Полный текст (401 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والأسواق قد غلب على أَهلهَا الْغَلَط وَاللَّهْو والاشتغال بِجمع المَال والتكالب على الدُّنْيَا من الْوَجْه الْمُبَاح وَغَيره، وَأَنه إِذا ذكر الله فِي السُّوق فَهُوَ من أفضل الْأَعْمَال.
ورُوي عَن مُحَمَّد بن وَاسع أَنه قَالَ: " سَمِعت سَالم بن عبد الله يَقُول: من دخل السُّوق فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير كتبت لَهُ ألف حَسَنَة وتمحى عَنهُ ألف ألف سَيِّئَة وَبنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة.
وَكَذَلِكَ إِذا لغى فِي الْمَسْجِد ولغط فِيهِ أَو عصى ربّه لم يضّر الْمَسْجِد وَلَا نقص من فَضله وَإِنَّمَا أضرّ نَفسه، وَبَالغ فِي إثمه.
وَقد روى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: " من عصى الله فِي الْمَسْجِد فَكَأَنَّمَا عَصَاهُ فِي الْجنَّة. وَمن عَصَاهُ فِي الْحمام فَكَأَنَّمَا عَصَاهُ فِي النَّار. وَمن عَصَاهُ فِي الْمقْبرَة فَكَأَنَّمَا عَصَاهُ فِي عرصات الْقِيَامَة. وَمن عَصَاهُ فِي الْبَحْر فَكَأَنَّمَا عَصَاهُ على كف الْمَلَائِكَة ".
وَذهب الْمُهلب فِي حَدِيث عَائِشَة إِلَى من كثر سَواد العصاة تلْزمهُ الْعقُوبَة مَعَهم. وَإِن مَالِكًا استنبط من الحَدِيث معاقبة جليس شَارِب الْخمر وَإِن لم يشرب. وَهَذَا عِنْدِي مَرْدُود فَإِن الْعقُوبَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث هِيَ المحنة السماوية والمحن السماوية لَا تقاس بهَا الْعُقُوبَات الشَّرْعِيَّة. وَلِهَذَا قَالَ -[ ﷺ ]-: " ويبعثون على نياتهم " دلّ على أَن الْمُقَاتلَة عوقبوا والسوقة امتحنوا مَعَهم فِي الدُّنْيَا خاصّة. ثمَّ وَرَاء ذَلِك نظر فِي مصاحبة أهل الْفِتْنَة للتِّجَارَة مَعَهم هَل هِيَ من قبيل إعانتهم على مَا هم عَلَيْهِ؟ أَو يُقَال: إِن ضَرُورَة الْوُجُود توجب معاملتهم، وكل على
стр. 212
شاكلته، والمفتن يبوء بإثمه. وَهَذَا ظَاهر الحَدِيث.
(١٩٤ - (٩) بَاب هَل يَبِيع حَاضر لباد بِغَيْر أجر وَهل يُعينه أَو ينصحُه؟
وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: " إِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصح لَهُ " وَرخّص فِيهِ عَطاء.
فِيهِ جرير: بايعتُ رَسُول الله -[ ﷺ ]- على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله والنصح لكل مُسلم " مُخْتَصر.
وَفِيه ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: " لَا تلقُّوا الرُّكبان وَلَا يبع حَاضر لباد " فَقلت لِابْنِ عَبَّاس: مَا قَوْله: " لَا يبع حَاضر لباد "؟ فَقَالَ: لَا يكون لَهُ سمساراً.
قلت: رَضِي الله عَنْك! سَاق البُخَارِيّ الْعُمُوم وَالْخُصُوص على صِيغَة التَّعَارُض ليرشد إِلَى الْجمع. وَحمل النهى الْخَاص على البيع بِأَجْر لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون غَرَضه نصح البَائِع وَإِنَّمَا غَرَضه الْأجر. وَمُقْتَضى هَذَا: إجَازَة بيع الْحَاضِر للبادي بِغَيْر أجر من بَاب النصح لكل مُسلم وترجمته الَّتِي تلِي هَذِه تحقق مَقْصُوده على هَذَا الْوَجْه.
(١٩٥ - (١٠) بَاب بيع الجُمّار وَأكله)
فِيهِ ابْن عمر: كنت عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]- وَهُوَ يَأْكُل جُمّاراً فَقَالَ: " من
стр. 213
الشَّجَرَة شَجَرَة كَالرّجلِ الْمُؤمن " فَأَرَدْت أَن أَقُول النَّخْلَة. فَإِذا أَنا أحدثُهم فَقَالَ: " هِيَ النَّخْلَة "
قلت: رَضِي الله عَنْك! لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على بيع الجُمّار إِلَّا بِالْقِيَاسِ على أكله، إِذْ يدل على أَنه مُبَاح. واستغرب الشَّارِح ذكره لبيع الجُمّار بِنَاء مِنْهُ على أَنه مجمع عَلَيْهِ، وَأَنه لَا يتخيّل أحد فِيهِ الْمَنْع. وَقد وَقع فِي عصرنا لبَعْضهِم إِنْكَار على من جمّر نَخْلَة ليأكله تحرجاً من أكل غَيره مّما لم يصف من الشُّبْهَة وَنسبه لإضاعة المَال وَذهل عَن كَونه حفظ مَاله بِمَالِه.
(١٩٦ - (١١) بَاب من أجْرى أَمر الْأَمْصَار على مَا يَتَعَارَفُونَ بَينهم فِي البيع وَالْإِجَارَة والكيل وَالْوَزْن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم الْمَشْهُورَة)
وَقَالَ شُرَيْح للغزّالين: سنتّكم بَيْنكُم. وَقَالَ ابْن سِيرِين: لَا بَأْس الْعشْرَة بِأحد عشر وَيَأْخُذ للنَّفَقَة ربحا.
وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لهِنْد: " خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ "
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ٦] واكترى الْحسن من عبد الله بن مرداس حمارا. قَالَ: بكم؟ قَالَ: بدانقين، فَرَكبهُ ثمَّ جَاءَ مرّة أُخْرَى. وَقَالَ الْحمار الْحمار فَرَكبهُ وَلم يشارطه فَبعث إِلَيْهِ
стр. 214
بِنصْف دِرْهَم.
فِيهِ أنس:: " حجم النَّبِي [ ﷺ ] أَبُو طيبَة فَأمر لَهُ بِصَاع من تمر، وَأمر أَهله أَن يخففّوا عَنهُ من خراجه ".
وَفِيه عَائِشَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لهِنْد حِين قَالَت لَهُ: إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح، فَهَل علىّ من جنَاح أَن آخذ من مَاله سرّاً؟ فَقَالَ:: " خذي أَنْت وبنيك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ ".
وَقَالَت: عَائِشَة رضى الله عَنْهَا: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنزلت فِي وليّ الْيَتِيم الَّذِي يُقيم عَلَيْهِ وَيصْلح فِي مَاله. إِن كَانَ فَقِيرا أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ.
قلت: رَضِي الله عَنْك! مَقْصُوده بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِثْبَات الِاعْتِمَاد على الْعرف وَأَنه يقْضِي بِهِ على ظواهر الْأَلْفَاظ. ويردّ إِلَى مَا خَالف الظَّاهِر من الْعرف، وَلِهَذَا: سَاق: " لَا بَأْس الْعشْرَة بِأحد عشر "، أَي يَبِيعهُ بسلعة مُرَابحَة للعشرة بِأحد عشر. وَظَاهره أَن ربح الْعشْرَة أحد عشر فَتكون الْجُمْلَة أحدا وَعشْرين، وَلَكِن الْعرف فِيهِ أَن للعشرة دِينَارا ربحا فَيقْضى بِالْعرْفِ على اللَّفْظ. فَإِذا صحّ الِاعْتِمَاد على الْعرف مُعَارضا بِالظَّاهِرِ فالاعتماد عَلَيْهِ مُطلقًا أولى.
وَوجه دُخُول حَدِيث أبي طيبَة فِي التَّرْجَمَة أَنه ﵇ لم يشارطه اعْتِمَادًا على الْعرف فِي مثله.
стр. 215
(١٩٧ - (١٢) بَاب بيع الشَّرِيك من شَرِيكه .)
فِيهِ جَابر: جعل النَّبِي -[ ﷺ ]- الشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم، فَإِذا وَقعت الْحُدُود، وصرفت الطّرق، فَلَا شُفْعَة.
وَترْجم لَهُ " بَاب بيع الأَرْض، والدور، وَالْعرُوض مشَاعا غير مقسوم ".
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل حَدِيث الشُّفْعَة فِي البيع، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الشَّرِيك يَأْخُذ الشّقص من المُشْتَرِي قهرا بِالثّمن. فَأَخذه لَهُ من شَرِيكه مبايعة جَائِز قطعا.
وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الشُّفْعَة بيع، وَهُوَ أحد المذهبين فِيهَا.
(١٩٨ - (١٣) بَاب شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ، وهبته وعتقه .)
قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لسلمان: " كَاتب، وَكَانَ حرّاً، فظلموه وباعوه. وسبى عمّار، وصهيب، وبلال.
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالله فضل بَعْضكُم على بعض فِي الرزق، فَمَا
стр. 216
الَّذين فضلوا برادى رزقهم على مَا ملكت أَيْمَانهم فهم فِيهِ سَوَاء أفبنعمة الله يجحدون﴾ [النَّحْل: ٧١] .
