← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مالبرقٍ تِجاه كاظمةٍ ... لم تُضِي في العَقِيقِ أين تُضِي لست أرْضَى بصاحبٍ بدلاً ... فاسْألا من صحبتُ كيف رضِى صدَّقوا ليس عنهم عوضٌ ... وجميعُ الورى لهم عِوَضِي وقوله من قصيدة: أتراك تهفُو للبروق الُّلَّمعِ ... وتظن رَامَة كلَّ دارٍ بَلْقَع لولا تذكُّر من ذكرْتَ برَامةٍ ... ما حَنَّ قلبي لِلِّوَى والأجْرَعِ ريمٌ بأجْويِة العراق تركتْه ... قَلِقَ الوسادِ قريرَ عينِ المَضْجَعِ في السِّرِّ من سعدٍ وسعدٌ هامةٌ ... رَعْناءُ لم تُصدَعْ ولم تتضَعْضعِ منها: قالتْ وقد طار المَشِيبُ بلُبِّها ... أنِشبْتَ في حَلْقِ الغراب الأبْقَعِ وتلفَّتتْ والسحرُ رائدُ طَرْفِها ... نحوَ الديارِ بمُقلةٍ لم تخشَعِ ولكَم بعثْتُ إلى الديارِ بالمتَربَّعِ ... فبكتْ ولولا الدارُ لم تتقشَّعِ أمَّلتُ لو يتلَّوم الحادي وما ... أمَّلْتُ إلا أنْ أقول وتسمعي وقوله: لم أنْسَ لا أنسى خيالاً سرى ... يسترشدُ الشوقَ إلى مَضْجعِي حسِبتُ بدرَ التِّمِّ قد زارني ... فبِتُّ لآ أقْفُو سِوى المطلَعِ أسأل عنه الشوقَ لا يرْعوِى ... وأنشُد البَيْنَ به لو يَعِى آليْتُ والدارُ لها حرمةٌ ... لا أسأل الدارَ وصبري مَعِي كان دمي حَجْراً على حاجِرٍ ... فلِمْ أباحْته مَها الأجْرُعِ عُلالَةً كان وُقوفي بها ... أبْغِي شِفَا القلب من المُوجِعِ وقوله: يالَهْفَ نفسي على شبابٍ ... أفنيتُ في عصرِه جَمِيعِي كان شَفِيعي إلى الغواني ... فمنَ شفيعي إلى شَفِيعِي إن الدَّرارِي على نَواها ... أدْنَى من الغادة الشَّمُوعِ وقوله: لا تجْزعِي يا بَانَة الأجْرَعِ ... حُوشيتِ من همِّي ومن ضَيْلَعِيِ كأن قلبي بين شِقَّىْ عَصَا ... في حبِّ من شَقّوا عصا المَجْمَعِ حلُّوا من القلب بوادي الغَضا ... ونارُهم في مُنْحنَي الأضْلُعِ وقوله: يا عَذُولي وما أظن عذولي ... يطمعُ اليوم في مَلامِي وقَذْعِي هَبْك ثقَّلتَ بالمَلامةِ سَمْعي ... أخْتشِى اليوم أن تُثِّقل طبْعِي وقوله: أجِدَّكَ شايعْتَ الحَنِين المُرجَّعَا ... وغازلْتَ غِزْلانا على الخَيْف رُتَّعَا وطالعْتَ أقماراً على وَجْرَةِ النَّقا ... وقد كنتُ أنْهَى العينَ أن تتطلَّعَا ولم أرَ مثلَ الغِيدِ أعْصَى على الهوى ... ولا مثلَ قلبي للصبابةِ أطْوعَا ومن شِيمَي والصبرُ مِنِّيَ شِيمةٌ ... متى رام أطْلالاً بعيْنٍ تدمَّعَا وقورٌ على يأسِ الهوى ورجائِه ... فما أتحسَّى الهمَّ إلا تجرُّعَا خِليَليّ حالِي كلما هبَّ بارِقٌ ... تكاد حَصاةُ القلب أن تتصدَّعَا طوى الهجرُ أسبابَ الموَّدة بيننا ... فلم يَبْقَ في قَوْسِ التصبُّرِ مِنْزَعَا إلى الله كم أُغْضِى الجفونَ على القَذَى ... وأطْوِى على القلب الضلوعَ توُّجعَا ألا حبَّذا الطَّيْفُ الذي قصر الدجى ... وإن كان لا يلْقاك إلا مُودِّعَا ألَمَّ كحَسْوِ الطيرِ صادَف مَنْهَلاً ... فأزْعجه داعي الصَّباحِ فأسرعَا وناضْلتُه بالَّلْحظ حتى إذا رمَى ... بسطْتُ له حبلَ الهوى فتورَّعَا قَسمتُ صَفَايا الوُدِّ بيني وبْينَه ... سواءً ولكنِّي حفظتُ وضيَّعَا وحزَّتْ نِياطَ القلبِ أسبابُ نِيَّةٍ ... فلله قلبي ما أرَقَّ وأجْزَعَا وقوله: سرى والليلُ مَمْدودُ الرُّواقِ ... وساعى الفجر يحجِل في وَثاقِ

стр. 247

خيالٌ من عُثَيْمة أو لُبَيْنَىَ ... أو الشَّماءِ أخْتِ بني البُراقِ يُطِوِّف في الشَّآم وفي عراقٍ ... ويا بُعْدَ الشآمِ من العراقِ أقول لها وقد خطَرتْ رِياحٌ ... من الزَّوْراءِ في حلل رِقاقِ وقد برَد السِّوارُ على يديْها ... فأحْمَيْتُ القلائدَ بالعِناقِ برد السوار، وبرد الحلى، يكنى به الشاعر عن الصباح. في البديع: قامت وقد بَرَد الحُلِىُّ ... تميِسُ في ثَنْى الوشاِح ابن الزقاق: بَرْدُ الحُلِىِّ تنافرت عَضُدِي وقد ... هبَّ الصباحُ ونامَتِ الجَوْزَاءُ ابن حمديس: وبتُّ أُحمِى بأنفاسِي حصَا دُرَرٍ ... بَبرْدِها في التَّلاقي تعرِف الفَلَقَا وللشريف الرضي، رضى الله عنه، وهو مأخذ المترجم: حتى إذا هبتْ ريا ... حُ الفجرِ تُؤذِن بالفِراقِ برَد السِّوار لها فأحْ ... ميْتُ القلائدَ بالعِناقِ وأحسن أبو الجوائز الواسطي في قوله: كلما نَمَّ للفُضولِ سِوارٌ ... كذَّبْته قلائدٌ وعُقودُ وبرد المضجع، وبرد الفراش، كناية عن الراحة والترفه، وعن زيادة القدرة، بحيث لا يقدر أحدٌ على إزعاجه، ويلزمه الشجاعة وعلو المقام. قال: أبيض بسَّام بَرُودٌ مَضْجَعُهْ وأعْجَلنا النوَى حتى لَكِدْنا ... نُودِّع بعضَنا قبل التلاقِي ولم يكُ غيرَ موقفِنا ونادَى ... مُنادِى الحيِّ حَيَّ على الفِراقِ أثِيِبى فيَّ نَظْرةَ لا ضَنِينٍ ... بنائِله ولا تَرِفِ الخِناقِ يرى شبحاً بلا ظِلٍّ ونفساً ... يُردِّدها التنفُّس في التَّراقِي بناتُ الشوقِ تْفحَص في فؤادي ... وطِفْلُ الدمعِ يْعبَثُ بالمَآقِي وأنت جعْلتني جَزْرَ الأعادِي ... ولو أحبَبْت ما أكلُوا عُراقِي تُلوكنيَ الخُطوب على هُزالِي ... ويحلُو لي لها طعمُ الزُّعاقِ ولو عقَل الزمانُ دَرَى بأنِّي ... على مَن رامَنِي مُرُّ المَذاقِ ولم تتْركْ صُروف الدهرِ منِّي ... ومن عَضْبِي الجُرازِ سوى رَماقِ أما والرَّاقصاتِ على لَآلٍ ... ومَن حُمِلوا على الكُومِ العِتاقِ لقد أضْلَلْتُ في ليلِ التَّصابي ... فؤاداً غيرَ مشْدود الوَثاقِ ألا ياصاحبَيْ نَجْوَاي سيرا ... فقد قعد الهوى بي عن رِفاقِي قِفا عنِّي بأقْرْيَةِ الفِتاقِ ... فَواقاً أو أقلَّ من الفَواقِ سقى اللهُ العراقَ وساكنِيهِ ... وجادَ مراتِعَ الشُّدْنِ الطِّلاقِ إلى أهلِ العراقِ يحِنُّ قلبي ... فواشَوْقي إلى أهلِ العراقِ وقوله: أرأيتَ ما صنعتْ يدُ التَّفْريقِ ... أعلمتَ مَن قتلتْ بسَعْيِ النَّوقِ رحلَ الخَلِيطُ وما قضيْتُ حقوقَهمْ ... بِمُنَى النفوسِ وما قضَيْنَ حُقوقِي عِلُقوا بأذْيالِ الرياِح ووكَّلُوا ... لِلْبَيْن كلَّ مُعرِّجٍ بفريقِ وغدوْتُ أصرفُ ناجِذَيَّ على النَّوَى ... وأغَصُّ من غَيْظ الوُشاة برِبقِي هجروا وما صبَغَ الشبابُ عوارِضِي ... عَجْلان ما عِلقَ المشِيب بزِيقِي فكأنني والشيبُ أقْربُ غايةٍ ... يومَ الفِراق شربْتُ من رَاوُوقِ لا راق بعدهم الخيالُ لناظرِي ... إن حَنَّ قلبي بعدهم لرَحِيقِ لعب الفِراقُ بنا فشرَّدَ من ييد ... رَيْحانتَّي صديقِتي وصديقِي للهِ ليلنُنا وقد عِلقتْ يدي ... منه بعِطْفٍ كالقناةِ رشيقِ عاطَيْتُه حَلب العصيرِ وصَدَّنا ... عن وجهِ حاجِبِنا يدُ التَّعويقِ ما كان أسْرَع ما دحَتْه وإنما ... دُهِش السقاةُ به عن التَّرْويقِ

