Полный текст (401 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿ترْجم على الْإِصْلَاح وَالْعدْل. والْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعدْل. وَلَكِن لما خَاطب النَّاس كلهم بِالْعَدْلِ بَين النَّاس. وَقد علم أنّ فِي النَّاس الْحُكَّام وَغَيرهم، كَانَ عدل الْحَاكِم إِذا حكم، وَعدل غَيره إِذا أصلح.
(٥٠ - [كتاب الشُّرُوط] )
(٢٦٦ - (١) بَاب إِذا اشْترط فِي الْمُزَارعَة: إِذا شِئْت أخرجتك)
فِيهِ ابْن عمر: لما فدع أهل خَيْبَر ابْن عمر. قَامَ عمر خَطِيبًا، فَقَالَ: إِن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ عَامل يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم. وَقَالَ: نقركم على مَا أقركم الله. وَإِن ابْن عمر خرج إِلَى مَاله هُنَاكَ فَعدى عَلَيْهِ من اللَّيْل. ففدعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ. وَلَيْسَ لنا هُنَاكَ عدوّ غَيرهم. وَلَقَد رَأَيْت إجلاءهم. فَلَمَّا عزم على ذَلِك. أَتَاهُ أحد بني أبي الْحقيق فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ أتخرجنا، وَقد أقرنا مُحَمَّد. وعاملنا على الْأَمْوَال، وَشرط ذَلِك لنا. فَقَالَ عمر: أظننت أَنِّي نسيت قَول النَّبِي [ ﷺ ] : كَيفَ بك إِذا أخرجت من خَيْبَر تعدو بك قلوصك لَيْلَة بعد لَيْلَة فَقَالَ: كَانَت هزيلة من أبي الْقَاسِم. فَقَالَ: كذبت يَا عدوّ الله. فأجلاهم عمر فَأَعْطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُم من الثَّمر مَالا وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وَغير ذَلِك.
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِن قيل التَّرْجَمَة اشْتِرَاط الْخِيَار من الْمَالِك إِلَى غير
стр. 282
أمد. والْحَدِيث لَا يدل على ذَلِك. قُلْنَا: الصَّحِيح أَن الْخِيَار لَا بدّ من تَقْيِيده بمدّة يجوز لمثلهَا الْخِيَار. وَإِن أطلق نزل فِي كل عقد على مَا يَلِيق بِهِ من الْمدَّة، الَّتِي فِي مثلهَا يَقع الْخِيَار. والْحَدِيث غير متناول للتَّرْجَمَة، لاحْتِمَال أَن يُرِيد: نقرّكم مَا لم يَشَأْ الله إجلاءكم مِنْهَا، لِأَن الْمَقْدُور كَائِن، وَلَا يُنَافِي وجود استرسال الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. وَقد تَنْفَسِخ الْعُقُود اللَّازِمَة بِأَسْبَاب طارئة، وَقد لَا تَنْفَسِخ، وَلَكِن تمْتَنع مُبَاشرَة أحد الْمُتَعَاقدين لَا ستيفاء الْمَنْفَعَة، كَمَا لَو ظهر فَسَاد الْعَامِل على الْمُسَاقَاة وخيانته. فَإِن مَذْهَب مَالك إِخْرَاجه. وَكَذَلِكَ مُسْتَأْجر الدَّار إِذا أفسد. فَهَذَا - وَالله أعلم - مُرَاد الحَدِيث. أَي تستقرّون فِيهَا مَا لم تجاهروا بِفساد. فَإِذا شَاءَ الله إجلاءكم مِنْهَا تعاطيتم السَّبَب الْمُقْتَضى للإخراج، فأخرجتم وَكَذَلِكَ وَقع صدق الله وَرَسُوله.
وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه ساقاهم مُدَّة معيّنة، إِمَّا لأَنهم كَانُوا عبيدا للْمُسلمين. ومعاملة السيّد لعَبْدِهِ لَا يشْتَرط فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الْأَجْنَبِيّ، لِأَن العَبْد مَال السيّد. وَله على مَاله سلطنة الانتزاع فَكَانَ الْجَمِيع مَاله. وَإِمَّا لِأَن الْمدَّة لم تنقل مَعَ تحرّرها حِينَئِذٍ. وَالله أعلم.
(٥١ - كتاب الْوَصَايَا)
(٢٦٧ - (١) بَاب الْوَصَايَا .)
وَقَول النَّبِي [ ﷺ ] " وَصِيَّة الرجل مَكْتُوبَة عِنْده " وَقَول الله : ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٠] .
فِيهِ ابْن عمر: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: " مَا حق امْرِئ مُسلم لَهُ شَيْء يوصى
стр. 283
فِيهِ، يبيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا ووصيته عِنْده مَكْتُوبَة ".
وَفِيه عَمْرو بن الْحَارِث ختن النَّبِي -[ ﷺ ]- أَخُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث: مَا ترك النَّبِي -[ ﷺ ]- عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما، وَلَا عبدا، وَلَا أمة، وَلَا شَاة، إِلَّا بغلته الْبَيْضَاء، وسلاحه، وأرضاً جعلهَا صَدَقَة.
وَفِيه عبد الله بن أبي أوفى: قيل لَهُ: هَل أوصى النَّبِي -[ ﷺ ]-؟ فَقَالَ: لَا. فَقلت: كَيفَ كتب على النَّاس الْوَصِيَّة، وَأمر بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أوصى بِكِتَاب الله.
وَفِيه عَائِشَة: ذكر عِنْدهَا أَن عليّا ﵁ كَانَ وَصِيّا. فَقَالَت: مَتى أوصى إِلَيْهِ وَقد كنت مسندته إِلَى صَدْرِي، فَدَعَا بالطست. فَلَقَد انخنث فِي حجري فَمَا شَعرت أَنه مَاتَ. فَمَتَى أوصى إِلَيْهِ.؟
قلت: رَضِي الله عَنْك! الْأَحَادِيث كلهَا مُطَابقَة إِلَّا حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث. فَلَيْسَ فِيهِ وَصِيَّة. وَالصَّدَََقَة الْمَذْكُورَة يحْتَمل أَن تكون قبله فِي حَدِيثه. وَيحْتَمل أَن يكون موصى بهَا. وَلِهَذَا الِاحْتِمَال أدخلها فِي التَّرْجَمَة. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 284
(٢٦٨ - (٢) بَاب تَأْوِيل قَوْله: ﴿من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين) [النِّسَاء: ١٢] ﴾
وَيذكر أَن النَّبِي _[ ﷺ ]_ قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة. وَقَول الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨] فَإِذا الْأَمَانَة أَحَق من تطوع الْوَصِيَّة. وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يوصى العَبْد إِلَّا بِإِذن أَهله. وَقَالَ النَّبِي _[ ﷺ ]_: " العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده ".
فِيهِ حَكِيم " سَأَلت النَّبِي -[ ﷺ ]- فَأَعْطَانِي ثلثا. ثمَّ قَالَ لي: يَا حَكِيم إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ. وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ. وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع. وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى فَقلت: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أرزأ أحدا بعْدك شَيْئا حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بكر _ ﵁ _ يَدْعُو حكيماً، ليعطيه الْعَطاء، فيأبى أَن يقبله مِنْهُ ثمَّ عمر _ ﵁ _ دَعَاهُ ليعطيه فَأبى أَن يقبله. فَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين! إِنِّي أعرض عَلَيْهِ حَقه الَّذِي قسم الله لَهُ من هَذَا الفىء، فيأبى أَن يَأْخُذهُ، فَلم يرزأ حَكِيم أحدا من النَّاس بعد النَّبِي _[ ﷺ ]_ حَتَّى توفّي.
فِيهِ ابْن عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رعيّته، وَالرجل رَاع فِي أَهله وَمَسْئُول عَن رَعيته _ حسبته أَنه قَالَ _ الرجل رَاع فِي مَال أَبِيه.
стр. 285
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِن قيل: ترْجم على تَقْدِيم الدّين على الْوَصِيَّة، فَمَا وَجه ذكر حَدِيث العَبْد، وَحَدِيث حَكِيم.
قُلْنَا: أما حَدِيث العَبْد فَأصل ينْدَرج تَحْتَهُ مَقْصُود التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لما تعَارض فِي مَاله حَقه وَحقّ السَّيِّد، قدم الْأَقْوَى وَهُوَ حق السَّيِّد، وَجعل العَبْد مسئولاً عَنهُ مؤاخذاً بحفظه.
وَكَذَلِكَ حق الدّين لما عَارضه حق بِالْوَصِيَّةِ. وَالدّين وَاجِب وَالْوَصِيَّة تطّوع وَجب تَقْدِيمه.
أما حَدِيث حَكِيم فَيحْتَمل مطابقته وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- زهده فِي قبُول الْعَطِيَّة. وَجعل يَد آخذها الْيَد السُّفْلى - تنفيراً عَن قبُولهَا. وَلم يرد مثل هَذَا فِي تقاضي الدّين. فَالْحَاصِل أَن قَابض الْوَصِيَّة يَده السُّفْلى. وقابض الدّين اسْتِيفَاء لحقه، إِمَّا أَن تكون يَده الْعليا لِأَنَّهُ المتفضل، وَإِمَّا أَن تكون يَده السُّفْلى. هَذَا أقل حاليه فتحقق تَقْدِيم الدّين على الْوَصِيَّة بذلك. وَالْوَجْه الآخر من الْمُطَابقَة ذكره الْمُهلب، وَهُوَ أَن عمر ﵁ اجْتهد أَن يُوفيه حَقه فِي بَيت المَال، وَبَالغ فِي خلاصه من عهدته. وَهَذَا لَيْسَ دينا، وَلَكِن فِيهِ شُبْهَة بِالدّينِ لكَونه حَقًا فِي الْجُمْلَة. وَالْوَجْه الأول أقوى فِي مَقْصُود البُخَارِيّ عِنْد الفطن. وَالله أعلم.