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- هَاجر إِبْرَاهِيم بسارة، فَدخل بهَا قَرْيَة فِيهَا ملك من الْمُلُوك، أَو جَبَّار من الْجَبَابِرَة. فَقيل: دخل إِبْرَاهِيم بِامْرَأَة، هِيَ من أحسن النِّسَاء. فَأرْسل إِلَيْهِ من هَذِه الَّتِي مَعَك؟ قَالَ: أُخْتِي. ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تكذّبي حَدِيثي. فَإِنِّي أَخْبَرتهم أَنَّك أُخْتِي. وَالله إِن على الأَرْض مُؤمن غَيْرِي وَغَيْرك [فَأرْسل بهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا] فَقَامَتْ تتوضأ وَتصلي فَقَالَت: اللَّهُمَّ إِنِّي كنت آمَنت بك وبرسولك، وأحصنت فَرجي إِلَّا على زَوجي، فَلَا تسلّط عليّ الْكَافِر، فغطّ حَتَّى ركض بِرجلِهِ.
قَالَ الْأَعْرَج قَالَ أَبُو سَلمَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ، قَالَت: اللَّهُمَّ إِن يمت، يُقَال: هِيَ قتلته.
فَأرْسل فِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، فَقَالَ: وَالله مَا أرسلتم إلىّ إِلَّا شَيْطَانا، ارجعوها إِلَى إِبْرَاهِيم. فَقَالَت: أشعرت أَن الله كبت الْكَافِر وَأَخْدَم وليدة.
فِيهِ عَائِشَة: اخْتصم سعد بن وَقاص وعبد الله بن زَمعَة [فِي غُلَام فَقَالَ عبد] هَذَا يَا رَسُول الله أخي، ولد على فرَاش أبي من وليدته. فَنظر النَّبِي
стр. 217
[ ﷺ ] إِلَى شبهه، فَرَأى شبها بيّناً بِعتبَة فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عبد. الْوَلَد للْفراش، وللعاهر الْحجر. واحتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة فَلم ير سَوْدَة قطّ.
فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: إِنَّه قَالَ لِصُهَيْب اتّق الله وَلَا تدّع إِلَى غير أَبِيك. فَقَالَ صُهَيْب " مَا يسرني أنّ لي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قلت ذَلِك، ولكنّي سرقت وَأَنا صبّي.
فِيهِ حَكِيم بن حزَام: قلت: يَا رَسُول الله ﴿أَرَأَيْت أموراً كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، من صلَة وعتاقة وَصدقَة، هَل لي فِيهَا أجر؟ قَالَ النَّبِي [ ﷺ ]-: أسلمت على مَا سلف لَك من خير.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ مَقْصُوده من هَذِه الْأَحَادِيث وَالْآيَة صِحَة ملك الْحَرْبِيّ، وَملك الْمُسلم عَنهُ. والمخاطب فِي الْآيَة الْمُشْركُونَ وبّخوا على قسوتهم بَين الله وَبَين الْأَصْنَام فِي الْعِبَادَة، وكونهم لَا يساوون مماليكهم فِي أَرْزَاقهم، فأثبتوا لأَنْفُسِهِمْ الميزة على مماليكهم، وَلم يثبتوا لله التفرد عَن الْأَصْنَام بِمَا يجب لَهُ من فَأخذ من الْآيَة أَن للْمُشْرِكين أملاكاً، دلّ أَن الْإِشْرَاك لَا يُنَافِي الْملك.
стр. 218
(٣٢ - [كتاب السّلم] )
(١٩٩ - (١) بَاب السّلم إِلَى من لَيْسَ عِنْده أصل)
فِيهِ عبد الله بن أبي أوفي: كنّا نسلم نبيط أهل الشَّام فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب فِي كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. قلت: إِلَى من كَانَ عِنْده أصل؟ قَالَ مَا كُنَّا نسألهم عَن ذَلِك ثمَّ بعثاني إِلَى ابْن أبي أَبْزَى، فَسَأَلته فَقَالَ: كَانَ أَصْحَاب النَّبِي -[ ﷺ ]- يسلفون على عهد النَّبِي [ ﷺ ] ، فَلم يسألهم ألهم حرث أم لَا؟ وَقَالَ جرير عَن الشَّيْبَانِيّ: فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب.
وَفِيه ابْن عَبَّاس: سُئِلَ عَن السّلم فِي النّخل. فَقَالَ: نهى النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن بيع النَّخْلَة حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ وَحَتَّى يؤزن فَقَالَ رجل: وَأي شَيْء يُوزن؟ فَقَالَ رجل إِلَى جَانِبه: يحرز.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أشكل على الشَّارِح دُخُول حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب فَحَمله على غلط النَّاسِخ، وحقق أَنه من الْبَاب الثَّانِي. وَالتَّحْقِيق أَنه من هَذَا الْبَاب. وقلّ أَن يفهم ذَلِك إِلَّا مثل البُخَارِيّ. وَالْفضل للمتقدم. وَوجه
стр. 219
مطابقته أَن ابْن عَبَّاس لما سُئِلَ عَن السّلم إِلَى من لَهُ نخل. فِي ذَلِك النّخل عدّ ذَلِك من قبيل بيع الثِّمَار قبل بَدو صَلَاحهَا. فَإِذا كَانَ السّلم فِي النّخل لَا يجوز وَلم يبْق لوجودها فِي ملك الْمُسلم إِلَيْهِ فَائِدَة مُتَعَلقَة بالسّلم فتعّين جَوَاز السّلم إِلَى من لَيْسَ لَهُ عِنْده أصل وَإِلَّا يلْزمه سدّ بَاب السّلم مُطلقًا، وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع.
(٢٠٠ - (٢) بَاب الْكَفِيل فِي السّلم)
فِيهِ عَائِشَة اشْترى رَسُول الله -[ ﷺ ]- طَعَاما من يَهُودِيّ بنسيئة، وَرَهنه درعاً لَهُ من حَدِيد.
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه الْمُطَابقَة أَنه قَاس السّلم على البيع، وَالْكَفِيل على الرَّهْن بِجَامِع التوثقة.
(٣٣ - [كتاب الشُّفْعَة] )
(٢٠١ - (١) بَاب عرض الشُّفْعَة على صَاحبهَا قبل البيع)
وَقَالَ الحكم: إِن أذن لَهُ قبل البيع فَلَا شُفْعَة لَهُ. وَقَالَ الشّعبِيّ: من بِيعَتْ
стр. 220
شفعته وَهُوَ شَاهد لَا يغيرها فَلَا شُفْعَة لَهُ. فِيهِ أَبُو رَافع مولى النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِنَّه قَالَ لسعد: ابتع منى بَيْتِي فِي دَارك. فَقَالَ سعد: وَالله لَا أزيدك على أَرْبَعَة آلَاف منجمة أَو مقطعَة. فَقَالَ أَبُو رَافع: لقد أَعْطَيْت بهَا خَمْسمِائَة دِينَار. وَلَوْلَا أَنى سَمِعت رَسُول الله -[ ﷺ ]- الْجَار أَحَق بصقبه مَا أعطيتكهما بأَرْبعَة آلَاف.
قلت: رَضِي الله عَنْك! رد الشَّارِح على أهل الْعرَاق تمسكهم بقوله [ ﷺ ] : " الْجَار أَحَق بصقبه " فِي إِثْبَات شُفْعَة الْجَار. وَحمل الْجَار على الشَّرِيك. وَأنكر عَلَيْهِم امتناعهم من هَذَا التَّفْسِير بِأَن أَبَا رَافع اسْتدلَّ بِهِ، وَهُوَ رَاوِيه على إِثْبَات الشُّفْعَة لشَرِيكه وَهُوَ سعد. قَالَ: وَكَانَ أَبُو رَافع شريك سعد ببيته وَهُوَ فِي ذَلِك كُله واهم، فَإِن أَبَا رَافع كَانَ يملك بَيْتَيْنِ متميزين من جملَة الْمنزل لَا شِقْصا شَائِعا فَهُوَ جَار لَا شريك. وَهَذَا بِأَن يدل لأهل الْعرَاق أولى مِنْهُ بِأَن يدل عَلَيْهِم فَتَأَمّله. ثمَّ لَا يلْزم من قَول أبي رَافع حمل الحَدِيث على الشَّرِيك لجَوَاز أَن يكون الحَدِيث عِنْده على ظَاهره فِي الْجَار الملاصق، وَلكنه قَاس الشَّرِيك عَلَيْهِ بطرِيق الأولى. وَالله أعلم.
