Полный текст (4 665 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ كَمَا فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَطُّ بِمَعْنَى حَسْبُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ وَبَاقِي الْأَلْفَاظِ مِثْلُ رواية بن جريج (عن عمه) أي عم بن أبي محذورة (عن جده) أي جد بن أَبِي مَحْذُورَةَ (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ) أَيْ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِهِ (ثُمَّ تَرْجِعُ فَتَرْفَعُ صوتك) وفي حديث بن جُرَيْجٍ ثُمَّ ارْجِعْ فَمُدَّ مِنْ صَوْتِكَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) هَذَا بَيَانُ التَّشْبِيهِ أَيْ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَعْفَرَ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ الله أكبر
[٥٠٦] (سمعت بن أَبِي لَيْلَى) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ (أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ) أَيْ نُقِلَتْ مِنْ حَالٍ إلى حال قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهَا غُيِّرَتْ ثَلَاثَ تَغْيِيرَاتٍ أَوْ حُوِّلَتْ ثَلَاثَ تَحْوِيلَاتٍ
انْتَهَى
يَعْنِي كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِحَالَةِ التَّغَيُّرُ يَعْنِي غُيِّرَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ تَغْيِيرَاتٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا وَالْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاةِ الصَّلَاةُ مَعَ مُتَعَلِّقَاتِهَا لِيَتَنَاوَلَ الْأَذَانُ (قَالَ) أي بن أَبِي لَيْلَى (وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَهَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْحَالِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِنْ أَرَادَ الصَّحَابَةُ فَهُوَ قَدْ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُسْنَدًا وَإِلَّا فَهُوَ مرسل
انتهى
قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة وبن خُزَيْمَةَ وَالطَّحَاوِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ
حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا صححها بن حزم وبن دَقِيقِ الْعِيدِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الْمُنْذِرِيِّ قُلْتُ أراد به الصحابة صرح بذلك بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فَقَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يارسول اللَّهِ رَأَيْتَ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا قَامَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ فَقَامَ عَلَى حَائِطٍ فَأَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى وَأَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى
انْتَهَى
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَكِيعٍ بِهِ
قَالَ فِي الْإِمَامِ وَهَذَا
стр. 492
رِجَالُ الصَّحِيحِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّ جَهَالَةِ أَسْمَائِهِمْ لَا تَضُرُّ (أَوْ قَالَ الْمُؤْمِنِينَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَاحِدَةً) أَيْ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ مَعَ الْجَمَاعَةِ لا منفردا وكان الناس يصلون منفردا من غير جماعة (أن أبعث رِجَالًا) أَيْ أَنْشُرَهُمْ
فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ بَثَّ السُّلْطَانُ الْجُنْدَ فِي الْبِلَادِ أَيْ نَشَرَهُمْ مِنْ بَابِ قَتَلَ
انْتَهَى
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا (فِي الدُّورِ) جَمْعُ دَارٍ أَيْ فِي الْمَحَلَّاتِ (يُنَادُونَ النَّاسَ) وَيُخْبِرُونَهُمْ (بِحِينِ الصَّلَاةِ) قَالَ بن رَسْلَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَبِالْأَسْحَارِ هم يستغفرون أَيْ فِي وَقْتِ الْأَسْحَارِ يَسْتَغْفِرُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل وَالصَّحِيحُ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ الَّتِي بِمَعْنَى فِي تَدْخُلُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَتَكُونُ مع النكرة كقوله تعالى نجيناهم بسحر قَالَ أَبُو الْفَتْحِ وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ الْمَعْرِفَةِ نَحْوَ كُنَّا بِالْبَصْرَةِ وَأَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ
انْتَهَى (عَلَى الْآطَامِ) جَمْعُ الْأُطُمِ بالضم
قال بن رَسْلَانَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ وَآطَامُ الْمَدِينَةِ حُصُونٌ لِأَهْلِهَا (حَتَّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا أَنْ يَنْقُسُوا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ حَتَّى نَقَسُوا مِنْ نَصْرٍ أَيْ ضَرَبُوا بِالنَّاقُوسِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ التَّنْقِيسِ بِمَعْنَى الضَّرْبِ بِالنَّاقُوسِ (قَالَ) أي بن أَبِي لَيْلَى (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنِّي لَمَّا رَجَعْتُ) مِنْ عِنْدِكَ يارسول اللَّهِ (لِمَا رَأَيْتُ مِنِ اهْتِمَامِكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِلَّةً لِقَوْلِهِ الْمُقَدَّمِ أَيْ رَجَعْتُ (رَأَيْتُ رَجُلًا) وَهُوَ جَزَاءٌ لَمَّا رَجَعْتُ (فَقَامَ) أَيِ الرَّجُلُ الْمَرْئِيُّ (عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) وَفِي رِوَايَةِ الْأَحْمَدَانِيِّ بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ إِذْ رَأَيْتُ شَخْصًا عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُثَنَّى حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ ثُمَّ أُمْهِلَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ مِثْلَ الَّذِي قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي ذَلِكَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِّمْهَا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا فَكَانَ بِلَالٌ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ بِهَا
قَالَ وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يارسول اللَّهِ قَدْ طَافَ بِي مِثْلُ
стр. 493
الَّذِي طَافَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ سَبَقَنِي (وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ) أَيْ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ (قَالَ بن الْمُثَنَّى) لَفْظُ (أَنْ تَقُولُوا) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مَكَانُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ أَيْ لَوْلَا أَخَافُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّهُ كَاذِبٌ (لَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانًا غَيْرَ نَائِمٍ) يَعْنِي أَنِّي فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ صَادِقٌ لَا رَيْبَ فِيهَا كَأَنِّي رَأَيْتُ الرَّجُلَ الْمَرْئِيَّ الَّذِي أَذَّنَ وَأَقَامَ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ لَا فِي حَالِ النَّوْمِ
وَقَوْلُهُ لَقُلْتُ جَوَابُ لَوْلَا وَغَيْرَ نَائِمٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ تأكيد لقوله يقظان وفي رواية لأحمداني رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ وَلَوْ قُلْتُ إِنِّي لم أكن نائما لصدقت (وقال بن الْمُثَنَّى لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَيْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَمُرْ بِلَالًا لَكِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ لَقَدْ أَرَاكَ الله خيرا في رواية بن المثنى وليست في رواية عمرو (قال) بن أَبِي لَيْلَى (مِثْلَ الَّذِي رَأَى) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ (وَلَكِنْ لَمَّا سَبَقْتُ اسْتَحْيَيْتُ) أَنْ أَقُصَّ عَلَيْكَ رُؤْيَايَ إِلَى هُنَا تَمَّ الْحَالُ الْأَوَّلُ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُحَوَّلَةِ وَالتَّغَيُّرَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّغْيِيرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُحَوَّلَةِ وَالتَّغَيُّرَاتِ الثَّلَاثَةِ هُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ وَيُؤَدُّونَهَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُنْفَرِدِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَتَّفِقُوا عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ يَجْتَمِعُ النَّاسَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَيُؤَدُّونَهَا كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحْسَنَ فَهَذِهِ الْحَالَةُ تَغَيَّرَتْ وَتَبَدَّلَتْ مِنَ الِانْفِرَادِ وَالْوَحْدَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا تَجْوِيزُ النِّدَاءِ وَالْأَذَانِ وَبَثِّ الرِّجَالِ فِي الدُّورِ فَلَيْسَ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِوُصُولِ وَتَحْصِيلِ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا (قَالَ) أَيِ بن أَبِي لَيْلَى (وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا) وَهَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْحَالِ الثَّانِي مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ (قَالَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ) لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا (يَسْأَلُ) بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ عَنِ الْمُصَلِّينَ كَمْ صَلَّيْتُ مَعَ الْإِمَامِ وَكَمْ بَقِيَتْ (فَيُخْبَرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَيُخْبِرُهُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدِ قَبْلَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُخْبِرُهُ الْمُصَلُّونَ بِالْإِشَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَأَشَارُوا إِلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (بِمَا سُبِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِالْقَدْرِ الَّذِي سُبِقَ (مِنْ صَلَاتِهِ) أَيِ الرَّجُلِ الْمَسْبُوقِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِمَا الْمَوْصُولَةِ (وَأَنَّهُمْ قَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 494
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ كَانُوا قَائِمِينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ مَا كَانَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْجَمَاعَةِ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ بَعْضُهُمْ فِي الْقِيَامِ وَبَعْضُهُمْ فِي الرُّكُوعِ وَبَعْضُهُمْ فِي الْقَعْدَةِ وَبَعْضُهُمْ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَمُصَلٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا جاؤوا وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْمِقْدَارِ الَّذِي فَاتَ عَنْهُمْ فَيُخْبَرُونَ بِمَا سُبِقُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ فَيَلْحَقُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ يُؤَدُّونَ مَا سُبِقُوا مِنْهَا ثُمَّ يَصْنَعُونَ كَمَا يَصْنَعُ النَّبِيُّ ﷺ هَكَذَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى مِنْ رِوَايَةِ الْكِتَابِ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ صَلَّوْا مَا فَاتَ عَنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِي الْجَمَاعَةِ وَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ أَدَاءِ مَا فَاتَ عَنْهُمْ دَخَلُوا فِي الْجَمَاعَةِ وَصَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى رِوَايَةُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَلَفْظِهِ وَكَانُوا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ سَبَقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِهَا فَكَانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إِلَى الرَّجُلِ إِذَنْ كَمْ صَلَّى فَيَقُولُ وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَيْنِ فَيُصَلِّيهَا ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ
قَالَ فَجَاءَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ أَبَدًا إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي
قَالَ فَجَاءَ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِهَا قَالَ فَثَبَتَ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقَضَى الْحَدِيثُ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
(قال بن الْمُثَنَّى) بِإِسْنَادِهِ إِلَى شُعْبَةَ (قَالَ عَمْرٌو) بْنُ مُرَّةَ (وَحَدَّثَنِي بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ (حُصَيْنُ) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ أَيْ حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ كما حدثني به بن أبي ليلى (عن بن أبي ليلى) فروى عمر بن مرة عن بن أَبِي لَيْلَى بِلَا وَاسِطَةٍ وَرُوِيَ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ حصين عن بن أَبِي لَيْلَى
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ رَوَى عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ بن أَبِي لَيْلَى مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ وَأَمَّا بَاقِي الحديث فروى عمرو بن مرة عن بن أَبِي لَيْلَى نَفْسِهِ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
(قَالَ شُعْبَةُ) بْنُ الْحَجَّاجِ (وَقَدْ سَمِعْتُهَا) هَذِهِ الرواية أنا أيضا (من حصين) بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَزَادَنِي حُصَيْنٌ عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْآتِيَةُ (فَقَالَ) مُعَاذٌ (لَا أُرَاهُ عَلَى حَالٍ إِلَى قَوْلِهِ) وَهُوَ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا
قَالَ فَقَالَ إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً (كَذَلِكَ فَافْعَلُوا) فَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ تَمَّ الْحَدِيثُ إِلَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ فَافْعَلُوا
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مرة عن
стр. 495
حُصَيْنٍ تَمَّ الْحَدِيثُ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ لِأَنَّهُ أَتَمُّ سِيَاقًا وَأَكْثَرُ بَيَانًا مِنْ حديث بن الْمُثَنَّى (قَالَ) عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى بن أَبِي لَيْلَى (فَجَاءَ مُعَاذٌ فَأَشَارُوا إِلَيْهِ) بِالَّذِي سَبَقَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَفْهَمُوهُ بِالْإِشَارَةِ أَنَّهُ سُبِقَ بِكَذَا وَكَذَا رَكْعَةٍ (قَالَ شُعْبَةُ وَهَذِهِ) الْجُمْلَةُ (سَمِعْتُهَا) أَيِ الْجُمْلَةَ (مِنْ حُصَيْنٍ) كَرَّرَ شُعْبَةُ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ وَإِعْلَامًا بِأَنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ وَإِنْ رَوَى عَنْ حُصَيْنٍ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ لَكِنْ أَنَا أَرْوِي عَنْ حُصَيْنٍ إِلَى قَوْلِهِ فَافْعَلُوا كَذَلِكَ
وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ شُعْبَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقَيْنِ
الأولى عن عمرو بن مرة عن بن أَبِي لَيْلَى وَهُوَ مَتْنٌ طَوِيلٌ مِنَ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ
وَالثَّانِيَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عن بن أَبِي لَيْلَى وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً كَذَلِكَ فَافْعَلُوا وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ شَيْخُ شُعْبَةَ فَهُوَ أَيْضًا رَوَى الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقَيْنِ
الأولى عن بن أبي ليلى والثانية عن حصين عن بن أَبِي لَيْلَى فَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ بن أَبِي لَيْلَى نَفْسِهِ أَطْوَلُ وَرِوَايَتُهُ عَنْ حُصَيْنٍ هِيَ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ فَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ
هَذَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ
قَالَهُ فِي غاية المقصود
(قال) بن أَبِي لَيْلَى (فَقَالَ مُعَاذٌ لَا أَرَاهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (عَلَى حَالٍ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَا أُؤَدِّي مَا سُبِقْتُ بَلْ أَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا سَلَّمَ أَقْضِي مَا سُبِقْتُ وَبَيَانُهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَأَشَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ عَمَّا فَاتَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى عَادَتِهِمُ الْقَدِيمَةِ فَرَدَّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَوْلَهُمْ وَقَالَ لَا أَفْعَلُ هَكَذَا وَلَا أُؤَدِّي الصلاة الفائتة أو لا بَلْ أَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الْقَوْمِ وَنُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَيْ حَالٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ ثُمَّ أَقْضِي الصَّلَاةَ الَّتِي فَاتَتْ مِنِّي بَعْدَ إِتْمَامِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاتَهُ وَفَرَاغِهِ مِنْهَا
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فَجَاءَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ أَبَدًا إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي قَالَ فَجَاءَ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِهَا قَالَ فَثَبَتَ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَقَضَى انْتَهَى
(قَالَ) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ إِلَخْ) فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فِعْلِ مُعَاذٍ وَرَغَّبَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَسْلَكَهُمْ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ
فَهَذَا تَغَيُّرٌ ثَانٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ فِعْلِ
стр. 496
النَّاسِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ إِلَى فِعْلِ مُعَاذٍ
وإلى ها هنا تَمَّتِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ لِلصَّلَاةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا
انْتَهَى
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ لَيْسَتْ بِمَذْكُورَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهَا قَالَ الْحَالَ الثَّالِثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى يَعْنِي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا
الْحَدِيثُ وَيَجِيءُ شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ (قال) بن أَبِي لَيْلَى (أَمَرَهُمْ) أَيِ الْمُسْلِمِينَ (بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ (ثُمَّ أَنْزَلَ رَمَضَانَ) أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ (وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ) أَيْ أَنَّ النَّاسَ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ بِالصِّيَامِ (وَكَانَ الصِّيَامُ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (شَدِيدًا) لَا يَتَحَمَّلُونَهُ (فَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا) وَهَذَا هُوَ الْحَالُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِلصِّيَامِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ فَهَذَا حَوْلَ الْحَدِيثِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أَيْ فَمَنْ كَانَ حَاضِرًا مُقِيمًا غَيْرَ مُسَافِرٍ فَأَدْرَكَهُ الشَّهْرُ فَلْيَصُمْهُ
وَالشُّهُودُ الْحُضُورُ وَقِيلَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ بِمُشَاهَدَةِ الشَّهْرِ وَهِيَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَإِذَا اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي أَثْنَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يفطر حال السفر لحديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي
قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ
قَالَ الْخَازِنُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِي بَعْضِ السَّفَرِ وَأَنْ يُفْطِرَ فِي بَعْضِهِ إِنْ أَحَبَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
انْتَهَى كَلَامُ الْخَازِنِ
وقال بن عُمَرَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ أَنْشَأَ السَّفَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ بِقَوْلِهِ أَخْرَجَ وكيع وعبد بن حميد وبن جرير وبن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فَقَدْ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهر فليصمه وأخرج سعيد بن منصور عن بن عُمَرَ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فليصمه قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فِي أَهْلِهِ ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ فَلْيَصُمْ
انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ الله تعالى
стр. 497
(فَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ) أَيْ غَيْرُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَهَذَا هُوَ الْحَالُ الثَّانِي لِلصِّيَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ
وَأَمَّا أَحْوَالُ الصِّيَامِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَصِيَامَ عَاشُورَاءَ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فرض عليه الصيام وأنزل الله تعالى ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الذين من قبلكم إِلَى قَوْلِهِ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مسكين فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أنزل فيه القران إِلَى قَوْلِهِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فَأَثْبَتَ اللَّهُ صِيَامَهُ عَلَى الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَثَبَتَ الْإِطْعَامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ فَهَذَانِ حَالَانِ لِلْحَدِيثِ
(قَالَ) بن أَبِي لَيْلَى (وَكَانَ الرَّجُلُ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِي (قَالَ) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (فَجَاءَ عُمَرُ فَأَرَادَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ) امْرَأَةُ عُمَرَ (إِنِّي قَدْ نِمْتُ) قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ (فَظَنَّ) أَيْ عُمَرَ (أَنَّهَا) أَيْ أَمْرَأَتَهُ (تَعْتَلُّ) مِنَ الِاعْتِلَالِ أَيْ تُلَهِّي وَتُزَوِّرُ مِنْ تَزْوِيرِ النِّسَاءِ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بهانه ميكتد
قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يُقَالُ تَعَلَّلْتُ بِالْمَرْأَةِ تَعَلُّلًا لَهَوْتُ بِهَا (فَأَتَاهَا) أَيْ فَجَامَعَ أَمْرَأَتَهُ (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ) إِلَى أَهْلِهِ وَكَانَ صَائِمًا (فَأَرَادَ الطَّعَامَ فَقَالُوا) أَيْ أَهْلُ بَيْتِهِ لِهَذَا الرَّجُلِ اصْبِرْ (حَتَّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا) مِنَ التَّسْخِينِ أَيْ نُحْمِي لَكَ (فَنَامَ) الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ (فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلَتْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (هَذِهِ الْآيَةَ) الْآتِيَةَ (فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نسائكم وَهَذَا هُوَ الْحَالُ الثَّالِثُ لِلصِّيَامِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَفْسِيرِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وعبد بن حميد وبن المنذر والبيهقي في سننه عن بن عَبَّاسٍ قَالَ الدُّخُولُ وَالتَّغَشِّي وَالْإِفْضَاءُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالرَّفَثُ وَاللَّمْسُ وَالْمَسُّ وَالْمَسِيسُ الْجِمَاعُ وَالرَّفَثُ فِي الصِّيَامِ الْجِمَاعُ وَالرَّفَثُ فِي الْحَجِّ الْإِغْرَاءُ بِهِ انْتَهَى
стр. 498
[٥٠٧] (حدثنا بن الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَكَذَا فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ وَأَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي رَوَّادٍ فَهُوَ غَلَطٌ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْكُوفِيُّ الْمَسْعُودِيُّ صَدُوقٌ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَضَابِطُهُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ فَبَعْدَ الِاخْتِلَاطِ مِنَ السَّابِعَةِ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ وَسَاقَ نَصْرُ بْنُ المهاجر واقتص بن الْمُثَنَّى مِنْهُ أَيْ مِنَ الْحَدِيثِ قَطُّ بِمَعْنَى حسب قال بن الْمُثَنَّى الْحَالُ الثَّالِثُ إِلَخْ يَعْنِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُصَلُّونَ فِي أَوَّلِ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا لِمُوَافَقَةِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَيَقْصِدُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ وَأُحِيلَ الصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ فَأَمَّا أَحْوَالُ الصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ يُصَلِّي سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماء فلنولينك قبلة ترضاها الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول انْتَهَى قُلْتُ وَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ تَوَجَّهَ النبي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا هُوَ الصَّحِيحُ وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَمَا فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَهُوَ يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَضَعَّفَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ رِوَايَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَشْبَعَ الْكَلَامَ فِيهِ وَأَطَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمَّا غَلَبَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وتمنى النبي ﷺ وَدَعَا رَبَّهُ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَبِلَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآية ألاتية قد نرى تقلب وجهك يَعْنِي تُرَدِّدُ وَجْهَكَ وَتَصْرِفُ نَظَرَكَ فِي السَّمَاءِ أَيْ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ أَيْ فَلَنُحَوِّلَنَّكَ وَلَنَصْرِفَنَّكَ قِبْلَةً أَيْ وَلَنَصْرِفَنَّكَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى قِبْلَةٍ تَرْضَاهَا أَيْ تُحِبُّهَا وَتَمِيلُ إِلَيْهَا فول وجهك شطر المسجد الحرام أَيْ نَحْوَهُ وَتِلْقَاءَهُ وَأَرَادَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ أَيْ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أَيْ نَحْوَ الْبَيْتِ وَتِلْقَاءَهُ فَحُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ وَهَذِهِ
стр. 499
حَالَةٌ ثَالِثَةٌ لِتَغَيُّرِ الصَّلَاةِ وَتَمَّ حَدِيثُهُ أَيِ بن الْمُثَنَّى وَسَمَّى نَصْرٌ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَقَالَ) أَيْ نصر بن المهاجر عن يزيد بن هارون فِيهِ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَيِ الرَّجُلُ الْمَرْئِيُّ ثُمَّ أَمْهَلَ الرَّجُلُ الْمَرْئِيُّ هُنَيَّةً أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ زَادَ الرَّجُلُ الْمَرْئِيُّ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لَقِّنْهَا أَيْ كَلِمَةَ الْأَذَانِ فَأَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَقَالَ نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بِسَنَدِهِ فِي الصَّوْمِ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كُتِبَ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ وَالصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ يُقَالُ صَامَ النَّهَارَ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إني نذرت للرحمن صوما أَيْ صَمْتًا لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مَعَ النِّيَّةِ قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين من قبلكم يَعْنِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى عَهْدِكُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ قَدِيمَةٌ أَيْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ مَا أَخْلَى اللَّهُ أُمَّةً لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ كَمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ شَاقَّةٌ وَالشَّيْءُ الشَّاقُّ إِذَا عَمَّ سَهُلَ عَمَلُهُ قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يَعْنِي مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فِي صِيَامِكُمْ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا أَيَّامًا نُصِبَ بِالصِّيَامِ أَوْ يَصُومُوا مُقَدَّرًا مَعْدُودَاتٍ أَيْ قَلَائِلَ أَيْ موقتات
стр. 500
بعدد معلوم وهي رمضان وقلله تَسْهِيلًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حِينَ شُهُودِ رَمَضَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَيْ مُسَافِرٌ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ فَعَلَيْهِ عِدَّةُ مَا أَفْطَرَ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَصُومُهَا بَدَلَهُ وَعَلَى الَّذِي يُطِيقُونَهُ أَيْ يُطِيقُونَ الصَّوْمَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَصُومُوا وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرُوا وَيَفْدُوا وَإِنَّمَا خَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ ثُمَّ نُسِخَ التَّخْيِيرُ وَنَزَلَتِ الْعَزِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشهر فليصمه فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِلتَّخْيِيرِ قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ مَعْنَاهَا وَعَلَى الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ انْتَهَى أَيْ بِتَقْدِيرِ لَا فدية طعام مسكين الفدية الجزاء وهو الْقَدْرِ الَّذِي يَبْذُلُهُ الْإِنْسَانُ يَقِي بِهِ نَفْسَهُ مِنْ تَقْصِيرٍ وَقَعَ مِنْهُ فِي عِبَادَةٍ وَنَحْوَهَا وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقَضَاءِ لِكِبَرٍ أَنْ يُطْعِمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ فَهَذَا حَوْلٌ أَيْ حَالٌ
