَحْذُوفَانِ أَيْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَهْلَ الزَّيْغِ كَذَا قال بن الملك في المبارق ﷺ (فَاحْذَرُوهُمْ) يَعْنِي لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَالِمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قالت تلا رسول الله لله هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولو الألباب قَالَتْ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ وَفِي لَفْظٍ فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ أُولَئِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ولفظ بن جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ وَالَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَلَا تُجَالِسُوهُمْ

стр. 4145

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْهُ ﷺ قَالَ هم الخوارج قال بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ إِذَا سُئِلَ أَحَدٌ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِوُجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ لِمُوَافَقَةِ نِحْلَتِهِ وَهَوَاهُ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمَنْعَ مِنَ الْإِفْتَاءِ وَالْحَجْرَ عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ ذَهَبَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ إِلَى الِانْكِفَافِ عَنِ التَّأْوِيلِ وَإِجْرَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَوَارِدِهَا وَتَفْوِيضِ مَعَانِيهَا إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى وَالَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأَيْنَا وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ اتِّبَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَقَدْ دَرَجَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَرْكِ التَّعَرُّضِ بِمَعَانِيهَا وَدَرْكِ مَا فِيهَا وَهُمْ صَفْوَةُ الْإِسْلَامِ وَكَانُوا لَا يَأْلُونَ جَهْدًا فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْمِلَّةِ وَالتَّوَاصِي بِحِفْظِهَا وَتَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَمِنْهَا وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ مُسَوَّغًا أَوْ مَحْبُوبًا لَأَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ اهْتِمَامُهُمْ بِهَا فَوْقَ اهْتِمَامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَإِذَا انْصَرَمَ عَصْرُهُمْ وَعَصْرُ التَّابِعِينَ عَلَى الْإِضْرَابِ عَنِ التَّأْوِيلِ كَانَ ذَلِكَ قَاطِعًا بِأَنَّهُ الْوَجْهُ الْمُتَّبَعُ فَحَقٌّ عَلَى ذِي الدِّينِ أَنْ يَعْتَقِدَ تَنَزُّهَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ وَلَا يَخُوضُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْكِلَاتِ وَيَكِلُ مَعْنَاهَا إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى انْتَهَى كَذَا فِي فَتْحِ الْبَيَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ([٤٥٩٩] بَاب مُجَانَبَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ) (أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ) أَيْ لِأَجْلِهِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ كَمَيْلٍ وَإِحْسَانٍ وَمِنْ لَازِمِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ حُبُّ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَمِنْ شَرْطِ مَحَبَّتِهِمُ اقْتِفَاءُ آثَارِهِمْ وَطَاعَتُهُمْ (وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) أَيْ لِأَمْرٍ يَسُوغُ لَهُ الْبُغْضُ كَالْفَسَقَةِ وَالظَّلَمَةِ وَأَرْبَابِ الْمَعَاصِي قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَعْدَاءٌ يُبْغِضُهُمْ فِي اللَّهِ كَمَا يَكُونُ لَهُ أَصْدِقَاءٌ يُحِبُّهُمْ فِي اللَّهِ بَيَانُهُ أَنَّكَ إِذَا أَحْبَبْتَ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَمَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ عَصَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ تُبْغِضَهُ لِأَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَمَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ فَمَنْ أَحَبَّ لِسَبَبٍ فَبِالضَّرُورَةِ يُبْغِضُ لِضِدِّهِ وَهَذَانِ وَصْفَانِ مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي الْعَادَاتِ انْتَهَى وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في الكبير مرفوعا عن بن عباس أوثق

стр. 4146

عُرَى الْإِيمَانِ الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ مُتَابَعَةً وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ مَجْهُولٌ [٤٦٠٠] (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (قَائِدَ كَعْبٍ) خَبَرُ كَانَ (مِنْ بَنِيهِ) بِفَتْحِ الموحدة وكسر النون وسكون التحتية جمع بن أَيْ مِنْ بَيْنِهِمْ (حِينَ عَمِيَ) أَيْ كَعْبٌ وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ أَرْبَعَةً عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَجُمْلَةُ كَانَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ أَنَّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَخَبَرِهَا وَهُوَ قَالَ (قِصَّةَ تَخَلُّفِهِ) أَيْ كَعْبٍ (أَيُّهَا الثَّلَاثَةِ) هُوَ مِنْ بَابِ الِاخْتِصَاصِ الْمُشَابِهِ لِلنِّدَاءِ لَفْظًا لَا مَعْنًى (حَتَّى إِذَا طَالَ) أَيِ الْمُكْثُ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (تَسَوَّرْتُ) أَيِ ارْتَقَيْتُ (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) الْحَائِطُ الْبُسْتَانُ (وَهُوَ) أَيْ أبو قتادة (ثم ساق) أي بن السَّرْحِ (خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ) أَيْ كَعْبٍ وَخَبَرُهُ طويل أورده المؤلف ها هنا مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ عُتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ لِتَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَنَحْوِهَا دُونَ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الدِّينِ فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الهواء وَالْبِدْعَةِ دَائِمَةٌ عَلَى مَمَرِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَزْمَانِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مطولا ومختصرا (باب في تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْهَوَى مَقْصُورُ مَصْدَرِ مَيْلِ النَّفْسِ وَانْحِرَافِهَا نَحْوَ الشَّيْءِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَيْلٍ مَذْمُومٍ فَيُقَالُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ انْتَهَى (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَخْ) الْحَدِيثُ قَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي بَابِ التَّرَجُّلِ وَالْمَقْصُودُ من

стр. 4147

إيراده ها هنا قَوْلُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ التَّرَجُّلِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا (عَنْ سُمَيَّةَ) مُصَغَّرًا هِيَ الْبَصْرِيَّةُ وحديثها عند المؤلف والنسائي وبن مَاجَهْ قَالَ الْحَافِظُ هِيَ مَقْبُولَةٌ (اعْتَلَّ بَعِيرٌ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ (وَعِنْدَ زَيْنَبَ) أَيْ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ (فَضْلُ ظَهْرٍ) أَيْ مَرْكَبٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهَا (فَقَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ (تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ) تَعْنِي صَفِيَّةَ وَكَانَتْ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ ﵇ (فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ إِلَخْ) أَيْ تَرَكَ صُحْبَتَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ سُمَيَّةُ لَمْ تُنْسَبْ (بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ) (الْمِرَاءُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ (فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيِ الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث الْمِرَاء فِي الْقُرْآن ثُمَّ قَالَ حَدِيث حَسَن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رسول الله ﷺ اقرأوا الْقُرْآن مَا اِئْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فَإِذَا اِخْتَلَفْتُمْ عَنْهُ فَقُومُوا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَبْغَض الرِّجَال إِلَى اللَّه الْأَلَدّ الْخَصِم وَفِي سُنَن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَا ضَلَّ قَوْم بَعْد هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَل ثُمَّ تَلَا تِلْكَ الْآيَة ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْم خصمون﴾