(٣٤ - (كتاب الْإِجَارَة)
(٢٠٢ - (١) بَاب إِذا اسْتَأْجر أَجِيرا بعد ثَلَاثَة أَيَّام أَو بعد شهر، أَو بعد سنة - جَازَ، وهما على شَرطهمَا الَّذِي اشترطاه إِذا جَاءَ الْأَجَل)
فِيهِ عَائِشَة: اسْتَأْجر النَّبِي -[ ﷺ ]-، وَأَبُو بكر رجلا من بيي الدّيل هادياً
стр. 221
خريتاً وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر وَبعد ثَلَاثَة لَيَال فأتاهما براحلتيهما صبح ثَلَاث.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿قَاس البُخَارِيّ الْأَجَل الْبعيد على الْقَرِيب بطريقة لَا قَائِل بِالْفَصْلِ، فَجعل الحَدِيث دَلِيلا على جَوَاز الْأَجَل مُطلقًا. وَعند مَالك تَفْصِيل بَين الْأَجَل الَّذِي لَا تَتَغَيَّر السّلْعَة فِي مثله وَبَين الْأَجَل [الَّذِي] تَتَغَيَّر فِي مثله فتمتنع
(٢٠٣ - (٢) بَاب من اسْتَأْجر أَجِيرا فَبين لَهُ الْأجر وَلم يبين لَهُ الْعَمَل)
لقَوْله: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثمانى حجج. فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك [إِلَى قَوْله] قَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ﴾ [الْقَصَص: ٢٧ - ٢٨] الْآيَة.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ رد الْمُهلب على تَرْجَمته بِأَن الْعَمَل كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم بِالْعَادَةِ. وَظن البُخَارِيّ أَنه أجَاز أَن يكون الْعَمَل مَجْهُولا. وَلَيْسَ كَمَا ظن، إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن التَّنْصِيص على الْعَمَل بِاللَّفْظِ غير مشترط. وَأَن المتبع الْمَقَاصِد لَا الْأَلْفَاظ، فتكفي دلَالَة العوائد عَلَيْهَا كدلالة النُّطْق، خلافًا لمن غلب التَّعَبُّد على الْعُقُود فراعى اللَّفْظ.
стр. 222
(٣٥ - كتاب الْحِوَالَة وَالْكَفَالَة)
(٢٠٤ - (١) [بَاب] هَل يرجع فِي الْحِوَالَة ؟)
وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: إِذا كَانَ يَوْم أحَال عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يتخارج الشريكان وَأهل الْمِيرَاث فَيَأْخُذ هَذَا عينا وَهَذَا دينا. فَإِن توى لأَحَدهمَا لم يرجع عَلَيْهِ صَاحبه.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- مطل الْغنى ظلم وَإِذا اتبع أحدكُم عَليّ ملىّ فَليتبعْ.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿أَدخل قسْمَة الدُّيُون وَالْعين تَحت التَّرْجَمَة إِذا كَانَ هَذَا عين وَهَذَا دين. فَتْوَى الدّين الَّذِي لم ينتقص الْقِسْمَة، لِأَنَّهُ رضى بِالدّينِ عوضا فَتْوَى فِي ضَمَانه. وقاس الْحِوَالَة عَلَيْهِ. وَالله أعلم.
(٢٠٥ - (٢) بَاب إِن أحَال دين الْمَيِّت على رجل جَازَ)
فِيهِ سَلمَة بن الْأَكْوَع: كنّا عِنْد النَّبِي -[ ﷺ ]- إِذْ أَتَى بجنازةٍ فَقَالُوا: صلّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: لَا. فَهَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا. فصلى عَلَيْهِ. ثمَّ أَتَى بِجنَازَة أُخْرَى. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله﴾ صلّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَل عَلَيْهِ
стр. 223
دين؟ قيل: نعم ﴿قَالَ: فَهَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير، فصلى عَلَيْهَا. ثمَّ أَتَى بالثالث قَالُوا صل عَلَيْهَا. قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَعَلَيهِ دين؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير. [فَقَالَ] : صلّوا على صَاحبكُم. قَالَ أَبُو قَتَادَة: صلّ عَلَيْهِ يَا رَسُول الله﴾ وعلىّ دينه. فصلى عَلَيْهِ النَّبِي -[ ﷺ ]-.
قلت: رَضِي الله عَنْك! ترْجم على الْحِوَالَة والْحَدِيث فِي الْكفَالَة لِأَنَّهُمَا عِنْده متقاربتان يُمكن نظم قِيَاس إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى.
(٢٠٦ - (٣) بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض والديون بالأبدان وَغَيرهَا .)
وَبعث حَمْزَة بن عَمْرو مصدّقاً فَوَقع رجلٌ على جَارِيَة امْرَأَته. فَأخذ حَمْزَة من الرجل كفلاء حَتَّى قدم على عمر. وَكَانَ عمر قد جلده مائَة فصدّقهم وعذره بالجهالة. وَقَالَ جرير والأشعث لِابْنِ مَسْعُود فِي المرتدّين: استتبهم وكفلهم عَشَائِرهمْ. وَقَالَ حَمَّاد: إِذا تكفل بِنَفس فَمَاتَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ الحكم: يضمن.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- أَنه ذكر رجلٌ من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ
стр. 224
[بعض] بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار. قَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أشهدهم. قَالَ: كفى بِاللَّه شَهِيدا. قَالَ: ائْتِنِي بالكفيل: قَالَ: كفى بِاللَّه وَكيلا. فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى فَخرج فِي الْبَحْر فَقضى حَاجته، ثمَّ التمس مركبا فَقدم على الْأَجَل الَّذِي أَجله فَلم يجد. فَأخذ خَشَبَة فنقرها فَأدْخل فِيهَا الْألف دِينَار، وصحيفة مِنْهُ إِلَيْهِ، ثمَّ أَتَى بهَا الْبَحْر. فَقَالَ: اللَّهُمَّ تعلم أَنِّي تسلفت مِنْهُ، وسألني شَهِيدا وكفيلاً فرضى بك. وَذكر الحَدِيث.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَخذ البُخَارِيّ من الْكفَالَة بالأبدان فِي الْحُدُود الْكفَالَة بالأبدان فِي الدُّيُون بطرِيق الأولى. فَمن هُنَا وَقعت الْمُطَابقَة. وَقَوله: " وَغَيرهَا " يَعْنِي غير الْأَبدَان. أَي وبالحقوق الْمَالِيَّة بِحَدِيث صَاحب الْخَشَبَة.
(٢٠٧ - (٤) بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ [النِّسَاء: ٣٣] .)
فِيهِ ابْن عَبَّاس: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ قَالَ: وَرَثَة ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم﴾ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لما قدمُوا الْمَدِينَة يَرث الْمُهَاجِرِي الْأنْصَارِيّ دون ذَوي رَحْمَة للأخوّة الَّتِي آخى بَينهم النَّبِي -[ ﷺ ]- فَلَمَّا نزلت: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ نسخت. قَالَ: ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم﴾ إِلَّا بالنصرة والرفادة - وَقد ذهب الْمِيرَاث - ويوصى لَهُ.
وَفِيه أنس: قدم علينا ابْن عَوْف، فآخى النَّبِي -[ ﷺ ]- بَينه وَبَين سعد بن الرّبيع.
وَفِيه أنس: قيل لَهُ أبلغك أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: لَا حلف فِي الْإِسْلَام؟ فَقَالَ: قد حَالف النَّبِي -[ ﷺ ]- بَين قُرَيْش وَالْأَنْصَار فِي دَاري.
стр. 225
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه دُخُول هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْكفَالَة وَالْحوالَة أَن الْكَفِيل والغريم الَّذِي وَقعت الْحِوَالَة عَلَيْهِ ينْتَقل الْحق عَلَيْهِ، كَمَا ينْتَقل هَهُنَا حق الْوَارِث عَنهُ إِلَى الحليف. فَشبه انْتِقَال الْحق على الْمُكَلف بانتقاله عَنهُ وَله. وَفِيه الْقيَاس على أصل قد نسخ، وَهِي قَاعِدَة اخْتِلَاف.
(٢٠٨ - (٥) بَاب جوَار أبي بكر فِي عهد الرَّسُول -[ ﷺ ]- وعقده)
فِيهِ عَائِشَة: لم أَعقل أبويّ إِلَّا وهما يدينان الدّين وَلم يمرّ علينا يومٌ إِلَّا يأتينا فِيهِ النَّبِي -[ ﷺ ]- طرفِي النَّهَار بكره وَعَشِيَّة. فَلَمَّا ابتلى الْمُسلمُونَ خرج أَبُو بكر مُهَاجرا قبل الْحَبَشَة حَتَّى بلغ برك الغماد. ولقيه ابْن الدغنّة وَهُوَ سيّد القارة. فَقَالَ أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ أَبُو بكر: أخرجني قومِي فَأَنا أُرِيد أَن أسيح فِي الأَرْض فأعبد رَبِّي. قَالَ ابْن الدّغنّة: إِن مثلك لَا يخرج وَلَا يخرج فَإنَّك تكسب الْمَعْدُوم، وَتصل الرَّحِم، وَتحمل الْكل، وتقرى الضَّيْف، وَتعين على نَوَائِب الْحق. وَأَنا لَك جَار، فَارْجِع فاعبد ربّك ببلادك فَرجع ابْن الدّغنّة مَعَ أبي بكر فَطَافَ فِي أَشْرَاف قُرَيْش، فأنفذت قُرَيْش جوَار ابْن الدّغنّة وأمّنوا أَبَا بكر. وَقَالُوا لَهُ: مر أَبَا بكر أَن يعبد ربّه فِي دَاره فليصلّ وليقرأ مَا شَاءَ، وَلَا يؤذينا بذلك وَلَا يستعلن بِهِ. فَإنَّا قد خشينا أَن يفتن أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالَ ذَلِك ابْن الدّغنة لأبي بكر. فَطَفِقَ يعبد ربّه فِي دَاره. وَلَا يستعلن بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَة، ثمَّ بَدَأَ لأبي بكر. فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره وبرز فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيقْرَأ الْقُرْآن، فتتقصف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين وأبناءهم يعْجبُونَ وَيَنْظُرُونَ. وَكَانَ أَبُو بكر بكاّء لَا يملك دمعه حِين يقْرَأ الْقُرْآن، فأفزع ذَلِك أَشْرَاف قُرَيْش فَقَالُوا لِابْنِ
стр. 226
الدّغنة: إِنَّا كُنَّا أجرنا أَبَا بكر أَن يعبد ربّه فِي دَاره. وَفعل كَذَا، فَإِن أحب أَن يعبد ربّه فِي دَاره فعل وَإِن أَبى فَاسْأَلْهُ أَن يرد إِلَيْك ذِمَّتك، فَإنَّا كرهنا أَن نحفرك ولسنا مقرين الاستعلان. فَأَتَاهُ ابْن الدّغنة فَقَالَ: قد علمت الَّذِي عقدت لَك. فإمّا أَن تقتصر عَلَيْهِ وإمّا علىّ ذِمَّتِي. فإنّي لَا أحبّ أَن تسمع الْعَرَب أَنِّي أخفرت فِي رجل عقدت لَهُ.