شَهْرُ رَمَضَانَ يَعْنِي وَقْتُ صِيَامِكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ سُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ يُقَالُ لِلسِّرِّ إِذَا أَظْهَرَهُ شَهَرَهُ وَسُمِّيَ الْهِلَالُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ وَبَيَانِهِ قَالَهُ الْخَازِنُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ هُدًى حَالٌ هَادِيًا مِنَ الضَّلَالَةِ لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ مِنَ الْهُدَى مِمَّا يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْفُرْقَانِ أَيْ مِنَ الْفُرْقَانِ مِمَّا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ أَيْ حَضَرَ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سفر فعدة من أيام أخر إِنَّمَا كَرَّرَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى تَخْيِيرُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ ثُمَّ نُسِخَ تَخْيِيرُ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ فَمَنْ شهد منكم الشهر فليصمه فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا لَاحْتَمَلَ أَنْ يَشْمَلَ النَّسْخُ الْجَمِيعَ فَأَعَادَ بَعْدَ ذِكْرِ النَّاسِخِ الرُّخْصَةَ للمريض
стр. 501
وَالْمُسَافِرِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَجَاءَ صِرْمَةُ هُوَ صَحَابِيٌّ وَسَاقَ أَيْ نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الْحَدِيثُ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَلَفْظُهُ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ صِرْمَةُ ظَلَّ يَعْمَلُ صَائِمًا حَتَّى أَمْسَى فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ نَامَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى أَصْبَحَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا قَالَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جهد جهدا شديدا قال مالي أَرَاكَ قَدْ جَهِدْتَ جَهْدًا شَدِيدًا قَالَ يَا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي عَمِلْتُ أَمْسِ فَجِئْتُ حِينَ جِئْتُ فَأَلْقَيْتُ نَفْسِي فَنِمْتُ وَأَصْبَحْتُ حِينَ أَصْبَحْتُ صَائِمًا قَالَ وَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَصَابَ مِنَ النساء من جارية أو من حرة بعد ما نام وأتى النبي فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ
٨ - (بَاب فِي الْإِقَامَةِ)
[٥٠٨] (عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبِالْكَافِ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ رَوَى عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَهُوَ من أقرانه
قاله العيني في عمدة القارىء (أُمِرَ بِلَالٌ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَالْآمِرُ مُضَافٌ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَيْهِ
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ بِلَالًا لَحِقَ بِالشَّامِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَخْلَفَ سَعْدُ الْقَرَظِ الْأَذَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ انْتَهَى
قُلْتُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا وَمَا فِي الْبَيْهَقِيِّ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ (أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بِأَنْ يَأْتِي بِأَلْفَاظِهِ شَفْعًا أَيْ يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَرَّتَيْنِ سِوَى آخِرِهَا
قَالَهُ الطِّيبِيُّ
(وَيُوتِرَ الْإِقَامَةِ) وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِقَامَةِ هُوَ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ الْمَشْرُوعَةِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ
أَيْ وَيَقُولُ كَلِمَاتُ الْإِقَامَةِ مَرَّةً مَرَّةً
стр. 502
(زَادَ حَمَّادٌ فِي حَدِيثِهِ إِلَّا الْإِقَامَةَ) أَيْ لَفْظَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ لَا يُوتِرُهَا بَلْ يَشْفَعُهَا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ عَدَمُ اسْتِثْنَاءِ التَّكْبِيرِ فِي الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ يُثَنَّى كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وِتْرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَكْبِيرِ الْأَذَانِ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ أَرْبَعٌ وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ فِي تَكْبِيرِ أَوَّلِ الْأَذَانِ لَا فِي آخِرِهِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَرْكَ اسْتِثْنَائِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَقْدَحُ فِي ثُبُوتِهِ لِأَنَّ رِوَايَاتِ التَّكْرِيرِ زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْإِقَامَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً كُلُّهَا مُفْرَدَةٌ إِلَّا التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا وَلَفْظُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا مَثْنَى مَثْنَى
وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ السَّابِقِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الآتي
قال بن سَيِّدِ النَّاسِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ وَأَنَسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَدَاوُدُ وبن المنذر وذهبت الحنفية والثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّ أَلْفَاظُ الْإِقَامَةِ مِثْلُ الْأَذَانِ عِنْدَهُمْ مَعَ زِيَادَةِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ
انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِقَامَةَ مَثْنَى مِثْلَ الْأَذَانِ وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ بِدَعْوَى النَّسْخِ وَأَنَّ إِفْرَادَ الْإِقَامَةِ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَفِيهِ تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَيَكُونُ نَاسِخًا وَعُورِضَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُحَسَّنَةِ التَّرْبِيعُ وَالتَّرْجِيعُ فَكَانَ يَلْزَمُهُمُ الْقَوْلُ بِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَعَلَّمَهُ سَعْدَ الْقَرَظِ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الدارقطني والحاكم
وقال بن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وبن جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ فإن ربع التكبير الأولى فِي الْأَذَانِ أَوْ ثَنَّاهُ أَوْ رَجَّعَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ أَوْ أَفْرَدَهَا كُلَّهَا أَوْ إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصلاة فالجميع جائز
وعن بن خُزَيْمَةَ إِنْ رَبَّعَ الْأَذَانَ وَرَجَّعَ فِيهِ ثَنَّى الْإِقَامَةَ وَإِلَّا أَفْرَدَهَا وَقِيلَ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَحَدٌ قَبْلَهُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ أَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ فَيُكَرَّرُ لِيَكُونَ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا لِلْحَاضِرِينَ وَمِنْ ثَمَّ اسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ فِي مَكَانٍ عَالٍ
стр. 503
بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ وَأَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ فِي الْأَذَانِ أَرْفَعَ مِنْهُ فِي الْإِقَامَةِ وَأَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مُرَتَّلًا وَالْإِقَامَةُ مُسَرَّعَةً وَكَرَّرَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالذَّاتِ
قُلْتُ تَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيُّ لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَصَارَ لِأَنْ يَفُوتَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَذَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ لِتَشْتَرِكَ الْأَسْمَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا اخْتُصَّ التَّرْجِيعُ بِالتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى
[٥٠٩] (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) بْنِ مِهْرَانَ أَوِ الْمَنَازِلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَكَسْرِ الزاي الْبَصْرِيِّ الْحَذَّاءُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ وقيل لأنه كان يقول أخذ عَلَى هَذَا النَّحْوِ وَهُوَ ثِقَةٌ يُرْسِلُ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم هو بن عُلَيَّةَ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ (أَيُّوبَ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ (فَقَالَ) أَيُّوبُ (إِلَّا الْإِقَامَةَ) أَيْ إِلَّا لَفْظَةَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَإِنَّ بِلَالًا يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ
قَالَ الحافظ في الفتح ادعى بن مَنْدَهْ أَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا الْإِقَامَةَ مِنْ قَوْلِ أَيُّوبَ غَيْرُ مُسْنَدٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ سماك بن عطية أي التي سبقت إدارجا وَكَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ قَوْلَهُ إِلَّا الْإِقَامَةَ هُوَ مِنْ قَوْلِ أَيُّوبَ وَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ بِسَنَدِهِ مُتَّصِلًا بِالْخَبَرِ مُفَسَّرًا وَلَفْظُهُ كَانَ بِلَالٌ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ
وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالسِّرَاجِ فِي مُسْنَدِهِ وَكَذَا هُوَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَيَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ
وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ فِي الْخَبَرِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا دَلِيلَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا أَنَّ خَالِدًا كَانَ لَا يَذْكُرُ الزِّيَادَةَ وَكَانَ أَيُّوبُ يَذْكُرُهَا وَكُلٌ مِنْهُمَا رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٌ فَكَانَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَتُقْبَلُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
[٥١٠] (إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ) أَيْ أَلْفَاظُهُ مِنَ الْجُمَلِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي عَهْدِهِ (مَرَّتَيْنِ
стр. 504
مَرَّتَيْنِ) قَالَ عَلِيٌّ فِي الْمِرْقَاةِ خُصَّ التَّكْبِيرُ عَنِ التَّكْرِيرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ أَرْبَعٌ خِلَافًا لِمَالِكٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَخُصَّ التَّهْلِيلُ عَنْهُ فِي آخِرِهِ عِنْدَ الْكُلِّ فَإِنَّهُ وِتْرٌ
وَهَذَا الْحَدِيثُ فَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ التَّرْجِيعِ
انْتَهَى
قُلْتُ رِوَايَةُ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ وَآخِرِهِ كَثِيرَةٌ وَالتَّرْجِيعُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنْ ثَبَتَ التَّرْجِيعُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الصَّحَابِيِّ وَالزِّيَادَةُ أَحْرَى بِالْقَبُولِ (وَالْإِقَامَةُ) أَيْ كَلِمَاتُهَا (مَرَّةً مَرَّةً) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ لَكِنْ يَنْبَغِي اسْتَثْنَاءُ التَّكْبِيرِ أَوَّلًا وَآخِرًا فَإِنَّهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ لحديث عبد الله بن زيد السابق والحديث يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيِ الْمُؤَذِّنَ (يَقُولُ) أَيْ فِي الْإِقَامَةِ (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ مَرَّتَيْنِ وَالْمَعْنَى قَارَبَتْ قِيَامَهَا
وَفِي النِّهَايَةِ قَامَ أَهْلُهَا أَوْ حَانَ قِيَامُ أَهْلِهَا وَقِيلَ عَبَّرَ بِالْمَاضِي إِعْلَامًا بِأَنَّ فِعْلَهَا الْقَرِيبَ الْوُقُوعِ كَالْمُحَقَّقِ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ وَيُبَادِرَ إِلَيْهِ
قَالَهُ عَلِيٌّ (قَالَ شُعْبَةَ لَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ) قال بن دقيق العيد وأخرجه بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ
وَأَبُو جَعْفَرٍ هَذَا قَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٥١١] (عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو) هُوَ بَدَلٌ عَنْ أَبِي عَامِرٍ (عَنْ أَبِي جعفر) قال الحافظ في التلخيص قال بن حِبَّانَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ
وَقَالَ الْحَاكِمُ اسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ الْخَطْمِيُّ وَوَهَمَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ
انْتَهَى
وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ أَوِ الْبَصْرِيُّ عَنْ جَدِّهِ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَيَحْيَى القطان
قال بن معين والدارقطني ليس به بأس وقال بن عَدِيٍّ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا يَسِيرٌ لَا يَتَبَيَّنُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ
انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْفَرَّاءِ
انْتَهَى
وَأَبُو جَعْفَرٍ الْفَرَّاءُ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ وَقِيلَ كَيْسَانُ وَقِيلَ زِيَادٌ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ الْمُتَقَدِّمُ قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ
وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هو
стр. 505
الْأَوَّلُ قِيلَ عُرْيَانٌ مَوْضِعٌ بِالْكُوفَةِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُؤَذِّنٌ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ فِي مَسْجِدِ بَنِي هِلَالٍ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو جَعْفَرٍ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (سَمِعْتُ أَبَا الْمُثَنَّى مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الْأَكْبَرِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي الْمُثَنَّى مُؤَذِّنُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ مُؤَذِّنٌ كَانَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَبُو الْمُثَنَّى مُسْلِمُ بْنُ الْمُثَنَّى وَقِيلَ مِهْرَانُ قَالَ أَبُو عُمَرَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَوْ أَبُو الْمُثَنَّى
