← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هذا سهامُك في الحشا ... حَمْرا شَواكلُها ومَرْدَا إن شئْتها أبدَيْتها ... من مُقلتي دمعاً وسُهدَا نعَم اهْتزازُ قَوامِك ال ... مَعْسولِ لار يختار رَدَّا فاعْمِلْه في حركاتِه ... إن رمتَ أن لا تُبْقِ فردَا أمُعذِّبي بئس الهوى ... إن لم يكن قرباً وبُعدَا فامنَحْ فؤاديَ نظرةً ... إن شئت للتعَّذيب مَدَّا نِعْم الشهادةُ مُنجِداً ... لو سوَّغتْ للوصلِ شُهدَا لو أن فْعلك للزما ... نِ ردَدْتَه كَلأًً ووَرْدَا فلَكمْ أتى بمبرِّحٍ ... منه اصْطبارِي كان سَدَّا ولَكم أبان مَخالباً ... خَلَّيْنَ للأهدابِ نِدَّا يا جاعلاً أحْداقَنا ... قُرطاً ومِنطَقة وغمدَا شخَصت لناظرِك المُكحَّ ... لِ أنفُسٌ صيداً وأُسْدَا في موقفٍ يدَعُ النفو ... سَ ذوائباً والدمعَ جَمْدَا ويقسِّم الأكْباد حسْب الْ ... وَصفِ سَوْسانا ووردَا فكأنَّ سيفَ حسين يُو ... ضِح للورى حَدّاً وحدَّا ويُرى لكلِّ مُنابذٍ ... إفْرِنْدَه بالرَّقْم حَدَّا فكأنما إدريسُ أوْ ... دعَ فيه ما أخْفى وأبْدى بطلٌ يُشير لمْثِله ... نَفْعا وللمُجْدين رِفْدَا السابقُ الشُّمَّ الأُنُو ... فَ أباً وأبْناءً وجَدَّا حامِي قِبابِ المجد ما ... بذلُوا لها شرفاً ومجدَا أمظلِّلَ الأبْطالِ عِقْ ... باناً وكاسِى الفقر وُجْدَا أيْسَرْتَ غُرَّةَ غَزَّةٍ ... ومنحْتَها للفخْرِ عِقْدَا حتَّى سبَتْ بِنظامِها ... عجَما وأتْراكا وهندَا تِيهاً أغَزَّةُ إنما ... أرْباك عِزٌّ ليس يَصْدَا وله من أخرى، أولها: مِن دياجِي البعد هل للقربِ وَمْضُ ... أم بمِضْمارِ التهاني ثَمَّ رَكْضُ لا أُمَنِّي النفس ما لي والمُنى ... عاقَني من أدْهم الأيام رَكْضُ كان تَسْالي مُخِلاَّ بالعَطا ... يومَ لا نَأْيٌ دنا والعيشُ غَضُّ يومَ كان الشَّرْبُ سَمْعا وأنا ... بُلْبُلٌ ثمّ سَما والكلُّ أرضُ صاحِ عاطِيني ولا تسألْ لما ... جَفنُ كأسِي وجفوني لا تُغَضُّ إن تقلْ جُرحُ زماني كاتمٌ ... منهمُ في القلب جُرْحٌ لا يَمَضُّ عَلِق القلبُ بلَحْظٍ إن رنا ... قاتلٌ أو كَفَّ ظنَّ الكفَّ غَمْضُ مَن مُجِيري من هوى مَن لُبْثُه ... في عَرِين القلب زَفْراتٌ ورَبْضُ كنت لا أعرفُ تمْزيق الكرَى ... فأراني كيف عَضْبَ الجَفْن ينْضُو ورأى طُيْغان قلبي فرَنا ... ليُريه شُهُب الطاغِي تقُضُّ فتناسيْتُ بلَمْعٍ بَرْقِه ... مذ بدا لي منه بَسْطٌ ثم قَبْضُ قال لي والصَّحْو ما خامرَه ... واستملَّى قَدّه طولٌ وعرضُ هل تخمَّرتُ بنُور طُرَّتي ... أم جفون الشَّعر دَانَاهُنَّ غَمْضُ قلتُ شَبْي من سعيرٍ مُهْجتي ... أبْرزَتْه زفراتُ القلب ومْضُ أو سِنانٌ طاعنٌ قلبَ الصَّفَا ... أو شهابٌ إذ لحَتْمِ العيشِ فَضُّ ودموعي ماءُ قلبي نارُه ... أخرجتْها من قُرُوحِ الجَفْنِ بَضُّ قال لي والغصنُ يثْنيه الهوى ... قد أتى من سائل الأجْفان عَرْضُ فارْجِعِ الدمعَ لتطْفى نارَه ... حيث لي في منزل الأشواقِ عَرْضُ حِلْيةُ العاشق قربٌ وقِلَى ... أيُّ وجدٍ لفؤادٍ لا يُرَضُّ

стр. 212

قلت: هذا شعر مقداره خطير، إلا أنه فطير. حافظ الدين العجمي فارس مجال، ورب روية وارتجال. تؤخذ الفصاحة عن لفظه، وتستملى فنون البلاغة من حفظه. وله حظٌ من الأدب عظيم، واختصاص بنثير ونظيم. إلا أن شعره أمل الكثرة، وهي كما عرفت متواخيةٌ مع العثرة. وكان نبا به من حداثته وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه. فطار كل مطار، ولم يعرج على أوطانٍ واوطار. ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ. كان كلفاً بالغلمان، معنىً بهم في كل زمان. وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة، واهم به هيمان ذي الرمة. وتحمل فيه أنواع المشاق، وشهد حتى مصارع العشاق. وشرب بالفتى، ولم يقل السلو متى. وكان قد فضح النهار ليله، وأفعم الهرم في لهاته سيله. فمضغته أفواه التشنيع، وعضته أضراس الندامة على هذا الصنيع. ثم خرج عنه الفتى مجانباً، وخلاه هو وكمده جانباً. واتفق له أنه كان في جمعٍ من الأعيان، ممن يضيق عن وصف تيقظهم نطاق البيان. إذ سقط الفتى سقوط الندى، وحل حلول الأمل في ذلك المنتدى. فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشياً عليه، وفمه على ظاهر قدميه. فاغتنم تلك الفرصة، وأطفا بتقبيلها تلك الغصة. والفتى يظهر امتناعه، والحيا حط عليه قناعه. حتى زايل مكان زلة القدم، هناك قرع الشيخ سن الندم. وشرع يطلب العفو، وينسب ما وقع منه إلى الغفو. ثم لم يقر به القرار، دون أن عزم على الفرار. وخرج إلى الروم حامل أثقال، وهو بريد ترحل وانتقال. وانتهى أمره إلى أن صار قاضياً بصوفيه، وبها انتقل من ظل العافية، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية. وقد أثبت من شعره ماله في إصابة شاكلة الصواب اشتهار، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار. فمن ذلك قوله: رأى ما حلَّ من فَرْط الْتهابِي ... ومن مَيْل الجفون إلى انْتهابِي فمال إلى انْعطاف العِطْف نحوِي ... وأحْيَى القلب من رَشْف الرُّضابِ وقام لنشْر بُرْدِ الوصل يطوِي ... بأيدي اللُّطف أردِيَة العِتابِ غزالٌ كالغزالة قد غَزانِي ... بأجْفانٍ أصابتْ كلَّ صَابِي صَبا قلبي إليه فكلُّ صَبٍّ ... سليمُ الطبع مأسورُ التَّصابِي جرحتُ بنظْرتي خَدَّيْه وَهْما ... فقابلَني بأنْواع العقابِ أرى تعْذيبَه للقلبِ عَذْباً ... لأُسْقَى من مَراشفِه العِذابِ متى حسَر النِّقابَ عن المُحيَّا ... سَبَى العقلا ويسْبِي في النِّقابِ بكأسِ الثغرِ منه عِقْدُ دُرٍّ ... تكلّل مثلَ حَبَّات الحَبابِ إذا أتْبعتُه في المشْيِ طَرْفِي ... فلا أدْري الضلالَ من الصوابِ أدار على صباحِ الجِيد شعراً ... كلَيْلٍ جَلَّ حسنا عن خِضابِ وسَيَّبه على الأرْدافِ يسْعَى ... كأفْعى في الْتِفاتٍ وانْسيابِ قسا قلْباً ولكن لاَن عِطْفاً ... أما هذا مِن العَجَب العُجابِ قضى بالقتْل للعشَّاق قطعاً ... بحُكْمٍ منه قَطْعِيِّ الجوابِ وذلك حين أدْمَوْا منه خَدَّاً ... بنَظْرتهم له خلفَ الحجابِ ولم يُقِمِ الشهادةَ حالَ قتْلٍ ... لكيْ يحتاج فيها للنِّصابِ يُصيب إذا رمى في القلبِ سهماً ... وكم بالْجَفْن منه مِن مُصابِ قد اسْتلَب النُّهَى باللطفِ منِّي ... وبالَغ في فُنون الإسْتلابِ فنارُ القلب منِّي في الْتهابٍ ... وطَرْفي الصَّبُّ منه في انْصبابِ وقوله في الغزل: أيامَن يُحيِّي الحسنَ منه بدورُ ... وقد جذبتْه للخُدورِ بدورُ أراك تجُوز الحيَّ بالقلب خائفاً ... رقيباً ومِن شأن المحبِّ يزورُ أمالَك أن تَثْنِي العِنانَ لحَيِّ من ... يُزار فمحبوبُ القلوبِ مَزُورُ فكن مُصْيغاً سمعاً فإن لسانَه ... يقول لأرْباب المحبَّةِ زُورُوا

стр. 213

إذا زرتَ أحْياء الأحبَّة زُرْهُم ... وإلاَّ فدَعْواك المحبَّةَ زُورُ وقوله: وأهْيَفٍ زارني والليلُ مُعتكِرٌ ... فأشْرقتْ من سَنا لأْلائِهِ دورُ قالت عقاربُ صُدْغَيْه ندُور على ... لَسْعِ الحشا قلتُ ها كُنَّ الحشَا دُورُوا وهذا في باب التورية مستظرف. ومثلع قول بعضهم: هَويْتُ غصناً لأطْيارِ القلوب على ... قَوامِه في رياض الوجدِ تغْرِيدُ قالتْ لَواحظُه إنا نَسُودُ على ... بِيض الظُّبا قلتُ أنتم أعينٌ سُودُوا وقوله من قصيدة، مطلعها: هو الوجدُ في روضِ القلوب مَنازلُهْ ... يترجمُ عنه أين حَلَّ مُنازِلُهْ وأين خَلِيُّ السرِّ من عارف الهوى ... فَذَا عالمٌ فيه وذلك جاهلُهْ ولولا الهوى ما مال قلبٌ إلى الهوى ... ولا غرّدت من فوق غصنٍ بَلابلُهْ فهل حافظ فيه حديثاً مُعَنْعَناً ... يُسائلني عنه وعنه أسائلُهْ فمالي وللأطلالِ لا طال ظِلُّها ... أُناشدُها عمَّن ترُوح رواحلُهْ ومالي وذِكْرِى للمَشِيبِ سَفاهة ... وقد فعل التَّشْبيبُ ماهو فاعلُهْ ومالِي وللبَيْداءِ أقْطع مَتْنَها ... على ظهرِ يَعْبوبٍ تناءتْ مَراحلُهْ ومالي ورَسْمِ الدارِ والرسمُ قد عفَى ... وماذا عسى يوماً يُجاب مُسائلُهْ ومالي ووصفِ الشيبِ لا بان صَحْبُه ... ولا ظهرتْ في العارِضَيْنِ مَخائلُهْ ولا انْفكَّ طِرْفُ اللهوِ يجرِي على الصَّفا ... بمِضْمار شوقٍ لا تكِلّ جحافلُهْ ولا قصُرتُ يوماً خُطاه ولا انْثنتْ ... قوائمُه في السَّبْق عمَّا تُحاولُهْ ولا زِلْتُ في ليل الشَّبيبةِ والصِّبا ... تُضيءُ علينا بالسرورِ مَشاعلُهْ ولا عُطِّلتْ أوقاتُ صَفْوٍ ولا خلَتْ ... من الأُنْسِ ساحاتُ الهوى ومنازلُهْ وما زال غصنُ العمرِ بالعِزِّ مُورِقاً ... ومَنْشؤُهُ صافِي المَناهلِ آهلُهْ ولا برحت في الدهر مرآةُ عيْشِنا ... صَقِيلةَ وجهٍ لا تراه نوازِلُهْ ولا هجرَتْ ذاتُ السِّوارِ مُتيَّماً ... يقابلُها يوم اللقا وتقابلُهْ ولا صَدَّ خالي العارِضيْن ولا ثَنَى ... ولا مال عنِّي مائلُ القَدِّ مائلُهْ غزالٌ متى ما رُمْتُ أُفْهِمُه الجوَى ... يغازلُني من جَفْنِه وأغازلُهْ منها: عواملُه في القلب قَدٌّ وحاجبٌ ... وجَفْنٌ وكم في الخلْقِ صالَتْ عوامِلُهْ فذلك رُمْحٌ والحواجبُ قَوْسُه ... وذلك سيفٌ قد حَمَتْه حواملُهْ به صِرْتُ أوْهَى من خيالٍ إذا سَرَى ... لذلك جسمى زائدُ السُّقْمِ ناحِلُهْ ورأى بدار الخلافة سربا من الظّباء الغيد، قد اعتلوا النّواعير في أيام العيد. فدارت تلك الأفلاك، بهاتيك النجوم الممثّلة بالأملاك. فقال يصفهم: ما شاهدتْ مُقلتي في غُرْبتي حسَناً ... إلاَّ بُدورا بدارِ الرُّومِ قد سُلِبُوا كأن نَاعورةً دارتْ بهم طَرَباً ... قلبي فهم كيف ماشاءُوا به انْقلبُوا وقال أيضاً: ويومِ عيدٍ كساه الأُنسُ حُلَّتَهُ ... كم من جميلٍ به في صُورةِ المَلَكِ بُدورُ تِمٍّ بأُفْق الحسنِ قد طلَعوا ... فزال ما كان في الأكْوان من حَلَكِ كأنهم في نَواعيرٍ تدُورُ بهم ... نجومُ أُفْقِ السَّما في دَارَةِ الفلَكِ ووقفت على ديوان جمعه لنفسه، وكتب على ظهره من نظمه، قوله: ستفنى الليالي واللآلِي بحالِها ... وما هي إلا النظمُ من حافظ الوُدِّ فإن عشتُ أنْعشْتُ الزمانَ وإن أمُتْ ... فلى شاهدٌ بالنظمِ والنثرِ من بعدِي مرعيّ بن يوسف الكرميّ

стр. 214

مقدّم في العلوم الشرعية، غير متأخر في العلوم الأدبية المرعية. فهو من الفضل في منتهاه، ومن الأدب في محل سهاه. وله جودة إتقان، وتمسّك بالهدى وإيقان. مع زهد يحول بين القلوب ولذّاتها، وتبتّل لا يرغب في العبادة إلا لذاتها. نقيٌّ مما يصديء مرآة نهاه، فما صبا لظبيٍ ولا اعتلق بمهاة. يهيم في صلاحٍ وسداد، إذا هامت الشعراء في كلّ واد. وهو أوحد من ألّف وصنّف، وأعظم من قرّظ وشنّف. وله أشعار ومنشآت جلا أفقها، وجلّى طرفها وطرقها، وأطلع من تحت غصون الأقلام كالرياض ورقها. فمن شعره قوله: لما رأيتُك مقبلاً متبسِّما ... والحسنُ عمّك والبَها والسُّؤدَدُ والمِسكُ خالُك فاح عطراً نَشْرُه ... والوردُ خدُّك جمرُه يتوقَّدُ قلت ارْتجالا بيتَ شعرٍ مفرداً ... أنت المرادُ وفي المحاسنِ مُفْرَدُ ياواحداً في حُسْنِه وجمالِه ... إنِّي وحقِّك في هواك مُوحِّدُ وقوله: أيامَن حَلا لي ثغرُه ورحيقُه ... رُوَيْدَك إن القلبَ زاد حريقُهُ ويامن تجلَّى بالدَّلالِ ومَلَّنِي ... ومِن لَحْظِه سَيْف يلوح بريقُهُ ويامن حَكاه الغصنُ وهْو وَرِيقُه ... ووردٌ وشُهد وَجْنتاه ورِيقُهُ تُعلِّق آمالي بذاك وتنْثنِي ... وهل ينْثني عمَّن يحبُّ مَشُوقُهُ وصيَّرتَ لي ذنباً ولم أكُ مُذنباً ... وحمَّلتني بالهجرِ مالا أُطِيقُهُ صبرتُ ومُرُّ الصبر فتَّتَ مُهجتي ... وإن كنتَ في شكٍٍّ فسَلْ من يذوقُهُ وقوله: مُذ غاب عن عيني وأعرض عامداً ... مَن كنت أهواه تغيَّر حالِي وأتى العذولُ مُوبِّخاً ومعاتِباً ... مامَن يُقاسِي مثلَ من هو خالِي ومن أمثالهم في هذا الباب: الراكب لا يعرف حال الماشي. والشبعان يفتّ للجوعان فتًّا بطيًّا. من نام لا يشعر بشجو الأرق. وله: برُوحِي مَن لي في لِقاه وَلائمُ ... وكم في هواه لي عذولٌ ولائمُ على وَجْنتيْه ورْدتان وخالُه ... كمسكٍ لطيفِ الوصف والثغرُ باسمُ ذوائبُه ليلٌ وطلعةُ وجهِه ... نهارٌ تبدَّى والثنايا كمائمُ بديعُ التثنِّي مرسِلٌ فوق خدِّه ... عِذاراً هوى العُذْرِى لديه مُلازمُ ومِن عجَبٍ أنِّي حفظتُ وِدادَه ... وذلك عندي في المحبةِ لازمُ وبيْني وبين الوصل منه تَبايُنٌ ... وبيني وبين الفصْل منه تلازُمُ وله: ليت في الدهر لو حظِيتُ بيومٍ ... فيه أخْلو من الهوى والغرامِ خالِيَ القلبِ من تَبارِيحِ وجدٍ ... وصدودٍ وحرقةٍ وهيامِ كي يُراحَ الفؤادُ من طولِ شوقٍ ... قد سَقاه الهوى بكأسِ الحِمامِ ومن منشآته فصل في معاتبةٍ بتصديق الوشاة المولى يعلم أن الواشي لا يخلو من أحد أمرين؛ إمّا أن يكون محبا ودوداً، أو عدوًّا حسودا. فإن كان الأول فيستحيل أن يقصد المحبّ لحبيبه ضررا، ويحمّله من الإثم وزرا. وإن كان الثاني فمعلوم أنه يجتهد في أذيّته بكل طريق، ويحرص أن يغري عليه كلّ عدو وصديق. فصل في معاتبة الصديق لفظ على الألسنة موجود، ومعناه في الحقيقة مفقود. فهو كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر. أو كالعنقاء والغول، لفظ يوجد بلا مدلول. وما أحسن قول القائل: صادُ الصديق وكافُ الكِيمِياءِ معاً ... لا يُوجَدان فدَعْ عن نفسِك الطَّمَعَا وقول الآخر: لما رأيتُ بني الزمانِ وما بهم ... خِلٌّ وَفِيٌّ للصداقةِ أصْطفى أيْقنتُ أن المستحيلَ ثلاثةٌ ... الغُول والعنْقاء والخِلّ الوَفِي وسئل بعض الحكماء عن الصديق فقال: اسم لامعنى له. وهذه شيم غالب أبناء هذا الزمان، من الأخلاّء والإخوان. فمثلهم كمثل العرض لا يبقى زمانين، ويستحيل في أسرع من طرفة عين. أو كلمع السّراب، المستحيل فيه الشراب. أو كالخيال الذي يبدو في المنام، وهو في الحقيقة أضغاث أحلام.

стр. 215

ومن كان بهذه الصّفة، فلا ينبغي الوثوق به، ولا التأسّف على فقده، ولا التألم على فرقته، ولا الحزن على غيبته. فصل في تهنئه بفتح: بعد تهنئة بتأييد عزائمه، وسفك دماء العدي على ألسنة صوارمه. ظهرت في سماء السّعد مطالعه، وشرفت أقلامٌ سطّرت بها وقائعه. فهو الفتح، الذي قضى على دم العدى بالسّفك ودموعهم بالسّفح، وتلت لديه آيات التهاني: " إذا جاء نصر الله والفتح ". وسيوفه وإن كانت باكية دماً فقواضبها بهذا الفتح ضاحكة، وجنوده منصورة كيف لا! ومن أنصاره الملائكة. فصل في الحثّ على المواعيد مثله من يتبع قوله بفعله، ويأنف من تكرير عطائه بمطله. فإن مرارة المطل تذهب حلاوة الإعطا، وتكرير الطلب يشرب ماء الحيا. والمرجوّ تحقيق رجاء العبد بالإنجاز، وتبليغه ما أمّله وأمّ له إن جاز. فصل في شكوى حال غريب وينهى أن غين الغربة قد أوقعته في هاء الهواء، وكاف الكربة رمته في ألف الأشجان. وأصبح صاد صبره مفقودا، ونون نواله مطرودا. فعسى لحظةٌ منك تخلّصه من غين غوائل الدهر، وتنقذه من قاف القهر. فصل في مخاطبة محدّث سلامٌ يتّصل به سند المحبّة والشوق، ويتسلسل معه حديث الغرام والتوق. وقد صحّت من الضّعف آثاره، وحسنت من طريق المحبّة أخباره. من عنعنت بالسّند العالي أحاديث كماله، من غير إبهام ولا انقطاع ولا إنكار لمسانيد فضله وأفضاله. فصل في مخاطبة منطقيّ سلامٌ تنطبق كلّيّاته وجزؤيّاته على قضايا الأشواق، وتنتهج مقاماته من الأشكال ما يعجز عن وصف خاصّة الرّسم والحدّ من الاشتياق. فصل في مخاطبة نحويّ سلامٌ تبرز ضمائرالشوق من توضيح مسالك معانيه، وتظهر عوامل الغرام من معربات مبانيه. يهديه محبٌّ انتصبت محبته على التمييز، وارتفعت مودّته بماضي عهدكم لأنه يرى أن العهد عزيز. محبٌّ مبتدأ أحواله لايعرب عنه الخبر، وأفعال أشواقه لا يحكيها إلاّ من له خبر. بشير الخليلي أديب بلطف الطبع مذكور، وفضله غير مجحود ولا منكور. له ذهن يكشف الغامض، ويسبق البارق والوامض. ومذهبه ينشره الأدب ويبسطه، وطبعه يمرح به الزَّهر وينشطه. أقرَّ عين الخليل بالعروض، واتخذ نقد القريض في ذمَّته من الفروض. وهو ممن نظمت كلماته نظم اللآل، إلا أنه غرَّته مطامعه في المدائح غرة الآل. يتكثَّر من العدة، ويتقلل من الجدة. فما أخصب له وادٍ ولا نما، فكأنه العروض بحرٌ بلا ما. وأنا لم أقف من شعره إلى على قصيدة لاميَّة، راجع بها الإمام خير الدين الرملي عن قصيدة على وزنها. مطلعها: ما كان مَرْمَى فؤادي حيث هُيِّءَ لِي ... فيه البناءُ بهنْدٍ بعد مُرْتَحَلِي وقصيدته هي قوله: صَوْبٌ من الغيثِ وافَى زائدَ الهَطَلِ ... أحْيَى رُبَي القُدس بعد الجَدْب والمَحَلِ أم شمسُ فضلٍ ترقَّتْ في مطالِعها ... أوْجَ الفَخارِ فحلَّتْ ذِروةَ الحَمَلِ أم بدرُ أُفْقِ المعالي قد تنقَّل في ... برُوجِه وكمالُ البدر في النَّقَلِ لا بل هو الجامعُ العَرْفَ الذي ملكتْ ... أوصافُه الغُرُّ رَحْبَ السهلِ والجبلِ أراد ربُّك في تحْريكِه حِكَماً ... وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ فزيَّن المسجدَ الأقْصى بحِلْيته ... وشَوَّه الرَّملةَ الرَّمْلاء بالعَطَلِ فاهتزَّ من طَرَبٍ هذا لزَوْرته ... وارتجَّ من حَرَبٍ هذا لمُرتَحَلِ فكم على الساحل البَحْرِيّ من حَزَنٍ ... وكم عل المسجد القُدسِيّ من جَذَلِ وكيف لا وهو خيرٌ إن أقام على ... أرضٍ تسامتْ وإن يرحَلْ فلا تَسَلِ تجمَّعتْ فيه أوصافُ الكمال كما ... تجمَّعتْ قِسَمُ التَّفْصيل والجُمَلِ أحْيَي الدُّروسَ وقد أحْفَى الدُّروسُ بها ... وجاد وابِلُها الظمآنَ بالنَّهَلِ معالمٌ لو رأى الرَّازِي حقائقَها ... لَبات بالرّيِّ يشْكو أبْرَحَ الغُلَلِ

