Полный текст (4 665 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لَا يُجِيزَانِ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الحديث إلى أن ذلك جائزا إِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ كَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُؤَذِّنْ فِيهِ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ بِلَالًا إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ وهو بلال ثم أجازه حين أقام بن أُمِّ مَكْتُومٍ مُؤَذِّنًا لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي تَأْذِينِ بلال قبل الفجر ثابت من رواية بن عُمَرَ
انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يَشْرَعُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ لَا وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يُكْتَفَى بِهِ عَنْ إِعَادَةِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ لَا وَإِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَإِلَى الِاكْتِفَاءِ مُطْلَقًا ذَهَبَ مَالِكٌ والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف بن خزيمة وبن الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَقَالَ بِهِ الغزالي في الأحياء
انتهى
قلت وحديث بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بن أُمِّ مَكْتُومٍ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ وَإِلَى هذا ميل الْبُخَارِيُّ كَمَا يَلُوحُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ (لَمْ يَرْوِهِ) هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا (عَنْ أَيُّوبَ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهِمَ فِي رَفْعِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ
قَالَ عَلِيُّ بن الْمَدِينِيِّ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ
انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عن أيوب عن نافع عن بن عُمَرَ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ
لَكِنِ اتفق أئمة الحديث علي بن الْمَدِينِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ وَأَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مُؤَذِّنِهِ وَأَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ انْتَهَى
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[٥٣٣] (فَذَكَرَ) الرَّاوِي (نَحْوَهُ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ لَكِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ (رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ
стр. 527
زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) مَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذَا تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ بِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ تَابَعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِمُؤَذِّنِهِ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ لِبِلَالٍ وَأَنَّ اسْمَ الْمُؤَذِّنِ مَسْرُوحٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ) وَهَذِهِ مُتَابَعَةٌ لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيَّ وَحَمَّادُ بن زيد كلاهما يروياه عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَجَعَلَا هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِمُؤَذِّنِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ زَادَ وَاسِطَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَمَّى اسْمَ الْمُؤَذِّنِ مَسْعُودًا
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ (وَهَذَا) أَيْ حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ (أَصَحُّ مِنْ ذَاكَ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ وَهِمَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ الْمَهَرَةُ عَلَى خَطَأِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا عَرَفْتَ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عمر وغيره عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِسَنَدِهِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ وَلَعَلَّ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَرَادَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ حَمَّادٍ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لحديث عبيد الله بن عمرو غير واحد عن نافع عن بن عمرو الزهري عن سالم عن بن عمر معنى إذا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ فَقَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَلَوْ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الْأَذَانِ حِينَ أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ انْتَهَى
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ وَهَذَا أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عبيد الله عن نافع عن بن عُمَرَ أَصَحُّ
لِأَجْلِ اتِّصَالِ سَنَدِهِ مِنْ ذَاكَ أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَأَنَّ نَافِعًا لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ وَلَمْ يُشَاهِدِ الْوَاقِعَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَذَانِ بِاللَّيْلِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُعِيدُ وهو قول مالك وبن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا أَذَّنَ بِاللَّيْلِ
стр. 528
أَعَادَ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ انْتَهَى
قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[٥٣٤] (قَالَ لَهُ) أَيْ لِبِلَالٍ (حَتَّى يَسْتَبِينَ) أَيْ يَتَبَيَّنَ (وَمَدَّ يَدَيْهِ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ بَيَانٌ لِهَكَذَا
هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ
قُلْتُ فِيهِ الِانْقِطَاعُ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ شَدَّادٌ لَمْ يُدْرِكْ بِلَالًا ومع ذلك لا يقاوم حديث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يؤذن بن أم مكتوم
١ - (بَاب الْأَذَانِ لِلْأَعْمَى)
[٥٣٥] (وَهُوَ أَعْمَى) وَفِي رِوَايَةِ البخاري حتى ينادي بن أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ قَالَ النَّوَوِيُّ مَقْصُودُ الْبَابِ أَنَّ أَذَانَ الْأَعْمَى صَحِيحٌ وهو جائز بر كَرَاهَةٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ كَمَا كَانَ بلال وبن مَكْتُومٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٢ - (بَاب الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ)
[٥٣٦] (فَخَرَجَ رَجُلٌ) مِنَ الْمَسْجِدِ (أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى) قَالَ الطِّيبِيُّ أَمَّا لِلتَّفْصِيلِ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا والمعنى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال بن القيم ﵀ قال أبو داود في رواية بن دَاسَةَ شَدَّادُ مَوْلَى عِيَاض لَمْ يُدْرِك بِلَالًا
وهذا من روايته عنه
стр. 529
أَمَّا مَنْ ثَبَتَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِيهِ فَقَدْ أَطَاعَ أَبَا الْقَاسِمِ وَأَمَّا هَذَا فقد عصى
وقال القارىء رَوَاهُ أَحْمَدُ وَزَادَ ثُمَّ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ إِذَا كُنْتُمْ في المسجد فنودى بالصلاة فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلضَّرُورَةِ فَهُوَ جَائِزٌ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ كَانَ حَاقِنًا أَوْ حَصَلَ بِهِ رُعَافٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إِمَامًا بِمَسْجِدٍ آخَرَ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ فِي مَسْجِدِي ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مَوْقُوفٌ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ أَنَّهُ مُسْنَدٌ عَنْهُمْ وَقَالَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَذَاكَ أَنَّهُمَا مُسْنَدَانِ مَرْفُوعَانِ يَعْنِي هَذَا وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ يَعْنِي الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ
٣ - (بَابٌ فِي الْمُؤَذِّنِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ)
[٥٣٧] (ثُمَّ يُمْهِلُ) أَيْ يُؤَخِّرُ (فَإِذَا رَأَى) أَيْ بِلَالٌ وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ وَأَتَمَّ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
٤ - (بَابٌ فِي التَّثْوِيبِ)
[٥٣٨] (أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ مُثَقَّلَةٍ وَآخِرُهُ
стр. 530
مثناة أيضا الكوفي إسمه ذاذان وَقِيلَ دِينَارٌ لَيِّنُ الْحَدِيثِ مِنَ السَّادِسَةِ انْتَهَى
سُمِّيَ الْقَتَّاتُ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْقَتَّ وَهُوَ الْحَشِيشُ (فَثَوَّبَ رَجُلٌ فِي الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ التَّثْوِيبُ هُوَ الْعَوْدُ إِلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِقَامَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَعَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ تَثْوِيبٌ قَدِيمٌ ثَابِتٌ مِنْ وَقْتِهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَقَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ تَثْوِيبًا ثَالِثًا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الَّذِي كَرِهَهُ بن عُمَرَ هُوَ الثَّالِثُ الْمُحْدَثُ أَوِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ وَكَرِهَهُ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ بِدْعَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ التَّثْوِيبِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ التَّثْوِيبُ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ من النوم وهو قول بن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي التَّثْوِيبِ غَيْرُ هَذَا قَالَ هُوَ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَاسْتَبْطَأَ الْقَوْمَ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ
وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِسْحَاقُ هُوَ التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالَّذِي أَحْدَثُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِي فسر بن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ أَنَّ التَّثْوِيبَ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَيُقَالُ لَهُ التَّثَوُّبُ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُ
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَقَالَ اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّاسُ بعد انتهى
قال بن الأثير في النهاية والأصل في التثويب أي يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا فَيُلَوِّحُ بِثَوْبِهِ لِيُرَى وَيَشْتَهِرُ فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ تَثْوِيبًا مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ فَهُوَ رُجُوعٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَإِذَا قَالَ بَعْدَهَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى كَلَامٍ مَعْنَاهُ الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا انْتَهَى
(قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (اخْرُجْ بِنَا) لِأَنَّهُ كان أعمى
стр. 531
٤٥ - (بَاب فِي الصَّلَاةِ تُقَامُ وَلَمْ يَأْتِ الْإِمَامُ يَنْتَظِرُونَهُ قُعُودًا)
[٥٣٩] (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ إِذَا ذُكِرَتْ أَلْفَاظُ الْإِقَامَةِ
قَالَهُ الْحَافِظُ (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) أَيْ قَدْ خَرَجْتُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ وَهُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ لَا تَقُومُوا نَهْيٌ عَنِ الْقِيَامِ وَقَوْلُهُ حَتَّى تَرَوْنِي تَسْوِيغٌ لِلْقِيَامِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ ألْفَاظِ الْإِقَامَةِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَفِيهِ جَوَازُ الْإِقَامَةِ وَالْإِمَامُ فِي مَنْزِلِهِ إِذَا كَانَ يَسْمَعُهَا وَتَقَدَّمَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ
انْتَهَى
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ جَمَاعَةَ الْمُصَلِّينَ لَا يَقُومُونَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ إِلَّا حِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَامَ لِلْإِمَامَةِ (هَكَذَا رَوَاهُ أَيُّوبُ) يَعْنِي كَمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبَانُ عَنْ يَحْيَى بِصِيغَةِ عَنْ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ وَحَجَّاجٌ الصَّوَافُّ عَنْ يَحْيَى بِصِيغَةِ عَنْ (هشام الدَّسْتُوَائِيُّ) هُوَ بِالرَّفْعِ يَعْنِي وَأَمَّا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ وَحَجَّاجٍ الصَّوَّافِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى وَهُوَ مِنْ تَدْلِيسِ الصِّيَغِ
وَصَرَّحَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ أَنَّ يَحْيَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَهُ فَأُمِنَ بِذَلِكَ تَدْلِيسُ يَحْيَى
انْتَهَى
(وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) يَعْنِي رِوَايَةَ مُعَاوِيَةَ وَعَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى أَيْضًا بِصِيغَةِ عَنْ وَلَكِنْ وَقَعَتْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فَلَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ
стр. 532
الزِّيَادَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [٥٤٠] (بِإِسْنَادِهِ) السَّابِقِ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ السَّابِقِ (قَالَ) أَيْ مَعْمَرٌ (قَدْ خَرَجْتُ) بِزِيَادَةِ هَذَا اللَّفْظِ