٩ - (بَابٌ الرَّجُلُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ آخَرُ)
[٥١٢] (فِي الْأَذَانِ أَشْيَاءَ) أَيِ الْبُوقَ وَالنَّاقُوسَ وَالْقَرْنَ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (فِي الْمَنَامِ) أَيْ فِي الرُّؤْيَةِ (فَأَتَى) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ (فَأَذَّنَ بِلَالٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قِيلَ مُنَاسَبَةُ اخْتِصَاصِ بِلَالٍ بِالْأَذَانِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ لَمَّا عُذِّبَ لِيَرْجِعَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَيَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ فَجُوزِيَ بِوِلَايَةِ الْأَذَانِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ فِي اخْتِصَاصِ بِلَالٍ بِالْأَذَانِ (أَنَا رَأَيْتُهُ) أَيِ الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ (وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ) أَيْ أَنْ أُقِيمَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَلَفْظُهُ فَقَالَ أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَأَلْقَيْتُهُ فَأَذَّنَ فَأَرَادَ أَنْ يقيم
فقلت يارسول اللَّهِ أَنَا رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ فَأَقَامَ هُوَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ (فَأَقِمْ أَنْتَ) أَيِ الْإِقَامَةَ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ الْمُؤَذِّنِ بِالْإِقَامَةِ
وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْوَاقِفِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ضعفه القطان وبن نُمَيْرٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَقِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ عبد الله بن محمد
قال بن عبد البر
стр. 506
إِسْنَادُهُ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ الْآتِي
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِنْ صَحَّا لَمْ يَتَخَالَفَا لِأَنَّ قِصَّةَ الصدائي بعد وذكره بن شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا أبو الشيخ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ فِي الْإِسْلَامِ بِلَالٌ وَأَوَّلَ مَنْ أَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ الْحَافِظُ وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ رواه الحكم عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يَسْمَعْهَا الْحَكَمُ مِنْ مِقْسَمٍ
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ عَمْرٌو الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بن زَيْدٍ انْتَهَى
[٥١٣] (بِهَذَا الْخَبَرِ) الَّذِي مَرَّ (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (فَأَقَامَ جَدِّي) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ
[٥١٤] (زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ) هُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (الصُّدَائِيَّ) بِضَمِّ الصَّادِ مَنْسُوبٌ إِلَى صُدَاءَ مَمْدُودًا وَهُوَ حَيٌّ من اليمن
قاله بن الْمَلَكِ (لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ) أَيْ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ لِأَوَّلِ أَذَانِ الصُّبْحِ وَهُوَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا ثَانِيَةٌ (أَمَرَنِي) أَنْ أَذِّنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ (فَأَذَّنْتُ) وَلَعَلَّهُ كَانَ بِلَالٌ غَائِبًا فَحَضَرَ (فَجَعَلَ يَنْظُرُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَيَقُولُ لَا) أَيْ مَا جَاءَ وَقْتُ الْإِقَامَةِ (نَزَلَ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّاحِلَةِ (فَبَرَزَ) أَيْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ (وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ) وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ وَكَانَتْ هَذِهِ وَاقِعَةَ سَفَرٍ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ (يَعْنِي فَتَوَضَّأَ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِبَرَزَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (أَنْ يُقِيمَ) عَلَى عَادَتِهِ (وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) أَيِ الْإِقَامَةَ
стр. 507
قُلْتُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْمَسْأَلَةُ الأولى أنه يكتفي الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ عَنْ إِعَادَةِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَمَنَعَهُ إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ
أَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الأولى فبأن في إسناده ضعف وَأَيْضًا فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَكَانَتْ فِي سَفَرٍ فلا تقوم به الحجة وأيضا حديث بن عُمَرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظِهِ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حَدِيثَ الصُّدَائِيِّ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يُقَاوِمُ حديث بن عُمَرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هَذَا مُلْتَقَطٌ مِنْ فَتْحٍ الْبَارِيِّ
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَبِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدٌ وَإِنْ كَانَتِ الشَّوَاهِدُ ضَعِيفَةً أَيْضًا وَأَنَّ الْإِقَامَةَ حَقٌّ لِمَنْ أَذَّنَ وَمَا وَرَدَ فِي خِلَافِهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ حَقٌّ لِمَنْ أَذَّنَ فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ وَعَضَّدَ حَدِيثُ الباب حديث بن عُمَرَ بِلَفْظِ مَهْلًا يَا بِلَالُ فَإِنَّمَا يُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وإن كان قد ضعفه أبو حاتم وبن حِبَّانَ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادَ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ
وَقَالَ أَحْمَدُ لَا أَكْتُبُ حَدِيثَ الْإِفْرِيقِيِّ قَالَ وَرَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يُقَوِّي أَمْرَهُ وَيَقُولُ هُوَ مُقَارِبٌ الْحَدِيثَ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ أذن فهو يقيم
قال الحارمي فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ غَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا فَرْقِ وَالْأَمْرُ مُتَّسِعٌ وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا أَذَّنَ الرَّجُلُ أَحْبَبْتُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ
وَقَدْ عَرَفْتَ تَأْخِيرَ حَدِيثِ الصُّدَائِيِّ هَذَا وَأَرْجَحِيَّةَ الْأَخْذِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ لَكَانَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ السَّابِقُ خَاصًّا بِهِ والأولوية باعتباره غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ
وَقَالَ الْحَافِظُ الْيَعْمَرِيُّ وَالْأَخْذُ بِحَدِيثِ الصُّدَائِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ السَّابِقَ كَانَ أَوَّلُ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَحَدِيثُ الصُّدَائِيِّ بَعْدَهُ بِلَا شَكَّ انْتَهَى
وَقَدْ مَضَى بَعْضُ بَيَانِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ السَّابِقِ
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وبن ماجه
стр. 508
٣
([٥١٥] بَاب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ)
وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيُّ بِقَوْلِهِ بَابُ الثَّوَابِ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ
(مَدَى صَوْتِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ في معالم السنن وبن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ مَدَى الشَّيْءِ غَايَتُهُ وَالْمَعْنَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا اسْتَوْفَى وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فَيَبْلُغَ الْغَايَةِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ مِنَ الصَّوْتِ
وَقِيلَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ كَلَامُ تَمْثِيلٍ وَتَشْبِيهٍ يُرِيدُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الصَّوْتُ لَوْ يُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ أَقْصَاهُ وَبَيْنَ مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ذُنُوبٌ تَمْلَأُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ غَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَيْ لَهُ مَغْفِرَةٌ طَوِيلَةٌ عَرِيضَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ يَسْتَكْمِلُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ إِذَا اسْتَوْفَى وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ
وَقِيلَ يَغْفِرُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَتْ أَجْسَامًا لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْجَوَانِبِ الَّتِي يَبْلُغُهَا
وَالْمَدَى عَلَى الْأَوَّلِ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ وَعَلَى الثَّانِي رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ يقيم مَقَامَ الْفَاعِلِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُغْفَرُ لِأَجْلِهِ كُلَّ مَنْ سَمِعَ صَوْتِهِ فَحَضَرَ لِلصَّلَاةِ الْمُسَبَّبَةِ لِنِدَائِهِ فَكَأَنَّهُ غُفِرَ لِأَجْلِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ الَّتِي بَاشَرَهَا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَغْفِرُ بِشَفَاعَتِهِ ذُنُوبَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا أَوْ مُقِيمًا إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ وَقِيلَ يَغْفِرُ بِمَعْنَى يَسْتَغْفِرُ أَيْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ انْتَهَى (وَيَشْهَدُ لَهُ) أَيْ لِلْمُؤَذِّنِ (كُلُّ رَطْبٍ) أَيْ نَامٍ (وَيَابِسٍ) أَيْ جَمَادٍ مِمَّا يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القيامة قال الحافظ في الفتح قال بن بَزِيزَةَ تَقَرَّرَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ السَّمَاعَ وَالشَّهَادَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ حَيٍّ فَهَلْ ذَلِكَ حِكَايَةٌ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ ناطقة بلسان حالها بحلال بَارِيهَا أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهَا الْحَيَاةَ وَالْكَلَامَ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ لِلْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ عِلْمًا وَإِدْرَاكًا وَتَسْبِيحًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ من خشية الله وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بحمده قَالَ الْبَغَوِيُّ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الذِّئْبِ وَالْبَقَرِ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى
قُلْتُ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سمرة
стр. 509
مَرْفُوعًا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ وَمَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ فِي قَوْلِ النَّارِ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ
(وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ) أَيْ حَاضِرُهَا مِمَّنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ وَقْتِهَا
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ أَيْ وَالَّذِي يَحْضُرُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (يُكْتَبُ لَهُ) أَيْ لِلشَّاهِدِ (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ ثَوَابَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (صَلَاةً) وَقِيلَ بِعَطْفِ شَاهِدٍ عَلَى كُلِّ رَطْبٍ أَيْ يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ حَاضِرُهَا يُكْتَبُ لَهُ أَيْ لِلْمُؤَذِّنِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ تَفْضِيلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً
قُلْتُ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَهِيَ لِلْمُطَابَقَةِ أَظْهَرُ وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ بِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ
وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ صَلَّى بِأَذَانِهِ فَإِذَا كُتِبَ لِشَاهِدِ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانِهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَتْبِ مِثْلِهِ لِلْمُؤَذِّنِ وَمِنْ ثَمَّ عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ يُغْفَرُ لَهُ لِبَيَانِ أَنَّ لَهُ ثَوَابَيْنِ الْمَغْفِرَةَ وَكِتَابَةَ مِثْلِ تِلْكَ الْكِتَابَةِ
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ شَاهِدُ الصَّلَاةِ عَطْفٌ عَلَى كُلِّ رَطْبٍ عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ كَمَا اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي يُكْتَبُ لَهُ لِلشَّاهِدِ وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا وَسِيَاقًا أَوْ لِلْمُؤَذِّنِ وَهُوَ أَنْسَبُ مَعْنًى وَسِيَاقًا
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَيُكَفَّرُ عَنْهُ) أَيِ الشَّاهِدِ أَوِ الْمُؤَذِّنِ (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَهُمَا أَوْ مَا بَيْنَ أَذَانٍ إِلَى أَذَانٍ مِنَ الصَّغَائِرِ
قَالَ المنذري والحديث أخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَبُو يَحْيَى هَذَا لَمْ يُنْسَبْ فَيُعْرَفَ حَالُهُ
[٥١٦] (إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَالْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ كَمَا فِي قوله تعالى فكلا أخذنا بذنبه أَيْ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ وَمَعْنَاهُ إِذَا أَذَّنَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ وَبِسَبَبِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى التَّعْلِيلِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (أَدْبَرَ) أَيْ عَنْ مَوْضِعِ الْأَذَانِ الْإِدْبَارُ نَقِيضُ الْإِقْبَالِ يُقَالُ دَبَرَ وَأَدْبَرَ إِذَا وَلَّى (الشَّيْطَانُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ إِبْلِيسُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَكِنِ الْمُرَادُ هُنَا شَيْطَانُ الْجِنِّ خَاصَّةً (وَلَهُ ضُرَاطٌ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ كَغُرَابٍ وَهُوَ رِيحٌ مِنْ أَسْفَلِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا لِثِقَلِ الْأَذَانِ عَلَيْهِ كَمَا لِلْحِمَارِ مِنْ ثِقَلِ الْحَمْلِ
