Полный текст (4 665 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ ﵀ وَرَدَّ كَلَامَهُ فَعَلَيْكَ بِمُطَالَعَةِ الْمَدْخَلِ وَفَتْحِ الْبَارِي (أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ (عَلَى حكم سعد) أي بن مُعَاذٍ لِكَوْنِهِمْ مِنْ حُلَفَاءِ قَوْمِهِ (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أَيْ رَسُولًا (أَقْمَرَ) أَيْ أَبْيَضَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ لِلْأَنْصَارِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ إلى خيركم) شك من الراوي
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ أَيْ لِتَعْظِيمِهِ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ وَلِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ قُومُوا لِإِعَانَتِهِ فِي النُّزُولِ عَنِ الْحِمَارِ إِذْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ وَأَثَرُ جَرْحٍ أَصَابَ أَكْحَلَهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَوْ أَرَادَ تَعْظِيمَهُ لَقَالَ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ تَخْصِيصُ الْأَنْصَارِ وَالتَّنْصِيصُ عَلَى السِّيَادَةِ الْمُضَافَةِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ مَا كَانُوا يَقُومُونَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قَالَتْ قَدِمَ زَيْد بْن حَارِثَة الْمَدِينَة وَرَسُول اللَّه ﷺ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَاب فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ يَجُرّ ثَوْبه فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ حَدِيث حَسَن
وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ لَمْ يَكُنْ شَخْص أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَته لِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيب بْن الشَّهِيد عَنْ أَبِي مِجْلَز قَالَ خَرَجَ مُعَاوِيَة فَقَامَ عبد الله بن الزبير وبن صَفْوَان حِين رَأَوْهُ فَقَالَ اِجْلِسَا سَمِعْت رَسُول الله ﷺ يقول من سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن
حَدَّثَنَا هَنَّاد حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ حَبِيب بْن الشَّهِيد عَنْ أَبِي مِجْلَز عَنْ مُعَاوِيَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِثْله
وَهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط الصَّحِيح قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُوم الرَّجُل لِلرَّجُلِ فِي حَضْرَته وَهُوَ قَاعِد فَإِنَّ مُعَاوِيَة رَوَى الْخَبَر لَمَّا قَامَا لَهُ حِين خَرَجَ
وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة فَالْقِيَام فِيهَا عَارِض لِلْقَادِمِ
مَعَ أَنَّهُ قِيَام إِلَى الرَّجُل لِلِقَائِهِ لَا قِيَامًا لَهُ وَهُوَ وَجْه حَدِيث فَاطِمَة
فَالْمَذْمُوم الْقِيَام لِلرَّجُلِ
وَأَمَّا الْقِيَام إِلَيْهِ لِلتَّلَقِّي إِذَا قَدِمَ فَلَا بَأْس بِهِ
وَبِهَذَا تَجْتَمِع الْأَحَادِيث
والله أعلم
стр. 4622
له ﷺ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْخَلْقِ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي
انتهى كلام القارىء
قلت أراد بما سيأتي حديث أنس ﵁ قَالَ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَاهُ قُومُوا لِإِعَانَتِهِ فِي النُّزُولِ عَنِ الْحِمَارِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ قَالَ الْحَافِظُ سَنَدُهُ حَسَنٌ قَالَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَخْدِشُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ سَعْدٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ الْقِيَامُ لِلتَّعْظِيمِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَالْأَقْمَرُ هُوَ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ وَالْأُنْثَى قَمْرَاءُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٥٢١٧] (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَدَلًّا) بِفَتْحِ دَالٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ (وَهَدْيًا) بِفَتْحٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وَحُكِيَ عَنْ شُعْبَة قَالَ سَأَلْت عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة فَقَالَ يُعْرَف وَيُنْكَر
هَذَا آخِر كَلَامه
وَهَذَا الْحَدِيث يَرْوِيه شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة عَنْ صَفْوَان بْن عَسَّال
وَفِي نَفْس الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُنْكَر جِدًّا فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ تِسْع آيَات بَيِّنَات فَقَالَ لَهُمْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ إِلَى آخِره وَالْآيَات التِّسْع الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن إِنَّمَا كَانَتْ آيَات نُبُوَّته وَمُعْجِزَات صِدْقه كَالْعَصَا وَالْيَد وَبَاقِي الْآيَات
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْع آيَات بَيِّنَات فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيل إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْن إِنِّي لَأَظُنّك يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْت مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بَصَائِر وَإِنِّي لَأَظُنّك يَا فِرْعَوْن مَثْبُورًا﴾ فَهَذِهِ آيَات النُّبُوَّة قَبْل نُزُول آيَات الْحُكْم وَالشَّرْع
وَهَذَا بَيِّن بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى
стр. 4623
فَسُكُونٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي فَمَعْنَاهَا الْهَيْئَةُ وَالطَّرِيقَةُ وَحُسْنُ الْحَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ انْتَهَى
وَفَسَّرَ الرَّاغِبُ الدَّلَّ بِحُسْنِ الشمائل (وقال الحسن) هو بن عَلِيٍّ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ (وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنُ) هو بن عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ (مِنْ فَاطِمَةَ) صِلَةُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَعْنِي أَشْبَهَ (كَانَتْ) أَيْ فَاطِمَةُ (إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَامَ إِلَيْهَا) أَيْ مُسْتَقْبِلًا وَمُتَوَجِّهًا (فقبلها) قال القارىء أَيْ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهَا أَوْ رَأْسَهَا (وَكَانَ إِذَا دَخَلَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَقَبَّلَتْهُ) أَيْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْيَدُ الْمُنِيفَةُ
وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الْقِيَامِ الْمُتَنَازَعِ وأجاب عنه بن الْحَاجِّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ لَهَا لِأَجْلِ إِجْلَاسِهَا فِي مَكَانِهِ إِكْرَامًا لَهَا لَا عَلَى وجه القيام المنازع فيه ولاسيما مَا عُرِفَ مِنْ ضِيقِ بُيُوتِهِمْ وَقِلَّةِ الْفُرُشِ فِيهَا فَكَانَتْ إِرَادَةُ إِجْلَاسِهِ لَهَا فِي مَوْضِعِهِ مُسْتَلْزِمَةً لِقِيَامِهِ وَأَمْعَنَ فِي بَسْطِ ذَلِكَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
٦٠ - (بَاب فِي قُبْلَةِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ)
[٥٢١٨] (أَبْصَرَ) أَيْ رَأَى (وَهُوَ يُقَبِّلُ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ ثَانِيهِ بِمَعْنَى الْأَوْلَادِ (مَا فَعَلْتُ هَذَا) أَيِ التَّقْبِيلَ (مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ) الْفِعْلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْمَفْعُولِ وَرُوِيَ الْفِعْلَانِ مَرْفُوعَيْنِ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَنْ مَوْصُولَةً وَمَجْزُومَيْنِ عَلَى أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الرَّحْمَةِ الْأُولَى الشَّفَقَةُ عَلَى الْأَوْلَادِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ وَأَنْ يُرَادَ أَعَمَّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم والترمذي
стр. 4624
[٥٢١٩] (أَبْشِرِي) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (قَدْ أُنْزِلَ عُذْرُكِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ (وَقَرَأَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى عَائِشَةَ (الْقُرْآنَ) أَيْ آيَاتِ بَرَاءَتِهَا من قوله تعالى إن الذين جاؤوا بالإفك إِلَخْ (فَقَالَ أَبَوَايَ) أَيْ أَبِي أَبُو بَكْرٍ وَأُمِّي أُمُّ رُومَانَ (قُومِي فَقَبِّلِي) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (لَا إِيَّاكُمَا) أَيْ لَا أَحْمَدُ إِيَّاكُمَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
٦١ - (بَاب فِي قُبْلَةِ مَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ)
[٥٢٢٠] (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيِ اسْتَقْبَلَهُ حِينَ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ (فَالْتَزَمَهُ) أَيْ عَانَقَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ وَأَجْلَحُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
٦٢ - (بَاب فِي قُبْلَةِ الْخَدِّ)
[٥٢٢١] (عَنْ إِيَاسِ بْنِ دَغْفَلٍ) بِفَتْحِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ فَاءٍ (رَأَيْتُ أَبَا نَضْرَةَ) بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ اسْمُهُ مُنْذِرُ بْنُ مَالِكٍ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (قَبَّلَ خَدَّ الْحَسَنِ ﵁ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ الْحَسَنُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ
стр. 4625
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ الْحَرَّانِيُّ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ وَأَبُو نَضْرَةَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قطعة العوقي البصري تابعي والحسن هو بن أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَدَغْفَلٌ هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا فَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَلَامٌ وَنَضْرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ وَالْعَوَقَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا وَاوٌ مَفْتُوحَةٌ وَقَافٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ بَطْنٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ
[٥٢٢٢] (أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ أَوَّلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ (قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَقْصُورًا (يَا بُنَيَّةُ) تَصْغِيرُ بِنْتٍ لِلشَّفَقَةِ (وَقَبَّلَ خَدَّهَا) أَيْ لِلْمَرْحَمَةِ وَالْمَوَدَّةِ أَوْ مراعاة للسنة قاله القارىء
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٦٣ - (بَاب فِي قُبْلَةِ الْيَدِ)
[٥٢٢٣] (وَذَكَرَ قِصَّةً) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ (فَدَنَوْنَا) أَيْ قَرُبْنَا
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا من حديث يزيد يعني بن أَبِي زِيَادٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ وَهُوَ أَبُو الْعَالِيَةِ الْكُوفِيُّ وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵃ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِصَاحِبِهِ اذهب بنا إلى هذا النبي قَالَ فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ وَفِي الباب عن يزيد بن الأسود وبن عُمَرَ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
стр. 4626
وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ النَّسَائِيِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الأصبهاني المقرئ جزأ فِي الرُّخْصَةِ فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ ذَكَرَ فِيهِ حديث بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَبُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ وَبُرَيْدَةَ الْعَبْدِيِّ وَالزَّارِعِ بْنِ عَامِرٍ الْعَبْدِيِّ وَذَكَرَ فِيهِ آثَارًا صَحِيحَةً عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَالِكًا أَنْكَرَهُ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ إِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّعْظِيمِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَأَمَّا إِذَا قَبَّلَ إِنْسَانٌ يَدَ إِنْسَانٍ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَتَقْبِيلُ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِدُنْيَا أَوْ لِسُلْطَانٍ أَوْ لِشِبْهِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّكَبُّرِ فَلَا يَجُوزُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٦٤ - (بَاب فِي قُبْلَةِ الْجَسَدِ)