стр. 286
(٢٦٩ - (٢) بَاب هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه ؟)
وَقد اشْترط عمر ﵁ لَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل وَقد يلى الْوَاقِف وَغَيره. وَكَذَلِكَ كل من جعل بَدَنَة أَو شَيْئا لله، فَلهُ أَن ينْتَفع بهَا كَمَا ينْتَفع غَيره، وَإِن لم يشْتَرط.
فِيهِ أنس: إِن النَّبِي _[ ﷺ ]_ رأى رجلا يَسُوق بدنه فَقَالَ لَهُ: اركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿: إِنَّهَا بَدَنَة. فَقَالَ - فِي الثَّالِثَة أَو فِي الرَّابِعَة اركبها وَيلك _ أَو وَيحك ".
قلت: رضى الله عَنْك﴾ بنى البُخَارِيّ - رَحْمَة الله - فِي مُطَابقَة حَدِيث عمر للتَّرْجَمَة أَن الْمُخَاطب يدْخل فِي خطابه، وَهُوَ أصل مُخْتَلف فِيهِ. وَمَالك ﵀ فِي مثل هَذَا يحكم بِالْعرْفِ، حَتَّى يخرج غير الْمُخَاطب أَيْضا من الْعُمُوم لقَرِينَة عرفية. كَمَا إِذا أوصى بِمَال للْمَسَاكِين، وَله أَوْلَاد، فَلم يقسم حَتَّى افْتقر أَوْلَاده. فَابْن الْقَاسِم يمْنَع الْأَوْلَاد وَإِن كَانُوا مَسَاكِين، لِأَن الْعرف فِي الْإِطْلَاق الْأَجَانِب.
ولمطرف أَنهم يُعْطون. وَلابْن الْمَاجشون أَنهم يُعْطون وَإِن كَانُوا يَوْم أوصى أَغْنِيَاء ثمَّ افتقروا. وَلَا يُعْطون إِذا كَانُوا يَوْم الْوَصِيَّة مَسَاكِين.
وَلَو وقف على الْمَسَاكِين فافتقر أَوْلَاده فَلم يخْتَلف قَوْلهم أَن يُعْطون بالمسكنة، وَلَكِن قَالَ: يجب إِدْخَال الْأَجَانِب مَعَهم، لِئَلَّا يندرس الْوَقْف، وَيكْتب على الْأَوْلَاد كتابا أَنهم بالمسكنة الْعَامَّة قبضوا، لَا بِخُصُوص الْقَرَابَة.
стр. 287
وشذت قَاعِدَته هَذِه على كثير من أهل الْعَصْر. فقارب مشايخهم الصَّوَاب وَأبْعد غَيرهم غَايَة الإبعاد. وَالله الْمُوفق.
(٢٧٠ - (٤) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافاً وبداراً أَن يكبروا. وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ [النِّسَاء: ٦] وَمَا للْوَصِيّ أَن يعْمل فِي مَال الْيَتِيم، وَمَا يَأْكُل مِنْهُ بِقدر عمالته.)
فِيهِ ابْن عمر: تصدق عمر بِمَالِه فِي عهد النَّبِي [ ﷺ ] وَكَانَ يُقَال لَهُ " ثمغ ". وَكَانَ نخلا فَقَالَ. عمر: يَا رَسُول الله! إِنِّي استنفدت مَالا، وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس، فَأَرَدْت أَن أَتصدق بِهِ.
فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] تصدق بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاع وَلَا يُوهب، وَلَا يُورث، وَلَكِن ينْفق ثمره. فَتصدق بِهِ عمر. فصدقته تِلْكَ فِي سَبِيل الله، وَفِي الرّقاب، وَالْمَسَاكِين، والضيف، وَابْن السَّبِيل، ولذى الْقُرْبَى. وَلَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَو يُؤْكَل صديقه غير متموّل بِهِ "
وَفِيه عَائِشَة: رضى الله عَنْهَا _: ﴿من كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَت: أنزلت فِي والى الْيَتِيم أَن يُصِيب من مَاله إِذا كَانَ مُحْتَاجا بِقدر مَاله بِالْمَعْرُوفِ.
стр. 288
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿لَا يُطَابق حَدِيث عمر مَقْصُود التَّرْجَمَة، لِأَن عمر ﵁ هُوَ الْمَالِك لمنافع وَقفه، من شَاءَ فَلهُ ذَلِك. وَلَا كَذَلِك الْمُوصى على أَوْلَاده، فَإِنَّهُم إِنَّمَا يملكُونَ المَال بقسمة الله وتمليكه، لَا حقّ لمَالِكه فِيهِ بعد مَوته.
فَكَذَلِك كَانَ الْمُخْتَار أَن وصىّ الْيَتِيم لَيْسَ لَهُ الْأكل من مَاله إِلَّا أَن يكون فَقِيرا فيأكل. ومختلف فِي قَضَائِهِ إِذا أيسر. وَالله أعلم.
(١٧١ - (٥) بَاب إِذا وقف أَرضًا وَلم يبيّن الْحُدُود فَهُوَ جَائِز. وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة)
فِيهِ أنس: كَانَ أَبُو طَلْحَة أَكثر أنصاريّ بِالْمَدِينَةِ مَالا من نخل. وَكَانَ أحبّ أَمْوَاله إِلَيْهِ بيرحاء. وَكَانَت مُسْتَقْبلَة الْمَسْجِد. وَكَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يدخلهَا وَيشْرب من مَاء فِيهَا طيّب.
قَالَ أنس لما نزلت: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ [آل عمرَان: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَة، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ إِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ ، وَإِن أحبّ أَمْوَالِي إليّ بيرحاء. وَإِنَّهَا صَدَقَة لله أَرْجُو برّها وَذُخْرهَا عِنْد الله فضعها حَيْثُ أَرَاك
стр. 289
الله. فَقَالَ: بخ، ذَلِك مَال رابح - أَو رَايِح - وَقد سَمِعت مَا قلت، وإنى أرى أَن تجعلها فِي الْأَقْرَبين. قَالَ: أَبُو طَلْحَة: أفعل يَا رَسُول الله، فَقَسمهَا أَبُو طَلْحَة فِي أَقَاربه وَبنى عَمه.
وَفِيه ابْن عَبَّاس: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِن أمه توفيت، أينفعها إِن تَصَدَّقت عَنْهَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فإنّ لي مخرافاً. فَأَنا أشهدك أَنِّي تَصَدَّقت بِهِ عَنْهَا.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ الْوَقْف لَازم بالبيّنة، وَاللَّفْظ الْمشَار بِهِ إِلَى الْمَقْصُود فقد يتلفّظ باسمه الْعلم وبحدوده. وَقد يتَلَفَّظ باسمه المتواطئ خَاصَّة. وَقد يذكر الْعلم وَلَا يذكر المحدودية. فبيرحاء علم حَائِط بِعَيْنِه، وَلم يذكر حُدُوده. والمخراف: الْحَائِط. وَقد ذكره مُنْكرا متواطئاً لكنّه قصد فَكَأَنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِلَفْظِهِ مطابقاً لنيّته، وَكِلَاهُمَا جَائِز ولازم لَهُ دينا. لَكِن إِذا أشهد احْتَاجَ فِي المتواطى إِلَى ذكر الِاسْم الْعلم زِيَادَة على ذَلِك، أَو الْحُدُود. وَهَذَا كُله بعد اللُّزُوم.
وترجمة البُخَارِيّ مُطَابقَة صَحِيحَة، وانتقدها الْمُهلب فَقَالَ: إِن كَانَ الْوَقْف غير ذِي اسْم يعرف، فَلَا يجوز حَتَّى يذكر الْحُدُود. قَالَ: " وَلَا خلاف فِي هَذَا " وَوهم، بل لَا خلاف فِيمَا إِذا أَرَادَهُ البُخَارِيّ - وَالله أعلم - لِأَنَّهُ إِنَّمَا تعرض لجَوَاز الْوَقْف. وَلَقَد ثَبت أَن الْوَقْف على هَذِه الصُّورَة لَازم لَهُ. وَلَو استفتى من وقف بِهَذِهِ الصِّيغَة الْمُنكرَة لفظا الْمُتَعَيّن مقصودها نيّة، هَل يجب عَلَيْهِ تَنْفِيذ الْوَقْف لألزمناه ذَلِك، وأوجبنا عَلَيْهِ الْإِشْهَاد بِصِيغَة دَالَّة بنصّ أَو ظَاهر.
стр. 290
(٢٧٢ - (٦) بَاب إِذا وقف جمَاعَة أَرضًا مشَاعا فَهُوَ جَائِز)
فِيهِ أنس: أَمر النَّبِي -[ ﷺ ]- بِبِنَاء مَسْجِد، فَقَالَ، يَا بنى النجّار ثامنوني بحائطكم هَذَا. قَالُوا: لَا وَالله يَا رَسُول الله لَا نطلب ثمنه إِلَّا إِلَى الله .