[٥٤١] (قَالَ) أَيِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (قَالَ أَبُو عَمْرٍو) يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ كَمَا بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ (هَذَا لَفْظُهُ) أَيْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ (قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي مَقَامَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِوَايَةٍ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقُمْنَا فَعَدَلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ
وَفِي رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ كَانَ بِلَالُ ﵁ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ وَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ بِلَالًا ﵁ كَانَ يُرَاقِبُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ أَوْ إِلَّا الْقَلِيلُ فَعِنْدَ أول خروجه يقيم ولا يقيم النَّاسُ حَتَّى يَرَوْهُ ثُمَّ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ حَتَّى يَعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَعَلَّهُ كَانَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِعُذْرٍ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالنَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ لِئَلَّا يَطُولَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ عَارِضٌ فَيَتَأَخَّرَ بِسَبَبِهِ
انْتَهَى
وَهَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَامِ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ بِحَدٍّ مَحْدُودٍ إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَةِ النَّاسِ فَإِنَّ مِنْهُمُ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَقُومُوا
стр. 533
حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ
رواه بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَجَبَ الْقِيَامُ وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ عُدِلَتِ الصُّفُوفُ وَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَبَّرَ الْإِمَامُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُومُونَ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَإِذَا قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرَ الْإِمَامُ وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوْهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٥٤٢] (عَنْ حُمَيْدٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ (سألت ثابتا) بالثاء المثلثة بن أَسْلَمَ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (الْبُنَانِيُّ) بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ أُخْرَى مَكْسُورَةٌ وَهِيَ نِسْبَةٌ إِلَى بُنَانَةَ زَوْجَةِ سَعْدِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ وَقِيلَ كَانَتْ حَاضِنَةٌ لِبَنِيهِ فَقَطْ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (فَحَبَسَهُ) أَيْ مَنَعَ الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِلتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حَبَسَهُ عَنِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ التَّكَلُّمِ مَعَهُ وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُنَاجَاةِ الِاثْنَيْنِ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ جَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْإِحْرَامِ إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ أَمَّا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ
وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ التَّكْبِيرُ
انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّصَالَ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ وَكِيدِ السُّنَنِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُسْتَحَبّهَا
انْتَهَى
وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ لِأَجْلِ مُهِمٍّ مِنَ الْأُمُورِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابُ الْكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[٥٤٣] (مَا يُقْعِدُكَ) مِنَ الْإِقْعَادِ وَمَا الْمَوْصُولَةُ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُجْلِسُكَ وَالْمَعْنَى لِمَ تَنْتَظِرُونَ الإمام جالسين ولا تنتظرونها قَائِمِينَ
قَالَ كَهْمَسٍ (قُلْتُ) مُجِيبًا لَهُ (هَذَا) أي قال بن بُرَيْدَةَ انْتِظَارُ النَّاسِ لِلْإِمَامِ قِيَامًا (السُّمُودُ) كَأَنَّ بن بُرَيْدَةَ كَرِهَ هَذَا الْفِعْلَ كَمَا كَرِهَهُ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ مَوْضِعُ
стр. 534
الترجمة
قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ خرج والناس ينتظرونه للصلاة قياما فقال مالي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ السَّامِدُ الْمُنْتَصِبُ إِذَا كَانَ رَافِعًا رَأْسَهُ نَاصِبًا صَدْرَهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قِيَامَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَرَوْا إِمَامَهُمْ وَقِيلَ السَّامِدُ الْقَائِمُ فِي تَحَيُّرٍ
انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ السُّمُودُ يُفَسَّرُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْغَفْلَةِ وَالذَّهَابِ عن الشيء يقال رجال سَامِدٌ هَامِدٌ أَيْ لَاهٍ غَافِلٌ وَمِنْ هَذَا قول الله تعالى وأنتم سامدون أَيْ لَاهُونَ سَاهُونَ وَقَدْ يَكُونُ السَّامِدُ أَيْضًا الرَّافِعَ رَأْسَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيُقَالُ مِنْهُ سَمَدَ يَسْمَدُ وَيَسْمُدُ سُمُودًا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ قِيَامًا لِلصَّلَاةِ فَقَالَ مالي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ
وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا الْإِمَامَ قِيَامًا وَلَكِنْ قُعُودًا وَتَقُولُونَ ذَلِكَ السُّمُودَ (فَقَالَ لِيَ الشيخ) مقصود الشيخ رد قول بن بُرَيْدَةَ (كُنَّا نَقُومُ فِي الصُّفُوفِ) لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُمْ كَانَ انْتِظَارُ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حُضُورِهِ ﷺ وَلَوْ سُلِّمَ فَإِسْنَادُ الْحَدِيثِ لَا يَخْلُو عَنْ جَهَالَةٍ إِذِ الشَّيْخُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (قَالَ) أَيِ الْبَرَاءُ (وَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى الَّذِينَ يلون) أي يقومون
قال بن الْمَلَكِ أَوْ يُبَاشِرُونَ وَيَتَوَلَّوْنَ (الصُّفُوفَ الْأُوَلَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ جَمْعُ أَوَّلِ أَيْ فَالْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ قَالَ الْعَيْنِيُّ رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الرِّوَايَةُ بِضَمِّ الْخَاءُ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْخُطَى وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالَّتِي بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ
انْتَهَى
وَمِنْ زَائِدَةٌ وَخُطْوَةٌ اسْمُ مَا وَقَوْلُهُ (أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) بِالنَّصْبِ خَبَرُهُ وَالْأَصَحُّ رَفْعُهُ فَهُوَ اسْمُهُ وَمِنْ خُطْوَةٍ خَبَرُهُ
قَالَهُ على القارىء (مِنْ خُطْوَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (يَمْشِيهَا) بِالْغَيْبَةِ صِفَةُ خُطْوَةٍ أَيْ يَمْشِيهَا الرَّجُلُ وَكَذَا (يَصِلُ بِهَا صَفًّا) وَقِيلَ بِالْخِطَابِ فِيهِمَا وَالضَّمِيرَانِ لِلْخُطْوَةِ
[٥٤٤] (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ بَيَّنَهُ حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ وَدَلَّتِ الْقَرِينَةُ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَهِيَ قَوْلُهُ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ (نُجِّيَ) أَيْ يناجي
стр. 535
وَيُحَادِثُ رَجُلًا
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يُنَاجِي رَجُلًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ كَانَ كَبِيرًا فِي قَوْمِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَلَّفَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مُسْتَنَدِ ذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ نُجِّيَ أَيْ مُنَاجٍ رَجُلًا كَمَا قَالُوا نَدِيمٌ بِمَعْنَى مُنَادِمٍ وَوَزِيرٌ بِمَعْنَى مُوَازِرٍ وَتَنَاجَى الْقَوْمُ إِذَا دَخَلُوا فِي حديث سر وهم نحوى أَيْ مُتَنَاجُونَ وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا لِأَمْرٍ يُحْدِثُهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَجْوَاهُ فِي مُهِمٍّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَإِلَّا لَمَّ يَكُنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنَامَ الْقَوْمُ لِطُولِ الِانْتِظَارِ لَهُ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ زَادَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى أخرجه مسلم ووقع عند إسحاق بن راهوية في مسنده عن بن عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا انْتَهَى
وَقَوْلُهُ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٥٤٥] (حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَخْ) وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ بِلَفْظِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَرَأَى النَّاسَ قَلِيلًا جَلَسَ وَإِنْ رَآهُمْ جَمَاعَةً صَلَّى وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُرْسَلَةٌ لِأَنَّ سَالِمًا أَبَا النَّضْرِ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَ يُرْسِلُ لَكِنِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مُتَّصِلَةٌ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرْفُوعًا
قُلْتُ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ والصلاة ليس من الموكدات بَلْ يَجُوزُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا لِأَمْرٍ حَادِثٍ كَمَا مَرَّ لَكِنِ انْتِظَارُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومِينَ وَجُلُوسُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ لَكِنِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى مُرْسَلَةٌ وَالثَّانِيَةٌ فِيهَا أَبُو مَسْعُودٍ الزُّرَقِيُّ هُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ فَفِي قَلْبِي فِي صِحَّةِ هَذَا الْمَتْنِ شَيْءٌ وَأَظُنُّ أَنَّ الْوَهْمَ قَدْ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ تُقَامُ الصَّلَاةُ أَيْ تُؤَدَّى الصَّلَاةُ وَحَانَ وَقْتُ أَدَائِهَا فَلَفْظَةُ تُقَامُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْإِقَامَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِلِسَانِ الْمُؤَذِّنِ أَيْ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ
стр. 536
قَامَتِ الصَّلَاةُ بَلِ الْمُرَادُ بِهَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وأدائها كما في قوله تعالى أقيموا الصلاة قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي غَرَائِبِ الْقُرْآنِ
يُقَالُ إِقَامَتُهَا أَنْ يُؤْتَى بِهَا بِحُقُوقِهَا يُقَالُ قَامَ الْأَمْرُ وَأَقَامَ الْأَمْرَ إِذَا جَاءَ بِهِ مُعْطًى حُقُوقِهِ
انْتَهَى
فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَمَا رَأَى الْمُصَلِّينَ إلا قليلا جلس لانتظار المصلين وإن رأى هم كَثِيرًا صَلَّى وَأَمَّا الْإِقَامَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَوَقْتُ الْقِيَامِ لِلْإِمَامَةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ظَاهِرَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْإِقَامَةُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَعْرُوفَةِ وَأَمَّا الِانْتِظَارُ لِلْمَأْمُومِينَ فبعدها وكان ذلك بعض الأحيان لولا فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ لَفْظُ كَانَ وَهُوَ يُفِيدُ الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ الْإِفَادَةُ بِمُطَّرِدَةٍ
وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَنْطَبِقُ الْحَدِيثُ بِالْبَابِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ مُنْتَظِرٌ لِلْمُصَلِّينَ فَكَيْفَ يَقُومُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ فِي الصَّفِّ بَلْ عَلَيْهِمُ الْجُلُوسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
٦ - (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ)
[٥٤٧] (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ) وَتَقْيِيدُهُ بِالثَّلَاثَةِ الْمُفِيدُ مَا فَوْقَهُمْ بِالْأَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَقَلِّ أَهْلِ الْقَرْيَةِ غَالِبًا وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَأَنَّهُ أَكْمَلُ صُوَرِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كان يتصور باثنين
قاله على القارىء (وَلَا بَدْوٍ) أَيْ بَادِيَةٍ (الصَّلَاةُ) أَيِ الْجَمَاعَةُ (إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ) أَيْ غَلَبَهُمْ وَحَوَّلَهُمْ إِلَيْهِ فَهَذِهِ كَلِمَةٌ مِمَّا جَاءَ عَلَى أَصْلِهِ بِلَا إِعْلَالٍ خَارِجَةٍ عَنْ أَخَوَاتِهَا كَاسْتَقَالَ وَاسْتَقَامَ
قَالَهُ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (الشَّيْطَانُ) فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ (فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ) أَيِ الْزَمْهَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَعِيدٌ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَيَسْتَوْلِي عَلَى مَنْ فَارَقَهَا (فَإِنَّمَا) وَالْفَاءُ فِيهِ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الْجَمِيعِ يَعْنِي إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ فَاعْرِفْ مِثَالَهُ فِي الشاهد (يأكل الذئب) بالهمز والياء