стр. 248

أيقظْتُه والليلُ ينفُض صِبْغَه ... والسكرُ يخلِط شائقاً بمَشُوقِ والنومُ يعبثُ بالجفونِ وكلَّما ... رقَّ النسيمُ قسَتْ قلوبُ النُّوقِ والبرق يعثُر بالرِّحال وللصَّبا ... وقَفاتُ مُصْغٍ للحديث رَفيقِ باتتْ تحرَّش والقَنا متبرِّمٌ ... بين الغصون وقَدِّه المْمشوقِ فأجابني والسكرُ يُعجِمُ صَوْتَه ... والكأسُ تضحك للثَّنايا الرُّوقِ لولا الرَّقيبُ هَرَقْتُ مَضْمضةَ الكرَى ... وغصَصتُ صافيةَ الدِّنانِ برِيقِي ثم انْثنيْتُ وزَلْفُه بيد الصَّبا ... وشَمِيُمه في جَيْبِيَ المفْتوقِ وقوله: أرِقْت لبارِقٍ في جَوِّ رَاسِي ... جَرِضْتُ لصَوْبِ عارِضه برِيقِي هدَتْه النَّائباتُ وأيُّ ضيفٍ ... هدَتْ يومَ الفِراق إلى فروقِي رفعْتُ لي بجُنْحِ الليل نارِي ... فخاض الليلَ يعسِف في الطريق ودَدْتُ ولو بضَرْبِ الْهامِ أنِّي ... رَعيْتُ له ولو بعضَ الحُقوقِ وقوله: رُبَّ ساقٍ غمَزْتُه فتغابَي ... ثم أوْمى بناظرٍ لا يُطاقُ قال لي والخُمارُ يُرْعِد كَفَّيْ ... هِ ورُوحي على يديْه تُراقُ أنتَ لا شك هالكٌ بجفنوني ... قلتُ زِدْني فإنها دِرْياقُ فانْتضَى الكأسَ من يدَيَّ وأهْوَى ... نحو فِيه بالكأس وهْي دِهاقُ قال لي هاكَها شَراباً طَهُوراً ... خلَّصتْها من حِنْثِها الأرْياقُ وقوله: آهِ يا غُصْنَ النَّقا ما أمْيَلَكْ ... جَلَّ يا غُصنَ النقا من عَدَّلَكْ قد قضى لي بتَباريحِ الجوَى ... مَن قضى بالحبِّ لي والحسنِ لَكْ أكل الحبُّ فؤادي بعدَما ... لَاك منِّي ما تمنَّى وعَلَكْ هلك الشامِيُّ وَجْداً وأسًى ... ما يُبالي يا حياتي لو هلَكْ قلَّ لي فِيك غارماً وجَوًى ... قلَّل اللهُ عَذُولا قَّلَلكْ حكم اللهُ لفَوْدَيَّ على ... نُسْخة الشَّيْب وتسْويد الحَلَكْ أتُراهم قد رأَوا أيَّ دمٍ ... هرَق الواشِي على تلك الفلكْ يا غُرابَ البَيْن لا كنتَ ولا ... كان وَاشٍ دَبَّ فيهم وسلَكْ أخذُوا منَّا وأعْطَوْا ما اشْتَهَوْا ... ما كذا يحكُم فينا من ملَكْ جُرتَ في الحُكْم على أهلِ الهوزى ... لا تخَفْ فالأمرُ لِله ولَكْ ليت شِعْرِي أمَلِيكٌ في الورَى ... أنتَ يا إنسانَ عَيْني أم مَلَكْ حكَم الدهرُ علينا بالنَّوَى ... هكذا تفعلُ أدوارُ الفلَكُ وقوله: سيدي لا مِثْلَ مثُلكْ ... صُوِّر البدرُ بشكلِكْ ما حَكاك البدرُ لكن ... رامَ يحكى شِسْعَ نَعِلكْ إنما الحسْن قميصٌ ... هو قد حِيكَ لأجْلِكْ خُلِق العشقُ لمْثلي ... وحلَا الحسنُ لمثلِكْ وقوله: آهِ من داءيْن بادٍ ودخيلِ ... وخَصِيميْن مَشِيبٍ وعَذُولِ ما على مَن طال ليْلىِ بعدَهم ... لو أعانوني على ليلىِ الطويلِ عاجلَ القلبُ إليهم ناظرِي ... ما أضرَّ الحسنَ بالقلبِ العَجُولِ نادَمتْ منهم بَنانِي ناجِذِي ... واسْتشاط الوجدُ في إثْرِ الخمولِ وبأكْناف المُصَلَّى غادةٌ ... سنَحتْ لي مَسْنَحَ الظبيِ الخَذُولِ عرضتْ شرط المفَدَّى في مَهاً ... يتعثَّرْنَ بأطْرافِ الذيولِ قد عرَفْنا وَقْفة الرَّكْبِ دُجًى ... في سنَا الجَوِّ وأنْفاسِ القَبُولِ إذْ شفيعِي عند لَمْياءَ الصِّبا ... ورسولِي خُلْسةَ الَّلحْظِ الكليلِ

стр. 249

نظَرتْ نحْوى ورَقْراقُ السَّنا ... يخطِف الأبْصارَ عن طَرْفٍ كحيلِ حكم اللهُ لقْلبَيْنا على ... قَلقِ القُرْطِ ووَسْواسِ الحُجولِ زاد شوقي يا حَماماتِ الِّلوَى ... علِّلِينا ببكاءٍ وعويلِ أنا أوْلَى بنُواحٍ وبُكا ... لا بُليِتُنَّ بوجْدِي وغَليلِي ليت شِعْري والأمانيِ ضَلَّةٌ ... هل صَبا نَجْدٍ إلى الغِيد رسولِي يا صَبا نجد ومَن لي لو وعَتْ ... رَجْعَ قوْلي أو أصاختْ لِسئُولِي أنْتِ أدْرَى يا هَناتِي بالجوَى ... خبِّريهم يالكِ الخيرُ وقُولِي لو رأَى وجهَ سُلَيْمَى عاذلِي ... لتفارْقنا على وجهٍ جميلِ بشَّرتْ سلمى عَذُولي بالنَّوَى ... آهِ مَّما أوْدعتْ سَمْعَ العَذُولِ وقوله: يا أخا البدرِ رَوْنقاً وسناءً ... وشقيق المَهَا وتِرْبَ الغزالَهْ ساعَد الخيرُ يومَ بِعْتُك رُوحي ... لا وعينْيك لستُ أبْغِي إقالَهْ يا عليلَ الجفون علَّلْتَ قلبي ... زاد عيْنيك عِلَّةً وذَبالَهْ ما لِعْينِيَّ كلَّما عنَّ ذِكرا ... ك تداعتْ جفونُها الهَطَّالَهْ جُنَّ طَرْفي مذ غاب عنه مُحيَّا ... كَ جُنونِي فلا تسَلْ ما جرَى لَهْ كنتُ قبلَ الهوى ضَنِيناً بقلبي ... خدعَتْني لِحاظُك الخَتَّالَهْ لك قَدُّ القَنا وثغُر الأقاحِي ... وجفونُ المَها وجِيدُ الغزالَهْ مَن تناسَى بالرَّقْمتْين وِدادِي ... فبعْيني غصونُه المَيَّالَهْ رُبَّ ليلٍ قصَرْتُه بغَريِرٍ ... حلَّ من عقد زُلْفه فأطالَهْ مَن عَذِيري في حبِّ طَفْلٍ لَعُوبٍ ... عوَّدُوه سفْكَ الدِّما فحَلالَهْ كلَّما صدَّ عن سوايَ دلالاً ... صَدَّ عنِّي تبرُّماً ومَلَالَهْ لستُ أنْسَى يومَ الفِراق وقد أدْ ... ركَ من شمْلنا النوَى آمالَهْ غصَب البَيْنُ من يدِي كلَّ غُصْنٍ ... سرَق الغصنُ لِينَه واعْتدالَهْ فَرَّ نَشْوانَ من يدِي يتكَفَّى ... ثقَّل الوردُ غُصْنَه فأمالَهْ لم تدعْ لَوْعةُ الجوى من حَشاهُ ... من حَصاةِ الفُؤادِ غيرَ ذُبالَهْ يا لُواةَ الدُّيُون نَفْثةُ مَصْدو ... رٍ أذابتْ أنفاسُه أوْ صالَه إن ذَوْبَ الجفونِ في أَثَرِ الغا ... دِينَ أوْلَى لناظرِي أوْلَى لَهْ فلْيَلُمْني العذولُ ما شاء إنِّي ... لستُ لي في هوى الحسانِ وَلَالَهْ. وقوله: كِلينِي لهّمٍ لا ينامُ ونامِي ... فما الشامُ إن ضاقتْ علىَّ بشامِ وما بي سوى أمٍّ رَءُومٍ وجِيرةٍ ... عِزازٍ علينا يا عُثَيْمُ كِرَامِ وقد كنتُ قبل البَين جَلْداً على النَّوَى ... تطالبني نفسِي بكلِّ مَرامِ لَصُوقاً بأكْباد الحسانِ مُحَبَّباً ... إلى الغِيد يَحْلُو لي لَهُنَّ كلامي يقودُونني قَوْدَ الجَنِيب إلى الهَوى ... فما لي مَنْبوذٌ إلىَّ زِمامي وفي الركْب مَدْلولُ اللِّحاظِ على الحشا ... يُدافِع عن أتْرَابِه ويُحامى لقد كمَنتْ أمُّ المنايا بلَحْظه ... كمُونَ المنايا في شِفارِ حُسامِ يُشايعُه من آل كسرى ضَراغِمٌ ... براثنُهم عند اللقاءِ دَوامي يرُوحون والتِّيجانُ فوق رءُوسِهمْ ... ألا رُبَّ تِيجانٍ زَهَيْنَ بهِاَمِ برزْتُ الهم والحتْفُ منِّى على شَفَا ... أرى الموتَ خلفي تارةً وأمامي أُوارِبُ عن صَحْبي وأعلمُ أنَّني ... لَأوَّلُ مقتولٍ بأوَّلِ رامِ

стр. 250

فناضَلْتُه والرَّكْبُ بين مُفوِّقٍ ... وآخَر مقْرُوحِ الجوانحِ دَامي أصابتْ وكانت لا تُصِيبُ سِهامُه ... وطاشَتْ وكانت لا تَطِيشُ سِهامي كذا الغيدُ يا عَثْماءُ إمَّا مُهاجِرٌ ... وإما خَتُولٌ لا يَفي بذِمامِ وقوله: لمن العِيسُ جُفَّلا كالنعامِ ... يترجَّحْن خِلْفةَ الآرامِ يرْتقصْنَ الخُطى ارْتقاصَ بَناتِ الشَّ ... وقِ تحت الحشَى على الآكامِ ووراءَ السُّجوف كلُّ أَناة الْ ... خَطْوِ حَيُّ الحياءِ مَيْتُ الكلامِ كدُمَى العاجِ في المحاريب أو كالزَّ ... هرِ غِبَّ القِطار في الأكمامِ قد تقنَّعْنَ في الشُّفوف كما قُنِّ ... عَ بدرُ الدجى بذيل الغمامِ ما عهِدْنا الظِّباء ترفُل في الوَشْ ... ىِ ولا الوَحْشَ في البُرَى والخِزامِ قُسِّم الحسْن بين قاصِرة الطَّ ... رفِ وأخرى مقصورةٍ في الخيامِ منها: كلُّ هَيْفاء حيث يُعتقَد الحبُّ ... سريع الخُطَى بطئ القيامِ كلَّما أقْصدتْ فؤادَ كَمِىٍّ ... بسَمتْ لي عن مْثل حبِّ الغَمامِ رفعتْ طَرْفها إلىَّ وقالتْ ... بأبي ما أرقَّ قلبَ الشامي طالعتْ صاحبي ومالتْ إلى السِّرْ ... بِ بطَرْفٍ ولا كطرفَي دَامِي وسَبْتنِي وما أبَحْتُ حِماها ... بَقوامٍ آهاً له من قَوامٍ وعيونٍ أعاذَنا اللهُ منها ... لعبتْ بالعقول لعبَ المُدامِ ورَسِيلٍ يُطيل ناشئةَ الَّلْي ... لِ وناهِيكُما بليْلِ التَّمامِ ورمتْني وللمنَّية أسبا ... بٌ فلله ما أخفَّ سَقامي فلْتطُل لَوْعتي عليك ووَجْدِي ... إن قلبي يصحُّ بالأسقامِ يا نَدِيميَّ بالجَوَاء كِلانا ... لَهناتٍ حسَرتُ عنها لِثامي أعْفياني من هَجْعة تملأُ العيْ ... نَ غُررواً بِطارقٍ في المَنامِ زارني والهوى يُخيِّل للعيْ ... نِ سعادا والليلُ مُرْخَى الزِّمام فوفَى لي بكلِّ ما تشْتهي النفْ ... سُ وولَّى والرَّكْبُ صَرْعَى غرَامِ زارني في ذُرَا الشآمِ ودارِي ... بالمُنقَّى ودارُها بالرِّجامِ طاف والليلُ مطبِق بعُراهُ ... يسْتقيل الكرَى من الإلْمامِ قلتُ للطارِق الذي طرَق الجوَّ ... وشابتْ له فروع الظلام كبُرتْ يا ظَلُومُ همةُ عيْنٍٍ ... طمعتْ أن تراك في الأحلامِ وقوله: رقَّتْ شمائلُه فقلتُ نسيمُ ... وزكَتْ خلائُقه فقلت شَمِيمُ قصَر الكلامَ على المَلامِ وإنما ... لِلَّحْظِ في وجَناتِه تكْليمُ شرِقتْ معاطفُه بأمْواه الصِّبا ... وجرى عليه بَضاضَةٌ ونعيمُ قد كاد تشربُه العيونُ لَطافةً ... لكنَّ سيفَ لِحاظِه مسمومُ وقوله: رشَفتْ صُروف الدهر ماءَ نَضارتي ... عَجْلانَ ما أدْمى الفؤادَ وما رَمَى إن الذي صبَغ الحياءُ بياضَه ... لم يدْرِ كيف غرِقْتُ من خجلٍ دَمَا إن الذي فارقْتمُوه ولم يمُتْ ... يا عَزُّ كلن أعَقَّ منكِ وأظْلما وقوله: يا خليَليَّ دعاني والهوى ... إنني عبدُ الهوى لو تعلمانِ عَرِّجا نقْضي لُباناتِ الهوى ... في ربوعٍ أقْفرتْ منذ زمانِ مَربَعٌ أولع عيني بالبكا ... أمَر العينَ به ثم نَهاني وقُصارَي الخِلِّ وجدٌ وبكا ... فابْكياني قبل أن لا تبكيانِي يا عُريباً مُنْحناهم أضلُعي ... وغَضاهم نارُ شوقي في جَنانِي سوَّدُوا ما بين عينى والفَضا ... ومحَوْا عنها سوادَ الدَّيْدَبانِ