قلت: رَضِي الله عَنْك! جوّد البُخَارِيّ ﵀ فِي التَّرْجَمَة. وَإِنَّمَا عدل عَن قَوْله: إِذا وقف الْمشَاع، لِئَلَّا يدْخل فِيهِ أحد الشُّرَكَاء حِصَّته. وَمَالك ﵀ لَا يمضيه على الشَّرِيك إِن كَانَت لَا تَنْقَسِم جبرا لضَرَر الشَّرِيك الآخر بِالْحَبْسِ. فالترجمة للمشاع بَينهم تخلص الْمَسْأَلَة. وَالله أعلم.
стр. 291
(٢٧٣ - (٧) بَاب إِذا وقف أَرضًا أَو بِئْرا، وَاشْترط لنَفسِهِ مثل مَا للْمُسلمين)
وأوقف أنس بن مَالك دَارا، فَكَانَ إِذا قدم نزلها. وتصدّق ابْن الزبير بدوره. وَقَالَ للمردودة من بَنَاته: أَن تسكن غير مضرَّة وَلَا مُضر بهَا. فَإِن استغنت بِزَوْج فَلَيْسَ لَهَا حق.
وَجعل ابْن عمر نصِيبه من دَار عمر سُكْنى لذوى الْحَاجة من آل عبد الله.
وَفِيه أَبُو عبد الرَّحْمَن: إِن عُثْمَان حِين حوصر أشرف عَلَيْهِم، وَقَالَ: أنْشدكُمْ الله وَلَا أنْشد إِلَّا أَصْحَاب النَّبِي -[ ﷺ ]- ألستم تعلمُونَ أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: " من حفر بِئْر رومة فَلهُ الجنّة. فحفرتها؟ ألستم تعلمُونَ أَنه قَالَ: " من جهّز جَيش الْعسرَة، فَلهُ الجنّة فجهّزته؟ قَالَ: فصدقوه بِمَا قَالَ.
وَقَالَ عمر فِي وَقفه: لَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ. ويليه الْوَاقِف وَغَيره، فَهُوَ وَاسع لكل ".
قلت: رَضِي الله عَنْك! مَا فِي حَدِيث الْبَاب بجملته مَا يُوَافق التَّرْجَمَة إِلَّا وقف أنس خَاصَّة. ووقف عمر ﵁ بالطريقة الْمُتَقَدّمَة من دُخُول الْمُخَاطب فِي خطابه.
стр. 292
قلت: وَلَقَد ظهر للفقيه - وَفقه الله - بعد إتْمَام التصنيف مَقْصُود البُخَارِيّ من بَقِيَّة حَدِيث الْبَاب فيطابق التَّرْجَمَة إِن شَاءَ الله.
فَوجه الْمُطَابقَة لوقف الزبير أَن يكون قصد من يلْزمه نَفَقَته من بَنَاته كَالَّتِي لم تزوج لصِغَر مثلا. وَالَّتِي زوجت ثمَّ طلقّت قبل الدُّخُول، لِأَن تنَاول هَاتين أَو إِحْدَاهمَا من الْوَقْف إِنَّمَا يحمل عَنهُ الْإِنْفَاق الْوَاجِب، فقد دخل فِي الْوَقْف الَّذِي أوقفهُ بِهَذَا الِاعْتِبَار. وَالله أعلم.
وَوجه مُطَابقَة التَّرْجَمَة لقَوْله: " من آل عبد الله " يُقَال: كَيفَ يدْخل ابْن عمر فِي وَقفه. فَيَقُول: نعم. يدْخل لِأَن الْآل يُطلق على الرجل نَفسه، لِأَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ يَقُول فِي الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] " اللَّهُمَّ صلّ على آل مُحَمَّد ". وَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: اللَّهُمَّ صل على [آل] أبي أوفى. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ [غَافِر: ٤٦] أما عُثْمَان ﵁ فَقَوله وَاضح. وَالله أعلم.
(٢٧٤ - (٨) بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت﴾ - إِلَى قَوْله ﴿لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٦ - ١٠٧] .)
فِيهِ ابْن عَبَّاس: خرج رجل من بنى سهم مَعَ تَمِيم الدَّارِيّ وعدي بن بدّاء.
стр. 293
فَمَاتَ السَّهْمِي بِأَرْض لَيْسَ بهَا مُسلم. فلمّا قدما بِتركَتِهِ، فقدوا جَاما من فضّة مخوّصاً من ذهب. فَأَحْلفهُمَا النَّبِي -[ ﷺ ]- ثمَّ وجد الْجَام بِمَكَّة. فَقَالُوا: ابتعناه من تَمِيم وعدي. فَقَامَ رجلَانِ من أوليائه، فَحَلفا: لَشَهَادَتنَا أَحَق بِشَهَادَتِهِمَا. وَإِن الْجَام لصَاحِبِهِمْ.
قَالَ: وَفِيهِمْ نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَات.
قلت: رَضِي الله عَنْك! ذكر شَارِح البُخَارِيّ أَن مَذْهَب ابْن عَبَّاس قبُول شَهَادَة الكفّار على الْمُسلمين فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر. وَظن أَن ابْن عَبَّاس احتجّ بحَديثه هَذَا على مذْهبه. وَهُوَ وهم من الشَّارِح. وَالله أعلم.
فَإِن شَهَادَة الْكَافِر فِي الْوَاقِعَة عبارَة عَن يَمِينه وَلَا خلاف أَن يَمِينه مَقْبُولَة، وَإِذا ادّعى عَلَيْهِ فأنكروا وَلَا بينّة.
وَلَعَلَّ تميماً اعْترف أَن الْجَام كَانَ ملكا، وَادّعى أَنه ملكه مِنْهُ بشرَاء أَو غَيره. وَفِي بعض الحَدِيث التَّصْرِيح بِهَذَا. وَلَو لم يصحّ لَكَانَ الِاحْتِمَال كَافِيا فِي إِسْقَاط الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهَا وَاقعَة عين.
стр. 294
(٥٢ - [كتاب الْأَحْكَام] )
(٢٧٥ - (١) بَاب هَل يقْضى القَاضِي أَو يُفْتى وَهُوَ غَضْبَان)
فِيهِ أَبُو بكرَة: إِنَّه كتب إِلَى ابْنه - وَكَانَ بسجستان - بِأَن لَا تقضى بَين اثْنَيْنِ، وَأَنت غَضْبَان، فإنى سَمِعت النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: " لَا يقْضى حكم بَين اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَان ".
وَفِيه أَبُو مَسْعُود: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: وَالله إِنِّي أتأخر عَن صَلَاة الْغَدَاة من أجل مَا يُطِيل بِنَا فلَان فِيهَا. فَمَا رَأَيْت النَّبِي -[ ﷺ ]- قطّ أشدّ غَضبا فِي موعظة مِنْهُ يؤمئذٍ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس ﴿إِن فِيكُم منفّرين فَأَيكُمْ مَا صلىّ بِالنَّاسِ فليوجز فَإِن فِيكُم الْكَبِير وَالصَّغِير وَذَا الْحَاجة.
وَفِيه ابْن عمر: إِنَّه طلق امْرَأَته - وَهِي حَائِض - فَذكر عمر للنَّبِي [ ﷺ ]- فتغيّظ فِيهِ النَّبِي -[ ﷺ ]-، ثمَّ قَالَ: فَلْيُرَاجِعهَا، ثمَّ ليمسكها.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ أَدخل فِي تَرْجَمَة الْبَاب الحَدِيث الأول، وَهُوَ دَلِيل على منع الْغَضَب. وَأدْخل الحَدِيث الثَّانِي وَهُوَ دَلِيل جَوَاز الْقَضَاء مَعَ الْغَضَب تَنْبِيها مِنْهُ على الْجمع. فَأَما أَن يحمل قَضَاء النَّبِي -[ ﷺ ]- على الخصوصية بِهِ للعصمة، والأمن من التَّعَدِّي. وَأما أَن يُقَال: إِن غضب للحق فَلَا يمنعهُ ذَلِك من الْقَضَاء مثل غَضَبه -[ ﷺ ]-. وَإِن غضب غَضبا مُعْتَادا دنيوياً، فَهَذَا هُوَ الْمَانِع - وَالله أعلم -. كَمَا قيل فِي شَهَادَة العدّو إِنَّهَا تقبل إِن كَانَت الْعَدَاوَة دينيّة، وَترد إِن كَانَت دنيوية. وَالله أعلم.
стр. 295
(٢٧٦ - (٢) بَاب من لم يكترث بطعن من لَا يعلم فِي الْأُمَرَاء)
فِيهِ ابْن عمر: بعث النَّبِي -[ ﷺ ]- بعثاً وأمّر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فطعن فِي إمارته، فَقَالَ: إِن تطعنوا فِي إمارته فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه من قبل وأيم الله إِن كَانَ لخليقاً للإمرة، وَإِن هَذَا لمن أحبّ النَّاس إلىّ بعده ".