قاله القارىء (الْقَاصِيَةَ) أَيِ الشَّاةَ الْبَعِيدَةَ عَنِ الْأَغْنَامِ لِبُعْدِهَا عن راعيها
قاله علي القارىء
وَقَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هِيَ الْمُنْفَرِدَةُ عَنِ الْقَطِيعِ الْبَعِيدَةُ عَنْهُ
أَيْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَسَلَّطُ عَلَى خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
انْتَهَى وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
стр. 537
[٥٤٨] (لَقَدْ هَمَمْتُ) الْهَمُّ الْعَزْمُ وَقِيلَ دُونُهُ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ ﷺ فَقَدَ أُنَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ
لَقَدْ هَمَمْتُ فَأَفَادَ ذِكْرَ سَبَبِ الْحَدِيثِ (فَتُقَامُ) أَيِ الصَّلَاةُ (ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ آمُرُ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنُ لَهَا ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيَؤُمُّ النَّاسَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِيهِ الرُّخْصَةُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ إِخْرَاجِ مَنْ يَسْتَخْفِي فِي بَيْتِهِ وَيَتْرُكُهَا انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي رِوَايَةِ إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَفِي أُخْرَى الْفَجْرِ وَفِي أُخْرَى الْجُمُعَةِ وَفِي أُخْرَى يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصلاة مطلقا ولا تضاد بينها لجواز تعد الْوَاقِعَةِ (ثُمَّ أَنْطَلِقُ) أَيْ أَذْهَبُ (حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ حَزَمْتُ الدَّابَّةَ حَزْمًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ شَدَدْتُهُ بِالْحِزَامِ وَجَمْعُهُ حُزُمٌ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ وَحَزَمْتُ الشَّيْءَ جَعَلْتُهُ حُزْمَةٌ وَالْجَمْعُ حُزَمٌ مِثْلُ غُرْفَةٌ وَغُرَفٌ
انْتَهَى
الْحِزَامُ الْحَبْلُ
قَالَ فِي مُنْتَهَى الْأَرَبِ الْحُزْمَةُ بِالضَّمِّ مَعْنَاهَا بِالْفَارِسِيَّةِ بندهيزم (إِلَى قَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأَنْطَلِقَ (فَأُحَرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرُ يُقَالُ حَرَّقَهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَحْرِيقِهِ قَالَهُ الْحَافِظُ (عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَيْسَتْ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمَالِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْرِيقُ الْمَقْصُودِينَ وَالْبُيُوتِ تَبَعًا لِلْقَاطِنِينَ بِهَا
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ فَأُحَرِّقُ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا
قِيلَ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُنَافِقُونَ فِي زمانه نقله بن الْمَلَكِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي إِذْ مَا كَانَ أَحَدٌ يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي زَمَانِهِ ﵇ إِلَّا مُنَافِقٌ ظَاهِرُ النِّفَاقِ أَوِ الشَّاكُّ فِي دِينِهِ
انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَالِ لِأَنَّ تَحْرِيقَ الْبُيُوتِ عُقُوبَةٌ مَالِيَّةٌ
وَقَالَ غَيْرُهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ الْعُقُوبَةِ بِالتَّحْرِيقِ فِي غَيْرِ الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِمَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ تَحْرِيقِ مَتَاعِهِمَا
انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ لِقَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ الْآتِي لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ الْحَدِيثُ
وَلِقَوْلِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا إِلَى آخِرِهِ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَائِقٌ بِالْمُنَافِقِينَ لَا بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ لَكِنِ الْمُرَادُ بِهِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الكفر
стр. 538
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَجْلَانَ لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمِيعِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هريرة عند أبي دواد ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَهُمْ نِفَاقُ مَعْصِيَةٍ لَا كُفْرٍ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَإِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا لِأَنَّ تَحْرِيقَ بَيْتِ الْكَافِرِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُودَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي بَيْتِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ فِي الْحَدِيثِ نِفَاقَ الْكُفْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ
وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
[٥٤٩] (أَنْ آمُرُ فِتْيَتِي) أَيْ جَمَاعَةً مِنْ شُبَّانِ أَصْحَابِي أَوْ خَدَمِي وَغِلْمَانِي (لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ) أَيْ عُذْرٌ وَالْعُذْرُ الْخَوْفُ أَوِ الْمَرَضُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أن اعذار تبيح التخلف عن الجماعة (ياأبا عَوْفٍ) كُنْيَةٌ لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ (الْجُمُعَةَ) مَفْعُولُ عَنَى (عَنَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَوْ غَيْرَهَا) أَيِ الْجُمُعَةِ (قَالَ) أَبُو عَوْفٍ (صُمَّتَا) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ كُفَّتَا عَنِ السَّمَاعِ وَهَذَا عَلَى نَهْجِ وَأَسَرُّوا النجوى الذين ظلموا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (يَأْثُرُهُ) أَيْ يَرْوِيهِ (مَا ذَكَرَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا) يَعْنِي أَنَّ الْوَعِيدَ وَالتَّهْدِيدَ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَنَّهَا أَيِ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِسَبَبِهَا لَا تَخْتَصُّ بالجمعة
وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ الْجَزْمُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ حديث مستقل لأن مخرجه مغائر لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا
стр. 539
[٥٥٠] (عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ مَعَ الْجَمَاعَةِ (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) مِنَ الْمَسَاجِدِ وَيُوجَدُ لَهُنَّ إِمَامٌ مُعَيَّنٌ أَوْ غَيْرٌ مُعَيَّنٍ (فَإِنَّهُنَّ) أَيِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِالْجَمَاعَةِ (مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) رُوِيَ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَهُمَا بِمَعْنًى مُتَقَارِبٍ أَيْ طَرَائِقَ الْهُدَى وَالصَّوَابِ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) أَيْ نَحْنُ مُعَاشِرُ الصَّحَابَةِ أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اتِّحَادَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ إِنَّمَا يَسُوغُ فِي أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَأَنَّهَا مَنْ دَاخَلَ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ وَالْمَفْعُولَ الثاني الذي هو بمنزلة الخبر محذوف ها هنا وَسَدَّ قَوْلُهُ (وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِوَصْفِ الدَّوَامِ وَهُوَ حَالٌّ مَسَدَّهُ وَتَبِعَهُ بن حَجَرٍ لَكِنْ فِي كَوْنِ اتِّحَادِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ هُنَا بَحْثٌ إِذِ الْمُرَادُ بِالْفَاعِلِ الْمُتَكَلِّمُ وَحْدُهُ وبالمفعول هو وغيره
قاله علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ (إِلَّا مُنَافِقٌ بَيِّنُ النِّفَاقِ) أَيْ ظَاهِرُ النِّفَاقِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ قَالَ الشُّمُنِّيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُنَافِقِ ها هنا مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَإِلَّا لَكَانَتِ الْجَمَاعَةُ فَرِيضَةً لِأَنَّ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ كَافِرٌ وَلَكَانَ آخِرُ الْكَلَامِ مُنَاقِضًا لِأَوَّلِهِ
انْتَهَى
وَفِيهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ النِّفَاقَ سَبَبُ التَّخَلُّفِ لَا عَكْسُهُ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَا فَرِيضَةٌ لِلدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ بَيَانِ النِّفَاقِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِصِحَّةِ مَا سَبَقَ تَأْوِيلُهُ فِي الَّذِينَ هَمَّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُنَافِقِينَ (لَيُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) هُوَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُمْسِكُهُ رَجُلَانِ مِنْ جَانِبَيْهِ بِعَضُدَيْهِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا
قاله النووي
وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهُ يَمْشِي بَيْنَهُمَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفِهِ وَتَمَايُلِهِ مِنْ تَهَادَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ مَشْيِهَا إِذَا تَمَايَلَتِ
انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ يُرْفَدُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِعَضُدَيْهِ يُتَمَشَّى بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ
انْتَهَى
وَفِي هَذَا كُلِّهِ تَأْكِيدُ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ وَتَحَمُّلُ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِهَا وَأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْمَرِيضُ وَنَحْوُهُ التَّوَصُّلَ إِلَيْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ حُضُورِهَا (مَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ) أَيْ مَوْضِعُ صَلَاةٍ فِيهِ (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيّكُمْ) قال الطيبي
стр. 540
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ الْعَزِيمَةُ
قَالَ الشيخ بن الْهُمَامِ وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ بن مَسْعُودٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَائِلِينَ بِالسُّنِّيَّةِ إِذْ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ سُنَنَ الْهُدَى أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ لُغَةً كَصَلَاةِ الْعِيدِ
انْتَهَى
وَقَدْ يُقَالُ لِهَذَا الْوَاجِبِ سُنَّةً لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَيِ الْحَدِيثِ (لَكَفَرْتُمْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤَدِّيكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِأَنْ تَتْرُكُوا عُرَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَخْرُجُوا مِنَ الْمِلَّةِ
انْتَهَى
وَهُوَ يُثْبِتُ الْوُجُوبَ ظَاهِرًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٥٥١] (مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي) أَيْ صَوْتَ الْمُنَادِي وَالْمُؤَذِّنَ وَمَنْ مُبْتَدَأٌ (فَلَمْ يَمْنَعْهُ) أَيِ السَّامِعَ (مِنِ اتِّبَاعِهِ) أَيِ الْمُؤَذِّنِ (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (لَمْ تُقْبَلْ) أَيْ قَبُولًا كَامِلًا وَهُوَ خَبَرُ مَنْ وَهَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّامِعِ الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَنَابٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ الكلبي وهو ضعيف
والحديث أخرجه بن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ وَإِسْنَادُهُ أَمْثَلُ وَفِيهِ نَظَرٌ
[٥٥٢] (ضَرِيرُ الْبَصَرِ) أَيْ أَعْمَى (شَاسِعُ الدَّارِ) أَيْ بَعِيدُ الدَّارِ (وَلِي قَائِدٌ) الْقَائِدُ هُوَ الَّذِي يُمْسِكُ يَدَ الْأَعْمَى وَيَأْخُذُهَا وَيَذْهَبُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَيَجُرُّهُ (لَا يُلَاوِمُنِي) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا يُرْوَى فِي الْحَدِيثِ وَالصَّوَابُ لَا يُلَائِمُنِي أَيْ لَا يُوَافِقُنِي وَلَا يُسَاعِدُنِي فَأَمَّا الْمُلَاوَمَةُ فَإِنَّهَا مُفَاعَلَةٌ مِنَ اللَّوْمِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ نَدْبًا لَكَانَ أَوْلَى مَنْ يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا أَهْلُ الضَّرَرِ وَالضَّعْفِ وَمَنْ كَانَ في مثل حال بن أُمِّ مَكْتُومٍ
وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْحَضَرِ وَالْقَرْيَةِ رُخْصَةٌ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فِي أن يدع الصلاة جماعة وقال الأوزاعي لاطاعة لِلْوَالِدِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ يَسْمَعُ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ
وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يُوجِبُ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ وَاحْتَجَّ هُوَ وَغَيْرُهُ
стр. 541
بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَلَمْ يَعْذُرْ فِي تَرْكِهَا فَعُقِلَ أَنَّهَا فِي حَالِ الْأَمْنِ أَوْجَبُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضٌ عَلَى الكفاية لا على الأعيان وتأولوا حديث بن أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لَكَ إِنْ طَلَبْتَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ وَأَنَّكَ لَا تُحْرِزُ أَجْرَهَا مَعَ التَّخَلُّفِ عَنْهَا بِحَالٍ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً انْتَهَى
(هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ) أَيِ الْإِعْلَامَ وَالتَّأْذِينَ بِالصَّلَاةِ (لَا أَجِدُ لَكَ رخصة) قال علي القارىء مَعْنَاهُ لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً تُحَصِّلُ لَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهَا لَا الْإِيجَابُ عَلَى الْأَعْمَى فَإِنَّهُ ﵇ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي تَرْكِهَا وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ والحديث أخرجه بن مَاجَهْ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَذَكَرَ نَحْوَهُ
[٥٥٣] (كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ) أَيِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ (وَالسِّبَاعِ) كَالذِّئَابِ أَوِ الْكِلَابِ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ أَيْ) الْأَذَانُ وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّفْظَانِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ (فَحَيَّ هَلَا) قَالَ الطِّيبِيُّ كَلِمَةُ حَثٍّ وَاسْتِعْجَالٍ وُضِعَتْ مَوْضِعَ أَجِبِ انتهى
وقال بن الأثير في النهاية وفي كَلِمَتَانِ جُعِلَتَا كَلِمَةً وَاحِدَةً فَحَيَّ بِمَعْنَى أَقْبِلْ وَهَلَا بِمَعْنَى أَسْرِعْ وَفِيهَا لُغَاتٌ انْتَهَى
قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ وَفِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ مُرَكَّبٌ مِنْ حَيَّ وَهَلْ وَهُمَا صَوْتَانِ مَعْنَاهُمَا الْحَثِّ وَالِاسْتِعْجَالِ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا وَسُمِّيَ بِهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ وَكَانَ الْوَجْهُ أَنَّهُ لا ينصرف كحضر موت وَبَعْلَبَكَّ إِلَّا إِنْ وَقَعَ مَوْقِعَ فِعْلِ الْأَمْرِ فبنى كصومه وَفِيهِ لُغَاتٌ وَتَارَةً يُسْتَعْمَلُ حَيَّ وَحْدَهُ نَحْوُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَارَةً هَلَا وَحْدَهَا وَاسْتِعْمَالُ حَيَّ وَحْدَهُ أَكْثَرُ مِنِ اسْتِعْمَالِ هَلَا وَحْدَهَا (وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ) يَعْنِي كَمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ عَنْ سُفْيَانَ كَذَلِكَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْقَاسِمُ الْجَرْمِيُّ عَنْ سُفْيَانَ (لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ حَيَّ هَلَا) يَعْنِي إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ
стр. 542
الْقَاسِمِ الْجَرْمِيِّ لَفْظَ حَيَّ هَلَا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
قَالَ وَقَدِ اختلف على بن أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلًا
٧ - (بَاب فِي فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ)
[٥٥٤] (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ مُلْتَبِسًا بِنَا أَوْ أَمَّنَا فَالْبَاءِ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ جَعَلَنَا مُصَلِّينَ خَلْفَهُ (يَوْمًا) أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ (الصُّبْحَ) أَيْ صَلَاتَهُ (أَشَاهِدٌ فُلَانٌ) أَيْ أَحَاضِرٌ صَلَاتَنَا هَذِهِ (قَالَ أَشَاهِدٌ فُلَانٌ) أَيْ آخَرُ (إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ) أَيْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَمُقَابِلَتُهَا بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ يَعْنِي الصُّبْحَ والعشاء
وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيِّ وَأَشَارَ إِلَى الْعِشَاءِ لِحُضُورِهَا بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ الصُّبْحَ مُذَكِّرَةٌ بِهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذِهِ مُبْتَدَأُ النَّوْمِ وَتِلْكَ مُنْتَهَاهُ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) لِغَلَبَةِ الْكَسَلِ فِيهِمَا وَلِقِلَّةِ تَحْصِيلِ الرِّيَاءِ لَهُمَا (وَلَوْ تَعْلَمُونَ) أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ (مَا فِيهِمَا) مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الزَّائِدِ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ (لَأَتَيْتُمُوهُمَا) أَيِ الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ (وَلَوْ حَبْوًا) أَيْ زَحْفًا وَمَشْيًا (عَلَى الرُّكَبِ) قَالَ الطِّيبِيُّ حَبْوًا خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفُ أَيْ وَلَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ حَبْوًا وَهُوَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَوِ اسْتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَلَوْ أَتَيْتُمُوهُمَا حَبْوًا أَيْ حَابِينَ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً (وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ) أَيْ فِي الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ شَبَّهَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ بِصَفِّ الْمَلَائِكَةِ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ إِنَّ وَالْمُتَعَلِّقُ كَائِنٌ (مَا فَضِيلَتُهُ) أَيِ الصف الأول (لا بتدرتموه) أَيْ سَبَقْتُمْ إِلَيْهِ (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى النُّمُوِّ أَوِ الشَّخْصُ آمِنٌ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ
стр. 543
مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ (صَلَاتَهُ) بِالنَّصْبِ أَوْ بِالرَّفْعِ (مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى) أَيْ أَفْضَلُ (مَعَ الرَّجُلِ) أَيِ الْوَاحِدِ (وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ) قال بن الْمَلَكِ مَا هَذِهِ مَوْصُولَةٌ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ أَيِ الصَّلَاةِ الَّتِي كَثُرَ الْمُصَلُّونَ فِيهَا فَهُوَ أَحَبُّ وَتَذْكِيرُ هُوَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ مَا انْتَهَى
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَكُلُّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ كَثُرَ فِيهِ الْمُصَلُّونَ فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَفْضَلُ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَقَامَ إِسْنَادَهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْرَائِيلُ فِي آخَرِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَصِيرٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَعَ أَبِيهِ وَسَمِعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ قاله شعبة وعلي بن الْمَدِينِيِّ
[٥٥٥] (كَقِيَامِ لَيْلَةٍ) أَيْ كَأَجْرِ قِيَامِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ جَمَاعَةَ الْعَتَمَةَ تُوَازِي فِي فَضِيلَتِهَا قِيَامَ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَصَلَاةُ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ تُوَازِي فِي فَضِيلَتِهَا قِيَامَ لَيْلَةٍ وَاللَّفْظُ الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ تَفْسِيرُهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ يَعْنِي وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ
وَطُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يَقُومُ مَقَامَ لَيْلَةٍ
٨ - (باب ما جاء في فضل المشي إلى الصَّلَاةِ)
[٥٥٦] (فَالْأَبْعَدُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الفاء ها هنا لِلتَّرْتِيبِ مَعَ تَفَاوُتٍ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَيَجُوزُ أن تكون الفاء ها هنا بِمَعْنَى ثُمَّ بِمَعْنَى أَبْعَدِهِمْ ثُمَّ أَبْعَدِهِمْ (أَعْظَمُ أجرا) نصب على
стр. 544
التميز فِيهِ أَنَّ سَبَبَ أَعَظْمِيَّةِ الْأَجْرِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ بُعْدَ الْمَشْيِ وَهُوَ الْمَسَافَةُ وَذَلِكَ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى فَضْلِ الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ لِأَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أخرجه بن مَاجَهْ
[٥٥٧] (أَبْعَدَ) بِالنَّصْبِ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِقَوْلِهِ لا أعلم (منزلا) نصب على التميز (وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ) أَيْ لَا تَفُوتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ (فِي الرَّمْضَاءِ) أَيْ فِي الرَّمْلِ الْحَارِّ وَالْأَرْضِ الشَّدِيدَةِ الْحَرَارَةِ (فَقَالَ) الرَّجُلُ (فَنُمِيَ الْحَدِيثُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُبْلِغَ (فَسَأَلَهُ) أَيْ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ (عَنْ ذَلِكَ) الْحَالِ (فَقَالَ) الرَّجُلُ (إِقْبَالِي) أَيْ ذَهَابِي (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَعْطَاكَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ) فِيهِ إِثْبَاتُ الثَّوَابِ في الخطا فِي الرُّجُوعِ مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا يَثْبُتُ فِي الذَّهَابِ (أَنْطَاكَ اللَّهُ) أَيْ أَعْطَاكُ هِيَ لُغَةُ أهل اليمن في أعطى وقرىء إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ بِالنُّونِ بَدَلُ الْعَيْنِ قَالَهُ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (مَا احْتَسَبْتَ) أَيْ طَلَبْتَ فيه وجه الله وثوابه
قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الِاحْتِسَابُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَعِنْدَ الْمَكْرُوهَاتِ هُوَ الْبِدَارُ أَيِ الْإِسْرَاعُ إِلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَتَحْصِيلِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَالصَّبْرِ أَوْ بِاسْتِعْمَالِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْسُومِ فِيهَا طَلَبًا لِلثَّوَابِ الْمَرْجُوِّ مِنْهَا (كُلَّهُ أَجْمَعَ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِكُلِّهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مسلم وبن مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ
[٥٥٨] (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ) حَالٌ أَيْ قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ مَثَلًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ
стр. 545
(مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ) قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ أَيْ كَامِلٌ أَجْرُهُ وَقِيلَ كَأَجْرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرٌ كَالْحَاجِّ وَإِنْ تَغَايَرَ الْأَجْرَانِ كَثْرَةً وَقِلَّةً أَوْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً أَوْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُسْتَوْفَى أَجْرُ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَالْحَاجِّ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى أَجْرُ الْحَاجِّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ إِلَّا فِي عَرَفَةَ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (الْمُحْرِمِ) شُبِّهَ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمِ لِكَوْنِ التَّطَهُّرِ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا بِدُونِهِمَا ثُمَّ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا كَانَ ثَوَابُهُ أَتَمَّ فَكَذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا كَانَ ثَوَابُهُ أَفْضَلَ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى) أَيْ صَلَاةِ الضُّحَى وَكُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ تَسْبِيحَةٌ وَسُبْحَةٌ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُسَبَّحُ فِيهَا إِلَّا أَنَّ النَّافِلَةَ جَاءَتْ بِهَذَا الِاسْمِ أَخَصِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ سُنَّةٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّافِلَةِ تَسْبِيحَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَذْكَارِ فِي كونها غير واجبة
وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا قَوْلَهُمُ السُّنَّةُ فِي الضُّحَى فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ خَبَرِ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ انْتَهَى
وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْمَتْنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ مَسْكَنٌ أَوْ فِي مَسْكَنِهِ شَاغِلٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا فَالْمَعْنَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ أَوْ شُغْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى تَارِكًا أَشْغَالَ الدُّنْيَا
كذا في المرقاة
ما قاله بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ هُوَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَالْقَوْلُ مَا قال علي القارىء ﵀ (لَا يُنْصِبُهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْصَابِ وَهُوَ الْإِتْعَابُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِبَ بِالْكَسْرِ إِذَا تَعِبَ وَأَنْصَبَهُ غَيْرُهُ أَيْ أَتْعَبَهُ وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَصَبَهُ أَيْ أَقَامَهُ
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْفَتْحِ احْتِمَالٌ لُغَوِيٌّ لَا أُحَقِّقُهُ رِوَايَةً (إِلَّا إِيَّاهُ) أَيْ لَا يُتْعِبُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا تَسْبِيحُ الضُّحَى وَوُضِعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ أَيْ لَا يُخْرِجُهُ وَلَا يُزْعِجُهُ إِلَّا هُوَ كَالْعَكْسِ فِي حَدِيثِ الْوَسِيلَةِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هو
قاله الطيبي
