Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
وقال القارىء الْمَسْمُوعُ فِي الْحَدِيثِ تَشْدِيدُ الْبَاءِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يُخَفِّفُونَهَا وَهِيَ الَّتِي يُدَقُّ بِهَا الْمَدَرُ وَيُكْسَرُ
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مُخْتَصَرًا وَفِي إِسْنَادِهِ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثًا وَاحِدًا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَرَكَهُ شُعْبَةُ عَلَى عَمْدٍ وَغَمَزَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَحُكِيَ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ تَرَكَهُ وقال بن عَدِيٍّ وَالْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ صَاحِبُ حَدِيثِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ رَوَاهُ عَنْ زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ وَرَوَاهُ عَنْ مِنْهَالٍ جَمَاعَةٌ وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَشْهُورٌ بِالْمِنْهَالِ عَنْ زَاذَانَ وَلِلْمِنْهَالِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ حَسْبُ وَلِزَاذَانَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ حَدِيثَانِ
[٤٧٥٤] (عَنْ أَبِي عُمَرَ) كُنْيَتُهُ زَاذَانُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْبَرْزَخ لِلسُّؤَالِ فَرَدّ عَارِض لَا يَتَّصِل بِهِ حَيَاة بَعْد حَيَاة ثَالِثَة
فَلَا مُعَارَضَة بَيْن الْحَدِيث وَالْقُرْآن بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
وفي الصحيحين عن بن عمر ﵄ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ إِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَمِنْ أَهْل الْجَنَّة وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّار فَمِنْ أَهْل النَّار يُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ
قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لولا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْت اللَّه أَنْ يُسْمِعكُمْ مِنْ عَذَاب الْقَبْر
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ بَيْنَا النَّبِيّ ﷺ فِي حَائِط لِبَنِي النَّجَّار عَلَى بَغْلَة لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيه
وَإِذَا أَقْبُر سِتَّة أَوْ خَمْسَة أَوْ أَرْبَعَة
فَقَالَ مَنْ يَعْرِف أَصْحَاب هَذِهِ الْأَقْبُر فَقَالَ رَجُل أَنَا
فَقَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاك
فَقَالَ
إن هذه الأمة تبتلى في قبورها
فلولا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْت اللَّه أَنْ يُسْمِعكُمْ عَذَاب الْقَبْر الَّذِي أَسْمَع مِنْهُ
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب النَّار
فَقَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب النَّار
قَالَ تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر
قَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر
قالوا تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتَن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
قَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتَن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ
تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال
قَالُوا نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال
стр. 4307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي أَيُّوب قَالَ خَرَجَ رَسُول اللَّه ﷺ بَعْد ما غَرَبَتْ الشَّمْس فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ يَهُود تُعَذَّب فِي قُبُورهَا
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أُمّ خَالِد أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذ مِنْ عَذَاب الْقَبْر
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْمُتَّفَق عَلَيْهِ إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدكُمْ فِي صَلَاته فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَع
مِنْ عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب جَهَنَّم الْحَدِيث
وفي الصحيحين عن بن عباس أن رسول الله ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ
فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ الْحَدِيث
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدعوات اللهم إني أعوذ بك مِنْ فِتْنَة النَّار وَعَذَاب النَّار وَفِتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب الْقَبْر الْحَدِيث
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْعَجْز وَالْكَسَل وَالْجُبْن وَالْهَرَم وَالْبُخْل وَأَعُوذ بِك مِنْ عَذَاب الْقَبْر وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرَة أَنَّ يَهُودِيَّة أَتَتْ عَائِشَة تَسْأَلهَا
فَقَالَتْ أَعَاذَك اللَّه مِنْ عَذَاب الْقَبْر قَالَتْ عَائِشَة فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه يُعَذَّب النَّاس فِي الْقُبُور قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ عَائِذًا بِاَللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيث
وَفِيهِ ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْس
فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور كَفِتْنَةِ الدَّجَّال فَكُنْت أَسْمَع رَسُول اللَّه ﷺ بَعْد ذَلِكَ يَتَعَوَّذ مِنْ عَذَاب النَّار وَعَذَاب الْقَبْر
وَفِي لَفْظ لِلْبُخَارِيِّ فَرَجَعَ ضُحًى
فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُول ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَاب الْقَبْر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر قَالَتْ خُسِفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَة وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْت مَا شَأْن النَّاس يُصَلُّونَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاء فَقُلْت آيَة قَالَتْ نَعَمْ
فَأَطَالَ رَسُول اللَّه ﷺ الْقِيَام جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْي فَأَخَذْت قِرْبَة مِنْ مَاء فَجَعَلْت أَصُبّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنْ الْمَاء
قَالَتْ فَانْصَرَفَ رَسُول اللَّه ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْس فَخَطَبَ رَسُول اللَّه ﷺ النَّاس فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْد مَا مِنْ شَيْء لَمْ أَكُنْ رَأَيْته إِلَّا قَدْ رَأَيْته فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُوركُمْ قَرِيبًا أَوْ مِثْل فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء فَيَأْتِي أَحَدهمْ فَيُقَال مَا عِلْمك بِهَذَا الرَّجُل فَأَمَّا الْمُؤْمِن أَوْ الْمُوقِن لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَتْ أسماء فيقول هو محمد رسول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا ثَلَاث مَرَّات فَيُقَال لَهُ قَدْ نَعْلَم أَنَّك تُؤْمِن بِهِ
فَنَمْ صَالِحًا وَأَمَّا الْمُنَافِق أَوْ الْمُرْتَاب لَا أَدْرِي أَيّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعْت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْت
стр. 4308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وفي صحيح بن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ ذَكَرَ فَتَّانَيْ القبر
فقال عمر ﵁ أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولنَا يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمْ الْيَوْم
قَالَ بِفِيهِ الْحَجَر
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا مِنْ حَدِيث سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إِذَا قُبِرَ أَحَدكُمْ أَوْ الْإِنْسَان أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَال لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَر وَالْآخَر النَّكِير فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فَهُوَ قَائِل مَا كَانَ يَقُول فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ هُوَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله فَيَقُولَانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَم أَنَّك تَقُول ذَلِكَ ثُمَّ يُفْسَح لَهُ فِي قَبْره سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُنَوَّر لَهُ فِيهِ فَيُقَال لَهُ نَمْ نَوْمَة الْعَرُوس لَا يُوقِظهُ إِلَّا أَحَبّ أَهْله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّه مِنْ مَضْجَعه ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ لَا أَدْرِي كُنْت أَسْمَع النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا
فَكُنْت أَقُولهُ فَيَقُولَانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَم أَنَّك تَقُول ذَلِكَ ثُمَّ يُقَال لِلْأَرْضِ اِلْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِم عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِف فِيهَا أَضْلَاعه
فَلَا يَزَال مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثهُ اللَّه مِنْ مَضْجَعه ذَلِكَ
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا﴾ قَالَ عَذَاب الْقَبْر
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَيِّت الْقَبْر مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْس عِنْد غُرُوبهَا
فَيَقُول دَعُونِي أُصَلِّي
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ أُمّ مُبَشِّر قَالَتْ دَخَلَ رَسُول اللَّه ﷺ وَأَنَا فِي حَائِط مِنْ حَوَائِط بَنِي النَّجَّار
فِيهِ قُبُور مِنْهُمْ وَهُوَ يَقُول اِسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر
فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه وَلِلْقَبْرِ عَذَاب قال وإنهم ليعذبون في قبورهم تَسْمَعهُ الْبَهَائِم
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِن فِي قَبْره لَفِي رَوْضَة خَضْرَاء وَيُرَحَّب لَهُ فِي قَبْره سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُنَوَّر لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى﴾ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَة الضَّنْك قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم
قَالَ عَذَاب الْكَافِر فِي قَبْره وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُسَلَّط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ تِنِّينًا
أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّين سَبْعُونَ حَيَّة لِكُلِّ حَيَّة تِسْع رؤوس يَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ
فِيهِ دَرَّاج أَبُو السَّمْح عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن حُجَيْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم أَيْضًا قِصَّة التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ تِنِّينًا مِنْ حَدِيث دَرَّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ النَّبِيّ ﷺ
وَفِي صَحِيحه أَيْضًا مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْمَيِّت إِذَا وُضِعَ فِي قَبْره إِنَّهُ لَيَسْمَع خَفْق نِعَالهمْ حِين يُوَلُّونَ عَنْهُ
فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتْ الصَّلَاة عِنْد رَأْسه وَكَانَ الصِّيَام عَنْ يَمِينه وَكَانَتْ الزَّكَاة عَنْ شِمَاله وَكَانَ فِعْل الْخَيْرَات مِنْ الصَّدَقَة وَالصِّلَة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رِجْلَيْهِ
فَيُؤْتَى مِنْ قِبَل رَأْسه فَتَقُول الصَّلَاة مَا قِبَلِي مَدْخَل
ثُمَّ
стр. 4309
٧ - (بَاب فِي ذِكْرِ الْمِيزَانِ [ ٤٧٥٥])
قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ الْمِيزَانُ حَقٌّ
قَالَ تَعَالَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليوم القيامة يُوضَعُ مِيزَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُوزَنُ بِهِ الصَّحَائِفُ الَّتِي يَكُونُ مَكْتُوبًا فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَلَهُ كِفَّتَانِ إِحْدَاهُمَا لِلْحَسَنَاتِ وَالْأُخْرَى لِلسَّيِّئَاتِ
وَعَنِ الْحَسَنِ لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ كَذَا فِي المرقاة
(هاؤم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يُؤْتَى عَنْ يَمِينه فَيَقُول الصِّيَام مَا قِبَلِي مَدْخَل
ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَاره فَتَقُول الزَّكَاة
مَا قِبَلِي مَدْخَل ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَل رِجْلَيْهِ فَيَقُول فِعْل الْخَيْرَات مِنْ الصَّدَقَة وَالصِّلَة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس مَا قِبَلِي مَدْخَل
فَيَقُول لَهُ اِجْلِسْ فَيَجْلِس قَدْ مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْس وَقَدْ أُدْنِيَتْ لِلْغُرُوبِ
فَيُقَال لَهُ
أَرَأَيْتُك هَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُول فِيهِ وَمَاذَا تَشْهَد بِهِ عَلَيْهِ فَيَقُول
دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ
فَيَقُولُونَ
إِنَّك سَتَفْعَلُ
أَخْبِرْنَا عَمَّا نَسْأَلُك عَنْهُ أَرَأَيْتُك هَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُول فِيهِ وَمَاذَا شَهِدْت عَلَيْهِ قَالَ
فَيَقُول مُحَمَّد أَشْهَد أَنَّهُ رَسُول اللَّه وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْد اللَّه
فَيُقَال لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَيِيت
وَعَلَى ذَلِكَ مُتّ
وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَث إِنْ شَاءَ اللَّه ثُمَّ يُفْتَح لَهُ بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة
فَيُقَال هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَك فِيهَا فَيَزْدَاد غِبْطَة وَسُرُورًا
ثُمَّ يُفْسَح لَهُ فِي قَبْره سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُنَوَّر لَهُ فِيهِ ويعاد الجسد لما بديء مِنْهُ فَيُجْعَل نَسَمَته فِي النَّسِيم الطَّيِّب وَهِيَ طَيْر تَعْلُق فِي شَجَر الْجَنَّة
قَالَ فَذَلِكَ قَوْله ﴿يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ قَالَ وَإِنَّ الْكَافِر إِذَا أُتِيَ مِنْ قِبَل رَأْسه لَمْ يُوجَد شَيْء
ثُمَّ أُوتِيَ عَنْ يَمِينه فَلَا يُوجَد شَيْء
ثُمَّ أُوتِيَ عَنْ شِمَاله فَلَا يُوجَد شَيْء
ثُمَّ أُوتِيَ مِنْ قِبَل رِجْلَيْهِ فَلَا يُوجَد شَيْء
فَيُقَال لَهُ اِجْلِسْ فَيَجْلِس خَائِفًا مَرْعُوبًا
فَيُقَال لَهُ أَرَأَيْتُك هَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَاذَا تَقُول فِيهِ وَمَاذَا تَشْهَد بِهِ عَلَيْهِ فَيَقُول أَيّ رَجُل فَيُقَال الَّذِي كَانَ فِيكُمْ
فَلَا يَهْتَدِي لِاسْمِهِ حَتَّى يُقَال لَهُ مُحَمَّد
فَيَقُول مَا أَدْرِي سَمِعْت النَّاس قَالُوا قَوْلًا
فَقُلْت كَمَا قَالَ النَّاس
فَيُقَال لَهُ
عَلَى ذَلِكَ حَيِيت وَعَلَى ذَلِكَ مُتّ وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَث إِنْ شَاءَ اللَّه ثُمَّ يُفْتَح لَهُ بَاب مِنْ أَبْوَاب النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْ النَّار وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَك فِيهَا
فَيَزْدَاد حَسْرَة وَثُبُورًا
ثُمَّ يُفْتَح لَهُ بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة فَيُقَال لَهُ ذَلِكَ مَقْعَدك مِنْ الْجَنَّة وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَك فِيهَا لَوْ أَطَعْته فَيَزْدَاد حَسْرَة وَثُبُورًا
ثُمَّ يُضَيَّق عَلَيْهِ قَبْره حَتَّى تَخْتَلِف فِيهِ أَضْلَاعه
وَتِلْكَ الْمَعِيشَة الضَّنْك الَّتِي قَالَ اللَّه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى﴾
стр. 4310
أي خذوا (اقرؤوا كِتَابِيَهْ) تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ لِبَيَانِ يَاءِ الْإِضَافَةِ (أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ
وَفِي الْمِشْكَاةِ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شماله من وراء ظهره
(قال القارىء) فِي الْمِرْقَاةِ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَفِي أَكْثَرِهَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَمْ بَدَلُ أَوْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَوْفَقُ للجمع بين معنى الآيتين فأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يدعو ثبورا ويصلى سعيرا (بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) أَيْ وَسَطَهَا وَفَوْقَهَا (قَالَ يَعْقُوبُ عَنْ يُونُسَ) وَأَمَّا حُمَيْدٌ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ كَمَا مَرَّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هريرة عن النبي ﷺ كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَان ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَان سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ سُبْحَان اللَّه الْعَظِيم
وَفِي جَامِع التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث النَّضْر بْن أَنَس بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْت النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَشْفَع لِي يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَنَا فَاعِل قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَأَيْنَ أَطْلُبك قَالَ اُطْلُبْنِي أَوَّل مَا تَطْلُبنِي عَلَى الصِّرَاط قَالَ قُلْت فَإِنْ لَمْ أَلْقَك عَلَى الصِّرَاط قَالَ فَاطْلُبْنِي عِنْد الْمِيزَان قَالَ قُلْت فَإِنْ لَمْ أَلْقَك عِنْد الْمِيزَان قَالَ فَاطْلُبْنِي عند الحوض فاني لا أخطيء هَذِهِ الثَّلَاث الْمَوَاطِن قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه
وَرَوَى اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ عَامِر بْن يَحْيَى الْمَعَافِرِيّ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ يُصَاح بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رؤوس الْخَلَائِق يَوْم الْقِيَامَة فَيُنْشَر لَهُ تِسْعَة وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلّ سِجِلّ مِنْهَا مَدّ الْبَصَر ثُمَّ يَقُول اللَّه ﵎ لَهُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُول لَا يَا رَبّ فَيَقُول بَلَى إِنَّ لَك عِنْدنَا حَسَنَات وَإِنَّهُ لَا ظُلْم عَلَيْك فَيُخْرَج لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله فَيَقُول يَا رَبّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَة مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّات فَيَقُول إِنَّك لَا تُظْلَم قَالَ فَتُوضَع السِّجِلَّات فِي كِفَّة وَالْبِطَاقَة فِي كِفَّة فَطَاشَتْ السِّجِلَّات وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَة قَالَ حَمْزَة الْكِنَانِيّ لَا أَعْلَم رَوَى هَذَا الْحَدِيث غَيْر اللَّيْث بْن سَعْد وَهُوَ مِنْ أَحْسَن الْحَدِيث
قَالَ أَبُو طَاهِر السَّلَفِيّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن عُمَر بْن مُحَمَّد الْحَرَّانِيّ قَالَ أَنَا حَضَرْت رَجُلًا فِي الْمَجْلِس وَقَدْ زَعَقَ عِنْد هَذَا الْحَدِيث وَمَاتَ وَشَهِدْت جِنَازَته وَصَلَّيْت عَلَيْهِ
стр. 4311
٨ - (بَاب فِي الدَّجَّالِ [ ٤٧٥٦])
(إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَوْمَهُ) أَيْ خَوَّفَهُمْ بِهِ وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ الثَّانِي لِلِاهْتِمَامِ بِذِكْرِهِ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ لَعَلَّ إِنْذَارَ مَنْ بَعْدَ نُوحٍ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ انْتَهَى
قُلْتُ إِنَّمَا قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ قوله لقد أنذره نوح قومه وقال القارىء قَوْلُهُ بَعْدَ نُوحٍ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ (فَوَصَفَهُ لَنَا) أَيْ بِبَعْضِ أَوْصَافِهِ (لَعَلَّهُ سَيُدْرِكُهُ مَنْ قَدْ رَآنِي وَسَمِعَ كَلَامِي) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَوْ سَمِعَ كَلَامِي بِأَوْ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى أَوْ فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى سَمَاعِهِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بَقَاءَ كَلَامِهِ ﷺ إِلَى حِينِ ظُهُورِ الدَّجَّالِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى خَضِرٍ ﵇ (أَمِثْلُهَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالضَّمِيرُ لِلْقُلُوبِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَوْ خَيْرٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ أَخْيَرُ وَفِي بَعْضِهَا وَخَيْرٌ بِالْوَاوِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُرَاقَةَ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيُّ لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد تَفَرَّدَ بِهِ عَامِر بْن يَحْيَى آخِر كَلَامه
وَرَوَاهُ أَبُو عَبْد الرحمن المقرئ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد بْن أَنْعَم الْإِفْرِيقِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَنْ عبد الله بن عمرو ورواه عن المقرئ جماعة والحديث أخرجه بن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حَسَن غَرِيب
وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْشٍ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ يَجُزّ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ سِوَاكًا مِنْ أَرَاك وَكَانَ فِي سَاقَيْهِ دِقَّة فَضَحِكَ الْقَوْم فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ مَا يُضْحِككُمْ مِنْ دِقَّة سَاقَيْهِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمَا أَثْقَل فِي الْمِيزَان مِنْ أُحُد رَوَاهُ أبو حاتم في صحيحه
стр. 4312
[٤٧٥٧] (تَعْلَمُونَ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيِ اعْلَمُوا لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وسالم هو بن عبد الله بن عمر بن خطاب
٩ - (باب في الْخَوَارِجِ [ ٤٧٥٨])
وَهِيَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَلَهُمْ عَقَائِدُ فَاسِدَةٌ مِنْ بُغْضِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَمَنْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَيُكَفِّرُونَ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبِيرَةَ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ ﵄
(مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرَ شِبْرٍ (فَقَدْ خَلَعَ) أَيْ نَزَعَ (رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الرِّبْقَةُ مَا يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الدَّابَّةِ كَالطَّوْقِ يُمْسِكُهَا لِئَلَّا تَشْرُدَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ذَكَرَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ أَحَادِيث الْبَاب إِلَى آخِرهَا ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ أَتَى رَجُل النَّبِيّ ﷺ بِالْجِعْرَّانَةِ مُنْصَرَفه مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْب بِلَال فِضَّة وَرَسُول اللَّه ﷺ يَقْبِض مِنْهَا وَيُعْطِي النَّاس
فَقَالَ يَا مُحَمَّد اِعْدِلْ فَقَالَ وَيْلك وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِل لَقَدْ خَسِرْت وَخِبْت إِنْ لَمْ أَكُنْ أعدل فقال عمر بن الخطاب ﵁ دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه أَقْتُل هَذَا الْمُنَافِق
فَقَالَ مَعَاذ اللَّه أَنْ يَتَحَدَّث النَّاس أَنِّي أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوِز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة
وَرَوَى الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث مُخْتَصَرًا قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيّ ﷺ يَقْسِم غَنِيمَة بِالْجِعْرَّانَةِ إِذْ قَالَ لَهُ رَجُل اِعْدِلْ فَقَالَ لَقَدْ شَقِيت إِنْ لم أعدل
стр. 4313
يَقُولُ مَنْ خَرَجَ مِنْ طَاعَةِ إِمَامِ الْجَمَاعَةِ أَوْ فَارَقَهُمْ فِي الْأَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ فَقَدْ ضَلَّ وَهَلَكَ وَكَانَ كَالدَّابَّةِ إِذَا خَلَعَتِ الرِّبْقَةَ الَّتِي هِيَ مَحْفُوظَةٌ بِهَا فَإِنَّهَا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْهَلَاكُ وَالضَّيَاعُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَالصَّوَاب فِي هَذَا فَتْح التَّاء مِنْ خِبْت وخسرت
وَالْمَعْنَى أَنَّك إِذَنْ خَائِب خَاسِر إِنْ كُنْت تقتدي في دينك بمن لا يعدل وتجعل بَيْنك وَبَيْن اللَّه ثُمَّ تَزْعُم أَنَّهُ ظَالِم غَيْر عَادِل
وَمَنْ رَوَاهُ بِضَمِّ التَّاء لَمْ يَفْهَم مَعْنَاهُ هَذَا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ يَقْسِم قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة وَهُوَ رَجُل مِنْ بَنِي تَمِيم فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه اِعْدِلْ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ وَيْلك مَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَعْدِل قَدْ خِبْت وَخَسِرْت إِنْ لَمْ أَعْدِل فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِب عُنُقه قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِر أَحَدكُمْ صَلَاته مَعَ صَلَاتهمْ وَصِيَامه مَعَ صِيَامهمْ يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة يَنْظُر إِلَى نَصْله فَلَا يُوجَد فِيهِ شَيْء ثُمَّ يَنْظُر إِلَى رِصَافه فَلَا يُوجَد فِيهِ شَيْء ثُمَّ يَنْظُر إِلَى نَضِيّه فَلَا يُوجَد فِيهِ شَيْء وَهُوَ الْقِدْح ثُمَّ يَنْظُر إِلَى قُذَذه فَلَا يُوجَد فِيهِ شَيْء سَبَقَ الْفَرْث وَالدَّم آيَتهمْ رَجُل أَسْوَد إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة أَوْ مِثْل الْبَضْعَة تَدَرْدَر يَخْرُجُونَ عَلَى حِين فُرْقَة مِنْ النَّاس قَالَ أَبُو سَعِيد فَأَشْهَد أَنِّي سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَأَشْهَد أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُل فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْت إِلَيْهِ عَلَى نَعْت رَسُول اللَّه ﷺ الَّذِي نَعَتَ
زَادَ الْبُخَارِيّ فَنَزَلَتْ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك فِي الصَّدَقَات﴾
وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عَلَى خَيْر فُرْقَة مِنْ النَّاس
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيد أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّته يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَة مِنْ النَّاس سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق قَالَ هُمْ شَرّ النَّاس أَوْ مِنْ شَرّ الْخَلْق يَقْتُلهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقّ قَالَ فَضَرَبَ رَسُول اللَّه ﷺ لَهُمْ مَثَلًا أَوْ قَالَ قَوْلًا الرَّجُل يَرْمِي الرَّمِيَّة أَوْ قَالَ الْغَرَض فَيَنْظُر فِي النَّصْل فَلَا يَرَى بَصِيرَة وَيَنْظُر فِي النَّضِيّ فَلَا يَرَى بَصِيرَة وَيَنْظُر فِي الْفَوْق فَلَا يَرَى بَصِيرَة
وَفِي لَفْظ آخَر عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيث يَكُون فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُج بَيْنهمَا مَارِقَة يَلِي قَتْلهمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ
وَفِي أُخْرَى تَمْرُق مَارِقَة فِي فُرْقَة مِنْ الناس يلي قتلهم أولى الطافئتين بالحق