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿لعلّه عَنى بقوله: " بَاب من لم يكترث بطعن من لَا يعلم " وَعدل عَن قَوْله: " بَاب عدم الاكتراث " للتّنْبِيه على أَن الْحَال تخْتَلف فالمنقول عَنهُ أَنه اكترث بالطعن على سعد، وَسعد مكانته من الدّين مَشْهُورَة. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عمر لما اعتذر، وتبّرأ: ذَلِك الظَّن بك يَا أَبَا اسحق﴾ .
وَالْفرق بَين الْحَالَتَيْنِ أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قطع بِحَال أُسَامَة، وبسلامة الْعَاقِبَة، ونجاحها فِي ولَايَته فَلم يُعَارض الْعلم طعن.
وَأما عمر ﵁ فَإِن حَاله الظَّن، وَالظَّن لَا يبعد عَنهُ الطعْن فَعمل بِالِاحْتِيَاطِ. وَالله أعلم.
(٢٧٧ - (٣) بَاب تَرْجَمَة الْحَاكِم، وَهل يجوز ترجمان وَاحِد)
وَقَالَ خَارِجَة بن زيد بن ثَابت أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- أمره أَن يتعلّم
стр. 296
كتاب الْيَهُود حَتَّى كتب للنَّبِي -[ ﷺ ]-، وأقرأه كتبهمْ إِذا كتبُوا إِلَيْهِ وَقَالَ عمر وَعِنْده عليّ وَعبد الرَّحْمَن وَعُثْمَان -: مَاذَا تَقول هَذِه؟ .
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب: تخبرك بصاحبها الَّذِي صنع بهَا.
وَقَالَ أَبُو جَمْرَة: كنت أترجم بَين يَدي ابْن عَبَّاس وَبَين النَّاس.
وَقَالَ بعض النَّاس: لابد للْحَاكِم من مترجمين.
فِيهِ ابْن عَبَّاس: أَن أَبَا سُفْيَان أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش. ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ: قل لَهُم إِنِّي سَائل هَذَا فَإِن كَذبَنِي فكذّبوه - فَذكر الحَدِيث - فَقَالَ للترجمان قل لَهُ: إِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فسيملك مَوضِع قدمىّ هَاتين.
قلت: رَضِي الله عَنْك! وَجه الدَّلِيل من قصَّة هِرقل، مَعَ أَن فعله لَا يحتجّ بِهِ صوّب من رَأْيه. وَكَثِيرًا مِمَّا رَآهُ فِي هَذِه الْقِصَّة صَوَاب مُوَافق للحق.
فموضع الدَّلِيل تصويب حَملَة الشَّرِيعَة لهَذَا وَأَمْثَاله من رَأْيه، وَحسن تفطنه، ومناسبة استدلاله.
стр. 297
(٢٧٨ - (٤) بَاب بيعَة الصَّغِير)
فِيهِ أَبُو عقيل زهرَة بن معبد: عَن جدّه عبد الله بن هِشَام، وَكَانَ قد أدْرك النَّبِي [ ﷺ ] وَذَهَبت بِهِ أمه زَيْنَب بنت حميد إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿بَايعه. فَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: هُوَ صَغِير. فَمسح رَأسه، ودعا لَهُ.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ يعْنى بقوله: " بَاب بيعَة الصَّغِير " أَي عدم انْعِقَادهَا شرطا، لأنّه -[ ﷺ ]- لم يبايعه. فالترجمة موهمة، والْحَدِيث يزِيل إيهامها.
(٢٧٩ - (٥) بَاب بيعَة النِّسَاء. رَوَاهُ ابْن عَبَّاس)
فِيهِ عبَادَة: قَالَ لنا النَّبِي -[ ﷺ ]- وَنحن فِي مجْلِس: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف. فَمن وفى مِنْكُم فَأَجره على الله. الحَدِيث.
وَفِيه عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -: كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يُبَايع النِّسَاء بالْكلَام بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿وَلَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا﴾ قَالَت: وَمَا مسّت يَد رَسُول الله -[ ﷺ ]- يَد امْرَأَة، إلاّ امْرَأَة يملكهَا.
وَفِيه أم عطيّة: بَايعنَا النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَرَأَ: ﴿على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا، وَلَا يَسْرِقن﴾ [الممتحنة: ١٢] ونهانا عَن النِّيَاحَة. الحَدِيث.
стр. 298
[قلت] : رَضِي الله عَنْك ﴿أَدخل حَدِيث عبَادَة فِي التَّرْجَمَة على بيعَة النِّسَاء، فَإِنَّهَا وَردت فِي نصّ الْكتاب الْعَزِيز فِي حق النِّسَاء، ثمَّ اسْتعْملت فِي حق الرِّجَال، فَصَارَت الْبيعَة معروفه بِهن. وَالله أعلم.
(٥٣ - [كتاب الْإِكْرَاه] )
(٢٨٠ - (١) بَاب فِي بيع الْمُكْره فِي الْحق وَغَيره)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: بَيْنَمَا نَحن فِي الْمَسْجِد إِذْ خرج إِلَيْنَا رَسُول الله -[ ﷺ ]- فَقَالَ: انْطَلقُوا إِلَى يهود، فخرجنا مَعَه جِئْنَا بَيت الْمدَارِس. فَقَامَ النَّبِي -[ ﷺ ]- فناداهم: يَا معشر يهود﴾ أَسْلمُوا تسلموا فَقَالُوا: فقد بلغت يَا أَبَا الْقَاسِم. قَالَ: ذَاك أُرِيد ثمَّ قَالَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ: اعلموا أَنما الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، وأنّى اريد أَن أجليكم فَمن وجد مِنْكُم بِمَالِه شَيْئا فليبعه، وَإِلَّا فاعلموا أَن الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ.
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِن قيل: ترْجم على بيع الْمُكْره فِي الْحق وَغَيره وَلم يذكر إِلَّا بيع الْيَهُود وَأَمْوَالهمْ مكرهين على الْجلاء وَالْإِكْرَاه بِحَق لَا غير. فَمَا موقع قَوْله: " وَغَيره ".
قلت: يحْتَمل أَن يُرِيد: " بَاب بيع الْمُكْره فِي الدّين مثلا وَغَيره ". وَالْكل حق وَذكر الحَدِيث لأَنهم أكْرهُوا على بيع أَمْوَالهم، لَا لحق عَلَيْهِم، وَلَكِن كَانَ
стр. 299
الْإِكْرَاه حَقًا. فالإكراه على البيع فِي الْحق، ولسبب آخر غير مالىّ سَوَاء فِي نُفُوذ البيع، كَمَا نقل عَن مَالك أَن الْمُفْسد يلْزم بيع دَاره لحق جَاره فِي إبعاده عَنهُ على تَفْصِيل عِنْد الْفُقَهَاء.
(٢٨١ - (٢) بَاب إِذا استكرهت الْمَرْأَة على الزِّنَا فَلَا حدّ عَلَيْهَا .)
لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يكرههن فإنّ الله من بعد إكراههن غفورٌ رَحِيم﴾ [النُّور: ٣٣] .
وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنَا نَافِع أَن صَفِيَّة بنت أَبى عُبَيْدَة أخْبرته أَن عبدا من رَقِيق الْإِمَارَة وَقع على وليدة من الْخمس. فاستكرهها حَتَّى اقتضّها، فجلده عمر الحدّ، ونفاه، وَلم يجلد الوليدة من أجل أَنه استكرهها.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ فِي الْأمة الْبكر يفترعها الْحر: يُقيم ذَلِك الحكم من الْأمة الْعَذْرَاء بِقدر ثمنهَا ويجلد. وَلَيْسَ فِي الثيّب فِي قَضَاء الْأَئِمَّة غرم، وَلَكِن عَلَيْهِ الْحَد.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: هَاجر إِبْرَاهِيم بسارة، دخل بهَا قَرْيَة فِيهَا ملك من الْمُلُوك - أَو جبّار من الْجَبَابِرَة - فَأرْسل إِلَيْهِ أَن أرسل بهَا إلىّ. فَأرْسل بهَا. فَقَامَ إِلَيْهَا. فَقَامَتْ تَوَضَّأ وتصلىّ. فَقَالَت: اللَّهُمَّ إنيّ كنت آمَنت بك وبرسولك فَلَا تسلّط على الْكَافِر. فغطّ حَتَّى ضرب بِرجلِهِ.
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِدْخَال حَدِيث سارة فِي التَّرْجَمَة غير حسن، وَلَا
стр. 300
مُطَابق إِلَّا من جِهَة الْمَلَامَة [عَنْهَا فِي الْخلْوَة لكَونهَا كَانَت مُكْرَهَة على ذَلِك] وَظُهُور الْكَرَامَة فِي إِجَابَة الدعْوَة. وَلم يكن من الْأَدَب الْحسن إِدْخَال الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة بِالْجُمْلَةِ. وَالله الْمُوفق.
(٥٤ - كتاب [الْحِيَل] )
(٢٨٢ - (١) بَاب ترك الْحِيَل والأعمال بِالنِّيَّاتِ، وَإِن لكل امْرِئ مَا نوى فِي الْأَيْمَان وَغَيره .)
فِيهِ عمر: يَقُول سَمِعت النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِن لكل امْرِئ مَا نوى. فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله. وَمن هَاجر إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يتزوّجها، فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ.