стр. 216

يجوُدِ كفٍّ لو الطائُّي شاهدَه ... لقال لا ناقتي فيها ولا جمليِ ومنطقٍ يترُك الألْبابَ حائرةً ... والكاملَ العقْل مثلَ الشاربِ الثَّمِلِ كم أنْشَدتْ لذوِي الفتوى براعتُه ... أصالةُ الرأيِ صانْتني عن الخَطَلِ قَّلدت جيِدَ أهالي القدسِ عِقْدَ ثَنَا ... من دُرِّ ألفاظِك الخالي عن الخَلَلِ قصيدةً مالها مِثْلٌ يُناظرُها ... سارتْ بلاغتُها في الكونِ كاَلَمَثَلِ لو أنْصفُوا لم يكن موجودُهم بَدَلاً ... عنها وهل ليتيمِ الدُّرِّ من بَدَلِ مِن أعْجب الأمرِ تقْريظي لها هذَراً ... ولو سترتُ عَوارِى كَان أصلحَ ليِ فما نِظاميَ لّمَّا أن يُقاسَ بها ... إلا نظيرُ قياسِ الشمسِ مَعْ زُحَلِ لكنْ رأيتُ انْتظاري مع قُصورِ يدِي ... في سِلْكِ مَدْحِكُم عفْواً من الزَّلَلِ فرُمْتُه فأتَى يسعَى على عَجَلٍ ... فاعجَبْ له من بَسيطٍ جاء في رَمَلِ ولَذَّالي وصفُك الزَّاهِي فأذْهلني ... عن البَداءةِ بالتَّشْبيبِ والغَزَلِ أنا البشيرُ وكلُّ اسمٍ لصاحبِه ... منه نصيبٌ بِنُجْحِ القَصْدِ والأملِ فدُمْ فما زلتَ نُوراً يُستضاءُ به ... إلى الهدى وبعَوْنِ الله لم تزَلِ تحْمِى حِمَى مِلَّةِ الإسلامِ أشْرف مَن ... نال الفَخارَ من الأمْلاكِ والرُّسُلِ صلَّى عليه إلهي دائَماً أبداً ... والآلِ والصحبِ أهلِ العلم والعملِ ما أُنْشدت فاسْتمالتْ عقلَ صاحبِها ... ما كَان مَرْمَى فؤادِي حيثُ هِّيءَ لِي أدباء الرملة خير الدين بن أحمد الحنفي بقية السلف، وخير الخلف. ذاته كاسمه، والفضل كله برسمه. وعلمه كلمة إجماع، ومدحه عطر أفواه وحلى أسماع. فهو في الفقه عالم الشرع، ومحرر الأصل والفرع. وعلم الشهرة المنشور، إلى يوم البعث والنشور. وأما في الفرائض فله السهم والنصيب، وإذا اقتسمت فريضة الشكر فله الحظ والتعصيب. إلى علوم غيرها أخذ جلَّ خيرها، وسار فيها سيرةً اقتدى الجهابذة بسيرها فهو من منذ حلَّ في الكون، مدده التوفيق والعون. رمقته عين العناية، فدلت عليه كلمة الفضل بالصريح والكناية. فسمت هممه، وكرمت ذممه، وانتعشت به من الفضل رممه. وشغله علمٌ يفيده، وفخرٌ يشيده. ورياسةٌ يتفيَّأ وارفها، وطهارةٌ يلتحف مطارفها. إلى وقار ترزن به الأرض، ومقدارٍ له النافلة من الحظوة والفرض. فطار صيته في الأقطار، وتغنَّى به راكب الفلك وحادي القطار. وصرفت الأعنَّة إلى التماس خيره، وطارت القلوب بجناح العزيمة تيمُّناً بطيره. وكلن على اعتنائه بعلوم الشريعة، واختصاصه منها بالمرتبة الرفيعة. يعني بالآداب فيصيرها رونقا متسقا، وينظم لآلى نكاتها في أسلاك الإجادة نسقا ويقول الشعر في المرتبة العالية، ولا يختار من الثناء إلا القيم الغالية. وقد أوقفني صاحبنا إبراهيم بن عبد العزيز الجينيني على ديوان نظمه، فجردت منه أشياء حظها الإصابة ونصيبها، وسهم الانتقاد لا يصيبها. فمن مطوَّلاتها قوله في الغزل: أمِن ذِكْر جارٍ بذات السَّلَمْ ... أرقت دموعا جرَت كالعَنَمْ وأم هاجتِ الرِّيحُ من جانبٍ ... به شادنٌ أهْيَفٌ قد ألَمّ أتحسَب أن الهوى مُخْتفٍ ... ودمُعك منه جرى وانْسَجَمْ عجبتُ لخَصْرٍ له ناحِلٍ ... على حَمْل رِدْفَيْه أنَّى الْتأمْ إذا ما رَنا باهْتزازٍ فقد ... ربَا عنده هَيَجانُ الألمْ فلا عجبٌ إن نأَى مُعرِضا ... لأن الظّبا لم تزلْ فيه لمْ وأُدْعَى فصيحاً لدَى عتْرتي ... وأُدْعَى لديْه بِداءِ البَكَمْ ترفَّق بقلبٍ غدا في يديْكَ ... رقيقاً وفَوِّق بتلك الشِّيَمْ وضاهيْتُ خَصْرا له ناحلاً ... ولازَمَني في هواه السَّقَمْ

стр. 217

فذُبْ يا فؤادي بنارِ الجوَى ... فكم ذا نهيْتُك عن ذا فلَمْ أما آن أن يْنقضي ذا القِلَى ... وما آن منك أوَانُ الكرَمْ وكتب إليه بشير الخليلي، يسأله عن بيتين للمتنبي، بقوله: أيا مَن غدا في البَرايا فريدا ... وفي العلم رُكْنا مَنِيعاً مَشِيدا ومَن صار قُسُّ الذَّكا باقِلاً ... لديْه وأضْحى لَبيدٌ بَليِدَا يقول أبو الطيِّب المُجتَبى ... وأعنى الإمامَ المجيدَ المُجِيدَا طلبْنا رِضاه بتَرْك الذي ... رَضِينا له فتركْنا السجودَا ومنها له آخر بعده ... وجدْناه صعبا لدينا عَنِيدَا كأن نَوالَك بعضُ القضاءِ ... فما نُعْطَ منه نَجِدْه جُدودَا فأوضِح لنا وجه معناهما ... بقيتَ على الدهر صَدْرا مُفيدَا ولا زلتَ تُوضِح للمشكلا ... تِ ما نظَم الناظمون القَصِيدَا فأجابه بقوله: رِضاهُ السجودَ لممدوحِه ... وممدوحُه ليس يرضى السجودَا ومعنى السجودِ الخضوعُ كما ... أتى لغةً مستفيضا وُرودَا فمن حُسْن أخلاق ممدوحِه ... خضوعَ الأنام له لن يُريدَا وعِزُّ مَقام له مقتضٍ ... يكون الخضوعُ وجوبا أكيدَا ولكن أرى تركَه للرِّضا ... به لابذاك صوابا سديدَا وبيتُ النوالِ جديرٌ بأن ... تميل إليه فؤادا وفودَا فمعْنى الجُدود الحُظوظ التي ... تسيءُ بُخوتا ويَعني السُّعودَا فما يُعْطَ ليس بحقٍّ له ... ولكن يراه اعتقاداً جُدودَا وإن القضاءَ لكل الورى ... على مقتَضى تلك فضلاً وجُودَا وقبل العطاءِ بلا مُوجبٍ ... هو الفضلُ إن تَبْغِ منه الورُودَا فشابَهَ نفسَ القضا فعلُه ... وهذا بليغٌ فخُذْه مُفِيدَا وله من قصيدة مدح بها مفتى الروم يحيى بن زكريا: أقَرِيحتي لَمن الخطابُ تنهبَّنِي ... وتثبَّتي في القول لا تتبلَّهِي هو للذي الأكابدُ تُضرَب نحوه ... من كل فَجٍّ تْنتهي إذ تْنتِهي وبه استوى صُلْبُ الشريعة قائما ... في كلِّ إقْليم وصُقْع فْهىَ هِي مهلاً رُويداً رائدَ الروم اتَّئِدْ ... وبِه بِه لك إذْ تراهُ بِه بِه واحملْ ثَنائي إنَّ وَهْني عاقنِي ... عن أن أكون أبا المَضا بتوجُّهِي مع أنني مع ذاك لا أدعُ الذي ... يُرْضِى الإلهَ وفيه عينُ تفكُّهِي فحديثُه المَرْوِىُّ فيه وإن نأَى ... ما أكْتفِي ما أشْتفِي ما أشتهِي قوله: فهي هي، أي عين الشريعة. وهذا الأسلوب، إما يختلف فيه الضمير فيرجع الثاني إلى المذكور سابقا كما هنا، وإما أن يعاد بعينه. قال الشريشي: الأسباط إخوة يوسف ﵇، وهم وهم. أي، وهم أنبياء لم يتغيروا عن مراتبهم. ويقال: هو هو أي كما عهدته لم يتغير، انتهى. وقوله: فحديثه إلخ، في هذا البيت أسلوب لطيف، وهو أن تذكر لفظاً بعده ألفاظ يتعلق كل منها به، مع اختلاف المعنى، فالتقدير فيه: ما أكتفى فيه، ما أشتفى فيه، ما أشتهى فيه، وهو من البدائع. والأصل فيه قول الصاحب ابن مطروح: لا أرْعَوِى لا أنْثني لا أنتهِي ... عن حبِّه فْليَهْذِ فيه من هَذَى ومن مقتطعاته قوله في تشبيه الزنبق الذي يوجد في ساحل البحر الشامي، ونواره أبيض، قطعة واحدة ليس متفرقا: وزَنْبَقةٍ قد أشبهتْ كأسَ فضةٍ ... برأسِ قضِيب من زُمُرُّدةٍ عَجَبْ سُداسِيُّ شكلٍ كلُّ زاويةٍ به ... على رأسِها الأعلى هلالٌ من الذهبْ وقوله متغزلاً في الخال: بالخدِّ منه شَقِيقٌ جلَّ واضِعُهُ ... أعْيَى الورى فيه شاماتٌ بحُمْرتِهِ

стр. 218

أقولُ هذا ولا عِيٌّ ولا عجَبٌ ... قلبُ الشَّقِيق الذي في وسْط وَجْنِتِه هذا معنى استعمله الشعراء كثيرا، ومن أجوده قول الحاجري: لا تُنكروا الخالَ الذي في خدِّه ... كلُّ الشَّقِيق بُنقطةٍ سوداءِ وقوله في العذار: عندما جَدَّ بالحبيبِ عِذارٌ ... أظهرتْ لَاُمه لفَتْكِ البَرِيَّهْ قالتِ الناسُ عند ذلك فيه ... قمرٌ تلك لاَمُه القمَريَّهْ وله: مُهَفْهفُ القَدِّ مذ كَوانِي ... بحُمْرةِ الخدِّ منه في الحَيّ فقلتُ بي أنت دَاوِنِي قا ... ل آخرُ الطبِّ عندنا الْكَىّ وقوله: مَن شارَك الإنسانَ في اْسِمهِ ... فحقُّه قطعاً عليه وَجَبْ لذاك مَن سُمِّىَ مِن خلقِه ... محمداً فاز بهذا السَّبَبْ ولقد أجاد الأبوصيرىّ، حيث قال: فإنَّ لي ذمَّةً منه بتسْميتي ... محمَّداً وهْو أوْفَى الخلقِ بالذِّمَةِ وسمع قول القائل: مُحِبُّك يرعَى هواك فهلْ ... تعود لَيالٍ بضدِّ الأمَلْ فمنْقُوطها قد بدا نَحْسُه ... ومُهمَلُها فهو سعدٌ حصَلْ فقال منشئاً: من الشهرِ حاذِرْ ثالثا ثم خامساً ... وثالثَ عَشْرٍ ثم سادسَ عَشْرِهِ كذا واحدٌ من بعد عشرين رابعٌ ... يليها وتالِيه تنَلْ مَحْضَ يُسْرِهِ وكتب إلى آل العماد بدمشق، في صدر رسالة: أيا مَن عَجَّ من لَغَبٍ ... فلم تظهرْ له نِيَّهْ نصَحْتُك فاعتمِدْ أبداً ... مُراجعةَ العِماديَّهْ فراجعوه بقولهم: أمولايَ خيرَ الدين يا شيخَ عصرِنا ... ومَن فيه لا زلتَ الزمانَ اعتمادُنَا فأنت عمادُ الدين بالحقِّ قائماً ... فشَاد إلهي مِن دُعاكَ عِمادَنَا فكتب إليهم: يا ربّ خيرُ الدين يدعو ضارعَا ... مُتذلَّلاً لك خاضعاً مُتواضعَا بِصفَا فؤادٍ للعِمادِ وآلِه ... فهمُ الكرام سوابقاً وتوابِعاَ فكتبوا إليه: سألت إلهي خاضعاً متواضعَا ... ولا شكَّ مَن يجدعوه يلْقاه سامعَا بقاءَك خيرَ الدين للناسِ عُمدةً ... ومكثَك يا مولايَ في الأرض نافعاً وفيهم يقول أيضاً: يا مَنْ هُم أعمِدةٌ ... كلُّ عمادٍ وحدَهُ إن نزلتْ نائبةٌ ... بنا قصَدْنا قَصْدَهُ والجينينىّ المذكور، هو ببركاته اعتد، وبأسباب فوائده اشتد. فتقلَّد به من الأدب ما تقلد، وبقي له ما دام ذكره وتخلد. وهو الآن غرة الزمن البهيم، تكلف الألباب بخصاله الحميدة وتهيم. كما قلت فيه: لابن عبد العزيز إبراهيمَا ... خُصَلٌ كم بهِنَّ أبْرَاهِيمَا أدبٌ يُخجِل الرياضَ ولفظٌ ... هِمْتُ فيه وحُقَّ لي أن أهِيمَا وكمالٌ يهْفو له كل فهمٍ ... طبْع منه يطلب التَّفهيمَا رأيُه الصبحُ والصباحُ إذا لا ... ح جَلا بالضِّياءِ ليلاً بَهِيمَا نجم الدين بن خير الدين هو من حين نجم، تهلَّل عارضة وانسجم ولم يرض بالأرض دارا، فاتَّخذ ما فوق فلك الأفلاك مدارا. حتى النجومُ عدَت تقول تعجُّباً ... جاوزْتنا شرفاً فأين تُريدُ فأجابهنَّ أُمِرتُ أن أرْقى العُلى ... ما دام لي في الارتقاء مَزِيدُ حتى تَرَينْي والسماءُ قواعدِي ... والشمسُ أرضٌ لي وأنتِ صَعِيدُ أطلعه الله الطلوع المطهر، وألبسه أثواب النباهة العلم المشهر. فقام على ميعة شبابه مقام أبيه في حوزته، وراز الأمر بتوفيق الله مثل روزته. وبنى مثل ما بنى، ومالوى يداً عن مكرمةٍ ولا ثنى. تلافى أبوه العُلَى بالعُلى ... فبثَّ نَداه ووالَى جَداهْ فلمَّا مضى وقضى نَحْبَه ... تلافى تَلافِى المَعالي أبَاهْ وكان بيني وبينه مودة على الغيب، مأمونة بعون الله من الشائبة والريب. وكنت لا أفكر في مستحسن سواه إلا أعرضت دونه، ولا أرجو لقاء غائبٍ إلا رجوت أن يكونه.

стр. 219

فلما مررت على الرملة عند رحلتي إلى القاهرة، كان أول طالعٍ علىّ من آفاقها الزاهرة. ففاتحته بهذين البيتين: لقد كنتَ في قلبي ولم يحصلِ الِّلقا ... وأنت به أحْلَى من المَبْسمِ العَذْبِ فقرَّتْ بحمدِ الله عيني بنظْرةٍ ... فلم أرَ أحْلَى منك في العينِ والقلبِ وكان في صحبته أمين الدين القدسي وأبو الهدى الرملي، وهما ماهما، جاد صوب فضلهما وهمى. وبينه وبينهما مصافاة تقتضي حقا يوفى، وفرضاً يؤدى، ووصفاً يصفى. فقلت أخاطب أمين الدين: يا أميناً ذاتُه دُرٌّ ثمينُ ... أنت للعلْياء عينٌ ويمينُ إن وُدّاً صادثاً أوْدَعْتنِي ... أنا عنه عُمْرَ دهري لا أَمِينُ حاضراً أحْبُوك أصْناف الثَّنا ... وعلى غَيْبك أني لا أمِين وقلت في أبي الهدى: هَداني النجمُ إلى مِدْحَةِ مَن ... تلفَّع المجدَ وبالفضلِ ارْتدَى وكيف لا يُهْدَى إلى الرشادِ مَن ... دليلُه النجمُ إلى أبي الهُدَى وهو الآن في تلك الخطة رئيس الحقل، وإمام الفرض فيها والنفل. زند مجده قادح، وما فيه طاعنٍ ولا قادح. فالله يجعل نتائج حياته، تابعةً لأحسن مقدماته. وكان صدر بيني وبينه محاورات، بأرق معان وألطف عبارات. تلاحظ بها أقمارُ المنى فتشرق، وتنظر إلى أكناف الحمى فتراها بصيبها تورق. فمما كتبته إليه هذه النونية: رُدُّوا المسرَّة والكرى لجُفوني ... وهو القرارُ لقلبيَ المحزونِ لم أدْرِ قبل هواكمُ أن النوَى ... يُبْدِي من الأشْجان كلَّ دَفِينِ أو أن سلطانَ المحبِة يقتضِي ... أن الأسودَ تبيتُ أسْرَى العينِ أما النفوسُ فلم يدَعْ منها الجوَى ... إلَّا بَقايا زَفْرةٍ وأنينِ لما رآني الطيْفُ رَقَّ ترحُّما ... وبكى على بلُؤلُؤٍ مَكْنوِنِ وسرى وأيْقَن أنه لو زارني ... أُخرى لأخطأني فلا يعْدُونِي آهٍ وهل يشْفِى العليل تأوُّهٌ ... شوقاً لعهدٍ بالوفاء قَمِينِ أيَّامَ يحْدُني الصِّبا ويسُوقني ... قسراً إلى الَّلذاتِ غير غَبِينِ لا أخْتشِى مَسَّ الحوادث آمِنا ... وأخو النُّهى مَن بات غيرَ أمينِ والآن أبْكي إن أُصِبتُ بنعمةٍ ... قبل الزَّوالِ لفطْنتي ويقينِي ولقد سبَرْتُ بني الزمان فلم أجدْ ... خِلّاً إذا أرْضيْتُه يُرضيني فتركْت مَن كنت الضَّنينَ عليه مِن ... فَرْط الهوى وأراه غيرَ ضَنِينِ وغدَوْتُ فيهم كالحُسام مُجرَّداً ... من غِمْدِه فرداً بغَيْر مُعِينِ نَاءٍ عن اللذاتِ إن بَخِل الحَيَا ... أغنيتها عنه بغيْثِ جُفونِي لا أرْتضي شمس النهارِ قرينةً ... وأعاف ظِّلى أن يكون قَرينِي أسْتصغرُ العظماءَ حيث وجدتُهمْ ... وأرى مقاتل والثُّريَّا دُونِي ليس احْتقاري للأنام تهاوُنا ... بهمُ ولا خطر الورى بظنُونِي لكن أعُدُّ من البهائِم مَن خَلَا ... عن فضلِ فردِ العصر نجمِ الدِّينِ مَولى سواه هلالُ شَكٍّ في العلى ... وجَنابُه المحروس شمسُ يقينِ قد كوَّن الرحمنُ جوهرَ ذاتِه ... لُيرِى العبادَ عجائب التَّكْوينِ وأظنُّه من فَرْط طاعتِه أتى ... للكونِ بعد الكاف قبل النونِ بحرٌ بِحارُ الأرض تغرَق في نَدَى ... كَفَّيْه لستَ تُحيطُه بسَفِينِ لا يبلُغ المِكْثارُ عُشْرَ صِفاتِه ... لو حُفَّ بالتأييد من جِبْرِينِ هو نجْل خير الدين شيخ العصر من ... غنِيتْ مآثرُه عن التَّدْوينِ فسقَى ضريحاً ضَمَّه صَوبُ الحيَا ... يهْمِى عليه من الرِّضا بهَتُونِ

стр. 220

أمعلِّمَ الشعراءِ وصفَ ذوى العُلى ... فتراه يهْدِيهم إلى المَضْمونِ أنا مَن عرفتَ وِدادَه وجهلْتَه ... ولوسف تغنَم منه خيرَ خَدِينِ فبقيتَ في حفظِ الإله ممتَّعا ... بالعِزِّ والإسْعاف والتَّمكِينِ فُعلاكَ فخرٌ للزمان وأهلِه ... وبَقاك أكبرُ نعمةٍ للدِّينِ ولذاك لم أنْطِق بمدْحِك داعياً ... إلا أجاب الناسُ بالتَّأْمينِ فكتب إلىّ جوابها رسالةً، وشحها من نفائس أنفاسه نثراً وشعراً، ولم يهد النجم في مطالع البدائع إلا النثرة والشعرى: أهلاً بطيْفٍ من حبيبٍ زارَا ... أهدى حياةً شافهتْ أوْطارَا أفدِيه من طيفٍ ألَمَّ بمضجِعي ... فأثار في أحشاءِ قلبيَ نارَا شوقا إلى خِلٍّ تذكُّرُ عهدِه ... لم يُبْقِ في قلبي الخَفُوقِ قَرارَا أصْبُوا إليه إذا تألَّق بارِقٌ ... وأحِنُّ إن رَكْبٌ إليه سارَا وإذا ترنَّم صادحٌ في أيْكِةً ... من نحْوِه اختطف الفؤادَ وطارَا إن أبهى ما أفصح به اليراع بيد أنه رضيع ثدي المحابر، وأسمى ما خطب به القلم وهو على منابر الدفاتر. سلامٌ أحلى من رحيق الأفواه لدي الصباح، وهيامٌ أجلى عن عقيق الشفاه من الصباح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح، وأنشق من عبير شقيقها وقد فاح، وأنسق من المزن في فم الأقاح. وبث أشواق يقف لسان القلم عن إحصائها، وتجف أفواه المحابر عن إرادة استقصائها. إلى من أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق أهل الحل والعقد على تفرده بالفخر. وظهرت معاليه ظهور الشمس في الإشراق، وعمت أضواء إفادته عموم ضياء البدر في الآفاق. وهيهات تخفى في الظلام مشاعل، أو تستر على الأيام هذه الفضائل. وقد هَّبت الشَّمال بنشرها، وسارت الركبان بذكرها. لا برحت أنوارها مشرقةً على الأنام، وآثارها جلاءً لقلوب الإخوان من غصص الأيام. وقد وردت القصيدة التي هي شرف الزمان، وفخر البراعة والبيان. فلا زالت أيادي مولانا مشكورةً مقبولة، ومَبرَّاته وصلاته واصلةً موصولة. ولا برحت الأسماع تتحلَّى بدره الثمين، آمين آمين، وبالنبيَّ الأمين. فكتب إليه بهذه القصيدة، وهي: أما المَشُوق فلا يُطيق قَرارَا ... وأراه يْقضِى عمرَه تَذْكارَا يُصْيِبِه مُعترِض البُروقِ إذا هفَا ... فيُحِسُّ منها في الحُشاشةِ نارَا وَجْدٌ لقد قصُرتْ مُناه على الظِّبَا ... أتَرُوم منه على الهوى إقْصارَا وأبِيك ما اخْترتُ السُّلُوَّ ولو جَفَا ... مَن كنت أهواه وشَطَّ مَزارَا بأبِي من النَّفَر القواتَلِ جُؤْذُرٌ ... تركَ الأسودَ بناظريْه أَسارَى رَقَم الجمالُ على صحيفِة خدِّه ... سطراً فظنَّتْه الوُشاة عِذارَا يرْنُو بأكحلَ مُرْسِل من لَحْظِه ... لِمَنَّية المُضنَى شَباً بَتَّارَا يا مُهلِك العشاقِ مهلاً في شَجٍ ... تَخِذَ التَّهتُّك في هواك شِعارَا لولاك لم يَهْوَ الحسانَ ولم يكنْ ... ممَّن يَذلُّ لغيرِك اسْتكبارَا لم أنْسَ عهدك والزمانُ بحالِه ... والعيشُ يمنْحُه المُنَى ما اخْتارَا أيامَ نأخذُها كُمَيْتاً سَلْسَلاً ... لا مُرَّةً كلاّ ولا مُصْطارَا في روضةٍ فُرِشتُ بِساطاً أطْلَعتْ ... نُوَّاره عَوْضَ النِّثارِ نِثارَا غَنَّاء نَمْنَمَها الربيعُ فأظهرتْ ... حِكَماً لنا قد أبدعتْ أسرارَا طابتْ فكادتْ أن تُشابِه خُلْق مَن ... ساد الأنام فضائلاً وفَخارَا مولايَ نجمُ الدين أفضلُ ماجدٍ ... قد طاب فَرْعاً حيث طاب نِجارَا شَهْمٌ إذا بَخِل الغمامُ أفاض مِن ... كفَّيْه بحرا بالعَطا زَخَّارَا لو صادفتْ صُمَّ الصخورِ رَذاذةٌ ... منه لأنْبَتها الربيع بَهارَا