وفي أخرى تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ
وَفِي أُخْرَى يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَة مُخْتَلِفَة يَقْتُلهُمْ أَقْرَب الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْحَقّ
стр. 4314
[٤٧٥٩] (كَيْفَ أَنْتُمْ) أَيْ كَيْفَ تَصْنَعُونَ أَتَصْبِرُونَ أَمْ تُقَاتِلُونَ (وَأَئِمَّةٌ مَنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذَا الْفَيْءِ) أَيْ يَنْفَرِدُونَ بِهِ وَيَخْتَارُونَهُ وَلَا يُعْطُونَ الْمُسْتَحِقِّينَ منه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ يَخْرُج نَاس مِنْ قبل المشرق يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُود السَّهْم إِلَى فَوْقه قِيلَ فَمَا سِيمَاهُمْ قَالَ التَّحْلِيق أَوْ قَالَ التَّسْبِيل
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع أَنَّ الْحَرُورِيَّة لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالُوا لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ قَالَ عَلِيّ كَلِمَة حَقّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِل إِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لَأَعْرِف صِفَتهمْ فِي هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِز هَذَا مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلَى حَلْقه مِنْ أَبْغَض خَلْق اللَّه إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَسْوَد إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْي شَاة أَوْ حَلَمَة ثَدْي فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيّ بْن أَبَى طَالِب ﵁ قَالَ اُنْظُرُوا فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَقَالَ اِرْجِعُوا فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كُذِبْت مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَة فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ قَالَ عُبَيْد اللَّه وَأَنَا حَاضِر ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمْ وَقَوْل عَلِيّ فِيهِمْ
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي من أمتي قوم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوِز حَلَاقِيمهمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَخْرُج السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرّ الْخَلْق وَالْخَلِيقَة
فَقَالَ بن الصَّامِت
فَلَقِيت رَافِع بْن عَمْرو الْغِفَارِيَّ أَخَا الْحَكَم الْغِفَارِيِّ قُلْت مَا حَدِيث سَمِعْته مِنْ أَبِي ذَرّ كَذَا وَكَذَا فَذَكَرْت لَهُ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ وَأَنَا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَسِير بْن عَمْرو قَالَ سَأَلْت سُهَيْل بْن حُنَيْف سَمِعْت النَّبِيّ ﷺ يَذْكُر الْخَوَارِج فَقَالَ سَمِعْته يَقُول وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلى المشرق قوم يقرأون الْقُرْآن بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَعْدُو تَرَاقِيهمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة
وَفِي لَفْظ آخَر عَنْهُ يَتِيه قَوْم مِنْ قِبَل المشرق محلقه رؤوسهم
وفي صحيح البخاري عن بن عُمَر وَذَكَرَ الْحَرُورِيَّة فَقَالَ قَالَ النَّبِيّ ﷺ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَام مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد صَحَّ الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِي الْخَوَارِج مِنْ عَشَرَة أَوْجُه
وَهَذِهِ هِيَ الْعَشَرَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَقَدْ اِسْتَوْعَبَهَا مُسْلِم فِي صحيحه والله أعلم
стр. 4315
وَالْفَيْءُ مَا نِيلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ وَضْعِ الْحَرْبِ أَوْزَارَهَا وَهُوَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُخَمَّسُ وَالْغَنِيمَةُ مَا نِيلَ مِنْهُمْ عَنْوَةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ وَهِيَ تُخَمَّسُ وَسَائِرُ مَا بَعْدَ الْخُمْسِ لِلْغَانِمِينَ خَاصَّةً وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَأَئِمَّةٌ لِلْحَالِ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى أَلَا لِلتَّنْبِيهِ (ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ) أَيْ أُحَارِبُهُمْ (حَتَّى أَلْقَاكَ أَوْ أَلْحَقَكَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ حَتَّى أَمُوتَ شَهِيدًا وَأَصِلَ إِلَيْكَ (أَوَلَا أَدُلُّكَ) بِوَاوِ الْعَطْفِ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا النَّافِيَةِ أَيْ أَتَفْعَلُ هَذَا وَلَا أَدُلُّكَ (تَصْبِرُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيِ اصْبِرْ عَلَى ظُلْمِهِمْ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٧٦٠] (تَعْرِفُونَ مِنْهُمْ) أَيْ بَعْضَ أَفْعَالِهِمْ (وَتُنْكِرُونَ) أَيْ بَعْضَهَا (قال هشام) بن حَسَّانَ فِي رِوَايَتِهِ (بِلِسَانِهِ) أَيْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ وَأَمَّا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ فَلَمْ يَقُلْ لَفْظَةً بِلِسَانِهِ بَلْ قَالَ أَنْكَرَ فَقَطْ (فَقَدْ بَرِئَ) أَيْ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ (وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ) أَيْ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الْوِزْرِ (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ) أَيْ بِقَلْبِهِ بِفِعْلِهِمْ (وَتَابَعَ) أَيْ تَابَعَهُمْ فِي الْعَمَلِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَهُوَ الَّذِي شَارَكَهُمْ فِي الْعِصْيَانِ (قَالَ لَا) أَيْ لَا تُقَاتِلُوهُمْ (مَا صَلَّوْا) أَيْ مَا دَامُوا يُصَلُّونَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
[٤٧٦١] (الْعَنَزِيُّ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُعْجَمَةٍ (قَالَ قَتَادَةُ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ إِلَخْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ
стр. 4316
[٤٧٦٢] (عن عرفجة) وهو بن شُرَيْحٍ وَيُقَالُ ضُرَيْحٌ الْأَشْجَعِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (هَنَاتٌ وهنات وَهَنَاتٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ شُرُورٌ وَفَسَادٌ يُقَالُ فِي فُلَانٍ هَنَاتٌ أَيْ خِصَالُ شَرٍّ وَلَا يُقَالُ فِي الْخَيْرِ وَاحِدُهَا هنت وَقَدْ تُجْمَعُ عَلَى هَنَوَاتٍ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُرَادُ بها ها هنا الْفِتَنُ وَالْأُمُورُ الْحَادِثَةُ (وَهُمْ جَمِيعٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعٌ وَكَلِمَتَهُمْ وَاحِدَةٌ (كَائِنًا مَنْ كان) قال القارىء أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَقَارِبِي أَوْ غَيْرِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَهِيَ الْخِلَافَةُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
وَلَيْسَ لِعَرْفَجَةَ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ
وَضُرَيْحٌ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ
٠ - (بَاب في قتل الْخَوَارِجِ [ ٤٧٦٣])
(عَنْ عُبَيْدَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ السَّلْمَانِيُّ (ذَكَرَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ النَّهْرَوَانُ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَثْلِيثِ الرَّاءِ وَبِضَمَّتِهَا ثَلَاثُ قُرًى أَعْلَى وَأَوْسَطُ وَأَسْفَلُ هُنَّ بَيْنَ وَاسِطَ وَبَغْدَادَ وَكَانَ بِهَا وَقْعَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ الْخَوَارِجِ انْتَهَى (مُودَنُ الْيَدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَيُقَالُ بِالْهَمْزِ وَبِتَرْكِهِ أَيْ نَاقِصُ الْيَدِ (أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ) هُوَ عَلَى وَزْنِ مَا قَبْلَهُ وَمَعْنَاهُ (أَوْ مَثْدُونَ الْيَدِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ صَغِيرُ الْيَدِ مُجْتَمِعُهَا كَثُنْدُوَةِ الثَّدْيِ وَكَانَ أَصْلَهُ مَثْنُودٌ فَقُدِّمَتِ الدَّالُ عَلَى النُّونِ كَمَا قَالُوا جَبَذَ وَجَذَبَ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ
وَكَلِمَةٌ لِلشَّكِّ (لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا) مِنَ الْبَطَرِ وَهُوَ شِدَّةُ الْفَرَحِ أَوِ الطُّغْيَانِ عِنْدَ النِّعْمَةِ أَيْ لَوْلَا خَوْفُ الْبَطَرِ مِنْكُمْ بِسَبَبِ الثَّوَابِ الَّذِي أُعِدَّ لِقَاتِلِيهِمْ فَتَعْجَبُوا بِأَنْفُسِكُمْ خَبَّرْتُكُمْ (لَنَبَّأْتُكُمْ) أَيْ أَخْبَرْتُكُمْ (عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ) مُتَعَلِّقٌ بوعد قال أبي عَبِيدَةُ (قُلْتُ أَنْتَ) أَيْ يَا عَلِيٌّ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم وبن ماجه
وعبيد بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ
стр. 4317
وَالسَّلْمَانِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ وَيَاءُ النَّسَبِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَلْمَانَ بَطْنٍ مِنْ مُرَادٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُرُّ اللَّامَ وَفِي الْعَرَبِ سَلْمَانُ غَيْرُ هَذَا
[٤٧٦٤] (بِذُهَيْبَةٍ) تَصْغِيرُ ذَهَبَةٍ أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الذَّهَبِ (فِي تُرْبَتِهَا) صِفَةُ ذُهَيْبَةٍ أَيْ كَائِنَةٍ فِي تُرَابِهَا غَيْرِ مُمَيَّزَةٍ عَنْهُ (فَقَسَّمَهَا) أَيْ قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ تِلْكَ الذُّهَيْبَةَ (وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ) بِاللَّامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْخَيْرُ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ كَانَ يُقَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَيْدُ الْخَيْلِ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ زَيْدَ الْخَيْرِ (الطَّائِيِّ) عَامَّةً (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) أَيْ خَاصَّةً وَهُوَ صِفَةُ زَيْدٍ
وَفِي أُسْدِ الْغَابَةِ زَيْدُ بْنُ مهلهل بن زيد إلى أن قال بن نابل بن نبهان الطايء النَّبْهَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِزَيْدِ الْخَيْلِ (الْعَامِرِيِّ) عَامَّةً (ثُمَّ أحدبني كِلَابٍ) خَاصَّةً وَهُوَ صِفَةُ عَلْقَمَةَ
وَفِي أُسْدِ الْغَابَةِ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ انْتَهَى (صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) أَيْ سَادَاتِهُمْ جَمْعُ صِنْدِيدٍ بِكَسْرِ الصَّادِ (وَيَدَعُنَا) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ يَتْرُكُنَا (فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْغَوْرِ أَيْ غَارَتْ عَيْنَاهُ وَدَخَلَتَا فِي رَأْسِهِ (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) أَيْ عَالِي الْخَدَّيْنِ (نَاتِئُ الْجَبِينِ) بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ مُرْتَفِعُهَا (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مُثَلَّثَةٍ أَيْ كَثِيفُهَا (قَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ) أَيْ فِي الْقِسْمَةِ (فَقَالَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ) أَيْ مَعَ عِصْمَتِي وَثُبُوتِ نُبُوَّتِي (أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ) أَيْ يَجْعَلُنِي أَمِينًا (وَلَا تَأْمَنُونِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ (فَلَمَّا وَلَّى) أَيْ أَدْبَرَ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) بِكَسْرِ مُعْجَمَتَيْنِ وَبِهَمْزَتَيْنِ يُبْدَلُ أُولَاهُمَا أَيْ مِنْ أصله
قال الخطابي الضئضئي الْأَصْلُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَسْلِهِ الَّذِينَ هُوَ أَصْلُهُمْ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ وَيَبْنُونَ رَأْيَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ (أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أَيْ
стр. 4318
حلوقهم
قال في النهاية الحنجرة رأس العلصمة حَيْثُ تَرَاهُ نَاتِئًا مِنْ خَارِجِ الْحَلْقِ وَالْجَمْعُ الْحَنَاجِرُ (يَمْرُقُونَ) أَيْ يَخْرُجُونَ (مُرُوقَ السَّهْمِ) أَيْ كَخُرُوجِهِ (مِنَ الرَّمِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الرَّمِيَّةُ الصَّيْدُ الَّذِي تَرْمِيهِ وَتَقْصِدُهُ يُرِيدُ أَنَّ دُخُولَهُمْ فِي الدِّينِ وَخُرُوجَهُمْ مِنْهُ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَالسَّهْمِ الَّذِي دَخَلَ فِي الرَّمِيَّةِ ثُمَّ يَقُدُّهَا وَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ مِنْهَا شَيْءٌ (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ) لِتَكْفِيرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِسَبَبِ الْكَبَائِرِ (وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ يَتْرُكُونَ أَهْلَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أَرَادَ بِقَتْلِ عَادٍ اسْتِيصَالَهُمْ بِالْهَلَاكِ