стр. 4148

أَوْ أَرَادَ الْخَوْضَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ قَدِيمٌ أَوِ الْمُجَادَلَةَ فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجُحُودِ فَسَمَّاهُ كُفْرًا بِاسْمِ مَا يخاف عاقبته انتهى وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّأْوِيلِ وَلَكِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عَلَى حَرْفٍ فَيَقُولَ الْآخَرُ لَيْسَ هُوَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِهِ وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَقْرُوءٌ بِهِ فَإِذَا جَحَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَفَى حَرْفًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَقِيلَ إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَدَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ وَالتَّعْجِيزِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَنْ يَرُومَ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ لِيَدْفَعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمُتَخَالِفِينَ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَلْيَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ هُوَ الْمُجَادَلَةُ فِيهِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا انْتَهَى (بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ) (عَنْ حَرِيزٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وكسر الراء وآخره زاي (بن عُثْمَانَ) الرَّحْبِيِّ الْحِمْصِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ جَرِيرٌ بِالْجِيمِ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ جَرِيرَ بْنَ عُثْمَانَ بِالْجِيمِ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَحَدًا مِنَ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (أُوتِيتُ الْكِتَابَ) أَيِ الْقُرْآنَ (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أَيِ الْوَحْيَ الْبَاطِنَ غَيْرَ الْمَتْلُوِّ أَوْ تَأْوِيلَ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَبَيَانَهُ بِتَعْمِيمٍ وَتَخْصِيصٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ أَوْ أَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا تُمَاثِلُ الْقُرْآنَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مِنَ الظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا يُتْلَى وَأُوتِيَ مِثْلَهُ مِنَ الْبَيَانِ أَيْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِي الْكِتَابِ

стр. 4149

فَيَعُمَّ وَيَخُصَّ وَأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فَيُشَرِّعَ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ (أَلَا يُوشِكُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْذِّرُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَنَ الَّتِي ضُمِّنَتْ بَيَانَ الْكِتَابِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا انْتَهَى (رَجُلٌ شَبْعَانُ) هو كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشىء عَنِ الشِّبَعِ أَوْ عَنِ الْحَمَاقَةِ اللَّازِمَةِ لِلتَّنَعُّمِ وَالْغُرُورِ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ وَأَرَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَصْحَابَ التَّرَفُّهِ وَالدَّعَةِ الَّذِينَ لَزِمُوا الْبُيُوتَ وَلَمْ يَطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ (فَأَحَلُّوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَلَالًا (فَحَرَّمُوهُ) أَيِ اعْتَقَدُوهُ حَرَامًا وَاجْتَنَبُوهُ (أَلَا لَا يحل لكم) بيان للقسم الَّذِي ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ (وَلَا لُقَطَةُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا ضَاعَ مِنْ شَخْصٍ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ (مُعَاهَدٍ) أَيْ كَافِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِضَافَةِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي لُقَطَةِ الْمُسْلِمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) أَيْ يَتْرُكَهَا لِمَنْ أَخَذَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا (فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يُضَيِّفُوهُ مِنْ قَرَيْتُ الضَّيْفَ إِذَا أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ (فَلَهُ أَنْ يَعْقُبَهُمْ) مِنَ الْإِعْقَابِ بِأَنْ يَتْبَعَهُمْ وَيُجَازِيَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِ يُقَالُ أَعْقَبَهُ بِطَاعَتِهِ إِذَا جَازَاهُ وَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ يُقَالُ عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعُقْبَةً وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (بِمِثْلِ قِرَاهُ) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَّمُوهُ مِنَ الْقِرَى قِيلَ هَذَا فِي الْمُضْطَرِّ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا حَاجَةَ بِالْحَدِيثِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْكِتَابِ وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَخُذُوهُ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَدْ حَكَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمَا

стр. 4150

(لا ألفين) أي لاأجدن مِنْ أَلْفَيْتُهُ وَجَدْتُهُ (مُتَّكِئًا) حَالٌ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ (يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) أَيِ الشَّأْنُ من شؤون الدِّينِ (مِنْ أَمْرِي) بَيَانُ الْأَمْرِ وَقِيلَ اللَّازِمُ فِي الْأَمْرِ زَائِدَةٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) بَيَانُ أَمْرِي (لَا نَدْرِي) أَيْ لَا نَعْلَمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَلَا أَتَّبِعُ غَيْرَهُ (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ اتَّبَعْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِهِ وَلَقَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَوَقَعَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فَإِنَّ رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْفِنْجَابِ مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ وَانْتَسَبَ نَفْسَهُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَضَلَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُ وَأَبْعَدَهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَفَوَّهَ بِمَا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَأَطَالَ لِسَانَهُ فِي إِهَانَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ هَذِهِ كُلُّهَا مَكْذُوبَةٌ وَمُفْتَرَيَاتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَقَطْ دُونَ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مُتَوَاتِرَةً وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِ الْكُفْرِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا وَقَدْ أَفْتَى عُلَمَاءُ الْعَصْرِ بِكُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْأَمْرِ كَمَا قَالُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثَيْنِ تَوْبِيخٌ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالْكِتَابِ فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَيْهَا أَوْ قَالَ لَا عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مذهبا أتبعه قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ (مَنْ أَحْدَثَ) أَيْ أَتَى بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (فِي أَمْرِنَا هَذَا) أَيْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ (مَا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَدٌ ظَاهِرٌ أَوْ خَفِيٌّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَهُوَ) أَيِ الَّذِي أَحْدَثَهُ (رَدٌّ) أَيْ مَرْدُودٌ وَبَاطِلٌ