стр. 221

طَلْقُ المُحيَّا لو يلُوح شُعاعُه ... في وَجْه حظِّي لحظةً لأنارَا أهْدَى إلىَّ رسالةً في ضِمْنها ... أهْدَى إلىَّ العمرَ والأوَطارَا من كلِّ لفظٍ شائقٍ يبدو به ... معنًى يُدير على العقول عُقارَا لا زلتَ تُوليني وِدادَك مُنْعِما ... وبقيتَ تعلُو في الورى مقدارَا وإليك روض قد تفتَّح زهرُه ... فصدحتُ في عالي ذُراه هَزارَا من كل قافيةٍ غدَتْ من حسنِها ... نَجْما كذاتِك في العلى سَيَّارَا كالرَّاح تلعب بالعقول وإن تَشا ... كالسحرِ في حَدَقِ الحسان تَوَارَى واُعْذُر إذا أخَّرتُ فيك مدائحي ... فلأنتَ ممَّن يقْبل الأعذارَا لولاك ما نَظَّمتُ عِقداً دُرُّه ... ينْحلُّ فيه عَسْجَداً ونُضارَا فالسُّقمُ قد أفْنى رُواءَ قريحتي ... بَغْياً كأن له عليها ثَارَا أنا مَن عرفتَ مَحَلَّه من وُدِّه ... وسيْغتدى لثَرَى نِعالِك جاَرَا واسلمْ لنا ولسُؤْدَدٍ أصبحتَ في ... سامِي حِماه تُزيِّن الأقْطارَا وكتب إلى من تواليد طبعه المطبوع، قوله: أحِبَّايَ إن شَطَّ الحبيبُ عن الحِبِّ ... وفارقَه يحْتاج طِبّاً على طِبِّ فإن غابَ عن عيْني خيالُ أحبَّتِي ... فحبُّهمُ اسْتولَى على حَبَّةِ القلبِ وما عندكم من شِدَّة الشوقِ فهْو في ... فؤاديَ فاسألْ إن شككْتَ عن الركبِ أتاح إلهي قُربَكم ولِقاكمُ ... ليْلتئِمَ الشَّمْلُ المشتَّت بالقُرْبِ فذاك اخْتياري ثم قصْدي وبُغْيتي ... ألا إنَّما الدنيا اجتماعُك بالحِبِّ فلا خيرَ في عيشٍ بغير أفاضلٍ ... ولا خيرَ فيمن مالَه صاحبٌ يُنْبِى فعنديَ طِيبُ العيش صُحبةُ عالِمٍ ... بصحْبتِه يَنْزاح عن خاطري كربِى فيا أخلصَ الإخوانِ قد جاء منكمُ ... رشاقةُ قولٍ رائقٍ رَيِّقٍ يَسْبِى لقد كنتُ في ضِيقٍ وهمٍّ وكرْبةٍ ... فلما أتى المكتوبُ طار به لُبِّى ففَاح لنا من نَشْرِه طِيبُ عَنْبَرٍ ... به انْتعشتْ رُوحي وجسمِي مع القلبِ أدباء صفد وصيدا أحمد الخالدي الصفدي هو من الفضل في ثنية، لا تتعداها إلى غيرها أمنية. معشوق الشيم، فائض فيض الديم. وآباؤه لهم ذكر بالجميل خالد، ومجدٌ تناولوه ولداً عن والد. وهو قد جمع ما فيهم من المناقب، وأربى في توقد ذكائه على النجوم الثواقب. وله تآليف فائقة، وأشعارٌ رائقة. فمما أستحسن من شعره، قوله في تخميس الهمزية: كنتَ نُوراً وكان ثَمّ عَماءُ ... ونبِيّاً وليس طينٌ وماءُ فإذا كان من عُلاك العَلاءُ ... كيف تَرْقَى رُقِيَّك الأنبياءُ يا سماءً ما طاولتْها سماءُ وله من قصيدة طويلة، مطلعها: مَن لي بهَيْفاءَ لا أسْطِيعُ سُلوانَا ... عنها وفي دمعِ عيني عَيْن سُلْوانَا أجَلْ ومن حبِّها قد هْمِتُ ذا قَلَقٍ ... فسَلْ حنيناً وسلْ بدراً وسل آنَا وقد حوتْ رقَّةً منها شهدتُ فلم ... أقدرْ على النفسِ لولا لطُفها جانَا مذا أقبلتْ ناهزتْني في مُداعبةٍ ... فصرتُ منها عليلَ القلب حَيْرانَا حسن الدّرزيّ العيلبونيّ القول في عقيدته مُتشعِّب، والأمر في تبْرئته وعدمِها متصَعِّب. وأنا لا أشكُّ في إيمانه، وأعتقد فيه ما يعتقده أهل زمانه. وأقول إذا وصفت شانه: إن إطلاق الدّرزيّ عليه مما شانه. كيف وتوبة هذا الحزب ردّها الشرع، والحاكم بقبولها مخالف لأمر الله في الأصل والفرع. وقد جمعني وإيّاه القضاء والقدر، في أوقات كنت لاأعرف فيها الغمّ والكدر. فرأيت رجلا ذا لسان فصيح، جارياً من هواه في ميدان لهوٍ فسيح. لايصدّ إذا صمّم، ولا يردّ عما يمّم. وهو يغالي في شعره، ويتشكّى كساد سعره.

стр. 222

ويزعم قوم أنه يتنسّك في ملئه فتكا، ويتهتّك في وحدته هتكا. ويحبط في الأعمال ويتبر، وهو يهلّل ويكبّر. ويحسّن ويقبّح، وهو يستغفر ويسبّح. وكنت عزمت على أن لاأطري له ذكرا، وأخلص من أن آتي شيئاً نكراً. ثم عنّ لي الإتيان به، لمكان فضله وأدبه. ولم أقصد بذكر هذه العيوب، التي يعلم حقيقتها علاّم الغيوب. بغض شخصٍ فات، واقتفته يد الآفات. وحاشا الله أن أكون ممّن يصدر ذلك من فيه، ولكن عملاً بما سمعته من الناس فيه. والله يحبوه منه لطفاً خفيًّا، وينيله عفوًا يكون به حفيًّا. فمن شعره، وهو معنى لطيف: حكى دخاناً سَما من فوق وَجْنَةِ من ... قد مَصَّ غلْيونَه إذ هزَّه الطربُ غيمٌ على بدرِ تِمٍّ قد تقطَّع من ... أيْدي النسيمِ فولَّى وهْو ينسحبُ فقلتُ والنارُ في قلبي لها لهبٌ ... لقد حكيْتَ ولكن فاتَك الشَّنَبُ والبيت الثاني، منه قولي: ما كان إعطاؤُه الغلْيونَ عن مَلَلٍ ... منَّا وحاشا بهذا قَطُّ ماعُرِفَا لكن أراد يُرِينا من بدائِعه ... بدرًا تقطَّع عنه الغيمُ فانْكشفَا وكتب إلى عليّ بن بجع البعليّ، وكان أعاره مجموعا، فردّه عليه: أرسلتَ مَجْموعي وقد أمْسكتَ ما ... هو قلبيَ الموْدُوع بين ضلوعِي فبكيتُ من شَوْقِي إليه مَدامعاً ... حمرا وليْست غير صِرْفِ نَجِيعِي فجرتْ على هذي البطاقةِ أحْرُفاً ... مجموعُها يُومِي بِسلْب جميعِي تذكرت بالبيت الأول، ما يروى أن بعض الأدباء استعار من آخر مجموعا، ومطله به، ثم اجتمعا في مجلس بعد تراخ، فقال المستعير: إنّي متشوّق إليك، وقلبي عندك. فقال الآخر: وأنا متشوّق إليك، ومجموعي عندك. محمد بن محي الدين المعروف بالحادي الصّيداويّ هو مع قلة أنداده، واحدٌ في تهيئة مواد القبول وإعداده. فاختلف إليه السعى رائحاً وغاديا، وأطرب بذكره الثناء شاديا وحاديا. إلا أنه ترامى في بحبوحة التصلّف، وتكلّف والعلى لاتنال بالتكلّف. ففوّقت إليه سهامها لواحظ الظنون، وقدماً قيل أرض صيدا تنبت العيون. وهو صاحب فكر حديد، وأدبٍ وافر مديد. فاضلٌ ملء إهابه، عارفٌ بإيجاز الأدب وإسهابه. وله كتاب ألحان الحادي، في المراجع والمبادي. استحسنت من شعره فيه قطعة، رأيتها في مفازة وحدها منقطعة. وهي قولي من قصيدة: إذا أنكرتْ دعوَى المحبِّ شهودُهُ ... فحسبِيَ أنِّي في الغرامِ شهيدُهُ فلله شَوْقٌ لا يقَرُّ قَرارهُ ... من البُعدِ حتى مالَه من يعودُه وقد مَلَّه عُوّادُه وهُو مُدنَفٌ ... حليفُ جَوًى صَبُّ الفؤادِ عَمِيدُهُ رعى اللهُ أياماً تقضَّت بقُربهمْ ... ومَن لي بذاك القُرب مَن ذا يُعِيدُهُ أيا عاذِلي عمَّن نَعيمِيَ وَعْدُهُ ... ونارُ جحيمي بُعدُه ووعيدُهُ ولم يتعطَّف بالوِصال لمُغْرمٍ ... وقد طال منه هَجرُه وصُدودُهُ فهذا مَلامِي مَسْمَعِي لايريدُه ... وهذا غرامي لاأزال أرُودُهُ وإن كادَني دهرِي بجَوْر زَمانِه ... تخلَّصْتُ منه بالذي عَمّ جُودُهُ قولي: وقدماً قيل: أرض صيدا تنبت العيون، إشارة إلى قول ابن الساعاتي، وقد هرب غلام، فأمر أن يمرّ في نرجس صيدا: للهِ صَيْداءُ مِن بلادٍ ... لم تُبْقِ عندي هَمًّا دَفِينَا نَرْجِسُها حِليةُ الفَيافِي ... قد طبَّق السهلَ والحُزونَا وكيف ينْجُو بها هَزِيمٌ ... وأرضُها تُنبتُ العيونَا ومما يهزني إلى الطرب فصلٌ لابن شاهين، في وصف صيدا، قال فيه: وأما صيدا، فإنها بين البلاد أسد البيدا. وما أدري كيف يذمها بعض الناس، وأهلها يعوّذونها من شرّ الوسواس الخنّاس. ولعمري إنها بلدة لولا حرارة مائها وهوائها، وبرودة أوضاعها وأبنائها. لكانت جنّة المأوى، في الدنيا والآخرى. اللهم إنا نسألك الإنصاف، ونعوذ بك من التعصّب والاعتساف.

стр. 223

وكيف يشتم الإنسان بلدةً إذا جلب إليها الماء يكتسب حرارة، وإذا استجلب إليها العذب السائغ ينقلب إلى عفوصة ومرارة. وهي كما قال أبو الحسن الباخرزيّ، في مدح محاسن الرّيّ، ولطف هوائها ومائها: صادفتُ فيها كلَّ شَيْءٍ جائزاً ... أقْصى حدودِ البردِ غيرَ الماءِ وكيف لا يمدح الماء الحار، وهو الذي يجلب المسارّ، ويدفع المضارّ. وينفع في الحمّام، للاغتسال والاستحمام، ويحلّل الأورام، وإن شئت فقل يجلب البرسام، والسلام. شعراء جبل عاملة حسين بن عبد الصمد الحارثيّ هو في الإشراق مستمدّ الشمس، وله مزيّة اليوم على الأمس. نبيه المقدار والمكانة، متحلٍّ بالتصلّف والاستكانة. ركض في ميدان الطلب مطايا الأشواق، وضرب آباطها بعصا المشارب والأذواق. حاديه أمله، ودليله عمله، والراحلة عمله. وهو في الإسآد والإعناق، مهدي تحف القبول لجواهر الأعناق. حطّ رحله ببلاد فارس، فطابت بها منه مجانٍ ومغارس. ووجد مشربا عذبا من الشّاه فورد، وقصّرت النّظراء عن مداه فانفرد. بطبعٍ ألطف من نسيم السّحر، يمسح عن عيون الأكمام ويعانق قدود الشّجر وأدبٍ يجري في ميدانه طلق العنان، ويمضي في معركته ماضي الظّبة والسّنان. ولم يزل يتردّد من بلدةٍ إلى أخرى، وتتعاقب عليه مراتب لم تجد أحقّ منه ولا أحرى. حتى اخترمه الأجل، ومضى لما عند الله . وقد أثبتّ من نظمه ما يزري ائتلافه بلؤلؤ العقود، ومن نثره مايزين نقده النقود. فمن ذلك قوله: فاح نَشْرُ الصَّبا وصاح الديكْ ... وانْثنى البانُ يشتكي التحريكْ قُم بنا نجْتلى مُشَعْشَعةً ... تاه من وجْدِه بها النَّسِّيكْ لو رآها المجوسُ عاكفةً ... وَحَّدُوها وجانبوا التَّشْريكْ إن تَسِرْ نحونا تُسَرَّ وإن ... مِتَّ في السيْر دوننا نُحْييكَ وهو أول من اخترع هذا الوزن والقافية، واقتفى أثره ابنه البهاء، في قوله: يا نَدِيمِي بمُهجتي أفْديكْ ... قُمْ وهاتِ الكؤُوسَ من هاتِيكْ ثم تداول الأدباء هذا الوزن والقافية، ولولا خوف الملل لذكرت من ذلك الجملة الكافية. ومن شعره قوله: ما شمَمْتُ الوردَ إلا ... زادني شوقاً إليكَ وإذا ما مال غصنٌ ... خِلتُه يحنُو عليكَ لستَ تدري مالذي قد ... حلَّ بي من مُقْلَتيْكَ إن يكنْ جسمي تناءَى ... فالحشَا باقٍ لديْكَ كلُّ حسنٍ في البرايا ... هو منسوبٌ إليكَ رُشِق القلبُ بسهمٍ ... قوسُه من حاجبيْكَ إن ذاتي وذَواتي ... يامُنائي في يديكَ آهِ لو أُسْقَى لأُشفَى ... خمرةً من شفتيْكَ ورأى قول الوزير أبي الفضل الدّارِمِيّ: أنْبت ورداً ناضِراً ناظرِي ... في وجْنتِه كالقمرِ الطالعِ فلِمْ منعتُمْ شَفتي لَثْمهُ ... والحقُّ أن الزرعَ للزَّراعِ فكتب: لأنَّ أهلَ الحبِّ في حَيِّنا ... عبيدُنا في شرعنا الواسعِ والعبدُ لا مِلْكَ له عندنا ... فزرعُه للسيد المانعِ وقد أجاب عنه بعض المغاربة بقوله: سلَّمتُ أن الحكمَ ما قلتمُ ... وهو الذي نُصَّ عن الشارعِ فكيف تبْغي شَفَةٌ قَطْفَه ... وغيرُها المدعوُّ بالزارعِ ورده الحافظ أبو عبد الله التنيسي التلمساني: في ذا الذي قد قلتُمُ مَبْحَثٌ ... إذْ فيه إبهامٌ على السَّامعِ سلمتُمُ الحكمَ له مطلقاً ... وغيرُ ذا نُصَّ عن الشارعِ يعني أنه يلزم على قول المحب أن يباح له النظر مطلقاً، والشرع خلافه. وأجاب بعض أئمتنا الحنفية بقوله: لأن أهل الحب في حكمنا البيتين اللذين أجاب بهما المترجم. وهو جواب حسن. ولبعض المعاربة، مخاطبا أبا الفضل المذكور: قل لأبي الفضل الوزير الذي ... باهَى به مَغربنا الشرقُ غرسْتَ ظلماً وأردت الجَنَى ... وما لعِرْقٍ ظالمٍ حَقُّ

стр. 224

قلت قوله: " وما لعرق ظالم حق "، هذا بعض حديث رواه الترمذي، وحسَّنه، في باب إحياء الموات: " من أحيى أرضاً ميتةً فهي له، وليس لعرق ظالمٍ حقٌ ". روى بالإضافة والتنوين. والعرق: البناء، والأشجار، والبئر، والنهر. انتهى. وكتب إلى ولده البهاء، هذا اللغز، وهو أغرب الألغاز وأصعبها: أيها الولد المؤيد بالإعزاز، الموفق في حل المعميات والألغاز. أخبرني عن اسم آخر أوله آخر الحروف، وآخر ثانيه بهذا الاسم معروف. قلباً آخريه يتوافقان، وقلباً أوليه متعانقان. لولا ثالثه لصار الاسم حرفا، ولولا ثانيه لصار الفعل ظرفاً. ولولا رأسه لصارت الرجل من النَّجاسات، ولولا رابعه لما يتحقق رابع القياسات. بعضه قاتل، وبعضه الآخر نصف قاتل. طرفا أوله فعل أمر بحرفين، وطرفا ثانيه ما نهيت عن قوله للأبوين. وإن نقص ربعه من ربعه بقي ربعه، وإن زيد ربعه على ربعه حصل ربعه. صدره علامة قلب العاشق، وثانيه علامة الرقيب المنافق. ولولا ربعه لم تتميز القبلية عن القابلية، ولم تفترق المعاني عن علة الفاعلية. بعضه يمين، والبعض في اليسار كمين. وبطرف آخره يبدئ المقام، وبطرفه الآخر ينتهي الكلام. فأجابه: يا سيدي وأبي وأستاذي، ومن إليه في العلوم استنادي. هذا اسم رباعي الأعضا، ثلاثي الأجزا. اثنا عشري الأصول، عديم الحرف المفصول. من الأسماء معدود، وإلى الأفعال مردود. لولا ثلث أوله لصار السخيف بالكرم موصوفا، ولكان كل فقير بسواد الوجه معروفا. ولولا رابعه لاتحدت الماهية بالوجود، ولم يتميز الحاسد عن المحسود. ولو عدم ثانيه لم يكن جمع الثمر ثمارا، ولصارت قرية بالري حمارا. ولو عدم ربعه لم يكن القلب في الجسد، وتبدَّلت السكينة بالغل والحسد. ولصارت الهرة بعض الأزهار، ولم تتميز الحنطة عن بعض الثمار. أوله بالعراق وآخره بالشام، وبثلثا ربعه يتم الإيمان والإسلام. وبثلث ثالثه يبتدئ السؤال، وبثاني ثانيه ينتهي القيل والقال. وقد شرح السيد محمد المعروف بكبريت ألفاظ السؤال والجواب، وتكفل بهما فأصاب شاكلة الصواب. قال في شرح ألفاظ السؤال: هي في اسم قاسم. قوله: آخر أوله، أول الاسم قاف، وآخره بالنظر إلى بسطه مسمى الفاء، وهو آخر حروف الحلق، كما ترى، وآخر ثانيه وهو الألف كذلك الفاء، وهو موصوف بهذا الوصف، أنه هو هو. قوله: قلبا آخريه، وهما السين والميم، يتوافقان لأن حقيقتهما الياء، وقلبا أوليه وهما الألف واللام من قاف، ولا حرفان متعانقان، لولا ثالثه " وهي مسمى السين لصار الاسم حرف عطف وهي أم، أي بعد حذف السين من الاسم. ولولا ثانيه، وهو الألف لصارت الرجل القدم من النجاسات. ولولا ربعه وهو الميم، لم يتحقق القياس التمثيلي، وهو رابع القياسات. بعضه قاتل، وهو سمّ، وبعضه، وهو: قا نصف قاتل. طرفا أوله، وهما القاف والفاء أمر بحرفين، وطرفا ثانيه الذي هو ألف أف. قوله: وإن نقص ربعه، الذي هو السين من ربعه، الذي هو القاف، بقي ربعه، وهو الميم، لأن الباقي بعد طرح ستين من مائة وأربعون. وإن زيد ربعه عكس القضية. قوله: " صدره علامة قول العاشق "، أي ثاني حروفه، وهو الألف، والمراد منه جوهر لفظه، وهو فعلٌ من الألفة، ولم يزل قلب العاشق يألف قلب المعشوق، وكذا الرقيب المنافق. قوله: لولا ربعه، الذي هو الألف، لم تتميز القبلية من القابلية "، لأن به الفرق في هذين اللفظين، ومثله الفعلية والمفعولية. قوله: بعضه يمين، يعني الميم، لأنه يقال: م الله، في أيمن الله، أو المراد: ما عدا القاف، وهو اسم، وبعضه، وهو السين في لفظ اليسار كامن. قوله: وبطرف آخره، الأول أو الآخر يبتدئ المقام، بل ويختم، وبطرف آخره كذلك ينتهي الكلام، لأن الميم نهاية لفظ الكلام. وزهذا شرح ألفاظ الجواب: قوله: رباعي الأعضاء، أي حروف قاسم أربعة. ثلاثي الأجزاء، أي جملته تنقسم ثلاثة، من غير عكس. اثنا عشري الأصول، لأن كل حرف يشتمل على ثلاثة أحرف. قوله: عديم الحرف المفصول؛ لأنه مركب من حرفين فحرفين. وهو معدود من الأسماء، لأنه اسم وضع لمسمى بعينه، ومردود إلى الأفعال، باعتبار أنه مشتق من القسم.

стр. 225

قوله: لولا ثلث أوله، الذي هو القاف، والمراد الفاء " لصار لفظ السخيف " بعد حذف الفاء: سخى، والسخى موصوف بالكرم. قوله: وإذ حذف الفاء من لفظ فقير، بقي قير، وهو أسود الظاهر والباطن. قوله: ولولا رابعه الذي هو الميم لا تحدث الماهية بالموجود، لأن وجود الشيء هيئته، فكأنه قال: لاتحدث الهيئة بالماهية. وفيه تسامح، لأن المراد من الميم مسماها، وهو مفرد، فكيف يطلق على المركب من الميم والألف. ويمكن أن يقال: تعدد المراد في هذا الباب كثير، وهو أدخل في الإلغاز. قوله: ولم يتميز الحاسد عن المحسود، كالأول؛ لأنه لا فرق بين المحسود والحاسد في أصل المعنى. قوله: لو عدم ثانيه الذي هو الألف، من لفظ الثمار، بقي ثمر، فلم يبق الجمع. وقوله: قرية بالري، أي وهي خار، وإذا لم تكن الألف فيه بقي: خر. وهو بالفارسية اسم الحمار. قوله: ولو عدم ربعه، الذي هو السين لم يكن ذلك الربع قلب الجسد، لسقوطه، وتبدلت السكينة، فكانت كينة، من قوله تعالى: " فما استكانوا ". وفي الصحاح: " وبات فلانٌ بكينة سوءٍ بالكسر، أي بحالة سوء ". والاستكانة: الخضوع. قوله: الهرة، المراد منه سنَّور، بعمل الترادف، وإذّا لم تكن فيه السين كان نوراً. قوله: الحنطة، المراد منه: سلت، على التسامح. قوله: أوله بالعراق، يعني القاف، في لفظ العراق، وآخره، وهو الميم في لفظ الشام. قوله: وثلثا ربعه، وهما السين والنون، ومن بسط الرابع وهو السين، يتم به الإيمان، لأنه تم بالنون، والإسلام؛ لأن تمامه بالسين، ولا يلزم أن يكون آخراً. قوله: وثلث ثالثه، الذي هو السين، وهو المراد من بسطه يبتديء السؤال حقيقةً، كما ترى، وبثاني ثانيه، وهو اللام من الألف، ينتهي القيل والقال. ولده بهاء الدين الذي استرق النهى، وأشرق بدراً في فلك الازدها. الهمام الفذ البذ، من تطرب بذكره الأسماع وتلتذ. تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، واشتهر اشتهار الصبح إذا تجلى. وازدانت به الدنيا ازديان العاطل بالحلى، والمشكل بالجلى. والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج. وحصل بينه وبين الفضل في الاتحاد التساوي، فأنتج مطلبه من الشكل الأول هذا اللازم المساوي. وأنا أذكر لك خبره على جليته فاعتمد عليه، ولعلك تلغى مالفقه الشهاب من ذكر حاله ولا تجنح إليه. وذلك أنه كان بالشام تكون خلقته، وبها بان رشده وأحسبه من حين لفته قابلته في خرقته. ثم انتقل به أبوه إلى قزوين وهلاله آخذٌ في تدويره، وذهنه في مبادى ملاحظته للدقائق وتصويره. فاستكمل ثمة فضائل المعجبة، وصير عندها فضائل الأول كالمتحجبة. ولما طنت حصاته في العراق، وتجاوزت فيه المدائح من الغلو إلى الإغراق. استدعاه الشاه فصير رئيس العلماء في تخت ملكه، وحلى جيد ممكلته منه بجوهر عقد كل جهابذته شذراتٌ في سلكه. ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهبَّ من مهابِّ القبول رياحه. فطلع طلوع الشارد، يرد البلاد كالطيف الوارد. وهو بقتري المسالك، ويقتفر المهالك، ويعاني الممالك. فحج البيت الحرام، ودخل مصر أم الأهرام. ثم ورد دمشق فنم عليه فضله كما نم ريح الورد على الورد، ومنه ظهر بحلب الشهباء كما ظهر العلم الفرد. فلم يمكنه إلا أن شد للعجم نطاق التسيار، ولما وصلها حط بها رحل الاختيار، فصنف وألف، وأبدع حد الإبداع وما تكلف. وابتسمت به دولة الشاه عباس، وأماطت أقواله فيها حنادس الشبه والالتباس. مع عزم ينفلق دونه الصخر الأصم، وحلم يقصر عنه الطود الأشم. ورأيٍ عليه المعول، وفكرٍ هو المعقول الأول. وهناك ما شئت من رفة الألفاظ، ولطافة معانٍ تتعلم منها السحر غمزاتٌ وألحاظ. وتفنن في العبارات يتحير له اللاحظ، وغرائب آدابٍ تكلُّ في استخراج دقائقها عيون الجاحظ. إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنية الغروس، سجدت لها الأقلام سجدة الشكر في محاريب الطروس. فأقلام إفادته لا تنسب بإعياءٍ قط، وصحائف مجده لم تشن من حسودٍ بنقط. وهو في اللسانين فارسٌ بطل، فالعربي من بعده تعجم والفارسي بطل. وله من عقائل اللسانين كل فاتنة الطرف، استوفت في مدى البلاغة اللطف والظرف. فمن بدائعه قوله:

стр. 226

وأهْيفِ القّدِّ لَدنِ العِطْفِ معتدلٍ ... بالطَّرْف والظَّرْف لا ينفكُّ قَتَّالَا إن جال أهْدى لنا الآجالَ ناظِرُهُ ... أو صال قطَّع بالهِجْران أوْصالَا وإن نظرتُ إلى مرآة وَجْنتِه ... حسبتُ إنسانَ عيني فوقها خَالَا كأن عارِضَه بالمِسك عارَضنِي ... أو ليلَ طُرَّتِه في خَدِّه سالَا أو طاف من نورِ خَدَّيْه على بصَرِى ... فخَطَّ بالليلِ فوق الصبح أشْكالَا وكتب إلى والده وهو بالهراة، في سنة تسع وسبعين وتسعمائة: يا ساكني أرضَ الهَراةِ أما كفَى ... هذا الفِراقُ بلَى وحقِّ المصطَفى عودُوا عليَّ فرَبْعُ صبرِي قد عفَا ... والجَفْن من بعد التَّباعُد ماغفَا وخيالكم في بالِي ... والقلبُ في بَلْبالِ إن أقبلتْ من نحْوِكم ريحُ الصَّبا ... قلنا لها أهلاً وسهلاً مَرحبَا وإليكمُ قْلب المتيَّم قد صَبا ... وفِراقكم للروح منه قد سبَا والقلبُ ليس بخالِي ... من حبِّ ذات الخالِ يا حَّبذَا رَبْعُ الحِمَى من مَرْبَعِ ... فغزالُه شَبَّ الغَضا في أضُلعِي لم أنْسَه يوم الفراقِ مُودِّعي ... بمَدامعٍ تجرى وقلبٍ مُوجَع والصبُّ ليس بِسالِ ... عن ثَغْرِه السَّلْسالِ وله، وهي من غرره: خِّلياني ولَوْعتي وغرامي ... يا خليليَّ واذْهبا بسَلامِ قد دعاه الهوى فلبَّاه قلبي ... فدَعاني ولا تُطِيلا مَلامِي إن مَن ذاقَ نَشْوَة الحبِّ يوماً ... لا يُبالي بكثْرة الُّلوَّامِ خامَرتْ خمرةُ المحَّبة قلبي ... وجرَت في مفاصِلي وعظامِي فعلى العلمِ والوقار صلاةٌ ... وعلى العقل ألفُ ألفِ سلامِ هل سبيلٌ إلى وقوفي بوادي الْ ... جِزْعِ يا صاحبيَّ أو إلْمامِي أيها السائرُ المُلِحُّ إذ ما ... جئتَ نَجْداً فعُجْ بوادي الخُزامِ وتجاوَزْ عن ذِي المَجازِ وعرِّج ... عادِلاً عن يمين ذاك المَقامِ وإذا ما بلغتَ حُزْوَى فبلِّغْ ... جِيرةَ الحَيِّ يا أُخَيَّ سلامِي وانْشُدَنْ قلبيَ المُعَنَّى لديهمْ ... فلقد ضاع بين تلك الخيامِ وإذا ما رَثَوْا لحالِي فسَلْهمْ ... أن يمُنُّوا ولو بطيْفِ مَنامِ يا نُزولاً بذِي الأراكِ إلى كمْ ... تنْقضي في فِراقكمْ أعوامِي ما سرَتْ نَسْمةٌ ولا ناح في الدَّوْ ... حِ حَمامٌ إلا وحان حِمامِي أين أيامنا بشَرْقِّي نَجْدٍ ... يارعاها الإلهُ من أيامِ حيثُ غُصْن الشبابِ غضٌّ ورَوضُ ال ... عَيشِ قد طرَّزتْه أيدِي الغَمامِ وزَماني مُساعدٌ وأيادِي الْ ... لَهْوِ نحو المُنى تجرُّ زِمامِي أيها المُرتقِى ذُرَا المجد فرداً ... والمُرجَّى للْفادحاتِ العِظامِ يا حليفَ النَّدى الذي جُمِّعت في ... هِ مَزايا تفرَّقتْ في الأنامِ نِلْتَ في ذِوْرِة الفَخارِ مَحَلاًّ ... عَسِرَ المُرتقَى عزيزَ المَرامِ نسَبٌ طاهرٌ ومجدٌ أثِيلٌ ... وفَخارٌ عالٍ وفضلٌ سامِي قد قَرَنَّا مَقالكم بمقالٍ ... وشفَعْنا كلامَكم بكَلامِ ونظَمْنا لها مع الدُّرِّ في سِمْ ... طٍ وقُلنا العبيرُ مثلُ الرَّغامِ لم أكُنْ مُقْدِماً على ذا ولكنْ ... كان طَوْعاً لأمْرِكم إقْدامِي عَمْرَك اللهُ يا ندِيمَي أنْشِدْ ... جارَتا كيف تُحسنين مَلامِي وله: أسحرُ بابِلَ في جَفْنْيكِ أم سَقَمِى ... أم السيوفُ لقْتل العُرْب والعجمِ

стр. 227

والخالُ مَركَزُ دَوْرٍ للِعذار بدا ... أم ذاك نَضْحُ عِثارِ الخَطِّ بالقلَمِ أم حَّبةٌ وُضِعَتْ كيمْا تصيدَ بها ... حَبَّ القلوبِ فصادتْ كلَّ مُلتِئمِ أم الفَراشُ هوَى طيرُ الفؤادِ على ... نارٍ بخَدِّك حتى صار كالفحمِ قوله: والخال، البيت، من قول الرَّاميني الإستراباذيّ: هل نضَحتْ أقلامُ خَطِّ العِذارْ ... في مَشْقِها فالخالُ نَضْحُ العِثارْ أم اسْتدارَ الخدُّ لمَّا غَدَتْ ... نُقطُته مَركزَ ذاكَ المَدارْ قوله: أم حبة، هذا كثير، وقد تقدم في ترجمة السَّفرجلانيّ. وقوله: أم الفراش، هذا من قول عون الدين العجمي، وفيه زيادة: لهيبُ الخدِّ حين بدا لعْيني ... هوَى قلبي عليه كالفَراشِ فأحْرقه فصار عليه خالاً ... وها أثُر الدُّخان على الحَواشِي وله يرثى والده، وقد توفي بالمصلى من قرى البحرين، لثمان خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وتسعمائة، عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام: قفْ بالطُّلولِ وسَلْها أين سَلْماهَا ... ورَوِّ مِن جُرَع الأجْفان جَرْعاهَا وردِّد الطَّرف في أطرافِ ساحتِها ... وأرِّجِ الوصلَ من أرْواحِ أرْجاهَا فإن يَفُتْك من الأطْلالِ مَخْبرُها ... فلا يفوتَنْكَ مَرْآها ورَيَّاها رُبوعُ فضلٍ يُضاهِي التِّبْرَ تُربتُها ... ودارُ أُنْسٍ يُحاكي الدُّرَّ حَصْباهَا عدا على جِيرةٍ حَلُّوا بسَاحتِها ... صَرْفُ الزمانِ فأبْلاهم وأبْلاهَا بدورُتِمٍّ غمامُ الموتِ جَلَّلها ... شموسُ فضلٍ سحابُ التُّرْبِ غَشَّاهَا فالمجدُ يبكي عليها جازِعاً أسِفاً ... والدِّين يْندُبها والفضلُ ينْعاهَا يا حَبَّذا أزْمُنٌ في ظلِّهم سلَفتْ ... ما كان أقصرَها عُمْراً وأحْلاهَا أوقاتُ أُنْسٍ قضيْناها فما ذُكِرتْ ... إلا وقطَّع قلبَ الصَّبِّ ذِكْراهَا باجِيرةً هجَروا واستوْطنُوا هَجَراً ... واهاً لقلبِ المُعنَّى بعدكم وَاهَا رَعْياً لِلَيْلاتِ وَصْلٍ بالحِمَى سلَفتْ ... سَقْياً لأيَّامنا بالخَيْفِ سُقياهَا لفَقْدكم شُقَّ جَيْبُ المجدِ وانْصدعتْ ... أركانُه وبكم ما كان أقْواهَا وخَرَّ من شامخاتِ العلم أرْفعُها ... وانْهَدَّ من باذِخاتِ الفضلِ أرْساهَا يا ثاوياً بالمُصَلَّى من قُرى هَجَرٍ ... كُسِيتَ من حُلَلِ الرِّضْوان أضْفاهَا أقْمتَ يا بحرُ بالبحريْن فاجتمعتْ ... ثلاثةٌ كُنَّ أمثالاً وأشْباهَا ثلاثةٌ أنت أنْدها وأغزرُها ... جُوداً وأعذبُها طعماً وأضْفاهَا حَويْتَ من دُرَرِ العلْياءِ ما حَوَيا ... لكنَّ دُرَّك أعْلاها وأغْلاهَا يا أعْظُما وَطِئتْ هامَ السُّها شرَفاً ... سَقاكِ من دِيَمِ الوَسْمِىّ أسْماهَا ويا ضريحاً علَا فوق السِّماكِ عُلاً ... عليْك من صلَواتِ الله أزْكاهَا فيك انْطَوى من شموسِ الفضلِ أضْوَءُها ... ومن مَعالمِ دينِ الله أسْناهَا ومِن شوامِخِ أطْوادِ الفتوَّةِ أرْ ... ساها وأرفعُها قدراً وأبْهاهَا فاسْحَبْ على الفَلَكِ الأعْلى ذيولَ عُلاً ... فقد حوَيْتَ من العَلْياءِ عَلْياهَا عليك مِنّا صلاةُ اللهِ ما صدَحتْ ... على غصونِ أرَاكِ الدَّوْحِ وَرْقاهَا ومن مقطعاته قوله: لعينيْك فضلٌ كثيرٌ علىَّ ... وذاك لأنِّيَ يا قاتليِ تعلَّمتُ من سحرِها فعقدتُ ... لسان الرَّقيبِ مع العاذلِ وكتب من قزوين إلى والده، وهو بالهراة: بقَزْويَن جسمِي وروحي ثوَتْ ... بأرضِ الهَراةِ وسُكانِهَا

стр. 228

فهذا تغرَّب عن أهْلِه ... وتلك أقامتْ بأوْطانِهَا وله: إن هذا الموتَ يكرَهُه ... كلُّ من يمشِي على الغَبْرَا وبعْين العقل لو نظروا ... لرأَوْه الراحةَ الكبرَى اقتفى في هذا أثر ابن الرومي، في مدح الموت، حيث قال: قد قلتُ إذ مدحوا الحياةَ وأسْرفوا ... في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرَفُ منها أمانُ لِقائِه بلقائِه ... وفِراقُ كلِّ مُعاندٍ لا ينْصِفُ ومن رباعياته، ما كتبه لبعض أحبابه، وهو في المشهد الأقدس الرضوي: يا رِيحُ إذا أتَيْت أرضَ الجمْعِ ... أعنِي طُوساً فقُل لأهلِ الرَّبْع ما حَلَّ برَوْضةٍ بهائِيُّكمُ ... إلَّا وسقَى رياضَها بالدَّمْعِ وكتب إلى بعض أحبابه بالنجف الأشرف: يا رِيحُ إذا أتيتَ أرضَ النَّجَفِ ... فالْثمِ عَنِّي تُرابَها ثم قِفِ واذْكُر خبَرِي لدى عُريب نزلوا ... وادِيَه وقُصَّ قصَّتي وانْصرفِ وله: يا عاذلُ كم تطيلُ في إتْعابي ... دَعْ لَوْمَك وانصرفْ كفانِي ما بِي لا لَوْمَ إذا هِمْتُ من الشوقِ على ... قلبٍ ما ذاق فُرقةَ الأحْبابِ وله: يا بدرَ دُجىً بوَصْلِه أحْيانِي ... إذْ زار وكمْ بهجْره أفْنانِي باللهِ عليك عِّجَلنْ سفْكَ دمى ... لا طاقة لي بليْلِة الهجرانِ حسن بن زين الدين الشهيد ركن محدٍ ركين، مكانه في ذروة الرياسة مكين. رسا في في بحبوحة البسالة ورسسخ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ. وهو من قومٍ تنوس ذوائبهم على هام الجبال، وتستمد الشموس من سناهم فلذا ترخى عند المغيب الحبال. تقطع إليهم الوعور فتلفى بشوقهم صعيدا، وتستبعد لغيرهم السماوة ولا يرى السماء بقصدهم بعيدا. وأبوه زين الدين ممن كان له صيتٌ يفلق الصخر، وتقدم فيما بينهم ينفلق عنه فجر الفخر. إلا أن الأيام غالته بطوارقها، ونازلته برواعدها وبوارقها. على جهد في قتله جهيد، حتى ألقى السمع وهو شهيد. فخلفه ابنه حسن، ومن حديث فضله صحيحٌ حسن. فقام مقام الوبل في البلد المحل، وكان أندى من الصبا وأشهى من جنى النحل. يبتدر ويروى، وينقع بزلال أدبه ويروى. ويمتع بأحاسن الأخبار، ويقطع منها جانب الاعتبار. مع فكرةٍ ماؤه يسيح، وطبعٍ بستانه فسيح. وله مؤلفات حسن فيها كل الإحسان، أجلها منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان. وأما شعره فلبنان منبت زهرة الفواح، ونسيمه الطلق راوي حديث نفحته للأرواح. وقد أثبت منها ما يردد محاسنه الدهر ويرويها، وينشر فضائله على كواهل الأدب ويطويها. فمنه قوله: فؤادِي ظاعنٌ إثْرَ النِّياقِ ... وجسمي قاطنٌ أرضَ العراقِ ومن عجَبِ الزمانِ حياةُ شخصٍ ... ترحَّل بعضُه والبعض باقِ وحلَّ السُّقْمُ في بدني وأمْسَى ... له ليلُ النَّوَى ليلَ المَحاقِ وصَبْرِي راحلٌ عمَّا قليلٍ ... لشدة لَوْعتي ولَظَى اشْتياقِي وفَرْطُ الوَجْدِ أصبح بي خليقاً ... ولمَّا يْنوِ في الدنيا فِراقِي وتعبثُ نارُه في الرُّوح حسناً ... فيوشك أن تُبِّلغَها التراقِي وأظْمأني النَّوى واراق دمعي ... ولا أُرْوَى ولا دمعي بِراقِ وقيَّدني على حالٍ شديدٍ ... فما حِرْزُ الرُّقَي منه بِوَاقِ أبَى اللهُ المهيمنُ أن تراني ... عيونُ الخلق محلولَ الوَثاقِ أبِيتُ مَدى الزمانِ لنارِ وَجْدِي ... على جمرٍ يزيد به احْتراقِي وما عيشُ امْرِئٍ في بحرِ غَمٍّ ... يُضاهِي كربُه كَرْبَ السِّياقِ يوَدُّ من الزمان صفاءَ يومٍ ... يلُوذُ بظله مّما يُلاقِي سقتْنِي نائباتُ الدهرِ كأساً ... مَرِيراً من أباريقِ الفِراقِ ولم يخطُرْ ببالِي قبلَ هذا ... لفَرْطِ الجهل أن الدهرَ ساقِ

стр. 229

وفاض الكأسُ بعد البَيْنِ حتى ... لَعَمْرِي قد جرَتْ منه سَواقِ فليس لِداء ما ألْقَى دواءٌ ... يُؤمَّل نفُعه إلَّا التَّلاقِي وقوله: وهو من أبدع ما هزَّ به الشوق، بعصا السوق. يتشوق إلى محله، ويندب بعد ترحله عنه ومرتحله: طولُ اغْترابِي بفَرْط الشوقِ أضْنانِي ... والبَيْنُ في غَمَراتِ الوَجْدِ ألْقانِي يا بارِقاً من نواحِي الحيِّ عارَضنِي ... إليك عنِّي فقد هَيَّجْتَ أشْجانِي فما رأيُتك في الآفاقِ مُعترِضاً ... إلا وذكَّرْتني أهلى وأوْطانِي ولا سمعتُ شَجا الورْقاءِ نائحةً ... في الأيك إلا وشبَّتْ منه نيرانِي كم ليلةٍ من ليالِ البَيْنِ بِتُّ بها ... أرْعَى النجومَ بطَرْفِي وهْي تَرْعانِي كأن أيْدِي خُطوبِ الدهر منذ نأَوْا ... عن ناظرِي كحَّلَتْ بالسُّهْدِ أجْفانِي ويا نسيماً سرَى من حَيِّهم سحراً ... في طَيِّه نَشْرُ ذاك الرَّنْدِ والْبانِ أحْيَيْت مَيْتاً بأرْضِ الشام مُهجَتُه ... وي العراق له تَخْيِيلُ جُثمانِي وكم حييتُ وكم قد مِتُّ من شَجَنٍٍ ... ما ذاك أوَّلُ إحياءٍ ولا الثاني يالائمِي كم بهذا الَّلوْمِ تُزعِجني ... دَعْني فلَوْمُك قد واللهِ أغْرانِي لا يسكُن الوجدُ مادام الشَّبابُ ولا ... تصْفُو المشاربُ ليِ إلَّا بلُبْنانِ في رَبْعِ أُنْسِى الذي حلَّ الشبابُ به ... تَمائِمِي وبه صَحْبي وخِلانِي كم قد عهدتُ بهاتيك المعاهدِ مِن ... إخْوانِ صِدْقٍ لَعَمْري أيُّ إخوانِ وكم نقضَّتْ لنا بالحيِّ آونةٌ ... على الَمسرَّة في كَرْمٍ وبُستانِ لم أدْرِ حالَ النَّوَى حتى علِقْتُ به ... فغَمْرتي من وقُوعِي قبل عِرْفانِ حتَّى مَ دهري على ذَا الْهَوْنِ تُمسكني ... هلا جنَحتَ لتسْريحٍ بإحْسانِ أقسمتُ لولا رجاءُ القرْبِ يُسعِفني ... فكلَّما مُتُّ بالأشواق أحْيانِي لكدتُ أقْضِي بها نحْبِي ولا عجبٌ ... كم أهَلك الوجدُ من شِيبٍ وشُبّانِ يا جِيرةَ الحيِّ قلبي بعدَ بُعدِكمُ ... في حَيْرةٍ بين أوْصاب وأحْزانِ يمضي الزمانُ عليه وهو ملتزِمٌ ... بحبِّكمْ لم يُدنِّسْه بسُلوانِ باقٍ على العهدِ راعٍ للذِّمامِ فما ... يُسوم عهدَكمُ يوماً بنِسيانِ فإن بَراني سَقامِي أو نأَى رَشَدِي ... فلاعِجُ الشوقِ أوْهانِي وألْهانِي وإن بكتْ مقلتي بعد الفِراقِ دَماً ... فمن تذكرِكم يا خيرَ جِيرانِ سبطه زين الدين بن محمد هو السبط، ذو البنان السبط، حازم الرأي في الحل والربط. مجده نسق الحديث مع القديم، وحلاه تسوغ بها المدامة إذا تكررها النديم إلى ذاتٍ كاملةٍ مكملةٍ ونفسٍ بفعل الجميل مجملة. ملازم كنٍ وعُزلة، متعاطٍ سهل العيش وجزله. ثم سمت همته إلى أن طار عن أهله، وخرج يتتبَّع عجائب القطار على مهله. يرتاد غير أرضه أرضا، ليقضى من أمر الرحلة سنة وفرضا. حتى كان البيت الحرام آخر مطافه، انتقل إلى عفو الله وخفى ألطافه. وقد رأيت له شعراً يتجلى في أبراد الإجادة، ويتحلى بالكلمات بالصقيلة المستجادة. فأثبت منها ما ترقص بسماعه معاطف وذوائب، وتمسى قلوب العشاق من نار غرامه، وهي ذوائب. فمن ذلك قوله، يشكو طول نواه، ويندب أوقاته بمحل ثواه: سئمتْ لفَرْط تنُّقلِي البَيْداءُ ... وشكتْ لعِظْم ترحُّلي الأنْضاءُ ما إن أُرى في الدهرِ غير مُوَدِّع ... خِلًّا وتوديعُ الخليل عَناءُ أبْلَى النَّوى جلَدِي وأوْقد في الحشَا ... نِيرانَ وجدٍ مالها إطفاءُ فقدتْ لطُول البَيْن عيني ماءَها ... فبكاؤُها بدل الدموع دماءُ

стр. 230

فارقتُ أوطاني وأهلَ مودَّتي ... وحبائباً غِيداً لهنَّ وفاءُ من كلِّ مائسةِ القَوامِ إذا بدتْ ... لجمالِ بهْجتها تغارُ ذُكاءُ ما أسْفرتْ والليلُ مُرْخٍٍ سِتْره ... إلا تهتَّكُ دونها الظلماءُ ترْمِى القلوبَ بأسهُمٍ تُصْمِى وما ... لجِراحهنَّ سوى الوِصالِ دواءُ شمسٌ تَغارُ لها الشموسُ مُضيئةً ... ولها قلوبُ العاشقين سَماءُ هيفاءُ تختلس العقولَ إذا رنَتْ ... فكأنما لَحَظاتُها الصَّهْباءُ ومَعاشرٍ ما شاَنَ صدقَ وفائهمْ ... نقضُ العهودِ ولا الودادَ مِراءُ ما كنتُ أحسبُ قبل يوم فِراقهمْ ... أن سوف يُقْضَى بعد ذاك بقاءُ فسقَى رُبَي وادي دمشق وجادَها ... من هاطِل المزْنِ المُلِثِّ حَياءُ فيها أُهَيْلُ مودَّتي وبتُرْبها ... لجَليلِ وجدي والسَّقامِ شِفاءُ ورعى ليالِينا التي في ظِلِّها ... سلَفتْ ومُقْلةُ دهْرنا عَمْياءُ أترى الزمان يعود لي بإيابها ... ويباح لي بعد البعاد لقاء فإلى متى يا دهْر تصدَعُ بالنَّوَى ... أعْشارَ قلبٍ ما لهُنَّ قواءُ وتسُومني فيك المُقامَ بذلَّةٍ ... ولِهمَّتي عمَّا تسُوم إباءُ فأجابني لولا التَّغرب ما ارتقى ... رتبَ العلا من قبلك الآباءُ فاصبرْ على مُرِّ الخطوب فإنما ... مِن دون كلِّ مسرَّةٍ ضَرَّاءُ واترُكْ تذكُّرَك الشآمَ فإنما ... دون الشآمِ وأهلِها بَيْداءُ وقوله من قصيدة في المدح، مستهلها: شامَ بَرْقاً لاح بالأبْرَقِ وَهْنَا ... فصبَا شوقا إلى الجِزْعِ وحَنَّا وجرى ذكْرُ أُثَيْلاتِ النَّقَا ... فشكا من لاعِجِ الشوقِ وأنَّا دَنِفٌ قد عاقه صَرْفُ الرَّدَى ... وخُطوبُ الدهرِ عمَّا يتمَنَّى شَفَّه الشوقُ إلى بَانِ اللِّوَى ... فغدا مُنْهمِلَ الدمع مُعَنَّى أسلمتْهُ للرَّدَى أيْدِي الأسَى ... عندما أحْسنَ بالأيام ظَنَّا طالما أمَّلَ إلمْاَم الكرَى ... طمَعا في زَوْرِة الطَّيْفِ وأنَّي كلَّما جَنَّ الدجى حَنَّ إلى ... زمنِ الوصلِ فأبْدَى ما أجَنَّا وإذا هبَّ نسيمٌ من رُبَى ... حاجِرٍ أهْدَى له سُقْما وحُزْنَا يا عربيا بالحِمَى لولاكمُ ... ماصَبا قلبي إلى رَبْعٍ ومَغْنَى كان لي صَبرٌ فأوْهاه النَّوى ... بعدَكم يا جِيرةَ الحيِّ وأفْنَى قاتَلَ اللهُ النَّوى كم قرَّحتْ ... كبِداً من ألمِ الشوق وجَفْنَا كدَّرتْ مَورِدَ لَذَّاتي وما ... تركتْ لي من جميل الصبرِ رُكْنَا قطعت أفلاذ قلبي والحشا ... وكستني من جليل السقم وَهْنَا فإلى كم أشْتكي جَوْرَ الهوى ... وأُقاسِي من هوى ليلى ولُبْنَى قد صَحَا قلبيَ من سُكْرِ الهوى ... بعد ما أزْعجه السكرُ وعَنَّى ونَهانِي عن هوى الغِيدِ النُّهىَ ... وحَباني الشَّيبُ إحساناً وحُسْناً وتفرَّغْتُ إلى مَدحِ فتىً ... سُنَّةَ المعروفِ والأفْضالِ سَنَّا السيد نور الدين بن أبي الحسن الحسيني هو نورٌ للمجتلى القابس، وابتسامٌ في الزمان العابس. سما قدره بين فضلاء الأنام، وحلَّ من الأدب بين الذورة والسنام. وصيته في الحجاز أشهر من يوم بدر، وأنور من ليلة القدر. مع نزاهة عن الدنيا، ورفعة نيطت بالثريا، ولهجةٍ ترقرق فيها ماء الحيا، فأحيي وحي. وكرم طبعه مع حسن صمته، دليلٌ للرواة على حسن سمته. فإذا حبا أنى توازن به الغيوث السواكب، وإذا احتبى هيهات أن تشبهه الجبال الرواسب. وله فوائد قد تأنق فيها، وأشعارٌ أصبح جوهره سلك مقتفيها.