قَالَ أَبُو بكر: فَإِن أردّ إِلَيْك جوارك وأرضى بجوار الله وَالنَّبِيّ [ ﷺ ] يَوْمئِذٍ بِمَكَّة - فَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: قد أريت دَار هجرتكم. فَهَاجَرَ من هَاجر قبل الْمَدِينَة. وَرجع إِلَى الْمَدِينَة بعض من كَانَ هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة. وتجهّز أَبُو بكر مُهَاجرا فَقَالَ. النَّبِي [ ﷺ ] : على رسلك. فإنى أَرْجُو أَن يُؤذن لي. فحبس أَبُو بكر نَفسه على النَّبِي [ ﷺ ] وعلف راحلتين كَانَتَا عِنْده أَرْبَعَة أشهر.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل هَذَا الْبَاب فِي الْكفَالَة وَيَنْبَغِي أَن يُنَاسب كَفَالَة الْأَبدَان، كَمَا ناسب: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ كَفَالَة الْأَمْوَال. وَوجه الْمُنَاسبَة أَن المجير كَانَ يكفل للمجار أَن لَا يضام من جِهَة من أجاره مِنْهُم وَضمن لمن أجاره عَمَّن أجاره مِنْهُ أَن لَا يُؤْذِيه فَتكون الْعهْدَة عَلَيْهِ. وَالله أعلم.
стр. 227
(٣٦ - كتاب الْوكَالَة)
(٢٠٩ - (١) بَاب إِذا أبْصر الرَّاعِي أَو الْوَكِيل شَاة تَمُوت أَو شَيْئا يفْسد فَأصْلح مَا يخَاف الْفساد.)
فِيهِ كَعْب بن مَالك: إِنَّه كَانَت لَهُم غنم ترى بسلع، فَأَبْصَرت جَارِيَة لنا بِشَاة من غنمنا موتا. فَكسرت حجرا فذبحتها بِهِ. فَقَالَت لَهُم: لَا تَأْكُلُوهَا حَتَّى أسأَل النَّبِي -[ ﷺ ]- فَأمر بأكلها فَيُعْجِبنِي أَنَّهَا أمة وَأَنَّهَا ذبحت.
قلت: رَضِي الله عَنْك ! ترْجم على أَن الذَّبِيحَة إِذا تَعب عَلَيْهَا قصد الْإِصْلَاح فِي مَحل يخَاف عَلَيْهَا الْفساد، لم يكن الْفَاعِل لذَلِك معتدياً. ثمَّ أَتَى بِحَدِيث الْجَارِيَة وَمَا فِيهِ تعرض لحكم فعلهَا ابْتِدَاء هَل حكم بِأَنَّهُ تعدٍ أم لَا؟ وغايته أَنه أَبَاحَ أكل الشَّاة لمَالِكهَا. فَقَالَ: " كلوها ". لَكِن قد تقدم البُخَارِيّ أَن من ذبح مُتَعَدِّيا فذبيحته ميتَة.
فَمن هَهُنَا يُؤْخَذ أَنَّهَا غير متعدية بذبحها لِأَنَّهُ حلّلها. وَأما إِذا بنينَا على ذَبِيحَة التَّعَدِّي لَا تجيف، فَمَا فِيهِ دَلِيل على التَّرْجَمَة. وَالله أعلم.
стр. 228
(٣٧ - [كتاب الْحَرْث والمزارعة] )
(٢١٠ - (١) بَاب إِذا قَالَ: اكْفِنِي مُؤنَة النّخل أَو غَيره وتشركني فِي الثَّمَرَة .)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَت الْأَنْصَار: أقسم بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا النّخل. قَالَ: لَا. قَالَ: فتكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة. قَالُوا: سمعنَا وأطعنا.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى حجَّة الْمُسَاقَاة ونزلها الشَّارِح على ذَلِك. وَلَيْسَ فِي الحَدِيث حَقِيقَتهَا لِأَن الرّقاب كَانَت ملكا للْأَنْصَار وهم أَيْضا الْعمَّال عَلَيْهَا، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُجَرّد تمليكهم لإخوانهم نصف الثَّمَرَة بِلَا عوض، غير أَنهم عرضوا عَلَيْهِم الْملك ثمَّ الْقِسْمَة، فنزلوا عَن الْملك الْمُتَعَلّق إِلَى الثَّمَرَة، وَكَأَنَّهُم ساقوا نصِيبهم المعروض عَلَيْهِم بِجُزْء من الثَّمَرَة، وَكَانَ الْجُزْء مبينّا إِمَّا بِالنَّصِّ أَو الْعرف - وَالله أعلم - أَو بَان إِطْلَاق الشّرك منزل عَن النّصْف، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك ﵀ والجزء الْمَنْسُوب إِلَى الأَصْل هَهُنَا هُوَ الكلّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّصِيب المعروض. ومذهبنا أَن الْمُسَاقَاة على أَن كل الثَّمَرَة للْمَالِك جَائِزَة. وَالله أعلم.
стр. 229
(٢١١ - (٢) بَاب إِذْ زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ وَكَانَ فِي ذَلِك صَلَاح لَهُم .)
فِيهِ ابْن عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- بَيْنَمَا ثَلَاثَة نفر يَمْشُونَ، فَأَخذهُم الْمَطَر فآؤوا إِلَى غَار. - الحَدِيث - فَقَالَ الثَّالِث: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا بفرق أرزّ، فَلَمَّا قضى عمله قَالَ: اعطني حقّى فعرضت عَلَيْهِ فَرغب عَنهُ. فَلم أزل أزرعه حَتَّى جمعت مِنْهُ بقرًا وراعيها فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله.
فَقلت: اذْهَبْ إِلَى ذَلِك الْبَقر وراعيها فَخذهَا. قَالَ: فَاتق الله وَلَا تستهزئ بِي فَقلت: لَا استهزئ بك. خُذْهُ فَأَخذه كُله. الحَدِيث.
قلت: رَضِي الله عَنْك! رد الشَّارِح التَّرْجَمَة وَقَالَ لَا يَصح إِلَّا بِأَن يكون الزَّارِع مُتَطَوعا. والترجمة صَحِيحَة ومطابقة لِأَنَّهُ قد عين لَهُ حقّه ومكنه مِنْهُ وبرئت ذمَّته مِنْهُ. فَلَمَّا ترك الْقَبْض وَوضع الْمُسْتَأْجر يَده ثَانِيًا على الْفرق، فَهُوَ وضع مُسْتَأْنف على ملك الْغَيْر. ثمَّ تصرفه فِيهِ إصْلَاح لَا تَضْييع فاغتفر ذَلِك، وَلم يعد تعدّياً ومعصية. وَمَعَ ذَلِك فَلَو هلك الْفرق لَكَانَ الزَّارِع ضَامِنا لَهُ إِذا لم يُؤذن لَهُ فِي زراعته.
فمقصود التَّرْجَمَة إِنَّمَا هُوَ خلاص الزَّارِع من الْمعْصِيَة وَإِن تعرض للضَّمَان. وَيدل على أَن فعله لم يكن مَعْصِيّة أَنه توسل إِلَى الله بِهِ بِنَاء على أَنه أفضل الْأَعْمَال وأقّر على ذَلِك وَوَقعت الْإِجَابَة بِحَسبِهِ. أَو يُقَال أَن توسله إِنَّمَا كَانَ بوفاء الْحق عِنْد حُضُور الْمُسْتَحق مضاعفاً من قبيل حسن الْقَضَاء، لَا من
стр. 230
كَونه زرع الْفرق الْمُسْتَحق، كَمَا أَن الَّذِي جلس بَين شعب الْمَرْأَة توسل بِمَا ذكره من الْقيام عَنْهَا خوفًا من الله، لَا بجلوسه الأول. فَإِنَّهُ مَعْصِيّة اتِّفَاقًا. وَالله أعلم.