стр. 251

إن قلباً أنتمُ سُكانُه ... ضاع مني بين شِعْب والقَنانِ وقوله من خمرية: هاتِها هاتها سَبِيَّةَ حَوْلٍ ... قد توانتْ ولات حين توانِ كسقِيط الندى على وجَنات ال ... وردِ أو كالدموع في الأجفانِ في يدَىْ شادِنٍ رقيقِ الحواشِي ... فوق خدَّيْه وردةٌ كالدِّهانِ هي في خدِّه سَبِيكُ نُضارٍ ... وبِفِيه عصارةُ العِقْيانِ منها: نسخَتْ سحرَ بابلٍ مُقْلتاه ... فتنبَّي في فَتْرَة الأجفانِ أحسن منه قول التنيسي الأندلسي: لولا تحدِّيه بآيِة سحرِهِ ... ما كنتُ ممتِثلاً شريعةَ أمرِهِ رشأٌ أُصدِّقه وكاذبُ وعدِه ... يُبدي لعاشقه أدلَّة عُذْرِهِ ظهرتْ نُبُوَّةُ حسِنه في فَتْرةٍ ... من جَفْنِه وضلالةٍ من شَعرِهِ في رُبوع كأنهنَّ جِنانٌ ... عطفتْ حُورَها على الوِلْدانِ ورياضٍ كأنهنَّ سماءٌ ... أطْلعتْ أنْجُماً من الأُقْحُوانِ بين وُرْقٍ كأنهن قِيانٌ ... رُكِّبَتْ في حُلوقهنَّ مَثانِي وغصونٍ كأنهنَّ نَشاوَى ... يترقَّصْنَ عن قُدود الغوانِي وأقاحٍ كأنهنَّ ثُغورٌ ... يتبسَّمْنَ في وجوهِ الحسانِ ونسيمُ الصَّبا يصِحُّ ويْعتَلُّ ... على بَرْدِه وحَرِّ جَنانِ كلما غَنَّتِ البلابلُ فيها ... رقَّص الدمعُ بابلكا أجْفانِي عطفَتْني على الرياضِ قُدودٌ ... خلعتْ لِينَها على الأغصانِ يتلقَّانِيَ الأقاحُ بنَشْرٍ ... وغصونُ النَّقا علىَّ حَوانِ منها: أين قلبي لا أين إلَّا طلولاً ... أذْهبتْها الرياحُ منذ زمانِ أذْكرتْني معادهاداً ورُبوعاً ... كاد يَدْمى لذِكْرهنَّ بَنانِي حيث غُصْنِي من الشبابِ رَطِيبٌ ... وعيونُ المَها إلىَّ رَوانِي أطرُد النومَ عن جفونٍ نَشاوَى ... بحديثٍ أرَقَّ من جُثْمانِي وقَوافٍ لو سَاعد الجِدُّ نيِطتْ ... موضعَ الدُّرِّ من رِقاب الغوانِي سائراتٌ بُيوتُهنَّ على الألْ ... سُنِ سَيْرَ الأمثالِ في البُلدانِ قُصُدٌ كالفِرِنْدِ في صفَحات الدَّ ... هرِ أو كالشُّنوفِ في الآذانِ عاصِياتٌ على الطباعِ ذَلُولٌ ... يُتغنَّى بهنَّ في الرُّكْبانِ ساقَطتْ والندَى يَطُلُّ عليْنا ... من عُيونِ المَها حصَا المَرجانِ وقوله: لا يتَّهِمْنِي العاذلون على البُكا ... كم عَبْرةٍ مَوَّهْتُها ببنَانِي يا مَن يفنِّدني على ابْنِة وائلٍ ... عنِّي إليك فغيرُ شانِك شانِي آليْتُ لا فتَق العَذول مَسامِعي ... يوماً ولا خاط الكرَى أجفانِي قالت عُثَيْمة قد كبِرتَ عن الصِّبا ... ما لْلِكبير وصَبْوةِ الشُّبَّانِ ما الشَّيْبُ إلا كالقَذاةِ لناظرِي ... فقليلهُ وكثيرُه سِيَّانِ سَلبتْ أساليبُ الصَّبابة من يدِي ... صَبْرِي واُغْرَتْ ناجِذِي ببنَانِي وقوله: إذا أبْصرتُ شخصَك قلتُ بدرٌ ... يلُوح وأنت إنسانُ العيونِ جرى ماءُ الحياة بِفِيكَ حتى ... أمِنتُ عليك من رَيْب المَنونِ وقوله: هل في القضيَّةِ أن يُشايِعك العِدَى ... في ليلةٍ ناجيتُ فيك سُهاهَا هَبْ أن للشامِيِّ فيها بالسُّهَا ... نَسَباً فأين همُ وبدرُ دُجاهَا ليت التي بعثَتْ إلىَّ خَيالَها ... أذِنتْ لعيني أن تذُوق كَراهَا وقوله: طرقتْ تخطَّي رِقْبةَ الواشِين بي ... وعيونُهم مَطْروفةٌ بكرَاهَا وأنا ومَوَّار اليديْن نلُوذ في ... سُجْفِ الخياِم كأننا طُنْباهَا

стр. 252

قلت: هذا ما وصل من أشعاره إلى، والمنة لمن منحني به علي. وقد قيل: من أحيي قلب صديق، بكلام رقيق، أمن من كل حريق، وسلم في كل مضيق. ولو استزدت لزدت، وما قلت عسيت أو كدت. حسين بن شههاب الدين بن حسين بن محمد بن يحيى ابن جاندار البقاعي الكركي باقعة البقاع، المخجل بغرره وجوه الرقاع. طلعت محاسنه طلوع النجوم الزواهر، وسعدت تلك البقاع بآدابه المعجبة البواهر. وإذا تأمَّلتَ البقاعَ وجدتَها ... تشْقَى كما تشقى الرجالُ وتسعَدُ وهو وحيدٌ في كرم ضرائبه، متفرد بكثرة عجائبه وغرائبه. تستوعب محفوظاته المقروء والمسموع، وتجمع معلوماته ما هو في الحقيقة منتهى الجموع. وله أدب جزل، وجدٌ مقرون إلى هزل. وأما نظمه فبابل منشأ كلامه، وما أنزل على الملكين في ضمن أقلامه. وكان في أخريات أمره، حين لم يبق إلا قذىً في كأس عمره. اشتغل بالطب فأتقن قواعده وأحكم، ولعب بالأرواح والأجسام كما شاء وتحكم. ولكنه طاشت سهام رأيه عن أغراضها، وأصابت فما أخطأت النفوس في تخليصها من آلام أمراضها. فكم عليلٍ دبَّ فيه علاجه ثم درج، فأنشد: أنا القتيلُ بلا إثمٍ ولا حَرج وتلاعبت به الظنون في مهاوى العربة، إلى أن دخل الهند وهو سفير الفقر والكربة. فاستقبله النظام ابن معصوم ببريد كرمه، وأنزله حيث استرد شبابه بعد هرمه إلا أنه لم تظل مدته، حتى أخلقت بحادث الموت جدته. وقد أوردت من محاسنه التي بهر اتقادها، وبعد عن مظان أولى النباهة انتقادها. ما تستهدي منه شمالي الرُّبى آذنت لصحة الأجسام بالتكفل، ونسيم الصبا جاءت بعرف الصندل وريا القرنفل. فمنه قوله، من قصيدة، مستهلها: هو الحب لا يْبقَى على النَّأْيِ بارِحَا ... فصبراً وأنَّي يردعُ الصبرُ جامِحَا حليفَ غرامٍ مُدْنَفٍ فتكتْ به ... جوارحُ ألْحاظٍ تُذيب الجوارحَا وهل يُرْتجىَ بُرْءُ السليم الذي غدتْ ... عليه أماراتُ الهلاكِ روائحَا أراقتْ دمي بالسَّفْح غرَّاءُ ناهدٌ ... على مثلِها أمستْ دموعي سوافِحَا مضتْ غيرَ ما أبْقتْ من الوجدِ والأسَى ... ليالٍ بنا نلْنَا المُنَى والمنائحَا برَغْمِي حلَلْت الدمعَ بين طلولُهم ... فلم أرَ مُرّاً يُرجِع القلبَ فارِحَا خَلاَ مَلْعب أوْدَى بأرجائِه البِلىَ ... تُلاعُبه هُوجُ الرياض روائحَا وعهدِي به بالأمْسِ للعينِ مألَفٌ ... فعُوِّضَ عنهنَّ ابنُ دَايةَ نائحِاَ ابن داية: الغراب، وهو علم جنس ممنوع من الصرف، سمي به لأن أنثاه إذا طارت من بيضها حضنها الذكر فيكون كالداية للأنثى. وكان جَلاءَ الناظريْن من القَذَى ... فأضحى يردُّ الطَّرف بالدمع سافحَا فيا مُمْتطِى كَوْماءَ كالهِقَل جَسْرَةٍ ... عَرَنْدية تطوِى الرُّبَى والأباطِحَا الكوماء: الناقة الطويلة السنام. والهقل: الفتى من النعام. والجسرة: الناقة القوية، ويقال هي: الجرية. والعرندية: الناقة القوية. إذا عاينَتْ عيْناك كُثْبانَ رَامةٍ ... وجازتْ بك الوَجْناءُ تلك الصَّحاصِحَا أنِخَها برَبْعٍ يَنْفح الرِّيحُ رائحاً ... تجاهَك من رَيَّا شَذاه الرَّوائِحَا وبلِّغ رعاك اللهُ من أُهَيْلَه ... سلاما كنَشْر المَنْدَل الرَّطْب نافحَا وقل لهمُ خلَّفتُ بالشامِ مُدْنَفا ... صريعَ اشْتياقٍ نائِىَ الدارِ نازِحَا يئنُّ ويشكُو بانْتحابٍ ولوعةٍ ... نَواكُم إذا أرْخَى الظلامُ المَسائحَا عسى أَوْبةٌ تطفِى لهيب جوانحِي ... إذا كنتَ لي فيما تحملَّتَ ناصِحَا فبِي ظمأٌ لو كان بالتُّرْبِ ما عدَتْ ... على صفحِة الأرض المِياهُ سوائحا ولو أن أنْفاسِي أصاب سعيرُها ... رياحَ الغَضا ما كُنَّ يوماً لواقِحَا فيا قلبُ صبراً إن يكُ الصبرُ نافعا ... فمن حارب الأيامَ لم يُلْفَ رابحا