стр. 231

وقد أثبت له ما يعجب إحسانه، ولا يجحد حسنه أو ينكر استحسانه. فمنه قوله، من قصيدة طويلة في المدح، مطلعها: لك الفخرُ بالعَلْيا لك السَّعُد راتبُ ... لك العزُّ والإقبال والنصر غالبُ سمَوْتَ على قَبِّ السَّراحِين صائلاً ... فكلَّتْ بكفَّيْك القّنا والقواضبُ وحُزْتَ رِهان السَّبق في حَلْبة العلى ... فأنت لها دون البريَّة صاحبُ وجُلْتَ بحَوْماتِ الوغى جَوْل باسلٍ ... فرُدَّت على أعْقابهن الكتائبُ فلا الدَّارعاتُ المُقتماتِ تكنُّها ... ملابُسها لما تَحِقُّ المضاربُ ولا كثرةُ الأعداء تغنى جموعُها ... إذا لمعتْ منك النجومُ الثواقبُ خُضِ الحَتْفَ لا تخشَ الورى واقْهرِ العدى ... فليس سوى الإقدام في الرأيِ صائبُ وشمِّر ذيولَ الحزْمِ عن ساقِ عزْمِها ... فما ازدحمتْ إلا عليك المراتبُ إذا صدَقت للناظرين دلائلٌ ... فدَعْ عنك ما تُبدِي الظنونُ الكواذبُ بِبيضِ المَواضي يُدرِك المرءُ شأوَهُ ... وبالسُّمْر إن ضاقتْ تهون المصاعبُ لِأسْلافك الغُرِّ الكرام قواعدٌ ... على مثلها تُبنَى العلى والمناصبُ زكَوْتَ وحُزْتَ الفضل مجداً ومحتِدا ... فآباؤُك الصِّيد الكرام الأطايبُ ومن يَزْكُ أصلاً في المعالي سمتْ به ... ذُرَا المجد وانْقادتْ إليه الرَّغائبُ بَنُو عمِّكم لمَّا أضاءتْ مشارقٌ ... بكم أشرقتْ منهم علينا مغاربُ وفيكم لنا بدرٌ من الغرب طالعٌ ... فلا غَرْو أن كانت لديه العجائبُ هو الفخر مَدَّ الله في الأرض ظلَّه ... ولا زال تُجْلَى من سَناه الغياهِبُ إلى حلبَ الشَّهباءِ منِّى بِشارةٌ ... تعطِّرها حتى تفوحَ الجاونبُ إذا ما مضى من بعد عشرٍ ثلاثةٌ ... من الدَّوْر فيها تُستَتمُّ المآربُ لقد حدَّثتْ عنها أولو العلم مثلَما ... جَرى وانْقضت تلك السِّنونَ الجوادِبُ بدا سعدُها لمَّا علىٌّ بد بها ... وياطالما قد أُنحستْ وهْو غاربُ وفَوْزُ عليٍّ بالعلى فوزُها به ... فكلٌ إلى كلٍّ مضافٌ مُناسبُ كأنِّي بسيف الدولة الآن وارداً ... إليها يُلاقي ما جنْته الثَّعَالبُ لقد جادَها صَوْبُ الحيا بعد مَحْلِها ... وشرَّفها مَن أحكمتْه التَّجارِبُ كريمٌ إذا ما أمحلَ الغيْثُ أمطرتْ ... أيَادِيه جُوداً منهع تصفُو المشاربُ أديب أرِيب لو تجسَّم لفظُه ... أصابتْه عِقْداً للنُّحور الكواعبُ فيا أيها المنصورُ بُشْراك رتبة ... بها السعدُ حقا والسرورُ مُواظبُ مدحْتكُمُ والمدحُ فيه تجارةٌ ... بها تُثمِر النُّعمَى وتْغلو المكاسبُ إلى باب عَلْياكم شدَدْت رواحِلِي ... ويا طالما شُدَّت إليه الركائبُ بها الفضلُ منشورٌ بها الجودُ وافرٌ ... بها فتحُ من سُدَّت عليه المَذاهبُ وماذا عسى أن يبُلغ الوصفُ فيكمُ ... إلى غايةٍ هل يْنقُص البحرَ شاربُ فلا زلتمُ في أكْملِ السعدِ والهنا ... مدَى الدهر ما مالتْ وماسَتْ ذوائبُ وله يتغزل: يا مَن مَضَوْا بفؤادي عندما رحلُوا ... من بعد ما في سُوَيْدا القلبِ قد نزلوا جارُوا على مُهْجتي ظلما بلا سببٍ ... فليت شعرِي إلى مَن في الهوى عَدَلوا وأطلقوا عَبْرتي من بعد بُعدهمُ ... والعْينُ أجفانها بالسُّهد قد كحَلُوا يا من تعذَّب من تسْويفهم كبدي ... ما آنَ يوماً لقطْع الحبل أن تصِلوا جادُوا على غيْرنا بالوَصْل مُتَّصِلاً ... وفي الزمان علينا مرَّةً بَخِلُوا

стр. 232

كيف السبيلُ إلى من في هواه مضَى ... عُمْري وما صدَّني عن ذكرِه شُغُلُ وَاحَيْرتي ضاع ما أولَيْتُ من زمنٍ ... إذْ خاب في وَصْل مَن أهواهمُ الأملُ في أيِّ شَرْعٍ دماءُ العاشقين غدَتْ ... هَدْرَى وليس لها ثارٌ إذا قُتِلُوا يالَلرِّجال من البِيض الرِّشاق أما ... كفاهمُ ما الذي بالناس قد فعلُوا مَن مُنصِفي من غزَالٍ ماله شُغُلٌ ... عنِّي لا عاقثني عن حبِّه عملُ نصبتُ أشْراك صَيْدي في مَراتعِه ... والصَّيد فنِّى ولي في طُرْقه حِيَلُ فصاح بي صائحٌ خَفِّضْ عليك فقد ... صِيدَ الغزالُ الذي تْبغيه يا رجلُ فصرتُ كالوا لِه السَّاهي وفارقني ... عقلي وضاق علىَّ الأرضُ والسُّبُلُ وقْلت بالله قلب لي أين سارِبُه ... مَن صادَه علَّهم في السَّيْر ما عجِلُوا فقال لي كيف تَلْقاهم وقد رحلُوا ... مِن وقتهم واستجدَّتْ سيْرَها الإبلُ ولده السيد جمال الدين هذا السيد كنت أسمع خبره مجملاً، ولا أرى لوصفه على غير الكمال محملا. حتى عاشرت أخاه السيد علياً بمكة ففصل ذلك الإجمال، وعرفني أنه أوتي الغاية من وصف الكمال والجمال. وأوقفني على ماله من النظم الرصين في اللفظ الرصيف، فتناولت منه ما هو أشهى من كأس الحميا طاف بها الساقي الوصيف. وذكر لي أنه بعد ما أقام بالحرم المكي مدة، وأعد للتفرد في طريق المنادمة أحسن عدة. دخل حيدر أباد بقصْد ملكها أبي الحسن، فنشط لملاقاته نشاط الجفن للوسن. وأحله كنفا وسهلا، وأراه جيرةً للمدح أهلا. فبقي في سرابيل إنعامه رافلا، ويبث مدائحه على رؤوس الأشهاد حافلا. ثم طرأت على أبي الحسن طارئة دهياء دهما، وفجأته من تغلب أورنك زيب عليه فاجئة عمياء صما. فتقلب في العجائب العقم، وتخامر في النوائب الدهم. واقتطفت السيد جمال الدين في أثر ذلك المنية، دون أن ينال من مواهبه كل الأمنية. فما وصل إلى قبضة الملمات، حتى حصل في غصة الممات. وقد ذكرت له ما تعجبك طرائقه، ويبعث طربك شائقة ورائقه. فمن ذلك قوله، من قصيدة مدح بها الإمام أحمد بن الحسن، أحد أئمة اليمن: خليلىَّ عُودا فيا حّبذَا المَطْلُ ... إذا كان يُرجَى في عواقبه الوصلُ خليلىّ عودا واسْعِداني فأنتما ... أحقُّ من الأهْلِين بل أنتما الأهلُ فقد طال سَيْرِي واضْمحلَّت جوارحي ... وقد سئمتْ فَرْط السُّرَى العِيسُ والإبْلُ فعادا وقالا صَحَّ ما بك من جَوًى ... وفي بهعض مالا قْيتَه شاهدٌ عَدْلُ ولكنَّ طولَ السير ليس بضائر ... وغايُته كنزُ النَّدَى أحمدُ الشِّبْلُ منها: أبانتْ به الأيامُ كلَّ عجيبةٍ ... يسير بها الركبُ اليَمانِيُّ والقَفْلُ فنيرانُ بأْسٍ في بحارِ مكارمٍ ... ومِن فِعْله وصلٌ وفي قوله فَصلُ أرانا عيَاناً ضِعف أضْعاف سمعِنا ... وعن جوده قد صحَّ بالنظر النقلُ منها: أقول وقد طفتُ البلاد وأهلها ... بلَوْتُهمُ قولا يصدِّقه الفِعْلُ إذا ما جرى ذكرُ البلاد وحسنِها ... فتلك فروعٌ والغِراسُ هي الأصلُ وإن عُدَّ ذُو فضل ومجد مُؤثَّلٍ ... فأحمدُ من دون الأنام له الفضلُ فلا غَرْوَ أن قصَّرتُ طولَ مدائحي ... ففي البعد قَصْرُ الفرضِ جاء به النَّقْلُ إليك صَفِيَّ الدين مني خَريدةً فريدةَ ... حسنٍ لا يُصابُ لها مِثْلُ وأعظمُ ما ترجو القبولَ فإنما ... قبولُ الثَّنا بابٌ يتمُّ به السُّؤْالُ فحقِّقْ رجاها واْحِل عاطلَ جِيدها ... بما أنت يا نَجْل الكرام له أهلُ ومن مقطعاته قوله معميا باسم رجب: قلتُ مذ حلَّ منزلي وصفا لِي ... كأسُ وقْتي من شَوْب واشٍ مُريبِ

стр. 233

حبَّذا منزلٌ به منتهى السُؤْ ... لِ غدا نازِلاً بغيرِ رقيبِ وقوله باسم هشام: سَقْياً لأيامِ لنا مع جِيرةٍ ... كانت إذا عزَّ النَّصيرُ مَلاذَا مرَّت على عجَلٍ فلا واللهِ ما ... نظَر المتيَّمُ بعدها اسْتْلذاذَا وقوله في اسمٍ سنان: للهِ مجلسُ أُنْسٍ قد قضيتُ به ... يوماً يعادل عندي مدة العمرِ تضاعَف الحسنُ فيه حين لاح لنا ... بدرُ الدجى من زوايا روضِهِ النَّضْرِ وقوله في إسم ابراهيم: ظبيٌ من التُّرْك قاسٍ رُحْتُ أسأله ... وصلاً فقال مُجيباً مُذْ بِهِ بَخِلاَ صُنْ ماءَ وجهك عن ذلِّ السؤال تَجِد ... طريقَ عزٍّ ببحرِ المجد متَّصلاَ أخوه السيد علي لقيته وقدره كاسمه علي، وفضله من الأفق الحجازي واضح جلي. وهو أديبٌ مجاله فسيح، وشاعر بديع الشعر فصيح. يسحر ببيانه العقول، ويبهر الألباب بما يقول. توخى سمت أخيه، فشدت به أواخيه. فلكم تقلد منه درة فكر، فصيرها زينة إطراء وذكر. حتى حكاه طبعا ووصفا، وجاراه إتقانا ورصفا. فلئن كان الأول اختار لأشعاره الشعرى مرطا، فقد صير الثاني الثريا لآثاره قرطا. وقد أثبت لها ما يروق ويشوق، ويغنى العاشق عن النظر في وجه المعشوق. فمن ذلك قوله، من قصيدة، مستهلها: ماستْ كخُوط الْبان قدَّا ... وزهَتْ بجِيد زان عِقدا حسرتْ عن البدر التَّما ... مِ دُجى الِّلثامِ فهِمتُ وَجْدَا وجلتْ لنا من ثَغْرِها ... دُرًّا وياقوتا وشُهْدَا ونضَتْ عن البِلَّوْرِ بُرْ ... داً أكْسب الأحشاءَ بَرْدَا هيفاءُكم من مغرمٍ ... في عشقِها قد مات صَدَّا مشغوفةٌ بالخُلْف لم ... تحفظْ لذِي الميثاقِ عهدَا مَلَّكتها رِقِّي على ... حُكْمِ الغرامِ وصرتُ عبدَا عَذُب العذابُ بحيِّها ... والغَيُّ فيه أراه رُشْدَا كم قد خصَمتُ مُعنِّفا ... في حبها وقهرتُ ضِدَّا وجعلتُ بين مَسامِعي ... ومقالِة العُذَّالِ سَدَّا حتى غدتْ عينُ الرَّقِي ... بِ ليأْسِه يا صاحِ رَمْدَا ما الوردُ يُعجبني وقد ... قبَّلتُ من أسماءَ خَدَّا كلَّا ولا الرُّمان يُشْ ... جِيني وقد ضمَّيْت نَهْدا واهاً لزَنْدٍ منه أوْ ... رَتْ في الحَشا والقلبِ زَنْدَا ولِمِعْصَم بَرَد السِّوا ... رُ عليه لما ازْدَدْتُ وَقْدَا سَلْ لَحْظَها الوَسْنانَ كم ... قد أوْرثَ الأجفان سُهدَا أوَ ما كفاه فلِمْ ترى ... بالسُّقْم جسمَ الصَّبِّ أعْدَى وجَبينُها الفَتَّان كيْ ... ف لمُهجتي الأشجانَ أهْدَى يا نظرةً قادتْ لقلْ ... بِي الوَجدَ ليس لها مَرَدَّا أيحِلُّ في شرعِ الهوى ... أن تهجُرِين الصبَّ عَمْدَا يا غادةً تْستلُّ من ... ألْحاظها عَضْبا فِرِنْدَا عجَبا لطَرْفك وهْو سكْ ... رانٌ يقيمُ علىَّ حَدَّا وقوله: أيا قلبُ بُحْ مُسْتَشْهِراً بهوى دَعْدِ ... وخُضْ جاسِراً لُجَّ الصبابِة والوجدِ ولا تَعْدِلَنْ عن حبها ولَوَانَّها ... صَلَتْك ينِيرانِ الصدودِ أو البُعْدِ عليك بها عَذْاَرءَ مَعْسولةَ الَّلَمى ... مُعقْربةَ الصُّدْغيْن مْمشوقَة القَدِّ مُدَمْلجةَ الساقْين مهْضمومةَ الحَشا ... مُورَّدةَ الخدَّيْن فاحمةَ الجَعْدِ إذا ما غدتْ تخْتال في حُلَلِ البَها ... فيا خَجْلَة السُّمْر المُثقَّفة المُلْدِ عجبتُ لجِسمٍ كالحرير مُنعَّمٍ ... يضُمُّ فُؤاداً قُدَّ من حجَر صَلْدِ

стр. 234

لها اللهُ من رُعْبوبةٍ سفكتْ دمي ... بمُرْهَفِ ماضِي اللَّحْظ قْتلا على عَمْدِ تعشَّقتُها أختَ المَهاةِ خَريدةً ... ثَوَى حبُّها في القلب مُذ كنتُ في المهدِ فعَنِّى إليك اليومَ يا عاذلِي اتَّئِدْ ... أتحسَب أن النصحَ في حبِّها يُجْدِي أتعذُلني في حبِّ دَعْدٍ جهالةً ... وتزعُم يا مغرورُ أنك في رُشْدِ أيقبَل فيها اللومَ سمِعي وقد سرتْ ... محبَّتُها في الجسم بالعكْسِ والطَّرْدِ وأُقْسِم بالمُسْوَدِّ من مِسْك خالِها ... وبالشَّفق المُحمرِّ من صفحةِ الخَدِّ وبالمُقْلة النَّجْلاءِ والمَبْسم الذي ... تسَتَّر بالياقوت والمِرْشَفِ الشُّهْدِ لَوَ أنَّك تشكو ما بقلبي عذَرْتني ... وما لُمْتَ لكن ليس عندك ما عندِي وله من قصيدة، أولها: صَبٌّ لأحلِ ظِباءِ حاجِرْ ... صَبَّ الدموعَ من المَحاجرْ وغدا أسيراً عندما ... ملكَتْ جوارحَه الجآذِرْ حكمتْ عليه الغانيا ... تُ وأمْرُهنَّ على النَّواظرْ أن لا يزالَ مُعذَّبا ... وَلْهانَ طولَ الليلِ ساهرْ من كلِّ هَيْفاءِ القَوا ... مِ تَمِيسُ في حُلَلٍ نواضِرْ دقَّتْ حشاً فتمنْطقتْ ... فوق الغلائلِ بالأساوِرْ خَوْدٌ بِعامِلِ قَدِّها ال ... عَسَّالِ كم كسَرتْ أكاسِرْ عجَباً لمُرهَف لَحْظِها الْ ... وَسْنانِ يفتك وهْو فاترْ عَذْارءُ تعْتذرُ البدُو ... رُ لها إذا رامتْ مُناظرْ ما دَعْدُ ما ذاتُ الوِشا ... حِ وما سعادُ وما تَماضِرْ إن أسْفَرْت عن مَنظرٍ ... زَاهٍ يفوق الشمسَ زاهِرْ يا حبَّذا ذاك المُحَي ... يَا والمُكحلَّةِ السَّواحرْ والمَبْسم العذبِ الشَّهِيِّ ... وما حَواه من الجواهرْ وَاطُولَ شوقي لِلَّتِي ... قد أرسلتْ تلك الضَّفائرْ مَّلكْتُها رِقِّي وسُلْ ... طانُ الغرامِ علىَّ جائرْ وطفِقْتُ بالنْفسِ النَّفي ... سَةِ في محبَّتها أُتاجرْ ومنحتُها رُوحِي على ... أنِّى أكون لها مُسامِرْ فأبت وسوَّفتِ الِّلقا ... ءَ وأعْرضتْ كالظَّبْي نافِرْ واستعجبَتْ منِّي وقا ... لتْ مَهْ برُوحِك لا تُخاطِرْ هيْهاتَ لا تُطمِعْ فؤا ... دَك بالوِصالِ فلستَ قادرْ فرجعتُ أعْثُر في ذُيُو ... لِ مَدامِعي والقلبُ حائرْ وأَيِستُ من قُرْب الحبي ... بِ وصرتُ فيه كقَيْسِ عامِرْ وله مشجِّرا: الحسنُ لفظٌ وأنت معناهُ ... ومنتهى اللطفِ منك مَبْناهُ بفاتِر اللحْظِ منك رِقَّ وصِلْ ... صَبًّا تصُبُّ الدموعَ عيْناهُ رِفْقا فكُثْرُ الصدودِ أنْحَله ... جسماً وفَرْطُ البِعادِ أضْناهُ أنت الذي حُزْتَ كلَّ مَنْقَبةٍ ... في الحسنِ أهلُ الهوى بها تاهُوا هذا مُحيَّاك لاح بَدْرَ دُجًى ... والحقُّ ما الشمسُ غيرَ مَرْآهُ يحِقُّ للقلبِ أن يهيمَ به ... وَجْداً وللمُسْتهامِ يَهْواهُ مَن ذا يلومُ المحبَّ في رَشأٍ ... تفْتَرٌّ عن لُؤْلؤٍ ثَناياهُ خِشْفٌ بِلينِ الكلامِ يسحرني ... كأن هاروتَ ساكنٌ فاَهُ أفْدِيه ظَبياً أغَنَّ قد جُمِعتْ ... كلُّ المَسرَات في مُحَيَّاهُ نَواه والهجرَ أوْهنَا جَلَدِي ... إي والذي لا إله إلَّا هُو نجيب الدين بن محمد بن مكي نجيب دعا الأماني فكان الكمال له أول مجيب، وتفرد على كثرة النظراء وليس ذلك بعجيب من نجيب.

стр. 235

فإن الليالي مع أنها ولود بمثله لم تنجب، والدهر على أنه أبو العجب إلا أنه بأعجب منه لم يعجب. كان مقيما بقرية جُبَع من جبل عاملة، يركض جدواد طبعه في ميدان الفضل ويهز عامله. حتى طوى على طيِّ شقة الأرض، واستأذن من طرف الخضر في ذرع مساحتها من الطول والعرض. فخرج يركض النَّجائب، ويتبع في سيره العجائب. ويحن ويئن، وما له قلبٌ مطمئنّ. وهم سالم المهجة مع مس الضر، معافى الحشاشة مع الفقر المرّ. فلم يفده البعد عن أحبابه، إلا تبييض مسودّ شبابه. فاعتاض عن السواد بالبياض، وبئس والله هذا الاعتياض. ثم رجع إلى ووطنه شاكيا وعثاء السفر، ومنشداً عند خيبة المسعى وتخلف الظفر: نجيبُ أبناء الزمان مَن به ... نَضارةُ الدهر ورَيْعانُ المنَى طوَّف آفاقَ البلاد ليرى ... له نظيراً في الذَّكا فما رأَى فعاد بعد طول عمر نَأْيه ... بصفْقة المغْبون يُبدي المشتكى وأصبحتْ عينُ البلاد بعده ... لبُعده مملوءةً من القَذَى ونظم رحلة تتلاشى عندها الرّحل، وأودعها من أبكار أشعاره ما ليس بالدَّخيل ولا المنتحل. وهو في النظم مقدَّم غير مؤخَّر، وكأنا القلم لإطاعته مسخَّر. وقد أوردت له ما تبتهج به الأزمان، وتتنادم عليه في مجالس أنسها النُّدمان. فمنه قوله: عِزَّة النفس وانقطاع النصيب ... أوجبا ذِلَّتي وهجر الحبيبِ فتعوَّضت عن مَرامي وقصدي ... ببِعادي عنه وقربِ الرَّقيبِ وانْقضى العمر في الأماني وما كنْ ... تُ إلى الله راجعاً من قريبِ هو دائي إذا يشَا ودوائي ... فهْو ما زال عِلَّتي وطبيبي وقوله يمدح السيد مبارك بن مطلب حاكم الحويزة: يا سائلي عن أرَبي ... في سفرِي ومَطْلبي لي مطلبٌ مبارك ... مُباركُ بنُ مطلبِ نجلُ علىِّ المرتضَى ... سِبْطُ النبيِّ العربي الطيِّب بن الطيبِ بْ ... نِ الطيب بن الطيبِ أمانُ كلِّ خائفٍ ... غِياثُ كلِّ مُجدِبِ مُنيلُ كلِّ نعمةٍ ... من فضةٍ وذهبِ في فضلهِ وجودِه ... تسمُع كلَّ العجَبِ الأسدُ الكاسر لا ... يخْشاه فَرْخُ الثعلبِ كما السِّخالُ جملةً ... ترعى وجُرْدُ الأذْؤُبِ والفُرْسُ والتُرْك له ... دانتْ وكلُّ العربِ إذا حَللْتُ أرضَه ... نسيتُ أمي وأبِي وأسرتي وولدي ... بنتاً يكون أو صبي ومن يكنْ حَيْدرةٌ ... أباه والجدُّ النبي فكلَّما تصفُه ... مِن دون أدنى الرُّتَبِ وله من قصيدة، مطلعها: ألا هل لُمضَني هجركم من يعودُه ... فيخضرُّ بعد الهجر بالعَوْد عُودُهُ وهلاَّ وعدتُم إذ بَخِلتم بوصْلِه ... فقد تجبُر القلبَ الكسيرَ وعُودُهُ وَتُحْيَ نفوسٌ صَوَّح الدهُر نَبْتَها ... وتُجنى رياحينُ الِّلقا ووُرودُهُ فقد هجرتْه لذَّةُ النومِ بعدكم ... ومَشْرَب صافي الودِّ عَزَّ وُرودُهُ دنَوْتم فأحيَيْتم قلوباً بوصلكمْ ... وقلبي بِحَرِّ النأْيِ مات وجودُهُ بَخِلتُم على مُضناكمُ وهْو عبدكمْ ... وما حاتمٌ إن عُدَّ يوماً وَجُودُهُ وكتب إلى الحريريّ الحرفوشيّ: سعِدتَ بَلثْم كَفٍّ يا كتابي ... لمولىً عالم عَلَمٍ مُمَجَّدْ فتًى في الفضل ليس له نظيرٌ ... عويصُ المشِكلات له تمهَّدْ بني رَبْعَ العلى بعد انْهدامٍ ... وجدَّد ما وَهَى منه وشيَّدْ له قلمٌ إذا ما جال يوماً ... فما الخَطِّىُّ والعَضْب المهنَّدْ فخُصَّ من السلام مدَى الليالي ... بتسْليم جزيلٍ ليس ينْفَدْ اغتناما للفرصة، وحذراً من فوت ما ليس في تركه مندوحة ولا رخصة. وجَّهت هذه العجالة، معتمداً على الاختصار مضربا عن الإطالة.