стр. 4151

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُقُودِ فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ مَرْدُودٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ رَدٌّ يُوجِبُ ظَاهِرُهُ إِفْسَادَهُ وَإِبْطَالَهُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ الظَّاهِرِ فَيَنْزِلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الدليل فيه انتهى (قال بن عِيسَى) هُوَ مُحَمَّدٌ (مَنْ صَنَعَ أَمْرًا) أَيْ عَمِلَ عَمَلًا (عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا) أَيْ لَيْسَ فِي دِينِنَا عَبَّرَ عَنِ الدِّينِ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ أَمْرُنَا الَّذِي نَشْتَغِلُ به قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ (وَهُوَ) أَيِ الْعِرْبَاضُ وَلَا عَلَى الذين إذا ما أتوك لتحملهم أَيْ مَعَكَ إِلَى الْغَزْوِ وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ (قُلْتَ لَا أجد ما أحملكم عليه) حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي أَتَوْكِ بِتَقْدِيرِ قَدْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّهُ قِيلَ مَا بَالُهُمْ تَوَالَوْا قُلْتَ لَا أَجِدُ وَتَمَامُ الْآيَةِ (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يجدوا ما ينفقون) وَقَوْلُهُ (تَوَلَّوْا) جَوَابُ إِذَا وَمَعْنَاهُ انْصَرَفُوا (فَسَلَّمْنَا) أَيْ عَلَى الْعِرْبَاضِ (زَائِرِينَ) مِنَ الزِّيَارَةِ (وَعَائِدِينَ) مِنَ الْعِيَادَةِ (وَمُقْتَبِسِينَ) أَيْ مُحَصِّلِينَ الْعِلْمَ مِنْكَ (ذَرَفَتْ) أَيْ دَمَعَتْ (وَوَجِلَتْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ (كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) بِالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ كأنك تودعنا بها لمارأى مِنْ مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي الْمَوْعِظَةِ (فَمَاذَا تَعْهَدُ) أَيْ تُوصِي (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ ﷺ من بنى لله مسجداولو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِي وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرٌ

стр. 4152

(وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ هُوَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَضَضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَأَلِّمُ بِالْوَجَعِ يُصِيبُهُ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ) قَالَ الحافظ بن رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً فَقَوْلُهُ ﷺ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلِ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ هُوَ بِدْعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ انْتَهَى مُلَخَّصًا قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ غَيْرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ تَعْلِيقًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَالْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَقَالَ ﷺ اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَخَصَّ اثْنَيْنِ وَقَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَخَصَّهُ فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلًا وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُحْدَثٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا الشُّهْرَةُ (الشَّهْوَةُ) وَالْعَمَلُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ أَوْ مَرْدُودٍ إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا ضَلَالَةٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَنَطِّعُ الْمُتَعَمِّقُ فِي الشَّيْءِ الْمُتَكَلِّفُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ

стр. 4153

الْكَلَامِ الدَّاخِلِينَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمُ الْخَائِضِينَ فِيمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِظَاهِرِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِهِ مَا كَانَ لَهُ مَسَاغٌ وَأَمْكَنَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ انْتَهَى (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ قَالَ هذه الكلمة ثلاث مرات (باب من دعا إلى السُّنَّةِ) (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الدَّاعِي إِلَى الْهُدَى ذَلِكَ الْأَجْرَ لِكَوْنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ (لَا يَنْقُصُ) بِضَمِّ الْقَافِ (ذَلِكَ) أَيِ الْأَجْرُ وَقِيلَ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) هَذَا دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ مَثَلًا بِالتَّنْقِيصِ مِنْ أَجْرِ التَّابِعِ وَبِضَمِّ أَجْرِ التَّابِعِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي أُجُورِهِمْ رَاجِعٌ إِلَى مِنْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ جُرْمًا مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْظَمَ مَنْ أَجْرَمَ جُرْمًا كَائِنًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ (مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ إِلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّبْيِينِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَسُؤَالِ عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَمْرِ الْخَمْرِ حتى حرمت بعد ما كَانَتْ حَلَالًا لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إِلَيْهِ

стр. 4154

وَثَانِيهِمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَهُوَ السُّؤَالُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ حاجة فسكوت النبي فِي مِثْلِ هَذَا عَنْ جَوَابِهِ رَدْعٌ لِسَائِلِهِ وإن أجاب عنه كان تغليظ له فيكون بسببه تغليظ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ لِتَعَدِّي جِنَايَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا كذلك غيره كذا قال بن الْمَلَكِ فِي الْمَبَارِقِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (عَائِذَ اللَّهِ) بِالنَّصْبِ اسْمُ أَبِي إِدْرِيسَ (أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَخَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ أَخْبَرَهُ وَقَوْلُهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بين اسم أن وخبرها (قَالَ كَانَ) أَيْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (لِلذِّكْرِ) أَيِ الْوَعْظِ (اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ) أَيْ حَاكِمٌ عَادِلٌ (هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ) أَيِ الشَّاكُّونَ (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ) أَيْ بَعْدَكُمْ (فِتَنًا) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ فِتْنَةٍ وَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْبَلِيَّةِ (وَيُفْتَحُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شُيُوعِ إِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ شُيُوعِ الْإِقْرَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ التِّلَاوَةِ أَنْ يُفْتَحَ الْقُرْآنُ وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي أَيَّامِ هَذِهِ الْفِتَنِ يَشِيعُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ وَيَرُوجُ تِلَاوَتُهُ بِحَيْثُ يَقْرَؤُهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ (حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ) أَيْ أَخْتَرِعَ لَهُمُ الْبِدْعَةَ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَيَقُولُ ذَلِكَ لَمَّا رَآهُمْ يَتْرُكُونَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَيَتَّبِعُونَ الشَّيْطَانَ وَالْبِدْعَةَ (فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتَدَعَ) أَيِ احْذَرُوا مِنْ بِدْعَتِهِ (فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوِ الْمَعْلُومِ (زَيْغَةَ الْحَكِيمِ) أَيِ انْحِرَافَ الْعَالِمِ عَنِ الْحَقِّ وَالْمَعْنَى أُحَذِّرُكُمْ مِمَّا صَدَرَ مِنْ لِسَانِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الزَّيْغَةِ وَالزَّلَّةِ وَخِلَافِ الْحَقِّ فَلَا تَتَّبِعُوهُ (قَالَ قُلْتُ) ضَمِيرُ قَالَ رَاجِعٌ إِلَى يَزِيدَ (مَا يُدْرِينِي) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُنِي (رَحِمَكَ اللَّهُ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دُعَائِيَّةٌ (أَنَّ الْحَكِيمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُدْرِينِي (قَالَ) أَيْ