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل التّرْك فِي التَّرْجَمَة حذرا من إِيهَام إجَازَة الْحِيَل، وَهُوَ شَدِيد على من أجازها، فتجرى فِي التَّرْجَمَة خلاف إِطْلَاقه فِي قَوْله: " بَاب بيعَة الصَّغِير "، وَإِن كَانَ -[ ﷺ ]- لم يبايعه كَمَا تقدّم آنِفا. وَلَكِن لَا تدخل بيعَته الْإِنْكَار كالحيل، وَلِهَذَا عوضه عَن الْبيعَة أَن دَعَا لَهُ، وَمسح رَأسه وَالله أعلم.
стр. 301
(٢٨٣ - (٢) بَاب فِي الصَّلَاة)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: عَن النَّبِي -[ ﷺ ]- لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ.
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِن قلت مَا موقعها؟ .
قلت: عدّ قَول أبي حنيفَة أَن الْمُحدث عمدا فِي أثْنَاء الْجُلُوس الْأَخير كَالْمُسلمِ، من التحّيل لتصحيح الصَّلَاة مَعَ الْحَدث، لِأَن البُخَارِيّ ﵀ بنى على أَن التحلّل من الصَّلَاة ركن مِنْهَا، فَلَا يقبل مَعَ الْحَدث. وَالَّذِي قبله بنى على أَن التحلّل ضدها، لَا ركنها، فتحيّل لقبوله بِهَذَا الرَّأْي.
(٥٥ - [كتاب الْفَرَائِض] )
(٢٨٤ - (١) بَاب تَعْلِيم الْفَرَائِض)
قَالَ عقبَة: تعلمُوا قبل الظانين، يعْنى الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ.
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث.
стр. 302
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿إِنَّمَا خصّ البُخَارِيّ تَعْلِيم الْفَرَائِض بِأَن أَدخل فِي تَرْجَمَة بَابه قَوْله: " إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث ". وَإِن كَانَ كل بَاب من الْعلم يَلِيق إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْحَث على تعلّمه وَلَكِن بخصوصية الْفَرَائِض أَن الْغَالِب عَلَيْهَا التعبّد، وإنحسام وُجُوه الرَّأْي والمناسبات فَإِن لم يفْرض الفارض بنصّ وَقع فِي مختبط الظنون الَّتِي لَا تنضبط، وَهُوَ الظَّن المنهى عَنهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك غَيره من أَبْوَاب الْعلم، لِأَن للرأى فِيهَا مجالاً، وللظنّ ضابطاً واستناداً.
(٢٨٥ - (٢) بَاب لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر، وَلَا الْكَافِر الْمُسلم وَإِذا أسلم قبل أَن يقسم الْمِيرَاث فَلَا مِيرَاث لَهُ .)
فِيهِ أُسَامَة: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ قَوْله: " إِذا أسلم قبل أَن يقسم فَلَا مِيرَاث لَهُ "، بِمَعْنى إِذا مَاتَ مُسلم، وَله أَوْلَاد مُسلمُونَ، وَولد كَافِر فَلم يقسم مِيرَاثه حَتَّى أسلم الْكَافِر.
وَوجه إِدْخَاله فِي التَّرْجَمَة أَن عُمُوم قَوْله: " لَا يَرث الْكَافِر الْمُسلم " يتَنَاوَلهُ. وَالَّذِي يَقُول: يَرث إِذا أسلم قبل الْقِسْمَة، ورّثه فَهُوَ كَافِر إِذْ الْمِيرَاث إِنَّمَا ينْتَقل حَالَة الْمَوْت، وَقد كَانَ كَافِرًا.
стр. 303
(٢٨٦ - (٣) بَاب مِيرَاث العَبْد النَّصْرَانِي وَالْمكَاتب النَّصْرَانِي)
قلت: رَضِي الله عَنْك! أَدخل البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة، وَلم يدْخل فِيهَا حَدِيثا، وَكَأَنَّهُ أدرجها تَحت الحَدِيث الْمُتَقَدّم، ليفهم أَن النّظر فِيهَا مُحْتَمل أَن يُقَال: لَا يَرِثهُ، عملا بِعُمُوم الحَدِيث. وَأَن يُقَال: يَأْخُذ المَال لِأَن العَبْد مَال، وَله انتزاع مَاله حيّاً، فَكيف لَا يَأْخُذهُ ميّتاً؟ .
هَذَا إِن قُلْنَا: إِن يملك. وَإِن قُلْنَا: لَا يملك العَبْد البتّة فَأولى.
(٥٦ - كتاب الْمُحَاربين)
(٢٨٧ - (١) بَاب الْمُحَاربين من أهل الْكفْر والردّة)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا﴾ [الْمَائِدَة: ٣٣] .
فِيهِ أنس: قَالَ: قدم على النَّبِي -[ ﷺ ]- نفر عَن عكل، فأسلموا، فاجتووا
стр. 304
الْمَدِينَة فَأَمرهمْ النَّبِي -[ ﷺ ]- أَن يَأْتُوا إبل الصَّدَقَة فيشربوا من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا. فَفَعَلُوا فصحّوا، فَارْتَدُّوا فَقتلُوا راعيها، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل. فَبعث فِي آثَارهم. فَأتى بهم فَقطع أَيْديهم وأرجلهم، وسمل أَعينهم، ثمَّ لم يحسمهم حَتَّى مَاتُوا.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿ترْجم على الْمُحَاربين الْكفَّار، وَأدْخل الْآيَة وَهِي عامّة لَا تخصّ الْكَافِر. وَبهَا اسْتدلَّ الْفُقَهَاء على أَحْكَام الْمُحَاربين الْمُسلمين. وَلَكِن - وَالله أعلم - بنى على قَول من قَالَ: إِنَّهَا نزلت فِي هَؤُلَاءِ النَّفر المرتدّين. وَهُوَ قَول قَتَادَة.
(٢٨٨ - (٢) بَاب الرَّجْم فِي البلاط)
فِيهِ ابْن عمر: أَتَى النَّبِي -[ ﷺ ]- بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة، قيل: زَنَيَا جَمِيعًا فَقَالَ لَهُم: مَا تَجِدُونَ فِي كتابكُمْ؟ فَقَالُوا: إِن أحبارنا أَحْدَثُوا تحميم الْوَجْه، وَالتَّجْبِيَة.
قَالَ ابْن سَلام: ادعهم يَا رَسُول الله بِالتَّوْرَاةِ. فَأتى بهَا، فَوضع يَده على آيَة الرَّجْم، وَجعل يقْرَأ مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا. فَقَالَ لَهُ ابْن سَلام: ارْفَعْ يدك فَرفع يَده، فَإِذا آيَة الرَّجْم تَحت يَده، فَأمر بهما النَّبِي -[ ﷺ ]- فَرُجِمَا عِنْد البلاط. فَرَأَيْت الْيَهُودِيّ أجنأ عَلَيْهَا.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ اسْتشْكل ابْن بطال تَرْجَمته هَذِه، وَقَالَ: البلاط
стр. 305
وَغَيره سَوَاء. أَي فَلَا فَائِدَة للاحتجاج على صُورَة هِيَ غير مَقْصُودَة. وَيحْتَمل عِنْدِي فائدتين تقصدان: إِحْدَاهمَا أَن نبّه أَن الرَّجْم لَا يخْتَص بمَكَان مَخْصُوص لِأَنَّهُ مرّة رجم بالبلاط، ومرّة بالمصلى، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي ترْجم عَلَيْهِ يلى هَذِه التَّرْجَمَة.
وَيحْتَمل أَن نبّه على أَنه لم يحْفر للْمَرْأَة لِأَن البلاط لَا يحْفر فِيهِ عَادَة. كَمَا اسْتدلَّ على عدم الْحفر بِكَوْن الْيَهُودِيّ أكبّ عَلَيْهَا يَقِيهَا بِنَفسِهِ على أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن البلاط هُوَ الأَرْض الملساء الصلبة. وَالظَّاهِر أَن البلاط مَكَان مَعْرُوف عِنْدهم بِالْمَدِينَةِ وباقٍ على الْعرف الْمَعْهُود فِي إِطْلَاقه كَمَا قدّمناه.
(٥٧ - [كتاب الدِّيات] )
(٢٨٩ - (١) بَاب من أَخذ حقّه واقتصّ دون السُّلْطَان)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: لَو اطلع أحد فِي بَيْتك وَلم تَأذن لَهُ حذفته بحصاة ففقأت عينه، مَا كَانَ عَلَيْك من جنَاح.
وَفِيه أنس: إِن رجلا اطلع فِي بَيت رَسُول الله [ ﷺ ] فسدد إِلَيْهِ مشقصاً.
قلت: رَضِي الله عَنْك! الحَدِيث الأول مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَالثَّانِي ردّ عَلَيْهِ أَن يُقَال المؤمى بالمشقص هُوَ النَّبِي -[ ﷺ ]- وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم، فَكيف يسْتَدلّ
стр. 306
بِهَذَا على أَن آحَاد النَّاس لَهُم ذَلِك دون الإِمَام؟ .
ويمكنه الْإِجَابَة عَن ذَلِك بِأَن النَّبِي -[ ﷺ ]- أُسْوَة فِي حُقُوقه الْمُتَعَلّقَة بِهِ. وَلَو لم يكن هَذَا لآحاد النَّاس لفعل فِيهِ كَمَا فعل فِي غَيره من التحاكم إِلَى من دونه، كقصّته مَعَ الَّذِي أنكرهُ حَقًا التمسه مِنْهُ فِي الْمُبَايعَة فِي فرس.