стр. 253

رُوَيْداً هي الأيامُ لا تَرْجُ سُقْهَما ... فما كان منها غادياً كان رائحَا وما كان منها دانِياً كان نائياً ... وما كان سانحاً كان بارِحَا وقوله من أخرى، أولها: هو الحبُّ لأُقرْب يدوم ولا بُعْدُ ... وقد دقَّ معنًى أن يُحيِط به حَدُّ يحَارُ أُولو الألباب في كُنْهِ ذاتِه ... فمِن جِدِّه هزلٌ ومن هزلهِ جِدُّ لك اللهُ قلبي كم تُجِنُّ لواعِجاً ... يذوب لأدْنَى حَرِّها الحجر الصَّلْدُ نصَحْتُك جُهْدِي لاقبلتَ نصيحتي ... فعدْلُ الهوى جَوْرٌ وحُرُّ الهوى عبدُ لقد عالج الحبَّ المُحِبُّون قبلَنا ... فما نالَهم إلا القطيعةُ والصَّدُّ فإن قال قومٌ إن في العشقِ لَذَّةً ... فما أنْصفوا هذا خلافُ الذي يْبدُو نعيمٌ هو البَلْوَى ورِىٌّ هو الظَّما ... وذاك فَناءُ الجسم يجْلبه الوَجْدُ على أنني جرَّبْتُه وبلَوْتُه ... إذا أنه كالصَّابِ ذِيفَ به الشُّهْدُ وما قلتُ جهلاً بالغرام وإنما ... يُصدِّق قولي من له بالهوى عهدُ وقوله من أخرى، أولها: ما لاح بَرْقٌ برُبَي حاجِرِ ... إلَّا اسْتهلَّ الدمعُ من ناظرِي ولا تذكَّرتُ عهودَ الحِمى ... وإلا وسار القلبُ عن سائرِي أوَّاهُ كم أحمل جَوْرَ الهوى ... ما أشْبهَ الأولَ بالآخرِ يا هل ترى يدْرِي نَؤُومُ الضحى ... بحالِ سَاهٍ في الدجى ساهرِ تهُبُّ إن هبَّتْ يمانَّيةٌ ... أشْواقُه للرَّشأ النافرِ يضربُ في الآفاقِ لا يأْتِلي ... في جَوْبِها كالمثلِ السائرِ طوراً تِهامِيّاً وطوراً له ... شوقٌ إلى من حلَّ في الحائرِ كأنَّ ممَّا رابَه قلبَه ... عُلِّق في قادِمَتَيْ طائرِ أصل هذا المعنى لعروة بن حزام، قال: كأنَّ قَطاةً عُلِّقتْ بجناحِها ... على كبدِي من شِدَّةِ الخفَقانِ وقوله، من أخرى: لك الخيرُ لا زيدٌ يدوم ولا عمرُو ... ولا ماءَ يبْقَى في الدِّنانِ ولا خمرُ فبادِرْ إلى الَّلذَّاتِ غيرَ مُراقبٍ ... فمالك إن قَّصرتَ في نَيْلها عذرُ فإن قيل في الشَّيبِ الوَقارُ لأهِله ... فذاك كلامٌ منه في مَسْمِعي وَقْرُ وقالوا نَذِيرُ الشيبِ جاء كما ترى ... فقلتُ لهم هيهات أن تُغْنِىَ النُّذْرُ لئِن كان رأسِي غيَّر الشيبُ لونَه ... فرِقَّة طبعي لا يغيِّرها الدهرُ يقولون دَعْ عنك الغواني فإنما ... قُصاراك لَحْظُ العين والنَّظر الشَّزْرُ وهل فيك للْغِيد الحسان بقيَّةٌ ... وقد ظهر المكنونُ وارتفع السِّتْرُ وما للغواني وابنِ سبعين حِجَّةً ... وحِلمُ الهوى جهلٌ ومعروفُه نُكْرُ فقلتُ دعوني والهوى ذلك الهوى ... وما العمرُ إلا العامُ واليومُ والشهرُ نشأتُ أُحِبُّ الغِيدَ طفلا ويافِعا ... وكهلا ولو أَوفِى على المائة العُمْرُ وهُنَّ وإن أعرضْنَ عني حَبائِبٌ ... لهُنَّ علىَّ الحكمُ والنَّهْىُ والأمرُ أُحاشِيك بي منهنَّ مَن لو تعرَّضتْ ... لنَوْءِ الثُّريَّا لاسْتهلَّ لها القَطْرُ ترقْرَق ماءُ الحسن في نارِ خدِّها ... فماءٌ ولا ماءٌ وجمرٌ ولا جمرُ فيا بُعْد ما بين الحِسان وبينها ... لهُنَّ جميعاً شَطْرُه ولها الشطرُ بَرَهْرَهَةٌ صِفْرُ الوِشاحِ إذا مشَتْ ... تجاذَب منها الرّدْفُ والعِطْف والخَصْرُ من البِيض لم تْغِمس يداً في لَطِيمةٍ ... وقد ملأ الآفاقَ من طِيبها نَشْرُ

стр. 254

تَخَرُّ لها زُهْر الكواكب سُجَّداً ... وتْعنُو لها الشمسُ المنيرةُ والبدرُ تَخالُ بجَفنيها من النومِ لَوْثةً ... وتحسَبُها سكرَى وليس بها سُكرُ وقالوا إلى هاروتَ يُنسَب سحرُها ... أبى اللهُ بل من لَحْظِها يُؤخَذ السحرُ تخالَف حالي في الغراِم وحالُها ... لها مَحْضُ وُدِّي في الهوى وليَ الهجرُ وقوله من أخرى، أولها: أرَبْعَ الندى لا زال نجْمُك مشرِقَا ... وسَحَّ سحابُ العزِّ فيك وأغْدقَا ولا برِحتْ فيك السُّعودُ سوانِحاً ... لتجمعَ من مكْنونها ما تفرَّقَا سقاك رُضاب الغانيات إذا أبَتْ ... عيونُ الغوادِي فيك أن تَتَرقْرَقَا لتْغدُو رُباك السامياتُ كأنما ... كستْها يدُ الأنْواءِ وَشْياً مُنَّمقا إذا ما ذوَى نبْتُ الرِّياضِ فنَوْرُه ... نَضارتُه تبْقَى إذا الدهرُ أخْلَقَا فكم قد نهَبْنا فيك أوقاتَ لَذَّةٍ ... رَقَمْنا بها في الدهر رَسْما مُحقَّقَا يدير علينا اللهوُ في طَيِّ نَشْرِها ... كؤوسَ الصّبا لا البابِليَّ المُعتَّقَا وقوله من أخرى، أولها: أشمسُ الضحى لا بل مُحَيَّاك أجملُ ... وخُوط النَّقا لا بل قَوامُك أعْدل سفَرْتِ لنا حيثُ النجومُ كأنها ... كواعبُ في سُود المطارِف ترفُلُ وحيث الهزِيعُ الآبَنُوسِيُّ حالِكٌ ... كأن الدجى سِتْرٌ على الأرضِ مُسَبلُ كأن غرابَ البَيْن قُصَّ جناحُه ... فليس له مَنْأَى ولا مُتحوَّلُ كأن رياضاً من أقاحٍ ونَرْجِسٍ ... سقاهُنَّ من نهر المَجرَّةِ جدولُ كأن الثريَّا إذا تَراءتْ لناظرِي ... وِشاحٌ على زَنْد الزَّمان مُفصَّلُ كأن سُهَيْلاً والنجومُ تؤُمُّه ... نوافِرُ وُرْقٍ خِلْنَ قد لاح أجْدَلُ كان السُّهَا ذو صَبْوةٍ غالَه النوى ... فأنْحلَه والبَيْن للصبِّ يُنْحِلُ كأنَّا رأيْنا بالنَّعائمِ إذ بدَتْ ... نعائمَ تجْتابُ الفَلا وهْيَ هُمَّلُ كأن السِّماكَيْن اسْتطارا لغارةٍ ... فهذا له رُمْحٌ وذلك أعْزَلُ فلما بدا مَرْآك شابتْ فروعُه ... وقد كان مُسوَدَّ الغدائرِ ألْيَلُ نزَحْت فلا غصنُ المَسرَّة يانِعٌ ... ولا الماءُ سَلْسال ولا الروضُ مُخضَلُ كأنِّي غَداة البَيْن حاسِي سُلافةٍ ... إذا شُدَّ منه مَفْصِل هاضَ مَفصِلُ تناولها صِرْفا ليحيَى فقرَّبتْ ... إليه الرَّدَى مما يُعلُّ وينْهَلُ إذا رفعوه خَرَّ مُلْقًى كأنه ... نَقاً وكِلا أرجائه يتهيَّلُ يُعاوده طوراً جنونٌ وتارةً ... لِما شربتْ من عقله الراحُ أخْيَلُ وأنْكَى جوًى يْعتادني لَومُ لائمٍ ... وهل يَرْعوِى ذو جِنَّة ليس يعقلُ أأسلُو وبي مالو يُلِمّ بيَذْبُلٍ ... لَدُكَّ لما لاقَى من الوجد يَذْبُلُ يرمون قْتلى بالمَلام تعمُّداً ... وما أكثروا التأْنيبَ إلاَّ ليفعلُوا لك الحكمُ يا دهري بما شئتَ فارْمِني ... أيجزعُ من حَرِّ الضِّرامِ السَّمَنْدَلُ السمندل: طائر هندي. قال بعضهم: هو ناريٌ يعيش في النار كما يعيش طائر الماء في الماء. وقال آخرون: هو طائر إذا هرم دخل نار الأتون أو نارا جاحمة غيرها، فيمكث فيها ساعات فيعود شابا. وإياه عنى البهراني بقوله: وطائرٍ يسبح في جاحمٍ ... كماهرٍ يسبحُ في غَمْرِ قال الجاحظ: وفي السمندل آية غريبة، وصنعة عجيبة، وداعية للتفكر، وسبب للتعجب، وذلك أنه يدخل في أتون النار فلا تحترق له ريشة. لَعاً لِعثاري كيف لا أبلغ المنى ... وأُدرِك شأْواً نَيْلُه لا يُؤمَّلُ