قَالَهُ علي القارىء
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هُوَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا
وَقَالَ عِيَاضٌ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى
стр. 510
ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ نِفَارِهِ
انْتَهَى قَالَ الطِّيبِيُّ شَبَّهَ شَغْلَ الشَّيْطَانِ نَفْسَهُ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأُ السَّمْعَ ويمنعه عن سماع عيره ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ (حَتَّى لَا يَسْمَعُ التَّأْذِينَ) هَذِهِ غَايَةٌ لِإِدْبَارِهِ وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَةِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانُ الرَّوْحَاءِ وَحَكَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ رِوَايَةً عَنْ جَابِرٍ أَنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّوْحَاءِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا وقوله حتى لايسمع تَعْلِيلٌ لِإِدْبَارِهِ
انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ إِخْرَاجَ ذَلِكَ إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْتِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ أَوْ يَصْنَعَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ شِدَّةُ خَوْفٍ يَحْدُثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ بِسَبَبِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيُقَابِلَ مَا يُنَاسِبُ الصَّلَاةَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِأَنَّ قوله حتى لايسمع ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ (فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْفَرَاغُ أَوِ الِانْتِهَاءُ وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْرُوفِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ وَالْمُرَادُ الْمُنَادَى (أَقْبَلَ) الشَّيْطَانُ
زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَسْوَسَ (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ حَتَّى إِذَا أُقِيمَ لِلصَّلَاةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ التثويب ها هنا الْإِقَامَةُ وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ التَّثْوِيبَ إِلَّا قَوْلَ المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم حسب ومعنى التثويب الإعلام بالشيء وا نذار بِوُقُوعِهِ وَأَصْلُهُ أَنْ يُلَوِّحَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ بِثَوْبِهِ فَيُنْذِرَهُ عَنِ الْأَمْرِ يُرْهِقُهُ مِنْ خَوْفٍ أَوْ عَدُوٍّ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ إِعْلَامٍ يَجْهَرُ بِهِ صَوْتُهُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْإِقَامَةُ تَثْوِيبًا لِأَنَّهُ إِعْلَامٌ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ
وَيُقَالُ ثَابَ الشَّيْءِ إذا رجع والأذن إِعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قِيلَ هُوَ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ وَقِيلَ مِنْ ثَوَّبَ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ عِنْدَ الفراغ لأعلام غيره
وقال الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِالتَّثْوِيبِ هُنَا الْإِقَامَةُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ إِذَا أُقِيمَتْ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْأَذَانَ وَكُلُّ مَنْ رَدَّدَ صَوْتًا فَهُوَ مُثَوِّبٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ (حَتَّى يَخْطُرَ) بِضَمِّ الطَّاءِ
قَالَ عِيَاضٌ كَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَضَبَطْنَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ وهوالوجه وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ وَأَصْلُهُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنَ الْمُرُورِ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيَشْغَلُهُ وَصَفَ الْهَجَرِيُّ فِي
стр. 511
نَوَادِرِهِ الضَّمُّ مُطْلَقًا وَقَالَ وَهُوَ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أَيْ قَلْبِهِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا قِيلَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ خُطُورَهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِغَايَةِ الْقُرْبِ مِنْهُ
انْتَهَى
قَالَ الْبَاجِيُّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أَيْ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ قِيلَ خَصَّهُ بِمَا يَعْلَمُ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ يَمِيلُ لِمَا يَعْلَمُ أَكْثَرُ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لِأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ فَيَذْكُرُهُ بِمَا سَبَقَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لِيَشْغَلَ بَالُهُ بِهِ وَبِمَا لَمْ يَكُنْ سبق له ليوقعه في الفكرة فيها (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) قَالَ الطِّيبِيُّ كَرَّرَ حَتَّى فِي الْحَدِيثِ خَمْسَ مَرَّاتٍ الْأُولَى وَالْأَخِيرَتَانِ بِمَعْنَى كَيْ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ دَخَلَتَا عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ وَلَيْسَتَا لِلتَّعْلِيلِ
انْتَهَى
قَالَ فِي الْفَتْحِ كَذَا لِلْجُمْهُورِ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمَفْتُوحَةِ
وَمَعْنَى يَظَلُّ فِي الْأَصْلِ اتِّصَافٌ لِمُخْبِرٍ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ أَوْ يَبْقَى وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ يَضِلُّ بِكَسْرِ الضَّادِ السَّاقِطَةِ أَيْ يَنْسَى ومنه قوله تعالى أن تضل إحداهما أو بفتحها أي يخطىء وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا ينسى وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ
انْتَهَى
(أَنْ يَدْرِيَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ لَا يَدْرِي قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِنْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَا وحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ فِي الْمُوَطَّأِ فَتْحَ الْهَمْزَةِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَيْسَتْ رِوَايَةُ الْفَتْحِ بِشَيْءٍ إِلَّا مَعَ رِوَايَةِ الضَّادِ السَّاقِطَةِ فَتَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَمَفْعُولُ ضَلَّ إِنْ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ يَضِلُّ عَنْ دِرَايَتِهِ (كَمْ صَلَّى) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى لَا يَدْرِي أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي هُرُوبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ دُونَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ يَهْرَبُ حَتَّى لَا يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَذَانَ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى السُّجُودِ الَّذِي أَبَاهُ وَعَصَى بِسَبَبِهِ وَغَيْرِ ذلك
قال بن بَطَّالٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنْ خُرُوجِ الْمَرْءِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالشَّيْطَانِ الَّذِي يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْمُنْذَرِيُّ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 512
٣١ - (باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الْوَقْتِ)
[٥١٧] أَيْ مُحَافَظَتِهِ (الْإِمَامُ ضَامِنٌ) أَيْ مُتَكَفِّلٌ لِصَلَاةِ الْمُؤْتَمِّينَ بِالْإِتْمَامِ فَالضَّمَانُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَرَامَةِ بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الضَّامِنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ الرَّاعِي وَالضَّمَانُ الرِّعَايَةُ فَالْإِمَامُ ضَامِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْفَظُ الصَّلَاةَ وَعَدَدَ الرَّكَعَاتِ عَلَى الْقَوْمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ ضَمَانُ الدُّعَاءِ يَعُمُّهُمْ بِهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَهُمْ وَلَيْسَ الضَّمَانُ الَّذِي يُوجِبُ الْغَرَامَةَ مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَكَذَلِكَ يَتَحَمَّلُ الْقِيَامَ أَيْضًا إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ رَاكِعًا (وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ) قَالَ بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ مُؤْتَمَنُ الْقَوْمِ الَّذِي يَثِقُونَ إِلَيْهِ وَيَتَّخِذُونَهُ أَمِينًا حَافِظًا يُقَالُ الْمُؤْتَمَنُ الرَّجُلُ فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ يَعْنِي أَنَّ الْمُؤَذِّنُ أَمِينُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمُ
انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مرقاة الصعود ولابن ماجه من حديث بن عُمَرَ مَرْفُوعًا خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمُ انْتَهَى
وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمُؤَذِّنُ أَمِينٌ فِي الْأَوْقَاتِ يَعْتَمِدُ النَّاسَ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمُؤَقَّتَةِ
انْتَهَى
وقال بن الْمَلَكِ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ لِأَنَّهُمْ يَرْتَقُونَ فِي أَمْكِنَةٍ عَالِيَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرِفُوا عَلَى بُيُوتِ النَّاسِ لِكَوْنِهِمْ أُمَنَاءَ (اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ) والمعنى أرشد الأئمة للعلم بما تكلفوه وَالْقِيَامِ بِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ (وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) مَا عَسَى يَكُونُ لَهُمْ تَفْرِيطٌ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمٍ عَلَى الْوَقْتِ أَوْ تَأْخِيرٍ عَنْهُ سَهْوًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَائِشَةَ أَصَحُّ
وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بن الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عن عائشة في هذا
стр. 513
[٥١٨] (بن نُمَيْرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ قَالَ بن الْمَدِينِيِّ لَمْ يَسْمَعْ سُهَيْلٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِيهِ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْأَعْمَشُ مِنْ أَبِي صَالِحٍ بِيَقِينٍ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِيهِ نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ (قَالَ) أَيِ الْأَعْمَشُ (وَلَا أُرَانِي) أَيْ لَا أَظُنُّ (إِلَّا قَدْ سَمِعْتُهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَبِي صالح (مثله) أي مثل حديث الساق
٢ - (بَاب الْأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ)
[٥١٩] (يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى بَيْتِي (فَيَأْتِي) أَيْ بِلَالٌ (بِسَحَرٍ) أَيْ فِي وَقْتِ السَّحَرِ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ وَالسَّحَرُ بِفَتْحَتَيْنِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ وَبِضَمَّتَيْنِ لُغَةٌ وَالْجَمْعُ أَسْحَارٌ (فَإِذَا رَآهُ) أَيْ إِذَا رَأَى بِلَالٌ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ (تَمَطَّى) هُوَ جَوَابُ إِذَا قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَمَطَّى الرَّجُلُ تَمَدَّدَ
انْتَهَى
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ تَمَدَّدَ بِلَالٌ لِطُولِ جُلُوسِهِ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ خميازه ميكرفت (ثُمَّ قَالَ) أَيْ بِلَالٌ (قَالَتْ) أَيِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ (ثُمَّ يُؤَذِّنُ) بِلَالٌ (مَا عَلِمْتُهُ) أَيْ بِلَالًا
стр. 514
٣٣ - (باب المؤذن يستدير في أذنه)
[٥٢٠] (قَالَ) أَيْ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وَالْمَدِّ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فِي قُبَّةٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ الْقُبَّةُ مِنَ الْبُنْيَانِ مَعْرُوفٌ وَتُطْلَقُ عَلَى الْبَيْتِ الْمُدَوَّرِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ التُّرْكُمَانِ وَالْجَمْعُ قِبَابٌ (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَدِيمٍ أَيْ جِلْدٍ (فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فمه ها هنا وههنا) فمه منصوب على المفعولية وههنا وههنا ظَرْفَا مَكَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِهَتَا الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَمَعْنَاهُ أَنَا أَنْظُرُ إِلَى فَمِ بِلَالٍ مُتَتَبِّعًا وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ ويتبع فاه ها هنا وههنا الْحَدِيثَ قَالَ الْحَافِظُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَتَتَبَّعُ بِفِيهِ النَّاحِيَتَيْنِ وَكَانَ أَبُو جُحَيْفَةَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَتَبَّعٌ بِاعْتِبَارٍ
انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ فجعلت أتتبع فاه ها هنا وههنا يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الْحَدِيثُ قُلْتُ قَوْلُهُ كُنْتُ أَتَتَبَّعُ فمه ها هنا وههنا هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ وَهُوَ اسْتِدَارَةُ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ كَمَا عَرَفْتُ مِنْ قَوْلِ الْحَافِظِ (قَالَ) أَبُو جُحَيْفَةَ (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ
قال بن الْأَثِيرِ الْحُلَّةُ وَاحِدَةُ الْحُلَلِ وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا تُسَمَّى حُلَّةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (حَمْرَاءُ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ وقد زعم بن الْقَيِّمِ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءُ بَحْتًا قَالَ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ
انْتَهَى
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا حمراء هو مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ
وَالْجَوَابُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْمَجَازِ أَعْنِي كَوْنَ بَعْضِهَا أَحْمَرَ دُونَ بَعْضٍ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُوجِبٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ ذَلِكَ مَعْنَى الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ لُغَةً فليس في كسب اللُّغَةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَالْوَاجِبُ حَمْلُ مَقَالَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا لِسَانُهُ وَلِسَانُ قومه