стр. 4155

مُعَاذٌ ﵁ (بَلَى) أَيْ قَدْ يَقُولُ الْحَكِيمُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَالْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ (اجْتَنِبْ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ) أَيِ الْكَلِمَاتِ الْمُشْتَهِرَاتِ بِالْبُطْلَانِ (الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ) أَيْ يَقُولُ النَّاسُ إِنْكَارًا فِي شأن تلك المشتهرات ما هذه (ولا ينئينك) أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ مُشْتَهِرَاتِ الْحَكِيمِ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْحَكِيمِ (فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ) أَيِ الْحَكِيمَ (أَنْ يُرَاجِعَ) أَيْ يَرْجِعَ عَنِ الْمُشْتَهِرَاتِ (وَتَلَقَّ الْحَقَّ) أَيْ خُذْهُ (فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا) أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَإِنْ سَمِعْتَهَا مِنَ الْمُنَافِقِ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَكَذَلِكَ كَلِمَاتُ الْحَكِيمِ الْبَاطِلَةُ لَا تَخْفَى عَلَيْكَ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا يَسْمَعُونَهَا يُنْكِرُونَهَا لِمَا عَلَيْهَا مِنْ ظَلَامِ الْبِدْعَةِ وَالْبُطْلَانِ وَيَقُولُونَ إِنْكَارًا مَا هَذِهِ وَتُشْتَهَرُ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْبُطْلَانِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَجْتَنِبَ مِنْ كَلِمَاتِ الْحَكِيمِ الْمُنْكَرَةَ الْبَاطِلَةَ وَلَكِنْ لَا تَتْرُكْ صُحْبَةَ الْحَكِيمِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْهَا (وَلَا يُنْئِيَنَّكَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَا يُبَاعِدَنَّكَ فَفِي الْقَامُوسِ نَأَيْتُهُ وَعَنْهُ كَسَعَيْتُ بَعُدْتُ وَأَنْأَيْتُهُ فَانْتَأَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مَوْقُوفٌ (يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ يُسَكَّنُ الدَّالُ (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ) بِالتَّصْغِيرِ (فَكَتَبَ) أَيْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (أَمَّا بَعْدُ أُوصِيكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنِ الْقَدَرِ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ) أَيِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (فِي أَمْرِهِ) أَيْ أَمْرِ اللَّهِ أَوِ

стр. 4156

الاستقامة في أمره أوصيك (اتباع) أي باتباع (سنة نبيه وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيِ ابْتَدَعَ الْمُبْتَدِعُونَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَوْصَاهُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَنْ يَقْتَصِدَ أَيْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَيْ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَقِيمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرْغَبُ عَنْهُ إِلَى الْيَمِينِ وَلَا إِلَى الْيَسَارِ وَأَنْ يَتَّبِعَ سنة نبيه وطريقته وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون (بعد ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ) ظَرْفٌ لِأَحْدَثَ وَقَوْلُهُ كُفُوا بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْمُؤْنَةُ الثِّقَلُ يُقَالُ كَفَى فُلَانًا مُؤْنَتَهُ أَيْ قَامَ بِهَا دُونَهُ فَأَغْنَاهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا فَمَعْنَى كُفُوا مُؤْنَتَهُ أَيْ كَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْنَةَ مَا أَحْدَثُوا أَيْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى ظُهُورِهِمْ ثِقَلَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لِعِبَادِهِ دِينَهُمْ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ وَرَضِيَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَيْهِمْ حَاجَةً لِلْعِبَادِ فِي أَنْ يُحْدِثُوا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَيْ يَزِيدُوا عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ يَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا (فَعَلَيْكَ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (بِلُزُومِ السنة) أي سنة النبي وَطَرِيقَتِهِ (فَإِنَّهَا) أَيِ السُّنَّةَ أَيْ لُزُومَهَا (لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ) مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمُهْلِكَاتِ وَعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِقْمَتِهِ (ثُمَّ اعْلَمْ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى) فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ تِلْكَ الْبِدْعَةِ (مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ (أَوْ) مَضَى فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا مَا هُوَ (عِبْرَةٌ فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ أَيْ فِي أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا) أَيْ وَضَعَهَا (مَنْ) هو الله تعالى أو النبي (قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا) أَيْ خِلَافِ السنة أي البدعة (ولم يقل بن كَثِيرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ أَحَدُ شُيُوخِ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظَ (مَنْ قَدْ عَلِمَ) وَإِنَّمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ وَهَنَّادٌ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ فَقَالَ مَكَانَهُ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ اللَّفْظَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ) بَيَانٌ لِمَا فِي خِلَافِهَا فَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ إِنَّمَا سَنَّهَا وَوَضَعَهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ النبي فَكَيْفَ يُتْرَكُ بَيَانُ مَا فِي خِلَافِهَا فِي كتابه أو سنة نبيه هذا مما لايصح وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ

стр. 4157

قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُتَعَمِّقُ الْمُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ الْمُتَشَدِّدُ فِيهِ الَّذِي يَطْلُبُ أَقْصَى غَايَتِهِ انْتَهَى (فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي رَضِيَ بِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُونَ أَيِ النبي وَأَصْحَابُهُ (لِأَنْفُسِهِمْ) عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهُمْ) أَيِ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ (عَلَى عِلْمٍ) عَظِيمٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (وَقَفُوا) أَيِ اطَّلَعُوا وَقَوْلُهُ (بِبَصَرٍ نَافِذٍ) أَيْ مَاضٍ فِي الْأُمُورِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (كَفُّوا) بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ مَنَعُوا عَمَّا مَنَعُوا مِنَ الْإِحْدَاثِ وَالِابْتِدَاعِ (وَلَهُمْ) بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ لِلتَّأْكِيدِ وَالضَّمِيرُ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِينَ (عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ) أَيْ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَقْوَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ أَيْ هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً عَلَى كَشْفِ أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الْخَلَفِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (فِيهِ) مِنْ أَمْرِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (أَوْلَى) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ أَيْ هُمْ أَحَقُّ بِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْخَلَفِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ (فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أَيِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ (لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الْهُدَى وَتَقَدَّمْتُمُوهُمْ وَخَلَفْتُمُوهُمْ وَهَذَا صَرِيحُ الْبُطْلَانِ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوكُمْ إِلَى الْهُدَى لَا أَنْتُمْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْهُدَى لَيْسَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ الْقَسَمُ أَوَّلَ الْكَلَامِ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا وَبَعْدَهُ كَلِمَةُ الشَّرْطِ فَالْأَكْثَرُ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْقَسَمِ دُونَ الشَّرْطِ فَيَجْعَلُ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِ جَوَابِ الْقَسَمِ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم وقوله تعالى وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُحْدِثُونَ الْمُبْتَدِعُونَ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (إِنَّ مَا حَدَثَ) مَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الشَّيْءَ الَّذِي حَدَثَ (بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (مَا أَحْدَثَهُ) مَا نَافِيَةٌ أَيْ لَمْ يُحْدِثْ ذَلِكَ الشَّيْءَ (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ) أَيْ سَبِيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ) أَيْ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اتَّبَعَ أَيْ فَضَّلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ وَالْحَاصِلُ أَنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِضَلَالٍ بَلْ هُوَ الْهُدَى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِسَبِيلِهِمْ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وقوله