(٣٨ - كتاب إحْيَاء الْموَات)
(٢١٢ - (١) بَاب)
فِيهِ ابْن عمر: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- أَتَى فِي معرسه وَهُوَ بِذِي الحليفة. فَقيل لَهُ: إِنَّك ببطحاء مباركة. قَالَ مُوسَى: وَقد أَنَاخَ بِنَا سَالم بالمناخ الَّذِي كَانَ رَسُول الله -[ ﷺ ]-.
وَفِيه ابْن عَبَّاس: عَن عمر، عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي ، وَهُوَ بالعقيق أَن صلّ فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك " ثمَّ قل: عمْرَة فِي حجَّة.
стр. 231
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿ظن الشَّارِح أَنه أَرَادَ إِلْحَاق المعرس بالأوقاف النَّبَوِيَّة فَقَالَ: هَذَا لَا يقوم على سَاق، وَوهم الشَّارِح. وغرضه غير هَذَا، وَهُوَ أَنه لما ذكر إحْيَاء الْموَات وَالْخلاف فِيهَا. وَهل يتَوَقَّف مُطلقًا على إِذن الإِمَام أَو لَا، ويفصل بَين الْقَرِيب والبعيد. نبّه على أَن هَذِه الْبَطْحَاء الَّتِي عرس فِيهَا الرَّسُول -[ ﷺ ]-، وَأمر بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَأعلم أَنَّهَا مباركة لَا تدخل فِيهِ الْموَات الَّتِي يحيى وَيملك لما ثَبت لَهَا من خُصُوصِيَّة التَّعْرِيس فِيهَا، فَصَارَت كَأَنَّهَا وقف على أَن يقْتَدى فِيهَا بِهِ -[ ﷺ ]-. فَلَو ملكت بِالْإِحْيَاءِ لمنع مَالِكهَا النَّاس من التَّعْرِيس بهَا.
(٣٩ - [كتاب الْمُسَاقَاة] )
(٢١٣ - (١) بَاب من رأى صَدَقَة المَاء وهبته جَائِزَة مقسوماً كَانَ أَو غير مقسوم)
فِيهِ سهل: أَتَى النَّبِي -[ ﷺ ]- بقدح فَشرب مِنْهُ، وَعَن يَمِينه غُلَام أَصْغَر الْقَوْم وَعَن يسَاره الْأَشْيَاخ. فَقَالَ: يَا غُلَام﴾ أتأذن لي أَن أعْطِيه الْأَشْيَاخ فَقَالَ: مَا كنت لأوثر بفضلي مِنْك، فَأعْطَاهُ أَيَّاهُ.
وَفِيه أنس: حلبت لرَسُول الله -[ ﷺ ]- شَاة داجناً - وَهُوَ فِي دَار أنس - وشيب لَبنهَا بِمَاء من الْبِئْر الَّتِي فِي دَار أنس. فَأعْطى رَسُول الله -[ ﷺ ]- الْقدح
стр. 232
فَشرب مِنْهُ حَتَّى نزع الْقدح من فِيهِ. وَعَن يسَاره أَبُو بكر. فَقَالَ عمر: - وَخَافَ أَن يُعْطِيهِ الْأَعرَابِي أعْط أَبَا بكر يَا رَسُول الله عنْدك. فَأعْطى الْأَعرَابِي الَّذِي عَن يَمِينه. ثمَّ قَالَ: الْأَيْمن فالأيمن.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿مدخله فِي الْفِقْه تَحْقِيق أَن المَاء يملك. وَلِهَذَا اسْتَأْذن النَّبِي -[ ﷺ ]- بعض الشُّرَكَاء فِيهِ. ورتب قسمته يمنة ويسرة وَلَو كَانَ اباحته لم يدْخلهُ ملك وَلَا تَرْتِيب قسمته.
والْحَدِيث الثَّانِي طابق التَّرْجَمَة لقَوْله: " شيب بِمَاء " وَالِاسْتِدْلَال بِهِ ضَعِيف. وَلَعَلَّ هَذَا التَّرْتِيب لِأَن اللَّبن هُوَ الَّذِي يملك لَا المَاء.
(٢١٤ - (٢) بَاب من حفر بِئْرا فِي ملكه لم يضمن)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- الْمَعْدن جَبَّار والبئر جَبَّار والعجماء جَبَّار. وَفِي الرِّكَاز الْخمس.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ الحَدِيث مُطلق والترجمة مقيّدة بِالْملكِ. وَإِذا كَانَ الحَدِيث تَحْتَهُ صورٌ إِحْدَاهَا الْملك، وَهُوَ أقعد الصُّور بِسُقُوط الضَّمَان، كَانَ دُخُولهَا فِي الحَدِيث محققاً، فاستقام الِاسْتِدْلَال.
стр. 233
(٢١٥ - (٣) بَاب من قَالَ: إِن صَاحب الْحَوْض والقربة أَحَق بمائه)
فِيهِ سهل: أَتَى النَّبِي -[ ﷺ ]- بقدح فَشرب، وَعَن يَمِينه غُلَام وَهُوَ أحدث الْقَوْم، والأشياخ عَن يسَاره. فَقَالَ: يَا غُلَام أتأذن لي أَن أعطي الْأَشْيَاخ؟ فَقَالَ: مَا كنت أوثر نَصِيبي مِنْك أحدا. فَأعْطَاهُ إِيَّاه.
وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأذودنّ رجَالًا عَن حَوْضِي، كَمَا تذاد الغريبة من الْإِبِل عَن الْحَوْض.
وَفِيه ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- رحم الله أم إِسْمَعِيل ﴿لَو تركت زَمْزَم أَو لم تغرف من المَاء - لكَانَتْ عينا معينا. وَأَقْبل جرهم فَقَالُوا. أَتَأْذَنِينَ أَن ننزل عنْدك؟ قَالَت: نعم﴾ وَلَا حق لكم فِي المَاء، قَالُوا: نعم.
وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله - الحَدِيث - وَرجل منع فضل مَاء فَيَقُول الله: " الْيَوْم أمنعك فضلي كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك ".
قلت: رَضِي الله عَنْك! انتقد الْمُهلب عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الْغُلَام والأشياخ على أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ. وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أنّ الْأَيْمن أحقّ من صَاحب الْقدح فِي أَن يُعْطِيهِ غَيره. واستدلال البُخَارِيّ ألطف من ذَلِك، لِأَنَّهُ إِذا اسْتَحَقَّه الْأَيْمن فِي هَذِه الْحَالة بِالْجُلُوسِ، واختصّ بِهِ فَكيف لَا يخْتَص بِهِ صَاحب الْيَد والمتسبب فِي تَحْصِيله؟ وظنّ أَن وَجه الدَّلِيل من حَدِيث الْقِيَامَة قَوْله: " لأذودن رجَالًا عَن حَوْضِي " فَقَالَ: هَذَا وَجه الدَّلِيل على اخْتِصَاص صَاحب الْحَوْض بمائه. وَهُوَ وهم. فَإِن تَنْزِيل أَحْكَام التكاليف على وقائع الْآخِرَة غير مُمكن.
стр. 234
وَإِنَّمَا اسْتِدْلَال البُخَارِيّ مِنْهُ بقوله: " كَمَا تذاد الغريبة من الْإِبِل عَن الْحَوْض فَمَا شبه بذودها فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلِصَاحِب الْحَوْض منع غير إبِله من مَائه. وَلَو كَانَ الْمَنْع فِي الدُّنْيَا تعدّيا لما شبه بِهِ ذَلِك الْمَنْع الَّذِي هُوَ حق.
(٢١٦ - (٤) بَاب الرجل يكون لَهُ ممرّ فِي حَائِط أَو نخل)
وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من بَاعَ نخلا بعد أَن تؤبّر، فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع.
فِيهِ زيد: رخص النَّبِي -[ ﷺ ]- أَن تبَاع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا تَمرا.
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه دُخُوله فِي الْفِقْه التَّنْبِيه على اجْتِمَاع الْحُقُوق فِي الْعين الْوَاحِدَة: هَذَا لَهُ الْملك، وَهَذَا لَهُ الِانْتِفَاع. وَفهم البُخَارِيّ من اسْتِحْقَاق البَائِع الثَّمَرَة دون الأَصْل أَن لَهُ التطرق بعد البيع وانتقال الْملك عَنهُ إِلَى أَخذ الثَّمَرَة الْبَاقِيَة لَهُ. وَألْحق بِهِ كلّ ذِي حق فِي ارْض مَمْلُوكَة للْغَيْر.
(٤٠ - كتاب الاستقراض والديون [وَالْحجر والتقليس] )
(٢١٧ - (١) بَاب من اشْترى بِالدّينِ، وَلَيْسَ عِنْده ثمنه أَو لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ .)
فِيهِ جَابر: غَدَوْت مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: كَيفَ ترى بعيرك؟ أتبيعنيه؟
стр. 235
قلت: نعم. فَبِعْته إِيَّاه. فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة غَدَوْت إِلَيْهِ بالبعير. فَأَعْطَانِي ثمنه.