(٢٩٠ - (٢) بَاب إِذا قتل نَفسه خطأ فَلَا دِيَة لَهُ .)
فِيهِ سَلمَة بن الْأَكْوَع: خرجنَا مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى خَيْبَر، فَقَالَ رجل مِنْهُم: أسمعنا يَا عَامر من هنّاتك. فحدا بهم. فَقَالَ: النَّبِي -[ ﷺ ]- من السَّائِق؟ قَالُوا: عَامر، قَالَ: يرحمه الله فَقَالُوا: يَا رَسُول الله هلاّ أمتعتنا بِهِ؟ فأصيب صَبِيحَة ليلته. فَقَالَ الْقَوْم: حَبط عمله، قتل نَفسه. فلمّا رجعت - وهم يتحدثون أَن عَامِرًا حَبط عمله - جِئْت إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]-، فَقلت: يَا نَبِي الله: - فدَاك أبي وَأمي - زَعَمُوا أَن عَامِرًا حَبط عمله. فَقَالَ: كذب من قَالَهَا. إِن لَهُ لأجرين اثْنَيْنِ: إِنَّه لجاهد مُجَاهِد، وَأي قتل يزِيد عَلَيْهِ.
стр. 307
قلت: رَضِي الله عَنْك! إِنَّمَا يتم مَقْصُود التَّرْجَمَة بِذكر الْقِصَّة الَّتِي مَاتَ فِيهَا عَامر. وَذَلِكَ أَن سَيْفه كَانَ قَصِيرا. فَرجع إِلَى ركبته من ضَربته. فَمَاتَ مِنْهَا. وَقد بَينه فِي غير هَذَا الْموضع فاكتفي بذلك.
(٢٩١ - (٣) بَاب إِذا أصَاب قوم من رجل، هَل يُعَاقب أم يقْتَصّ مِنْهُم كلهم ؟)
قَالَ مطرف عَن الشّعبِيّ: فِي رجلَيْنِ شَهدا على رجل أَنه سرق، فَقَطعه علىّ ثمَّ جَاءَ بآخر، قَالَا: أَخْطَأنَا، فَأبْطل شَهَادَتهمَا. وَأخذ بدية الأول. وَقَالَ: لَو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما.
فِيهِ ابْن عمر: إِن غُلَاما قتل غيلَة، فَقَالَ عمر: لَو اشْترك فِيهِ صنعاء لقتلتهم بِهِ.
وَفِيه مُغيرَة بن حَكِيم عَن أَبِيه: إِن أَرْبَعَة قتلوا صبيّاً. فَقَالَ عمر مثله. وأقاد أَبُو بكر، وعلىّ وَابْن الزبير، وسُويد بن مقرّن من اللَّطْمَة وأقاد عمر من ضَرْبَة بالدّرة. وأقاد علىّ من ثَلَاثَة أسواط. واقتصّ شريحٌ من سَوط وخموش.
فِيهِ عَائِشَة: لددنا النَّبِي -[ ﷺ ]- فِي مَرضه. وَجعل يُشِير إِلَيْنَا:
стр. 308
لَا تلدّوني. فَقُلْنَا كَرَاهِيَة الْمَرِيض للدواء. فلمّا أَفَاق، قَالَ: ألم أنهكم أَن تلدّوني؟ قُلْنَا: كَرَاهِيَة الدَّوَاء. فَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- لَا يبْقى مِنْكُم أحد إلاّ لدّ. وَأَنا أنظر، إِلَّا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لم يشهدكم.
قلت: رَضِي الله عَنْك! ترْجم على الْقصاص من الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ وَذكر فِي جملَة الْآثَار الْقصاص من اللَّطْمَة، وَالسَّوْط، يَعْنِي فِي الْمُنْفَرد.
فَيُقَال: مَا وَجه تعلق هَذَا الحَدِيث بالترجمة؟ .
وَالْجَوَاب: إِنَّه اسْتَفَادَ من إِجْرَاء الْقصاص فِي هَذِه الصَّغَائِر المحقّرات، وَأَن لَا يقنع فِيهَا بالأدب الْعَام أجراه على الشُّرَكَاء فِي الْجِنَايَة، كَالْقَتْلِ وَغَيره. لِأَن نصيب كل واحدٍ مِنْهُم سهم عَظِيم مَعْدُود من الْكَبَائِر، فَكيف لَا نقتصّ مِنْهُ، وَقد اقتصصنا من الصَّغَائِر؟ وَالله أعلم.
(٢٩٢ - (٤) بَاب الْقسَامَة)
قَالَ الْأَشْعَث قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: شَاهِدَاك أَو يَمِينه. وَقَالَ ابْن أبي مليكَة: لم يعدّ بهَا مُعَاوِيَة.
وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عدىّ بن أَرْطَاة - وَكَانَ أمّره على الْبَصْرَة - فِي قتيلٍ وجد عِنْد بَيت من بيُوت السمانين: إِن وجد أَصْحَابه بينّة، وَإِلَّا فَلَا تظلم النَّاس، فَإِن هَذَا لَا يقْضى فِيهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
стр. 309
حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا سعيد بن عبيد، عَن بشير بن يسَار، زعم أَن رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ سهل بن أبي حثْمَة أخبرهُ أَن نَفرا من قومه انْطَلقُوا إِلَى خَيْبَر، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، ووجدوا أحدهم قَتِيلا. وَقَالُوا للَّذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا، قَالُوا: مَا قتلنَا، وَلَا علمنَا قَاتلا، فَانْطَلقُوا إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالُوا: يَا رَسُول الله انطلقنا إِلَى خَيْبَر فَوَجَدنَا أحدا قَتِيلا. فَقَالَ الْكبر، الْكبر. فَقَالَ: تَأْتُونِي بالبيّنة على من قَتله. قَالُوا: مالنا بينّة؟ قَالَ: فَيحلفُونَ. قَالُوا: لَا نرضى بأيمان الْيَهُود. فكره رَسُول الله -[ ﷺ ]- أَن يبطل دَمه، فوداه بِمِائَة من إبل الصَّدَقَة.
وَقَالَ أَبُو قلَابَة: إِن عمر بن عبد العزيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس. ثمَّ أذن لَهُم، فَدَخَلُوا فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول: الْقود بهَا حق. وَقد أقادت الْخُلَفَاء بهَا. فَقَالَ: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة؟ ونصبني للنَّاس.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! عنْدك رُؤُوس الأجناد، وأشراف الْعَرَب. أَرَأَيْت لَو خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قد زنى، وَلم يروه أَكنت تَرْجمهُ؟ قَالَ: لَا.
قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل مِنْهُم بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه، وَلم يروه؟ قَالَ: لَا.
فَقلت: وَالله مَا قتل رَسُول الله -[ ﷺ ]- أحدا قطّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثَة
стр. 310
خِصَال: رجل قتل بجريرة نَفسه فَقتل، أَو رجل زنى بعد إِحْصَان، أَو رجل حَارب الله وَرَسُوله، وارتدّ عَن الْإِسْلَام.
فَقَالَ الْقَوْم: أوليس قد حدّث أنس بن مَالك أَن النَّبِي -[ ﷺ ]- قطع فِي السرق، وَسمر الْأَعْين، ثمَّ نبذهم فِي الشَّمْس؟
فَقلت: إِنَّا نحدّثكم حَدِيث أنس بن مَالك، حَدثنِي أنس: أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على النَّبِي -[ ﷺ ]- فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام، فاستوخموا الأَرْض فسقمت أَجْسَادهم، فشكوا ذَلِك إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]-، قَالَ: أَفلا تخرجُونَ إِلَى راعينا فِي إبِله، فتصيبون من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا، فَخَرجُوا فَشَرِبُوا مِنْهَا، فصحوا فَقتلُوا راعي النَّبِي -[ ﷺ ]-، فَأرْسل فِي آثَارهم. فأدركوا فجِئ بهم فَقطعت أَيْديهم وأرجلهم، وَسمر أَعينهم. ثمَّ نبذهم فِي الشَّمْس حَتَّى مَاتُوا.
قلت: وَأي شَيْء اشدّ مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ: ارتدّوا عَن الْإِسْلَام، وَقتلُوا وسرقوا؟
وَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد: وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ.
فَقلت: أتردّ علىّ حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ .
قَالَ: لَا، وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه، وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم.
قلت: وَقد كَانَ فِي هَذَا سنة من رَسُول الله -[ ﷺ ]-، دخل عَلَيْهِ نفر من
стр. 311
الْأَنْصَار، فتحدثوا عِنْده، فَخرج رجل مِنْهُم بَين أَيْديهم فَقتل. فَخَرجُوا بعده فَإِذا هم بِصَاحِبِهِمْ يتشحّط فِي الدَّم. فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! صاحبنا خرج بَين أَيْدِينَا، فَإِذا نَحن بِهِ يتشحّط فِي دَمه. فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] من تظنّون، - أومن ترَوْنَ - قَتله؟ قَالُوا: نرى أَن الْيَهُود قتلته. فَأرْسل إِلَى الْيَهُود، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: آنتم قتلتم هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَتَرْضَوْنَ نفل خمسين من الْيَهُود: مَا قَتَلُوهُ؟ .