стр. 4158

(فَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفُ (هُمُ السَّابِقُونَ) إِلَى الْهُدَى عِلَّةٌ لِلْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابًا لِلشَّرْطِ فَإِنَّ كَوْنَ السَّلَفِ هُمُ السَّابِقِينَ مُتَحَقِّقُ الْمُضِيِّ وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا (فَقَدْ تَكَلَّمُوا) أَيِ السَّلَفُ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (بِمَا يَكْفِي) لِلْخَلَفِ (وَوَصَفُوا) أَيْ بَيَّنُوا السَّلَفُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ (مَا يَشْفِي) لِلْخَلَفِ (فَمَا دُونَهُمْ) أَيْ فَلَيْسَ دُونَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَنَّ تَحْتَهُمْ أَيْ تَحْتَ قَصْرِهِمْ (مِنْ مَقْصَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْ حَبْسٍ أَوْ مَحَلِّ حَبْسٍ مَنْ قَصَرَ الشَّيْءَ قَصْرًا أَيْ حَبَسَهُ (وَمَا فَوْقَهُمْ) أَيْ وَلَيْسَ فَوْقَهُمْ أَيْ فَوْقَ حَسْرِهِمْ (مِنْ مَحْسَرٍ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ ظَرْفٍ أَيْضًا أَيْ كَشْفٍ أَوْ مَحَلِّ كَشْفٍ مِنْ حَسَرَ الشَّيْءَ حَسَرًا أَيْ كَشَفَهُ يُقَالُ حَسَرَ كُمَّهُ مِنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَهَا وَحَسَرَتِ الْجَارِيَةُ خِمَارَهَا مِنْ وَجْهِهَا أَيْ كَشَفَتْهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحِينَ قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ كَشْفِ مَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ حَبْسًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَشَفُوا مَا احْتِيجَ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ كَشْفًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (وَقَدْ قَصَّرَ) مِنَ التَّقْصِيرِ (قَوْمٌ دُونَهُمْ) أَيْ دُونَ قَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَيْ قَصَّرُوا قَصْرًا أَزْيَدَ مِنْ قَصْرِهِمْ (فَجَفَوْا) أَيْ لَمْ يَلْزَمُوا مَكَانَهُمُ الْوَاجِبَ قِيَامُهُمْ فِيهِ مِنْ جَفَا جَفَاءً إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مَكَانَهُ أَيِ انْحَدَرُوا وَانْحَطُّوا مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ بِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْقَصْرِ (وَطَمَحَ) أَيِ ارْتَفَعَ مِنْ طَمَحَ بَصَرُهُ إِذَا ارْتَفَعَ وَكُلُّ مُرْتَفِعٍ طَامِحٌ (عَنْهُمْ) أَيِ السَّلَفِ (أَقْوَامٌ) أَيِ ارْتَفَعُوا عَنْهُمْ فِي الْكَشْفِ أَيْ كَشَفُوا كَشْفًا أَزْيَدَ مِنْ كَشْفِهِمْ (فَغَلَوْا) فِي الْكَشْفِ أَيْ شَدَّدُوا حَتَّى جَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ فَهَؤُلَاءِ قَدْ أَفْرَطُوا وَأَسْرَفُوا فِي الْكَشْفِ كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ قَدْ فَرَّطُوا وَقَتَّرُوا فِيهِ (وَإِنَّهُمْ) أَيِ السَّلَفَ (بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالطَّمْحِ أَيْ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) يَعْنِي أَنَّ السَّلَفَ لَعَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ الِاقْتِصَادُ وَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ لَيْسُوا بِمُفَرِّطِينَ كَالْقَوْمِ الْقَاصِرِينَ دُونَهُمْ وَلَا بِمُفَرِّطِينَ كَالْأَقْوَامِ الطَّامِحِينَ عَنْهُمْ (كَتَبْتَ تَسْأَلُ) أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ (فَعَلَى الْخَبِيرِ) أَيِ الْعَارِفِ بِخَبَرِهِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَقَعْتَ) أَيْ سَأَلْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ (مَا أَعْلَمُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ) مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِأَعْلَمَ (مِنْ مُحْدِثَةٍ) بَيَانٌ لِمَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ (وَلَا ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ (هِيَ

стр. 4159

فَصْلٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ أَعْلَمَ (أَبْيَنُ أَثَرًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهُ (وَلَا أَثْبَتُ أَمْرًا) عَطْفٌ عَلَى أَبْيَنَ أَثَرًا (مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَبْيَنَ وَأَثْبَتَ عَلَى التَّنَازُعِ يَقُولُ إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ هُوَ أَبْيَنُ أَثَرًا وَأَثْبَتُ أَمْرًا فِي عِلْمِي مِنْ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ وَابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدْعَةٍ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ أَبْيَنَ أَثَرًا وَأَثْبَتَ أَمْرًا مِنْهُ أَيْ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً لُغَةً نَظَرًا إِلَى تَأْلِيفِهِ وَتَدْوِينِهِ فَإِنَّ تَأْلِيفَهُ وَتَدْوِينَهُ مُحْدَثٌ وَبِدْعَةٌ لُغَةً بلا ريب فإن النبي لَمْ يُدَوِّنْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ مُحْدَثًا وَبِدْعَةً بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ (لَقَدْ كَانَ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (الْجُهَلَاءُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ذَكَرَ (يَتَكَلَّمُونَ بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي كَلَامِهِمْ) الْمَنْثُورِ (وَفِي شِعْرِهِمْ) أَيْ كَلَامِهِمُ الْمَنْظُومِ (يُعَزُّونَ) مِنَ التَّعْزِيَةِ وَهُوَ التَّسْلِيَةُ وَالتَّصْبِيرُ أَيْ يُسَلُّونَ ويصيرون (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ) فِي نِعَمِهِ (ثُمَّ لَمْ يَزِدْهُ) أَيِ الْإِقْرَارُ بِالْقَدَرِ (الْإِسْلَامُ بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ أَيْ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ (إِلَّا شِدَّةً) وَإِحْكَامًا حَيْثُ فَرَضَهُ عَلَى الْعِبَادِ (وَلَقَدْ ذَكَرَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بالقدر (رسول الله فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا حَدِيثَيْنِ) بَلْ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ (وَقَدْ سَمِعَهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (منه) ﷺ (الْمُسْلِمُونَ) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (فَتَكَلَّمُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (بِهِ) أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ (فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ) ﵌ (يَقِينًا وَتَسْلِيمًا لِرَبِّهِمْ وَتَضْعِيفًا لِأَنْفُسِهِمْ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ ضَعَّفَهُ تضعيفا عده تضعيفا (أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ) مِنَ الْأَشْيَاءِ لَمْ يُحِطْ مِنَ الْإِحَاطَةِ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ (عِلْمُهُ) أَيْ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يُحْصِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ الْعَدُّ وَالضَّبْطُ أَيْ لَمْ يَضْبِطْهُ (كِتَابُهُ) أَيْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ (وَلَمْ يَمْضِ) أَيْ لَمْ يَنْفُذْ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (قَدَرُهُ) أَيْ قَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَيِ الصَّحَابَةَ ﵃ أَقَرُّوا بِالْقَدَرِ وَتَيَقَّنُوا بِهِ وَسَلَّمُوا ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ وَضَعَّفُوا أَنْفُسَهُمْ أَيِ اسْتَحَالُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا عَزُبَ وَغَابَ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ تَعَالَى وَلَمْ يَضْبِطْهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ أَمْرُهُ (وَإِنَّهُ) أَيِ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْجُهَلَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَذَكَرَهُ رَسُولُ الله فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَأَقَرَّ بِهِ الصَّحَابَةُ وَتَيَقَّنُوا به وسلموه واستحلوا نَفْيَهُ (لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ) أَيْ لَمَذْكُورٌ فِي القرآن المجيد