وَفِيه الْأَعْمَش: تَذَاكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن فِي السّلم. فَقَالَ حَدثنِي الْأسود عَن عَائِشَة أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- اشْترى طَعَاما من يهوديّ إِلَى أجل. وأرهنه درعاً من حَدِيد.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿فِي التَّرْجَمَة حيف. لِأَن مضمونها جَوَاز الاستقراض وَالِانْتِفَاع بِالدّينِ لمن لَا عِنْده وَفَاء. وَيدخل فِيهِ ذَلِك من لَا قدرَة لَهُ على الْوَفَاء، وَإِذ لم يعرف البَائِع أَو الْمقْرض حَاله، وَهَذَا تَدْلِيس. وَالَّذِي فِي الحَدِيث غير هَذَا، لتحَقّق قدرته -[ ﷺ ]- على الْوَفَاء بِمَا عقد عَلَيْهِ.
(٢١٨ - (٢) بَاب من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أَو إتلافها)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى الله عَنهُ. وَمن أَخذهَا يُرِيد إتلافها أتْلفه الله.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ هَذِه التَّرْجَمَة تبيّن أَن الِاسْتِدَانَة مقيّدة الْجَوَاز بِالْقُدْرَةِ على التَّحْصِيل، لِأَنَّهُ إِذا علم من نَفسه الْعَجز، فقد أَخذ لَا يُرِيد الْوَفَاء وَكَيف يُرِيد مَا هُوَ عَاجز عَنهُ إلاّ تمنيّاً وَالتَّمَنِّي غير الْإِرَادَة.
стр. 236
(٢١٩ - (٣) بَاب إِذا قضى دون حَقه، أَو حلله فَهُوَ جَائِز)
فِيهِ جَابر: إِن أَبَاهُ قتل يَوْم أحد شَهِيدا وَعَلِيهِ دين. فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاء فِي حُقُوقهم. فَأتيت النَّبِي -[ ﷺ ]- فَسَأَلَهُمْ أَن يقبلُوا تمر حائطي ويحللوا أَبى فَأَبَوا. فَلم يعطهم النَّبِي -[ ﷺ ]- حائطي. وَقَالَ: سنغدو عَلَيْك. فغدا علينا حِين أصبح، فَطَافَ فِي النّخل، ودعا فِي ثَمَرهَا بِالْبركَةِ. فجددتها فقضيتهم. وبقى لنا من ثَمَرهَا.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿خطأ الشَّارِح قَوْله: " أَو حلله ". وَقَالَ: هِيَ بِالْوَاو، وَإِن كَانَت النّسخ كلّها " بِأَو ".
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ وَالصَّوَاب مَا فِي النّسخ. وَالْمَقْصُود " أَو حلله " من جَمِيعه. وَأخذ البُخَارِيّ هَذَا من جَوَاز قَضَاء الْبَعْض والتحلل من الْبَعْض. فَإِذا كَانَ لصَاحب الْحق أَن يهضم بعض حَقه فيطيب للمديان. فَكَذَلِك الْجَمِيع.
(٢٢٠ - (٤) بَاب إِذا قاصّه أَو جازفه فِي دين فَهُوَ جَائِز تمر بِتَمْر أَو غَيره)
فِيهِ جَابر: إِن أَبَاهُ توفىّ وَترك عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وسْقا لرجل من الْيَهُود
стр. 237
فاستنظره جَابر، فَأبى أَن ينظره. فَكلم جَابر رَسُول الله -[ ﷺ ]- ليشفع لَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَهُ النَّبِي -[ ﷺ ]- وكلم الْيَهُودِيّ ليَأْخُذ تمر نخله بِالَّذِي لَهُ فَأبى. فَدخل النَّبِي [ ﷺ ] النّخل فَمشى فِيهَا، ثمَّ قَالَ لجَابِر: جدّ لَهُ فأوف الَّذِي لَهُ فجدّه بَعْدَمَا رَجَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فأوفى لَهُ ثَلَاثِينَ وسْقا. فضلت لَهُ سَبْعَة عشر وسْقا. فجَاء جَابر النَّبِي -[ ﷺ ]- ليخبره بِمَا كَانَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي الْعَصْر، فَلَمَّا انْصَرف أخبرهُ بِالْفَضْلِ. قَالَ أخبر ذَلِك ابْن الْخطاب، فَقَالَ عمر: علمت حِين مَشى فِيهَا النَّبِي -[ ﷺ ]- ليباركن فِيهَا.
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه دُخُوله فِي الْفِقْه التَّنْبِيه على أَنه يغْتَفر فِي الْقَضَاء مَا لَا يغْتَفر فِي الْمُعَارضَة لِأَن بيع الْمَجْهُول بالمعلوم من جنسه مزابنة وَإِن كَانَ فِي التَّمْر وَغَيره فمزابنة وَربا. وَالنَّبِيّ -[ ﷺ ]- قضى صَاحب دين جَابر مَجْهُولا عَن تمر الْحَائِط فِي أوساق معيّنة، لِأَنَّهُ قَضَاء. وَأَيْضًا فالتفاوت مُتَحَقق وَهُوَ يدْفع الْمُزَابَنَة خَاصَّة.
(٢٢١ - (٥) بَاب إِذا وجد مَاله مُفلس فِي [البيع] وَالْقَرْض والوديعة فَهُوَ أَحَق بِهِ)
وَقَالَ الْحسن: إِذا أفلس وتبيّن لم يجز عتقه وَلَا بَيْعه
стр. 238
وَلَا شِرَاؤُهُ. وَقَالَ ابْن الْمسيب: قضى عُثْمَان قَالَ: من اقْتضى من حقّه قبل أَن يفلس، فَهُوَ لَهُ. وَمن عرف مَاله بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: من أدْرك مَاله بِعَيْنِه عِنْد رجل قد أفلس، فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل البُخَارِيّ القروض والوديعة مَعَ البيع: إِمَّا لِأَن الحَدِيث مطلقٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ردّ فِي البيع. وَالْحكم فِي الْقَرْض أَو الْوَدِيعَة أولى. أما الْوَدِيعَة فَملك رَبهَا لم ينْتَقل. وَأما الْقَرْض فانتقال ملكه عَنهُ مَعْرُوف.
وَهُوَ أَضْعَف من تمْلِيك الْمُعَاوضَة فَإذْ أبطل التَّفْلِيس ملك الْمُعَاوضَة القوى بِشَرْطِهِ فالضعيف أولى.
(٢٢٢ - (٦) بَاب من بَاعَ مَال الْمُفلس أَو المعدم فَقَسمهُ بَين الْغُرَمَاء أَو أعطَاهُ حَتَّى ينْفق على نَفسه)
فِيهِ جَابر: أعتق رجل منا غُلَاما لَهُ عَن دبر. فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : من يَشْتَرِيهِ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله فَأخذ ثمنه فَدفعهُ إِلَيْهِ.
стр. 239
[قلت: رَضِي الله عَنْك!] احْتمل عِنْد البُخَارِيّ دفع الثّمن إِلَيْهِ أَن يكون بَاعه عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لم يكن يملك سواهُ. فَلَمَّا أحجف بِنَفسِهِ تولى النَّبِي -[ ﷺ ]- بَيْعه بِنَفسِهِ، لأجل تعلق حق التَّدْبِير. والحقوق إِذا أبطلت احْتِيجَ فِي فَسخهَا إِلَى الحكم. فعلى هَذَا التَّأْوِيل، يكون دفع الثّمن إِلَيْهِ حَتَّى يُنْفِقهُ على نَفسه.
وَاحْتمل عِنْده أَن يكون بَاعه عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مديان. وَمَال الْمديَان يقسم بَين الْغُرَمَاء. وَيكون سلمه إِلَيْهِ ليقسمه بَين غُرَمَائه. وَلِهَذَا ترْجم على التَّقْدِيرَيْنِ. وَالشَّارِح بعيد عَن هَذَا كُله. فَتَأَمّله.
(٤١ - [الْخُصُومَات] )
(٢٢٣ - (١) بَاب من ردّ أَمر السَّفِيه والضعيف الْعقل وَإِن لم يكن حجر عَلَيْهِ الإِمَام)
وَيذكر عَن جَابر أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- ردّ على الْمُتَصَدّق قبل النَّهْي ثمَّ نَهَاهُ وَقَالَ مَالك: إِذا كَانَ لرجل على رجل مَال وَله عبد لَا شَيْء لَهُ غَيره. فَأعْتقهُ لم يجز عتقه.
стр. 240
وَمن بَاعَ على الضَّعِيف وَنَحْوه دفع إِلَيْهِ ثمنه وَأمره بالإصلاح وَالْقِيَام بِشَأْنِهِ فَإِن أفسد بعد مَنعه، لِأَن النَّبِي -[ ﷺ ]- نهى عَن إِضَاعَة المَال. وَقَالَ للَّذي يخدع فِي البيع: إِذا بَايَعت فَقل: " لَا خلابة " وَلم يَأْخُذ النَّبِي [ ﷺ ] مَاله.
فِيهِ ابْن عمر: كَانَ رجل يخدع فِي البيع، فَقَالَ لَهُ النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِذا بَايَعت فَقل: " لَا خلابة ". فَكَانَ يَقُول.
وَفِيه جَابر: إِن رجلا أعتق عبدا لَيْسَ لَهُ مَال غَيره، فردّه النَّبِي -[ ﷺ ]- فابتاعه مِنْهُ نعيم بن النحّام.