стр. 255

وقد شمِلتْني من أبي الجُود نظرةٌ ... فأشرق نجْمى بعدما كاد يأفُلُ لَعاً: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع. قال ابن السيد: هي اسم فعل مبنى على السكون، والتنوين فيه علامة التنكير، كهو في صهٍ ومهٍ. وقد بين القزاز الفعل الذي لعاً اسمه، فقال: يقال لعاك الله أي نعشك الله ورفعك، فلعا اسم لنعش، وتكتب بالألف، لأن لامها منقلبة عن واو. وله من أخرى، أولها: هل طالبٌ بدم القتيلِ ... بين المعاهد والطُّلولِ سلَب الجمالُ فؤادَه ... ونأَى عن الصبرِ الجميلِ عبثتْ به أيدي الهوَى ... فهوَى بوادِيه المَهولِ قسَماً بأجْياد الظِّبا ... وتحيَّةِ الظبْيِ الكحيلِ ما مِلتُ عن نَهْج الغرا ... مِ إلى مُلاحاةِ العَذُولِ وَيْلاه كم أطْوِى الضلو ... عَ أسًى على الداء الدَّخِيلِ ما آن أن تُقضَي لُبا ... ناتِي وأن يُشْفَى غليلِي وبمُهجتِي ظَبْيٌ شما ... ئلُه أرقُّ من الشَّمُولِ فَعْم المُخَلْخَل ساحرُ الَّل ... حظاتِ كالرشأ الخَدُولِ الفعم: الملآن. والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومثله المسور موضع السوار من الذارع، والمقلد: موضع القلادة من العنق، والمقرَّط: موضع القرط من الأذن. والخدول: الممتلئ الأعضاء الدقيق العظام. يصْطاد أفئدةَ الورى ... بحبائلِ الشَّعْر الرَّسِيلِ قمرٌ يجِلُّ عن المَحا ... قِ ضياؤُه وعن الأُفولِ أرْتاعُ عمد نهوضِه ... جزَعاً على الخَصْرِ النحيلِ أحسن منه قول: ديك الجن: وتمايلتْ فضحكتُ من أرْدافِها ... عجَبا ولكنِّي بكيتُ لخَصْرِهَا ومما يستجاد له قوله، من أبيات: لمن طَلَلٌ عافِى الرُّبوع بذي الضَّالِ ... ذكرتُ به ما مَرَّ من عيشِيَ الخالِي حبستُ به طَرْفي وأرسلتُ مُقلتِي ... وبُدِّلت إرْشادي لديه بإضْلالِي أُسائله والدمعُ ينْهلُّ وَدْقُه ... غراماً فلم ينْجَع بكائي وتَسْآلِي وله من قصيدة، مطلعها: تلك الديارُ وهذه أعْلامُها ... فسَلِ المَدامع أن يجود سِجامُها وأطلُب لها من طَرْفك السُّقْيا إذا ... أبَتِ الثُّريَّا أن يَصُوب غَمامُها واُحْبِسْ بَعْقوتها المَطِىَّ مُسائلا ... في مَ اسْتباح دماءَنا آرامُها فلعل سُعْدَى أن تُساعد باللقا ... وعسى سُلَيمى أن يزورَ سلامُها للهِ مسرحُ لهوِها ومَراحُه ... ومِحُّلها حيث الهوى ومُقامُها إذ كان بالبِيض الأوانِس جِيدُها ... حالٍ وظَلَّك أثْلُها وثُمامُها ومَرادُ طَرْفك كلُّ من فضَح القَنا ... وجَلا الظلامَ جَبِينُها وقَوامُها لو أنها عرَضتْ لِذمِّ كنيسةٍ ... سجدُوا وهانتْ عندهم أصْنامُها أو خاطبَتْ مَيْتاً تقادَم عهدُه ... لأذاقَه طعمَ الحياة كلامُها لَفَّاء هيفاءُ القَوام سِبَحْلَةٌ ... يُصْبِى الحليمَ جلوسُها وقيامُها أثْرَتْ رَوادِفها وأمْلَق خَصرُها ... فتكاملتْ قَصْداً وتمَّ تمامُها كيف التخلُّصُ من هوى فتَّاكةٍ ... يقْتاد آسادَ العَرِين غرامُها رفع الجمالُ حِجابَها لكنها ... كالشمسِ أعْيَى الطالبين مَرامُها يا قلبُ دَعْ ذكرَ الصبابِة للذي ... يحلُو بفِيه زُعافُها وسِمامُها وله من أخرى، مستهلها: ما صاح صاحِي الوُرْق في ألحانِه ... إلا وأذْكره بديعُ بيانِهِ وإذا تنازَعه اللوائمُ في الهوى ... ذكر العَقِيقَ فسحَّ من أجْفانِهِ كَلِفٌ إذا هبَّت به نَجْديَّةٌ ... يذْكو بها ماسَحَّ من أجفانِهِ

стр. 256

مُغْرًى بذكْر العامريَّةِ مغرمٌ ... ظامٍ إلى عذبِ العُذَيْبِ وبانِهِ يُخْفى جَوًى لوحلَّ يَذْبُلَ بعضُه ... دُكَّت هِضابُ الشمِّ من أركانِهِ ويرُوم إغْضاء الجفونِ على القذَى ... فَرَقاً فيُعرب شأنُه عن شأنِهِ يا لائمِي في حبِّ أهْيفَ لو بدا ... للبدرِ لم يَعْدُدْه من أقْرانِهِ مُتمنِّع يرْنُو بناظرِ جُؤْذُرٍ ... وَيْلاىَ من وَسْنانِه وسِنانِهِ أأُذاد عن مِضْمارِ حَلْبة حبِّه ... وأنا المُجلِّى وَيْك خيلَ رِهانِهِ أتلومُ من أودَى بمُهْجته الهوى ... لا كان إن يَكُ هَمَّ في سُلْوانِهِ حسْبي بما ألْقاه من ألمِ الجوى ... ما قد ترى والعمرُ في رَيْعانِهِ لو أن بالفَلك المُحيط ذُبالةً ... من حُرْقتي ألْهتْه عن دَوَارنِهِ أو حَلَّ وَجْدي بالكواكب لا نْبَرَى ... بَهْرامُها يشكو إلى كِيوانِهِ أو غَال رَضْوَى بعضُ ما قد غالنِي ... لرأيَته كالعِهْنِ قبل أوانِهِ أو كان يُسعِدني على قَدْرِ الهوى ... دمعي لَعَمَّ الأرضَ من طُوفانِهِ ولقد سلكْتُ الحبَّ لا غِرّاً به ... وعرفتُ كُنْه خَفيِّه وعَيانِهِ وعلمتُ إذ ذُقْت الغرامَ بأنني ... حاسٍ بكأْس جَميلِه وأبانِهِ عبد اللطيف البهائي البعلي فاضلٌ ملء أبراده، جم الفوائد في تحريره وإيراده. أدبه غض، ومذهبه مبيض. ولطف طبعه معتدل بين الإفراط والتفريط، وله نثر ونظم حَلَّيا الأجياد والآذان بالتنظيم والتقريط. هو وإن كان بعليَّ الطينة، فهو دمشقيُّ المدينة. وردها وعنفوانه زاه وشرخه، وفاقها وقد استمجد في البراعة عفاره ومرخه. وبها كان تليين خشونته، وتسهيل صعوبته وحزونته. إلا أنه نازل هماً ممضاً، وتسهيل أسفا للمضاجع مقضاً. وكان مشارا إليه بالنباهة، مرموقاً أن يتنبَّه حظه بعض انتباهة. ثم دخل الروم فأسرع البخت إلى إمداده، وتمنَّت سود الحدق لو كانت عوض مداده. فبقى في ذلك الأفق وهو ملتاح، وكل قلب إلى تودده مرتاح. ثم ترامى في وسع الفضا، فأصبح فيه كرةً لصولجان القضا. وما زال حتى نال من حظه أتمه، واستوفى أجله المحتوم ثمة. فطواه الدهر طي السجل، ومحا آثاره التي تسمو وتجل. ولقد أوردت له من شعره ما يقضي بجودته المتخير، ويبهر حسنه الفكر فيغدو عليه كالواقف المتحير. فمن ذلك قوله من فتحية للسلطان محمد، لما أرسل وزيره الفاضل ففتح إيوار، وزند الدولة إذا ذاك وار، وشخص تلاشيها متوار. ونافذ أمرها لمعصم الامتثال سوار. فحلَّ في ناحيتها بجيشٍ ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رحبتهم أعضاؤها. ودارت بينه وبين الكفار للحرب كؤوس، ترامت منهم بسببها نحو الهلك أنفسٌ ورءوس. فحامت المنايا عليهم، وغدت ألسنة البيض تتلمَّظ عليهم. فكأنهم هشيمٌ حصدته ظبا السيوف، وقضت ديون أنفسهم غرماء الحتوف. ثم افتتح القلعة، وسهل تلك الصعوبة والمنعة. وتواردت البشائر بأن الله وهب الظفر، وأحاق سوء العذاب بمن كفر. فعمل البهائي قصيدته هذه وسيرها، وهي قصيدة معمورة ومطلعها: بالفتح زاد الدِّينُ عزّاً واعْتِلاَ ... واللهُ أعْظَمَ مِنَّةً وتفضُّلاَ بالنَّصر أنْجز وعدَه سبحانه ... أعزَّ جندَ المسلمين أُولى الوَلاَ هبَّوا كما هبَّ النسيمُ إذا سرى ... يغْتصُّ عُرْضُ الأرض منهم والفَلاَ في جَحْفلٍ ستروا البسيطةَ كثرةً ... لم تُلْفِ مثلَهم النواظرُ جَحْفلاَ أرْبَوْا على التَّعداد حصراً واعتلَوْا ... من حيث لا أدرِي أواخرَهم ولاَ فكأنَّ وجهَ الأرض حَلْقةُ خاتمٍ ... بهمُ وماءَ البحر قَطْرٌ أُسِبلاَ ثبتُوا ثَباتَ الرَّاسياتِ تصبُّراً ... من يَلْتقيهمْ يَلْقَ منهم أجْبُلاَ شاكي السِّلاحِ بكلِّ أبيضَ مِخْذَمٍ ... ما شِيَم إلا قد أصاب المقْتلاَ

стр. 257

حتى إذا حَمِىَ الوَطِيس لدى الوغى ... لم تْلقَ إلا باسلاً مُستبْسِلاَ أنِفتْ سيوفُهمُ الغُمودَ فلا ترى ... إلا صَقِيلاً في نَجِيعٍ أنْهلاَ سالتْ به البَطْحاءُ حتى لا ترى ... طِرْفاً بغير دمِ الرَِّقاب مُحجَّلاَ من كلِّ عِلْجٍ ذاهلٍ عن نفسِه ... إذ لا يرى مَنْأًى ولا مُتحوَّلاَ مُلِىءَ اللعينُ مخافةً لمَّا رأَى ... في الحربِ شدَّتَهم وزاد تَزَلْزُلاَ فغدا يُنادِى حسرةً وتأسُّفاً ... يا ويْلتاه العمرُ ضاع سَبَهْلَلاَ من بعد ما قد شَبَّ نِيرانَ الوغَى ... بغُرورِه تَعْساً له ما أشْعلاَ عدَّ الهزيمةَ والفِرارَ غنيمةً ... أنِفَ الإقامة خوف أن يُستأصَلاَ أوَ ما يحقُّ له الفرارُ وقد رأى ... مالا يُطيقِ من الغُزاةِ تحمُّلاَ جلَب الغُزاةُ بخيْلهم وبرَجْلهمْ ... جَلْباً عليهم ما أشدَّ وأقْتلاَ فعُلوجُهم جَزْرُ الظُّبا ونساؤُهم ... أسْرَى تِئُّن تذلُّلا وتهوُّلاَ تبكي عليهنَّ البَطارِقُ حسرةً ... كالوُرْقِ في جُنْح الدجى وتمَلْمُلاَ وبقيَّةُ الأسياف منهم شذِّبوا ... أيْدي سَبَا تخِذُوا الهزيمة مَعْقِلاَ ما ضَرَّهم لو سالُموا من قبلُ أو ... أدَّوْا كما شُرِع الخَراجُ تبَذُّلاَ ما كان قيصرُ أو هِرَقْل وتُبَّعٌ ... أو سيفُ ذِي يَزَنٍ وكسرى أوَّلاَ وهلُمَّ جَرًّا مثل أدْنى خادمٍ ... لخليفِة الله المعظَّم ذي العُلَى ملكُ الورى أسَدُ الشَّرَى سامي الذُّرَى ... حامِي حِمَى الدينِ القويم المَوْئِلاَ شمسُ المعالي ابن بَجْدَتها الذي ... قد حلَّ في أوْج السعادة واعْتلَى ملكٌ علا في المجد أعْلَى رُتبةٍ ... أنِفتْ تكون له الثُّريَّا منزِلاَ تعْنُوا ملوكُ الأرِض قاطبةً له ... أبداً وتسعَى خِيفةً وتذَلُّلاَ تخْشى سطاهُ الأُسدُ في آجامِها ... فتذوبُ منه تضاؤُلاً وتغَلْغُلاً قسَما بطَلْعته ألِيَّةَ صَادقٍ ... في حَلْفه بَرِّ اليمينِ إذا ائْتلَى لم تسمحِ الأيامُ قطُّ بمثلِه ... ملِك تعمَّم بالتقى وتسَرْبَلاَ لم يُحْصِ مادحُه جميلَ صفاتِه ... كلاَّ ولو أفْنَى القريضَ تسلسُلَا لم يأْلُ جهداً في الجهاد ولم يزلْ ... يسعَى بإرسالِ الجيوش مُكمَّلَا في نُصْرة الدين المُبين مجاهداً ... بَرّاً وبحراً للعساكر مُرسِلَا عن حَوْمِة الإسلام ذَبَّ عِداتِه ... وأباد عُبّادَ الصليبِ وزَيَّلاَ ما زال يْضرَع في الدعاءِ لربِّه ... سِرّاً وجَهْراً مُجْمِلاً ومفصِّلَا مُتوجِّها بخُلوص قلبٍ صادقٍ ... فيما انْتحاه تضرُّعاً وتبُّتلَا فأتْته بُشْرى التح وهو مُلفَّعٌ ... ثوبَ السعادة بالجلال مُسَرْبَلَا مُسْتيقِناً بحُصوله ومؤمِّلا ... من ربِّه إتْمامَه متوكِّلَا لا زال تأْتيه البشائرُ دائما ... أبداً وتخدمه المفاخرُ والعُلَى وأدامه عَوْنا وغَوْثاً للورى ... وحَباه ربُّ العرشِ عمراً أطْولَا بسَمِيِّه خيرِ الأنام محمدٍ ... والآلِ والصحبِ الكرام ذوِي الولَا مالاح نجمٌ في السماء لناظرٍ ... وأضاء بدرٌ في الدجى وتهلَّلَا وله في المدح: إليك دون الورَى انْتَهى الكرمُ ... ومن أيادِيك تهْطِل النِّعَمُ