قَالُوا: مَا يبالون أَن يقتلونا أَجْمَعِينَ ثمَّ ينفلون أَجْمَعِينَ.
قَالَ: أفتستحقون الدِّيَة بأيمان خمسين مِنْكُم؟
قَالُوا: مَا كنّا أَن نحلف. فوداه من عِنْده.
قلت: وَقد كَانَت هُذَيْل خلعوا خليعاً فِي الْجَاهِلِيَّة، فطرق أهل بَيت من الْيمن بالبطحاء. فانتبه لَهُ رجل مِنْهُم. فخذفه بِالسَّيْفِ فَقتله. فَجَاءَت هُذَيْل فَأخذُوا الْيَمَانِيّ فَرَفَعُوهُ إِلَى عمر بِالْمَوْسِمِ وَقَالُوا: قتل صاحبنا. قَالَ: إِنَّهُم قد خلعوا. قَالُوا: يقسم خَمْسُونَ من هُذَيْل: مَا خلعوا. قَالَ: فأقسم مِنْهُم تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ رجلا وَقدم رجلٌ مِنْهُم. فَسَأَلُوهُ أَن يقسم، فَافْتدى يَمِينه مِنْهُم بِأَلف دِرْهَم، فأدخلوا مَكَانَهُ رجل آخر. فَدفعهُ إِلَى أخي الْمَقْتُول. فقرنت يَده بِيَدِهِ. قَالَ. فَانْطَلقَا وَالْخَمْسُونَ الَّذين أَقْسمُوا. حَتَّى إِذا كَانُوا بنخلة أخذتهم السَّمَاء، فَدَخَلُوا فِي غارٍ فِي جبل، فانهجم الْغَار على الْخمسين الَّذين أَقْسمُوا، فماتوا جَمِيعًا وأفلت القرينان، واتبعهما حجر فَكسر رجل أخي الْمَقْتُول، فَعَاشَ حولا، ثمَّ مَاتَ.
стр. 312
قلت: وَقد كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان أقاد رجلا بالقسامة، ثمَّ نَدم بعد مَا صنع، فَأمر بالخمسين الَّذين أَقْسمُوا فمحوا من الدِّيوَان، وسيّرهم إِلَى الشَّام.
قلت: رَضِي الله عَنْك! مَذْهَب البُخَارِيّ تَضْعِيف الْقسَامَة. فَلهَذَا أصدر الْبَاب بالأحاديث الْجَارِيَة على الْيَمين من جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ. وَذكر حَدِيث سعيد بن عبيد، وَهُوَ جارٍ على قَوَاعِد الدَّوَاعِي، وإلزام الْمُدعى البيّنة. وَلَيْسَ من خُصُوصِيَّة الْقسَامَة فِي شَيْء. ثمَّ ذكر البُخَارِيّ حَدِيث الْقسَامَة الدَّال على خُرُوجهَا عَن الْقَوَاعِد بطرِيق الْعرض فِي كتاب الْمُوَادَعَة والجزية حذرا من أَن يذكرهُ هَهُنَا، لِئَلَّا يعْتَمد على ظَاهره فِي الِاسْتِدْلَال على الْقسَامَة، واعتبارها، فيغلط الْمُسْتَدلّ بِهِ على اعْتِقَاد البُخَارِيّ. وَهَذَا الْإخْفَاء مَعَ صِحَة الْقَصْد لَيْسَ من قبيل كتمان الْعلم، بل هُوَ من قبيل مَا ورد: " لَا تعطوا الْحِكْمَة غير أَهلهَا فتظلموها "، فالنصيحة توجب توقى الْغَلَط. وَالله أعلم.
وَوهم الْمُهلب، فَظن أَن أَبَا قلَابَة اعْترض على حَدِيث الْقسَامَة بِحَدِيث العرنيين مُعَارضا بِهِ لحَدِيث الْقسَامَة. فَقَالَ: لَا تعَارض لِأَن العرنيين اشْتهر أَمرهم وقتلهم الرَّاعِي وارتدادهم عَن الْإِسْلَام. وَلم يكن هَذَا بِحَيْثُ إخفاؤه وَلَا جحوده، إِنَّمَا قَتلهمْ النَّبِي [ ﷺ ] بعد ثُبُوت ذَلِك شرعا بطريقه.
وَهَذَا وهم من الْمُهلب إِنَّمَا أَبُو قلَابَة لما اعْترض عَلَيْهِ فِي إبِْطَال الْقسَامَة بِالْحَدِيثِ الْعَام الَّذِي دلّ على حصر الْقَتْل الشَّرْعِيّ فِي الثَّلَاثَة: قتل، أَو كفر، أَو زنى، بِحَدِيث العرنيين، لِأَن الْمُعْتَرض سبق إِلَى ذهنه أَن العرنيين لم يثبت عَلَيْهِم أحد الثَّلَاثَة، وَمَعَ هَذَا قتلوا. أجَاب أَبُو قلَابَة فَإِنَّهُ قد ثَبت عَلَيْهِم ثبوتاً وَاضحا الْقَتْل والردّة والمحاربة. وَكَلَام أبي قلَابَة فِي هَذَا الْجَواب مُسْتَقِيم. وَالله أعلم.
стр. 313
(٥٨ - [كتاب اسْتِتَابَة المرتدّين] )
(٣٩٣ - (١) بَاب إِذا عرضّ الذمى أَو غَيره بسبّ النَّبِي -[ ﷺ ]- وَلم يصّرح. نَحْو قَوْله: " السام عَلَيْك ".)
فِيهِ انس: مرّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ -[ ﷺ ]-، فَقَالَ السام عَلَيْك. فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَعَلَيْك. ثمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُول؟ قَالَ: السام عَلَيْك. قَالُوا: يَا رَسُول الله أَلا نَقْتُلهُ؟ قَالَ: لَا إِذا سلّم عَلَيْكُم أهل الْكتاب فَقولُوا: " وَعَلَيْكُم ".
وَفِيه عَائِشَة: اسْتَأْذن رَهْط من الْيَهُود على النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالُوا السام عَلَيْكُم. فَقلت: بل عَلَيْكُم السام واللعنة.
فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كلّه، قلت: أَو لم تسمع مَا قَالُوا؟ قَالَ. قلت: عَلَيْكُم.
وَفِيه ابْن عمر: قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: إِن الْيَهُود إِذا سلمُوا على أحدكُم إِنَّمَا يَقُولُونَ: سَام عَلَيْكُم. فَقل: عَلَيْك.
وَفِيه ابْن مَسْعُود: قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- يحْكى نبيّاً من الْأَنْبِيَاء ضربه قومه، فأدموه وَهُوَ يمسح الدَّم من وَجهه، وَيَقُول: رب اغْفِر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ.
стр. 314
قلت: رَضِي الله عَنْك! كَأَن البُخَارِيّ كَانَ على مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي هَذَا الْمَسْأَلَة، وَهُوَ أَن الذمّى إِذا سبّ يُعَزّر، وَلَا يقبل.
وَلِهَذَا أَدخل فِي التَّرْجَمَة حَدِيث ابْن مَسْعُود. وَمُقْتَضَاهُ: إِن خلق الْأَنْبِيَاء ﵈ الصَّبْر والصفح أَلا ترى إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- ضربه قومه فأدموه، وَهُوَ يَدْعُو لَهُم بالمغفرة. فَأَيْنَ هَذَا من السبّ؟ وَكَانَ حَدِيث ابْن مَسْعُود يُطَابق التَّرْجَمَة بالأولوية.
(٥٩ - [كتاب الاسْتِئْذَان] )
(٢٩٤ - (١) بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا أَو تسلموا على أَهلهَا﴾ - إِلَى - ﴿وَمَا تكتمون﴾ [النُّور: ٢٧ - ٢٩] .)
وَقَالَ سعيد بن أبي الْحسن لِلْحسنِ: إِن نسَاء الْعَجم يكشفن رُؤْسهنَّ وصدروهن. قَالَ: اصرف بَصرك. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم﴾ [النُّور: ٣٠] قَالَ قَتَادَة: عمّا لَا يحل لَهُم: ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ [النُّور: ٣١] خَائِنَة الْأَعْين: النّظر إِلَى مَا ينْهَى عَنهُ
стр. 315
وَقَالَ الزُّهْرِيّ فِي النّظر إِلَى الَّتِي لم تحل من النِّسَاء: لَا يصلح النّظر إِلَى شَيْء مِنْهَا وَإِن كَانَت صَغِيرَة. وَكره عَطاء النّظر فِي الْجَوَارِي يبعن بِمَكَّة إِلَّا أَن يُرِيد أَن يَشْتَرِي.
فِيهِ ابْن عَبَّاس: أرْدف النَّبِي -[ ﷺ ]- الْفضل بن عَبَّاس يَوْم النَّحْر خَلفه على عجز رَاحِلَته، وَكَانَ الْفضل رجلا مضيئاً. فَوقف النَّبِي -[ ﷺ ]- للنَّاس يفتيهم. وَأَقْبَلت امْرَأَة من خثعم وضيئة تستفتى النَّبِي -[ ﷺ ]- وَالْفضل ينظر إِلَيْهَا. فأخلف يَده فَأخذ بذقن الْفضل، فَعدل وَجهه عَن النّظر إِلَيْهَا. الحَدِيث.