قلت: رَضِي الله عَنْك! هَذِه التَّرْجَمَة وَمَا سَاقه مَعهَا من محاسنه اللطيفة. وَذَلِكَ أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي سَفِيه الْحَال قبل الحكم هَل ترد عقوده؟ اخْتلف قَول مَالك فِي ذَلِك، فَاخْتَارَ البُخَارِيّ ردّها، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث الْمُدبر. وَذكر قَول مَالك فِي ردّ عتق الْمديَان قبل الْحجر إِذا أحَاط الدّين بِمَالِه. وَيلْزم مَالِكًا رد أَفعَال سَفِيه الْحَال لِأَن الْحجر فِي السَّفِيه والمديان مطرد. ثمَّ فهم البُخَارِيّ أَنه يرد عَلَيْهِ حَدِيث حبّان فَإِن النَّبِي -[ ﷺ ]- اطلع على أَنه يخدع. وأمضى أَفعاله الْمَاضِيَة والمستقبلية فنبه على أَن الَّذِي تُرِيدُ أَفعاله هُوَ الظَّاهِر السَّفه، الْبَين الإضاعة، كإضاعة صَاحب الْمُدبر. وَالتَّفْصِيل بَين الظَّاهِر السَّفه والخفي السَّفه أحد أَقْوَال مَالك أَيْضا. وَأَن المخدوع فِي الْبيُوع يُمكنهُ الِاحْتِرَاز وَقد نبهه رَسُول الله -[ ﷺ ]- ثمَّ فهم أَنه يرد عَلَيْهِ كَون النَّبِي -[ ﷺ ]- أعْطى صَاحب الْمُدبر ثمنه وَلَو كَانَ مَنعه لأجل السَّفه لما سلّم إِلَيْهِ الثّمن. فنبه على أَنه إِنَّمَا أعطَاهُ بعد أَن علمه طَرِيق الرشد، وَأمره بالإصلاح وَالْقِيَام بِشَأْنِهِ. وَمَا كَانَ السَّفه حِينَئِذٍ فسقاً. وَإِنَّمَا نَشأ من الْغَفْلَة وَعدم البصيرة بمواقع الْمصَالح فَلَمَّا بَينهَا لَهُ كَفاهُ ذَلِك.
وَلَو ظهر للنَّبِي -[ ﷺ ]- من حَاله بعد ذَلِك، أَنه لم يتَنَبَّه وَلم يرشد لمَنعه التَّصَرُّف مُطلقًا، وَحجر عَلَيْهِ حجرا مطّرداً. وَقد أغْنى البُخَارِيّ الشَّارِح بإشاراته على
стр. 241
التطويلات الْبَعِيدَة، عَن مَقْصُود صَاحب الْجَامِع. فتأملها.
(٤٢ - كتاب اللّقطَة)
(٢٣٤ - (١) بَاب إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة [بعد سنة] ردّها عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَدِيعَة .)
فِيهِ زيد: إِن رجلا سَأَلَ النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن اللّقطَة فَقَالَ: عرّفها سنة. ثمَّ اعرف وكاءها وعفاصها ثمَّ استنفق فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدّها إِلَيْهِ. الحَدِيث.
قلت: رَضِي الله عَنْك! فِي بعض طرقه أَنَّهَا وَدِيعَة من رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال. وَلَكِن شكّ يحيى بن سعيد عَن يزِيد: هَل الزِّيَادَة من الرَّاوِي، أَو من النَّبِي -[ ﷺ ]-؟ فأسقطها البُخَارِيّ من التَّرْجَمَة لفظا. وضمّنها معنى فِي صِيغَة التَّعْلِيل بقوله: " لِأَنَّهَا وَدِيعَة " إِذْ ردّها إِلَى صَاحبهَا أَو عرفهَا لَهُ. إِن استنفقها يدل على بَقَاء ملكه، خلافًا لمن أَبَاحَهَا بعد الْحول، بِلَا ضَمَان.
(٢٢٥ - (٢) بَاب هَل يَأْخُذ اللّقطَة وَلَا يَدعهَا تضيع حَتَّى يَأْخُذهَا من لَا يسْتَحق ؟)
فِيهِ سُوَيْد بن غَفلَة: كنت مَعَ سُلَيْمَان بن ربيعَة وَزيد بن صوحان فِي
стр. 242
غزَاة. فَوجدت سَوْطًا فَقَالَا لي: ألقه، قلت: لَا، وَلَكِنِّي إِن وجدت صَاحبه، وَإِلَّا استمتعت بِهِ. فَلَمَّا رَجعْنَا حجَجنَا. فمررت بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلت أبي بن كَعْب، فَقَالَ: وجدت صرة على عهد النَّبِي -[ ﷺ ]-. فَقَالَ: عرفهَا حولا. ثمَّ أَتَيْته الرَّابِعَة، فَقَالَ: اعرف عدتهَا ووكاءها ووعاءها. فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا استمتع بهَا.
قلت: رَضِي الله عَنْك! مَوضِع الْحجَّة مِنْهُ ترك النَّبِي -[ ﷺ ]- الْإِنْكَار على أَبى فِي أَخذهَا، دلّ على أَنه خَال من الْمفْسدَة شرعا وَيلْزم اشتماله على الْمصلحَة وإلاّ كَانَ تَصرفا فِي ملك الْغَيْر. وَتلك الْمصلحَة تتَعَيَّن أَن يكون الْحِفْظ لَهَا وصيانتها عَن أَيدي الخونة. فَمن هَاهُنَا أَخذ التَّرْجَمَة.
(٢٢٦ - (٣) بَاب)
فِيهِ أَبُو بكر: انْطَلَقت فَإذْ براعي غنم يَسُوق غنمه فَقُلْنَا: لمن أَنْت؟ فَقَالَ: لرجل من قُرَيْش - فَسَماهُ فعرفته -.
فَقلت لَهُ: هَل فِي غنمك من لبن؟ قَالَ: نعم.
قلت: فَهَل أَنْت حالب لنا؟ قَالَ: نعم.
فَأَمَرته فاعتقل شَاة من غنمه، ثمَّ أَمرته أَن ينفض ضرْعهَا من الْغُبَار. ثمَّ أَمرته أَن ينفض إِحْدَى كفيه بِالْأُخْرَى. فَحلبَ كثبةً من لبن. وَقد جعلت
стр. 243
لرَسُول الله -[ ﷺ ]- إداوةً، على فِيهَا خرقَة. فَصَبَبْت على اللَّبن حَتَّى برد أَسْفَله فانتهيت إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقلت: اشرب يَا رَسُول الله -[ ﷺ ]- فَشرب حَتَّى رضيت.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل البُخَارِيّ متن هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب اللّقطَة، تَنْبِيها على أَن الْمُبِيح للبن فِي حق النَّبِي [ ﷺ ]- وَالْحَالة هَذِه - أَن اللَّبن فِي حكم الضائع الْمُسْتَهْلك، لِأَن الْغنم فِي الصَّحرَاء وَلَيْسَ مَعهَا سوى رَاع وَمَا عَسى هَذَا الرَّاعِي يشرب من لَبنهَا. فالفاضل عَن شربه مستهلك، لَا مَالِيَّة فِيهِ لصَاحبه. فَهُوَ كالسوط الَّذِي اغتفر الْتِقَاطه، وكالتمرة وَأَعْلَى أَحْوَاله أَن يكون كالشاة اللّقطَة فِي المضيعة. وَقد قَالَ فِيهَا: هِيَ لَك، أَو لأخيك أَو للذئب.
وَكَذَلِكَ هَذَا اللَّبن هُوَ إِن لم يحتلب مستهلك على كل حَال. فَلهَذَا استباحه، لَا لِأَنَّهُ مَال حربىّ إِذْ الْغَنَائِم لم تكن أحلّت بعدٌ. وَلَا لِأَنَّهُ بِالْعَادَةِ مسموح فِيهِ، لِأَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه عَادَة. وَالله أعلم.
(٤٣ - كتاب الْمَظَالِم)
(٢٢٧ - (١) بَاب إِذا حلّل من مظْلمَة فَلَا رُجُوع فِيهِ)
فِيهِ عَائِشَة: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا
стр. 244
جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا﴾ [النِّسَاء: ١٢٧] قَالَت: الرجل تكون عِنْده الْمَرْأَة لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا يُرِيد أَن يفارقها.
فَتَقول أجعلك من شأني فِي حل فَنزلت هَذِه الْآيَة فِي ذَلِك.
قلت: رَضِي الله عَنْك! مَا التَّرْجَمَة فِي الظَّاهِر مُطَابقَة، لِأَنَّهَا تتَنَاوَل إِسْقَاط الْحق الْمُسْتَقْبل حَتَّى لَا يكون عدم الْوَفَاء بِهِ مظْلمَة لسقوطه. وَإِنَّمَا البُخَارِيّ تلطّف فِي الِاسْتِدْلَال وكأنّه يَقُول إِذا أنفذ الْإِسْقَاط فِي الْحق المتوقع فَلِأَن ينفذ فِي الْحق الْمُحَقق أولى. وَلِهَذَا اخْتلف الْعلمَاء فِي إِسْقَاط الْحق قبل وُجُوبه هَل ينفذ أَو لَا؟ وَمَا اخْتلف فِي نُفُوذه بعد الْوُجُوب.