стр. 258

لن يبُلغ المدحُ فيك غايَته ... بل دون مَعْناك تنفَدُ الكلِمُ أنت الذي تُرتجَى مكارمُه ... وكم أناسٍ وجودُهم عَدَمُ أنت الذي الدهرُ دون هِمَّتِه ... وفوق هامِ السَّما له قدمُ مَن ذا يُضاهِيك هِمَّةً وعُلا ... وهل تَساوَى الأنوارُ والظُّلَمُ طَوْدُ وَقار بالحِلْم مُشتِملٌ ... بحرُ نَوالٍ بالجود مُلتطِمُ يُخجِل صَوْبَ الغمام نائلُه ... بل دون هَتَّان كفِّه الدِّيَمُ أعْتابُه مَأمَنٌ لداخلِها ... من كلِّ هَوْلٍ كأنها حَرَمُ وله أيضاً: بأيِّ لسانٍ يحصُر العبدُ شكرَ من ... دَمِى من أيادِيه ولحمِى وأعْظُمِى ومَن عشتُ دهَراً تحت أكْنافِ ظِلِّه ... أروح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمِ وفُزْت بعلمٍ منه عَزَّ اكْتسابُه ... وذاك لَعَمْرِي حسرةُ المتعلِّمِ ينزِّهنِي في ظاهرِي وسَرائرِي ... بإرْشادِه عن كل رَيْبٍ ومأْثَمِ ويمنْحني مَحْضَ النصيحِة جاهداً ... يُعلِّمني طُرْقَ العُلى والتَّكرُّمِ ولولاه مَن عبدُ اللطيف ومَن له ... ومن يخدِم الأمْجادَ يشْرُفْ ويكرُمِ وحسبِيَ من شكرِي اعْترافي بفضِله ... وتصديقُ قلبي والجوارِح والفمِ وله أيضاً: مَعاذَ الوَفا أن يُصبح العبدُ خاليَا ... عن الشكرِ للمولى الذي قد وفَا لِيَا وأنْعمَ حتَّى لم يدعْ ليَ مَطلبَا ... وأنْكَى بما أسْدَى إلىَّ الأعاديَا وكلُّ الذي أمَّلْتُه من نَوالِه ... حَظِيتُ به بل فوق ما كنتُ راجِيَا وفرَّغ عن قلبي سوى حُبِّه الذي ... تمكَّن في قلبي وأنْعَم بالِيَا فغايةُ سُؤْلِي في الزمان رِضاؤُه ... فأقْصى المُنى أن كان عنِّي رَاضيَا ولي نفسُ حُرٍّ قد أبتْ غيرَ حُبِّه ... وحاشا لمْثلى أن يُرَى عنه سالِيَا وقلبٌ إذا ما البرقُ أوْمَض مَوْهِنا ... قدحْتُ به زَنداً من الشوق وارِيَا تحكَّم فيه حبُّه واشْتياقُه ... له الحكمُ فْليَقْصِ الذي كان قاضيَا فلله عيشٌ مَرَّ لي بظِلالِه ... أجُرُّ به ذيلَ المآربِ ضافِيَا أرُوح بأفْضالٍ وأغْدُو بأنْعُمٍ ... ويمْنحني وِرْدَ المحبَّة صافيَا وفُزتُ بعلمٍ منه عزَّ اكْتسابُه ... وأصبحتُ من حَلْىِ الفضائل حالِيَا إذا ما دجَى بحثٌ وأظلم مُشكلٌ ... أضاء بنور الفكر منه الدياجِيَا يجول على نُجْبِ الذَّكاءِ بفكْرةٍ ... أَبَتْ في الذي تُبدِيه إلاَّ التَّناهِيَا يُغادر قدماً ذا الذكاء دقيقُها ... ولا عجبٌ فالشمسُ تخفِى الدَّرارِيَا يفُوق على البحر الَخِضمِّ بعلمِه ... ويرْجَح في الحِلم الجبالَ الرَّواسِيَا يُسابق أجْنادَ الرياحِ إلى الندَى ... ويفضحُ جَدْوَى راحتْيه الغوادِيَا نظمتُ له عِقْدَ المديح مُنضَّداً ... جعلتُ مكان الدُّرِّ فيه القوافيَا فلا زال مَلْحوظاً بعينِ عِنايةٍ ... من الله في أَوْج المفاخر راقيَا مدى الدهر مالاحت بُروق لناظر ... ودام على كرِّ الجديدين باقيا حسن بن درويش الكاتب الطرابلسي شاعر مادح، طير فصاحته صادح، وزند براعته قادح. ومنشٍ كاتب يجلو دمىً كواعب، بألباب الرجال لواعب. خطه حسن كاسمه، وله القيام على رسم الأدب ووسمه. فكأن مداده مركب من أجزاء القلوب، ففي كل قلبٍ من خطه شهوة تدعو إلى المطلوب. وكان خرج من بلده حماة وهو كهل، ورحل بطرابلس بين كنف رحب، ومسرحٍ سهل. فاسترجع بها شبابه، واستمطر وبله وربابه. فزهت به أرجاؤها وباهت، وفخرت بها سكانها وتاهت.

стр. 259

فعكف في نديها الخضر، يتقلب في العيش النضر. ويأتي من النظم بما هو أعطر من السحيق، ومن النثر بما هو أبهر من در الحباب على خد الرحيق. وقد أثبت له من شعره قصيدتين لكل منهما من الحسن علامة، فإحداهما كافية كافية والأخرى لامية عليها من النضار لامة. فالأولى قوله، وقد مدح بها الامير منجك مالِكتي تملَّكِي ... النفسُ لم تَملَّكِ وهْيَ لك أطوعُ من ... رَعيَّةٍ للملِكِ إن تأمرِي تُطِعْ وإن ... تدْعِي بهب تُلبِّكِ لِم تسْترين طَلْعةً ... فيها حَلاَ تهتكُّيِ مَهْلَكِ بي يا مَطْلبِي ... دونَك ألفُ مَهْلَكِ فإن بعدْتِ تحْرِقِي ... وإن دنَوْتِ تفْتكيِ وإن صبرتُ لم أُطِقْ ... وإن خضعتُ تزمُكيِ وإن طرقتُ خِفْيةً ... أهلَكُ بين أهلِكِ أين لِطيْر مهجتِي الْ ... خَلاصُ من ذا الشَّرَكِ عيشُ الخَلِيِّ قد صفاَ ... يا قلبُ فاسْلُ واتْرُكِ واقصِد بنا سبيلَ من ... راح خلِيّاً واسْلُكِ ما مَن يبِيتُ شاكراً ... كمن يبيتُ يشْتكيِ فاخْلَعْ على العشاقِ ثوْ ... بَ جسمِك المنْهتِكِ وانتهزِ الفرصةَ قب ... ل فَوْتِها واستدْرِكِ هذا الربيعُ مقبِلٌ ... يصحبُ آلَ بَرْمَكِ يكسُو لأعطافِ الرُّبَى ... غلائلاً لم تُحَكِ وحلَّ في نُحورِها ... عقودَ دُرِّ الحُبُكِ حتى أنما بها ... مجلسُنا في الفَلَكِ والنَّرْجِس اصطضفَّ وما ... أحسنَ صَفَّ الملِكِ زَبَرْجَدٌ في فضةٍ ... في ذهبٍ لم يُسبَكِ يرنُو بلَحْظِ عاشقٍ ... بمَدْمعِ الطَّلِّ بُكِي والوردُ في سَكْرتِه ... على الغُصونِ مُتَّكيِ تُمسك أذيالُ الصَّبا ... بكفِّه المُمَسَّكِ كوَجْنةٍ العَذْراء إن ... قلت لها هَيْتُ لَكِ والنّهر في يد النَّسِي ... م كالقبا المُفرَّكِ من قول القيسراني في وصف غدير: وإذا الصَّبا هبّتْ عليْ ... هِ أتاك في ثَوْبٍ مُفَرَّكْ وللغصُون حولَه ... دلائلُ المُنْهمِكِ ألقتْ شِباكَ الطَّلِّ فاصْ ... طادتْ خيالَ السَّمَكِ والأقْحُوان ضاحِكٌ ... بمَبْسمٍ لم يضحكِ والياسَمِينُ عَرْفه ال ... غَضُّ له عَرْفٌ زَكيِ والطيرُ في مُغرِّدٍ ... ووَالِهٍ مُرتبِكِ في روضةٍ كأنها ... وصف الأميرِ مَنْجَكِ مَن حار في أوصافِه ... كلُّ لبيبٍ وذكيِ بحرٌ وفيه بالثَّنا ... ألسُنُنا كالفُلكِ ترى العيونُ عنده الْ ... بحارَ مثلَ البِرَكِ له أكفٌّ مُسِّكتْ ... سُنَّة غيرِ مُمْسِكِ تفْتك في أموالهِ ... فَتْكَ المَهَا في نسُكِ وفكرُه أهْدَى لنا ... وَشْيَ بلادِ اليَزْبكِ من كلِّ بيت يحْتوِي ... ابْنَةَ كسرؤى الملِكِ مَشَتْ به لاهيةً ... عن عِقْدِها المُفكَّكِ فالدُّرُّ مِلْءُ مسمَعِي ... منه ومِلءُ الحَنَكِ ملكتَ رقِّي سيدي ... أفْدِيك من مُمَلَّكِ أدركتَ كلَّ فائتٍ ... وفُتَّ كلَّ مُدْرَكِ لك المعالِي وعلى الْ ... الفضلِ ضمانُ الدَّرَكِ هذا من قول ابن النبيه: واللهِ لا زلتُمْ ملوكَ الورى ... شرقاً وغرباً وعليَّ الضمانْ وللهرمزي:

стр. 260

ِبنحْسِ أعادِيك دار الفلَكْ ... وما دار يوماً بسعْدٍ فلَكْ وإن هَمَّ دهرٌ بما لا أقول ... فنفْسِي الفِدا وعليَّ الدَّرَك وهذه القصيدة الثانية، وهي في مدح الأمير أيضاً: غُصنٌ أيْنعتْ قطُوفُ دَلالِهْ ... يجْتَنى الحبُّ من رياض جمالِهْ ورَشاً في مَرابضِ الأسْد تحمِي ... هِ وتُدْعَى بعمِّه وبخالِهْ فاتِكٌ يحْذَر الفؤادُ تمنِّي ... هِ ويخْشَى الضميرُ فكرَ وِصالِهْ أوْقف السُّهدَ في طريق رقادِي ... غَيْرةً أن يزورني بخَيالِهْ وترُدُّ العيونَ عنه عيونٌ ... قتلتْ مَن رآه قبل قتالِهْ أعْجز الشمسَ وهي تنصُب في الأرْ ... ض حبَالاً وقوعُ صَيْدِ ظلالِهْ بل على وَصْلِه يُحيل بوعْدٍ ... وأراه مُخادعاً بمِحالِهْ كم كَسانِي بالوعدِ ثوبَ حياةٍ ... وغدا بالِياً بطُول مِطالِهْ واحدُ الحسنِ من قبلُ لكن ... قد ترقَّى مُذ شِمْتُ نقطةَ خالِهْ يريد أنه بالترقي صار عشرة جريا على أن الحسنة بعشر أمثالها. وأفصح السيد محمد العرضي عنها، في قوله: ألِفَ القَدِّ زانَها نُقطةُ الْخا ... لِ فصارتْ وواحدُ الحسنِ عَشْرَهْ وفي شفاء الغليل للشهاب: حسنة بمعنى الشامة والخال، مولدة مشهورة. قال: بِخَدِّه شِمْتُ شامةً حُرِقتْ ... فقلتُ للقلبِ إذْ شكا شجَنَهْ لا تشْتَكِي مِن نارِ مُهْجتي حُرَقاً ... فإنَّ في الخالِ أُسْوةٌ حسنَهْ لِيَ هُزْءٌ إذا تنفَّس بالمِسْ ... كِ وهُزْءٌ إذا رناَ بغَزالِهْ وأرى البدرَ عنده لا يُساوِي ... دِرهماً والهلالَ إحدَى نِعالِهْ هاك من ظُفْرِه هلالاًوإن شِئْ ... تَ نجوماً هات من خَلْخالِهْ واستلمْ من يمينِه الكأسَ شمساً ... مثلهعا من إنائِها في شمالِهْ وتأمَّلْ إذا تبسَّم دُرَّاً ... وحَباباً طفَى على جِرْيالِهْ ملِكٌ كلُّ مُهْجة من رَعايا ... هـ وكلُّ الغرامِ من عمَّالِهْ أنا والناسُ من هواه ومن صُدْ ... غَيْه في سِجْنِه وفي أغْلالِهْ يسترِقُّ القلوب بالحُسن لكن ... مَنْجَكٌ يسترِقها بكمالِهْ هو بحرٌ تموَّج الفضلُ فيه ... وبدا الدُّرُّ من فصيح مَقالِهْ وهْو غَيْثٌ مَن اسْتغاث يديْهِ ... أمْطرتْ بالغِنَى رُبَا آمالِهْ وهْو للمجد دَوْحةٌ حيث أعْنا ... قُ رَجانا مُطوَّقاتُ نَوالِهْ كلُّ أيامنا ربيعٌ بلُقْيا ... هُ ومن لُطْفه نسيمُ اعْتدالِهْ كلُّ روضٍ فمُخصِبٌ بسجايا ... هُ وغصنٍ فمثمِرٌ بِخصالِهْ لبِس الفخرَ فالمكارمُ في أطْ ... واقِه والعَفافُ في أذْيالِهْ كلُّ وقتٍ بجُوده في يديه ... غارةٌ شَنَّها على أمْوالِهْ لم يدعْ درهماً ولا ديناراً ... غيرَ شاكٍ نقُوشه عرض حالِهْ فترى الدهرَ مُسْتجيشاً عليه ... وترى الدهرَ لا يمرُّ ببالِهْ شغلته هِباتُه والمعالِي ... ما رِضاءُ الزمان من أشْغالِهْ شِيَمٌ لم تكنْ لغيرِ أبيهِ ... وأخيه وأقْرباهُ وآلِهْ أشرقتْ شمسُه وغابُوا نجوماً ... ونجومُ الباقين حول هلالِهْ منه أبْقَى الزمان واسِطَة العِقْ ... دِ الذي بَدَّدتْه أيدي اغْتيالِهْ هو دُرٌّ فمَن رآه يتيماً ... عرف الدهرَ ما جنَى بفِعالِهْ يا مُعِيداً زمان آبائه الما ... ضِي بإقْبالِه إلى اسْتقبالِهْ أنت للجودِ والفضائلِ ظلٌّ ... لا أرانا الإلهُ وقتَ زوالِهْ وله في التضمين:

стр. 261

قالت لنا قهوةُ العنقودِ حين رأتْ ... لقهوة البُنِّ قدراً في الأنام عَلِي لئِن علانيَ مَن دوني فلا عجبٌ ... لي أُسْوةٌ بانْحطاطِ الشمسِ عن زُحَلِ وقد سبقه ماماي الرومي، إلى هذا التضمين في قوله: قد قالت القهوةُ الحمراءُ وافتخرتْ ... كم قد ملكتُ ملوكَ الأعصُرِ الأٌوَلِ وقهوة القِدْرِ إن قَدْرَاً عليَّ علَتْ ... لي أُسْوةٌ بانْحطاطِ الشمسِ عن زُحَلِ عبد الجليل بن محمد الطرابلسي لقيته بمكة مجاور عزلةٍ وسكون، ومعاهد تبتلٍ إلى الله وركون. وفيه سجايا لطاف، وانجذاب نحو القلوب وانعطاف. وبيني وبينه مصافاة، أكدتها بالقاهرة مراعاة وموافاة. وقد أنشدني أبياتاً من نتائج فكره، لم أر لاستحساني لها بداً من ذكره. وهي: متى خَفَقانُ قلبٍ يسْتكِنُّ ... وقلبُ حبِيبيَ القاسِي يحِنُّ ويُنعم باللّقا كالبدرِ ليلاً ... ويبْسَم عن رِضاً لي منه سِنُّ أقول له ألا يا أيُّها الْ ... غزالُ الأغْيَدُ الرَّشأُ الأغَنُّ لقد أبلَيْتَ بالإعراضِ صَبّاً ... إذا لم تُولِه وُدّاً يُجَنُّ إذا عرف الحبيبُ له وِدادِي ... فلذلك له إحْسانٌ ومَنُّ رجب بن حجازي المعروف بالحريري الحمصي هذا رجب، الذي فيه العجب، شاعر ذيق، إلا أن خلقه ضيق. وعلى قدر ما توسع سعيا، حرم مبرةً ورعيا. لبذاءة في لسانه، ووحشة ذهبت برونق إنسانه. يتلذذ بالعيش الضنك، تلذذ الأجرب بالحك. ولا يرى إلا على جناح طائر، فليس يقر له قرار إلا وله عزيمة سائر. كأنه الخبر الشرود، أو الوحش المطرود. وهو باقعة محاجاة، وبائقة مهاجاة. يتلفت إلى الهجا، تلفت القلوب إلى الرجا. وله في المجون فنون، عد فيها من أهل الأهواء والفتون. وأما غيرها من الأشعار والأزجال، فهو فيها كثير التردي قليل المجال. وقد أثبت له مالاً أراه مخلاً، بل تبوأ للإحسان منزلاً ومحلاً. فمنه قوله، من قصيدة طويلة مستهلها: أبَى القلبُ إلا غراماً ووجداً ... وطَرْفيَ إلا بُكاءً وسُهْدَا فلم يبرحِ الصبَّ تبْريحُه ... ولا الدمعُ راق ولم يُطْفِ وَقْدَا فلولا النَّوَى ما ألِفْتُ البكا ... ولا كان بالسُّقم جسمي تردَّى ولا أُبْتُ أرعَى نجومَ الدجى ... ولا كان عني مَنامِي تَعدَّى فأوَّاه صبري مضَى لم يعدْ ... وأما اشْتياقي فلم يُحْصَ عَدَّا ومالي مُعِين سوى أدمعي ... وقلبٍ لصَدِّ الهوى ما تصدَّى فلو بالكواكب ما بي هوَتْ ... وإلا على يَذْبُلٍ كان هَدَّا تُذكِّرني ساجعاتُ الرياض ... حبيباً ورَبِعا رَبِيعاً ووُدَّا وما كنتُ أنْسى ولكن تزيد ... وُلوعِيَ قُرْباً وصبريَ بُعْدَا رعى الله رَبْعاً نعِمْنا به ... وعهداً ألِفْناه حيَّاه عهدَا فما راقني غيرُه منزِلاً ... ولا طاب عيشا ولا راق وِرْدَا فلله أيامُ ظَبْيِ اللِّوَى ... فما كان أحْلَى جَناها وأجْدَى فيا مُنشدِي دِرْ مُدامَ الهوى ... ودَعْ ذكرَ هندٍ ودع ذكر سُعدَى ومالي وما لِلْغواني فكم ... تناسيتُ منهنَّ صَدْراً ونَهْداً وكرِّر حديثَك عن أغْيَدٍ ... هو الظبيُ والغصنُ لَحْظاً وقَدَّا وكالبدر في سنه والسنا ... له ناظرٌ مرهف جاز حدَّا فما رقَّ لي كالصَّفا قلبُه ... وقد لان عِطْفاً رقيقاً وخَدَّا إذا قام يُقعده رِدْفُه ... فلولاه ما قلتُ حُيِّيتُ نَجْدَا غزالٌ رَبَى في رُبَا جِلَّقٍ ... إذا مارناَ لَحْظُه صاد أُْسَدا سقى اللهُ وادي دمشق الحَيَا ... ولا زال دَهْراً أَقاحاً ووَرْدَا ترى نهرَاً ساكناً صارماً ... وإن هبَّ ريحٌ فقد هبَّ سردَا

стр. 262

فلله مُزْجِي المطايا إذا ... قطعت الفيافي وَجِيفاً ووَخْدَا إذا جئت جِلِّقَ وادي المُنى ... بها فاز من حَلَّ ضيْفاً ووَفْدَا فسلِّم بُعَيد اسْتلام اليمينِ ... على من تسامَى مَقاماً وجْدَا وقوله من أخرى، أولها: هل عند ذاك الحبيبِ ما عندي ... من الهوى والحنين والوُدِّ وهل على العهدِ من وثِقتُ به ... كما عهِدْنا بذلك العهدِ وهل درَى ما أصاب مُغرَمَه ... وما لقِي من وقائعِ البُعْدِ عدِمتُ صبْري والشوقُ لازمني ... لزومَ خالِ المليحِ في الخَدِّ وروضةٍ قد حرستُها زمناً ... يا هل ترى كيف غصنُها بعدِي ونَضْرةُ الورد بعدنا بقيتْ ... أم لا بقاءَ لدولةِ الوردِ بِتْنا ولا ثالثٌ يراقبنا ... غيرَ ابنةِ الشُّهْد وابنةَ الرَّنْدِ كصَعْدةٍ للظلام طاعنةٍ ... سِنانُها كوكبٌ لنا يَهْدِي ومِن نعيمي بحُسن طلعتِه ... ظننتُ أني بجنَّةِ الخُلْدِ ثمِلتُ من دُرِّ لفْظِه وحَلاَ ... لمَسْمعي كالسُّلاف والشُّهْدِ إن قلْتُ مولايَ قال مبتسِماً ... لبَّيْك ماذا تُريد يا عَبْدِي أشكو سهامَ الجفونِ لي قصَدتْ ... وكدتُ أقْضي بقولِ ذا قَصْدِي كأن بالسحرِ خمرةً مُزِجتْ ... سُقِيتُ منها فغبتُ عن رُشْدِي ما كان إلا كبارقٍ ومضَى ... صَفْوِي وجاء النهارُ بالضِّدِّ فراع قلبي الصباحُ صارمُه ... ياليْته كان دام في الغِمْدِ والدهرُ إن راق للأديب فعَن ... سَهْوٍ وجَلْبُ الهموم عن عَمْدِ وقوله من أخرى، مطلعها: لَعمرُك شرحُ أشواقي يطولُ ... وأشْجاني وأفكارِي تجُولُ وعن صبرِي الجميلِ سألتُ قلبي ... فقال وأين يا هذا الجميلُ وها أنا بعده مالي مُقامٌ ... وليس إلى تَلاقينا سبيلُ وبي ظمَأٌ إلى وِرْدِ التَّلاقي ... ومن جَفْني دَماً دَمْعي يسيلُ سُقِي زمنُ التَّداني حيث كُنَّا ... ولا كان الرَّقيبُ ولا العَذُولُ وغصنُ الْبان أجْنِي منه ورداً ... بأحْداقِي وفي عقلي يمِيلُ ويُسكرني بدُرٍّ من عقِيقٍ ... فتخجل من شَمائلهِ الشَّمُولُ رقيقٌ لأن عِطْفا رَقَّ خَصْراً ... وجار عليَّ ناظرهُ الكحِيلُ يذكِّرني البُروق له ابْتسامٌ ... ويُشْجِيني من الوُرْقِ الهَديلُ وشِمْت البرقَ في الظلماء سيفاً ... على ضعف الكرى ماضٍ يصولُ تُرى الأيام تنظِمنا بمصرٍ ... ويَحْظَى في بُثَينته جميلُ تُرَى ما حالُ ذاك البدر بعدي ... أزاهٍ أم كما عنه يقولوا وليلٍ زارني منه خيالٌ ... سُرِرت به وقد رَقَّ المَلولُ فأرْشفني مُداما من أقاحٍ ... وجاد بوردِه الخدُّ الأسِيلُ وقد أنكرتُ فيه بنتَ آسٍ ... فقلتُ الآسُ يَهْواه العليلُ وعهدي فيه كالمرآة صافٍ ... صَقيلٍ كم به فُتِنتْ عقولُ وكالروضِ النَّضير فقال هذا ... سِياجٌ قلتُ كيف لنا دخولُ فقال الوردُ ليس له بقاءٌ ... وعهد الآسِ باقٍ لا يحُولُ فقلت الآس بغيةُ أهل مصرٍ ... وراغِبُه بجِلِّقنا قليلُ رفُقتُ فلم أجدْ للوصلِ أصْلاً ... وبان الروضُ والظلُّ الظليلُ وكان له بمصر رفيق خليع، خطف لصٌ عمامته وشج رأسه، فكتب إليه يسليه: إمامَ الفضل مَن حاز الكرامَهْ ... لرُزْئِك قال طَرْفي للكرَى مَهْ أقام وقوعُك الأحزانَ عندي ... وقد شاهدتُ أهوالَ القيامَهْ