فَإِنَّ عَادًا لَمْ تُقْتَلْ وَإِنَّمَا أُهْلِكَتْ بِالرِّيحِ وَاسْتُؤْصِلَتْ بِالْإِهْلَاكِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٧٦٥] (وَمُبَشِّرٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ (بِإِسْنَادِهِ) لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَالَ يَعْنِي الْوَلِيدَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) أَيْ قَالَ الْوَلِيدُ فِي رِوَايَتِهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ مُبَشِّرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو (اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ) أَيْ أَهْلُ اخْتِلَافٍ وَافْتِرَاقٍ وَقَوْلُهُ (قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ) بَدَلٌ مِنْهُ وَمُوَضِّحٌ لَهُ وَقَوْلُهُ (يقرؤون الْقُرْآنَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُ الِاخْتِلَافِ أَيْ سَيَحْدُثُ فِيهِمُ اخْتِلَافٌ وَتَفَرُّقٌ فَيَفْتَرِقُونَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةُ حَقٍّ وَفِرْقَةُ بَاطِلٍ فَعَلَى هَذَا قَوْمٌ مبتدأ موصوف بما بعده والخبر قوله يقرؤون الْقُرْآنَ وَهُوَ بَيَانٌ لِإِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ وَتُرِكَتِ الثَّانِيَةُ للظهور
هذا تلخيص ما قال القارىء فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَوْلُهُ الْقِيلُ مَعْنَاهُ الْقَوْلُ يُقَالُ قُلْتُ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا (لَا يُجَاوِزُ) أَيْ قُرْآنُهُمْ أَوْ قِرَاءَتُهُمْ (تَرَاقِيَهِمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ
وَنَصْبِ الْيَاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نَقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ وَهُمَا تَرْقُوَتَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَيُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ جنبر كردن وَالْمَعْنَى لَا يَتَجَاوَزُ أَثَرُ قِرَاءَتِهِمْ عَنْ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْقُلُوبِ أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تَتَجَاوَزْ حُلُوقَهُمْ (لَا يَرْجِعُونَ) أَيْ إِلَى الدِّينِ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى بُطْلَانِهِمْ (حَتَّى يَرْتَدَّ) أَيْ يَرْجِعَ السَّهْمُ (عَلَى فُوقِهِ) بِضَمِّ الْفَاءِ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنَ السَّهْمِ وَهَذَا تَعْلِيقٌ بِالْمُحَالِ فَإِنَّ ارْتِدَادَ السَّهْمِ عَلَى الْفَوْقِ مُحَالٌ
стр. 4319
فَرُجُوعُهُمْ إِلَى الدِّينِ أَيْضًا مُحَالٌ (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْخَلْقُ النَّاسُ وَالْخَلِيقَةُ الْبَهَائِمُ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيُرِيدُ بِهِمَا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ (طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ) فَإِنَّهُ يَصِيرُ غَازِيًا (وَقَتَلُوهُ) أَيْ وَلِمَنْ قَتَلُوهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَهِيدًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَذْفِ الْمَوْصُولِ أَوِ الْوَاوِ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ وَالتَّقْدِيرُ طُوبَى لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ قَتْلِهِ إِيَّاهُمْ وَقَتْلِهِمْ إياه قاله القارىء (وَلَيْسُوا مِنْهُ) أَيْ مِنْ كِتَابٍ (فِي شَيْءٍ) فِي شَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ (مَنْ قَاتَلَهُمْ) أَيْ مِنْ أُمَّتِي (كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ بَاقِي أُمَّتِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَعْلِيلِيَّةً أَيْ مِنْ أَجْلِ قِتَالِهِمْ قَالَهُ القارىء (مَا سِيمَاهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ (قَالَ التَّحْلِيقُ) أَيْ عَلَامَتُهُمُ التَّحْلِيقُ وَهُوَ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ
قَالَ النَّوَوِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لَهُمْ وَالْعَلَامَةُ قَدْ تَكُونُ بِحَرَامٍ وَقَدْ تَكُونُ بِمُبَاحٍ كَمَا قَالَ ﷺ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَقَالَ احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِبَاحَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا
قَالَ الْعُلَمَاءُ حَلْقُ الرَّأْسِ جَائِزٌ بِكُلِّ حَالٍ لَكِنْ إِنْ شَقَّ عَلَيْهِ تَعَهُّدُهُ بِالدُّهْنِ وَالتَّسْرِيحِ اسْتُحِبَّ حَلْقُهُ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَسَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
[٤٧٦٦] (وَالتَّسْمِيدُ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّسْبِيدُ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ السَّبْدُ حَلْقُ الرَّأْسِ كَالْإِسْبَادِ وَالتَّسْبِيدِ وَقَالَ فِيهِ سَمَدَ الشَّعْرَ اسْتَأْصَلَهُ (فَأَنِيمُوهُمْ) أَيِ اقتلوهم
قال بن الْأَثِيرِ يُقَالُ نَامَتِ الشَّاةُ وَغَيْرُهَا إِذَا مَاتَتْ وَالنَّائِمَةُ الْمَيِّتَةُ
وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَمَا أَشْرَفَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ أَيْ قَتَلُوهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ حَثَّ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ
فَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ انْتَهَى (قَالَ أَبُو دَاوُدَ التَّسْبِيدُ إِلَخْ) لم يوجد هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
(فَلَأَنْ أَخِرَّ
стр. 4320
أَيْ أَسْقُطُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ خَرَّ يَخِرُّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ إِذَا سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ انْتَهَى [٤٧٦٧] (فَإِنَّمَا الْحَرْبُ خَدْعَةٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَيُقَالُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَجْتَهِدُ رَأْيِي
قَالَ الْقَاضِي وَفِيهِ جَوَازُ التَّوْرِيَةِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْحَرْبِ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا (حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) أَيْ صِغَارُ الْأَسْنَانِ ضِعَافُ الْعُقُولِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ حَدَاثَةُ السِّنِّ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّبَابِ (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) أَيْ خَيْرُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْخَلَائِقُ وَقِيلَ أَرَادَ بِخَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ الْقُرْآنَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
وَغَفَلَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا فَاءٌ وَلَامٌ مَفْتُوحَتَانِ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
[٤٧٦٨] (يُصِيبُونَهُمْ) أَيْ يَقْتُلُونَ ذَلِكَ الْخَوَارِجَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ (قُضِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَهُمْ) أَيْ لِذَلِكَ الْجَيْشِ
وَالْجُمْلَةُ مَفْعُولُ يَعْلَمُ (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ) من البشارة العظمى لقاتليهم (لا تكلوا
стр. 4321
عَلَى الْعَمَلِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ
وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ افْتَعَلُوا مِنَ الْوَكَلِ يُقَالُ اتَّكَلَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ وَالْمَعْنَى اعْتَمَدُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَهُوَ قِتَالُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَاكْتَفَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ لَنَكَّلُوا عَنِ الْعَمَلِ مِنَ النَّكَلِ وَهُوَ التَّأَخُّرُ أَيْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْعَمَلِ الْآخَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(لَهُ عَضُدٌ) الْعَضُدُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَتِفِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ (وَلَيْسَتْ لَهُ ذِرَاعٌ) هِيَ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَكَأَنَّ هَذَا وَصْفُهُ مِنْ كَثْرَةِ لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ (عَلَى عَضُدِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ (مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ أَيْ مِثْلُ رَأْسِهِ (أَفَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ) وَقِصَّتُهُ على ما ذكره المؤرخ الثقة بن سَعْدٍ وَنَقَلَ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ الْغَدَ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁ بِالْمَدِينَةِ فَبَايَعَهُ جَمِيعُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَيُقَالُ إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَعَائِشَةُ ﵂ بِهَا فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ يُطَالِبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ بِالْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمَا وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ إِلَيْهِ فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَامَ الْقَتْلُ بِهَا أَيَّامًا فَرَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا مَكِيدَةً مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَكَرِهَ النَّاسُ الْحَرْبَ وَتَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ وَحَكَّمُوا الْحَكَمَيْنِ فَحَكَّمَ عَلِيٌّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَحَكَّمَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ فَيَنْظُرُوا فِي أَمْرِ الْأُمَّةِ فَافْتَرَقَ النَّاسُ وَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ وَعَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَقَالُوا لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَعَسْكَرُوا بحروراء فبعث إليهم بن عَبَّاسٍ فَخَاصَمَهُمْ وَحَجَّهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ قَوْمٌ كَثِيرٌ وَثَبَتَ قَوْمٌ وَسَارُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ فَعَرَضُوا لِلسَّبِيلِ فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَقَتَلَ مِنْهُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِأَذْرُحَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وحضرها سعدا بن أبي وقاص وبن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمر وأبا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ مَكِيدَةً مِنْهُ فَتَكَلَّمَ فَخَلَعَ عَلِيًّا وَتَكَلَّمَ عَمْرٌو فَأَقَرَّ مُعَاوِيَةَ وَبَايَعَ لَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَلَى هَذَا وَصَارَ عَلِيٌّ فِي خِلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى صَارَ يَعَضُّ عَلَى إِصْبَعِهِ وَيَقُولُ أُعْصَى وَيُطَاعُ مُعَاوِيَةُ وَانْتُدِبَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ وَالْبَرْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَعَمْرُو بْنُ بُكَيْرٍ التَّمِيمِيُّ فَاجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ
стр. 4322
وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا لَيَقْتُلُنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَعَمْرَو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال بن مُلْجِمٍ أَنَا لَكُمْ بِعَلِيٍّ وَقَالَ الْبَرْكُ أَنَا لَكُمْ بِمُعَاوِيَةَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا أكفيكم عمرو بن العاص
هذا كلام بن سَعْدٍ وَقَدْ أَحْسَنَ فِي تَلْخِيصِهِ هَذِهِ الْوَقَائِعَ وَلَمْ يُوَسِّعْ فِيهَا الْكَلَامَ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ لِأَنَّ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَذَا الْمَقَامِ قَالَ ﷺ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ
وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ (يَخْلُفُونَكُمْ إِلَى ذَرَارِيِّكُمْ) جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ أَيْ فَيَنْهَبُونَهَا وَيَقْتُلُونَهَا (وَأَمْوَالِكُمْ) أَيْ يَخْلُفُونَكُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ فَيُفْسِدُونَهَا (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ (الْقَوْمَ) بِالْفَتْحِ خَبَرُ يَكُونُ أَيْ هَذَا الْقَوْمَ (فِي سَرْحِ النَّاسِ) أَيْ مَوَاشِيهِمُ السَّائِمَةِ (فَسِيرُوا) أَيْ إِلَيْهِمْ (فَنَزَّلَنِي) مِنَ التَّنْزِيلِ (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرَّةً وَاحِدَةً
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا هَكَذَا فِي مُعْظَمِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِي نَادِرٍ مِنْهَا مَنْزِلًا مَنْزِلًا مَرَّتَيْنِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَمِيدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَيْ ذَكَرَ لِي مَرَاحِلَهُمْ بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا مَنْزِلًا (حَتَّى مَرَرْنَا) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى قَالَ مَرَرْنَا بِزِيَادَةِ لَفْظِ قَالَ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مَرَّ بِنَا مَكَانَ مَرَرْنَا (عَلَى قَنْطَرَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ حَتَّى بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ الَّتِي كَانَ الْقِتَالُ عِنْدَهَا وَهِيَ قَنْطَرَةُ الدِّبْرِجَانِ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَهُنَاكَ خَطَبَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ وَرَوَى لَهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ (قَالَ) أَيْ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا) أَيْ نَحْنُ وَالْخَوَارِجُ (وَعَلَى الْخَوَارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) أَيْ كَانَ أَمِيرَهُمْ (سُلُّوا) بِضَمِّ السِّينِ أَمْرٌ مِنْ سَلَّ يَسُلُّ (مِنْ جُفُونِهَا) أَيْ مِنْ أَغْمِدَتِهَا (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ) أَيْ يَطْلُبُوكُمُ الصُّلْحَ بِالْإِيمَانِ لَوْ تُقَاتِلُونَ بِالرُّمْحِ مِنْ بَعِيدٍ فَأَلْقُوا الرِّمَاحَ وَادْخُلُوا فِيهِمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى لَا يَجِدُوا فُرْصَةً فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا قَادَهُمْ إِلَى التَّدْمِيرِ
كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أَيْ رَمَوْا بِهَا عَنْ بُعْدٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أي التوحيش قاله في الصراح
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَحَّشَ الرَّجُلُ إِذَا رَمَى بِثَوْبِهِ وَسِلَاحِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُلْحَقَ
قَالَ الشاعر
стр. 4323
فَذَرُوا السِّلَاحَ وَوَحِّشُوا بِالْأَبْرَقِ (وَاسْتَلُّوا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي (وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ شَجَرَهُ بِالرُّمْحِ أَيْ طَعَنَهُ وَشَجَرَ بَيْتَهُ أَيْ عَمَّدَهُ بِعَمُودٍ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ وَفِي الْحَدِيثِ شَجَرْنَاهُمْ بِالرِّمَاحِ أَيْ طَعَنَّاهُمُ انْتَهَى أَيْ مَدُّوهَا إِلَيْهِمْ وَطَاعَنُوهُمْ بِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ) أَيْ بَعْضَ الْخَوَارِجِ (وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ) أَيِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ (الْمُخْدَجَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدِهَا نَاقِصَ الْخَلْقِ فَالْوَلَدُ مُخْدَجٌ
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فِي ذِي الثُّدَيَّةِ الْيَدِ أَيْ نَاقِصُ الْيَدِ انْتَهَى (حَتَّى أَتَى نَاسًا) أَيْ مِنَ الْخَوَارِجِ (فَوَجَدُوهُ) أَيِ الْمُخْدَجَ الْخَارِجِيَّ (فَكَبَّرَ) عَلِيٌّ ﵁ (وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ) رِسَالَتَهُ
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رسول الله ﷺ (فقام إِلَيْهِ عُبَيْدَةُ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَ عَلِيًّا ثَلَاثًا وَإِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِيُسْمِعَ الْحَاضِرِينَ وَيُؤَكِّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَيُظْهِرَ لَهُمُ الْمُعْجِزَةَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُظْهِرَ أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَأَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي قِتَالِهِمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
(السَّلْمَانِيُّ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَلْمَانَ جَدُّ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ أَسْلَمَ عُبَيْدَةَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرَهُ وَسَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا وبن مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى
أَيْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي بَابِ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
стр. 4324
[٤٧٦٩] (عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ (أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَضِيءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُهُ عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ (عَلَيْهِ قُرَيْطِقٌ) تَصْغِيرُ قُرْطُقٍ وَهُوَ مُعَرَّبُ كرته كَذَا فِي النِّهَايَةِ (عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ) هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كلاكموش كذا في الصراح أَيْ موش دشتي
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْيَرْبُوعُ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ حَيَوَانٌ طَوِيلُ الرِّجْلَيْنِ قَصِيرُ الْيَدَيْنِ جِدًّا وَلَهُ ذَنَبٌ كَذَنَبِ الْجُرَذِ وَيَسْكُنُ بَطْنَ الْأَرْضِ لِتَقُومَ رُطُوبَتُهَا مَقَامَ الْمَاءِ
قَالَ الْجَاحِظُ وَالْقَزْوِينِيُّ الْيَرْبُوعُ مِنْ نَوْعِ الْفَأْرِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٧٧٠] (أَخْبَرَنَا شَبَابَةٌ) عَلَى وَزْنِ سَحَابَةٍ (إِنْ كَانَ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (يُجَالِسُهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نُجَالِسُهُ (مِثْلُ سِبَالَةِ) بِكَسْرِ السِّينِ قِيلَ السَّبَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ الشَّارِبُ وَجَمْعُهُ السِّبَالُ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 4325
١ - (بَاب فِي قِتَالِ اللُّصُوصِ [ ٤٧٧١])
جَمْعُ اللِّصِّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ السَّارِقُ
(مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ) أَيْ أُخِذَ مَالُهُ (فَقَاتَلَ) أَيْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُ (فَهُوَ شَهِيدٌ) أَيْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَفْظُهُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَخَالَفَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَقَالُوا فِيهِ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَزَادَ فِيهِ مَظْلُومًا انْتَهَى
(مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ من قاتل الصائل على ماله حيوان كان أو غيره فَقُتِلَ فِي الْمُدَافَعَةِ فَهُوَ شَهِيدٌ أَيْ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا أَيْ لَهُ ثَوَابُ شَهِيدٍ [٤٧٧٢] (وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ) أَيْ فِي الدَّفْعِ عَنْ بُضْعِ حَلِيلَتِهِ أَوْ قَرِيبَتِهِ (أَوْ دُونَ دَمِهِ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ أَيْ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالذَّبِّ عَنْهُ وَفِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى
آخَرُ كتاب السننة هَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ وَقَعَتْ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَقَدْ وُجِدَ فِي النُّسْخَتَيْنِ مِنَ السُّنَنِ بَعْدَ قَوْلِهِ آخِرُ كتاب السنة وقبل قوله أول كِتَابُ الْأَدَبِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ وَبَعْضُ الْعِبَارَاتِ فِي حَقِّ بَعْضِ الرُّوَاةِ
стр. 4326
الْأَوَّلُ أَثَرُ الْحَجَّاجِ فِي حَقِّ عُثْمَانَ ﵁ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْخُلَفَاءِ
والثاني حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا اشْفَعُوا
وَالثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا وَهَذَانَ الْحَدِيثَانِ يَأْتِيَانِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ وَإِنِّي تَرَكْتُهَا لِأَجْلِ التَّكْرَارِ وَهِيَ مَعَ كَوْنِهَا مُكَرَّرَةً لَيْسَ لَهَا رَبْطٌ وَتَعَلُّقٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَكَذَا لَمْ تُوجَدْ فِي مُخْتَصَرَةِ الْمُنْذِرِيِّ
وَأَمَّا بَعْضُ الْعِبَارَاتِ المذكورة فهي أيضا غير مربوط بِمَا قَبْلَهَا لَكِنْ أَثْبَتْنَاهَا لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ وَالْعِبَارَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ قَوْلُهُ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ) فِي حَقِّ هَمَّامِ بن يحيى البصري (قال عفان) يعني بن مسلم الأنصاري البصري (كان يحيى) بن
стр. 4327
إِلَى حِفْظِهِ وَلَا إِلَى كِتَابِهِ وَلَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَوَّلًا (فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّسْتُوَائِيُّ الْبَصَرِيُّ إِلَى الْبَصْرَةِ (وَافَقَ) أَيْ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ (هَمَّامًا فِي أَحَادِيثَ) كَانَ يَرْوِيهَا وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُنْكِرُهَا عَلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ (كَانَ يَحْيَى) بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمَّا رَأَى مُوَافَقَةَ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ لِهَمَّامٍ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ (رُبَّمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ مُوَافَقَةَ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ لَهُ فِيهَا (كَيْفَ قَالَ هَمَّامٌ فِي هَذَا) أَيْ فِيمَا رَوَى أَوَّلًا مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ هَمَّامٍ أَيْ فَإِنِّي الْآنَ عَلِمْتُ صِحَّتَهَا وَقَبُولَهَا لِاعْتِضَادِهَا بِمُوَافَقَةِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ لَهُ فِيهَا وَالْمَعْنَى أَنْ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ أَوَّلًا كَانَ يُنْكِرُ عَلَى هَمَّامٍ أَحَادِيثَهُ وَلَا يَقْبَلُهَا فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ الْبَصْرَةَ وَرَأَى أَنَّ مُعَاذًا رَوَى الْأَحَادِيثَ الَّتِي كَانَ يُنْكِرُهَا عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُهَا فَوَافَقَ هَمَّامًا عَلَى رِوَايَةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَرَجَعَ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَى هَمَّامٍ وَصَارَ يَسْأَلُ عَنْ أَحَادِيثِهِ وَيَقْبَلُهَا
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذلك الحافظ بن حَجَرٍ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي (سَمِعَتْ أَحْمَدَ يَقُولُ سَمَاعُ هَؤُلَاءِ) الرُّوَاةِ يَعْنِي (عَفَّانَ) بْنَ مُسْلِمٍ (وَأَصْحَابِهِ) أَيِ الْآخِذِينَ مِثْلَهُ (مِنْ هَمَّامِ) بْنِ يَحْيَى (أَصْلَحُ) أَيْ أَصَحُّ (مِنْ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ مَهْدِيٍّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ عفان أوثق وأحفظ الرواية هَمَّامٍ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بَلِ المراد أن سماع بن مَهْدِيٍّ مِنْهُ قَدِيمًا وَعَفَّانُ وَأَصْحَابُهُ سَمِعُوا مِنْهُ أَخِيرًا وَهَمَّامٌ كَانَ أَوَّلًا يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فيخطىء وَلَا يُرَاجِعُ كُتُبَهُ ثُمَّ (كَانَ يَتَعَاهَدُ كُتُبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهَا أَوَّلًا وَكَانَ لَا يُرَاجِعُهَا فَكَانَ سُوءُ حِفْظِهِ لِعَدَمِ مُرَاجَعَةِ كُتُبِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا حِفْظَ صَدْرٍ وَالْقَوْمُ كَانُوا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْحِفْظِ فَمَنْ كَانَ حِفْظُهُ حِفْظَ صَدْرٍ حِفْظًا ثَابِتًا قَائِمًا فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا وَيَلِيهِمْ فِي الدَّرَجَةِ بَعْدَهُمْ مَنْ كَانَ يُرَاجِعُ كُتُبَهُ
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ) فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ قَتَادَةَ (أَعْلَمُهُمْ بِإِعَادَةِ مَا يَسْمَعُ) مِنْ قَتَادَةَ (مِمَّا لَمْ يَسْمَعُ) مِنْهُ (شُعْبَةُ) وَعِبَارَةُ الْحَافِظِ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ شُعْبَةُ أعلمهم بما
стр. 4328
سَمِعَ مِنْ قَتَادَةَ مِمَّا لَمْ يَسْمَعِ انْتَهَى
أَيْ أَقْدَرُ عَلَى التَّمْيِيزِ بِمَا سَمِعَ مِنْهُ مِمَّا لَمْ يَسْمَعُ مِنْهُ (وَأَرْوَاهُمْ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ رِوَايَةً (هِشَامٌ وَأَحْفَظُهُمْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) وَلَمْ يَكُنْ هَمَّامٌ عِنْدِي بِدُونِ الْقَوْمِ فِي قتادة ذكره الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْمُقَدِّمَةِ تَحْتَ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ المديني المذكور آنفا وما ذكره الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ لِيُوَافِقَ الْمَضْمُونُ لِلْمَضْمُونِ السَّابِقِ (فَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَعَجِّبًا مِنْ كَوْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ جَعَلَ هِشَامًا مُسَاوِيًا لِابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ كَيْفَ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي قِصَّةِ هِشَامٍ) أَيْ فِي حِكَايَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ مساويا لابن أبي عروبة ثم الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ بِأَنْ قَالَ (هَذَا كُلُّهُ) أَيْ مَنْ يَذْكُرُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ هِشَامٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ لَيْسَ ذلك من بن الْمَدِينِيِّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ بَلْ إِنَّهُمْ (يَحْكُونَهُ) أَيْ مَا يَذْكُرُ مِنَ الْمُسَاوَاةِ أَيْ يَحْكِيهِ بَعْضُهُمْ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ) فَإِنَّهُ أَيْ مُعَاذَ بْنَ هِشَامٍ سَاوَى بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُسَلِّمِ الإمام تِلْكَ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا بَلْ صَرَّحَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ أَعْلَى وَأَرْفَعُ مِنْ هِشَامٍ فَقَالَ (أَيْنَ كَانَ يَقَعُ هِشَامٌ مِنْ سَعِيدٍ لَوْ بَرَزَ لَهُ) أَيْ لَوْ قَابَلَهُ وَنَاظَرَهُ فِي عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَعْرِفُ فَضْلَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَكَوْنَهُ أَرْفَعَ مَرْتَبَةً وَأَحْفَظَ وَأَوْثَقَ مِنْ هِشَامٍ فَأَيْنَ دَرَجَةُ هِشَامٍ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَهُ شَيْخُنَا الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي بَعْضِ تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى السُّنَنِ