وقال بن الْمَلَكِ وَقَعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعً الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ يَعْنِي لَا يُتْعِبُهُ إِلَّا الْخُرُوجُ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ السُّكُونِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَقِيبَهَا (لَا لَغْوٌ بَيْنَهُمَا) أَيْ بِكَلَامِ الدُّنْيَا (كِتَابٌ) أَيْ عَمَلٌ مَكْتُوبٌ (فِي عِلِّيِّينَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رفع درجتها وقبولها
قال علي القارىء وَهُوَ عَلَمٌ لِدِيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ أَعْمَالُ الْأَبْرَارِ
قَالَ تَعَالَى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأبرار لفي عليين وما أدرك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون منقول
стр. 546
مِنْ جَمْعٍ عَلَى فِعِّيلٍ مِنَ الْعُلُوِّ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَكْرِيمًا وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفَاعِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَالْعِلِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ الْغُرْفَةُ
كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَقِيلَ أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفُ الْمَرَاتِبِ أَيْ مُدَاوَمَةُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَا يُنَافِيهَا لَا شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْلَى مِنْهَا فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلِّيِّينَ
انْتَهَى وَقَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ هُوَ اسْمٌ لِلسَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَقِيلَ لِدِيوَانِ الْحَفَظَةِ تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ
وَكِتَابٌ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ
وَمِنَ النَّوَادِرِ مَا حَكَوْا أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّفَ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَنَارٍ فِي غَلَسٍ فَقِيلَ لَهُ وَمَا مَعْنَى غَلَسٍ فَقَالَ لِأَنَّهَا فِيهِ يَكُونُ أَشَدَّ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهِ مَقَالٌ
[٥٥٩] (صَلَاةُ الرَّجُلِ) أَيْ ثَوَابُ صَلَاتِهِ (عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ) أَيْ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَقَوْلُهُ فِي بَيْتِهِ قَرِينَةٌ عَلَى هَذَا إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَفِي السُّوقِ جماعة وفرادى
قاله بن دَقِيقِ الْعِيدِ
قَالَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقَابِلِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا لَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا (خَمْسًا) نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ تَزِيدُ نَحْوَ قَوْلِكَ زِدْتُ عَلَيْهِ عَشَرَةَ وَنَحْوَهَا
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (وَذَلِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى التَّضْعِيفِ وَالزِّيَادَةِ (بِأَنَّ أَحَدَكُمْ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) الْإِحْسَانُ فِي الْوُضُوءِ إِسْبَاغُهُ بِرِعَايَةِ السُّنَنِ وَالْآدَابِ (لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْمُضَارِعُ الْمَنْفِيُّ إِذَا وَقَعَ حَالًا يَجُوزُ فِيهِ الْوَاوُ وَتَرْكُهُ (وَلَا يَنْهَزُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ هو بفتح أوله وفتح الهاء وبالزاي أَيْ لَا تُنْهِضُهُ وَتُقِيمُهُ
انْتَهَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا يَبْعَثُهُ وَلَا يَشْخَصُهُ إِلَّا ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا انْتِهَازُ الْفُرْصَةِ وَهُوَ الِانْبِعَاثُ لَهَا وَالْبِدَارُ إِلَيْهَا (لَمْ يَخْطُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءِ قَالَهُ الْحَافِظُ
وَمَعْنَاهُ لَمْ يَمْشِ (خُطْوَةً) ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَجَزَمَ الْيَعْمَرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ الْحَافِظُ (إِلَّا رُفِعَ لَهُ) أَيْ لِأَحَدِكُمْ (بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْخُطْوَةِ (كَانَ فِي صَلَاةٍ) أَيْ حُكْمًا أُخْرَوِيًّا يَتَعَلَّقُ
стр. 547
بِهِ الثَّوَابُ (مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ) كَلِمَةُ مَا لِلْمُدَّةِ أَيْ مُدَّةُ دَوَامِ حَبْسِ الصَّلَاةِ إِيَّاهُ (يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ) أَيْ يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَكُمْ (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَالَ الْحَافِظُ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّةِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ كَانَ كَذَلِكَ (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أَيْ وَفِّقْهُ لِلتَّوْبَةِ أَوِ اقْبَلْهَا مِنْهُ أَوْ ثَبِّتْهُ عَلَيْهَا (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) وَالْمَعْنَى مَا لَمْ يُؤْذِ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَحَدًا بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ (أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ) بِالْجَزْمِ مِنَ الْإِحْدَاثِ بِمَعْنَى الْحَدَثِ لَا مِنَ التَّحْدِيثِ أَيْ مَا لَمْ يُبْطِلْ وُضُوءَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
[٥٦٠] (فِي فَلَاةٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْفَلَاةُ الْأَرْضُ لَا مَاءَ فِيهَا وَالْجَمْعُ فَلًا مثل حصاة وحصا (بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً) أَيْ بَلَغَتْ صَلَاتُهُ تِلْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً وَالْمَعْنَى يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ صَلَاةً وَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ فَإِذَا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا التَّضْعِيفُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ إِذَا صَلَّاهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ لِأَجْلِ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أُخْرَى لِلَّتِي هِيَ ضِعْفُ تِلْكَ لِأَجْلِ أَنَّهُ أَتَمَّ رُكُوعَ صَلَاتِهِ وَسُجُودِهَا وَهُوَ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وَفِي النَّيْلِ قَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ
قال بن رَسْلَانَ لَكِنْ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْلَى وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ
انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ لِأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّاهَا إِلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْمُقَيَّدِ بِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ مُقَابِلَةً لِصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْفَلَاةِ مَعَ تَمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَنَّهَا تَعْدِلُ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ
стр. 548
عَبْدِ الْوَاحِدِ
انْتَهَى (وَسَاقَ) أَيْ عَبْدُ الْوَاحِدِ (الحديث) بتمامه
قال المنذري والحديث أخرجه بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَفِي إِسْنَادِهِ هِلَالُ بْنُ مَيْمُونَ الْجُهَنِيُّ الرَّمْلِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةَ
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ
٩ - (بَابُ مَا جَاءَ في المشيء إِلَى الصَّلَاةِ فِي الظَّلَمِ)
[٥٦١] بِضَمِّ الظَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ ظُلْمَةٍ
(بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ) جَمْعُ الْمَشَّاءِ وَهُوَ كَثِيرُ الْمَشْيِ (فِي الظُّلَمِ) جَمْعُ ظُلْمَةٍ (بِالنُّورِ) مُتَعَلِّقٌ بِبَشِّرْ (التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ فِي وَصْفِ النُّورِ بِالتَّامِّ وَتَقْيِيدُهُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْمِيحٌ إِلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وَإِلَى وَجْهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى انْظُرُونَا نقتبس من نوركم
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ الْكَحَّالُ عَنْ عبد الله بن أَوْسٍ
([٥٦٢] بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهَدْيِ فِي الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ)
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ
الْهَدْيُ مِثَالُ فَلْسِ السِّيرَةِ يُقَالُ مَا أَحْسَنُ هَدْيِهِ وَالسِّيرَةُ الطَّرِيقَةُ وَأَيْضًا الْهَيْئَةُ
стр. 549
وَالْحَالَةُ
انْتَهَى
وَالْمَعْنَى هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ مَنْ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ كَيْفَ يَكُونُ سِيرَتُهُ وَطَرِيقَتُهُ فِي الْمَشْيِ
(أَبُو ثُمَامَةَ الْحَنَّاطُ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ حِجَازِيٍّ مَجْهُولِ الْحَالِ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ (أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَدْرَكَهُ) أَيْ أَبَا ثُمَامَةَ الْحَنَّاطَ (وَهُوَ) أَيْ ثُمَامَةُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (يُرِيدُ الْمَسْجِدَ) لِلصَّلَاةِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ كَعْبًا أَدْرَكَ أَبَا ثُمَامَةَ فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَكَانَ أَبُو ثُمَامَةَ مُشَبِّكًا بِيَدَيْهِ وَصَارَ الْإِدْرَاكُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ مَقُولَةٌ لِأَبِي ثُمَامَةَ قَالَهَا بِصِيغَةِ الْغَائِبِ ثُمَّ (قَالَ) أَبُو ثُمَامَةَ بِإِظْهَارِ الْوَاقِعَةِ (فَوَجَدَنِي) أَيْ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ (وَأَنَا مُشَبِّكٌ بِيَدَيَّ) مِنَ التَّشْبِيكِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِمَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِمَنْ خَرَجَ إِلَيْهَا أَوِ انْتَظَرَهَا مَثَلًا لِكَوْنِهِ كَمَنْ فِي الصَّلَاةِ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا) أَيْ قَاصِدًا (فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ) وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ منها ما أخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له ياكعب إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا تُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِكَ فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ فَلَا يَفْعَلُ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشيخين
ومنها ما رواه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَرَأَى رَجُلًا جَالِسًا وَسْطَ النَّاسِ وَقَدْ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفْطِنُ لَهُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنْ قُلْتَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَحَدِيثُ الْبَابِ مُعَارِضَةٌ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَلَمَّا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ
стр. 550
ذِي الْيَدَيْنِ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ الْحَدِيثُ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِجَوَازِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ قُلْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ غَيْرُ مُقَاوِمَةٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّحَّةِ وَلَا مُسَاوِيَةٍ
وقال بن بَطَّالٍ وَجْهُ إِدْخَالِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي الْفِقْهِ مُعَارَضَةً بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّهْيِ مِنَ التَّشْبِيكِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ مَرَاسِيلٌ وَمُسْنَدٌ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ
قُلْتُ كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُسْنَدِ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ
فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ كَعْبٍ هَذَا رَوَاهُ أَبُو داود وصححه بن خزيمة وبن حِبَّانَ قُلْتُ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ فَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُعَارَضَةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْمُضِيِّ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِعْلُهُ ﷺ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الْمُضِيِّ إِلَيْهَا فَلَا مُعَارَضَةٌ إِذًا وَبَقِيَ كُلُّ حَدِيثٍ عَلَى حِيَالِهِ
فَإِنْ قُلْتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ وَقَعَ تَشْبِيكُهُ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قُلْتُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ فِي ظَنِّهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُنْصَرِفِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ ضعيفة لأن فيها ضعيفا ومجهولا
وقال بن الْمُنِيرِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَعَارُضٌ إِذِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ العبث والذي في الحديث إنماهو لِمَقْصُودِ التَّمْثِيلِ وَتَصْوِيرِ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظِ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَشْبِيكُ الْيَدِ هُوَ إِدْخَالُ الْأَصَابِعِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَالِامْتِسَاكُ بِهَا وَقَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَبَثًا وَيَفْعَلُ بَعْضُهُمْ لِيُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ عِنْدَمَا يَجِدُ مِنَ التَّمَدُّدِ فِيهَا وَرُبَّمَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ فَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَاحْتَبَى بِيَدِهِ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِرَاحَةَ وَرُبَّمَا اسْتَجْلَبَ بِهِ النَّوْمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِقَاضِ طُهْرِهِ فَقِيلَ لِمَنْ تَطَهَّرَ وَخَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الصلاة لاتشبك بَيْنَ أَصَابِعِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لَا يُلَائِمُ شَيْءٌ منها الصلاة ولا يتشاكل حَالَ الْمُصَلِّي انْتَهَى