стр. 515
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةَ مَذَاهِبٍ الْأَوَّلُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَرَاءُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي قِلَابَةَ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ
الثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْحَافِظُ إِلَى قَائِلٍ مُعَيَّنٍ إِنَّمَا ذَكَرَ أَخْبَارًا وَآثَارًا يُعْرَفُ بِهَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ
الثَّالِثُ يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ
الرَّابِعُ يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ جاء ذلك عن بن عَبَّاسٍ
الْخَامِسُ يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ
السَّادِسُ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ
السَّابِعُ تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ أَحْمَرَ فَلَا
انْتَهَى مُخْتَصَرًا
(يَمَانِيَّةٌ قِطْرِيٌّ) بِكَسْرِ قَافٍ وَسُكُونِ طَاءٍ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةِ قَطَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ وَالْكَسْرُ وَالتَّخْفِيفُ لِلنِّسْبَةِ فَلَعَلَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ كَثَوْبٍ قِطْرِيٍّ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكُونُ يَمَانِيًّا وَقِطْرِيًّا وَبِهِ يَتَّضِحُ وَجْهُ التَّذْكِيرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بُرُودٌ يَمَانِيَّةٌ قِطْرِيٌّ فَقَوْلُهُ بُرُودٌ جَمْعُ بُرْدٍ مَرْفُوعٌ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْحُلَّةِ وَقَوْلُهُ يَمَانِيَّةٌ صِفَةٌ لِلْبُرُودِ أَيْ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ وَقَوْلُهُ قِطْرِيٌّ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَالْأَصْلُ قَطَرِيٌّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إِلَى قَطَرٍ بَلَدٌ بَيْنَ عمان وسيف البحر ففي النسبة خففوها وكسرواالقاف وَسَكَّنُوا الطَّاءَ وَيُقَالُ الْقِطْرِيُّ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ فِيهَا حُمْرَةٌ وَيُقَالُ ثِيَابٌ حُمْرٌ لَهَا أَعْلَامٌ فِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُقَلْ قِطْرِيَّةٌ مَعَ أَنَّ التَّطَابُقَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ شَرْطٌ لِأَنَّهُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ صَارَ كَالِاسْمِ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْحُلَلِ وَوَصَفَ الْحُلَّةَ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ الْأُولَى صِفَةُ الذَّاتِ وَهِيَ قَوْلُهُ حَمْرَاءُ وَالثَّانِيَةُ صِفَةُ الْجِنْسِ وَهِيَ قَوْلُهُ بُرُودٌ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ جِنْسَ هَذِهِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ وَالثَّالِثَةُ صِفَةُ النَّوْعِ وَهِيَ قَوْلُهُ قِطْرِيٌّ لِأَنَّ الْبُرُودَ الْيَمَانِيَّةَ أَنْوَاعٌ نَوْعٌ مِنْهَا قِطْرِيٌّ بَيَّنَهُ بقوله
стр. 516
قطري انتهى
وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي أَعْرَاسِ الْبَحْرَيْنِ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا قَطَرٌ وَأَحْسَبُ الثِّيَابَ الْقِطْرِيَّةَ نُسِبَتْ إِلَيْهَا فَكَسَرُوا الْقَافَ لِلنِّسْبَةِ وَخَفَّفُوا
(وَقَالَ مُوسَى) بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ (قَالَ) أَيْ أَبُو جُحَيْفَةَ (إِلَى الْأَبْطَحِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ خَارِجُ مَكَّةَ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ الْأَبْطَحُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ مَحَلٍّ أَعْلَى مِنَ الْمُعَلَّى إِلَى جِهَةِ مِنًى وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَا وَالْبَطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ مِثْلُهُ صَارَ عَلَمًا لِلْمَسِيلِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّيْلُ مِنْ وَادِي مِنًى وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسَمَّى مُحَصَّبًا أَيْضًا (لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا) أَيْ عَطَفَ بِلَالٌ عُنُقَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا فِيهِ تَقْيِيدٌ لِلِالْتِفَاتِ فِي الْأَذَانِ وَأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ وبوب عليه بن خُزَيْمَةَ انْحِرَافُ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِفَمِهِ لَا بِبَدَنِهِ كُلِّهِ
قَالَ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِانْحِرَافُ بِالْفَمِ بِانْحِرَافِ الْوَجْهِ (وَلَمْ يَسْتَدِرْ) بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ
فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ الِاسْتِدَارَةِ فِي الْأَذَانِ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الِاسْتِدَارَةِ فَفِي بَعْضُهَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِيرُ وَفِي بَعْضِهَا وَلَمْ يَسْتَدِرْ لَكِنْ تُرْوَى الِاسْتِدَارَةُ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ وَإِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ وَمُحَمَّدٍ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَوْنٍ وَهُمْ ضُعَفَاءُ وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَمْثَلُ وَهُوَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ فَرَوَاهُ عَنْ عَوْنٍ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَسْتَدِرْ كَمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ أَثْبُتَ الِاسْتِدَارَةَ عَنَى اسْتِدَارَةَ الرَّأْسِ وَمَنْ نَفَاهُ عَنَى اسْتِدَارَةَ الْجَسَدِ كُلِّهِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (ثُمَّ دَخَلَ) بِلَالٌ فِي مَنْزِلِهِ (فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْعَنَزَةُ بِفَتْحِ النُّونِ عَصًا أَقْصَرُ مِنَ الرُّمْحِ لَهَا سِنَانٌ وَقِيلَ هِيَ الْحَرْبَةُ الْقَصِيرَةُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْعَنَزَةُ عَصًا عَلَيْهَا زج بزاي مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ سِنَانٌ وَفِي الطَّبَقَاتِ لِابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ (وَسَاقَ) أَيْ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (حَدِيثَهُ) أَيْ بَاقِي حَدِيثِهِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَدِيثُ
وَأَوْرَدَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ فَسَاقَ أَوَّلًا لَفْظَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِلَفْظِ مُسَدَّدٍ وَأَمَّا وَضْعُ الْإِصْبَعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ أَصَحِّهَا مَا رَوَاهُ أبو داود وبن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْهَوْزَنِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ قُلْتُ لِبِلَالٍ كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ بِلَالٌ فَجَعَلْتُ إِصْبِعَيَّ فِي أُذُنَيَّ فَأَذَّنْتُ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي أَذَانِ بِلَالٍ وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ وَلِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ الْقَرَظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي
стр. 517
ذَلِكَ فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَرْفَعَ لِصَوْتِهِ وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخُ
ثَانِيهِمَا أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمُؤَذِّنِ لِيَعْرِفَ مَنْ رَآهُ عَلَى بُعْدٍ أَوْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ
قَالَ وَاسْتَحَبَّ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا
انْتَهَى
وَلَمْ يَرِدْ تَعْيِينُ الْأُصْبُعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ وَضْعِهَا وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا الْمُسَبِّحَةُ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
([٥٢١] بَابٌ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ)
(عَنْ أَبِي إِيَاسٍ) كَكِتَابِ الْمُزَنِيِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ (لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) أَيْ فَادْعُوا كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَذَلِكَ لِشَرَفِ الْوَقْتِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا
٥ - (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ)
[٥٢٢] (النِّدَاءَ) أَيِ الْأَذَانَ (فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ مِثْلُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قُولُوا قَوْلًا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَكَلِمَةُ مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمِثْلُ هُوَ النَّظِيرُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ادعى بن وَضَّاحٍ أَنَّ قَوْلَهُ الْمُؤَذِّنُ مُدْرَجٌ وَأَنَّ الْحَدِيثَ انتهى
стр. 518
عِنْدَ قَوْلِهِ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الادارج لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأِ عَلَى إِثْبَاتِهَا وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فِي حَذْفِهَا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مِثْلَ مَا يَقُولُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ السَّامِعُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنْ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْآتِي يُخَصِّصُ الْحَيْعَلَتَيْنِ فَيَقُولُ السَّامِعُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِيمَا عَدَا الْحَيْعَلَتَيْنِ وَأَمَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَيَقُولُ السَّامِعُ لَا حَوْلَ وَلَا قوة إلا بالله كذلك استدل به بن خُزَيْمَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٥٢٣] (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ) أَيْ صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ (فَقُولُوا) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وبن وهب
واستدل الجمهور بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ مُؤَذِّنًا فَلَمَّا كَبَّرَ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ فَلَمَّا تَشَهَّدَ قَالَ خَرَجَ مِنَ النَّارِ قَالَ فَلَمَّا قَالَ ﵊ غَيْرَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ لِلِاسْتِحْبَابِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي اكْتِفَاءً بِالْعَادَةِ
وَنُقِلَ الْقَوْلُ الزَّائِدُ وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ صُدُورِ الْأَمْرِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (مِثْلَ مَا يَقُولُ) أَيْ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَإِلَّا فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ وَبِالْحَقِّ نَطَقْتَ وَبَرِرْتَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ صِرْتَ ذَا بِرٍّ أَيْ خَيْرٍ كَثِيرٍ
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ مَا يَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ لِيَشْعُرَ بِأَنَّهُ يُجِيبُهُ بَعْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِثْلَ كَلِمَتِهَا
قُلْتُ وَالصَّرِيحُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْكُتَ انْتَهَى (ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِكُمْ (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (صَلَاةً) أَيْ وَاحِدَةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَعْطَاهُ (بِهَا عَشْرًا) أَيْ مِنَ الرَّحْمَةِ (ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ) أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ بِالْهَمْزِ عَلَى النَّقْلِ وَالْحَذْفِ وَالِاسْتِغْنَاءِ أَوْ مِنْ سَالَ بِالْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْهَمْزِ أَوِ الْوَاوِ أَوِ الياء قاله علي القارىء (لِي) أَيْ لِأَجْلِي (الْوَسِيلَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْكَبِيرِ يُقَالُ تَوَسَّلْتُ أَيْ تَقَرَّبْتُ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ الْعَلِيَّةِ
انْتَهَى وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْوَسِيلَةَ (مَنْزِلَةٌ
стр. 519
فِي الْجَنَّةِ) أَيْ مِنْ مَنَازِلِهَا وَهِيَ أَعْلَاهَا وَأَغْلَاهَا (لَا يَنْبَغِي) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ نُسْخَةٌ أَيْ لَا يَتَسَيَّرُ وَلَا يَحْصُلُ وَلَا يَلِيقُ (إِلَّا لعبد) أي واحد (من عبادالله) أَيْ جَمِيعِهِمْ (وَأَرْجُو) قَالَهُ تَوَاضُعًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْضَلُ الْأَنَامِ فَلِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَقَامُ غير ذلك الهمام ﵇ قاله بن الْمَلَكِ (أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) قِيلَ هُوَ خَبَرُ كَانَ وُضِعَ مَوْضِعَ إِيَّاهُ وَالْجُمْلَةُ مِنْ بَابِ وَضْعِ الضَّمِيرِ مَوْضِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ أَكُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنَا مُبْتَدَأٌ لَا تَأْكِيدًا وَهُوَ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أَكُونَ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمِيرَ وَحْدَهُ وُضِعَ مَوْضِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ حَلَّتْ لَهُ فَعَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ أَيِ اسْتَحَقَّتْ وَوَجَبَتْ أَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ يُقَالُ حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ إِذَا نَزَلَ وَوَقَعَ فِي الطَّحَاوِيِّ مِنْ حديث بن مَسْعُودٍ وَجَبَتْ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَلَّتْ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَرَّمَةً وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَسُؤَالُ الْوَسِيلَةِ لَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٥٢٤] (إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الضَّادِ أَيْ يَحْصُلُ لَهُمْ فَضْلٌ وَمَزِيَّةٌ عَلَيْنَا فِي الثَّوَابِ بِسَبَبِ الْأَذَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ يَعْنِي فَمَا تَأْمُرُنَا بِهِ مِنْ عَمَلٍ نَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِهِ (قُلْ كَمَا يَقُولُونَ) أَيْ إِلَّا عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ لِمَا مَرَّ فَيَحْصُلُ لَكَ الثَّوَابُ مِثْلِهِمْ ثُمَّ أَفَادَ زِيَادَةً عَلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (فَإِذَا انْتَهَيْتَ) أَيْ فَرَغْتَ مِنْ الْإِجَابَةِ (فَسَلْ) أَيِ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حِينَئِذٍ مَا تُرِيدُ (تُعْطَهُ) أَيْ يَقْبَلُ اللَّهُ دُعَاءَكَ وَيُعْطِيكَ سُؤَالَكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