стр. 4329
٤٠ - كِتَابُ الْأَدَب
(بَاب فِي الْحِلْمِ وَأَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ [ ٤٧٧٣])
(فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ظَاهِرُهُ أَنَّ أَنَسًا قَالَ لَهُ ﷺ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَيْفَ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرًا وَكَيْفَ حَلَفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا وَكَيْفَ حَمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَ الْحَلِفِ وَأَجَابَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ عَنْ بَعْضِ هَذِهِ الْإِيرَادَاتِ بِجَوَابٍ يَصْلُحُ جَوَابًا عَنِ الْكُلِّ فَقَالَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ عَنْ أَنَسٍ فِي صِغَرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ كُنْت أَمْشِي مَعَ النَّبِيّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْد نَجْرَانِيّ غَلِيظ الْحَاشِيَة فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَة شَدِيدَة فَنَظَرْت إِلَى صَفْحَة عَاتِق النَّبِيّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَة الرِّدَاء مِنْ شِدَّة جَبْذَته ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد مُرْ لِي مِنْ مَال اللَّه الَّذِي عِنْدك فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ له بعطاء
стр. 4330
انْتَهَى (فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ) أَيْ فَخَرَجْتُ أَذْهَبُ إِلَى أَنْ مَرَرْتُ عَلَى صِبْيَانٍ وَجَاءَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ (وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ) حَالٌ مِنْ صِبْيَانٍ (فَإِذَا) لِلْمُفَاجَأَةِ (قَابِضٌ) أَيْ آخِذٌ (بِقَفَايَ) بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْقَفَا مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَهُوَ يَضْحَكُ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ (فَقَالَ يَا أُنَيْسُ) تَصْغِيرُ أَنَسٍ (اذْهَبْ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَذَهَبْتَ (سَبْعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تِسْعَ سِنِينَ بِغَيْرِ الشَّكِّ (هَلَّا فَعَلْتَ) هَلَّا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَمَعْنَاهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمَاضِي التَّوْبِيخُ أَوِ اللَّوْمُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ
وَالْمَعْنَى لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ وَكُنْتُ مَأْمُورًا بِهِ لِمَ لَا صَنَعْتَهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيد الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن رجلا قال للنبي ﷺ أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَب فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ
وَفِيهِمَا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قَالَ الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ أَشَدّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَههُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهه
وَزَادَ التِّرْمِذِيّ وإن الله يبغض الفاحش البذي
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان قَالَ سَأَلْت رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ الْبِرّ وَالْإِثْم قَالَ الْبِرّ حُسْن الْخُلُق وَالْإِثْم مَا حَاكَ فِي نَفْسك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِع عَلَيْهِ النَّاس
وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أبي هريرة أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنْ أَكْثَر مَا يُدْخِل النَّاس النَّار فَقَالَ الْفَم وَالْفَرْج وَقَالَ حَدِيث حَسَن صَحِيح
وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أَكْمَل الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنهمْ خُلُقًا وَخِيَاركُمْ خَيْركُمْ لِنِسَائِهِمْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن صَحِيح
وَفِي التِّرْمِذِيّ أَيْضًا عَنْ جَابِر أن رسول الله ﷺ قَالَ إِنَّ مِنْ أَحَبّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبكُمْ مِنِّي مجلسا يوم
стр. 4331
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ تِسْعَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ
[٤٧٧٤] (خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ تِسْعَ سِنِينَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تِسْعُ سِنِينَ وَأَشْهُرٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَخَدَمَهُ أَنَسٌ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الْأُولَى فَفِي رِوَايَةِ التِّسْعِ لَمْ يَحْسِبِ الكسر وفي رواية العشر حبها سَنَةً كَامِلَةً وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْقِيَامَة أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن
وَالثَّرْثَار هُوَ الْكَثِير الْكَلَام بِتَكَلُّفٍ وَالْمُتَشَدِّق الْمُتَطَاوِل على الناس بكلامه الذي يتكلم بِمِلْءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَفَخُّمًا وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ وَالْمُتَفَيْهِق
أَصْله مِنْ الْفَهَق وَهُوَ الِامْتِلَاء وَهُوَ الَّذِي يَمْلَأ فَمه بِالْكَلَامِ وَيَتَوَسَّع فِيهِ تَكَثُّرًا وَارْتِفَاعًا وَإِظْهَارًا لِفَضْلِهِ عَلَى غَيْره قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك حُسْن الْخُلُق طَلَاقَة الْوَجْه وَبَذْل الْمَعْرُوف وَكَفّ الْأَذَى
وَقَالَ غَيْره حُسْن الْخُلُق قِسْمَانِ أَحَدهمَا مَعَ اللَّه وَهُوَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ كُلّ مَا يَكُون مِنْك يُوجِب عُذْرًا وَكُلّ مَا يَأْتِي مِنْ اللَّه يُوجِب شُكْرًا فَلَا تَزَال شَاكِرًا لَهُ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ سَائِرًا إِلَيْهِ بَيْن مُطَالَعَة وَشُهُود عَيْب نَفْسك وَأَعْمَالك
وَالْقِسْم الثَّانِي حُسْن الْخُلُق مَعَ النَّاس
وَجَمَاعَة أَمْرَانِ بَذْل الْمَعْرُوف قَوْلًا وَفِعْلًا وَكَفّ الْأَذَى قَوْلًا وَفِعْلًا
وَهَذَا إِنَّمَا يَقُوم عَلَى أَرْكَان خَمْسَة الْعِلْم وَالْجُود وَالصَّبْر وَطِيب الْعَوْد وَصِحَّة الْإِسْلَام أَمَّا الْعِلْم فَلِأَنَّهُ يَعْرِف مَعَانِي الْأَخْلَاق وَسَفْسَافهَا فَيُمْكِنهُ أَنْ يَتَّصِف بِهَذَا وَيَتَحَلَّى بِهِ وَيَتْرُك هَذَا وَيَتَخَلَّى عَنْهُ
وَأَمَّا الْجُود فَسَمَاحَة نَفْسه وَبَذْلهَا وَانْقِيَادهَا لِذَلِكَ إِذَا أَرَادَهُ مِنْهَا
وَأَمَّا الصَّبْر فَلِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْبِر عَلَى اِحْتِمَال ذَلِكَ وَالْقِيَام بِأَعْبَائِهَا لَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ
وَأَمَّا طِيب الْعَوْد فَأَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى خَلَقَهُ عَلَى طَبِيعَة مُنْقَادَة سَهْلَة الْقِيَاد وَسَرِيعَة الِاسْتِجَابَة لِدَاعِي الْخَيْرَات
وَالطَّبَائِع ثَلَاثَة طَبِيعَة حَجَرِيَّة صُلْبَة قَاسِيَة لَا تَلِين وَلَا تَنْقَاد وَطَبِيعَة مَائِيَّة هَوَائِيَّة سَرِيعَة الِانْقِيَاد مُسْتَجِيبَة لِكُلِّ دَاعٍ كَالْغُصْنِ أَيّ نَسِيم مَرَّ يَعْصِفهُ وَهَاتَانِ مُنْحَرِفَتَانِ
الْأُولَى لَا تَقْبَل وَالثَّانِيَة لَا تَحْفَظ وَطَبِيعَة قَدْ جَمَعَتْ اللِّين وَالصَّلَابَة وَالصَّفَاء فَهِيَ تَقْبَل بِلِينِهَا وَتَحْفَظ بِصَلَابَتِهَا وَتُدْرِك حَقَائِق الْأُمُور بِصَفَائِهَا فَهَذِهِ الطَّبِيعَة الْكَامِلَة الَّتِي يَنْشَأ عَنْهَا كُلّ خَلْق صَحِيح
стр. 4332
(لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي) أَيْ لَيْسَ كُلُّ خِدْمَةٍ مِنْ خِدْمَاتِي الَّتِي خَدَمْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ (كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ يَكُونَ) أَيْ أَمْرِي عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا يَشْتَهِي أَيْ مِمَّا يَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا يَشْتَهِيهِ صَاحِبِي يُرِيدُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ بَلْ كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا يَشْتَهِيهِ ﷺ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا خَالَفَ مَا يَشْتَهِيهِ فِي مُدَّةِ الْخِدْمَةِ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ كَلِمَةَ أُفٍّ قَطُّ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ خُلُقِهِ الْجَمِيلِ (مَا قَالَ لِي فِيهَا) أَيْ فِي مُدَّةِ خِدْمَتِي وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ (أُفٍّ) قَالَ الْحَافِظُ الْأُفُّ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِنْ وَسَخٍ كَقُلَامَةِ الظُّفْرِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا وَيُقَالُ ذَلِكَ لِكُلِّ مُسْتَخَفٍّ بِهِ وَيُقَالُ أَيْضًا عِنْدَ تَكَرُّهِ الشَّيْءِ وَعِنْدَ التَّضَجُّرِ مِنَ الشَّيْءِ
وَفِي أُفٍّ عِدَّةُ لُغَاتٍ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ
قَالَ وَفِيهَا لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ (أَمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بِمَعْنَى أَوْ (أَلَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى هَلَّا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٧٧٥] (فَإِذَا قَامَ قمنا) أي لا نفضاض الْمَجْلِسِ لَا لِلتَّعْظِيمِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ مُقْبِلًا فَكَيْفَ يَقُومُونَ لَهُ مُدْبِرًا (قِيَامًا) أَيْ وُقُوفًا مُمْتَدًّا (حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ) وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ رَجَاءَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ مَعَهُمْ أَوْ يَعْرِضَ لَهُ رُجُوعٌ إِلَى الْجُلُوسِ مَعَهُمْ فَإِذَا أَيِسُوا تَفَرَّقُوا وَلَمْ يَقْعُدُوا لِعَدَمِ حَلَاوَةِ الْجُلُوسِ بَعْدَهُ ﷺ (فَجَبَذَهُ) أَيْ جَذَبَهُ (بِرِدَائِهِ) أَيْ رِدَائِهِ ﷺ (فَحَمَّرَ) مِنَ التَّحْمِيرِ وَهَذَا مِنْ عَادَةِ جُفَاةِ الْعَرَبِ وَخُشُونَتِهِمْ وَعَدَمِ تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِمْ
وَقِيلَ لَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَلِهَذَا قَالَ مَا قَالَ (فَالْتَفَتَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْأَعْرَابِيِّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا) أَيْ لَا أَحْمِلُ لَكَ مِنْ مَالِي (وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا صِحَّة الْإِسْلَام فَهُوَ جِمَاع ذَلِكَ وَالْمُصَحِّح لِكُلِّ خُلُق حَسَن فَإِنَّهُ بِحَسَبِ قُوَّة إِيمَانه وَتَصْدِيقه بِالْجَزَاءِ
وَحُسْن مَوْعُود اللَّه وَثَوَابه يُسَهِّل عَلَيْهِ تَحَمُّل ذَلِكَ
لَهُ الِاتِّصَاف بِهِ وَاَللَّه الموفق المعين
стр. 4333
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ لِأَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ يُوهِمُ نَفْيَ الِاسْتِغْفَارِ وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لِبَيَّاعٍ أَتَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ فَقَالَ لَا عَافَاكَ اللَّهُ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ لَوْ عَلِمْتُمْ قُلْ لَا وَعَافَاكَ اللَّهُ
وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ النَّحْوِ لِأَنَّهُ عِنْدَ حَذْفِهَا يُوهِمُ كَوْنَهُ دُعَاءً عَلَيْهِ وَعِنْدَ ذِكْرِ الْوَاوِ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ انْتَهَى (حَتَّى تُقِيدَنِي) مِنَ الْإِقَادَةِ (فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَاللَّهِ لَا أَقِيدَكَهَا) أَيِ الْجَبْذَةَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَمَالِ كَرَمِهِ ﷺ أَنَّهُ يَعْفُو الْبَتَّةَ
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ)
وَقَدْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ مَا حَذَفَهُ الْمُؤَلِّفُ فَفِيهِ فَلَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ (ثُمَّ دَعَا) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ كَمَالِ خُلُقِهِ ﷺ وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ ثِقَةٌ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قِيلَ أَبُوهُ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ
وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ صَالِحٌ وأبوه ليس بالمشهور
(بَاب فِي الْوَقَارِ [ ٤٧٧٦])
بِفَتْحِ الْوَاوِ
فِي الْقَامُوسِ الْوَقَارُ كَسَحَابِ الرَّزَانَةِ انْتَهَى وَفِي الْمِصْبَاحِ الْوَقَارُ الْحِلْمُ وَالرَّزَانَةُ وَهُوَ مَصْدَرُ وَقُرَ بِالضَّمِّ مِثْلَ جَمُلَ جَمَالًا وَالْوَقَارُ الْعَظَمَةُ أَيْضًا وَوَقُرَ وَقْرًا مِنْ بَابِ وَعَدَ جَلَسَ بِوَقَارٍ انْتَهَى
стр. 4334
(إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الطَّرِيقَةُ الصَّالِحَةُ (وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ حُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالْمَنْظَرِ وَأَصْلُهُ الطَّرِيقُ الْمُنْقَادُ
وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ حُسْنُ هَيْئَتِهِ وَمَنْظَرُهُ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ انْتَهَى (وَالِاقْتِصَادُ) أَيْ سُلُوكُ الْقَصْدِ فِي الْأُمُورِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالدُّخُولُ فِيهَا بِرِفْقٍ عَلَى سَبِيلٍ يُمْكِنُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ (جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) أَيْ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ مَنَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْبِيَاءَهُ فَاقْتَدُوا بِهِمْ فِيهَا وَتَابِعُوهُمْ عَلَيْهَا وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أن النبوة تتجزأ أو لا أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ بِالْأَسْبَابِ وَإِنَّمَا هِيَ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ أَرَادَ إِكْرَامَهُ بِهَا مِنْ عِبَادِهِ وَقَدْ خُتِمَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ
وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ وَقَدْ يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْخِصَالُ تَلَقَّتْهُ النَّاسُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ وَالتَّوْقِيرِ وَأَلْبَسَهُ اللَّهُ لِبَاسَ التَّقْوَى الَّذِي تَلْبَسَهُ أَنْبِيَاؤُهُ فَكَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ لِلْعَزِيزِيِّ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَدْيُ الرَّجُلِ حَالُهُ وَمَذْهَبُهُ وَكَذَلِكَ سَمْتُهُ وَأَصْلُ السَّمْتِ الطَّرِيقُ الْمُنْقَادُ وَالِاقْتِصَادُ سُلُوكُ الْقَصْدِ فِي الْأَمْرِ وَالدُّخُولُ فِيهِ بِرِفْقٍ وَعَلَى سَبِيلٍ يُمْكِنُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ مِنْ شَمَائِلِ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنَ الْخِصَالِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ خَصَائِلِهِمْ وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ خَصَائِلِهِمْ فَاقْتَدُوا بِهِمْ فِيهَا وَتَابِعُوهُمْ عَلَيْهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ الْجَنْبِيُّ كُوفِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَجَنْبٌ بَطْنٌ مِنْ مُذْحِجٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ
وَظَبْيَانُ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وكسرها وبعدها باء بواحدة سَاكِنَةٌ وَيَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةً وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ
(بَاب مَنْ كَظَمَ غَيْظًا)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ كَظْمُ الْغَيْظِ تَجَرُّعُهُ وَاحْتِمَالُ سَبَبِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ
[٤٧٧٧] (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيِ اجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ (أَنْ يُنْفِذَهُ) مِنَ التَّنْفِيذِ وَالْإِنْفَاذِ أي يمضيه
стр. 4335
(دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الْخَلَائِقِ) أَيْ شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ (حَتَّى يُخَيِّرَهُ) أَيْ يَجْعَلُهُ مُخَيَّرًا (مِنْ أَيِّ الْحُورِ الْعِينِ شَاءَ) أَيْ فِي أَخْذِ أَيِّهِنَّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ الْمَنِيعَةَ وَإِيصَالِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا حُمِدَ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بقوله والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَسَهْلُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيُّ ضَعِيفٌ وَالَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو مَرْحُومٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ اللَّيْثِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمِصْرِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٤٧٧٨] (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ كَافٍ وَفَتْحِ رَاءٍ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (قَالَ مَلَأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ دَعَاهُ اللَّهُ) أَيْ قَالَ مَلَأَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا مَكَانَ دَعَاهُ اللَّهُ إِلَخْ (ثَوْبِ جَمَالٍ) أَيْ زَيَّنَةٍ (قَالَ بشر) يعني بن مَنْصُورٍ (أَحْسَبُهُ) أَيْ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ (تَوَاضُعًا) وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ لِتَرَكَ أَيْ أَحْسَبُ وَأَظُنُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَفْظَ تَوَاضُعًا وَلَكِنْ لَا أَجْزِمُهُ (كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ) أَيْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَأَلْبَسَهُ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ (وَمَنْ زَوَّجَ) مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الزَّوَاجِ (لِلَّهِ) أَيِ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِهِ وَقِيلَ مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَفِي الْمِشْكَاةِ مَنْ تَزَوَّجَ لله بزيادة التاء
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ بِأَنْ يَنْزِلَ عَنْ دَرَجَتِهِ فَيَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَدْنَى مَرْتَبَةً مِنْهُ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاةِ رَبِّهِ
أَوْ أَرَادَ بِالتَّزَوُّجِ صِيَانَةَ دِينِهِ وَحِفْظَ نَسْلِهِ (تَوَّجَهُ اللَّهُ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ أَلْبَسَهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِجْلَالِهِ وَتَوْقِيرِهِ أَوْ أُعْطِيَ تَاجًا وَمَمْلَكَةً فِي الْجَنَّةِ
стр. 4336
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رِوَايَةُ مَجْهُولٍ
[٤٧٧٩] (مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ هُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ
وَالصُّرْعَةُ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا انْتَهَى (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃ (وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) أَيْ عِنْدَ ثَوَرَانِهِ فَيَقْهَرُ نَفْسَهُ وَيَكْظِمُ غَضَبَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمُّ مِنْهُ
(بَاب مَا يُقَالُ عِنْدَ الْغَضَبِ [ ٤٧٨٠])
(اسْتَبَّ رَجُلَانِ) أَيْ سَبَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ (حَتَّى خُيِّلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّخْيِيلِ (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ (أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ) أَيْ يَتَشَقَّقُ وَيَتَقَطَّعُ وَالْمُزْعَةُ هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (فَقَالَ مَا هِيَ) أَيْ قَالَ مُعَاذٌ مَا تِلْكَ الْكَلِمَةُ (فَجَعَلَ مُعَاذٌ يَأْمُرُهُ) أَيِ الرَّجُلَ الْغَضْبَانَ بِقَوْلِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ (وَمَحِكَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَمَنَعَ أَيْ لَجَّ فِي الْخُصُومَةِ
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْغَضَبِ أَنْ يَسْتَعِيذَ فَيَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْغَضَبِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حديث مرسل
стр. 4337
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَاتَ مُعَاذٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى غُلَامٌ بن سِتِّ سِنِينَ وَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ ظَاهِرٌ جِدًّا فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْلِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ تُوُفِّيَ فِي الطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ
وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي بْنِ كَعْبٍ وَهَذَا مُتَّصِلٌ
[٤٧٨١] (وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ) هِيَ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ مِنْ عُرُوقٍ يَقْطَعُهَا الذَّابِحُ جَمْعُ وَدَجٍ بِالْحَرَكَةِ وَقِيلَ هُمَا عِرْقَانِ غَلِيظَانِ عَنْ جَانِبَيْ نَقْرَةِ النَّحْرِ (لَوْ قَالَهَا هَذَا) أَيِ الَّذِي احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ (لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ) أَيْ مِنَ الْغَضَبِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) بَدَلٌ مِنْ كَلِمَةٍ (هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَمْ يَتَهَذَّبْ بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَتَوَهَّمَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْجُنُونِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٧٨٢] (فَإِنْ ذهب عنه الغضب) أي فيها (وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَائِمُ مُتَهَيِّئٌ لِلْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ وَالْقَاعِدُ دُونَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَالْمُضْطَجِعُ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ لِئَلَّا يَبْدُرَ مِنْهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ بادرة يندم عليها في ما بَعْدُ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْآتِي
[٤٧٨٣] (عَنْ دَاوُدَ) هُوَ بن أَبِي هِنْدٍ (بَعَثَ أَبَا ذَرٍّ) أَيْ لِحَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ (بِهَذَا
стр. 4338
الْحَدِيثِ) أَيِ الْمَذْكُورِ (وَهَذَا أَصَحُّ الْحَدِيثَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ حَدِيثَ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ يُرِيدُ أَنَّ الْمُرْسَلَ أَصَحُّ وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا يَرْوِي أَبُو حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَا يُحْفَظُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ انْتَهَى
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ إِنَّمَا يَرْوِي أَبُو حَرْبٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَا يُحْفَظُ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ فِيهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ انْتَهَى
[٤٧٨٤] (فَكَلَّمَهُ) أَيْ عُرْوَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ (فَأَغْضَبَهُ) أَيْ أَغْضَبَ الرَّجُلُ عُرْوَةَ (فَقَامَ) أَيْ عُرْوَةُ (إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنْ أَثَرِ وَسْوَسَتِهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنَ النَّارِ) قَالَ تَعَالَى وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وقال خلقتني من نار وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّ الملائكة خلقوا من النور قاله القارىء (وَإِنَّمَا تُطْفَأُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزًا أَيْ تُدْفَعُ (فَلْيَتَوَضَّأْ) أَيْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وضوء
قال المنذري عطية هذا هو بن سعد ويقال بن قيس ويقال بن عَمْرِو بْنِ عُرْوَةَ سَعْدِيٌّ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَنَزَلَ الشَّامَ وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالْبَلْقَا وَلَهُ صُحْبَةٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ
(بَاب فِي التَّجَاوُزِ فِي الْأَمْرِ [ ٤٧٨٥])
(مَا خُيِّرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّخْيِيرِ (إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) فِيهِ
стр. 4339
اسْتِحْبَابُ الْأَخْذِ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَرْفَقِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا
قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون تخييره ﷺ ها هنا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُخَيِّرَهُ فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مِنَ الْقِتَالِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ أَوِ الِاقْتِصَادِ وَكَانَ يَخْتَارُ الْأَيْسَرَ فِي كُلِّ هَذَا
قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَيُتَصَوَّرُ إِذَا خَيَّرَهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ أَيْسَرُ الْأَمْرَيْنِ (إِثْمًا كَانَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَيْسَرِهِمَا الَّذِي يَكُونُ إِثْمًا (إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ) انْتَهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ارْتِكَابُ مَا حَرَّمَهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرْمَةُ اللَّهِ انْتَصَرَ لِلَّهِ تَعَالَى وَانْتَقَمَ مِمَّنِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
[٤٧٨٦] (مَا ضَرَبَ إِلَخْ) فِيهِ أَنَّ ضَرْبَ الزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ وَالدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِلْأَدَبِ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٧٨٧] (فِي قَوْلِهِ) أَيْ فِي تفسير قوله تعالى (خذ العفو) لَمَّا عَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ مَا عَدَّدَهُ وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وَضَلَالِ سَعْيِهِمْ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ يُقَالُ أَخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أَيْ سَهْلًا وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا
وَالْمُرَادُ بِالْعَفْوِ هُنَا ضِدُّ الْجَهْدِ وَالْعَفْوُ التَّسَاهُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَذَا فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ
وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ كَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ وَالْمُسَاهَلَةِ مَعَهُمْ انْتَهَى
стр. 4340
وَفِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ الْمَعْنَى اقْبَلِ الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَلَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَعْصُوا عَلَيْكَ فَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَعْنِي خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَبُولِ الِاعْتِذَارِ مِنْهُمْ وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَنِ الْأَشْيَاءِ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ مَا نَزَلَتْ خذ العفو وأمر بالعرف إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَمِيدِيِّ قَالَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ أَوْ كَمَا قَالَ انْتَهَى كَلَامُ الْخَازِنِ
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وبن أَبِي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عن الجاهلين وَفِي لَفْظٍ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ الناس
وأخرج الحاكم وصححه عن بن عمر في قوله تعالى خذ العفو قَالَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(بَاب فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ [ ٤٧٨٨])
بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيِ الْمُعَاشَرَةِ
(إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءَ) أَيِ الْمَكْرُوهَ (لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ) أَيْ مَا حَالُهُ وَشَأْنُهُ يَعْنِي لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ (وَلَكِنْ يَقُولُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا) احْتِرَازًا عَنِ الْمُوَاجَهَةِ بِالْمَكْرُوهِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ
[٤٧٨٩] (أَخْبَرَنَا سَلْمٌ) بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ (وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) أَيْ عَلَى جَسَدِهِ أو على
стр. 4341
ثَوْبِهِ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ (فَلَمَّا خَرَجَ) أَيِ الرَّجُلُ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَوْ أَمَرْتُمْ) الْخِطَابُ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (هَذَا) أَيِ الرَّجُلُ (أَنْ يَغْسِلَ ذَا) أَيِ الْأَثَرَ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (لَيْسَ هُوَ عَلَوِيًّا) أَيْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيٍّ ﵁ بَلْ كَانَ يُبْصِرُ فِي النُّجُومِ أَيْ يُبْصِرُ فِي الْعُلُوِّ لِأَنَّ النُّجُومَ فِي الْعُلُوِّ فَنُسِبَ إِلَيْهِ (فَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكسر الجيم أي لم يقبل بن أَرْطَاةَ شَهَادَةَ سَلْمٍ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ ضَعَّفَهُ بن مَعِينٍ وَقَالَ شُعْبَةُ ذَاكَ الَّذِي يَرَى الْهِلَالَ قَبْلَ النَّاسِ بِلَيْلَتَيْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وسلم هذا هو بن قَيْسٍ بَصْرِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٤٧٩٠] (الْحَجَّاجُ بْنُ فُرَافِصَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ (رَفَعَاهُ) أَيْ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلْحَدِيثِ يَعْنِي رَوَيَاهُ مَرْفُوعًا (الْمُؤْمِنُ غِرٌّ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (كَرِيمٌ) أَيْ مَوْصُوفٌ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ لَهُ الِاغْتِرَارُ لِكَرَمِهِ (وَالْفَاجِرُ) أَيِ الْفَاسِقُ (خَبٌّ) بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْفَسَادِ وَالتَّخَبُّبُ إِفْسَادُ زَوْجَةِ الْغَيْرِ أَوْ عَبْدِهِ (لَئِيمٌ) أَيْ بخيل لجوج سيء الْخُلُقِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْوَصْفُ الثَّانِي سَبَبٌ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ نَتِيجَةُ الثَّانِي فَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ التذييل والتكميل قاله القارىء
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَنْ كَانَ طَبْعُهُ وَشِيمَتُهُ الْغِرَارَةَ وَقِلَّةَ الْفِطْنَةِ لِلشَّرِّ وَتَرْكَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ جَهْلًا لَكِنَّهُ كرم وحسن
стр. 4342
خُلُقٍ وَأَنَّ الْفَاجِرَ هُوَ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْخِبَّ وَالدَّهَاءَ وَالْوُغُولَ فِي مَعْرِفَةِ الشَّرِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ عَقْلًا وَلَكِنَّهُ خِبٌّ وَلَؤُمٌ انْتَهَى
وقال بن الْأَثِيرِ الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ أَيْ لَيْسَ بِذِي مكر فهو ينخدع لا نقياده وَلِينِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْخِبِّ يُقَالُ فَتًى غِرٌّ وَفَتَاةٌ غِرٌّ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَدَهَا الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ عَلَى الْمَصَابِيحِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَقَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهِ مَوْصُولًا
وَقَالَ أَسْنَدَهُ المتقدمون من أصحاب الثوري
وحجاج قال بن مَعِينٍ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ وَلَمْ يَحْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِبِشْرٍ وَلَا بِحَجَّاجٍ
قَالَ الْحَافِظُ بَلِ الْحَجَّاجُ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَبِشْرُ بْنُ رَافِعٍ أَضْعَفُ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُتَّجَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ هَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ بن معين لا بأس به وقال بن عَدِيٍّ لَمْ أَجِدْ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِهِ فَتَعَيَّنَ الْمُبْهَمُ أَنَّهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَحَجَّاجٌ هذا قال فيه بن معين لا بأس به وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ شَيْخٌ صَالِحٌ مُتَعَبِّدٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَتَوْثِيقِ الْأَوَّلِينَ مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ وَحَصَلَتْ بِرِوَايَةِ حَجَّاجٍ هَذَا الْمُتَابَعَةُ لِبِشْرِ بْنِ رَافِعٍ فِي الْحَدِيثِ وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْغَرَابَةِ فَالْحَدِيثُ بِرِوَايَتِهِمَا لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ الْحَارِثِيُّ الْيَمَامِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٤٧٩١] (اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ) أَيْ طَلَبَ الْإِذْنَ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي الدخول عليه (بئس بن الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ) أَوْ لِلشَّكِّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَيْ بِئْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْعَشِيرَةُ الْقَبِيلَةُ أَيْ بِئْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْعَشِيرَةِ كَمَا يُقَالُ يَا أَخَا الْعَرَبِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ
قَالَ الْقَاضِي هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ
стр. 4343
الْإِسْلَامَ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ حَالَهُ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ
قَالَ وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ مَا دَلَّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ (ثُمَّ قَالَ ائْذَنُوا) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَصْلًا أَيْ أَعْطُوا الْإِذْنَ (أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ) أَيْ قَالَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا (مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَمَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدٌ (لِاتِّقَاءِ فُحْشِهِ) أَيْ لِأَجْلِ قَبِيحِ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ اتِّقَاءَ شَرِّهِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ غَيْبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْبِدْعَةِ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى
ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا وَهِيَ مُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّتْ وَالْمُدَاهَنَةُ تَرْكُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ فِي مكاملته وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ حَقٌّ وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ وَقِيلَ هُوَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ وَالِدُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁
[٤٧٩٢] (الَّذِينَ يُكْرَمُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِكْرَامِ أَيْ يُكْرِمُهُمُ النَّاسُ وَيُوَقِّرُونَهُمْ (اتِّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ لِيُكْرَمُونَ أَيْ لِأَجْلِ اتِّقَاءِ أَلْسِنَتِهِمْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ من عائشة
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحهما حديث مجاهد عن عائشة
стр. 4344
[٤٧٩٣] (الْتَقَمَ أُذُنَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ وَضَعَ فَمَهُ عَلَى أُذُنِهِ ﷺ لِلتَّنَاجِي (فَيُنَحِّي رَأْسَهُ) الضَّمِيرَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ أَبُو فَضَالَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ
قَالَ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثِقَةٌ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ والنسائي
[٤٧٩٤] (انْبَسَطَ إِلَيْهِ) أَيْ تَبَسَّمَ لَهُ وَأَلَانَ الْقَوْلَ لَهُ وَقِيلَ أَيْ جَعَلَهُ قَرِيبًا مِنْ نَفْسِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلُ الْفُحْشِ زِيَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى مِقْدَارِهِ يَقُولُ ﷺ إِنَّ اسْتِقْبَالَ الْمَرْءِ صَاحِبَهُ بِعُيُوبِهِ إِفْحَاشٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَتَأَنَّى بِهِ وَيَرْفُقَ بِهِ وَيُكَنِّيَ فِي الْقَوْلِ وَيُوَرِّيَ وَلَا يُصَرِّحَ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْفَاحِشُ وَالْفَحِشُ فِي كَلَامِهِ وَفِعَالِهِ وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَتَكَلَّفُ ذلك ويتعمده
والحديث سكت عنه المنذري
(بَاب فِي الْحَيَاءِ [ ٤٧٩٥])
بِالْمَدِّ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ
وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ
كَذَا قَالَ الْحَافِظُ
стр. 4345
(وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ وَيَزْجُرُهُ عَنْ كَثْرَتِهِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَيْ يَنْصَحُهُ أَوْ يُخَوِّفُهُ أَوْ يُذَكِّرُهُ
كَذَا شَرَحُوهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا جَاءَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ وَلَفْظُهُ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ (دَعْهُ) أَيِ اتْرُكْهُ عَلَى حَالِهِ (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ شُعَبِهِ
قَالُوا
إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَاكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٤٧٩٦] (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) هُوَ تَمِيمُ بْنُ نُذَيْرٍ الْعَدَوِيُّ الْبَصْرِيُّ
وَقِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ﵁
وَنُذَيْرٌ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ ظَرْفُ مَكَانٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ (بُشَيْرُ) بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيُّ جَلِيلٌ (الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ أَوْ قَالَ الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ) أَوْ لِلشَّكِّ
قَالَ الْحَافِظُ أَشْكَلَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدُّ صَاحِبَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَيَاءٌ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ انْتَهَى (أَنَّ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْحَيَاءِ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ (سَكِينَةً وَوَقَارًا) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى كَلَامِ بُشَيْرٍ أَنَّ مِنَ الْحَيَاءِ مَا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الْوَقَارِ بِأَنْ يُوَقِّرَ غَيْرَهُ وَيَتَوَقَّرَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَمِنْهُ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يسكن عن كثير مما يتحرك النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِذِي الْمُرُوءَةِ (وَمِنْهُ ضَعْفًا) بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ أَيْ كَالْحَيَاءِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ (فَغَضِبَ عِمْرَانُ) وَسَبَبُ غَضَبِهِ وَإِنْكَارِهِ عَلَى بُشَيْرٍ لِكَوْنِهِ قَالَ وَمِنْهُ ضَعْفًا بَعْدَ سَمَاعِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَقِيلَ إِنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَاقَهُ فِي مَعْرِضِ مَنْ يعارض كلام
следующие страницы →