[٥٢٢٤] (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا (رَجُلٍ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أُسَيْدٍ أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (قَالَ بَيْنَمَا هُوَ) أَيْ أُسَيْدٌ وَالْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ وَأَمَّا الْمِزَاحُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَصْدَرُ مَازَحَهُ وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ إِلَّا أَنَّ الضَّمَّ مَصْدَرُ الْمُجَرَّدِ وَالْكَسْرَ مَصْدَرُ الْمَزِيدِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ (فِي خَاصِرَتِهِ) مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ تهى كاه (فَقَالَ) أَيْ أُسَيْدٌ (أَصْبِرْنِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَقْدِرْنِي وَمَكِّنِّي مِنَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ حَتَّى أَطْعَنَ فِي خَاصِرَتِكَ كَمَا طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِي (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (اصْطَبِرْ) أَيِ اسْتَوْفِ الْقِصَاصَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى أَصْبِرْنِي أَقِدْنِي مِنْ نَفْسِكَ وَمَعْنَى اصْطَبِرِ اسْتَقِدْ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَعَنَ إِنْسَانًا بِقَضِيبٍ مُدَاعَبَةً فَقَالَ لَهُ أَصْبِرْنِي قَالَ اصْطَبِرْ أَيْ أَقِدْنِي مِنْ نَفْسِكَ قَالَ اسْتَقِدْ يُقَالُ اصْطَبَرَ فُلَانٌ مِنْ خَصْمِهِ وَاصْطَبَرَ أَيِ اقْتَصَّ مِنْهُ وَأَصْبَرَهُ الْحَاكِمُ
стр. 4627
أَيْ أَقَصَّهُ مِنْ خَصْمِهِ
انْتَهَى (فَاحْتَضَنَهُ) أَيِ اعْتَنَقَهُ وَأَخَذَهُ فِي حِضْنِهِ وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبْطِ إِلَى الْكَشْحِ (وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ) هُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إِلَى الضِّلْعِ الْأَقْصَرِ مِنْ أَضْلَاعِ الْجَنْبِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ كَشْحُ تهيكاه (قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا) أَيْ مَا أَرَدْتُ بِقَوْلِي أَصْبِرْنِي إِلَّا هَذَا التَّقْبِيلَ وَمَا أَرَدْتُ حَقِيقَةَ الْقِصَاصِ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري
٦٥ - (باب قبلة الرجل)
[٥٢٢٥] بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ
(أَخْبَرَنَا مَطَرُ) بِفَتْحَتَيْنِ (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْنَقُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ (وَكَانَ) أَيْ زَارِعٌ (فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ) أَيْ فِي مَا بَيْنَهُمْ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ (فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ) أَيْ فِي النُّزُولِ مِنْ رَوَاحِلِنَا (وَانْتَظَرَ الْمُنْذِرُ الْأَشَجُّ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ أَشَجُّ عَبْدِ الْقَيْسِ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْدِيُّ انْتَهَى
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ رَوَى أَنَّهُ لَمَّا وَفْدَ عَبْدُ الْقَيْسِ تَبَادَرُوا مِنْ رَوَاحِلِهِمْ وَسَقَطُوا عَنْهَا عَلَى الْأَرْضِ وَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا وَقَرَّرَهُمُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَالَّذِي كَانَ رَأْسَهُمْ وَمُقَدَّمَهُمُ اسْمُهُ الْأَشَجُّ نَزَلَ أَوَّلًا فِي مَنْزِلٍ لَهُ وَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ الْبِيضَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا فَقَصَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاضِعًا خَاشِعًا بِتَأَنِّي وَوَقَارٍ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَدَبَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ فِيكَ خُلَّتَيْنِ إِلَى آخِرِهِ انْتَهَى (عَيْبَتَهُ) بِفَتْحِ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (لَهُ) أَيْ لِلْمُنْذِرِ الْأَشَجِّ (خُلَّتَيْنِ) أَيْ خَصْلَتَيْنِ (الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ) رُوِيَا مَرْفُوعَيْنِ وَمَنْصُوبَيْنِ الْحِلْمُ بِكَسْرِ الْحَاءِ تَأْخِيرُ مُكَافَأَةِ الظَّالِمِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِعْجَالِهِ وَتَرَاخِيهِ حَتَّى
стр. 4628
يَنْظُرَ فِي مَصَالِحِهِ وَالْأَنَاةُ عَلَى وَزْنِ الْقَنَاةِ هُوَ التَّثَبُّتُ وَالْوَقَارُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ الْمَلَكِ (جَبَلَنِي) أَيْ خَلَقَنِي
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْأَرْجُلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِزَارِعٍ غَيْرَهُ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو النَّمَرِيُّ أَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو الزَّارِعِ وَأَنَّ لَهُ ابْنًا يُسَمَّى الزَّارِعُ وَبِهِ كَانَ يُكْنَى وَأَنَّ حَدِيثَهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَأَنَّ حَدِيثَهُ هَذَا حَسَنٌ
٦٦ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ)
[٥٢٢٦] فِدًى بِالْكَسْرِ مَقْصُورٌ وَيُفْتَحُ أَيْضًا لَكِنَّهُ مَرْجُوحٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ بِأَنَّ الْكَسْرَ مَعَ الْقَصْرِ هُوَ الرَّاجِحُ وَالْفَتْحَ مَرْجُوحٌ
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ قَالَ الْفَرَّاءُ إِذَا فَتَحُوا الْفَاءَ قَصَرُوا فَقَالُوا فَدًى لَكَ وَإِذَا كَسَرُوا الْفَاءَ مَدُّوا وَرُبَّمَا كَسَرُوا الْفَاءَ وَقَصَرُوا فَقَالُوا هُمْ فِدًى لَكَ
وَأَيْضًا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ سَمِعْتُ الْأَخْفَشَ يَقُولُ لَا يُقْصَرُ الْفِدَاءُ بِكَسْرِ الْفَاءِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُورُ هُوَ الْمَفْتُوحُ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْفِدَاءُ إِذَا كُسِرَ أَوَّلُهُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ وَإِذَا فُتِحَ فَهُوَ مَقْصُورٌ انْتَهَى
وَيُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الدُّعَاءُ عَلَى النَّوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا حِفْظُ الْإِنْسَانِ وَإِخْلَاصُهُ عَنِ النَّائِبَةِ بِبَذْلِ الْمَالِ عَنْهُ
قَالَهُ الرَّاغِبُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فدية طعام مسكين أَيْ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أَنْ يَحْفَظُوا وَيُخَلِّصُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ النَّائِبَةِ أَيْ تَكْلِيفِ الصَّوْمِ أَوْ عَذَابِ عَدَمِ الصَّوْمِ بِبَذْلِ الْمَالِ عَنْهُمْ وَهُوَ إِطْعَامُ الْمِسْكِينِ فَكَانَ مَعْنَى الْجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي أَنْ أَحْفَظَكَ عَنِ النَّوَائِبِ بِبَذْلِ الْمَالِ عنك
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر
فَقَالَ إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّه بَيْن أَنْ يُؤْتِيه مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا وَبَيْن مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْده فَبَكَى أَبُو بَكْر وَقَالَ فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا الْحَدِيث
وَهَذَا كَانَ بَعْد إِسْلَام أَبِي قُحَافَة فإنه خطب بهذه الخطبة قبيل وفاته ﷺ بِقَلِيلٍ
وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيث الزُّبَيْر وَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذ بِهِ مِنْهُ
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 4629
وَالثَّانِي إِقَامَةُ الشَّيْءِ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي دَفْعِ الْمَكَارِهِ
قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى وفديناه بذبح عظيم أَيْ أَقَمْنَا ذِبْحًا عَظِيمًا مَقَامَ إِسْمَاعِيلَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ يَعْنِي الذَّبْحَ عَنْهُ فَكَانَ مَعْنَى الْجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُكَ عَنِ الْمَكَارِهِ وَجَعَلَنِي قَائِمًا مَقَامَكَ فِي دَفْعِهَا عَنْكَ وَيَعْرِضُ لِي مَا يَعْرِضُ لَكَ مِنَ النَّوَائِبِ وَالْمَكَارِهِ فِي عِوَضِكَ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الصَّرِيحُ فِي الْمَقْصُودِ تَقُولُ الْعَرَبُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَيْ أَبِي وَأُمِّي يَنُوبَانِ مَنَابَكَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْكَ
وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ لِلنَّابِغَةِ مَهْلًا فِدَاءً لَكَ الْأَقْوَامُ كلهم وما أثمر من مال ومن ولدإ أَيِ الْأَقْوَامُ كُلُّهُمْ وَجَمِيعُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ يَنُوبُونَ مَنَابَكَ فِي دَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْكَ وَيَعْرِضُ لَهُمْ فِي عِوَضِكَ مَا يَعْرِضُ لَكَ مِنَ النَّوَائِبِ وَالْمَكَارِهِ وَأَنْتَ تَسْلَمُ وَتُحْفَظُ مِنْهَا
وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَبَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ أَيْ هَلْ يُبَاحُ أَوْ يُكْرَهُ وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الْأَخْبَارَ الدَّالَّةَ عَلَى الْجَوَازِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَجَزَمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِسُلْطَانِهِ وَلِكَبِيرِهِ وَلِذَوِي الْعِلْمِ وَلِمَنْ أَحَبَّ مِنْ إِخْوَانِهِ غَيْرَ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ تَوْقِيرَهُ وَاسْتِعْطَافَهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا لَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ قَائِلَ ذلك ولا أعلمه أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ في الترجمة
قال للطبراني فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ انْتَهَى
(فَقُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) يَجِيءُ مَعْنَاهُ فِي بَابِ الرَّجُلِ يُنَادِي الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ (وَأَنَا فِدَاكَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِدَاؤُكَ وَفِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ مَكَانَ وَأَنَا فِدَاكَ
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ بِكَسْرِ فَاءٍ وَفَتْحِهَا مَدًّا وَقَصْرًا وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِيِ تَحْتَ قَوْلِهِ فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا
قَالَ الْمَازَرِيُّ لَا يُقَالُ اللَّهُ فِدَاءً لَكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ لِشَخْصٍ فَيُخْتَارُ شَخْصٌ آخَرُ أَنْ يَحِلَّ بِهِ دُونَ ذَلِكَ الْآخَرِ وَيَفْدِيَهُ فَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ عَنِ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ نَفْسِي مَبْذُولَةٌ لِرِضَاكَ أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَامِ انْتَهَى
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلُ جَوَازِ قَوْلِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ أَوْ أَنَا فِدَاؤُكَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 4630
٦٧ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا)
[٥٢٢٧] (عَنْ قَتَادَةَ أَوْ غَيْرِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا) أَيْ أَقَرَّ بِكَ عَيْنَ مَنْ تُحِبُّهُ أَوْ أَقَرَّ عَيْنَكَ بِمَنْ تُحِبُّهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ وَالْمَعْنَى أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بِمَنْ تُحِبُّهُ وَعَيْنًا تَمْيِيزٌ مِنَ الْمَفْعُولِ أَوْ بِمَا تُحِبُّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ أَنْعَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي النَّعِيمِ فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَقِيلَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ أَنْعَمَ اللَّهُ بِسَبَبِكَ عَيْنًا أَيْ عَيْنَ مَنْ يُحِبُّكَ انْتَهَى (وَأَنْعِمَ) قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بِقَطْعِ هَمْزٍ وَكَسْرِ عَيْنٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ عَيْنٍ مِنَ النُّعُومَةِ (صَبَاحًا) تَمْيِيزٌ أَوْ ظَرْفٌ أَيْ طَابَ عَيْشُكَ فِي الصَّبَاحِ (فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ) أَيْ وُجِدَ (نُهِينَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ مَعْمَرٌ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إِلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ مَا حَاصِلُهُ إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَبْنَى النَّهْيِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَكِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا فَإِذَا تَغَيَّرَ ذَلِكَ مَا بَقِيَ لَهُ حُكْمُ تَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ انْتَهَى
وقال الإمام بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ مُطَرِّفٍ لَا تَقُلْ نَعِمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْعَمُ بِأَحَدٍ عَيْنًا وَلَكِنْ قُلْ أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ مُطَرِّفٌ صَحِيحٌ فَصِيحٌ فِي كَلَامِهِمْ وَعَيْنًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ مِنَ الْكَافِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْمَعْنَى نَعِمَكَ اللَّهُ عَيْنًا أَيْ نَعِمَ عَيْنَكَ وَأَقَرَّهَا وَقَدْ يَحْذِفُونَ الْجَارَّ وَيُوصِلُونَ الْفِعْلَ فَيَقُولُونَ نَعِمَكَ اللَّهُ عَيْنًا وَأَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا فَالْبَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ كَافِيَةٌ فِي التَّعْدِيَةِ تَقُولُ نَعِمَ زَيْدٌ عَيْنًا وَأَنْعَمَهُ اللَّهُ عَيْنًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنْعَمَ إِذَا دَخَلَ فِي النَّعِيمِ فَيَتَعَدَّى بِالْبَاءِ