стр. 4160

(مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (اقْتَبَسُوهُ) أَيِ اقْتَبَسَ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ وَاسْتَفَادَهُ السلف الصالحون رسول الله وَأَصْحَابُهُ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ (تَعَلَّمُوهُ) أَيْ تَعَلَّمُوا الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ (وَلَئِنْ قُلْتُمْ) أَيُّهَا الْمُبْتَدِعُونَ (لِمَ أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ كَذَا وَلِمَ قَالَ كَذَا) فِي شَأْنِ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا يُخَالِفُ الْقَدَرَ (لَقَدْ قَرَؤُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْهُ) مِنْ كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ (مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا) أَيِ السَّلَفُ (مِنْ تَأْوِيلِهِ) أَيْ تَأْوِيلِ مُحْكَمِ كِتَابِهِ (مَا جَهِلْتُمْ وَقَالُوا) أَيِ السَّلَفُ أَيْ أَقَرُّوا (بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ بعد ما قَرَؤُوا مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ مَا قَرَأْتُمْ وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا جَهِلْتُمْ (بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ) أَيْ أَقَرُّوا بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السماوات والأرض بمدة طويلة أَقَرُّوا بِأَنَّ (مَا يُقَدَّرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَمَا شرطية (يكن و) أقروا بأن (ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكن و) بأنا (لا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ثُمَّ رَغِبُوا) أَيِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ هَذَا الْإِقْرَارُ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (وَرَهِبُوا) الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ أَيْ خَافُوهَا وَاتَّقَوْهَا وَقَوْلُهُ لَقَدْ قَرَؤُوا إِلَخْ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ وَاسْتَغْنَى عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ كَمَا تَقَدَّمَ هَكَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعَةَ هِيَ عَمَلٌ عَلَى غَيْرِ مِثْلٍ سَبَقَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ الْحَدَثُ فِي الدِّينِ بَعْدَ الْإِكْمَالِ وَالْبِدْعَةُ أَصْغَرُ مِنَ الْكُفْرِ وَأَكْبَرُ مِنَ الْفِسْقِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَهِيَ كُفْرٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُخَالِفُ دَلِيلًا يُوجِبُ الْعَمَلَ ظَاهِرًا فَهِيَ ضَلَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِكُفْرٍ قَالَ السَّيِّدُ فِي التَّعْرِيفَاتِ الْبِدْعَةُ هِيَ الْفِعْلَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلسُّنَّةِ سُمِّيَتْ بِدْعَةً لِأَنَّ قَائِلَهَا ابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ انْتَهَى وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فَاحْفَظْهَا وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي الْمَرَاسِيلِ وَعَزَاهُ لِأَبِي داود ثم قال هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى (أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ (كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ

стр. 4161

الْمُخَفَّفَةِ عَلَى وَزْنِ أَمِيرٍ أَيْ حَبِيبٌ مِنَ الصَّدَاقَةِ وَهِيَ الْمَحَبَّةُ (فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ) أَيْ فَاحْذَرْ عَنِ الْكِتَابَةِ إِلَيَّ لِأَنِّي تَرَكْتُ حُبَّكَ وَالْمُكَاتَبَةَ إِلَيْكَ قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هو في رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ انْتَهَى (قُلْتُ لِلْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ سَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ لِيَعْرِفَ عَقِيدَتَهُ فِيهَا لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ قَدَرِيًّا إِمَّا لِأَنَّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ مَالَ إِلَى ذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ تَأْوِيلُهُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ مَذْهَبَ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ انْتَهَى (أَخْبِرْنِي عَنْ آدَمَ) هُوَ أَبُو الْبَشَرِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لِلسَّمَاءِ) أَيْ لِأَنْ يَسْكُنَ وَيَعِيشَ فِي الْجَنَّةِ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (لَوِ اعْتَصَمَ) أَيْ لَمْ يُذْنِبْ وَلَمْ يَأْثَمْ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِآدَمَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَكْلِهَا أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أنتم عليه بفاتنين الْآيَةَ وَقَبْلَهُ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَعْبُدُونَ وَالْمَعْنَى فَإِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ وَالَّذِي تَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ مَا أَنْتُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بِمُضِلِّينَ أَحَدًا إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَقِيلَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْنَى لَسْتُمْ تُضِلُّونَ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى قَالَ الْمِزِّيُّ الحديث في رواية بن الأعرابي وبن داسة (ولذلك خلقهم) وَقَبْلَهُ (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) أَيْ أَهْلَ دِينٍ وَاحِدٍ (وَلَا يَزَالُونَ مختلفين) أَيْ فِي الدِّينِ (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أَيْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ (ولذلك خلقهم) أَيْ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لَهُ وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لَهَا كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ

стр. 4162

(قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورِ (خَلَقَ) أَيِ اللَّهُ تَعَالَى (هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلْجَنَّةِ (وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ) أَيْ لِلنَّارِ قال المزي الحديث في رواية بن الأعرابي وبن دَاسَةَ انْتَهَى (قُلْتُ لِلْحَسَنِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أَيْ قُلْتُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِلَخْ (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أَيْ دَاخِلُهَا (حماد) هو بن زَيْدٍ نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ (أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ) هو بن أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ (أَنْ يَقُولَ الْأَمْرُ بِيَدِي) أَيْ يَقُولُ بِنَفْيِ الْقَدَرِ (قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ) هو بن سَلَمَةَ هَكَذَا نَسَبَهُ الْمِزِّيُّ (قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (أَنْ أُكَلِّمَهُ) أَيِ الْحَسَنَ (فَمَا رَأَيْتُ أَخْطَبَ) أَيْ أَحْسَنَ خُطْبَةً وَوَعْظًا (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحَسَنِ (عَلَى هَذَا الشَّيْخِ) أَيِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ إِدْخَالِنَا التَّكْذِيبَ فِي قُلُوبِ الْأَوَّلِينَ (نَسْلُكُهُ) أَيْ نُدْخِلُ التَّكْذِيبَ