стр. 236

إلى من أشرقت شموس فضائله فأزاحت من الجهل ظلم الغياهب، وأنارت بدور فواضله فأخجلت نيَّرات الكواكب. واستولى على مدائن الفضل وحصونه، فظفر من ذخائره وكنوزه بمصونه ومخزونه. بوسيلة إرسال تسليمات يحيى ذكرها ميِّت النفوس، وتتزيَّن بتسطيرها متلحِّظات الطروس. ومن بدائعه قوله: ألا هل يُرى من عِلَّة الصدَّ نافعُ ... سوى الوصلِ أو من غُلَّة الوجد ناقعُ وهل بعد شَتِّ الشَّمْل للجمعِ أوْبةٌ ... فتجمعنا من بعدُ تلك المجامعُ سقى الله أياماً مضتْ في غضونها ... هصَرْنا غصونا ما أقَّلْته يانعُ ولي طمعٌ في القربِ واللهُ قادرٌ ... وماذا عسى تُدْنِى البعيدَ المطامعُ وفي كل حينٍ شارقُ الجَدِّ هابطٌ ... وغاربُ سوءِ الحظِّ في الناس طالعُ ولي من أذَى من أرْتجيِه عظائمٌ ... مدَى الدهر عمَّا أصْطفيه قواطعُ مضى العمرُ لا الدنيا حَظِيتُ بخْيرها ... ولا أنا عمَّا يُسخِط اللهَ راجعُ وللهِ لا للناسِ شكْوايَ كلُّها ... من الدهرِ والأمرِ الذي هو واقعُ تولَّى خِصام الحسنِ قَهْراً بنفسِه ... فليس له منه حُماةٌ تُدافعُ ولا سِيَّما مَن ظَنَّه عن تخُّيلٍ ... نجيِباً فبالبْلوى إليه يُسارعُ فغايةُ مَن يرجوه أوْحَد دهرِه ... به ترْكُهُ في حالِه وهو تابعُ إذا كان ريحُ المسكِ يُنكَر ضائعاً ... بأرضٍ فذاك المسكُ لا شك ضائعُ وقد يُترك المجروحَ في ترْكِ شَمِّهِ ... ففي البْين داءٌ ذلك الداءُ مانعُ وللهِ صَبٌّ في الزمانِ تقدَّمتْ ... مَقالُته في مثل ما أنا والعٌ ألا فاخْشَ ما يُرجَى وجَدُّك هابِطٌ ... ولا تخْشَ ما يُخشَى وجدُّك رافعُ فلا نافعٌ إلَّا مع النَّحْسِ ضائرٌ ... ولا ضائرٌ إلَّا مع السعدِ نافعُ وقوله: يا من يُحاول ما أمَّلتَ بالحِيَلِ ... دَعْ ما تخالُ فهذا أولُ الخَلَلِ واركبْ متُون خيولِ السَّبْقِ واسْرِ بها ... في جُنح ليلِ الهدى من غيرِ ما كسَلِ وجانبِ الجِانبَ الأدْنَى فما ظفِرْت ... بالقُرب منه ذوو الآمالِ بالأمَلِ واقطعْ رَجاك من الدنيا فما صدَقتْ ... في وعدِها أحداً من سالفِ الأزَلِ وصِل حِبالَك بالحبلِ المَتين فما ... يُعِطى ويمنعُ إلا علَّةُ العِلَلِ واسُلكْ سبيلَ رِضاهُ غيرَ مُتَّئدٍ ... فإنه لْلبرايا أوضحُ السُّبُلِ وازْدَدْ على الهجر حُبّاً لا تَمَلّ فما ... في مِلَّةِ الحب آذى من أذَى المَلَلِ وقوله على طريقة المهيار: يميناً بهم صادقا لن يمينَا ... لقد خلَّفونا وساروا يمينَا مقيماً على عْهدهم لا أحولُ ... ولو أنهم أصبحوا ظاعِنينَا مَشُوقا إلى سْمعِ أوصافهمْ ... فأوصافُهم تُطرب السامعينَا عيونٌ تفِيض لتَذْكارهم ... فتحْكِى إذا ما ذكرت العيونَا وقلبي يحِنُّ لأخبارهمْ ... فتْلَقى له حين يُتْلَى حنِينَا وعيشِىَ من بعدِهم لا يطيبُ ... على أيِّ حالٍ عسى أن يكونَا ونَوْحِي ولو عِشْتُ ما عاش نُوحٌ ... يزيد على جملِة النَّائحيِنَا وأعظمُ من بُعْدِهم حسرةً ... شَماتةُ من أصبحوا شامتيناَ وقوله: عزيزٌ علينا أن تهُون نفوسُنا ... لذلك بالصبرِ الجميل أهَنّاهَا وكنَّا نرى أنْ لو أتانا مُفاجِياً ... مُعَزٍّ لها فيها بذلك هنَّاهَا لنَرْعى نفوساً من نفوسٍ زكيَّةٍ ... بأرْواحنا لو تُفْتدَى لفديْناهَا وقوله: لي نفسٌ أشكو إلى الله منها ... هي أصلٌ لكلِّ ما أنا فيهِ

стр. 237

فجميلُ الخِلال لا يرْتضينِي ... وقبيحُ الخلال لا أرْتضيهِ فالبَرايا لذاك أو ذا جميعا ... لي خُصوم من عاقلٍ أو سفيِه ومن مقطعاته قوله: علَّةُ شيْبي قبل إبَّانِه ... هجرُ حبيبي في المقال الفَصيحْ ويجعل العلَّةَ في هجْرِه ... شْيبى وفي ذلك دَوْرٌ صحيحْ هذا الدور دار على الألسنة قديما حديثا، ومن مشهوره قول بعضهم: مسألةُ الدَّوْرِ جَرَتْ ... بيني وبين من أُحِبّ لولا مَشِيِبيَ ما جفا ... لولا جَفاه لم أشِبْ ومثله لأبي العباس خطيب جامع دمشق: مسائلُ دَوْرٍ شيْبُ رأسِي وهجرُها ... وكلٌّ على كلٍّ له سبَب يُنْبِي فأُقْسِم لولا الهجر ما شاب مَفْرِقي ... وتُقسِم لولا الشَّيب ما كرهتْ قُرْبِي وله: واعجباً منَّا ومن حُبِّنا ... للْمال ما ذلك إلا بَوارْ فآخِر الدرهمِ هَمٌّ يُرى ... وآخرُ الدنيا ولا شك نارْ البيت الثاني من الأول: النارُ آخرُ دينارٍ نطقْتَ به ... والهمُّ آخر هذا الدرهم الجارِي والمرءُ ما دام مشْغوفاً بحبِّهما ... معذَّبُ القلب بين الهمِّ والنارِ وله: المرءُ لا يسلمَ من حاسدٍ ... أو شامتٍ في العسر واليُسرِ فهو على الحالْين لا بدَِّ أن ... يْلحقه نوعٌ من الشرِّ وله:؟ وإذا كانت الحياةُ إلى الموْ - تِ فقَصْرُ الآمالِ أوْلى وأحْرَى فالخطايا تزْداد والعيشُ ضَنْكٌ ... فهْو أولَى لا شكَّ أُولى وأُخْرَى وله: كلُّ اُمريءٍ دون أمْرَ يْ ... نِ من الأنام مُقصِّرْ إمَّا اْمرؤٌ متوكِّلٌ ... أو آخَرٌ متهوِّرْ وله: ما صفا الدهرُ لامريءٍ ... قَطُّ يوماً من البشَرْ فإذا مَشْربٌ صفَا ... عانَد الدهرُ في أُخَرْ وله: مالي على هَجْرِك من طاقةٍ ... ولا إلى وَصْلِك من مَقْدرَهْ لكنني ما بين هذا وذا ... فرَّطتُ في دُنيايَ والآخَرهْ وله في السيد خلف بن مطلب، وأجاد في التورية: إذا جرى ذكرُ ذي فضلٍ ومَكرُمةٍ ... ممَّن مضى قلتُ خَلُّوا ذكرَ من سلَفَا الحمدُ لله أهلِ الحمد إنَّ لنا ... عن كلِّ ذي كَرَمٍ ممن مضَى خلَفَا وله في مداد أحمر على ورق أصفر: مَدمعي مثلُ مِدادي والورقْ ... لوْنه لَوْني ولكني أرَقّ طلَّق النومُ جفوني فلذا ... عُوِّضتْ عنه بتزْوِيج الأرَقْ ولبعضهم، وقد أعطى بعض الشعراء جائزة في كاغد أحمر: جائزتي في كاغدٍ أح ... مرَ وارِدٍ عليْكْ أُشْرِبَ بعضَ خجْلتي من ... قِلَّة المُهدَى إليْكْ ويستظرف قول الحسن البورينيّ، وقد كتب يستدعى بعض خلانه بفرصاد لكونه لم يجد حبراً: يا طرائرَ الْبان خُذ منِّي مكاتبةً ... ضَعْها لدى منْزِل الظَّبْيِ الذي سَنَحَا هي الشكايةُ من داءِ الغرام وقد ... كتْبتُها بدمِ القلب الذي جرحَا ولنجيب الدين: جُبْتُ البلاد فما وجدْ ... تُ بها صديقاً صادقَا يا قلبُ فاحذَرْ لا تكن ... منها بِخِلٍّ واثِقَا وله: هو الدهرُ ربُّ الجاهِ فيه أخو الفضلِ ... ولو أنه عارٍ من الدين والعقلِ وربُّ الحِجى والفضلِ والعلمِ والتقى ... إذا ما خَلا منه فذاك أبو جهلِ وقال في رحلته، عند ذكر أمير المؤمنين، كرَّم الله وجهه: وقلتُ فيه بيت شعرٍ وَصْفا ... يحصُل منه أربعون ألْفَا تلْحقها ثلاثةٌ مِئِينا ... كاملةً مضافةً عشرينَا أبياتُ شِعْرٍ عدُّها كما ذُكِرْ ... والبيتُ هذا فتأمَّل واختبرْ عليٌّ رَضِيٌّ بَهِيٌّ وَلِيُّ ... صَفِيٌّ وَفِيٌّ سَخِيٌّ عَلِيُّ يشتمل هذا البيت على أربعين ألفاً وثلاثمائة وعشرين بيتاً.

стр. 238

وبيان ذلك أن البيت ثمانية أجزاء يمكن أن تنطبق كل جزءٍ من أجزائه مع الآخر، فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات. فالجزآن الأولان على رضي يتصور فيهما صورتان؛ التقديم، والتأخير. ثم خذ الجزء الثالث، فتحدث منه مع الأول ست صور؛ لأنه ثلاثة أحوال؛ تقدمه، وتوسطه، وتأخره، ولهما حالان، فاضرب أحواله في الحالين تكن ستة. ثم خذ الجزء الرابع، وله أربعة أحوال، فاضربها في الستة التي لما قبله، تكن أربعة وعشرين. ثم خذ الخامس، تجد له خمسة أحوال، فاضربها في الصور المتقدمة، وهي أربعة وعشرون، تكن مائة وعشرين. ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال، فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين. ثم خذ السابع، تجد له سبعة أحوال، فاضربها في سبعمائة وعشرين، تكن خمسة آلاف وأربعين. ثم خذ الثامن، تجد له ثمانية أحوال، فاضربها في خمسة آلاف وأربعين، تكن أربعين ألفاً وثلاثمائة وعشرين بيتاً. ومن فوائده فيها، عند ذكر الغيبة، قوله: وجوَّزُوا الغِيبةَ في مواضعِ ... لكنها قليلةُ المواقعِ كرَدْعِ شخصٍ يفعلُ القبائحَا ... أو كان للشَّاهدِ أيضاً جارحاً أو وصْفِه بما به يمتازُ ... بفعلِه كي يحصُل احْترازُ ففي الحديث الفاسقَ اذْكروهُ ... يعرفُه الناس فيحذروهُ وكلُّ ذا مع عدَمِ التَّقَّيةِ ... والخوفِ من ذي الشِّيَمِ الرَّدِيَّةِ ومما يستحسن له قوله: مدَّت حبائلَها عيونُ العِينِ ... فاحفظَ فؤادَك يا نجِيبَ الدينِ في هجْرِها الدنيا تضيعُ ووصْلُها ... فيه إذا وصَلتْ ضَياعُ الدينِ وهو من قول الآخر: يا قلبُ دَعْ عنك الهوى واسترحْ ... فلستَ فيه حامداً أمْرَا أضعتَ دنياك بهجرٍ وإن ... نلْتَ وِصالاً ضاعتِ الأخرىَ ومثله للبابي: طريقَ القضا لا بل طريقَ جهنَّمٍ ... ركبتُ فأضحى حلوُ عيشي به مُرَّاً أمانٍ بها دنيايَ ضاعتْ فلم أنَلْ ... علَى أنني إن نِلْتُها ضاعتِ الأخرَى وله: لك اللهُ من دهرٍ توالتْ صرُوفُه ... علينا فأوْلَى ضدَّ ما نتمنَّاهُ فقرَّبنا ممَّن نَوَدُّ بِعادَه ... وأبْعدنا عمَّن نحبُّ ونهْواهُ وهو من قول المتنبي: أما تعلَط الأيامُ فيَّ بأن أَرى ... بغيضاً تُنائِي أو حبيباً تُقرِّبُ محمد بن حسن بن علي بن محمد، المعروف بالحر أغر، له الكلم الغر، حر، له النظم الحر. إنِّي أرى ألفاظَه الغُرَّا ... عطَّلتِ الياقوتَ والدُّرَّا له الكلامُ الحرُّ وهْو الذي ... ألفاظُه تستعبدُ الحُرَّا وهو أحد هدايا الجبل، وأجل من انعجن باللأدب وانجبل. وله الشعر الذي جمل به الأدب وزانه، وزين مقاطيع الشعر وأوزانه. أطلعه أرق من خصر أهيف يتلفت، وأشهى من مقبل شادنٍ عليه القلوب تتفتت. وقد أثبت له منه ما يطرب بأناشيده المطربة المطرية، ويرقص الأعراف بأغاريده المغربة المغرية. فمن ذلك قوله: لاح وجهٌ من رَبْع ليلى جميلُ ... ورقابُ الرِّكاب والرَّكْبُ مِيلُ بعد ما كاد أن يُلمَّ بنا اليأْ ... سُ فزاد الرجاءُ والتَّأميلُ فظننَّا الحبيبَ لاح وقلنا ... ذلك ما تشتهي القلوبُ فمِيلُوا ذلك السُّؤْلُ والهوى والاماني ... للبرايا والقصدُ والمأمولُ حدِّثونا فذا حديثٌ صحيحٌ ... حسَنٌ مُجْمَلٌ رواه جميلُ كل دَمع فرضٌ على كل عينٍ ... وعلى العِيسِ وخْدُها والذَّمِيلُ ثم مِلْنا إلى ربيعٍ رَبُوعٍ ... نحوها أنفسُ الجمادِ تميل وكأن السُّهادَ للقوم كُحْلٌ ... وكأن الطريق للنَّوْم مِيلُ بِيَ نقْصٌ من الكمال ومنهم ... للمحبِّ التَّتْمِيمُ والتكميلُ كل حيٍّ في ذلك الحيِّ نَشْوا ... نُ هوىً وهْو عاملٌ مَعْمولُ

стр. 239

عمَّهم يا ابنَ عمِّ مِن ألَمِ الحبِّ ... عمومٌ من الهوى وشُمولُ كل شخصٍ منهم بدا قلتُ هذا ... مُستمالٌ في الحب بل يَسْتميلُ كل مَن مات في الهوى أكْسبوه ... شُهرةً ليس يعتريها خُمولُ مَن رآهم في النوم أو يَقْظَةٍ ها ... مَ وأضْحى ودمعُه مَهمولُ جنَّةٌ قد تجمَّعت في هَواها ... شهواتُ النفوس والمأمولُ كم بتلك المَحاملِ اسْتأْسرُوا قلْ ... باً غدا وهْو في الحِمال حَمِيلُ حَملوه وحمَّلوه البَلايا ... في الهوى فهْو حاملٌ محمولُ بُعدوا بالحمُول عنَّا فلم تُبْ ... قِ احْتمالاً للقُرْب تلك الحُمولُ وقوله، وهو من أجود شعره: رأيتُ غريبَ الحسن قد حُفَّ بالقَنا ... فلاحتْ أماراتُ السعادةِ والشُّومِ وكلَّمني غِيدُ الحِمى وحُماتُه ... بقْسمين مظنونٍ لدينا ومعلومِ فيا قوم رفْقاً بالفتى وهو ضيفكُم ... وما ضيفُ أمثالِ الكرام بمحرومِ ويا ابْنةَ عمِّ الحُورِ وابنةِ عمَّةِ الْ ... بدورِ أختَ النورِ بنتَ أخي الرِّيمِ كلامُك كَلْمٌ للفؤادِ ولذةٌ ... فرفقاً بصبٍّ من كلامِكِ مكْلومِ هذه الأبيات تستحق أن تكتب بالنور، على صحائف وجنات الحور. لولا لفظة الشوم في ضربها، فكان الأحرى أن تعزل من دربها. وله: وغانيةٍ شكلِ العروس بوجهها ... يقيم عليه لَحْظُها كلَّ برهانِ يبيِّن خَدَّاها لنا بإشارةٍ ... إلى رابعِ الأشْكال أوضحَ تِبيانِ بسالِفِها معْ حاجِبَيْها بدتْ لنا ... براهينُ أشكال تُشير إلى الثانِي وحاجبُها للحسنِ شكلٌ مُتمِّمٌ ... فياليْته مَقْرونُ حُسْنٍ بإحْسانِ وأنشدني لنفسه، السيد محمد بن حيدر المكي، في مثل هذا التوجيه: تبدَّى نقِيُّ الخدِّ يزْهو بحُمرةٍ ... مُقارنةٍ فيه البياضَ بإتْقانِ فقلتُ انْبساطاً إذ غدا القبْضُ خارجاً ... فلذلك من أشْكالنا كلُّ لَحيانِي وأكثر ما يتداول فيه هذه الأبيات: تعلَّمتُ خطَّ الرملِ لما هجرتمُ ... لعلِّي أرى فيه دليلاً على الوصلِ فأعجبني فيه بياضٌ وحمرةٌ ... رأيتُهما في وَجْنةٍ سلبتْ عقلِي وقالوا طريقٌ قلت يا ربِّ للِّقا ... وقالا اجتماعٌ قلت ياربِّ للشَّملِ وقد صرتُ فيكم مثلَ مجنون عامرٍ ... فلا تعجبوا أنِّي أخطُّ على الرملِ ومن جيد شعره قوله: فضلُ الفتى بالبذْلِ والإحسانِ ... والجُود خيرُ الوصفِ للإنسانِ أوَليس إبراهيمُ لما أصبحتْ ... أموالُه وَقْفاً على الضِّيفانِ حتى إذا أفْنى اللُّهَى أخَذ ابْنَه ... فسخاً به للذَّبْح والقُربانِ ثم ابْتغى النُّمرود إحْراقاً له ... فسخاً بمُهْجته على النِّيرانِ بالمالِ جاد وبابْنِه وبنفسِه ... وبقلبه للواحد الدَّيَّانِ أضْحى خليلَ الله ﷻ ... ناهِيك فضلاً خُلَّةُ الرحمنِ صحَّ الحديثُ به فيالَكِ رُتبة ... تعلو بأَخْمَصِها على التِّيجانِ أصل هذا حديث قدسي، رواه أبو الحسن المسعودي في أخبار الزمان. قال: إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: " إنك لما سلَّمت مالك لضيفان، وولدك للقربان، ونفسك للنيران، وقلبك للرحمن اتخذناك خليلا ". وقوله: قد كنتُ أستْنِشق من مَطْلكمْ ... عَرْفَ شَذَا خيْبَةِ آمالِي فالآن قد بان بتصْريحكمْ ... أنِّى لنِيرانِ الجفا صالِي إنِّي رأيت اليأسَ عِزّاً وفي ... كلِّ رجاءٍ نوعُ إذلالِ رَجاؤكمْ غُلٌّ وها أنتمُ ... أطلقتمُ عنِّيَ أغْلالِي والمالُ ظلٌّ هائلٌ زائلٌ ... لا دَرَّ دَرُّ الجامعِ المالِ

стр. 240

في مذهب المجدِ ودِين العُلى ... سِيَّانِ إكْثاري وإقْلالِي وقوله: حجبوا عنِّيَ الحبيبَ وحالُوا ... دونه واستمرَّ ذاك الحجابُ ضربُوا بيْننا بسُورٍ منيعٍ ... مُحكمٍ ما لذلك السورِ بابُ باطنٌ فيه رحمةٌ لكِن الظاَّ ... هرُ لي منه نِقْمةٌ وعذابُ ومن مقطعاته قوله: قد ظننتُ النجاةَ والفوزَ في الحبِّ ... بأن ألْثِم الثَّنايا العِذابَا فبِتَرْكي والاحْتياط وتْعوي ... لِي على الظنِّ ذقتُ هذا العذابَا وقوله مورِّيا بلقبه: قلتُ لما لَجأْتُ في هَجْوِ دهرٍ ... بذَل الجُهدَ في احتفاظِ الجَهُولِ كيف لا أشتكِي صُروفَ زمانٍ ... ترك الحرَّ في زَوايا الخُمولِ قلت: للشعراء المتقدمين أشعارٌ كثيرة، تتعلَّق بأسمائهم وألقابهم، من ذلك قول السراج الوراق: بُنَيَّ اقْتدَى بالكتاب العزيزِ ... فزاد سروراً وزدتُ ابْتهاجَا فما قال لي أُفُّ في عمرِه ... لكوْني أباً ولكوْني سِراجَا والذي أكثر من هذا حد الإكثار الشهاب الخفاجيّ، فمن ذلك قوله: قالوا نراك سقطْتَ من رُتَبٍ ... أترى الزمانَ بمثل ذا غلِطَا قلتُ الشياطينُ اللئامُ عَلَوْاً ... ولذا الشهابُ من العُلى سقطَا وله: يراكمْ بعْين الشوقِ قلبي على النَّوَى ... فيحسدُه طَرْفٌ فتنْهلُّ أدمعِي ويحسد قلبي مَسْمَعِي عند ذكْركمْ ... فتذْكُو حراراتُ الجوى بين أضْلَعِي ومن معمَّياته قوله، في اسم علي: اُفْدِيه وافِىَّ المحاسنِ بارِعاً ... يعْلو عن الإنْشادِ والإنْشاءِ يا مِحْنتي فلقد تعرَّض لَحْظُه ... وعِذارُه من قبلها لشَقائِي وقوله فيه أيضاً: بفؤادي أفْدِي حبيبى وإن عَنَّي ... فؤادي بالوجْدِ والتعذيبِ مِن مُحَيَّاه يلمع النورُ يامَن ... لام هلاَّ شاهدتَ نُورَ الحبيبِ وقوله في اسم خالد: أطْمَعني يومَ الِّلقاء في المُنى ... ثم انْثنى بالصدِّ والاجْتنابْ ولاح في وجْنِته حمرةٌ ... حسِبْتُها ماءً فبانتْ سَرابْ وقوله في اسم عثمان: وظَبْيٍ صال في العشاقِ يسْطُو ... بألْحاظٍ أثارتْ نارَ حربِى أصاب بعيْنه قلبي بسهمٍ ... هنالك بعدَها ودَّعتُ قلبِي وقوله في اسم أحمد: أفْدِيه فرداً مالَه من مُشْبِهِ ... يسْطو علىَّ بحُسْنِه وبعُجْيِهِ داءُ السَّقامِ أضَرَّبي في حبِّه ... هل من مُجرَّدِ رأفَةٍ من قلبِهِ وقوله في اسم عمر: زار الحبيبُ وكان شَطَّ ... على النوَى منه المَزارْ كَرْبٌ مَحتْه يدُ الِّلقا ... كالليل أعْقبَه النهارْ وقوله في اسم عليّ: لا تلُمْنِي إن هِمْتُ وَجْداً بمن ... فاق الورَى في جمالِه والكمالِ جاء فَرْداً في كلِّ وَصْفٍ بديعٍ ... وترقَّى ففاق أَوْجَ المعالِي وقوله في اسم حسن: طال اشْتياقي إلى ظَبْيٍ فُتِنتُ به ... وزاد في حبِّه وَجْدى وبَلْبالِي حبٌّ بلا آخرٍ ضِمْنَ الفؤادِ رَقَى ... وراح ينْهَى عن الإفْراطِ عُذَّالِي وله أحجية في شراريف: يا واحداً في فضَلِه يا من يُلا ... ذُ بظِّله عند اشْتباه الأجْوِبَهْ بيِّنْ لنا أحجيةً قد أشكلتْ ... ما مثل قولي ابْتاع أرْضاً مُخْصِبَهْ وله في بانياس: يا مَن عُلُوُّ الورى لديْهِ ... في درجاتِ العلى هُبوطُ أبِنْ جوابي فَدَتْك نفْسِي ... ما مثلُ قولي بدَا قُنوطُ وله في برغال: أيا مَن عَلَا فوق أوْجِ العُلى ... وفاق الأنامَ بفضلٍ مُبينْ أبِنْ لي جوابي فأنت الإِما ... مُ ما مثلُ قولي طعامٌ ثمينْ محمد بن علي بن محمود الحشريّ شاعر ملء فيه، ومبرز في الفن لا يباري فيه.