قَالَ وَلَعَلَّ مُطَرِّفًا خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ انْتِصَابَ الْمُمَيَّزِ فِي هَذَا الْكَلَامِ عَنِ الْفَاعِلِ فَاسْتَعْظَمَهُ تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَوَاسِّ عُلُوًّا كَبِيرًا كَمَا يَقُولُونَ نَعِمْتَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَيْنًا وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ فَحَسِبَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي نَعِمَ اللَّهُ بِكَ عينا كذلك انتهى كلامه
стр. 4631
٦٨ - (باب الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ حَفِظَكَ اللَّهُ)
[٥٢٢٨] (فَانْطَلَقَ سَرَعَانٌ مِنَ النَّاسِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُرْوَى بِإِسْكَانِ الرَّاءِ هُمُ الْمُسْرِعُونَ إِلَى الْخُرُوجِ كَذَا فِي السُّبُلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصلاة مختصرا أيضا وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَرَعَانٍ
٦٩ - (باب الرجل يقوم للرجل يعظمه)
[٥٢٢٩] بذلك (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ) كَيَنْصُرَ أَيْ يقوم وينتصب له (فليتبوأ) أي فليهيء أمر بمعنى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه اللَّه تَعَالَى عَلَى قَوْل الْمُنْذِرِيِّ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر عن جابر أنهم لما صلوا خلفه ﷺ
قَالَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا أَنْ تَفْعَلُوا فِعْل فَارِس وَالرُّوم الْحَدِيث
وَحَمْل أَحَادِيث النَّهْي عَنْ الْقِيَام عَلَى مِثْل هَذِهِ الصُّورَة مُمْتَنِع
فَإِنَّ سِيَاقهَا يَدُلّ عَلَى خِلَافه وأنه ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْقِيَام لَهُ إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِمْ
وَلِأَنَّ الْعَرَب لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْل فَارِس وَالرُّوم
وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقَال لَهُ قِيَام لِلرَّجُلِ إِنَّمَا هُوَ قِيَام عَلَيْهِ
فَفَرْق بَيْن الْقِيَام لِلشَّخْصِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ
وَالْقِيَام عَلَيْهِ الْمُشَبِّه لِفِعْلِ فَارِس وَالرُّوم وَالْقِيَام إِلَيْهِ عِنْد قُدُومه الَّذِي هُوَ سُنَّة الْعَرَب
وَأَحَادِيث الْجَوَاز تَدُلّ عَلَيْهِ فَقَطْ
стр. 4632
الْخَبَرِ كَأَنَّهُ قَالَ مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةً مِنَ النَّارِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ
وَاسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ ﵀ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ تَعْظِيمًا لَهُ
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الْأَصَحَّ وَالْأَوْلَى بَلِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إِلَى مَا سِوَاهُ أَنَّ مَعْنَاهُ زَجْرُ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ قَالَ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ بِنَهْيٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قَالَ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ فَلَوْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ فَقَامُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَحَبَّ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ سَوَاءً قَامُوا أَوْ لَمْ يَقُومُوا قَالَ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِتَرْكِ الْقِيَامِ فَإِنْ قِيلَ فَالْقِيَامُ سَبَبٌ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَبَّةِ خَاصَّةً انْتَهَى مُلَخَّصًا
وَلَا يخفى ما فيه واعترضه بن الْحَاجِّ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ قَدْ فَهِمَ مِنْهُ النَّهْيَ عَنِ الْقِيَامِ الْمُوقِعِ لِلَّذِي يُقَامُ لَهُ فِي الْمَحْذُورِ فَصَوَّبَ فِعْلَ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْقِيَامِ دُونَ مَنْ قَامَ وَأَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا قَالَ بن الْقَيِّمِ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ معاوية رد عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يَقُومُ الرِّجَالُ بِحَضْرَتِهِ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَ حِينَ خَرَجَ فَقَامُوا لَهُ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا بعده في الورق الَّتِي قَبْلَ هَذَا فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ عَنْ
[٥٢٣٠] أَبِي الْعَدَبَّسِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ كُوفِيٌّ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (مُتَوَكِّئًا) أَيْ مُعْتَمِدًا (عَلَى عَصًا) أَيْ لِمَرَضٍ كان به قاله القارىء (فَقُمْنَا إِلَيْهِ) وَفِي الْمِشْكَاةِ فَقُمْنَا لَهُ
قَالَ القارىء أَيْ لِتَعْظِيمِهِ وَاحْتُجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ الْقِيَامِ وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو غَالِبٍ وَاسْمُهُ حَزَوَّرُ وَيُقَالُ نَافِعٌ وَيُقَالُ سَعِيدُ بْنُ الْحَزَوَّرِ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ مَرَّةً تَرَكَ شُعْبَةُ أَبَا غَالِبٍ إِنَّهُ رَآهُ يُحَدِّثُ فِي الشَّمْسِ وَضَعَّفَهُ شُعْبَةُ عَلَى أَنَّهُ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرازي ليس بالقوي وقال بن حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ
стр. 4633
به إلا فيما يوافق الثقات وقال بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ اسْمُهُ نَافِعٌ وَكَانَ ضَعِيفًا مُنْكَرَ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ ضَعِيفٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَقَالَ مَرَّةً ثِقَةٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَحَزَوَّرُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا زَايٌ مَفْتُوحَةٌ وَوَاوٌ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ لَمَّا صَلَّوْا خَلْفَهُ قُعُودًا قَالَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا تَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسٍ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ فَلَا تَفْعَلُوا
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٧٠ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السلام)
[٥٢٣١] (عن غالب) هو بن خُطَّافٍ الْبَصْرِيُّ الْقَطَّانُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (إِنَّا لَجُلُوسٌ) أَيْ جَالِسُونَ (بِبَابِ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ (عَنْ جَدِّي قَالَ) أَيِ الْجَدُّ (فَقَالَ ائْتِهِ) أَمْرٌ مِنْ أَتَى يَأْتِي (فَقَالَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْحَامِلِ أَيْضًا
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَصْلِ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْدُوبٌ وَالثَّانِيَ جَائِزٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ فِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ هَذَا الْإِسْنَادُ فِيهِ مَجَاهِيلٌ وَخُطَّافٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُقَالُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَبَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُشَدَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ فَاءٌ أُخْتُ الْقَافِ
[٥٢٣٢] (فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَدَّتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَيِ الرَّدُّ عَلَى الْمُبَلِّغِ غَيْرُ وَاجِبٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن ماجه بنحوه
стр. 4634
٧١ - (باب الرجل ينادي الرجل فيقول له لَبَّيْكَ)
[٥٢٣٣] (شَدِيدِ الْحَرِّ) تَفْسِيرٌ لِقَائِظٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَاظَ يَوْمُنَا اشْتَدَّ حَرُّهُ (لَبِسْتُ لَأْمَتِي) اللَّأْمَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ الدِّرْعُ وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ زره (وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ) بِالضَّمِّ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ فِي السَّفَرِ دُونَ السُّرَادِقِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (قَدْ حَانَ الرَّوَاحُ) أَيْ جَاءَ وَقْتُ الرَّوَاحِ وَهُوَ السَّيْرُ فِي آخِرِ النَّهَارِ (ثُمَّ قَالَ يَا بِلَالُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَا بِلَالُ قُمْ وَفِي بَعْضِهَا قُمْ يَا بِلَالُ قُمْ (فَثَارَ) أَيْ وَثَبَ (مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ) قَالَ فِي الصُّرَاحِ سَمُرَةٌ بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمِيمِ درخت طلح (كَأَنَّ ظِلَّهُ) أَيْ ظِلَّ شَجَرَةِ السَّمُرَةِ فِي الْقِلَّةِ (ظِلُّ طَائِرٍ) الْمَقْصُودُ أَنَّ ظِلَّ السَّمُرَةِ كَانَ قَلِيلًا غَايَةَ الْقِلَّةِ فَكَأَنَّهُ بِسَبَبِ الْقِلَّةِ ظِلُّ طَائِرٍ (فَقَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ
أَلَبَّ أَقَامَ كَلَبَّ وَمِنْهُ لَبَّيْكَ أَيْ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ وَإِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ
وَقَالَ فِيهِ فِي مَادَّةِ سَعِدَ أَسْعَدَهُ أَعَانَهُ وَلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَيْ إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ لَبَّيْكَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ وَأَلَبَّ إِذَا أَقَامَ بِهِ وَأَلَبَّ عَلَى كَذَا إِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ إِلَّا عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ فِي مَعْنَى التَّكْرِيرِ أَيْ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِعَامِلٍ لَا يَظْهَرُ كَأَنَّكَ قُلْتَ أَلَبَّ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ اتِّجَاهِي وقصدي يا رب إِلَيْكَ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِخْلَاصِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَسَبٌ لَبَابٌ إِذَا كَانَ خَالِصًا مُخْلَصًا وَمِنْهُ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ سَعْدَيْكَ أَيْ سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ وَلِهَذَا ثُنِّيَ وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ
قَالَ الْجَرْمِيُّ لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا انْتَهَى كَلَامُهُ (أَسْرِجْ لِي الْفَرَسَ) أَيِ اشْدُدْ عَلَى الْفَرَسِ السَّرْجَ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ زين قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَسْرَجْتُهَا شَدَدْتُ عَلَيْهَا السَّرْجَ (دَفَّتَاهُ) أَيْ جَانِبَاهُ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الدَّفُّ بِالْفَتْحِ الْجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَوْ صَفْحَتُهُ كَالدَّفَّةِ (مِنْ لِيفٍ
стр. 4635
بِالْكَسْرِ هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ بوست درخت خرما (لَيْسَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الدَّفَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَيْسَ فِيهِ فَالضَّمِيرُ لِلسَّرْجِ (أَشَرٌ وَلَا بَطَرٌ) كِلَاهُمَا بِفَتْحَتَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ شِدَّةُ النَّشَاطِ وَقِلَّةُ احْتِمَالِ النِّعْمَةِ وَالطُّغْيَانُ بِالنِّعْمَةِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَشِرَ أَشَرًا فَهُوَ أَشِرٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ بَطِرَ وَكَفَرَ النِّعْمَةَ فَلَمْ يَشْكُرْهَا وَبَطِرَ بَطَرًا فَهُوَ بَطِرٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ بِمَعْنَى أَشِرَ أَشَرًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ قِيلَ اسْمُهُ عَبْدٌ وَقِيلَ يَزِيدُ بْنُ أُنَيْسٍ وَقِيلَ كُرْزُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا أَبُو هَمَّامٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ انتهى (قال أبو داود) من ها هنا إِلَى قَوْلِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (حَدِيثٌ نَبِيلٌ) بِالْإِضَافَةِ وَالنَّبِيلُ عَلَى وَزْنِ الْأَمِيرِ هُوَ الْمَاهِرُ فِي الْأُمُورِ وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ لِيَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ شَيْخٍ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٧٢ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ)
[٥٢٣٤] (الْبِرَكِيُّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ
قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ الْبِرَكُ كَعِنَبٍ كَأَنَّهُ جَمْعُ بِرْكَةٍ سِكَّةٌ بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَةٌ نَقَلَهُ يَاقُوتٌ انْتَهَى