стр. 4163

(فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أَيْ كُفَّارِ مَكَّةَ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ (قَالَ) أَيِ الْحَسَنُ (الشِّرْكُ) أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي نَسْلُكُهُ الشِّرْكُ (عَنْ عُبَيْدٍ الصِّيدِ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ يُعْرَفُ بِالصِّيدِ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْكُفَّارِ (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) مِنَ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْثِ حِينَ يَفْزَعُونَ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ إِذْ مَحَلُّ الْإِيمَانِ هُوَ الدُّنْيَا لَا الْآخِرَةُ (قَالَ) الْحَسَنُ (بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا الْمَوْصُولَةِ الْإِيمَانُ وَالْحَائِلُ هُوَ الْقَدَرُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ وَالَّذِي أَحَالَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ تَعَالَى كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبل أَيْ بِأَنَّ الْقَدَرَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَتَمَامُ الْآيَةِ هَكَذَا وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا في شك مريب وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ تَنَاوُشَهُمْ وَقَوْلَهُمْ في ذلك الوقت أن امنا به لَا يُفِيدُهُمْ وَلَا يُغْنِيهِمْ مِنْ إِيمَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا قَدْ كَفَرُوا بِهِ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ وَالْقَدَرِ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ بِكُفْرِهِمْ كَانَ فِي الدُّنْيَا حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا حَالَ الْقَدَرُ بَيْنَ أَشْيَاعِهِمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ فَكَفَرُوا وَكَانُوا فِي شَكٍّ من هذا اليوم (سليم) مصغرا هو بن أَخْضَرَ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (ضَرْبَانِ) أَيْ قِسْمَانِ (قَوْمٌ الْقَدَرُ رَأْيُهُمْ) أَيْ رَأْيُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ نَفْيُ الْقَدَرِ وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ (أَنْ يُنَفِّقُوا) مِنَ التَّنْفِيقِ أَيْ يُرَوِّجُوا (وَقَوْمٌ لَهُ) أَيْ لِلْحَسَنِ (شَنَآنٌ) أَيْ عداوة

стр. 4164

(يَا فِتْيَانُ) جَمْعُ فَتًى (لَا تُغْلَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَنَّ الْحَسَنَ مِنْهُمْ قَالَهُ السِّنْدِيُّ (أَنَّ كَلِمَةَ الْحَسَنِ) الْبَصْرِيِّ الَّتِي قَالَهَا وَحَمَلَهَا بَعْضُ السَّامِعِينَ عَلَى نَفْيِ الْقَدَرِ (تَبْلُغُ) تِلْكَ الْكَلِمَةُ (مَا بَلَغَتْ) أَيْ تَبْلُغُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي بَلَغَتْ وَشَاعَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (لَكَتَبْنَا بِرُجُوعِهِ) أَيْ بِرُجُوعِ الْحَسَنِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ) أَيْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ (لَكِنَّا قُلْنَا) هِيَ (كَلِمَةٌ خَرَجَتْ) مِنْ لِسَانِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (لَا تُحْمَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ (مَا أَنَا بِعَائِدٍ) مِنَ الْعَوْدِ (إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُوهِمُ إِلَى نَفْيِ الْقَدَرِ (عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَكْسُورَةِ (إِلَّا عَلَى الْإِثْبَاتِ) أَيْ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ مَكَانَ عَلَى وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ إِلَى حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ بَلْ هذه كلها من رواية بن الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 4165

(بَاب فِي التَّفْضِيلِ) (لَا نَعْدِلُ) أَيْ لَا نُسَاوِي (بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا) أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ نُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عثمان) أي ثم لانعدل بِهِمَا أَحَدًا أَوْ ثُمَّ نُفَضِّلُهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا (لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا لَا نُفَاضِلُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ لَا نُوقِعُ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَهُمْ وَالْمَعْنَى لَا نُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَجْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ الله إذا حز به أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ فِيهِ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حديث السن ولم يرد بن عُمَرَ الِازْدِرَاءَ بِعَلِيٍّ وَلَا تَأْخِيرَهُ وَدَفْعَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ وَفَضْلُهُ مَشْهُورٌ وَلَا يُنْكِرُهُ بن عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ إِلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى تَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ قَالَ وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذَا مَذَاهِبُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَبِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ مِنْ وِجْهَةِ الْقَرَابَةِ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ قَالَ وَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ غَيْرُ بَابِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ إِنَّ الْحُرَّ الْهَاشِمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبْدِ الرومي والحبشي وقد يكون العبد الحبشي خير مِنْ هَاشِمِيٍّ فِي مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ فَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ مُتَعَدٍّ وَبَابُ الْفَضِيلَةِ لَازِمٌ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ فَقَالَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِ فَكَانَ يَقُولُ مَا أَبُوكَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حي) الواو للحال (بعده) قال القارىء أي بعد النبي وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ بَعْدَ وُجُودِهِ انْتَهَى

стр. 4166

وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحنفية) هو بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ (قُلْتُ لِأَبِي) أَيْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (أَبُو بَكْرٍ) أَيْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْخَيْرُ (مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَسْأَلَةِ خَيْرُ النَّاسِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ قَتْلِ عثمان ﵃ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَهُ الْمِزِّيُّ (مَنْ زَعَمَ) كَمَا تَزْعُمُ الشِّيعَةُ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ (فَقَدْ خَطَّأَ) مِنَ التَّفْعِيلِ (يُرْفَعُ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الزَّاعِمِ (مَعَ هَذَا) الزَّعْمِ وَالْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ (عَمَلٌ) صَالِحٌ (إِلَى السَّمَاءِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (الْخُلَفَاءُ) الرَّاشِدُونَ الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ

стр. 4167

(بَاب فِي الْخُلَفَاءِ) (ظُلَّةً) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً (يَنْطِفُ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا أَيْ يَقْطُرُ (يَتَكَفَّفُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ قَالَ الْخَلِيلُ تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيْ فَمِنْهُمُ الْآخِذُ كَثِيرًا وَمِنْهُمُ الْآخِذُ قَلِيلًا (سَبَبًا) أَيْ حَبْلًا (وَاصِلًا) أَيْ مَوْصُولًا فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (أَخَذْتَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السَّبَبِ (ثُمَّ وُصِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي وَأُمِّي) أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي وَأُمِّي (لَتَدَعَنِّي) بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ وَالدَّالِ وَالْعَيْنِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَتَتْرُكَنِّي (فلأعبرنها) بضم ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ذكر الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ حَدِيث رُؤْيَا النَّبِيّ ﷺ السَّمْن وَالْعَسَل وَتَعْبِير الصِّدِّيق ﵁ وَكَلَام الْمُنْذِرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُشْكِل عَلَيْهِ شيئان وأحدهما أَنَّ فِي نَفْس الرُّؤْيَا ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِهِ فَتَفْسِير الصِّدِّيق لِذَلِكَ مُطَابِق لِنَفْسِ الرؤيا والثاني أن قتل عثمان ﵁ لَا يَمْنَع أَنْ يُوصَل لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر قَدْ قُتِلَ وَمَعَ هَذَا فَأَخَذَ بِهِ وَعَلَا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَتْله مَانِعًا مِنْ عُلُوّهُ بِهِ وَقَدْ يُجَاب عَنْهُمَا أَمَّا الْأَوَّل فَلَفْظه ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لَمْ يَذْكُر هَذَا الْبُخَارِيّ وَلَفْظ حَدِيثه ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَر فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ فَقَطْ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يُوصَل لَهُ بَعْد اِنْقِطَاعه بِهِ وَقَالَ الصِّدِّيق فِي تَفْسِيره فِي