[٥٢٥] (حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ) أَيْ صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ أَوْ قَوْلَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ به حين يسمع تشهده الأول أالأخير وَهُوَ قَوْلُهُ آخَرَ الْأَذَانِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ أَنْسَبُ وَيُمْكِنُ أَنْ
стр. 520
يَكُونَ مَعْنَى سَمِعَ يُجِيبُ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِجَابَةِ بِكَمَالِهَا مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا) تُمَيِّزُ أَيْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَبِجَمِيعِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَقِيلَ حَالٌ أَيْ مُرَبِّيًا وَمَالِكًا وَسَيِّدًا وَمُصْلِحًا (وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) أَيْ بِجَمِيعِ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَبَلَّغَهُ إِلَيْنَا مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا (وَبِالْإِسْلَامِ) أَيْ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (دِينًا) أَيِ اعْتِقَادًا أَوِ انْقِيَادًا
وَقَالَ بن الْمَلَكِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَبُ شَهَادَتِكَ فَقَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ (غُفِرَ لَهُ) أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا وَأَنْ يَكُونَ دُعَاءًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٥٢٦] (إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ) أَيْ صَوْتَهُ (يَتَشَهَّدُ) حَالٌ (قَالَ وَأَنَا وَأَنَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ بِتَقْدِيرِ الْعَامِلِ أَيْ وَأَنَا أَشْهَدُ كَمَا تَشْهَدُ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ وَالتَّكْرِيرُ فِي أَنَا رَاجِعٌ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَالْأَظْهَرُ وَأَشْهَدُ أَنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ فِيهِمَا
وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَتَشَهَّدُ مِثْلَنَا أَوْ يَقُولُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ كَتَشَهُّدِنَا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ
وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ فِي إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَخْ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[٥٢٧] (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ لِحَفْصٍ وَهُوَ عَاصِمٌ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ لِحَفْصٍ (عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْجَدِّ (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) شَرْطِيَّةٌ جَزَاؤُهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ (قَالَ) أي المجيب (لاحول ولا قوة إلا بالله
стр. 521
أي لاحيلة فِي الْخَلَاصِ عَنْ مَوَانِعِ الطَّاعَةِ وَلَا حَرَكَةَ عَلَى أَدَائِهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى (ثُمَّ قَالَ لا إله إلاالله) أَيِ الْمُؤَذِّنُ (قَالَ) أَيِ الْمُجِيبُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ) قِيلَ لِلْأَخِيرِ أَوْ لِلْكُلِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (دَخَلَ الْجَنَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا وُضِعَ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الْمَوْعُودِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ أَتَى أَمْرِ اللَّهِ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ النَّاجِينَ وَإِلَّا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهَا وَإِنْ سَبَقَهُ عَذَابٌ بِحَسَبِ جُرْمِهِ إِذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ إِلَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ بِقَلْبِهِ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجِيبُ السَّامِعُ كُلَّ كَلِمَةٍ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ وَلَا يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ مِنْ كُلِّ الْأَذَانِ وَعَلَى أَنَّهُ يَقُولُ السَّامِعُ بَدَلَ الْحَيْعَلَتَيْنِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَتَيْنِ وَالْحَيْعَلَتَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا مَثْنَى لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذَا مَثْنَى كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فَاخْتَصَرَ ﷺ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ شَطْرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى بَاقِيهِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مسلم
٦ - (بَاب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ)
[٥٢٨] (أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أخذ) أي شرع (فلما) شرطية
قاله بن الْمَلَكِ (أَنْ قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) قَالَ الطِّيبِيُّ لَمَّا تَسْتَدْعِي فِعْلًا فَالتَّقْدِيرُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَنْ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي قَالَ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ أَوْ لَازِمٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَصْدَرًا
انْتَهَى
وَتَبِعَهُ بن حَجَرٍ الْمَكِّيِّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَمَّا ظَرْفِيَّةٌ وَأَنَّ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَلَمَّا أَنْ جاء البشير كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بهم قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (أَقَامَهَا اللَّهُ) أَيِ الصَّلَاةُ يَعْنِي ثَبَّتَهَا (وَأَدَامَهَا) وَاشْتُهِرَ زِيَادَةُ وَجَعَلَنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا (وَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ) أَيْ فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ غَيْرِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ أَوْ قَالَ فِي الْبَقِيَّةِ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُقِيمُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ
стр. 522
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ الَّذِي مَرَّ آنِفًا (فِي الْأَذَانِ) يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ يَعْنِي وَافَقَ الْمُؤَذِّنُ فِي غَيْرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ مُجَاوَبَةِ الْمُقِيمِ لِقَوْلِهِ وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَوَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ
٧ - (بَاب (مَا جَاءَ فِي) الدعاء عند الأذان)
[٥٢٩] أَيْ عِنْدَ تَمَامِ الْأَذَانِ
(عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحِمْصِيُّ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَلْقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ غَيْرُهُ
قَالَهُ الْحَافِظُ (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أَيِ الْأَذَانَ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْمُؤَذِّنِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ حَالَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِفَرَاغِهِ لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النِّدَاءِ تَمَامُهُ إِذِ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَفِي هَذَا أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ عِنْدَ فَرَاغِ الأذان
قاله في الفتح (اللهم) يعني ياالله وَالْمِيمُ عِوَضٌ عَنِ الْيَاءِ فَلِذَلِكَ لَا يَجْتَمِعَانِ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (رَبَّ) مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَنْتَ رَبُّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ وَالرَّبُّ الْمُرَبِّي الْمُصْلِحُ لِلشَّأْنِ وَلَمْ يُطْلِقُوا الرَّبَّ إِلَّا فِي اللَّهِ وحده وفي غيره على التقييد با ضافة كَقَوْلِهِمْ رَبُّ الدَّارِ وَنَحْوَهُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (هَذِهِ الدَّعْوَةِ) بِفَتْحِ الدَّالِ
وَفِي الْمُحْكَمِ الدَّعْوَةُ وَالدِّعْوَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ
قُلْتُ قَالُوا الدَّعْوَةُ بِالْفَتْحِ فِي الطَّعَامِ وَالدِّعْوَةِ بِالْكَسْرِ فِي النَّسَبِ وَالدُّعْوَةُ بِالضَّمِّ في الحرب والمراد بالدعوة ها هنا أَلْفَاظُ الْأَذَانِ الَّتِي يُدْعَى بِهَا الشَّخْصُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَفِي الْفَتْحِ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالْمُرَادُ بِهَا دَعْوَةُ التوحيد كقوله تعالى له دعوة الحق (التَّامَّةِ) صِفَةٌ لِلدَّعْوَةِ وُصِفَتْ بِالتَّمَامِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ نَقْصٌ أَوِ التَّامَّةِ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ النُّشُورِ أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ التمام
стр. 523
وما سواها فمعرض للفساد
وقال بن التِّينِ وُصِفَتْ بِالتَّامَّةِ لِأَنَّ فِيهَا أَتَمَّ الْقَوْلِ وَهُوَ لَا إِلَهِ إِلَّا اللَّهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ هِيَ الدَّعْوَةُ التَّامَّةُ (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ) أَيِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا يُغَيِّرُهَا مِلَّةٌ وَلَا يَنْسَخُهَا شَرِيعَةٌ وأنها قائمة ما دامت السماوات وَالْأَرْضُ (آتِ) أَيِ اعْطِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْإِيتَاءِ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ (الْوَسِيلَةَ) هِيَ الْمَنْزِلَةُ الْعَلِيَّةُ وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَوَقَعَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْضًا (وَالْفَضِيلَةَ) أَيِ الْمَرْتَبَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى سَائِرِ الْخَلَائِقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَنْزِلَةٌ أُخْرَى أَوْ تَفْسِيرًا لِلْوَسِيلَةِ (وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) أَيْ يُحْمَدُ الْقَائِمُ فِيهِ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ مَا يَجْلُبُ الْحَمْدَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ وَنُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيِ ابْعَثْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَقِمْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا أَوْ ضَمَّنَ ابْعَثْهُ مَعْنَى أَقِمْهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وَمَعْنَى ابْعَثْهُ أَعْطِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيِ ابْعَثْهُ ذَا مَقَامٍ مَحْمُودِ
قَالَهُ الْحَافِظُ
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَإِنَّمَا نَكَّرَ الْمَقَامِ لِلتَّفْخِيمِ أَيْ مَقَامًا يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ مَحْمُودًا يَكِلُّ عَنْ أَوْصَافِهِ أَلْسِنَةُ الْحَامِدِينَ
(الَّذِي وَعَدْتَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَسَى أَنْ يبعثك ربك مقاما محمودا وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْوَعْدُ لِأَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ واقع كما صح عن بن عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ وَالْمَوْصُولُ إِمَّا بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَلَيْسَ صِفَةً للنكرة
ووقع في رواية النسائي وبن خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَصِحُّ وصفه بالموصول
قال بن الْجَوْزِيِّ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الشَّفَاعَةُ وَقِيلَ إِجْلَاسِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَقِيلَ عَلَى الكرسي ووقع في صحيح بن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُوَ الثَّنَاءُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّفَاعَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَجْمُوعُ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ
قَالَهُ الْحَافِظُ (إلا) وفي البخاري بدون إلا وهو الظواهر وَأَمَّا مَعَ إِلَّا فَيُجْعَلُ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ قَالَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ لِلْإِنْكَارِ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (حَلَّتْ لَهُ) أَيْ وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ (الشَّفَاعَةُ) فِيهِ بِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَالْحَضُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهُ حَالُ رَجَاءِ الْإِجَابَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 524
٣٨ - (بَاب مَا يَقُولُ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ)
[٥٣٠] (أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ هَذَا بَعْدَ جَوَابِ الْأَذَانِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ
قاله علي القارىء (اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا) إِشَارَةً إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَهُوَ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالْخَبَرِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَذَانِ لِقَوْلِهِ وَأَصْوَاتُ (إِقْبَالُ لَيْلِكَ) هُوَ خَبَرُ إن أي هَذَا الْأَذَانُ أَوْ إِنَّ إِقْبَالَ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ أَيْ فِي الْأُفُقِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ (وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ) أَيْ فِي الْآفَاقِ جَمْعُ دَاعٍ كَقُضَاةٍ جَمْعُ قَاضٍ وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ (فَاغْفِرْ لِي) بِحَقِّ هَذَا الْوَقْتِ الشَّرِيفِ وَالصَّوْتِ الْمُنِيفِ وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَفْرِيعِ الْمَغْفِرَةِ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَحَفْصَةُ بِنْتُ أَبِي كَثِيرٍ لَا نَعْرِفُهَا وَلَا أَبَاهَا
٩ - (بَاب أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى التَّأْذِينِ)