стр. 241

فللأقلام قصبات سبقٍ أخذها يوم الفخر لدى الرهان، فلم يعلق غباره بعيون الرَّائين ولم تلحق به خطرات الأذهان. تشيم بارقة السحر من من نفثاته، وتشتم عابقة الشِّحر من تنفُّساته. يملأ الآذان بجواهر كلامه اللوامع، فلذلك تضِيق عند اسْتماع نقده المسامع. بألفاظ أحسن من فتور ألحاظ الغواني، ومعانٍ أوقع من ترجيع أصوات الأغاني. لا تمل شعره الرقيق الخواطر، حتى تمل نسيم السحر الرياض العواطر. إلى أدب كزهر البستان، متروٍ بالصَّبيب الهتَّان. وأنا بشعره مفتون فتنة مسحور، ولي منه كلَّ آنٍ ابتهاج ولدانٍ حور. وقد أثبت له ما يطيل خطي الحظ ويبعث الانشراح، ويمحو الهموم عن القلوب ويثبت الأفراح. فمن ذلك قوله: مَددْت إلى الطبيب يدي فولَّى ... يُروِّح راحتيْهِ من الصَّلاءِ فقلتُ أصابني عينٌ فأهْوَى ... إلىَّ وقال لي أثرُ الهواءِ وقوله: شرِّقْ على حكم النَّوى أو غرِّبِ ... ما أنت أولُ ناشبٍ في مِخْلَبِ في كل يومٍ أنت نَهْبُ محاسنٍ ... أو ذاهبٌ في إثْر برقٍ خُلَّبِ متألِّق في الجوِّ بين مُشرِّقٍ ... غَصَّ الفَضاء به بوين مُغرِّبِ يبكي ويضحك والرياضُ بواسمٌ ... ضَحِكَ المَشيب على العِذار الأشْيب أزَعمتَ أن الذلَّ ضربةُ لازِبٍ ... فنشِبْتَ في مِخْلاب بازٍ أشْهبِ لعبتْ بلُبِّك كيف شاء لها الهوى ... مُقَلٌ متى تجدِ الواظرَ تلعبِ زعمتْ عُثَيْمةُ أن قلبَك قد صَبا ... من لي بقلبٍ مثل قلبك قُلَّبِ قد كنت آمُل أن تموت صَبابتي ... حتى نظرتُ إليكِ يا ابْنَة يَعْرُبِ فطربتُّ ما لم تطْربي ورغبتُ ما ... لم ترغبي ورهِبْتُ ما لم ترْهبي ولقد دَلفْتُ إليهم في فِتْيةٍ ... ركبوا من الأخْطار أصْعبَ مَرْكَبِ جعلوا العيونَ على القلوب طلِيعةً ... ورَمُوا القِفارَ بكل حَرفٍ ذِعْلِبِ ترمي الفِجاجَ وقلبُها متصوِّبٌ ... في البِيد إثْرَ البارِقِ المُتصَوِّبِ هو جاءُ ما نفَضت يداً من سَبْسَبِ ... إلا وقد غمَستْ يداً في سَبْسبِ تسْرى وقلبُ البرق يخفِق غِيرَةً ... منها وعينُ الشمسِ لم تنتقَّب تطفْوُ وترسْب في السَّراب كأنها ... فُلك يشقُّ عباب بحرٍ زَغْرَبِ تفْلِى بنا في البِيد ناصيةَ الفَلا ... حتى دُفِعتُ إلى عقيلة رَبْربِ وافتْك تخلِط نفسَها بلداتها ... والحسنُ يُظهِرها ظهورَ الكوكِب كفريدِةٍ في غَيْهبٍ أو شادنٍ ... في رَبْربٍ أو فارس في موكِب تمْشِى فتعثُر في فُضول ردائِها ... بحياءِ بكرٍ لا بنَشْطِة ثيِّبِ وقوله: أين من أَودعُوا هواهم بقلبي ... وصلَوْا نارَهم على كلِّ هَضْبِ كلما فوَّقُوا إلى الرَّكْبِ سهماً ... طاش عن صاحِبي وحلَّ بجنْبي يشتكي ما اشتكيتُ من لَوْعِة الْبَيْ ... نِ كلانا دَامِى فؤادٍ وقلبِ وقوله: للهِ ما فعلَ المشِي ... بُ على فراقِك في شبابِي أقْذَى عيونَ الغانيا ... تِ وفَتَّ في عَضُد الصِّحابِ ظُلَم كَسَفْنَ مطالبي ... وتَفلْنَ في وجهِ التَّصابي غَبَّرْنَ في وجهِ النَّدِي ... مِ ورنَّقتْ صَفْوَ الشرابِ اللهُ لي من أبْقَعٍ ... صبَغتْ حُلوكتُه ثيابي أقْوَى وأبلغُ في القطِي ... عِة من دعاءٍ مستجابِ وافاك في بُرْدِ الغُرا ... بِ نَعَى الصِّبا نَعْىَ الغُرابِ ألْبستُه ثوبَ الشبا ... بِ فكان أكْذَبَ من سَرَابِ وإذا خضَبْتُ بَياضَه ... ضَحِك المشِيبُ على خِضابِي

стр. 242

وقوله: كل شَمْلٍ وإن تجمَّع يوماً ... سوف يُمْنَى بفُرقةٍِ وشَتاتِ لا ألومُ النَّوى فرُبَّ اجتماعٍ ... كان أدْنَى إلى نَوًى وثباتِ مْثلما زِيدتِ السهامُ عُلوًّاً ... في صُدورِ العِدى بقُرِْبِ الرُّماةِ وقوله: باجْتلاءِ المُدامِ في الأقداحِ ... وبمرآةِ وجهِك الوَضَّاحِ لا تذرْني على مَرارِة عيشِي ... أكْلَ وَاشٍِ ولا فريسةَ لاحِي صاحِ كِلْني إلى المُدامِ ودَعْنِي ... والليالي تجوُل جَوْلَ القِداحِ لا تخَفْ جَوْرَ حادثاتِ الليالي ... نحن في ذِمَّةِ الظُّبا والرِّماحِ طَوْع أيْدِي الخُطوب رَهْن المَنايا ... تتخطَّى بها إلىَّ صِفاحِي قلَّدتنْي من المَشِيب لجِاماً ... كفَّ رأْسِي شكيمُهُ عن جِماحِي صاحِ إن الزَّمانَ أقصرُ عُمْراً ... من بكاءٍ بدِمْنةٍ ونُواحِ رَقَّ عنا مَلاحِفُ الجوِّ فاسمحْ ... برقيقٍ من طَبْعك المُرتاحِ يا مَلِيك المِلاحِ إنْ زماناً ... أنت فيه زمانُ رَوْحٍٍ ورَاحِ طاب وقتُ الزمانِ فاشربْ عَساهُ ... يا صَباحِي يطيبُ وقْتَ الصَّباحِ واسْقِنيها سُقِيتَ في فلَقِ الفَجْ ... رِ على نَغْمِة الطيورِ الفِصاحِ وقوله: خلعتْ ثوبَها على التُّفَّاحِ ... وترامتْ على خُدودِ الملاحِ كلُّ رَيحْانةِ أرقَّ من الرَّا ... ح جَلاَ لِي شقِيقةَ الأرْواحِ وَرْدةً فوق خَدِّه وقُروحاً ... بين جْنَبيَّ دامِياتِ الجراح حَبَّذا مَيْعةُ الشبابِ وعيشٌ ... قد قطْعناه في ظِلال الرِّماحِ زارني زَوْرةَ الخيالِ ووَلَّى ... في كَرَى النومِ مُزعَجاً بالصَّباحِ لستُ أقْوَى على الجفونِ المَواضِي ... وَيْحَ نفسي من المِراضِ الصِّحاحِ سامَح اللهُ من دَمِى وَجْنتيْهِ ... وعفَا عن بَنانِه الوَضَّاحِ لا تُؤاخذْ جفونَه بفؤادي ... يا إلهي كلاهما غيرُ صاحِ وقوله: قُمْ هاتِها وضميرُ الليل منشرحُ ... والبدر في لُجَّة الظَّلْماء مسْتَبِحُ عجِّل بها وحِجابُ الليل مُنسدِلٌ ... من قبْل يبدو لنا في وَكرِه الصُّبُحُ واسْتضحكِ الدهر قد طال العُبوسُ به ... لا يضحك الدهر حتى يضحكَ القَدَحُ فقام والسكرُ يعْطو في مفاصلِه ... يكاد يقطُر في أعطافِه المَرَحُ يطوف والليلُ بالجَوْزاء مُنتطِقٌ ... بها علينا رَشاً بالحسن مُتّشِحُ في أُسرةٍ كنجوم الليل زاهرةً ... لا يستخفُّهمُ في مَحْفَلٍ فرَحُ ورُقْيَةٍ من عَذُول طار طائرُه ... لا الجِدُّ يَثْنيه عن لَوْمِى ولا المَزحُ قاسمْتُه قِسْمةً ضِيزَى مواهبُها ... لِيَ الهَنا وله من دُونِيَ التَّرَحُ وذي دَلالٍ كأنَّ اللهَ صوَّره ... من جوهرِ الحسن إلّا أنه شبَحُ أسُوسُه وهو غضبانٌ وأبْسُطه ... والسكرُ يخْفِض من صَوْتي فينْشرحُ بِتْنا على غِرَّةِ الواشي وغُرَّتِه ... أغْتاظ منه بلا غَيْظٍ ونصطلحُ جعلتُ عَتْبِي إلى تقْبيله سبباً ... والسكرُ يفتح باباً ليس يْنفتحُ حتى إذا صيَّرَتْه الراحُ طَوْعَ يدي ... صدَفتُ عن بعض ما يأْتي به النَّشَحُ فما تبسَّم في وجه الصَّبا قدَحٌ ... حتى تنفَّس من جَيْب الدجى وَضَحُ ودَّعْتُه وجَبِين الصبح مُنزِلقٌ ... وللظلام لسانٌ ليس يجْترحُ ولا يطيبُ الهوى يوماً لُمْغتبِقٍ ... حتى يكون له في اليوم مُصْطَبحُ وقوله:

стр. 243

غادرْتموني للخُطوب درِيئةً ... تغْدو علىَّ صرُوفها وتروحُ ما حركتْ قلبي الرياحُ إليكمُ ... إلا كما يتحرَّك المذبوحُ وقوله: وكنتُ إذا نزعْتُ إلى هَناتٍ ... جريْتُ مع الصِّبا طَلْقَ الرياحِ فقلدني المَشيبُ على عِذارِى ... لجِاماً كَفَّ رأسِي عنِ جِماحِي وقلتْ لعاذلي إِيه فإنِّي ... وهبتُ اليومَ سمعِي للَّواحِي هو القدرُ المُتاحُ على الغواني ... فقلْ ما شئْتَ في القدر المُتاحِ وما حُسْنُ العيون بلا بياضٍ ... وما ليلُ التَّمام بلا صباحِ وما ضيفٌ أتاك بلا احْتشامٍ ... وأنتَ من الرحيلِ على جَناحِ وقوله: أيارِيحَ الصَّبا إن جئت نَجْداً ... فجدِّد بالظِّباء العِين عهداَ فقد أرضَعْتني ثَدْيَ الأماني ... وشِبْتُ وما بلغتُ به أشُدَّا وكم رَفَّتْ علىَّ طُوالَ ليلٍ ... ذوائبُ ذلك الرَّشَأ المُفدَّى وما نَجْدٌ وأين ظباءُ نجدٍ ... سقى الرحمنُ ماءَ الحسن نجْدَا وقوله من قصيدة، يمدح بها النظام ابن معصوم، يقول فيها: وإن في الشَّعَرات البِيض لو علموا ... نُوراً لعيني ونُوَّراً على عُودِي بِيضٌ وسُودٌ إذا ما استجْمَعا حَسُنَا ... حُسْنَ البياض على أحْداقِها السودِ كم للزمانِ ولا أخْشَى بَوائِقَه ... من ضِنَّةٍ ولعْين المُلك من جُودِ عَفُّ الشَّيِبة مَيْمون النَّقِيبة مَنْ ... صورُ الكتيبة مأمونُ المواعيدِ أخلاقُ أحمدَ في تقْوى أبي حسَنٍ ... وحسنُ يوسف في مُلْك ابن داودِ لا يحسُن الشعرُ إلا في مدائحِه ... كالدُّرِّ أحسن ما يبدو على الجِيدِ وقوله: أنتَ يا شُغْلَ المحبِّ الواجدِ ... قِبلُة الداعِي ووجهُ القاصدِ فُتَّ آرامَ الفَلا حسناً فما ... قابلَتْ إلا بطَرْفٍ جامدِ شأنُ قْلبينا إذا صحَّ الهوى ... يا حياتي شأنُ قلبٍ واحدِ كثَّر الواشون فينا قولَهمْ ... ما عليْنا من مَقالِ الحاسدِ لستُ أُصغِي لأراجِيف العِدى ... مَن يُغالي في الَمتاع الكاسدِ وقوله: زارني والبرقُ يرْمِى بالشَّرَرْ ... وعيوني شاخِصاتٌ في القمرْ ذو دَلالٍ كلما مَرَّ حَلَا ... آهِ ما أحْلَى هواه وأمَرّ بينما نحن على وَفْقِ الهوى ... نتَشاكَى سَلَّ قلبي ونَفَرْ وانْثنَي يعدُو وأعْدُو خلفَه ... وهو يرْميني بأطْرافِ النظرْ وَيْكَ يا شامِيُّ لا تطمعْ على ... ضَعْف عيْنَيْه بأحْداقِ الخَزَرْ وقوله من قصيدة: وقد جعلتْ نفسي تحِنُّ إلى الهوى ... حَلَا فيه عيشِي من بُثينة أو مَرَّا وأرسلتُ قلبي نحو تَيْماءَ رائداً ... إلى الخَفِرات البِيض والشُّدن العَفْرِا تعرَّف منها كلَّ لَمْياءَ خاذِلٍ ... هي الرَّيمُ لولا أن في طَرْفِها فَتَرا من الظَّبياتِ الرُّودِ لو أنَّ حسنَها ... يكلِّمها أبدتْ على حسنِها كبِرَا وآخَر إن عرَّفْتُه الشوقَ راعني ... بصَدٍّ كأني قد أبَنْتُ له وَتْرَاً أُناشدُ فيه البدرَ والبدرُ غائرٌ ... وأسألُ عنه الرِّيمَ وهْو به مُغْرَى فما ركِب البَيْداءَ لو لم يكن رَشاً ... ولا صدَع الدَّيْجورَ لو لم يكن بدرَا لِحاظٌ كأن السحرَ فيها علامةٌ ... تُعِّلم هاروتَ الكهانةَ والسحرَا وقَدٌّ هو الغصنُ الرَّطِيب كأنما ... كسَتْه تَلابيبُ الصِّبا ورَقاً خَضْرَا رتَقْتُ على الواشِين فيها مَسامِعاً ... طريقُ الرَّدَى منها إلى كبدي وَعْرَا أعاذِلتي واللومُ لؤمٌ أما تَرَىْ ... كأنَّ بها من كبل لائمةٍ وَقْرَا

стр. 244

بِفِيك الثَّرَى ما أنت والنُّصحُ إنما ... رأيتُ بعيْنيك الخيانةَ والغَدْرَا وما للصَّبا ياوَيْحَ نفِسي من الصَّبا ... تبِيتُ تُناجِي طولَ ليلتها البدرَا تطارحُه والقولُ حقٌّ وباطلٌ ... أحاديثَ لا تُبْقِى لُمستوْدَعٍ سِرَّا وتُلقِى على النَّمَّامِ فَضْلَ ردائها ... فيَعرفُ للأشْواقِ في طَيِّها نَشْرَا يعانقها خوفَ النَّوَى ثم تنْثِني ... تمزِّق من غيْظٍ على قَدِّك الأُزْرَا ألمَّا تَرَىْ باَنَ النَّقا كيف هذه ... تميلُ بِعطْفَيْها حُنُوّاً على الأخرَى وكيف وَشَى غُصنٌ إلى غصُنٍ هوًى ... ومن رَشَأ يُوحِى إلى رَشأ ذِكْرَا هما عذَلاني في الهوى غيرَ أنني ... عذَرْتُ الصَّبا لو تقْبلينَ لها عُذْرَا هبِيها فدتْكِ النفسُ راحت تُسِرُّه ... إليه فقد أبْدَتْه وهْي به سَكْرَى على أنها لو شايَعتْ كُثُبَ النَّقا ... وشِيحَ الخُزامَى إنما حملتْ عِطْرَا وقوله من قصيدة: اُعْفِياني من وَقْفةٍ في الديارِ ... تمْترِى دَرَّةَ الجفونِ الغِزارِ ما انْتفاعِي بنَظْرة تطرِف العَيْ ... نَ بِتلك الطُّلولِ والآثارِ ما ترى البارِقَ الذي صدَع الجوَّ ... سَناه على رسوِم الديارِ خَطِفاتٌ كأنَّهن خيولٌ ... تجرحُ العينَ بالسيوف الهَوارِي أذْكرتْني مَباسِماً وثغوراً ... حالياتٍ تغَصُّ بالأنْوارِ وكؤوساً كأنما حنَّكُوها ... في صَباها برِيقِة الخَمَّارِ خَلعتْ بيننا العِذارَ ووافتْ ... في قميصٍ مُفكَّك الأزْرارٍِ لو رآها العَذُول صُمَّ صَداهُ ... قال لي ولْلَعجوزِ النَّوارِ لا تَغرُوعا بِكْرَ الزمان بقَتْلٍ ... ذَوْبَ الُّلجَيْن غِشُّ النُّضارِ في سَنا الشمسِ ما علمتَ غَناءٌ ... عن ضياءِ النجوم والأقمارِ طال عمرُ الدجى علىَّ وعهدِي ... بالليالي قصيرةَ الأعْمارِ ما احْتسيْتُ المُدامَ إلا وغَصَّتْ ... لَهَواتُ الدجى بضوءِ النهارِ حَّبذا طَلْعةُ الربيع وأهْلاً ... بمَجالِي عرائس الأزهارِ وزمانُ البَهارِ لو عاد فيه ... غشَيانُ الشبابِ عَوْد البَهارِ ومَبِيتي إذا نَبَا بي مَبِيتي ... في ظلال العريشِ والنُّوُّارِ كم تفيَّأْتُها فحَّنتْ علينا ... حَنَّةَ الأمَّهاتِ والأطْيارِ مرحباً بالمَشِيب لولا زمانٌ ... غَضَّ منى وحطًّ من مقدارِي لو وفَى لي الصِّبا ولو عُمْرَ حِينٍ ... يا زماني أخذتُ منك بثَارِي وقوله: حَيَّتْ فأحْيَتْ بالمُدام معاشراً ... حَضرُوا وما ألبابُهمَ بحُضورِ في حّيِّهم صَرْعَى وما شهدوا الوغَى ... نَشْوَى وما مزَجُوا الهوى بخُمورِ وقوله: إيهٍ بذكْر معاهدٍ وأُناسِ ... طابتْ بذكْر حديثهم أنْفاسِي أذْكرتني حيثُ الأحبَّةُ جِيرةٌ ... حالي بهم حالٍ وكأسِيَ كاسِ هلَّا وقفتَ على منازلهم معي ... وبكيْت ناساً يالهم من ناسِ قالت عُثَيْمة والخُطوبُ تنُوشُنى ... والشَّيْب يضحك من بكاءِ الآسي شابتْ شَواتُكَ والزمانُ مُراهِقٌ ... والشيْبُ يا شامِيُّ تاجُ الراسِ وقوله: أما الطُّلولُ فإنها خُرسُ ... تبدُو لعينْيك ثم تْلتبسُ يا مَرْبعاً عبَث البلاءُ به ... عهدي برَبْعِك وهْو مُكْتنَسُ رقَمتْ عليه يدُ الصَّبا صحُفا ... تبدو لقارئها وتنْطمسُ وقف الهوى والدمعُ منطِلقٌ ... في جَوِّه والقلبُ مُنحبِسُ

стр. 245

للطيرِ جَرْسٌ في مَعالِمها ... فكأنما بحُلوقها جَرسُ والوُرْقُ تخطُب في منابرِها ... فوق الغصونِ كأنها حُبُسُ فارْشِفْ حصَاه فإنه شَنَبٌ ... والْثَمِ ثَراه فإنه لَعَسُ كم ليلةٍ قضَّيْتها خُلَساً ... خوفَ العواذِل والهوى خُلَسُ قصُرت عن الشكوى غَياهِبُها ... فكأنَّها من قَصْرها نَفَسُ بْتنا وشَمْلُ الليل مجتمِعٌ ... ويدُ النوَى في شمْلنا تَطِسُ في فتيةٍ رقَّت شمائُلهم ... فكأنها في أُفْقه شَمْسُ بِيضُ الوجوه وجوهُهم سُرُجٌ ... تحت الدجى ومُدامُهم قَبَسُ مالوا إلى الَّلذات من أَمَمٍ ... حتى إذا ضحك الطِّلَا عَبَسُوا والبدرُ يرْفُل في غلائلِه ... بين النجوم وللدُّجَى عُرسُ والماء بين مُصفِّقٍ طرباً ... فيه وآخر مُنْتَشٍ بَجْسُ حتى إذا نطقتْ مَزاهِرُنا ... خرَس العذولُ وما به خَرَسُ غاب الرَّقيبُ ونام حاسدُنا ... فوشَى علينا الطِّيبُ والنَّفَسُ وقوله: ما في التَّصابِي على مَن شاب من باَسِ ... أما ترى جَلْوَة الصَّهْباءِ في الكاسِ الناسُ بالناِس والدنيا بأجمعِها ... في دَرَّةٍ تْعطف الساقِي على الحاسِي يئسْتُ واليأسُ إحْدى الراحتيْن وكم ... جَلَوْتُ منِّى صدَى الأطماع بالْياِس منها: في كل غانيةٍ من أخْتِها بَدَلٌ ... إن لم تكن بنْتَ رأسٍ فابنه الراسِ أودعتُ عقلي إلى الساقيِ فَبدَّدَه ... في كَسْر جَفْنَيْهِ أو في مَيْلِة الكاِس لا أوْحَش اللهُ من غضبانَ أوْحشَني ... ما كان أبْطاهُ عن بِرِّي وإيناسِي سلمتُ يوم النوى منه وأسلمني ... إلى عدُوَّيْن نَمَّامٍ ووَسْواِس ذكَّرْتُه وهْولاَهٍ في محاسنِه ... عهودَ لا ذاكرٍ عهدي ولا ناسِ ودَدْتُ أن بعتُه روحي بلا ثمنٍ ... لو كنت أضربُ أخماساً لأسْداسِ يا وَيْح من أنتِ يالَمْياء بُغْيتُه ... ما كان أغْناه، عن فكرٍ ووَسْواسِ قامتْ تغنِّى بشعرٍ وهْي حاليةٌ ... به ألا حبَّذا المكسُوُّ والكاسِي تقول والسُّكرُ يطْويها وينشرُها ... أيُّ الشَّرابْين أحْلَى في فم الكاسِ يا حبَّذا أنت يالَمْياءُ من سكنٍ ... وحبَّذا ساكنُ البَطْحاء من ناسِ ما إن ذكرتُك إلا زاد بي طَرَبِي ... وطاب ريحُ الصَّبا من طِيب أنْفاسِي ولا ذكرتُ الصَّبا إلا وذكَّرنِي ... لَيالياً أرْضعتْني دَرَّةَ الكاسِ وجيرةً لعبتْ أيدي الزمانِ بهم ... أنكرتُ من بعدهم نفِسي وجُلاَّسِي أيامَ أخْتالُ في ثَوْبَيْ بُلَهْنيةٍ ... ومَيْعةٍ من شبابٍ ناعمٍ عاسِ عارٍ من العار حالٍ بالصِّبا كاِس ... كأنني والصِّبا في بُرْد أخماسِ أنضيْتُ فيه مَطايا الجهل والباسِ ... عريتُ منه وما عَرَّيْتُ أفراسي في صِبْيَةٍ كنجومٍ الليلِ أكياسِ ... كان أيامَهم أيامُ أعْراسِ أسمُو إليهم سمُوَّ النومِ للرَّاسِ ... أدُبُّ فيهم دبيبَ السكرِ في الحاسِي باتوا بمَيْثاءَ صَرْعَى لاحَراك بهم ... وإنما صرعتهم صَدمةُ الكاسِ يا عاذلي أنت أوْلَى بي فخُذ ييدي ... فأنت أوقْعتني فيهم على راسِي ويا حمامَ الِّلوَى هلا بكيْتَ معِي ... على زمانٍ تقضَّى أو على ناسِ وقوله: يا نسيمَ الصَّبا ويا عذْبَ الرَّي ... حانِ هُبِّي على وانتفضِي خبِّرينِي عن الِّلوَى خَبراً ... إنَّ ذكرَ الرياضَ من غَرضِي لأُقَصِّى من اللوى وَطَراً ... ليس يدري الوُشاة كيف قُضِى