стр. 4168

الْمُوَحَّدَةِ مِنْ عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالْخِفَّةِ إِذَا فَسَّرْتُهَا (فَيُعْلِيكَ اللَّهُ) أَيْ يَرْفَعُكَ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُمَرُ ﵁ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ) هُوَ عُثْمَانُ ﵁ (فَيَنْقَطِعُ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) يَعْنِي أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ قاله القسطاني (أي رسول الله) أَيْ حَرْفُ نِدَاءٍ (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ فَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِهِ عَبَّرَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ بِالْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُمَا شَيْئَانِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَبِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى السُّكُوتُ فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لأنه سَكَتَ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ مَعَ سُؤَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (لَا تُقْسِمْ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ إِنَّمَا لم يبر النبي قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بما إذا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] نَفْس حَدِيث الْبُخَارِيّ فَيَنْقَطِع بِهِ ثُمَّ يُوصَل لَهُ فَهَذَا مَوْضِع الْغَلَط وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّن فَضْل صِدْق مَعْرِفَة الْبُخَارِيّ وَغَوْر عِلْمه فِي إِعْرَاضه عَنْ لَفْظه لَهُ فِي الْأَوَّل وَإِنَّمَا اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم وَأَمَّا الثَّانِي فَيُجَاب عَنْهُ بأن عمر ﵁ لَمْ يَنْقَطِع بِهِ السَّبَب مِنْ حَيْثُ عَلَا بِهِ وَإِنَّمَا اِنْقَطَعَ بِهِ بِالْأَجَلِ الْمَحْتُوم كَمَا يَنْقَطِع الْأَجَل بِالسُّمِّ وَغَيْره وَأَمَّا عُثْمَان فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ حَيْثُ وُصِلَ لَهُ مِنْ الْجِهَة الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْخِلَافَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُرِيدَ مِنْهُ أَنْ يَخْلَع نَفْسه وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ لِعَدَمِ إِجَابَتهمْ إِلَى خَلْعِ نَفْسه فَخَلَعُوهُ هُمْ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَانْقَطَعَ بِهِ مِنْ الْجِهَة الَّتِي أَخَذَ بِهِ مِنْهَا ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ ﵁ وَهَذَا سِرّ سُكُوت النَّبِيّ ﷺ عَنْ تَعْيِين مَوْضِع خَطَأ الصِّدِّيق فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ تَكَلَّفْتُمْ أَنْتُمْ بَيَانه وَقَدْ مَنَعَ النبي ﷺ الصِّدِّيق مِنْ تَعَرُّفه وَالسُّؤَال عَنْهُ قِيلَ مَنَعَهُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَلُّق ذَلِكَ بِأَمْرِ الْخِلَافَة وَمَا يَحْصُل لِلرَّابِعِ مِنْ الْمِحْنَة وَانْقِطَاع السَّبَب بِهِ فَأَمَا وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ وَوَقَعَ فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْره مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي يُحْذَر الْكَلَام فِيهَا قَبْل وُقُوعهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي سُكِتَ عَنْهَا لِأَجْلِهِ

стр. 4169

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَالَ وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُرِيبَةُ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا انتهى قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ هُوَ عُمَرُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ هُوَ عُثْمَانُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَعْنَى فَيَنْقَطِعُ قُتِلَ لَكَانَ سَبَبُ عُمَرَ مَقْطُوعًا أَيْضًا قِيلَ لَمْ يَنْقَطِعْ سَبَبُ عُمَرَ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ إِنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِعَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَمَّا قَتْلُ عُثْمَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَجَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ وَقِيلَ إِنَّ معنى كتمان النبي مَوْضِعَ الْخَطَأِ لِئَلَّا يَحْزَنَ النَّاسُ بِالْعَارِضِ لِعُثْمَانَ وَفِيهِ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَابِرِ وَكَتْمِهِ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ وَفِي السُّكُوتِ عَنْهَا مَصْلَحَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (فَأَبَى أَنْ يخبره) أي امتنع أَنْ يُخْبِرَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا أَخْطَأَ قَالَ المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ (ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ يَوْمًا وَلَفْظَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ قَالَهُ القارىء (كَأَنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ (فَوُزِنْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٍ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (فَرَجَحْتَ) ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ والجيم (ثم رفع الميزان) قال القارىء فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ (فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رسول الله) وذلك لما علم مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ من المرجوح

стр. 4170

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ قِيلَ يحتمل أن يكون النبي كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْبِيرِ وَحَصَرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيُّ (فَذَكَرَ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَاسْتَاءَ) أَيْ حَزِنَ وَاغْتَمَّ وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ السُّوءِ (لَهَا) أَيْ لِلرُّؤْيَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ كَرِهَهَا حَتَّى تَبَيَّنَتِ الْمُسَاءَةُ فِي وَجْهِهِ (يَعْنِي) هَذَا قول الراوي (فساءه) أي فأحزن النبي (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مِنْ رُؤْيَاهُ (فقال) أي النبي (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِ خِلَافَةِ عَلَى الْخَبَرِ أَيِ الَّذِي رَأَيْتَهُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ خِلَافَةٌ (ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) وَقِيلَ أَيِ انْقَضَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ يَعْنِي هَذِهِ الرُّؤْيَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ بِالْحَقِّ تَنْقَضِي حَقِيقَتُهَا وَتَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ إِضَافَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَى أَنْ لَا ثُبُوتَ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِ لِأَحَدٍ وَكَانَتْ خِلَافَةُ الشَّيْخَيْنِ ﵄ عَلَى هَذَا وَكَوْنُ الْمَرْجُوحِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا وَأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ مَشُوبَةٌ بِالْمُلْكِ فَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَكَانَتْ مُلْكًا عَضُوضًا انْتَهَى وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْمُحَدِّثُ وَلِيُّ اللَّهِ الدِّهْلَوِيُّ فِي إِزَالَةِ الْخَفَاءِ عَنْ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي كِتَابِهِ قُرَّةُ الْعَيْنَيْنِ فِي تَفْضِيلِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ (أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ
следующие страницы →