[٥٣١] (وَقَالَ مُوسَى) بْنُ إِسْمَاعِيلَ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (أَنْتَ إِمَامُهُمْ) أَيْ جَعَلْتُكَ إِمَامَهُمْ فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ أَوْ أَنْتَ كَمَا قُلْتَ فيكون للدوام
قاله بن الْمَلَكِ (وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ) أَيْ تَابِعُ أَضْعَفَ الْمُقْتَدِينَ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْكَانِ يُرِيدُ تَخْفِيفَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ
стр. 525
حَتَّى لَا يَمَلُّ الْقَوْمُ
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ذُكِرَ بِلَفْظِ الِاقْتِدَاءِ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ الْمَحْثُوثِ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُقْتَدِي أَنْ يُتَابِعَ الْمُقْتَدَى بِهِ وَيَجْتَنِبَ خِلَافَهُ فَعَبَّرَ عَنْ مُرَاعَاةِ الْقَوْمِ بِالِاقْتِدَاءِ مشاكله لما قبله
قاله علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ (وَاتَّخِذْ) أَمْرُ نَدْبٍ
قَالَهُ عَلِيٌّ القارىء (عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) أَيِ الْأُجْرَةَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَخْذُ الْمُؤَذِّنُ الْأَجْرَ عَلَى أَذَانِهِ مَكْرُوهٌ فِي مَذَاهِبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا بَأْسَ بِهِ
وَيُرَخِّصُ فِيهِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَكْرُوهَةٌ وَلَا بَأْسَ بِالْجُعْلِ وَكَرِهَ ذَلِكَ أَهْلُ الرأي ومنع منه إسحاق بن رَاهْوَيْهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ أَخْشَى أَنْ لَا يَكُونَ صَلَاتُهُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ لَا يَرْزُقُ الْإِمَامُ لِلْمُؤَذِّنِ إِلَّا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ فإنه مرصد لمصالح الدين ولا يزقه مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الفصل الأول وأخرجه النسائي بتمامه وأخرج بن مَاجَهِ الْفَصْلَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ
([٥٣٢] بَاب فِي الْأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ)
(أَلَا) كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ (إِنِ الْعَبْدَ نَامَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ يَعْنِي أَنَّ غَلَبَةَ النَّوْمِ عَلَى عَيْنَيْهِ مَنَعَتْهُ مِنْ تَبْيِينِ الْفَجْرِ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الْوَقْتِ كَمَا يُقَالُ نَامَ فُلَانٌ عَنْ حَاجَتِي إذا غفل عنها ولم يعم بِهَا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ قَدْ عَادَ لِنَوْمِهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّيْلِ يَعْلَمُ النَّاسُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْزَعِجُوا مِنْ نَوْمِهِمْ وَسُكُونِهِمْ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤَذِّنُ بليل ثم يؤذن بعده بن أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ الْفَجْرِ
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَقْدِيمِ أَذَانِ الْفَجْرِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ جَابِرٌ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ والشافعي وأحمد وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلْفَجْرِ خَاصَّةً قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ اتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ
стр. 526
لَا يُجِيزَانِ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الحديث إلى أن ذلك جائزا إِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ كَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُؤَذِّنْ فِيهِ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ بِلَالًا إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ وهو بلال ثم أجازه حين أقام بن أُمِّ مَكْتُومٍ مُؤَذِّنًا لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي تَأْذِينِ بلال قبل الفجر ثابت من رواية بن عُمَرَ
انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يَشْرَعُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ لَا وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يُكْتَفَى بِهِ عَنْ إِعَادَةِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ لَا وَإِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَإِلَى الِاكْتِفَاءِ مُطْلَقًا ذَهَبَ مَالِكٌ والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف بن خزيمة وبن الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَقَالَ بِهِ الغزالي في الأحياء
انتهى
قلت وحديث بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بن أُمِّ مَكْتُومٍ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ وَإِلَى هذا ميل الْبُخَارِيُّ كَمَا يَلُوحُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ (لَمْ يَرْوِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا (عَنْ أَيُّوبَ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِمَ فِي رَفْعِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ
قَالَ عَلِيُّ بن الْمَدِينِيِّ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ
انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عن أيوب عن نافع عن بن عُمَرَ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ
لَكِنِ اتفق أئمة الحديث علي بن الْمَدِينِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ وَأَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مُؤَذِّنِهِ وَأَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ انْتَهَى
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[٥٣٣] (فَذَكَرَ) الرَّاوِي (نَحْوَهُ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ لَكِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ (رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ
стр. 527
زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) مَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذَا تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ بِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ تَابَعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِمُؤَذِّنِهِ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ لِبِلَالٍ وَأَنَّ اسْمَ الْمُؤَذِّنِ مَسْرُوحٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ) وَهَذِهِ مُتَابَعَةٌ لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيَّ وَحَمَّادُ بن زيد كلاهما يروياه عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَجَعَلَا هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِمُؤَذِّنِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ زَادَ وَاسِطَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَمَّى اسْمَ الْمُؤَذِّنِ مَسْعُودًا
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (وَهَذَا) أَيْ حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ (أَصَحُّ مِنْ ذَاكَ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ وَهِمَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ الْمَهَرَةُ عَلَى خَطَأِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا عَرَفْتَ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عمر وغيره عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِسَنَدِهِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ وَلَعَلَّ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَرَادَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ حَمَّادٍ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لحديث عبيد الله بن عمرو غير واحد عن نافع عن بن عمرو الزهري عن سالم عن بن عمر معنى إذا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ فَقَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَلَوْ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الْأَذَانِ حِينَ أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ انْتَهَى
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ وَهَذَا أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عبيد الله عن نافع عن بن عُمَرَ أَصَحُّ
لِأَجْلِ اتِّصَالِ سَنَدِهِ مِنْ ذَاكَ أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَأَنَّ نَافِعًا لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ وَلَمْ يُشَاهِدِ الْوَاقِعَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَذَانِ بِاللَّيْلِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُعِيدُ وهو قول مالك وبن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَذَّنَ بِاللَّيْلِ
стр. 528
أَعَادَ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ انْتَهَى
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[٥٣٤] (قَالَ لَهُ) أَيْ لِبِلَالٍ (حَتَّى يَسْتَبِينَ) أَيْ يَتَبَيَّنَ (وَمَدَّ يَدَيْهِ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ بَيَانٌ لِهَكَذَا
هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ
قُلْتُ فِيهِ الِانْقِطَاعُ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ شَدَّادٌ لَمْ يُدْرِكْ بِلَالًا ومع ذلك لا يقاوم حديث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أم مكتوم
١ - (بَاب الْأَذَانِ لِلْأَعْمَى)
[٥٣٥] (وَهُوَ أَعْمَى) وَفِي رِوَايَةِ البخاري حتى ينادي بن أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ قَالَ النَّوَوِيُّ مَقْصُودُ الْبَابِ أَنَّ أَذَانَ الْأَعْمَى صَحِيحٌ وهو جائز بر كَرَاهَةٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ كَمَا كَانَ بلال وبن مَكْتُومٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٢ - (بَاب الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ)
[٥٣٦] (فَخَرَجَ رَجُلٌ) مِنَ الْمَسْجِدِ (أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى) قَالَ الطِّيبِيُّ أَمَّا لِلتَّفْصِيلِ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا والمعنى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال بن القيم ﵀ قال أبو داود في رواية بن دَاسَةَ شَدَّادُ مَوْلَى عِيَاض لَمْ يُدْرِك بِلَالًا
وهذا من روايته عنه
стр. 529
أَمَّا مَنْ ثَبَتَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِيهِ فَقَدْ أَطَاعَ أَبَا الْقَاسِمِ وَأَمَّا هَذَا فقد عصى
وقال القارىء رَوَاهُ أَحْمَدُ وَزَادَ ثُمَّ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ إِذَا كُنْتُمْ في المسجد فنودى بالصلاة فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلضَّرُورَةِ فَهُوَ جَائِزٌ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ كَانَ حَاقِنًا أَوْ حَصَلَ بِهِ رُعَافٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إِمَامًا بِمَسْجِدٍ آخَرَ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ فِي مَسْجِدِي ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مَوْقُوفٌ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ أَنَّهُ مُسْنَدٌ عَنْهُمْ وَقَالَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَذَاكَ أَنَّهُمَا مُسْنَدَانِ مَرْفُوعَانِ يَعْنِي هَذَا وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ يَعْنِي الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ
٣ - (بَابٌ فِي الْمُؤَذِّنِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ)
[٥٣٧] (ثُمَّ يُمْهِلُ) أَيْ يُؤَخِّرُ (فَإِذَا رَأَى) أَيْ بِلَالٌ وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ وَأَتَمَّ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
٤ - (بَابٌ فِي التَّثْوِيبِ)
[٥٣٨] (أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ مُثَقَّلَةٍ وَآخِرُهُ
стр. 530
مثناة أيضا الكوفي إسمه ذاذان وَقِيلَ دِينَارٌ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ السَّادِسَةِ انْتَهَى
سُمِّيَ الْقَتَّاتُ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْقَتَّ وَهُوَ الْحَشِيشُ (فَثَوَّبَ رَجُلٌ فِي الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ التَّثْوِيبُ هُوَ الْعَوْدُ إِلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِقَامَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَعَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ تَثْوِيبٌ قَدِيمٌ ثَابِتٌ مِنْ وَقْتِهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَقَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ تَثْوِيبًا ثَالِثًا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الَّذِي كَرِهَهُ بن عُمَرَ هُوَ الثَّالِثُ الْمُحْدَثُ أَوِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ وَكَرِهَهُ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ بِدْعَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ التَّثْوِيبِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ التَّثْوِيبُ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ من النوم وهو قول بن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي التَّثْوِيبِ غَيْرُ هَذَا قَالَ هُوَ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَاسْتَبْطَأَ الْقَوْمَ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ
وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِسْحَاقُ هُوَ التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالَّذِي أَحْدَثُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِي فسر بن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ أَنَّ التَّثْوِيبَ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَيُقَالُ لَهُ التَّثَوُّبُ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُ
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَقَالَ اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّاسُ بعد انتهى
قال بن الأثير في النهاية والأصل في التثويب أي يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا فَيُلَوِّحُ بِثَوْبِهِ لِيُرَى وَيَشْتَهِرُ فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ تَثْوِيبًا مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ فَهُوَ رُجُوعٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَإِذَا قَالَ بَعْدَهَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى كَلَامٍ مَعْنَاهُ الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا انْتَهَى
(قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (اخْرُجْ بِنَا) لِأَنَّهُ كان أعمى
следующие страницы →