وَفِي الْمَرَاصِدِ الْبِرَكُ جَمْعُ بِرْكَةٍ سِكَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْبَصْرَةِ انْتَهَى (وَسَمِعْتُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا (أَضْبَطُ) أَيْ أَحْفَظُ وَأَتْقَنُ (أَوْ عُمَرُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ) أَيْ أَدَامَ اللَّهُ فرحك وسرورك
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ مُطَوَّلًا فِي دُعَاءِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ كِنَانَةُ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ لَمْ يَصِحَّ وقال بن حِبَّانَ كِنَانَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا فَلَا أَدْرِي التَّخْلِيطُ فِي حَدِيثِهِ مِنْهُ أَوْ مِنِ ابْنِهِ وَأَيَّهُمَا كَانَ فَهُوَ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ بِمَا رَوَى لِعِظَمِ مَا أَتَى من المناكير عن المشاهير
стр. 4636
٧٣ - (باب فِي الْبِنَاءِ)
[٥٢٣٥] (وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي) مِنَ التَّطْيِينِ أَيْ أُصْلِحُهُ بِالطِّينِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (فَقَالَ الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ) أَيِ الْمَوْتُ أَسْرَعُ مِنْ فَسَادِ ذَلِكَ الْحَائِطِ الَّذِي تَخَافُ فَسَادَهُ وَهَدْمَهُ لَوْ لَمْ تُصْلِحْهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي وبن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٥٢٣٦] (وَنَحْنُ نُعَالِجُ) أَيْ نُصْلِحُ (خُصًّا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخُصُّ بِالضَّمِّ الْبَيْتُ مِنَ الْقَصَبِ أَوِ الْبَيْتُ يُسْقَفُ بِخَشَبَةٍ كَالْأَزَجِ (وَهِيَ) فِي الْقَامُوسِ وَهِيَ كَوَعِيَ وَوَلِيَ تَخَرَّقَ وَانْشَقَّ وَاسْتَرْخَى رِبَاطُهُ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخُصًّا (مَا أَرَى الْأَمْرَ) أَيِ الْمَوْتَ (إِلَّا أَعْجَلَ) أَيْ أَسْرَعَ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ خَرَابِ ذَلِكَ الْخُصِّ
[٥٢٣٧] (قُبَّةً مُشْرِفَةً) أَيْ بِنَاءً عَالِيًا (فَقَالَ مَا هَذِهِ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ مَا هَذِهِ الْعِمَارَةُ الْمُنْكَرَةُ وَمَنْ بَانِيهَا (رَجُلٍ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ فُلَانٍ (وَحَمَلَهَا) أَيْ أَضْمَرَ تِلْكَ الْفَعْلَةَ فِي نَفْسِهِ غَضَبًا عَلَى فَاعِلِهَا فِي فِعْلِهَا
فَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ حَمَلْتُ الْحِقْدَ عَلَيْهِ إِذَا أَضْمَرْتَهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْكَرَاهَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْمَقَامِ (أَعْرَضَ عَنْهُ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ ﵇ (فَشَكَا ذَلِكَ) أَيْ مَا رَآهُ مِنْ أَثَرِ
стр. 4637
الْغَضَبِ وَالْإِعْرَاضِ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَرَى مِنْهُ مَا لَمْ أَعْهَدْهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ وَلَا أعرف له سببا
قاله القارىء (مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ) ضُبِطَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَجْهُولِ أَيْ مَا صَارَ حَالُهَا وَمَا شَأْنُهَا لَا يُرَى أثرها (أما) بالتخفيف حرف التنبيه (إلا مالا) أَيْ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَحُذِفَ اسم لا وخبرها معا (إلا مالا) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ (يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ
وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ إحياء العلوم والحافظ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي يَعْنِيِ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٧٤ - (بَاب فِي اتِّخَاذِ الْغُرَفِ)
[٥٢٣٨] بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِالضَّمِّ وَيُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ برواره (بروزن همواره بالاخانة وحجره بالاي حجره باشد فرهنك صراح) كَمَا فِي الصُّرَاحِ
(إِلَى عُلِّيَّةٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَتَيْنِ أَيْ غُرْفَةٍ (مِنْ حُجْرَتِهِ) بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حُجْزَتِهِ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحُجْزَةُ بِالضَّمِّ مَعْقِدُ الْإِزَارِ وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ فِيهِ سَمَاعَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَسَمَاعَ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ مِنْ دُكَيْنٍ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُ لِدُكَيْنٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
стр. 4638
وَدُكَيْنٌ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا نُونٌ
وَالْمِفْتَاحُ وَالْمِفْتَحُ بِكَسْرِ الْمِيمِ فِيهِمَا وَاحِدُ الْمَفَاتِيحِ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٧٥ - (بَاب فِي قَطْعِ السِّدْرِ)
[٥٢٣٩] (حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً) أَيْ شَجَرَةَ نَبْقٍ زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ سِدْرِ الْحَرَمِ وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ دَافِعَةٌ لِلْإِشْكَالِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ) وَمَا أَجَابَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ قِيلَ أَرَادَ بِهِ سِدْرَ مَكَّةَ لِأَنَّهَا حَرَمٌ وَقِيلَ سِدْرَ الْمَدِينَةِ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ لِيَكُونَ أُنْسًا وَظِلًّا لِمَنْ يُهَاجِرُ إِلَيْهَا
وَقِيلَ أَرَادَ السِّدْرَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ يَسْتَظِلُّ بِهِ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ وَالْحَيَوَانُ أَوْ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ فَيَتَحَامَلُ عَلَيْهِ ظَالِمٌ فَيَقْطَعُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمَعَ هَذَا فَالْحَدِيثُ مُضْطَرِبُ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ هُوَ يَقْطَعُ السِّدْرَ وَيَتَّخِذُ مِنْهُ أَبْوَابًا
قَالَ هِشَامٌ وَهَذِهِ أَبْوَابٌ مِنْ سِدْرٍ قَطَعَهُ أَبِي وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى إِبَاحَةِ قَطْعِهِ انْتَهَى
وَفِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيَّ عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ
قَالَ وَرُوِّينَا عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُهُ مِنْ أَرْضِهِ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ النَّهْيِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ
وَفِي كِتَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُزَنِيَّ سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ وَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ هَجَمَ عَلَى قَطْعِ سِدْرٍ لِقَوْمٍ أَوْ لِيَتِيمٍ أَوْ لِمَنْ حَرَّمَ اللَّهُ أَنْ يُقْطَعَ عَلَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ بِقَطْعِهِ فَاسْتَحَقَّ مَا قَالَهُ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ سَبَقَتِ السَّامِعَ فَسَمِعَ الْجَوَابَ وَلَمْ يَسْمَعِ السُّؤَالَ وَجَعَلَ
стр. 4639
نَظِيرَهُ حَدِيثَ أُسَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَقَدْ قَالَ لَا تَبِيعَنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ
وَاحْتَجَّ الْمُزَنِيُّ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ إِجَازَتِهِ ﷺ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ بِالسِّدْرِ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُجِزِ الِانْتِفَاعَ بِهِ
قَالَ وَالْوَرَقُ مِنَ السِّدْرِ كَالْغُصْنِ وَقَدْ سَوَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ بَيْنَ وَرَقِهِ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ عَنْ وَرَقِ السِّدْرِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ السِّدْرِ
انْتَهَى (صَوَّبَ اللَّهُ) أَيْ نَكَسَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى رَأْسِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَهَذَا دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ
[٥٢٤٠] (عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الرَّجُلُ لَعَلَّهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الَّذِينَ يقطعون السدر يصبهم الله على رؤسهم النَّارَ صَبًّا وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَوْصُولًا وَقَالَ الْمُرْسَلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ
[٥٢٤١] (عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ السِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ الْوَاحِدَةُ سِدْرَةٌ وَقِيلَ هُوَ السَّمَرُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ مَا يَنْبُتُ عَنْهُ فِي الْبَرَارِي فَهُوَ الضَّالُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ (وَهُوَ) أَيْ هِشَامٌ (فَقَالَ) هِشَامٌ (وَالْمَصَارِيعُ) جَمْعُ مِصْرَاعٍ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمِصْرَاعُ مِنَ الْبَابِ الشَّطْرُ وَهُمَا مِصْرَاعَانِ (وَقَالَ) عُرْوَةُ (فَقَالَ) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ لِحَسَّانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (هِيَ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْقِصَّةِ وَالْكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَهَا ضَمِيرَ
стр. 4640
الْمَجْهُولِ وَهَذَا الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى مَا بَعْدَهَا لُزُومًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى قل هو الله أحد وَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كفروا كَذَا فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ
فَلَفْظَةُ هِيَ هَذِهِ تَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ بِدْعَةٍ فِي قَوْلِهِ جِئْتَنِي بِبِدْعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (جِئْتَنِي بِبِدْعَةٍ) أَيْ بِأَمْرٍ مُبْتَدَعٍ لَمْ نَسْمَعْهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ (قَالَ) حَسَّانُ (إِنَّمَا الْبِدْعَةُ مِنْ قِبَلِكُمْ) أَيْ مِنْ جَانِبِكُمْ يَا هِشَامُ فَأَنْتُمْ تَذْهَبُونَ إِلَى جَوَازِ قَطْعِ السِّدْرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ وَهُوَ يُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ ذَكَرَ عَنْهُ وَلَدُهُ هِشَامٌ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُهُ
٧٦ - (بَاب فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ)
[٥٢٤٢] (أَبِي بُرَيْدَةَ) هُوَ بَدَلٌ مِنْ أَبِي (عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ) هُوَ عَلَى وَزْنِ مَسْجِدٍ أَحَدُ مَفَاصِلِ الْأَعْضَاءِ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (النُّخَاعَةُ) بِالضَّمِّ هِيَ الْبَزْقَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ مِمَّا يَلِي النُّخَاعَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ النُّخَاعَةُ مَا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَلْقِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ
كَذَا قيده بن الْأَثِيرِ
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ النُّخَاعَةُ هِيَ النُّخَامَةُ وَهَكَذَا قَالَ فِي الْعُبَابِ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) أَيْ شَيْئًا مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا يَبْلُغُ عَدَدَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالسِّتِّينَ (فَرَكْعَتَا الضُّحَى) وَخُصَّتِ الضُّحَى بِذَلِكَ لِتَمَحُّضِهَا لِلشُّكْرِ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ جَابِرَةً لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الرَّوَاتِبِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (تُجْزِئُكَ) أَيْ تَكْفِيكَ عَنِ الصَّدَقَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ فَالضَّمُّ مِنَ الْإِجْزَاءِ وَالْفَتْحُ من جزي يجزئ أَيْ كَفَى وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نفس وَفِي الْحَدِيثِ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ
стр. 4641
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أحمد في مسنده وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ
[٥٢٤٣] (وَهَذَا لَفْظُهُ) أَيْ عَبَّادٍ (وَهُوَ أَتَمُّ) أَيْ حَدِيثُ عَبَّادٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا (يُصْبِحُ على كل سلامى من بن آدَمَ صَدَقَةٌ) السُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعِظَامُ كُلُّهَا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ السُّلَامَى جَمْعُ السُّلَامِيَةِ وَهِيَ الْأُنْمُلَةُ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ وَقِيلَ وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْإِنْسَانِ انْتَهَى
قَالَ الطِّيبِيُّ اسْمُ يُصْبِحُ إِمَّا صَدَقَةٌ أَيْ تُصْبِحُ الصَّدَقَةُ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ سُلَامَى وَإِمَّا مِنِ بن آدَمَ عَلَى تَجْوِيزِ زِيَادَةِ مِنْ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ وصدقة فاعل الظرف أي يصبح بن آدَمَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ صَدَقَةٌ وَإِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَهَا مُفَسِّرَةٌ لَهُ
قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ من عظام بن آدَمَ يُصْبِحُ سَلِيمًا عَنِ الْآفَاتِ بَاقِيًا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ شُكْرًا لِمَنْ صَوَّرَهُ وَوَقَاهُ عَمَّا يُغَيِّرُهُ وَيُؤْذِيهِ (عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُحْتَمَلُ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَدَقَةً أَنَّ لَهَا أَجْرًا كَمَا لِلصَّدَقَةِ أَجْرٌ وَأَنَّ هَذِهِ الطَّاعَاتِ تُمَاثِلُ الصَّدَقَاتِ فِي الْأُجُورِ وَسَمَّاهَا صَدَقَةً عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ وَتَجْنِيسِ الْكَلَامِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ على نفسه (وبضعته) أي جماعه
وفي المصباح البضع بالضم جمعه أبضاع مثل قُفْلٌ وَأَقْفَالٌ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالْجِمَاعِ (يَأْتِي) أَيْ أَحَدُنَا (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (لَوْ وَضَعَهَا) أَيْ شَهْوَتَهُ (أَكَانَ يَأْثَمُ) زَادَ مُسْلِمٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ قَالَ النبي ﷺ (ويجزىء) أَيْ يَكْفِي (مِنْ ذَلِكَ) هُوَ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ يَكْفِي عَمَّا ذُكِرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَى السُّلَامَى مِنَ الصَّدَقَاتِ كَذَا فِي
стр. 4642
الْمِرْقَاةِ (رَكْعَتَانِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ فَيَقُومُ كُلُّ عُضْوٍ بِشُكْرِهِ (مِنَ الضُّحَى) أَيْ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى أَوْ فِي وَقْتِ الضُّحَى
قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَأَمَّا الضَّحْوَةُ فَهُوَ ارْتِفَاعُ أَوَّلِ النَّهَارِ وَالضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ فَوْقَهُ وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الضُّحَى انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٥٢٤٤] (بِهَذَا الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (وَذَكَرَ النبي ﷺ النبي بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ذَكَرَ أَيْ ذَكَرَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ (فِي وَسْطِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ السِّينِ أَيْ فِي وَسْطِ كَلَامِهِ أَيْ بَيْنَ كَلَامِهِ فَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى كَلَامِ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الضَّبْطُ عَنِ الْعَلَّامَةِ الْمُحَدِّثُ مُحَمَّد إِسْحَاق الدَّهْلَوِيُّ ﵀
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لفظ النبي بِالنَّصْبِ وَفَاعِلُ ذَكَرَ الرَّاوِي وَضَمِيرُ الْمَجْرُورِ فِي لَفْظِ وَسْطَهِ يَرْجِعُ إِلَى الْحَدِيثِ أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ في وسط الحديث ولم يذكر فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَيْ بَعْدَ أَبِي ذَرٍّ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ في وسط الحديث وجعله مرفوعا وَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ الَّذِي نُقِلَ عَنْ شَيْخِ شَيْخِنَا الدَّهْلَوِيِّ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ
قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أو ليس قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَبِكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ
وَقَالَ وَتَهْلِيلَةٌ وَتَكْبِيرَةٌ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِالْأَجْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ فِيكَ صَدَقَةً كَثِيرَةً فَذَكَرَ فَضْلَ سَمْعِكَ وَفَضْلَ بَصَرِكَ قَالَ وَفِي مُبَاضَعَتِكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ فَقَالَ أبو ذر
стр. 4643
أَيُؤْجَرُ أَحَدُنَا فِي شَهْوَتِهِ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حِلٍّ أَكَانَ عَلَيْكَ وِزْرٌ قَالَ نَعَمْ
قَالَ أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالشَّرِّ وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الْأَغْنِيَاءُ بِالْأَجْرِ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ قَالَ وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ وَتَصُومُونَ وَتَحُجُّونَ قُلْتُ يَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ قَالَ وَأَنْتَ فِيكَ صَدَقَةٌ رَفْعُكَ الْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ وَهِدَايَتُكَ الطَّرِيقَ صَدَقَةٌ وَعَوْنُكَ الضَّعِيفَ بِفَضْلِ قُوتِكَ صَدَقَةٌ وَبَيَانُكَ عَنِ الْأَرْتَمِ (هُوَ الَّذِي لَا يُفْصِحُ الْكَلَامَ وَلَا يُبِينُهُ) صَدَقَةٌ وَمُبَاضَعَتُكَ امْرَأَتَكَ صَدَقَةٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَأَمَّا فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَيْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ فَكَانَ ذِكْرُ الصَّدَقَاتِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ قِصَّةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ
وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الْفَتْحِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ وهو بن مَيْمُونٍ أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة ويجزىء مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٥٢٤٥] (فَشَكَرَ اللَّهُ) أَيْ غَفَرَ اللَّهُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ فَشُكْرُهُ لِعِبَادِهِ مَغْفِرَتُهُ لَهُمْ (لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٧٧ - (بَاب فِي إِطْفَاءِ النَّارِ بِاللَّيْلِ)
[٥٢٤٦] (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رِوَايَةً) أَيْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4644
(لَا تَتْرُكُوا النَّارَ) أَيْ مُوقَدَةً
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ نَارُ السِّرَاجِ وَغَيْرُهَا وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ خِيفَ حَرِيقٌ بِسَبَبِهَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِطْفَاءِ وَإِنْ أُمِنَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَإِذَا انْتَفَتِ الْعِلَّةُ زَالَ الْمَنْعُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وبن مَاجَهْ
[٥٢٤٧] (فَأَخَذَتْ) أَيْ شَرَعَتْ (فَجَاءَتْ) الْفَأْرَةُ (بِهَا) أَيْ بِالْفَتِيلَةِ (فَأَلْقَتْهَا) أَيِ الْفَتِيلَةَ (عَلَى الْخُمْرَةِ) هِيَ مِقْدَارُ مَا يَضَعُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ فِي سُجُودِهِ مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَسِيجَةِ خُوصٍ وَنَحْوِهِ مِنَ النَّبَاتِ وَلَا تَكُونُ خُمْرَةٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمِقْدَارِ وَسُمِّيَتْ خُمْرَةً لِأَنَّ خُيُوطَهَا مَسْتُورَةٌ بِسَعَفِهَا وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَتْ فَأْرَةٌ الْحَدِيثَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى الْكَبِيرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْخُمْرَةُ السَّجَّادَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْوَجْهَ أَيْ تُغَطِّيَهَ انْتَهَى (فَأَحْرَقَتِ) الْفَأْرَةُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْخُمْرَةِ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (مِثْلَ هَذِهِ) أَيِ الْفَأْرَةِ (عَلَى هَذَا) أَيِ الْفِعْلِ وَفَأْرَةُ الْبَيْتِ هِيَ الْفُوَيْسِقَةُ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَأَصْلَ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْجَوْرِ وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فَوَاسِقَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِخُبْثِهِنَّ وَقِيلَ لِخُرُوجِهِنَّ عَنِ الْحُرْمَةِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَيْ لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ بِحَالٍ
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لِمَ سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ الْفُوَيْسِقَةُ فَقَالَ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ أَخَذَتْ فَأْرَةٌ فَتِيلَةَ السِّرَاجِ لِتُحْرِقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فَقَامَ إِلَيْهَا وَقَتَلَهَا وَأَحَلَّ قَتْلَهَا لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الدَّمِيرِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَمْرُو بْنِ طَلْحَةَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ ذِكْرًا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ كُتُبِهِمْ وَإِنْ كَانَ هُوَ عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ وَقَعَ فِيهِ تَصْحِيفٌ وَهِيَ طَبَقَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَأْنِهِمْ قَالَ إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوَّةٌ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خمرو الآنية وفيه
стр. 4645
فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْإِبَانَةُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْمَبِيتَ فِي بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ وَفِيهِ نَارٌ أَوْ مِصْبَاحٌ أَنْ لَا يَبِيتَ حَتَّى يُطْفِئَهُ أَوْ يَجُرَّهُ بِمَا يَأْمَنُ بِهِ إِحْرَاقَهُ وَضُرَّهُ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةٌ فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ إِذَا أَرَادُوا النَّوْمَ أَنْ لَا يَنَامَ آخِرُهُمْ حَتَّى يَفْعَلَ مَا ذَكَرْتُ لِأَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ مُفَرِّطٌ فَلَحِقَهُ ضَرَرٌ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ كَانَ لِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مخالفا ولادية لَهُ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
قُلْتُ عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْكُوفِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَنَّادُ رَوَى عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ وَمِنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ وَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ فَرْدَ حَدِيثٍ
وَإِبْرَاهِيمُ الْجَوْزَجَانِيُّ قَالَ مُطَيَّنٌ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ رَافِضِيٌّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
٧٨ - (بَاب فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ)
[٥٢٤٨] (مَا سَالَمْنَاهُنَّ) أَيْ مَا صَالَحْنَا الْحَيَّاتِ (مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ) أَيْ مُنْذُ وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنَّ الْحَرْبُ فَإِنَّ الْمُحَارَبَةَ وَالْمُعَادَاةَ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَالْإِنْسَانِ جِبِلِّيَّةٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَجْبُولٌ عَلَى طَلَبِ قَتْلِ الْآخَرِ وَقِيلَ أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ ﵇ عَلَى مَا يُقَالُ إِنَّ إِبْلِيسَ قَصَدَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَهُ الْخَزَنَةُ فَأَدْخَلَتْهُ الْحَيَّةُ فِي فِيهَا فَوَسْوَسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ حَتَّى أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ المنهية فأخرجا عنها
قاله القارىء (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُنَّ) أَيْ مَنْ تَرَكَ التَّعَرُّضَ لَهُنَّ (خِيفَةً) أَيْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ صَاحِبِهَا (فَلَيْسَ مِنَّا) أَيْ مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِسُنَّتِنَا الْآخِذِينَ بِطَرِيقَتِنَا وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَا تَظْهَرُ فِيهِ عَلَامَةُ أَنْ يَكُونَ جِنِّيًّا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٥٢٤٩] (السُّكَّرِيُّ) بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَيْعِ السُّكَّرِ وَشِرَائِهِ وَعَمَلِهِ
قَالَهُ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْأَنْسَابِ (اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ) ظَاهِرٌ فِي قَتْلِ أَنْوَاعِ الْحَيَّاتِ كُلِّهَا
وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبُيُوتِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ بَلَدٍ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُنْذَرَ
стр. 4646
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِنْذَارِ هَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةُ مَرَّاتٍ وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ
وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ وَسُلَيْمَانُ ﵉ أَنْ لا تبدون وَلَا تُؤْذُونَا (ثَأْرَهُنَّ) أَيِ انْتِقَامَهُنَّ الثَّأْرُ هُوَ الدَّمُ وَالِانْتِقَامُ وَالْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ صَاحِبٌ يَطْلُبُ ثَأْرَهَا
قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ عَلَى نَهْجِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّاتِ فَإِنَّكُمْ لَوْ قَتَلْتُمْ لَجَاءَ زَوْجُهَا وَيَلْسَعُكُمْ لِلِانْتِقَامِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٥٢٥٠] (طَلَبِهِنَّ) أَيِ انْتِقَامِهِنَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَلَمْ يَجْزِمْ مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ الرَّاوِي عَنْ عِكْرِمَةَ بِأَنَّ عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ
[٥٢٥١] (أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ) مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ أَيْ نُصَفِّيَ زَمْزَمَ وَنُخْرِجَ مِنْهَا الْكُنَاسَةَ وَهِيَ بِالضَّمِّ مَا يُكْنَسُ وَهِيَ الزُّبَالَةُ وَالسُّبَاطَةُ (وَإِنَّ فِيهَا) أَيْ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ (مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ جَانٍّ كَحِيطَانٍ وَحَائِطٍ وَمِنْ هَذِهِ تَبْعِيضِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ إِنَّ أَيْ إِنَّ فِيهَا بَعْضَ هَذِهِ الْجِنَّانِ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ الْعَبَّاسُ ﵁ بِالْجِنَّانِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ
[٥٢٥٢] (عَنْ سَالِمِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ) أَيْ كُلَّهَا عُمُومًا
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لِلْإِرْشَادِ نَعَمْ مَا كَانَ مِنْهَا محقق الضرر وجب دفعه اقْتُلُوا خُصُوصًا (ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ صَاحِبَهُمَا وَهِيَ حَيَّةٌ خَبِيثَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا خَطَّانِ أَسْوَدَانِ كَالطُّفْيَتَيْنِ وَالطُّفْيَةُ بِالضَّمِّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ خُوصَةُ الْمُقْلِ وَالْخُوصُ بِالضَّمِّ وَرَقُ النَّخْلِ
стр. 4647
الْوَاحِدَةُ بِهَاءٍ وَالْمُقْلُ بِالضَّمِّ صَمْغُ شَجَرَةٍ قَالَهُ القارىء
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الطُّفْيَةُ خُوصَةُ الْمُقْلِ فِي الْأَصْلِ وَجَمْعُهَا طُفًى شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ بِخُوصَتَيْنِ مِنْ خُوصِ الْمُقْلِ (وَالْأَبْتَرَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ذَا قِيلَ هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ الْمَقْطُوعَ الذَّنَبِ لِقِصَرِ ذَنَبِهِ وَهُوَ مِنْ أَخْبَثِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَّاتِ (فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ) أَيْ يَخْطِفَانِ وَيَطْمِسَانِ (الْبَصَرَ) أَيْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا لِخَاصِّيَّةِ السُّمِّيَّةِ فِي بَصَرِهِمَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْبَصَرَ بِاللَّسْعِ وَالنَّهْشِ (الْحَبَلَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْجَنِينَ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا بِالْخَاصِّيَّةِ السُّمِّيَّةِ أو من الخوف الناشيء مِنْهُمَا لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ (قَالَ) سَالِمٌ (وَكَانَ عَبْدُ الله) أي بن عُمَرَ (فَأَبْصَرَهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ (أَبُو لُبَابَةَ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ اسْمُهُ بَشِيرٌ وَقِيلَ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ) هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ (وَهُوَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (يُطَارِدُ) مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ لِلْمُغَالَبَةِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ يَطْرُدُ يَعْنِي يَتْبَعُهَا طَلَبًا لِقَتْلِهَا (فَقَالَ) أَبُو لُبَابَةَ (عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ) أَيْ صَوَاحِبِهَا
وَفِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ قِيلَ إِنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ
وَعَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُهُ بِبُيُوتِ المدينة هو الْمُخْتَارُ وَقِيلَ تَخْتَصُّ بِبُيُوتِ الْمُدُنِ دُونَ غَيْرِهَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَتُقْتَلُ فِي الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهَا الْحَيَّةُ الَّتِي تَكُونُ دَقِيقَةً كَأَنَّهَا فِضَّةٌ وَلَا تَلْتَوِي فِي مِشْيَتِهَا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وبن مَاجَهْ
[٥٢٥٣] (الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
[٥٢٥٤] (فَأَمَرَ) بن عُمَرَ (بِهَا) أَيْ بِالْحَيَّةِ (فَأُخْرِجَتْ) الْحَيَّةُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 4648
[٥٢٥٥] (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (ثُمَّ رَأَيْتُهَا) أَيِ الْحَيَّةَ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ مَا أُخْرِجَتْ إِلَى الْبَقِيعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَادَتْ لِلْأَذِيَّةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً تَحَرَّمَتْ بِهِ وَتَبَرَّكَتْ بِجِوَارِهِ انْتَهَى
[٥٢٥٦] (انْطَلَقَ هُوَ) أَيْ وَالِدُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَبُو يَحْيَى (وَصَاحِبٌ لَهُ) أَيْ لِأَبِي يَحْيَى (يَعُودُونَهُ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَغْلِيبًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعُودَانِهِ بِصِيَغِهِ التَّثْنِيَةِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ (فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ) أَيْ مِنْ عِنْدِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَا وَمَنْ كان عنده بعد ما دَخَلْنَا عَلَيْهِ غَيْرَ صَاحِبِي الَّذِي كَانَ يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَهُوَ قَوْلُهُ (فَلَقِيَنَا صاحبا لَنَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ لِلْعِيَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِي مِنْ عِنْدِهِ (فَأَقْبَلْنَا) أَيْ تَوَجَّهْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ (فَجَاءَ) صَاحِبِي (إِنَّ الْهَوَامَّ) جَمْعُ هَامَّةٍ مِثْلُ دَابَّةٍ ودواب والهامة ماله سم يقتل كالحية وهو المراد ها هنا وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا لَا يَقْتُلُ كَالْحَشَرَاتِ (فِي بَيْتِهِ شَيْئًا) أَيْ أَحَدًا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَّاتِ (فَلْيُحَرِّجْ) مِنَ التَّحْرِيجِ بِمَعْنَى التَّضْيِيقِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُنَّ أَنْتُنَّ فِي حَرَجٍ وَضِيقٍ إِنْ عُدْتُنَّ إِلَيْنَا فَلَا تَلُومُنَّنَا أَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْكُمْ بِالتَّتَبُّعِ وَالطَّرْدِ وَالْقَتْلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رجل مجهول
стр. 4649
[٥٢٥٧] (أَقْتُلُهَا) أَيْ الْحَيَّةَ (فَأَشَارَ) أَبُو سَعِيدٍ (إِلَى بَيْتٍ فِي دَارِهِ) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ دَارِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ (تِلْقَاءَ بَيْتِهِ) أَيْ أَبِي سَعِيدٍ (فَقَالَ) أَبُو سَعِيدٍ (يَوْمُ الْأَحْزَابِ) أَيْ يَوْمُ الْخَنْدَقِ (اسْتَأْذَنَ) أي بن عَمٍّ لِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يرجع (وكان) بن عَمٍّ لِي (حَدِيثَ) أَيْ جَدِيدَ (عَهْدٍ بِعُرْسٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَعْرَسَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ بَنَى عَلَيْهَا (وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِسِلَاحِهِ)
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ (فأتى) بن عم (فأشار) بن عَمٍّ (إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى امْرَأَتِهِ (بِالرُّمْحِ) لِيَطْعَنَهَا بِهِ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ غَيْرَةٍ وَحَمِيَّةٍ (فَقَالَتْ) امْرَأَتُهُ (فَطَعَنَهَا) أَيِ الْحَيَّةَ (ثُمَّ خَرَجَ بِهَا) أَيْ بِالْحَيَّةِ (تَرْتَكِضُ) أَيْ تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ الْحَيَّةُ (قَالَ) أَبُو سَعِيدٍ (الرَّجُلُ أَوِ الْحَيَّةُ) بَيَانٌ لِأَيِّهِمَا (أَنْ يَرُدَّ صَاحِبَنَا) أَيْ يُحْيِيَهُ (فَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ) يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُهُ هُوَ اسْتِغْفَارُكُمْ لَا الدُّعَاءُ بِالْإِحْيَاءِ لِأَنَّهُ مَضَى سَبِيلُهُ (فَحَذِّرُوهُ) أَيْ خَوِّفُوهُ وَالْمُرَادُ مِنَ التَّخْوِيفِ التَّشْدِيدُ بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنْ يُقَالَ لَهَا أَسْأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵈ أَنْ لَا تُؤْذِيَنَا (ثُمَّ إِنْ بَدَا) بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (لَكُمْ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ التَّحْذِيرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٥٢٥٨] (بِهَذَا الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (فَلْيُؤْذِنْهُ) مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِنْذَارُ وَالِاعْتِذَارُ وَالْمَعْنَى قُولُوا لَهُ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ الْإِيذَانِ (فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) أَيْ فليس بجني
стр. 4650
مُسْلِمٍ بَلْ هُوَ إِمَّا جِنِّيٌّ كَافِرٌ وَإِمَّا حَيَّةٌ وَإِمَّا وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِ إِبْلِيسَ وَسَمَّاهُ شَيْطَانًا لِتَمَرُّدِهِ وَعَدَمِ ذَهَابِهِ بِالْإِيذَانِ
[٥٢٥٩] (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ فَإِنَّهُ كَافِرٌ
[٥٢٦٠] (أَنْشُدُكُنَّ) مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ أَسْأَلُكُنَّ (الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ وَلَعَلَّ الْعَهْدَ كَانَ عِنْدَ إِدْخَالِهَا فِي السَّفِينَةِ (أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ) كَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُنَّ إِيَّاهُ (أن تُؤْذُونَا) أَيْ لَا تُؤْذُونَا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حديث بن أبي ليلى
هذا آخر كلامه
وبن أَبِي لَيْلَى الَّذِي رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ قَاضِيهَا وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَأَبُو لَيْلَى لَهُ صُحْبَةٌ وَاسْمُهُ يَسَارٌ وَقِيلَ دَاوُدُ وَقِيلَ أَوْسٌ وَقِيلَ بِلَالٌ أَخُوهُ وَقِيلَ لَا يُحْفَظُ اسْمُهُ وَلَقَبُهُ أُنَيْسٌ
[٥٢٦١] (إِلَّا الْجَانَّ الْأَبْيَضَ) وَلَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْحَيَّاتِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ ضَرَرِهِ (كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ) أَيْ قِطْعَةُ فِضَّةٍ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَضَبْتُ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعْتُهُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْغُصْنِ الْمَقْطُوعِ قَضِيبٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ انْتَهَى
стр. 4651
(قال أبو داود) من ها هنا إِلَى قَوْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (لَا يَنْعَرِجُ) أَيْ لَا يَنْعَطِفُ يُقَالُ انْعَرَجَ الشَّيْءُ انْعَطَفَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا منقطع إبراهيم لم يسمع من بن مَسْعُودٍ
قَالَ أَبُو عَمْرٍو النَّمَرِيُّ رُوِيَ عَنِ بن مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِ أَبِي دَاوُدَ
٧٩ - (بَاب فِي قَتْلِ الْأَوْزَاغِ)
[٥٢٦٢] (بِقَتْلِ الْوَزَغِ) بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَزَايٍ كَذَلِكَ وَبِمُعْجَمَةٍ وَاحِدُهَا وَزَغَةٌ وَهِيَ دُوَيْبَةٌ مؤذية وسام أبرص كبيرها قاله القارىء
وَفِي النِّهَايَةِ الْوَزَغُ جَمْعُ وَزَغَةٍ بِالتَّحْرِيكِ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا سَامٌّ أَبْرَصُ وَجَمْعُهَا أَوْزَاغٌ وَوُزْغَانٌ (وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا) لِأَنَّ الْفِسْقَ الْخُرُوجُ وَهُنَّ خَرَجْنَ عَنْ خُلُقِ مُعْظَمِ الْحَشَرَاتِ بِزِيَادَةِ الضَّرَرِ وَتَصْغِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلتَّحْقِيرِ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْخَمْسِ أَيِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تُقْتَلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا التَّصْغِيرِ التَّحْقِيرَ وَالذَّنْبَ
قال بن الْأَعْرَابِيِّ لَمْ يُسْمَعْ بِالْفُسُوقِ فِي كَلَامِ الْجَاهِلِيَّةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أُمّ شَرِيك ﵄ أن النبي ﷺ أمر بِقَتْلِ الْوَزَغ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخ عَلَى إِبْرَاهِيم
وفي الصحيحين عنها ﵂ اِسْتَأْمَرْت النَّبِيّ ﷺ في قتل الأوزاغ فأمر بقتلها
стр. 4652
[٥٢٦٣] (مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً) بِفَتَحَاتٍ