وَقَوْلُهُ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ رَجُلٌ غَيْرِ مُسَمًّى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَ
[٥٦٣] (الْمَوْتُ) أَيْ أَمَارَتُهُ (فَقَالَ) أَيِ الْأَنْصَارِيُّ (احْتِسَابًا) أَيْ لِطَلَبِ الثَّوَابِ (فأحسن
стр. 551
الْوُضُوءَ) بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ (إِلَّا حَطَّ اللَّهُ أَيْ وَضَعَ وَأَلْقَى (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْجَائِي وَالْمُرِيدِ إِلَى الصَّلَاةِ (فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ مَكَانِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ (أَوْ لِيُبَعِّدَ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ فَإِذَا بَعُدَ أَحَدُكُمْ مَكَانُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ هَدْيُهُ وَطَرِيقَتُهُ فِي الْمَشْيِ أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَعِيدٍ يَكُونُ الثَّوَابُ أَوْفَرَ وَأَكْثَرَ وَهُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ (وَقَدْ صَلَّوْا) أَيِ الْحَاضِرُونَ فِي الْمَسْجِدِ (بَعْضًا) مِنَ الصَّلَاةِ ((وَبَقِيَ بَعْضٌ) مِنَ الصَّلَاةِ (صَلَّى) هَذَا الرَّجُلُ الْجَائِي (مَا أَدْرَكَ) مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ (وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ (كَانَ) أَيِ الْأَمْرُ (كَذَلِكَ) أَيْ يَغْفِرُ لَهُ (وَقَدْ صَلَّوْا) أَيِ النَّاسُ وَمَا بَقِيَ مَعَ الْإِمَامِ شَيْءً مِنَ الصَّلَاةِ (فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ) أَيْ هَذَا الرَّجُلُ الْجَائِي بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (كَانَ كَذَلِكَ) أَيْ غُفِرَ له
١ - (باب في من خَرَجَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَسُبِقَ بِهَا)
[٥٦٤] أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ مَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَقَدْ فَرَغَ النَّاسُ عَنِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَحْدَهُ هَلْ لَهُ أَجْرُ الْجَمَاعَةِ أَمْ لَا
(ثُمَّ رَاحَ) أَيْ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيُّ وَقْتٍ كَانَ (أَعْطَاهُ) أَيِ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (مِثْلَ أَجْرِ) بِفَتْحِ اللَّامِ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِأَعْطَاهُ (مَنْ صَلَّاهَا) أَيِ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ يَعْنِي مِثْلَ أَجْرِ أَفْرَادِهِمْ (وَحَضَرَهَا) أَيِ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ مِنَ أَوَّلِهَا وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى
стр. 552
صَلَّى (لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ) أَيْ أَجْرُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ (مِنَ أَجْرِهِمْ) أَيِ الْمُصَلِّينَ بِالْجَمَاعَةِ (شَيْئًا) بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ بِالْجَمَاعَةِ وَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ أَجْرٌ كَامِلٌ عَلَى حِدَةٍ وَذَلِكَ لِكَمَالِ فَضْلِ اللَّهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّأْخِيرُ نَاشِئًا عَنِ التَّقْصِيرِ وَلَعَلَّهُ يُعْطَى لَهُ بِالنِّيَّةِ أَصْلُ الثَّوَابِ وَبِالتَّحَسُّرِ مَا فَاتَهُ مِنَ الْمُضَاعَفَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٢ - (باب ما جاء في خروج النساء إلى الْمَسْجِدِ)
[٥٦٥] هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا
(لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ) إِمَاءٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ جَمْعُ أَمَةٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ العلم بعموم قوله ﵇ لاتمنعوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنَ الْحَجِّ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الَّذِي يَخْرُجُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلْحَجِّ وَالطَّوَافِ أَشْهَرُ الْمَسَاجِدِ وَأَعْظَمُهَا حُرْمَةً فَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا دُونَهُ وَقَصْدَهُ وَاجِبٌ
انْتَهَى
(وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ غَيْرُ مُتَطَيِّبَاتٍ يُقَالُ امْرَأَةٌ تَفِلَةٌ إِذَا كانت متغيرة الريح كذا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
وَفِي الْمَعَالِمِ التَّفَلُ سُوءُ الرَّائِحَةِ يُقَالُ امْرَأَةٌ تَفِلَةٌ إِذَا لَمْ تُطَيَّبْ وَنِسَاءٌ تَفِلَاتٌ انْتَهَى
وَإِنَّمَا أُمِرْنَ بِذَلِكَ وَنُهِينَ عَنِ التَّطَيُّبِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْنَبَ لِئَلَّا يُحَرِّكْنَ الرِّجَالَ بِطِيبِهِنَّ وَيَلْحَقُ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُحَرِّكَاتِ لِدَاعِي الشَّهْوَةِ كَحُسْنِ الْمَلْبَسِ وَالتَّحَلِّي الَّذِي يَظْهَرُ أثره والزينة الفاخر
وَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إِذَا عَرَتْ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَتْ مُسْتَتِرَةٌ حَصَلَ الْأَمْنُ عَلَيْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ
[٥٦٦] (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ وأخرجه البخاري ومسلم
стр. 553
[٥٦٧] (لاتمنعوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ) مُقْتَضَى هَذَا النَّهْيُ أَنَّ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِمَّا مُطْلَقًا فِي الْأَزْمَانِ كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَكَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَوْ مُقَيَّدًا بِالْغَلَسِ كَمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ يَكُونُ مُحَرَّمًا عَلَى الْأَزْوَاجِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ (وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) أَيْ صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنْ صَلَاتِهِنَّ فِي الْمَسَاجِدِ لو علمن ذلك لكنهن لم يعلمن فيسئلن الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَيَعْتَقِدْنَ أَنَّ أَجْرَهُنَّ فِي الْمَسَاجِدِ أَكْثَرُ
وَوَجْهُ كَوْنِ صَلَاتِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ بَعْدَ وُجُودِ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالزِّينَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ
[٥٦٨] (فَقَالَ بن له) أي لابن عمر
قال المنذري وبن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا هُوَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ هُوَ ابْنُهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا
انْتَهَى (فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا) بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْفَسَادُ وَالْخِدَاعُ وَالرِّيبَةُ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَصْلُهُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفِّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْمُخَادَعَةِ لِكَوْنِ الْمُخَادِعِ يَلُفُّ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا وَيُظْهِرُ غَيْرَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ فَسَادِ بَعْضِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَمَلَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةِ (قَالَ) أَيْ مُجَاهِدٌ (فَسَبَّهُ وَغَضِبَ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إلى بن عُمَرَ وَالْمَنْصُوبُ إِلَى ابْنِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبَّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَفَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ السَّبُّ الْمَذْكُورُ بِاللَّعْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ بن عُمَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ
وَأُخِذَ مِنْ إِنْكَارِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى وَلَدِهِ تَأْدِيبُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ وَعَلَى الْعَالِمِ بِهَوَاهُ وَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا إِذَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ وَجَوَازُ التَّأْدِيبِ بِالْهِجْرَانِ فَقَدْ وقع في رواية بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَاتَ عقب هذه القصة بيسير
قاله الحافظ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي
стр. 554
[٥٦٩] ٥٣ بَاب التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ (لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي رواية مُسْلِمٍ لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى (مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ) مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَحُسْنِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهِمَا (كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي مُنِعِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا مُنِعَتْ (قَالَتْ نَعَمْ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَلَقَّتْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهَا وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَّخِذْنَ أَرْجُلًا مِنْ خَشَبٍ يَتَشَرَّفْنَ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا لَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا
وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطِ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءٌ عَلَى ظَنٍّ ظَنَنْتَهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ
وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ لكان منعهن من غيرهاكالأسواق أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ
وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ فَيُجْتَنَبُ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٥٧٠] (صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا) أَيِ الدَّاخِلَانِيِّ لِكَمَالِ سِتْرِهَا (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهِا) أَيْ صَحْنِ الدار
قال بن الْمَلَكِ أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ مَا تَكُونُ أَبْوَابُ الْبُيُوتِ إِلَيْهَا وَهِيَ أَدْنَى حَالًا مِنَ
стр. 555
الْبَيْتِ (وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ وَتُكْسَرُ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ فِي الْكُلِّ وَهُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ يُحْفَظُ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ النَّفِيسَةُ مِنَ الْخَدْعِ وَهُوَ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ أَيْ فِي خِزَانَتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى التستر
[٥٧١] (فلم يدخل منه بن عُمَرَ حَتَّى مَاتَ) وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ سِيرَةِ بن عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ لِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
رَوَى بن ماجه عن أبي جعفر قال كان بن عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ وَلَمْ يَقْصُرُ دُونَهُ وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مجاهد قال كنت أسافر مع بن عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَحَادَ عَنْهُ فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ وَرَوَى الْبَزَّارُ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي شَجَرَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَيَقِيلَ تَحْتَهَا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قال رأيت بن عُمَرَ مَحْلُولُ الْإِزَارِ وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَحْلُولُ الْإِزَارِ (وَهَذَا أَصَحُّ) أَيْ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عبد الوارث
٤ - (بَاب السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ)
[٥٧٢] السَّعْيُ الْعَدْوُ
(فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ) أَيْ لَا تَأْتُوا إِلَى الصَّلَاةِ مُسْرِعِينَ فِي الْمَشْيِ وَإِنْ خِفْتُمْ فَوْتَ الصَّلَاةِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَا يُقَالُ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْعَوْا لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ
стр. 556
بِالسَّعْيِ فِي الْآيَةِ الْقَصْدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تعالى (وذروا البيع) أَيِ اشْتَغِلُوا بِأَمْرِ الْمَعَادِ وَاتْرُكُوا أَمْرَ الْمَعَاشِ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَأْتُوهَا تَمْشُونَ) أَيْ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ (وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) ضَبَطَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِنَصْبِ السَّكِينَةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالسَّكِينَةِ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابِ الْعَبَثِ (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِكُمْ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا
قُلْتُ أَوِ التَّقْدِيرُ إِذَا فَعَلْتُمْ فَمَا أَدْرَكْتُمْ أَيْ فَعَلْتُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَتَرْكِ الْإِسْرَاعِ
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ
وَقِيلَ لَا تُدْرَكُ الْجَمَاعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لِلْحَدِيثِ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ وَقِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَوْقَاتِ وأن الْجُمُعَةِ حَدِيثًا خَاصًّا بِهَا انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ قَوْلُهُ فَأَتِمُّوا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِتْمَامِ وَاقِعٌ عَلَى بَاقٍ مِنْ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَعَطَاءٌ والزهري والأوزاعي وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وقد روي ذلك عن مجاهد وبن سِيرِينَ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا قَالُوا وَالْقَضَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْفَائِتِ قُلْتُ قَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ ﵇ وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ صَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ واقضوا ما سبقتم قال وكذا قال بن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَذَا قَالَ أَبُو رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قُلْتُ وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ لِلْأَصْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا قضيت الصلاة الآية وقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم وَلَيْسَ يَعْنِي مِنْ هَذَا قَضَاءً لِفَائِتٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﵇ وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا أَيْ أَدُّوهُ فِي تَمَامٍ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ فَأَتِمُّوا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ فَاقْضُوا وَنَفْيًا لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا
انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه
стр. 557
[٥٧٣] (ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) الْحِكْمَةُ فِي شَرْعِيَّةِ هَذَا الْأَدَبُ تُسْتَفَادُ مِنْ زِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ أَيْ أَنَّهُ في حكم المصلى فينبغي له اعتماد ما يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اعْتِمَادُهُ وَاجْتِنَابُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اجْتِنَابُهُ (فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ) قَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي إِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ وَرَدَ بِلَفْظِ فَأَتِمُّوا وَأَقَلُّهَا بِلَفْظِ فَاقْضُوا وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ إِذَا جَعَلْنَا بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْقَضَاءِ مُغَايَرَةً لَكِنْ إِذَا كَانَ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ وَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَافِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ أَوْلَى وَهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْفَائِتِ غَالِبًا لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْأَدَاءِ أَيْضًا وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ كَقَوْلِهِ تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا وَيَرِدُ بِمَعَانٍ أُخَرَ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ هُنَا فَاقْضُوا على معنى الأداء أوالفراغ فَلَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فَأَتِمُّوا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ فَاقْضُوا عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ حَتَّى اسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَتَرْكُ الْقُنُوتِ بَلْ هُوَ أَوَّلُهَا وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلَاةِ إِمَامِهِ لِأَنَّ الْآخِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ
وَأَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَوْ كَانَ مَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرًا لَهُ لَمَا احْتَاجَ إلى إعادة التشهد
وقول بن بَطَّالٍ إِنَّهُ مَا تَشَهَّدَ إِلَّا لِأَجْلِ السَّلَامِ لِأَنَّ السَّلَامَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْقِ تَشَهُّدٍ لَيْسَ بِالْجَوَابِ النَّاهِضِ عَلَى دَفْعِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ
وَاسْتَدَلَّ بن الْمُنْذِرِ لِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي
стр. 558
الرَّكْعَةِ الْأُولَى
وَقَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ مَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّبَاعِيَةِ لَكِنْ لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ إِعَادَةَ الْجَهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَكَانَ الْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلَهُ مَا أَدْرَكْتَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِكَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَعَنْ إِسْحَاقَ وَالْمُزَنِيِّ لَا يَقْرَأُ إِلَّا أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُوَ الْقِيَاسُ انْتَهَى (وَأَبُو ذَرٍّ رَوَى عَنْهُ فَأَتِمُّوا وَاقْضُوا وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيِ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَرُوِيَ عَنْهُ لَفْظُ فَأَتِمُّوا وَلَفْظُ وَاقْضُوا أَيْضًا
٥ - (بَاب فِي الْجَمْعِ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّتَيْنِ)
[٥٧٤] وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِلَفْظِ بَابِ مَا جَاءَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ مَرَّةً وَأَوْرَدَ حَدِيثَ الْبَابِ
(أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا) أَيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ (فَيُصَلِّيَ) بِالنَّصْبِ (مَعَهُ) لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فَيَكُونَ كَأَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُ صَدَقَةً
قَالَ الْمُظْهِرُ سَمَّاهُ صَدَقَةً لِأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِثَوَابِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً إِذْ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا ثَوَابُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ فَيُصَلِّي مَنْصُوبٌ لِوُقُوعِهِ جَوَابَ قَوْلِهِ أَلَا رَجُلٌ كَقَوْلِكَ أَلَا تَنْزِلُ فَتُصِيبَ خَيْرًا وَقِيلَ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَلَا بِمَعْنَى لَيْسَ فَعَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الْخَبَرِ وَهَذَا أَوْلَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ مَرَّةً
قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَلُّونَ فُرَادَى وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وبن الْمُبَارَكِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَخْتَارُونَ الصَّلَاةَ فُرَادَى
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِيهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ انْتَهَى
стр. 559
٥٦ - (باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الْجَمَاعَةَ يُصَلِّي)
[٥٧٥] مَعَهُمْ (فَلَمَّا صَلَّى) أَيْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ (تُرْعَدُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ أي تتحرك كذا قال بن رَسْلَانَ وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ تُحَرَّكُ مِنْ أَرْعَدَ الرَّجُلُ إِذَا أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ وَهِيَ الْفَزَعُ وَالِاضْطِرَابُ (فَرَائِصُهُمَا) جَمْعُ فَرِيصَةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبِ الدَّابَّةِ وَكَتِفِهَا أَيْ تَرْجُفُ مِنَ الْخَوْفِ
قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ
وَسَبَبُ ارْتِعَادِ فَرَائِصِهِمَا مَا اجْتَمَعَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْهَيْبَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْحُرْمَةِ الْجَسِيمَةِ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ مَعَ كَثْرَةِ تَوَاضُعِهِ (قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا) جَمْعُ رَحْلٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْمَنْزِلُ وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الْمُرَادُ هُنَا الْمَنْزِلُ (فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ وَالْفَرِيضَةُ هِيَ الْأَوْلَى سَوَاءٌ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِنَّ مَنْ كَانَ صَلَّى فِي رَحْلِهِ ثُمَّ صَادَفَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ أَيَّةَ صَلَاةٍ كَانَتْ مِنْ صَلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ
وَقَالَ قَوْمٌ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ وَكَذَلِكَ قَالَ النَّخَعِيُّ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَكَانَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ يَكْرَهَانِ أَنْ يُعِيدُوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى أَنْ يُعِيدَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ إِذَا كَانَ قَدْ صَلَّاهُنَّ
قُلْتُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى جَمَاعَةِ مَنْ مَنَعَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا أَلَا تَرَاهُ ﵇ يَقُولُ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رحله ثم أدرك امام وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ صَلَاةً دُونَ صَلَاةٍ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا تُعَادُ الْعَصْرُ وَالْفَجْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَخْرُجُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا وَقَوْلُهُ ﵇ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ يُرِيدُ الصَّلَاةَ الْآخِرَةَ مِنْهَا وَالْأُولَى فَرِيضَةٌ
وَأَمَّا نَهْيِهِ ﵇ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ تَأَوَّلُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى إِنْشَاءِ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً
стр. 560
مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهَا سَبَبٌ مِثْلُ أَنْ يُصَادِفَ قَوْمًا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا مَعَهُمْ لِيُحْرِزَ الْفَضِيلَةَ
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ مُتَأَخِّرٌ لِأَنَّ فِي قِصَّتِهِ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَفِي قَوْلِهِ ﵇ فَإِنَّهَا نَافِلَةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ جَائِزَةً بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ لَهَا سَبَبٌ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا مُجْزِيَةٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ مَكْرُوهًا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[٥٧٧] (رَأَى يَزِيدُ جَالِسًا) أَيْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ (فَقَالَ أَلَمْ تُسْلِمْ) أَيْ أَمَا أَسْلَمْتَ (فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ) فَإِنَّهُ مِنْ عَلَامَةِ الْإِسْلَامِ الدَّالُّ عَلَى الْإِيمَانِ (وَأَنَا أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ ظَانًّا فَرَاغَ صَلَاتِكُمْ (إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ) أَيِ الْجَمَاعَةِ أَوْ مَسْجِدِهَا (فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ) لِيَحْصُلَ لَكَ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ وَزِيَادَةُ النَّافِلَةِ (تَكُنْ) أَيِ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي صَلَّيْتَهَا الْآنَ (لَكَ نَافِلَةً) بِالنَّصْبِ (وَهَذِهِ) أَيِ الصَّلَاةُ الْأُولَى الَّتِي صَلَّيْتَهَا فِي مَنْزِلِكَ وَيَحْتَمِلُ الْعَكْسَ لَكِنِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ (مَكْتُوبَةٌ) بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ
[٥٧٨] (رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ) قَبِيلَةٌ (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (فَأُصَلِّي مَعَهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ
стр. 561
الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَالَ أُصَلِّي فِي مَنْزِلِي بَدَلُ قَوْلِهِ يُصَلِّي أَحَدُنَا
انْتَهَى
وَالْأَظْهَرُ كَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ فَيُصَلِّي مَعَهُمْ فَالْتَفَتَ
قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ (فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) أَيْ شُبْهَةً (فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ أَيِ الْآتِي وَهُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الرجل من إعادة الصلاة مع الجماعة بعد ما صلاها منفردا (فقال فذلك) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا الرَّجُلُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ سَهْمٌ مِنَ الْخَيْرِ جُمِعَ لَهُ حَظَّانِ وَفِيهِ وَجْهٍ آخَرَ
قَالَ الْأَخْفَشُ سَهْمٌ جَمْعٌ يُرِيدُ سَهْمَ الْجَيْشِ هُوَ السهم من الغنيمة