وَفِيه أَبُو سعيد: إِن النَّبِي -[ ﷺ ]- قَالَ: إيَّاكُمْ وَالْجُلُوس بالطرقات. قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿مَا لنا من مجالسنا بُد نتحدث بهَا. قَالَ: فَإِذا أَبَيْتُم إِلَّا الْمجَالِس فأعطوا الطَّرِيق حَقه. قَالُوا: وَمَا حق الطَّرِيق؟ قَالَ: غض الْبَصَر، وكفّ الْأَذَى، وردّ السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ وَجه الْجمع بَين التَّرْجَمَة بِالْآيَةِ وَبَين الْآثَار والآيات الْمَذْكُورَة بعْدهَا، أَن الِاسْتِئْنَاس هُوَ الاسْتِئْذَان. إِنَّمَا جعل من أجل النّظر خشيَة أَن ترى الْعَوْرَة فَجْأَة. فقرر بالآثار أَن رُؤْيَة الْعَوْرَة محرم ومنهى عَنهُ. فَإِذا كَانَ الهجوم بِلَا اسْتِئْذَان ذَرِيعَة إِلَيْهِ وَجب تَحْرِيمه لأدائه إِلَى الْمحرم.
(٢٩٥ - (٢) بَاب إِذا دعى فجَاء، هَل يسْتَأْذن ؟)
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة: عَنهُ ﵇ قَالَ: هُوَ إِذْنه.
стр. 316
وَفِيه: أَنه دعى أهل الصّفة فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذنُوا.
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿أورد البُخَارِيّ الْحَدِيثين، ظاهرهما التَّعَارُض لينبّه على الْجمع. وَوَجهه أَن الحَدِيث الأول فِيمَن دعى بِالْبَابِ مثلا، فَهَذَا لَا يسْتَأْذن. وَالْعَادَة تشهد بذلك. وَالله أعلم.
(٢٩٦ - (٣) بَاب كَيفَ يكْتب إِلَى أهل الْكتاب)
فِيهِ ابْن عَبَّاس: إِن أَبَا سُفْيَان أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي نفر وَكَانُوا الحَدِيث - ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله [ ﷺ ] وَإِذا فِيهِ:
" بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من مُحَمَّد بن عبد الله وَرَسُوله، إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم. سَلام على من اتّبع الْهدى. أما بعد ... ".
قلت: رَضِي الله عَنْك﴾ وهم ابْن بطال فاستدل بِالْكتاب على جَوَاز بداءة أهل الْكتاب بِالسَّلَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلاّ سَلام على من اتّبع الْهدى. فَكَأَنَّهُ سَلام مُعَلّق على إسْلَامهمْ. وَالْمُعَلّق على شَرط عدمٌ، عِنْد عدم الشَّرْط. وَلَو كَانَ كَمَا ظنّ لقَالَ: سَلام عَلَيْكُم.
стр. 317
(٢٩٧ - (٤) بَاب المعانقة، وَقَول الرجل: كَيفَ أَصبَحت ؟)
فِيهِ ابْن عَبَّاس: إِن عليا خرج من عِنْد رَسُول الله -[ ﷺ ]- فِي وَجَعه الَّذِي توفّي فِيهِ. فَقَالَ النَّاس: يَا أَبَا الْحسن: كَيفَ أصبح رَسُول الله [ ﷺ ] . فَقَالَ: أصبح بِحَمْد الله - بارئاً. فَأخذ بِيَدِهِ الْعَبَّاس، فَقَالَ: أَلا ترَاهُ؟ أَنْت - وَالله بعد ثَلَاث عبد الْعَصَا. وَالله إِنِّي لأرى رَسُول الله -[ ﷺ ]- يسْتَوْفى فِي وَجَعه وَإِنِّي لَا أعرف فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب الْمَوْت. فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فنسأله فِيمَن يكون الْأَمر؟ فَإِن كَانَ فِينَا علمنَا ذَلِك. وَإِن كَانَ فِي غَيرنَا أمرناه. فأوصى بِنَا. فَقَالَ علىّ: وَالله لَئِن سَأَلنَا النَّبِي -[ ﷺ ]- فمنعناها لَا يعطيناها النَّاس أبدا. وَإِنِّي لَا أسالها رَسُول الله -[ ﷺ ]- أبدا.
قلت: رَضِي الله عَنْك! المعانقة ترْجم عَلَيْهَا، وَلم يذكر حَدِيثهَا. وَإِن كَانَ قد ذكر معانقة النَّبِي -[ ﷺ ]- لِلْحسنِ فِي غير هَذَا الْكتاب. ذكره فِي بَاب " مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق " وَكَانَ الَّذِي مَنعه من ذكره هَهُنَا أَن عَادَته لَا يكّرر الحَدِيث، إِلَّا إِذا اخْتلفت أَلْفَاظه، وَإِسْنَاده. فَلَمَّا لم يجد لهَذَا الحَدِيث عِنْده إِسْنَادًا آخر كَانَ فِي مهلة التماسه فاخترم قبل ذَلِك. وَالله أعلم.
стр. 318
٢٠٢٩٨ - (٥) بَاب الْجُلُوس كَيْفَمَا تيّسر)
فِيهِ أَبُو سعيد: نهى النَّبِي -[ ﷺ ]- عَن لبستين: اشْتِمَال الصمّاء، والاحتباء فِي ثوب وَاحِد لَيْسَ على فرج الْإِنْسَان مِنْهُ شَيْء.
قلت: رَضِي الله عَنْك! مُطَابقَة التَّرْجَمَة للْحَدِيث من جِهَة الْمَفْهُوم، لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهى عَن حَالَة وَاحِدَة من حالات الْجُلُوس، فأفهم بالتخصيص أَن الحكم فِيمَا عدا هَذِه الْحَالة الْإِبَاحَة. وَالله أعلم.
(٢٢٩ - (٦) بَاب كل لَهو بَاطِل إِذا اشغل عَن طَاعَة الله وَمن قَالَ لصَاحبه: تعال أقامرك .)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم، ويتخذها هزوا﴾ [لُقْمَان: ٦] .
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]-: من حلف مِنْكُم فَقَالَ فِي حلفه: بِاللات والعزى، فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَمن قَالَ: أقامرك، فليتصدق.
стр. 319
قلت: رَضِي الله عَنْك ﴿وَجه استفادة التَّرْجَمَة من الْآيَة أَن الله جعل اللَّهْو دَاعِيَة الضلال عَن سَبِيل الله. وسبيل الله هِيَ الْحق. فَكل شَيْء ضادّها وحادّها بَاطِل. وَهَذَا الانتزاع أحسن من قَول الْمُؤلف: إِنَّه انتزعه من قَول الْقَاسِم: الْغناء بَاطِل، وَالْبَاطِل فِي النَّار.
(٦٠ - [كتاب اللبَاس] )
(٣٠٠ - (١) بَاب الْحَرِير للنِّسَاء)
فِيهِ عَليّ - رَضِي لله اعنه -: كساني النَّبِي -[ ﷺ ]- حلَّة سيراء، فَخرجت بهَا، فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه فشققتها بَين نسَائِي.
وَفِيه عمر ﵁: إِنَّه رأى حلَّة سيراء تبَاع، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ لَو ابتعتها للوفد - فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله - إِنَّمَا بعثت بهَا إِلَيْك لتبيعها أَو تكسوها.
وَفِيه أنس: إِنَّه رأى على أم كُلْثُوم بنت النَّبِي -[ ﷺ ]- برد حَرِير سيراء.
قلت: الْأَحَادِيث مُطَابقَة للتَّرْجَمَة، إِلَّا حَدِيث عمر فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا " لتبيعها أَو تكسوها "، وَلم يقل: للنِّسَاء. وَلَكِن قد علم أَنه لَا يَكْسُوهَا للرِّجَال، لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْهَا. وَالنَّاس فِي الدّين شرع، فَلم يبْق إِلَّا النِّسَاء. فتعيّن جَوَاز لباسهن لَهُ.
стр. 320
ويردُ عَلَيْهِ احْتِمَال أَن يَبِيعهَا أَو يَكْسُوهَا كَافِرًا. وَقد ورد هَذَا صَرِيحًا فِي حَدِيث عمر، إِلَّا أَن يكون البُخَارِيّ مَا صحّ عِنْده أَن عمر كساها لأخٍ لَهُ مُشْتَرك بِإِذن النَّبِي -[ ﷺ ]- وَبنى على أَن الْكَافِر مُخَاطب فتعيّن كَون النِّسَاء. وَالله أعلم.
(٣٠١ - (٢) بَاب مَا كَانَ النَّبِي -[ ﷺ ]- يتَّخذ من اللبَاس والبسط ؟)
فِيهِ ابْن عَبَّاس: عَن عمر، دخلت على النَّبِي -[ ﷺ ]- فَإِذا هُوَ على حَصِير قد أثر فِي جنبه، وَتَحْت رَأسه مرفقة من أَدَم حشوها لِيف، وَإِذا أهب معلقَة وقرَظ.
وَفِيه هِنْد بنت الْحَارِث: عَن أم سَلمَة، اسْتَيْقَظَ النَّبِي -[ ﷺ ]- من اللَّيْل، وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، مَاذَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتْنَة؟ وماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صَوَاحِب الحجرات؟ كم من كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَت هِنْد لَهَا أزرار فِي كميّها بَين أصابعها.
следующие страницы →