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ الضَّرْبَةُ الْأُولَى مُعَلَّلٌ إِمَّا لِأَنَّهُ حِينَ قَتَلَ أَحْسَنَ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ أَوْ يَكُونُ مُعَلَّلًا بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخَيْرِ فَيَنْدَرِجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فاستبقوا الخيرات وَعَلَى كِلَا التَّعْلِيلَيْنِ يَكُونُ الْحَيَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَالْعَقْرَبُ لِعِظَمِ مَفْسَدَتِهِمَا انْتَهَى
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْأَجْرُ فِي التَّكَالِيفِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ إِذَا اتَّحَدَ النَّوْعُ احْتِرَازًا عَنِ اخْتِلَافِهِ كَالتَّصَدُّقِ بِكُلِّ مَالِ الْإِنْسَانِ وَشَذَّ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْوَزَغَةِ مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً فَقَدْ صَارَ كُلَّمَا كَثُرَتِ الْمَشَقَّةُ قَلَّ الْأَجْرُ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَصَالِحِ لَا عَلَى تَفَاوُتِ الْمَشَاقِّ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَطْلُبُ مِنْ عِبَادِهِ الْمَشَقَّةَ وَالْعَنَاءَ وَإِنَّمَا طَلَبَ جَلْبَ الْمَصَالِحِ وَدَفْعَ الْمَفَاسِدِ وَإِنَّمَا قَالَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحَمْزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا وَأَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَاقًّا كَانَ حَظُّ النَّفْسِ فِيهِ كَثِيرًا فَيَقِلُّ الْإِخْلَاصُ فَإِذَا كَثُرَتِ الْمَشَقَّةُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ خَالِصًا لِلَّهِ فَالثَّوَابُ فِي الْحَقِيقَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَرَاتِبِ الْإِخْلَاصِ لَا عَلَى مَرَاتِبِ الْمَشَقَّةِ
وَقِيلَ إِنَّ الْوَزَغَةَ كَانَتْ يَوْمَ رُمِيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي النَّارِ تُضْرِمُ النَّارَ عَلَيْهِ بِنَفْخِهَا وَالْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا تَتَسَبَّبُ فِي طَفْئِهَا كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَسَبَبُ تَكْثِيرِ الثَّوَابِ فِي قَتْلِهِ أَوَّلَ ضَرْبَةٍ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَتْلِهِ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ
قال المنذري والحديث أخرجه مسلم والترمذي وبن مَاجَهْ
[٥٢٦٤] (عَنْ سُهَيْلِ) بْنِ أَبِي صَالِحٍ (حَدَّثَنِي أَخِي أَوْ أُخْتِي) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أُخْتِي وَفِي بَعْضِهَا أَخِي بِالتَّذْكِيرِ وَفِي بَعْضِهَا أَبِي وَذَكَرَ الْقَاضِي الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ قَالُوا وَرِوَايَةُ أَبِي خَطَأٌ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَخِي أَوْ أختي
стр. 4653
قَالَ الْقَاضِي أُخْتُ سُهَيْلٍ سَوْدَةُ وَأَخَوَاهُ هِشَامٌ وَعَبَّادٌ انْتَهَى
وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَوْ أَخِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (سَبْعِينَ حَسَنَةً)
قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْحَسَنَاتِ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى بِمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِسَبْعِينَ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ إِحْدَاهَا أَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ لِلْعَدَدِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَذِكْرُ سَبْعِينَ لَا يَمْنَعُ الْمِائَةَ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا
الثَّانِي لَعَلَّهُ أَخْبَرَنَا بِسَبْعِينَ ثُمَّ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِالزِّيَادَةِ فَأَعْلَمَ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَاتِلِي الْوَزَغِ بِحَسَبِ نِيَّاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَكَمَالِ أَحْوَالِهِمْ وَنَقْصِهَا فَتَكُونُ الْمِائَةُ لِلْكَامِلِ مِنْهُمْ وَالسَّبْعِينَ لِغَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ وَلَيْسَ فِي أَوْلَادِ أَبِي صَالِحٍ مَنْ أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُمْ هِشَامُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ يُعْرَفُ بِعُبَادَةَ وَسَوْدَةُ بِنْتُ أَبِي صَالِحٍ وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ حَدَّثَهُ مِنْهُمْ
وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ سُهَيْلٌ وَحَدَّثَنِي أَخِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ وَعَلَى هَذَا يَتَّصِلُ وَتَبْقَى جَهَالَةُ الْأَخِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً انْتَهَى
٨٠ - (بَاب فِي قَتْلِ الذَّرِّ)
[٥٢٦٥] أَيْ صِغَارِ النَّمْلِ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
(فَلَدَغَتْهُ) بِإِهْمَالِ الدَّالِ وَإِعْجَامِ الْغَيْنِ أَيْ لَسَعَتْهُ (فَأَمَرَ) أَيْ نَبِيٌّ (بِجِهَازِهِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ الْمَتَاعُ فَأُخْرِجَ الْمَتَاعُ (مِنْ تَحْتِهَا) أَيِ الشَّجَرَةِ (ثُمَّ أَمَرَ) نَبِيٌّ (بِهَا) أَيْ بِالنَّمْلَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلَةِ (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى النَّبِيِّ (فهلا
стр. 4654
نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ فَهَلَّا عَاقَبْتَ نَمْلَةً وَاحِدَةً هِيَ الَّتِي قَرَصَتْكَ لِأَنَّهَا الْجَانِيَةُ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَيْسَ لَهَا جِنَايَةٌ وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَلَا يَجُوزُ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ لِلْحَيَوَانِ إِلَّا إِذَا أَحْرَقَ إِنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ فَلِوَلِيِّهِ الِاقْتِصَاصُ بِإِحْرَاقِ الْجَانِي وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ النَّمْلُ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٥٢٦٦] (قَرَصَتْ) أَيْ لَسَعَتْ وَلَدَغَتْ (نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ كَمَا سَيَجِيءُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَقِيلَ دَاوُدُ ﵇ (فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ) أَيْ مَسْكَنِهَا وَمَنْزِلِهَا سُمِّيَ قَرْيَةٌ لِاجْتِمَاعِهَا فِيهِ (نَمْلَةٌ) أَيْ وَاحِدَةٌ (أَهْلَكْتَ أُمَّةً) أَيْ أَمَرْتَ بِإِهْلَاكِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ (مِنَ الْأُمَمِ) حَالَ كَوْنِهَا (تُسَبِّحُ) قَالَ النووي هذا الحديث محمول على أنه شَرْعَ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ وَجَوَازُ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ
وَلَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى نَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّمِيرِيُّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ لَمْ يُعَاتِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيقِهَا وَإِنَّمَا عَاتَبَهُ عَلَى كَوْنِهِ أَخَذَ الْبَرِيءَ بِغَيْرِ الْبَرِيءِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ هذا النبي هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ وَأَنَّهُ قَالَ يَا رَبِّ تُعَذِّبُ أَهْلَ قَرْيَةٍ بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الطَّائِعُ فَكَأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى شَجَرَةٍ مُسْتَرْوِحًا إِلَى ظِلِّهَا وَعِنْدَهَا قَرْيَةُ النَّمْلِ فَغَلَبَهُ النَّوْمُ فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَدَلَكَهُنَّ بِقَدَمِهِ فَأَهْلَكَهُنَّ وَأَحْرَقَ مَسْكَنَهُنَّ فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً لَمَّا لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ كَيْفَ أُصِيبَ الْبَاقُونَ بِعُقُوبَتِهَا يُرِيدُ تَعَالَى أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعُمُّ الطَّائِعَ وَالْعَاصِيَ فَتَصِيرُ رَحْمَةً وَطَهَارَةً وَبَرَكَةً عَلَى الْمُطِيعِ وَسُوءًا وَنِقْمَةً وَعَذَابًا عَلَى الْعَاصِي وَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةٍ وَلَا حَظْرٍ فِي قَتْلِ النَّمْلِ فَإِنَّ مَنْ آذَاكَ حَلَّ لَكَ دَفْعُهَ عَنْ نَفْسِكَ وَلَا أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمُؤْمِنِ وَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دَفْعُهُ عَنْكَ بِضَرْبٍ أَوْ قتل على ماله مِنَ الْمِقْدَارِ فَكَيْفَ بِالْهَوَامِّ وَالدَّوَابِّ الَّتِي قَدْ سُخِّرَتْ لِلْمُؤْمِنِ وَسُلِّطَ عَلَيْهَا وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ فَإِذَا آذَتْهُ أُبِيحَ لَهُ قَتْلُهَا
وَقَوْلُهُ فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي يُقْتَلُ وَكُلُّ قَتْلٍ كَانَ لِنَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَخُصَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ الَّتِي لَدَغَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِصَاصَ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ فَهَلَّا نَمْلَتُكَ الَّتِي لَدَغَتْكَ وَلَكِنْ قَالَ فَهَلَّا نَمْلَةٌ فَكَأَنَّ نَمْلَةً تَعُمُّ الْبَرِيءَ
стр. 4655
وَالْجَانِيَ وَذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ أَرَادَ تَنْبِيهَهُ لِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ تَعَالَى فِي عَذَابِ أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهِمُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فِي شَرْعِ هَذَا النَّبِيِّ ﵇ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّحْرِيقِ جَائِزَةً فَلِذَلِكَ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِحْرَاقِ الْكَثِيرِ لَا فِي أَصْلِ الْإِحْرَاقِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ بِخِلَافِ شَرْعِنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ وَقَالَ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا إِذَا أَحْرَقَ إِنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ فَلِوَارِثِهِ الِاقْتِصَاصُ بِالْإِحْرَاقِ لِلْجَانِي انْتَهَى كَلَامُ الْعَلَّامَةِ الدَّمِيرِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٥٢٦٧] (النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَحَدِهَا وَثَانِيهَا وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي
قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَالْمُرَادُ النَّمْلُ الْكَبِيرُ السُّلَيْمَانِيُّ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَأَمَّا النَّمْلُ الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ فَقَتْلُهُ جَائِزٌ وَكَرِهَ مَالِكٌ قَتْلَ النَّمْلِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بالقتل
وأطلق بن أَبِي زَيْدٍ جَوَازَ قَتْلِ النَّمْلِ إِذَا آذَتْ انتهى
والصرد على وزن عمر قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ هُوَ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ لَهُ رِيشٌ عَظِيمٌ نِصْفُهُ أَبْيَضُ وَنِصْفُهُ أَسْوَدُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا جَاءَ فِي قَتْلِ النَّمْلِ عَنْ نَوْعٍ مِنْهُ خَاصٍّ وَهُوَ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَرْجُلِ الطِّوَالِ لِأَنَّهَا قَلِيلَةُ الْأَذَى وَالضَّرَرِ وَأَمَّا النَّحْلَةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْعَسَلُ وَالشَّمْعُ وَأَمَّا الْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَلِتَحْرِيمِ لَحْمِهَا لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِاحْتِرَامِهِ أَوْ لِضَرَرٍ فِيهِ كَانَ لِتَحْرِيمِ لَحْمِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ وَيُقَالُ إِنَّ الْهُدْهُدَ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْجَلَّالَةِ وَالصُّرَدَ تَتَشَاءَمُ بِهِ الْعَرَبُ وَتَتَطَيَّرُ بِصَوْتِهِ وَشَخْصِهِ وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهُوهُ مِنِ اسْمِهِ مِنَ التَّصْرِيدِ وَهُوَ التقليل انتهى كلام بن الأثير
قال المنذري والحديث أخرجه بن مَاجَهْ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ رواه أبو داود عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ انْتَهَى
وَكَذَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَالْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ الدَّمِيرِيُّ
стр. 4656
[٥٢٦٨] (فَانْطَلَقَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (حُمَّرَةً) فِي النِّهَايَةِ هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَقَدْ تُخَفَّفُ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَالْعُصْفُورِ انْتَهَى
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ كَالْعُصْفُورِ وَالْوَاحِدَةُ حُمَّرَةٌ وَهِيَ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَصَافِيرِ
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صحيح الإسناد عن بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ رَجُلٌ غَيْضَةً
فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَ حُمَّرَةٍ فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ فَجَّعَ هَذِهِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتُ بَيْضَهَا
وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ أَخَذْتُ فَرْخَهَا فَقَالَ ﷺ رُدَّهُ رُدَّهُ رَحْمَةً لها
وفي الترمذي وبن مَاجَهْ عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ أَنَّ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا غَيْضَةً فَأَخَذُوا فَرْخَ طَائِرٍ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرِفُّ فَقَالَ ﷺ أَيُّكُمْ أَخَذَ فَرْخَ هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فَرَدَّهُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ (مَعَهَا) أَيْ مَعَ الْحُمَّرَةِ (فَرْخَانِ) الْفَرْخُ وَلَدُ طَائِرٍ (تُعَرِّشُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ التَّعْرِيشِ فِي النِّهَايَةِ التَّعْرِيشُ أَنْ تَرْتَفِعَ وَتُظَلِّلَ بِجَنَاحَيْهَا عَلَى مَنْ تَحْتَهَا انْتَهَى
وَفِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ مِنْ عَرَّشَ الطَّائِرُ إِذَا رَفْرَفَ بِأَنْ يُرْخِيَ جَنَاحَيْهِ وَيَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ لِيَسْقُطَ وَلَا يَسْقُطُ وَرُوِيَ تَفْرِشُ أَيْ تَبْسُطُ (مَنْ فَجَّعَ) مِنَ التَّفْجِيعِ أَيْ مَنْ أَصَابَ الْمُصِيبَةَ (هَذِهِ) أَيِ الْحُمَّرَةَ (بِوَلَدِهَا) أَيْ بِأَخْذِ وَلَدِهَا
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْفَجِيعَةُ الرَّزِيَّةُ وَالرَّزِيَّةُ الْمُصِيبَةُ رَزَأْتُهُ أَنَا إِذَا أَصَبْتُهُ بِمُصِيبَةٍ (إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى الْحُمَّرَةِ (وَرَأَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (قَرْيَةَ نَمْلٍ) أَيْ مَسْكَنَهَا (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ) أَيْ قَرْيَةَ نَمْلٍ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 4657
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ بن مَسْعُودٍ انْتَهَى
٨١ - (بَاب فِي قَتْلِ الضِّفْدَعِ)
[٥٢٦٩] (عَنْ ضِفْدِعٍ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الضِّفْدِعُ مِثْلُ الْخِنْصِرِ وَاحِدُ الضَّفَادِعِ وَالْأُنْثَى ضُفْدَعَةٌ وَنَاسٌ يَقُولُونَ ضِفْدَعَ بِفَتْحِ الدَّالِ
قَالَ الْخَلِيلُ لَيْسَ فِي الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم وهجوع وَهُوَ الطَّوِيلُ وَهِبْلَعٌ وَهُوَ الْأَكُولُ وَبِلْعَمٌ وَهُوَ اسم
قال بن الصلاح الْأَشْهُرُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَسْرُ الدَّالِ وَفَتْحُهَا أَشْهَرُ فِي السُّنَةِ الْعَامَّةِ كَذَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ نَحْوَهُ سَوَاءً
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ خَمْسَةٍ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالضِّفْدِعِ وَالصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ انْتَهَى فَنَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضِّفْدِعَ يَحْرُمُ أَكْلُهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ
٨٢ - (بَاب فِي الْخَذْفِ)
[٥٢٧٠] (مُغَفَّلٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَلَامٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنِ الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ رَمْيُ الْإِنْسَانِ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ وَنَحْوِهِمَا يَجْعَلُهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ أَوِ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَلَا يَنْكَأُ) أَيْ لَا يَجْرَحُ وَلَا يَقْتُلُ
стр. 4658
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَبِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ
قَالَ الْقَاضِي كَذَا رُوِّينَاهُ قَالَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنْكِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ
قال القاضي وهو أوجه ها هنا لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْتِ الْقُرْحَةُ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ إِلَّا عَلَى تَجَوُّزٍ وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ النِّكَايَةِ يُقَالُ نَكَيْتُ الْعَدُوَّ وَأَنْكَيْتُهُ نِكَايَةً وَنَكَأْتُ بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ فِيهِ انْتَهَى
وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ نَكَيْتُ فِي الْعَدُوِّ وَأَنْكِي نِكَايَةً فَأَنَا نَاكٍ إِذَا أَكْثَرْتُ فِيهِمُ الْجِرَاحَ وَالْقَتْلَ فَوَهَنُوا لِذَلِكَ وَقَدْ يُهْمَزُ لُغَةً فِيهِ يُقَالُ نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ أَنْكَؤُهَا إِذَا قَشَرْتُهَا انْتَهَى
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْخَذْفِ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ وَيُخَافُ مَفْسَدَتُهُ وَيُلْتَحَقُ بِهِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا
قَالَ المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم وبن مَاجَهْ
٨٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْخِتَانِ)
[٥٢٧١] (أَخْبَرَنَا مروان) هو بن مُعَاوِيَةَ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ) الْكُوفِيُّ (قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ) الْأَشْجَعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ (الْكُوفِيُّ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ الْكُوفِيُّ وَأَمَّا سُلَيْمَانُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُوفِيَّ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا الْإِسْنَادُ هَكَذَا أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكُوفِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ لَا يَصِحُّ
قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْأَشْجَعِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ الْكُوفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ نُسَيْبَةَ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ انْتَهَى
(كَانَتْ تَخْتِنُ) خَتَنَ الْخَاتِنُ الصَّبِيَّ خَتْنًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَالِاسْمُ الْخِتَانُ بِالْكَسْرِ
كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
وَفِي الْمَجْمَعِ الْخِتَانُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ ذَكَرِ الْغُلَامِ وَفَرْجِ الْجَارِيَةِ وَأَمَّا فِي
стр. 4659
الْغُلَامِ فَقَطْعُ جَمِيعِ الْجِلْدِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ وَفِي الْجَارِيَةِ قَطْعُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جِلْدَةِ أَعْلَى الْفَرْجِ
انْتَهَى
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي الْخِتَانُ اسْمٌ لِفِعْلِ الْخَاتِنِ وَلِمَوْضِعِ الْخِتَانِ أَيْضًا
انْتَهَى
(لَا تَنْهِكِي) يُقَالُ نَهَكْتُ الشَّيْءَ نَهْكًا بَالَغْتُ فِيهِ مِنْ بَابِ نَفَعَ وَتَعِبَ وَأَنْهَكَهُ بِالْأَلِفِ لُغَةٌ
كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
وَفِي النِّهَايَةِ مَعْنَى لَا تَنْهِكِي أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي اسْتِقْصَاءِ الْخِتَانِ
وَفِي النِّهَايَةِ فِي مَادَّةِ شَمَمَ
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَشِمِّي وَلَا تَنْهِكِي شَبَّهَ الْقَطْعَ الْيَسِيرَ بِإِشْمَامِ الرَّائِحَةِ وَالنَّهْكُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ أَيِ اقْطَعِي بَعْضَ النَّوَاةِ وَلَا تَسْتَأْصِلِيهَا
انْتَهَى
وَفِي الْمَجْمَعِ الْإِشْمَامُ أَخْذُ الْيَسِيرِ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ وَالنَّهْكُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَطْعِ
انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ وَيُسَمَّى خِتَانُ الرَّجُلِ إِعْذَارًا بِذَالِ مُعْجَمَةٍ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ خَفْضًا بِخَاءٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ
انْتَهَى
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ خِتَانُ الذَّكَرِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُسْتَوْعَبَ مِنْ أَصْلهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْحَشَفَةِ وَأَقَلُّ ما يجزيء أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهَا مَا يَتَغَشَّى بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَشَفَةِ
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُسْتَحَقُّ فِي الرِّجَالِ قَطْعُ الْقُلْفَةِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْجِلْدَةِ شيء متدل
وقال بن الصَّبَّاغِ حَتَّى تَنْكَشِفَ جَمِيعُ الْحَشَفَةِ وَيَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِقَطْعِ شَيْءٍ مِمَّا فَوْقَ الْحَشَفَةِ وَإِنْ قَلَّ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَطْعُ تَدْوِيرَ رَأْسِهَا
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ شَاذُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ
قَالَ الْإِمَامُ وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ خِتَانُهَا قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ الَّذِي فِي الْبَابِ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
قُلْتُ وَلَهُ شَاهِدَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ أَيْمَنَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَقِيقَةِ وَآخَرُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ
وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ هَلْ يُخْفَضْنَ عُمُومًا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ نِسَاءِ الْمَشْرِقِ فَيُخْفَضْنَ وَنِسَاءِ الْمَغْرِبِ فَلَا يُخْفَضْنَ لِعَدَمِ الْفَضْلَةِ الْمَشْرُوعِ قَطْعُهَا مِنْهُنَّ بِخِلَافِ نِسَاءِ الْمَشْرِقِ قَالَ فَمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا اسْتُحِبَّ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى الْمَوْضِعِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ
قَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ وَمَنْ لَا فَلَا
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْخِتَانِ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَقَالَ بِهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ عَطَاءٌ وَعَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَعَنْهُ سُنَّةٌ يُأْثَمُ بِتَرْكِهِ
стр. 4660
وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ لَا يَجِبُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَفَعَهُ الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عن بن عَبَّاسٍ
وَسَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ
وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ بن عَبَّاسٍ
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مِنَ الْفَتْحِ مُخْتَصَرًا مُلَخَّصًا
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ حَدِيثُ الْخِتَانِ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ وَالْحَجَّاجُ مُدَلِّسٌ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ فَتَارَةً رَوَاهُ كَذَا وَتَارَةً رَوَاهُ بِزِيَادَةِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بَعْدَ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ أَخْرَجَهُ بن أبي شيبة وبن أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَتَارَةً رَوَاهُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وأخرجه أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ حَجَّاجٍ أَوْ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ
وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ هَذَا الْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ
قُلْتُ وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ والبيهقي من حديث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَقَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ وَهُوَ مِنْ رواية الوليد عن بن ثوبان عن بن عَجْلَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا
وَقَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ خَافِضَةً أَشَمِّي وَلَا تَنْهَكِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ تَخْفِضُ الْجَوَارِيَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أُمَّ عَطِيَّةَ اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهِ
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ الْعَلَائِيُّ سألت بن مَعِينٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ هَذَا لَيْسَ بِالْفِهْرِيِّ
قُلْتُ أَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الْفِهْرِيِّ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ فَقِيلَ عَنْهُ كَذَا
وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ خَافِضَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ فَذَكَرَهُ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ
وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ فَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ ضَعِيفٌ
انْتَهَى كَلَامُهُ
следующие страницы →