قال الجمع ها هنا الْجَيْشُ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ويقول يوم التقى الجمعان وبقوله سيهزم الجمع ويولون الدبر انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ نَصِيبٌ مِنْ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي أَيْ أَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ حَزَازَةً هَلْ ذَلِكَ لِي أَوْ عَلَيَّ فَقِيلَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ أَيْ ذَلِكَ لَكَ لَا عَلَيْكَ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِنِّي أَجِدُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ رَوْحًا أَوْ رَاحَةً فَقِيلَ ذَلِكَ الرَّوْحُ نَصِيبُكَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
٧ - (بَاب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جَمَاعَةً يُعِيدُ)
[٥٧٩] (عَلَى الْبَلَاطِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ ضَرْبٌ مِنَ الْحِجَارَةِ يُفْرَشُ بِهِ الْأَرْضُ ثُمَّ سُمِّيَ الْمَكَانُ بَلَاطًا اتِّسَاعًا وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَفِي الْمِصْبَاحِ الْبَلَاطُ كُلُّ شَيْءٍ فُرِشَتْ بِهِ الدَّارُ مِنْ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ (وَهُمْ) أَيْ أَهْلُهُ (لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ
стр. 562
هَذِهِ صَلَاةُ الْإِيثَارِ وَالِاخْتِيَارِ دُونَ مَا كَانَ لَهَا سَبَبٌ كَالرَّجُلِ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَيُصَلِّي مَعَهُمْ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَرَفْعًا لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا
انْتَهَى
قَالَ فِي الاستذكار اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ صَلَاةً مَكْتُوبَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَيُعِيدَهَا عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ أَيْضًا وَأَمَّا مَنْ صَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهَا نَافِلَةً اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرِهِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْأُولَى فَرِيضَةٌ وَالثَّانِيَةُ نَافِلَةٌ فَلَا إِعَادَةَ حِينَئِذٍ
كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةِ الِاخْتِيَارِ دُونَ مَالِهِ سَبَبٌ كَالرَّجُلِ يُصَلِّي ثُمَّ يُدْرِكُ جَمَاعَةً فَيُصَلِّي مَعَهُمُ انتهى
٨ - (باب جُمَّاعِ الْإِمَامَةِ وَفَضْلِهَا)
[٥٨٠] قُلْتُ فِي ضَبْطِهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ جِمَاعٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَجِمَاعُ الشَّيْءِ جَمْعُهُ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مَا جَمَعَ عَدَدًا يُقَالُ الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ أَيْ مَجْمَعُهُ وَمَظِنَّتُهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَلَا جِمَاعٌ لَنَا فِيمَا بَعْدُ أَيْ لَا اجْتِمَاعَ لَنَا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ حَدِّثْنِي بِكَلِمَةٍ تَكُونُ جِمَاعًا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَعْلَمُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَكُونُ جِمَاعًا أَيْ كَلِمَةً تَجْمَعُ كَلِمَاتٍ
وَالثَّانِي بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدَّةِ الْمِيمِ وَهُوَ كُلِّ مَا تَجَمَّعَ وَانْضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَجُمَّاعُ كُلِّ شَيْءٍ مُجْتَمَعُ خَلْقِهِ وَجُمَّاعُ جَسَدِ الْإِنْسَانِ رَأْسُهُ
وَالْجُمَّاعُ أَخْلَاطٌ مِنَ النَّاسِ وَقِيلَ هُمُ الضُّرُوبُ الْمُتَفَرِّقُونَ وَالْفِرَقُ الْمُخْتَلِفَةُ مِنَ النَّاسِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كَانَ فِي جَبَلِ تِهَامَةَ جُمَّاعٌ أَيْ جَمَاعَاتٍ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى مُتَفَرِّقَةٍ كَذَا فِي اللِّسَانِ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَلَفْظُ جِمَاعٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَحَلِّ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ وَالْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ كَأَنَّهُ قَالَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ جِمَاعُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَقَدْ عَرَفْتَ وَجْهَ الِاشْتِقَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
(فَأَصَابَ الْوَقْتَ فَلَهُ وَلَهُمْ) أَيْ فَلَهُ ثَوَابُ صَلَاتِهِ وَلَهُمْ ثَوَابُ صَلَاتِهِمْ (وَمَنِ انْتَقَصَ من
стр. 563
ذَلِكَ) الْوَقْتِ (شَيْئًا فَعَلَيْهِ) أَيْ فَعَلَى الْإِمَامِ الوزر
قال المنذري وأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ الْمَدِينِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو حَرْمَلَةَ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وإن أخطأوا فلكم وعليهمانتهى
٩ - (باب في كراهية التدافع)
[٥٨١] عن (عَلَى) الْإِمَامَةِ (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أَيْ عَلَامَاتِهَا الْمَذْمُومَةِ وَاحِدُهَا شَرَطٌ بِالتَّحْرِيكِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا التَّفْسِيرَ وَقِيلَ هِيَ مَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ صِغَارِ أُمُورِ السَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ) أَيْ يَدْرَأُ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْإِمَامَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ لَسْتُ أَهْلًا لَهَا لَمَّا تَرَكَ تَعَلُّمَ مَا تَصِحُّ بِهِ الْإِمَامَةُ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
أَوْ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوِ الْمِحْرَابِ لِيَؤُمَّ بِالْجَمَاعَةِ فَيَأْبَى عَنْهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ لَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا
قاله بن الملك
كذا قال علي القارىء
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحُرُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُشَدَّدَةٌ انْتَهَى
([٥٨٢] بَاب مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ)
(يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَكْثَرُهُمْ لَهُ حِفْظًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ما رواه
стр. 564
الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِوِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْلَامِ قَوْمِهِ فَكَانَ فِيمَا أَوْصَانَا لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَقَدَّمُونِي وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَقِيلَ أَحْسَنُهُمْ قِرَاءَةً وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ حِفْظًا وَقِيلَ أَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِهِ (وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً) وَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ أَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً وَلَمْ يَقُلْ فَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَرَّجَةٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ
وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا رِوَايَةُ سُفْيَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُسْتَقِيمُ فِي التَّرْتِيبِ انْتَهَى (فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ فِي مِقْدَارِهَا أَوْ حُسْنِهَا أَوْ فِي الْعِلْمِ بِهَا (سَوَاءً) أَيْ مُسْتَوِينَ (فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) هَذَا شَامِلٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ هِجْرَةً سَوَاءً كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ كَمَنْ يُهَاجِرُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ
وَأَمَّا حَدِيثُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَضْلُهَا كَفَضْلِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (أَكْبَرُهُمْ سِنًّا) أَيْ يُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ مَنْ كَبِرَ سِنُّهُ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ فَضِيلَةٌ يُرَجَّحُ بِهَا (وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ فِي بَيْتِهِ إِذَا كَانَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَوِ الْعِلْمِ بِمَحَلٍّ يُمَكِّنُهُ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةِ
وَقَدْ رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمُّهُمْ (وَلَا فِي سُلْطَانِهِ) فَهَذَا فِي الْجُمُعَاتِ وَالْأَعْيَادِ لِتَعَلُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالسَّلَاطِينِ فَأَمَّا فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فَأَعْلَمُهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فَإِنْ جَمَعَ السُّلْطَانُ هَذِهِ الْفَضَائِلَ كُلَّهَا فَهُوَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَلَا يَرَاهَا خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ
وَقَدْ يُتَأَوَّلُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﵇ وَلَا فِي سُلْطَانِهِ عَلَى مَعْنَى مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ مِنْ مِلْكِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ يَكُونُ إِمَامُ مَسْجِدِهِ فِي قَوْمِهِ وَقَبِيلَتِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ) أَيْ فِرَاشِهِ وَسَرِيرِهِ وَمَا يُعَدُّ لِإِكْرَامِهِ من وطأ وَنَحْوِهِ
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ
وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵌ جَعَلَ مِلَاكُ أَمْرِ الْإِمَامَةِ الْقِرَاءَةَ وَجَعَلَهَا مُقَدَّمَةً
стр. 565
عَلَى سَائِرِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورِ مَعَهَا وَالْمَعْنَى فِي ذلك أنهم كانوا قوما أميين لا يقروؤن فَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ كَانَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْهُ لِأَنَّهُ لَا صلاة إلا بقراءه وإذا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الصَّلَاةِ وَكَانَتْ رُكْنًا مِنَ أَرْكَانِهَا صَارَتْ مُقَدَّمَةً فِي التَّرْتِيبِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا ثُمَّ تَلَا الْقِرَاءَةَ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ الْفِقْهُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَمَا سَنَّهُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِيهَا وَبَيَّنَهُ مِنْ أَمْرِهَا وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ رُبَّمَا يَعْرِضُ فِيهَا مِنْ سَهْوٍ وَيَقَعُ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ أَفْسَدَهَا وَأَخْدَجَهَا فَكَانَ الْعَالِمُ بِهَا الْفَقِيهُ فِيهَا مُقَدَّمًا عَلَى مَنْ لَمْ يَجْمَعْ عِلْمَهَا وَلَمْ يَعْرِفْ أَحْكَامَهَا
وَمَعْرِفَةُ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي الذِّكْرِ وَكَانَ الْقِرَاءَةُ مُبْتَدَأَةً بِذِكْرِهَا فَإِنَّ الْفَقِيهَ الْعَالِمَ بِالسُّنَّةِ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْمَاهِرِ بِالْقِرَاءَةِ إِذَا كَانَ مُخْتَلِفًا عَنْ دَرَجَتِهِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ وَمَعْرِفَتِهِ السُّنَّةَ
وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقَارِئُ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ إِذَا عتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم به
وقال بن مَسْعُودٍ كَانَ أَحَدُنَا إِذَا حَفِظَ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا حَتَّى يُحْكِمَ عِلْمَهَا وَيَعْرِفَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا أَوْ كَمَا قَالَ
فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ بِهِمُ الزَّمَانُ فإن أكثرهم يقرأون وَلَا يَفْقَهُونَ فَقُرَّاؤُهُمْ كَثِيرٌ وَالْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي السُّنَّةِ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْيَوْمَ إِلَّا أَنَّ فَضِيلَتَهَا مَوْرُوثَةٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ أَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ وَأَسْلَافِهِ مَنْ لَهُ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ سَابِقَةٌ فِيهِ أَوْ كَانَ آبَاؤُهُ أَقْدَمُ إِسْلَامًا فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لِآبَائِهِ سَابِقَةٌ أَوْ كَانُوا مِمَّنْ بَنَى الْعَهْدَ بِالْإِسْلَامِ فإذا كانوا متساويين فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا لِفَضِيلَةِ السِّنِّ وَلِأَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَ أَصْحَابُهُ فِي السِّنِّ فَقَدْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ تُوجَدُ أَقَاوِيلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ
قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الفقه سواء فأقرأهم فَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَسَنُّهُمْ وَقَالَ مَالِكٌ يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ أَعْلَمُهُمْ فَقِيلَ لَهُ أقرأهم فَقَالَ قَدْ يَقْرَأُ مَنْ لَا يُرْضَى وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ
وَقَالَ الشَّافِعِيِّ إِذَا لَمْ تَجْتَمِعُ الْقِرَاءَةُ وَالْفِقْهُ وَالسِّنُّ فِي وَاحِدٍ قَدَّمُوا أَفْقَهُهُمْ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَكْتَفِي بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قَدَّمُوا أَقْرَأَهُمْ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْفِقْهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ إِذَا كَانَ
следующие страницы →