(٤٤ - كتاب الْهِبَة)
(٢٢٨ - (١) بَاب الْهِبَة للْوَلَد)
وَإِذا أعْطى بعض وَلَده شَيْئا لم يجز حَتَّى يعدل بَينهم، وَيُعْطى الآخرين مِنْهُم مثله. وَلَا يشْهد عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- اعدلوا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة. وَهل للوالد أَن يرجع فِي عطيته؟ وَمَا يَأْكُل من مَال وَلَده بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يتَعَدَّى؟ وَاشْترى النَّبِي -[ ﷺ ]- من عمر بَعِيرًا ثمَّ أعطَاهُ ابْن عمر. وَقَالَ اصْنَع بِهِ مَا شِئْت.
فِيهِ النُّعْمَان: إِن أَبَاهُ أَتَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: إِنِّي نحلت ابْني هَذَا غُلَاما.
стр. 245
فَقَالَ: أكلّ ولدك نحلت مثله؟ قَالَ: لَا. [قَالَ:] فأرجعه.
وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات، وَقَالَ فِيهِ: لَا أشهد على جور.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿جَمِيع مَا فِي التَّرْجَمَة يظْهر استخراجه من حَدِيث النُّعْمَان. إِلَّا قَوْله: " وَمَا يَأْكُل من مَال وَلَده بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يتَعَدَّى " وَوجه مُنَاسبَة هَذِه الزِّيَادَة للْحَدِيث، أَن الاعتصار انتزاع من ملك الْوَلَد بعد تحَققه،
كأكله من مَاله بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنَّهُ انتزاع. وَكَأَنَّهُ حقق معنى الاعتصار من الحَدِيث وتمكّن الْأَب مِنْهُ بالوفاق على أَن لَهُ أَن يَأْكُل من مَاله. فَإِذا انتزع مَا يَأْكُلهُ من مَاله الْأَصْلِيّ، وَلم يتَقَدَّم لَهُ فِيهِ ملك، فَلِأَن ينتزع مَا وهبه لحقه السَّابِق فِيهِ أولى.
(٢٢٩ - (٣) بَاب هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا، وعتقها إِذا كَانَ لَهَا زوج، فَهُوَ جَائِز إِن لم تكن سَفِيهَة فَإِذا كَانَت سَفِيهَة فَلم يجز)
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ [النِّسَاء: ١٥] .
فِيهِ أَسمَاء: قَالَت يَا رَسُول الله﴾ مَالِي مالّ إِلَّا مَا أَدخل عَليّ الزبير فأتصدق؟ قَالَ: تصدقي وَلَا توعى فيوعى الله عَلَيْك وَقَالَ مرّة: انفقي وَلَا تحصي، فيحصى الله عَلَيْك.
стр. 246
وَفِيه مَيْمُونَة: زوج النَّبِي -[ ﷺ ]- إِنَّهَا أعتقت وَلم تستأذن النَّبِي -[ ﷺ ]- فَلَمَّا كَانَ يَوْمهَا الَّذِي يَدُور عَلَيْهَا فِيهِ قَالَت: أشعرت يَا رَسُول الله إِنِّي أعتقت وليدتي. قَالَ: أَو فعلت؟ قَالَت: نعم. قَالَ: أما إِنَّهَا لَو أعطيتهَا أخوالك كَانَ أعظم لأجرك.
وَفِيه عَائِشَة: أَن سَوْدَة بنت زَمعَة وهبت يَوْمهَا وليلتها لعَائِشَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] تبتغي بذلك رضى النَّبِي -[ ﷺ ]-.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿إِذا وهبت الْمَرْأَة يَوْمهَا لضّرتها فَقيل: الْهِبَة للزَّوْج وَقيل: للضرّة وَترْجم البُخَارِيّ على القَوْل الثَّانِي.
(٢٣٠ - (٣) بَاب إِذا وهب جمَاعَة لقوم أَو رجل لجَماعَة مقسوماً أَو غير مقسوم)
فِيهِ مَرْوَان، والمسور: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- حِين جَاءَهُ وَفد هوَازن مُسلمين فَسَأَلُوهُ أَن يردّ إِلَيْهِم [أَمْوَالهم وسبيتهم فَقَالَ لَهُم:] إمّا السبى وإمّا المَال. فَاخْتَارُوا السبى. الحَدِيث.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ احْتمل عِنْد البُخَارِيّ أَن يكون الصَّحَابَة وهبوا
стр. 247
الْوَفْد مُبَاشرَة وَالنَّبِيّ -[ ﷺ ]- شَفِيع.
وَاحْتمل أَن يَكُونُوا وهبوا النَّبِي -[ ﷺ ]- وَهُوَ وهب الْوَفْد. فترجم على الِاحْتِمَال.
(٢٣١ - (٤) بَاب من اهدى لَهُ هَدِيَّة وَعِنْده جُلَسَاؤُهُ فَهُوَ أَحَق. وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس أَن جلساءه شركاؤه وَلم يَصح)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ للَّذي جَاءَهُ يتقاضاه: أَعْطوهُ أفضل من سنّه الحَدِيث.
وَفِيه ابْن عمر: أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فِي سفر على بكر صَعب لعمر، وَكَانَ يتَقَدَّم النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ أَبوهُ: لَا يتقدّم النَّبِي -[ ﷺ ]- أحد. فَقَالَ لَهُ النَّبِي -[ ﷺ ]- بِعَيْنِه. قَالَ عمر: هُوَ لَك يَا رَسُول الله ﴿فَاشْتَرَاهُ، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عبد الله: فَاصْنَعْ بِمَا شِئْت.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ وَجه مُطَابقَة التَّرْجَمَة لحَدِيث التقاضي أَنه وهبه
стр. 248
الْفضل بَين السنين، فامتاز بِهِ بَين الْحَاضِرين.
(٤٥ - كتاب النِّكَاح)
(٢٣٢ - (١) بَاب تَزْوِيج الْمُعسر الَّذِي مَعَه الْقُرْآن وَالْإِسْلَام)
فِيهِ سهل: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-.
وَفِيه ابْن مَسْعُود: كُنَّا نغزوا مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لَيْسَ مَعنا نسَاء. فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله ﴿أَلا نستخصى؟ فَنهى عَن ذَلِك.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ مُطَابقَة التَّرْجَمَة لحَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه نَهَاهُم عَن الاستخصاء، ووكلهم إِلَى النِّكَاح. وَلَو كَانَ الْمُعسر لَا ينْكح وَهُوَ مَمْنُوع من
стр. 249
الاستخصاء - وَهُوَ مَمْنُوع يُكَلف شططاً لَا يُطَاق. وَالله أعلم.
(بَاب نِكَاح الثّيّب)
قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لَا تعرضن علىّ بناتكن وَلَا أخواتكن.
فِيهِ جَابر: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من غَزْوَة، فتعجلت على بعير لي قطوف فلحقني رَاكب من خَلْفي قَالَ: مَا يعجلك؟ قلت كنت حَدِيث عهد بعرس. قَالَ: بكر أم ثيب؟ قلت: ثيب؟ قَالَ: فَهَلا جَارِيَة تلاعبها وتلاعبك؟ الحَدِيث.
وَقَالَ أَيْضا: مَالك والعذارى ولعابهن؟
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه مُطَابقَة قَوْله -[ ﷺ ]-: " لَا تعرضنّ على بناتكن " لِأَنَّهُ - خَاطب بذلك أَزوَاجه، ونهاهن أَن يعرضنّ عَلَيْهِ ربائبه لحرمتهن.
وَهَذَا تحقق أَنه -[ ﷺ ]- تزوّج الثّيّب ذَات الْبِنْت من غَيره.
стр. 250
(٢٣٤ - (٣) بَاب اتِّخَاذ السراري، وَمن أعتق جَارِيَة ثمَّ تزوج بهَا)
فِيهِ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- أَيّمَا رجل كَانَت عِنْده وليدة فعلّمها فَأحْسن تعليمها، وأدّبها فَأحْسن تأديبها، ثمَّ أعْتقهَا وتزوّجها فَلهُ أَجْرَانِ. الحَدِيث.
وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-: لم يكذب إِبْرَاهِيم إِلَّا ثَلَاث كذبات. بَيْنَمَا إِبْرَاهِيم مرّ بجبّار، وَمَعَهُ سارة - ذكر الحَدِيث - فَأعْطَاهُ هَاجر، قَالَت: كفّ الله يَد الْكَافِر، وأخدمني هَاجر.
وَفِيه أنس: أَقَامَ النَّبِي -[ ﷺ ]- بَين خَيْبَر وَالْمَدينَة ثَلَاثًا، بنى على صَفِيَّة بنت حييّ. فدعوت الْمُسلمين إِلَى وليمته فَمَا كَانَ فِيهَا من خبز وَلَا لحم، وَإِلَّا التَّمْر والإقط وَالسمن. فَقَالَ الْمُسلمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ أَو مَا ملكت يَمِينه؟ إِن حجبها فهى من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِن لم يحجبها فَهِيَ مَا ملكت يَمِينه. فَلَمَّا ارتحل وطّى لَهَا خَلفه، ومدّ الْحجاب بَينهمَا وَبَين النَّاس.
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه مُطَابقَة حَدِيث هَاجر للتَّرْجَمَة أَنَّهَا كَانَت أمة مَمْلُوكَة. ثمَّ قد صحّ أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أولدها بعد أَن ملكهَا، فهى سَرِيَّة.
следующие страницы →