стр. 246

مالبرقٍ تِجاه كاظمةٍ ... لم تُضِي في العَقِيقِ أين تُضِي لست أرْضَى بصاحبٍ بدلاً ... فاسْألا من صحبتُ كيف رضِى صدَّقوا ليس عنهم عوضٌ ... وجميعُ الورى لهم عِوَضِي وقوله من قصيدة: أتراك تهفُو للبروق الُّلَّمعِ ... وتظن رَامَة كلَّ دارٍ بَلْقَع لولا تذكُّر من ذكرْتَ برَامةٍ ... ما حَنَّ قلبي لِلِّوَى والأجْرَعِ ريمٌ بأجْويِة العراق تركتْه ... قَلِقَ الوسادِ قريرَ عينِ المَضْجَعِ في السِّرِّ من سعدٍ وسعدٌ هامةٌ ... رَعْناءُ لم تُصدَعْ ولم تتضَعْضعِ منها: قالتْ وقد طار المَشِيبُ بلُبِّها ... أنِشبْتَ في حَلْقِ الغراب الأبْقَعِ وتلفَّتتْ والسحرُ رائدُ طَرْفِها ... نحوَ الديارِ بمُقلةٍ لم تخشَعِ ولكَم بعثْتُ إلى الديارِ بالمتَربَّعِ ... فبكتْ ولولا الدارُ لم تتقشَّعِ أمَّلتُ لو يتلَّوم الحادي وما ... أمَّلْتُ إلا أنْ أقول وتسمعي وقوله: لم أنْسَ لا أنسى خيالاً سرى ... يسترشدُ الشوقَ إلى مَضْجعِي حسِبتُ بدرَ التِّمِّ قد زارني ... فبِتُّ لآ أقْفُو سِوى المطلَعِ أسأل عنه الشوقَ لا يرْعوِى ... وأنشُد البَيْنَ به لو يَعِى آليْتُ والدارُ لها حرمةٌ ... لا أسأل الدارَ وصبري مَعِي كان دمي حَجْراً على حاجِرٍ ... فلِمْ أباحْته مَها الأجْرُعِ عُلالَةً كان وُقوفي بها ... أبْغِي شِفَا القلب من المُوجِعِ وقوله: يالَهْفَ نفسي على شبابٍ ... أفنيتُ في عصرِه جَمِيعِي كان شَفِيعي إلى الغواني ... فمنَ شفيعي إلى شَفِيعِي إن الدَّرارِي على نَواها ... أدْنَى من الغادة الشَّمُوعِ وقوله: لا تجْزعِي يا بَانَة الأجْرَعِ ... حُوشيتِ من همِّي ومن ضَيْلَعِيِ كأن قلبي بين شِقَّىْ عَصَا ... في حبِّ من شَقّوا عصا المَجْمَعِ حلُّوا من القلب بوادي الغَضا ... ونارُهم في مُنْحنَي الأضْلُعِ وقوله: يا عَذُولي وما أظن عذولي ... يطمعُ اليوم في مَلامِي وقَذْعِي هَبْك ثقَّلتَ بالمَلامةِ سَمْعي ... أخْتشِى اليوم أن تُثِّقل طبْعِي وقوله: أجِدَّكَ شايعْتَ الحَنِين المُرجَّعَا ... وغازلْتَ غِزْلانا على الخَيْف رُتَّعَا وطالعْتَ أقماراً على وَجْرَةِ النَّقا ... وقد كنتُ أنْهَى العينَ أن تتطلَّعَا ولم أرَ مثلَ الغِيدِ أعْصَى على الهوى ... ولا مثلَ قلبي للصبابةِ أطْوعَا ومن شِيمَي والصبرُ مِنِّيَ شِيمةٌ ... متى رام أطْلالاً بعيْنٍ تدمَّعَا وقورٌ على يأسِ الهوى ورجائِه ... فما أتحسَّى الهمَّ إلا تجرُّعَا خِليَليّ حالِي كلما هبَّ بارِقٌ ... تكاد حَصاةُ القلب أن تتصدَّعَا طوى الهجرُ أسبابَ الموَّدة بيننا ... فلم يَبْقَ في قَوْسِ التصبُّرِ مِنْزَعَا إلى الله كم أُغْضِى الجفونَ على القَذَى ... وأطْوِى على القلب الضلوعَ توُّجعَا ألا حبَّذا الطَّيْفُ الذي قصر الدجى ... وإن كان لا يلْقاك إلا مُودِّعَا ألَمَّ كحَسْوِ الطيرِ صادَف مَنْهَلاً ... فأزْعجه داعي الصَّباحِ فأسرعَا وناضْلتُه بالَّلْحظ حتى إذا رمَى ... بسطْتُ له حبلَ الهوى فتورَّعَا قَسمتُ صَفَايا الوُدِّ بيني وبْينَه ... سواءً ولكنِّي حفظتُ وضيَّعَا وحزَّتْ نِياطَ القلبِ أسبابُ نِيَّةٍ ... فلله قلبي ما أرَقَّ وأجْزَعَا وقوله: سرى والليلُ مَمْدودُ الرُّواقِ ... وساعى الفجر يحجِل في وَثاقِ

стр. 247

خيالٌ من عُثَيْمة أو لُبَيْنَىَ ... أو الشَّماءِ أخْتِ بني البُراقِ يُطِوِّف في الشَّآم وفي عراقٍ ... ويا بُعْدَ الشآمِ من العراقِ أقول لها وقد خطَرتْ رِياحٌ ... من الزَّوْراءِ في حلل رِقاقِ وقد برَد السِّوارُ على يديْها ... فأحْمَيْتُ القلائدَ بالعِناقِ برد السوار، وبرد الحلى، يكنى به الشاعر عن الصباح. في البديع: قامت وقد بَرَد الحُلِىُّ ... تميِسُ في ثَنْى الوشاِح ابن الزقاق: بَرْدُ الحُلِىِّ تنافرت عَضُدِي وقد ... هبَّ الصباحُ ونامَتِ الجَوْزَاءُ ابن حمديس: وبتُّ أُحمِى بأنفاسِي حصَا دُرَرٍ ... بَبرْدِها في التَّلاقي تعرِف الفَلَقَا وللشريف الرضي، رضى الله عنه، وهو مأخذ المترجم: حتى إذا هبتْ ريا ... حُ الفجرِ تُؤذِن بالفِراقِ برَد السِّوار لها فأحْ ... ميْتُ القلائدَ بالعِناقِ وأحسن أبو الجوائز الواسطي في قوله: كلما نَمَّ للفُضولِ سِوارٌ ... كذَّبْته قلائدٌ وعُقودُ وبرد المضجع، وبرد الفراش، كناية عن الراحة والترفه، وعن زيادة القدرة، بحيث لا يقدر أحدٌ على إزعاجه، ويلزمه الشجاعة وعلو المقام. قال: أبيض بسَّام بَرُودٌ مَضْجَعُهْ وأعْجَلنا النوَى حتى لَكِدْنا ... نُودِّع بعضَنا قبل التلاقِي ولم يكُ غيرَ موقفِنا ونادَى ... مُنادِى الحيِّ حَيَّ على الفِراقِ أثِيِبى فيَّ نَظْرةَ لا ضَنِينٍ ... بنائِله ولا تَرِفِ الخِناقِ يرى شبحاً بلا ظِلٍّ ونفساً ... يُردِّدها التنفُّس في التَّراقِي بناتُ الشوقِ تْفحَص في فؤادي ... وطِفْلُ الدمعِ يْعبَثُ بالمَآقِي وأنت جعْلتني جَزْرَ الأعادِي ... ولو أحبَبْت ما أكلُوا عُراقِي تُلوكنيَ الخُطوب على هُزالِي ... ويحلُو لي لها طعمُ الزُّعاقِ ولو عقَل الزمانُ دَرَى بأنِّي ... على مَن رامَنِي مُرُّ المَذاقِ ولم تتْركْ صُروف الدهرِ منِّي ... ومن عَضْبِي الجُرازِ سوى رَماقِ أما والرَّاقصاتِ على لَآلٍ ... ومَن حُمِلوا على الكُومِ العِتاقِ لقد أضْلَلْتُ في ليلِ التَّصابي ... فؤاداً غيرَ مشْدود الوَثاقِ ألا ياصاحبَيْ نَجْوَاي سيرا ... فقد قعد الهوى بي عن رِفاقِي قِفا عنِّي بأقْرْيَةِ الفِتاقِ ... فَواقاً أو أقلَّ من الفَواقِ سقى اللهُ العراقَ وساكنِيهِ ... وجادَ مراتِعَ الشُّدْنِ الطِّلاقِ إلى أهلِ العراقِ يحِنُّ قلبي ... فواشَوْقي إلى أهلِ العراقِ وقوله: أرأيتَ ما صنعتْ يدُ التَّفْريقِ ... أعلمتَ مَن قتلتْ بسَعْيِ النَّوقِ رحلَ الخَلِيطُ وما قضيْتُ حقوقَهمْ ... بِمُنَى النفوسِ وما قضَيْنَ حُقوقِي عِلُقوا بأذْيالِ الرياِح ووكَّلُوا ... لِلْبَيْن كلَّ مُعرِّجٍ بفريقِ وغدوْتُ أصرفُ ناجِذَيَّ على النَّوَى ... وأغَصُّ من غَيْظ الوُشاة برِبقِي هجروا وما صبَغَ الشبابُ عوارِضِي ... عَجْلان ما عِلقَ المشِيب بزِيقِي فكأنني والشيبُ أقْربُ غايةٍ ... يومَ الفِراق شربْتُ من رَاوُوقِ لا راق بعدهم الخيالُ لناظرِي ... إن حَنَّ قلبي بعدهم لرَحِيقِ لعب الفِراقُ بنا فشرَّدَ من ييد ... رَيْحانتَّي صديقِتي وصديقِي للهِ ليلنُنا وقد عِلقتْ يدي ... منه بعِطْفٍ كالقناةِ رشيقِ عاطَيْتُه حَلب العصيرِ وصَدَّنا ... عن وجهِ حاجِبِنا يدُ التَّعويقِ ما كان أسْرَع ما دحَتْه وإنما ... دُهِش السقاةُ به عن التَّرْويقِ

стр. 248

أيقظْتُه والليلُ ينفُض صِبْغَه ... والسكرُ يخلِط شائقاً بمَشُوقِ والنومُ يعبثُ بالجفونِ وكلَّما ... رقَّ النسيمُ قسَتْ قلوبُ النُّوقِ والبرق يعثُر بالرِّحال وللصَّبا ... وقَفاتُ مُصْغٍ للحديث رَفيقِ باتتْ تحرَّش والقَنا متبرِّمٌ ... بين الغصون وقَدِّه المْمشوقِ فأجابني والسكرُ يُعجِمُ صَوْتَه ... والكأسُ تضحك للثَّنايا الرُّوقِ لولا الرَّقيبُ هَرَقْتُ مَضْمضةَ الكرَى ... وغصَصتُ صافيةَ الدِّنانِ برِيقِي ثم انْثنيْتُ وزَلْفُه بيد الصَّبا ... وشَمِيُمه في جَيْبِيَ المفْتوقِ وقوله: أرِقْت لبارِقٍ في جَوِّ رَاسِي ... جَرِضْتُ لصَوْبِ عارِضه برِيقِي هدَتْه النَّائباتُ وأيُّ ضيفٍ ... هدَتْ يومَ الفِراق إلى فروقِي رفعْتُ لي بجُنْحِ الليل نارِي ... فخاض الليلَ يعسِف في الطريق ودَدْتُ ولو بضَرْبِ الْهامِ أنِّي ... رَعيْتُ له ولو بعضَ الحُقوقِ وقوله: رُبَّ ساقٍ غمَزْتُه فتغابَي ... ثم أوْمى بناظرٍ لا يُطاقُ قال لي والخُمارُ يُرْعِد كَفَّيْ ... هِ ورُوحي على يديْه تُراقُ أنتَ لا شك هالكٌ بجفنوني ... قلتُ زِدْني فإنها دِرْياقُ فانْتضَى الكأسَ من يدَيَّ وأهْوَى ... نحو فِيه بالكأس وهْي دِهاقُ قال لي هاكَها شَراباً طَهُوراً ... خلَّصتْها من حِنْثِها الأرْياقُ وقوله: آهِ يا غُصْنَ النَّقا ما أمْيَلَكْ ... جَلَّ يا غُصنَ النقا من عَدَّلَكْ قد قضى لي بتَباريحِ الجوَى ... مَن قضى بالحبِّ لي والحسنِ لَكْ أكل الحبُّ فؤادي بعدَما ... لَاك منِّي ما تمنَّى وعَلَكْ هلك الشامِيُّ وَجْداً وأسًى ... ما يُبالي يا حياتي لو هلَكْ قلَّ لي فِيك غارماً وجَوًى ... قلَّل اللهُ عَذُولا قَّلَلكْ حكم اللهُ لفَوْدَيَّ على ... نُسْخة الشَّيْب وتسْويد الحَلَكْ أتُراهم قد رأَوا أيَّ دمٍ ... هرَق الواشِي على تلك الفلكْ يا غُرابَ البَيْن لا كنتَ ولا ... كان وَاشٍ دَبَّ فيهم وسلَكْ أخذُوا منَّا وأعْطَوْا ما اشْتَهَوْا ... ما كذا يحكُم فينا من ملَكْ جُرتَ في الحُكْم على أهلِ الهوزى ... لا تخَفْ فالأمرُ لِله ولَكْ ليت شِعْرِي أمَلِيكٌ في الورَى ... أنتَ يا إنسانَ عَيْني أم مَلَكْ حكَم الدهرُ علينا بالنَّوَى ... هكذا تفعلُ أدوارُ الفلَكُ وقوله: سيدي لا مِثْلَ مثُلكْ ... صُوِّر البدرُ بشكلِكْ ما حَكاك البدرُ لكن ... رامَ يحكى شِسْعَ نَعِلكْ إنما الحسْن قميصٌ ... هو قد حِيكَ لأجْلِكْ خُلِق العشقُ لمْثلي ... وحلَا الحسنُ لمثلِكْ وقوله: آهِ من داءيْن بادٍ ودخيلِ ... وخَصِيميْن مَشِيبٍ وعَذُولِ ما على مَن طال ليْلىِ بعدَهم ... لو أعانوني على ليلىِ الطويلِ عاجلَ القلبُ إليهم ناظرِي ... ما أضرَّ الحسنَ بالقلبِ العَجُولِ نادَمتْ منهم بَنانِي ناجِذِي ... واسْتشاط الوجدُ في إثْرِ الخمولِ وبأكْناف المُصَلَّى غادةٌ ... سنَحتْ لي مَسْنَحَ الظبيِ الخَذُولِ عرضتْ شرط المفَدَّى في مَهاً ... يتعثَّرْنَ بأطْرافِ الذيولِ قد عرَفْنا وَقْفة الرَّكْبِ دُجًى ... في سنَا الجَوِّ وأنْفاسِ القَبُولِ إذْ شفيعِي عند لَمْياءَ الصِّبا ... ورسولِي خُلْسةَ الَّلحْظِ الكليلِ

стр. 249

نظَرتْ نحْوى ورَقْراقُ السَّنا ... يخطِف الأبْصارَ عن طَرْفٍ كحيلِ حكم اللهُ لقْلبَيْنا على ... قَلقِ القُرْطِ ووَسْواسِ الحُجولِ زاد شوقي يا حَماماتِ الِّلوَى ... علِّلِينا ببكاءٍ وعويلِ أنا أوْلَى بنُواحٍ وبُكا ... لا بُليِتُنَّ بوجْدِي وغَليلِي ليت شِعْري والأمانيِ ضَلَّةٌ ... هل صَبا نَجْدٍ إلى الغِيد رسولِي يا صَبا نجد ومَن لي لو وعَتْ ... رَجْعَ قوْلي أو أصاختْ لِسئُولِي أنْتِ أدْرَى يا هَناتِي بالجوَى ... خبِّريهم يالكِ الخيرُ وقُولِي لو رأَى وجهَ سُلَيْمَى عاذلِي ... لتفارْقنا على وجهٍ جميلِ بشَّرتْ سلمى عَذُولي بالنَّوَى ... آهِ مَّما أوْدعتْ سَمْعَ العَذُولِ وقوله: يا أخا البدرِ رَوْنقاً وسناءً ... وشقيق المَهَا وتِرْبَ الغزالَهْ ساعَد الخيرُ يومَ بِعْتُك رُوحي ... لا وعينْيك لستُ أبْغِي إقالَهْ يا عليلَ الجفون علَّلْتَ قلبي ... زاد عيْنيك عِلَّةً وذَبالَهْ ما لِعْينِيَّ كلَّما عنَّ ذِكرا ... ك تداعتْ جفونُها الهَطَّالَهْ جُنَّ طَرْفي مذ غاب عنه مُحيَّا ... كَ جُنونِي فلا تسَلْ ما جرَى لَهْ كنتُ قبلَ الهوى ضَنِيناً بقلبي ... خدعَتْني لِحاظُك الخَتَّالَهْ لك قَدُّ القَنا وثغُر الأقاحِي ... وجفونُ المَها وجِيدُ الغزالَهْ مَن تناسَى بالرَّقْمتْين وِدادِي ... فبعْيني غصونُه المَيَّالَهْ رُبَّ ليلٍ قصَرْتُه بغَريِرٍ ... حلَّ من عقد زُلْفه فأطالَهْ مَن عَذِيري في حبِّ طَفْلٍ لَعُوبٍ ... عوَّدُوه سفْكَ الدِّما فحَلالَهْ كلَّما صدَّ عن سوايَ دلالاً ... صَدَّ عنِّي تبرُّماً ومَلَالَهْ لستُ أنْسَى يومَ الفِراق وقد أدْ ... ركَ من شمْلنا النوَى آمالَهْ غصَب البَيْنُ من يدِي كلَّ غُصْنٍ ... سرَق الغصنُ لِينَه واعْتدالَهْ فَرَّ نَشْوانَ من يدِي يتكَفَّى ... ثقَّل الوردُ غُصْنَه فأمالَهْ لم تدعْ لَوْعةُ الجوى من حَشاهُ ... من حَصاةِ الفُؤادِ غيرَ ذُبالَهْ يا لُواةَ الدُّيُون نَفْثةُ مَصْدو ... رٍ أذابتْ أنفاسُه أوْ صالَه إن ذَوْبَ الجفونِ في أَثَرِ الغا ... دِينَ أوْلَى لناظرِي أوْلَى لَهْ فلْيَلُمْني العذولُ ما شاء إنِّي ... لستُ لي في هوى الحسانِ وَلَالَهْ. وقوله: كِلينِي لهّمٍ لا ينامُ ونامِي ... فما الشامُ إن ضاقتْ علىَّ بشامِ وما بي سوى أمٍّ رَءُومٍ وجِيرةٍ ... عِزازٍ علينا يا عُثَيْمُ كِرَامِ وقد كنتُ قبل البَين جَلْداً على النَّوَى ... تطالبني نفسِي بكلِّ مَرامِ لَصُوقاً بأكْباد الحسانِ مُحَبَّباً ... إلى الغِيد يَحْلُو لي لَهُنَّ كلامي يقودُونني قَوْدَ الجَنِيب إلى الهَوى ... فما لي مَنْبوذٌ إلىَّ زِمامي وفي الركْب مَدْلولُ اللِّحاظِ على الحشا ... يُدافِع عن أتْرَابِه ويُحامى لقد كمَنتْ أمُّ المنايا بلَحْظه ... كمُونَ المنايا في شِفارِ حُسامِ يُشايعُه من آل كسرى ضَراغِمٌ ... براثنُهم عند اللقاءِ دَوامي يرُوحون والتِّيجانُ فوق رءُوسِهمْ ... ألا رُبَّ تِيجانٍ زَهَيْنَ بهِاَمِ برزْتُ الهم والحتْفُ منِّى على شَفَا ... أرى الموتَ خلفي تارةً وأمامي أُوارِبُ عن صَحْبي وأعلمُ أنَّني ... لَأوَّلُ مقتولٍ بأوَّلِ رامِ

стр. 250

فناضَلْتُه والرَّكْبُ بين مُفوِّقٍ ... وآخَر مقْرُوحِ الجوانحِ دَامي أصابتْ وكانت لا تُصِيبُ سِهامُه ... وطاشَتْ وكانت لا تَطِيشُ سِهامي كذا الغيدُ يا عَثْماءُ إمَّا مُهاجِرٌ ... وإما خَتُولٌ لا يَفي بذِمامِ وقوله: لمن العِيسُ جُفَّلا كالنعامِ ... يترجَّحْن خِلْفةَ الآرامِ يرْتقصْنَ الخُطى ارْتقاصَ بَناتِ الشَّ ... وقِ تحت الحشَى على الآكامِ ووراءَ السُّجوف كلُّ أَناة الْ ... خَطْوِ حَيُّ الحياءِ مَيْتُ الكلامِ كدُمَى العاجِ في المحاريب أو كالزَّ ... هرِ غِبَّ القِطار في الأكمامِ قد تقنَّعْنَ في الشُّفوف كما قُنِّ ... عَ بدرُ الدجى بذيل الغمامِ ما عهِدْنا الظِّباء ترفُل في الوَشْ ... ىِ ولا الوَحْشَ في البُرَى والخِزامِ قُسِّم الحسْن بين قاصِرة الطَّ ... رفِ وأخرى مقصورةٍ في الخيامِ منها: كلُّ هَيْفاء حيث يُعتقَد الحبُّ ... سريع الخُطَى بطئ القيامِ كلَّما أقْصدتْ فؤادَ كَمِىٍّ ... بسَمتْ لي عن مْثل حبِّ الغَمامِ رفعتْ طَرْفها إلىَّ وقالتْ ... بأبي ما أرقَّ قلبَ الشامي طالعتْ صاحبي ومالتْ إلى السِّرْ ... بِ بطَرْفٍ ولا كطرفَي دَامِي وسَبْتنِي وما أبَحْتُ حِماها ... بَقوامٍ آهاً له من قَوامٍ وعيونٍ أعاذَنا اللهُ منها ... لعبتْ بالعقول لعبَ المُدامِ ورَسِيلٍ يُطيل ناشئةَ الَّلْي ... لِ وناهِيكُما بليْلِ التَّمامِ ورمتْني وللمنَّية أسبا ... بٌ فلله ما أخفَّ سَقامي فلْتطُل لَوْعتي عليك ووَجْدِي ... إن قلبي يصحُّ بالأسقامِ يا نَدِيميَّ بالجَوَاء كِلانا ... لَهناتٍ حسَرتُ عنها لِثامي أعْفياني من هَجْعة تملأُ العيْ ... نَ غُررواً بِطارقٍ في المَنامِ زارني والهوى يُخيِّل للعيْ ... نِ سعادا والليلُ مُرْخَى الزِّمام فوفَى لي بكلِّ ما تشْتهي النفْ ... سُ وولَّى والرَّكْبُ صَرْعَى غرَامِ زارني في ذُرَا الشآمِ ودارِي ... بالمُنقَّى ودارُها بالرِّجامِ طاف والليلُ مطبِق بعُراهُ ... يسْتقيل الكرَى من الإلْمامِ قلتُ للطارِق الذي طرَق الجوَّ ... وشابتْ له فروع الظلام كبُرتْ يا ظَلُومُ همةُ عيْنٍٍ ... طمعتْ أن تراك في الأحلامِ وقوله: رقَّتْ شمائلُه فقلتُ نسيمُ ... وزكَتْ خلائُقه فقلت شَمِيمُ قصَر الكلامَ على المَلامِ وإنما ... لِلَّحْظِ في وجَناتِه تكْليمُ شرِقتْ معاطفُه بأمْواه الصِّبا ... وجرى عليه بَضاضَةٌ ونعيمُ قد كاد تشربُه العيونُ لَطافةً ... لكنَّ سيفَ لِحاظِه مسمومُ وقوله: رشَفتْ صُروف الدهر ماءَ نَضارتي ... عَجْلانَ ما أدْمى الفؤادَ وما رَمَى إن الذي صبَغ الحياءُ بياضَه ... لم يدْرِ كيف غرِقْتُ من خجلٍ دَمَا إن الذي فارقْتمُوه ولم يمُتْ ... يا عَزُّ كلن أعَقَّ منكِ وأظْلما وقوله: يا خليَليَّ دعاني والهوى ... إنني عبدُ الهوى لو تعلمانِ عَرِّجا نقْضي لُباناتِ الهوى ... في ربوعٍ أقْفرتْ منذ زمانِ مَربَعٌ أولع عيني بالبكا ... أمَر العينَ به ثم نَهاني وقُصارَي الخِلِّ وجدٌ وبكا ... فابْكياني قبل أن لا تبكيانِي يا عُريباً مُنْحناهم أضلُعي ... وغَضاهم نارُ شوقي في جَنانِي سوَّدُوا ما بين عينى والفَضا ... ومحَوْا عنها سوادَ الدَّيْدَبانِ
следующие страницы →