стр. 263

فكيف وأنت لي خلٌّ أنيسٌ ... ومن دون الورى أهْوَى كلامَهْ ليالينا بكُم سبقتْ تُحاكِي ... ليالٍ قد تقضَّت في تِهامَهْ تُدير النظمَ ممزوجاً بنثْرٍ ... فتُسكرنا ولا صِرْف المُدامَهْ يمينُ اللِّصِ لا كانتْ وشَلَّتْ ... وعن قُربٍ يُرَى من غير هامَهْ على خطْف العمامة قد تعدَّى ... ولكن سوف تُدركه النَّدامَهْ ويأكل لحمَه عَضّاً ويبْكي ... إذا ما الصبحُ قد أبدى ابْتسامَهْ على شيءٍ إذا مارام بَيْعاً ... فأعْلَى قيمةً منه القُلامَهْ ويقرَعُ سِنَّه أسَفاً وغَبْناً ... وليس يُفيده قطعُ السُّلامَهْ ويُدْمِي رأسَه قهراً قِصاصاً ... كما أدْماك لَطْماً في الدِّعامَهْ كرَامٍ رامَ أن يَرْمِي ظَلِيماً ... فطاش السهمُ لم يبلُغْ مَرامَهْ وكان غلامُه بالقُرْب منه ... فأرْماه ولم يُصب النَّعامَهْ فلا تأْسفْ على نسجٍ ضعيفٍ ... كبيْت العنكبوت بلا إقامَهْ وحقِّك ليس تنفعُه بشيءٍ ... كما في الصيفِ لم تُجْدِ الغَمامَهْ لقد طالت بحال النَّسْرِ عُمْراً ... وقد شهدتْ هَوازِنَ واليمامَهْ مُخَضْرَمةٌ فلو نطقتْ لقالتْ ... شهدتُ مُهَلْهِلاً وأبا قُدامَهْ كذا الرَّفَّا السَّرِيُّ صحبتُ دهراً ... قدِمتُ عيله بعد أبي دُلاَمَهْ وكان مع الحريريِّ اتحادِي ... ولو لم يَقْضِ ألَّف بي مَقامَهْ فصل في وصف عمامة عمامة ولعت بها أيدي الزمان، ورفعت عنها من التمزيق الأمان. كفؤاد عروة في الرقة، لو أحصيت نفقة رفوها زادت على مال الرقة. ولطول تردادها إلى الرفا لو أفلتت لعرفت مكانه، وما جهلت دكانه، ولأمكنت من قطع المسافة إمكانه. فكأن الأيامَ إذْ أُلْبِستْها ... نُسِجتْ فوق شَخْصِها العنكبوتُ وللحريري معمىً في اسم أحمد: أفْدِي المليحَ الذي أوصافُه كمُلتْ ... كالظَّبْيِ لمَّا رنا والبدرِ حين بدَا في القلب أنزلْتُه لي راق مَبْسمُه ... والغُصن لما تَثَنَّى قدُّه سجَدَا وله في اسم يوسف: ومَليحِ عزيزِ حُسْنٍ بمصرٍ ... قَدَّ قلبي وزاد حزني وأكْمَدْ خَدُّه الشمسُ لاح والصدغُ بالخا ... لِ حَماهُ حُسامُ جَفْنٍ مُجرَّدْ وله في اسم رمضان: وبدرِ كمالٍ لاح في حُلَلِ البَهَا ... تبسَّم عن دُرٍّ نَظِيمٍ وعن شُهْدِ كخاتِم دُرٍّ ثَغْرُه وبلحْظِه ... حمَى حُسنَه والخالُ في صفحة الخدِّ وله في اسم عثمان: قد قلتُ يوماً للرَّشا ... سِرْ بي إلى روضِ الأزاهِرْ فأجاب إن كان الرقي ... بُ هناك طِيبُ العيش نادِرْ وله في اسم مصطفى: يا عاذِلي في أغَرِّ الوجه دعْ عَذَلِي ... لأجْلِه قد ألفتُ الوَجْدَ والحُرَقَا كم دُرتُ مِحْرابَه ظامي الفؤادِ كذا ... دُرْ أنت يا عاذِلي واعْذُر فَتىً عشِقَا وله في حيدر: سقَى ليلةً زار الحبيبُ وعندما ... أقام وعن قلبي المَشُوقِ نَفى هَمَّهْ لثمتُ مكانَ العِقْدِ من غير حاجبٍ ... وقلتُ لقلبي قد كفَاك بها نِعْمَهْ عبد النافع بن عمر الحموي ألمعيٌ مشهود له بقوة إدراكه، وفيه قابلية لاختصاصه ببعض العلوم واشتراكه. بلسان أحد من السيف إذا تجرد من القراب، وفكرٍ إذا أراد البحر أن يحكيه في غوره وقع في الاضطراب. وله أدب كالروض تفتقت نسماته، وشعرٍ كالصبح تألقت قسماته. لكنه نكب عن المطبع الجزل، وذهب مذهب الهجو والهزل. إلا في النادر فربما جد، ثم أخلق منه ما استجد. وكان دخل طرابلس، وبنو سيفا في الوجود، والأمير محمد بينهم كالفضل بين البرامكة في الفضل والجود.

стр. 264

منيل الأماني بلا منة الحقب، متهلل يضع الهناء موضع النقب. وهو مقصد يتزود ذكره المسافر، ويعمل إلى لقائه الخف والحافر. فحل عنده حلول النوم من الأحداق والمدام من الأقداح، وبقي عنده يتحفه بدر الأثنية ويجلب إليه غرر الأمداح. حتى دهمتهم داهمة ابن جانبولاذ، وتضعضع منهم ركنٌ يحتمى به في الدهر ويلاذ. عندها أقلع إلى أدلب فكأنما دعاه إليه الأجل، ومضى إلى الله تعالى على وجه السرعة والعجل. وقد جئت من شعره بما هو أحلى في الأفواه من الشهد، وأشهى إلى العيون من النوم بعد السهد. فمن ذلك قوله، من قصيدة: أمُعذِّبي رِفْقاً بصَبٍّ مُغْرَمِ ... أضحى كمثل ابن السبيلِ الغارمِ فلقد جعلت الدمعَ وَقْفاً جارياً ... يحْتار منه ذو البكاء الدائمِ فاعجَب لدمعِي سائلاً متصدِّقاً ... واعجَبْ لواقِفة المُقيمِ الهائمِ هل أنت راحمُ ما ترى يا مُتلفِي ... من حالتي أم أنت لستَ براحمِ فلقد جرى ما قد كفى ولقد كفى ... ما قد جرى من مَدْمعِي المتلاطمِ يا رُبَّ ليلٍ طائلٍ ما تحته ... من طائلٍ غير العَناءِ اللازمِ مَدَّتْ به طُنْبُ الظلامِ فلا ترى ... إلاَّ نجوماً في سوادٍ فاحمِ فكأنها عطْشَى فتشرب ما بدَا ... من فجْره شُرْبَ النَّزِيف الحائمِ لو لم يكنْ فَرْعُ الحبيب مُشبَّها ... بسَوادِه لغدَوْتُ أبْلَغ شاتمِ قاسيتُ فيه كلَّ هَوْلٍ هائلٍ ... وركبتُ منه كل مَتْنٍ قاتِمِ حتى بدَا ضوءُ الصباح كأنه ... إشْراقُ وجهِ محمَّدِ بن القاسمِ وقوله، وهو من بدائعه: كأنَّ الدجَى ظَرْفٌ على الصبح مُوكَأٌ ... ولكن لطُول الامْتلا والبِلَى انْفَلقْ فسال فغطَّى أنْجُماً ما تعلَّمتْ ... لقصْر المدى سَبْحاً فأدركها الغَرَقْ قلت: لقد أجاد، وإن كان تناوله من قول ابن تميم: انظُر إلى الصبح البديع وقد بدا ... يغْشَى الظلامَ بمائِه المتدفِّقِ غرقت به زُهْرُ النجوم وإنما ... سلِم الهلالُ لأنه كالزورقِ والضد أقرب خطوراً بالبال عند ذكر ضده. تذكرت هنا قول أبي علي البصير، وفي الثاني نظر: وجُفونُ عينِك قد نَثَرْنَ من البكا ... فوق المَدامعِ لُؤْلُؤاً وعَقِيقا لو لم يكُن إنسانُ عينِك سابِحاً ... في بحرِ مُقْلتِه لمَات غريقَا ولابن العطار في غرق الليل: صبحٌ يلُوح وشخصُ الليل مُنْغمِسٌ ... فيه كما غَرِق الزِّنْجِيُّ في نَهَرِ ومن أهاجي المترجم قوله في قاض بحماة: من شَرِّ بيتٍ شرُّ قاضٍ أتى ... حماته يا قُبْحَ ما استحسنَتْ أبُوه مُحْتالٌ دَنِيٌّ وكم ... في رأْسِه من دَوْحةٍ أغْصَنتْ وأُمُّه مريم لكنها ... وعيشِكم ليس التي أحْصَنتْ الأمير حسن بن محمد المعروف بابن الأعوج حاكم حماة صانها الله وحماها، ولا زالت حوامل المزن تحط أثقالها بحماها. أميرٌ وابن أمير، وروض نضير، أنشأه ماءٌ نمير. تلقى راية المجد بيمين عرابة، وما أتى أمراً قط وفيه غرابة. وجَلا الإمارةَ في رَفيفِ نضارِة ... جلَتِ الدجى في حُلَّةِ الأنْوارِ في حيثُ وَشَّح لبَّه بقِلادةٍ ... منها وحلَّى مِعْصَما بسِوارِ فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح. فالسيف من جملة خدمه، والقلم يقوم في خدمته على رأسه عوض قدمه. يكتب فيجعل للأقلام حجة قاطعة على السيوف، وينتضي سيفه فيقول القلم مالي بارقة في ميدان هذا الحتوف. وإن جرى أدهم قلمه في حومة البراعة فهو سباق الغايات، وإن غردت حمائم نفثاته على غصون أقلامه قيل جاء من الزمر ما غطى على النايات. وهو جواد مبسوط الكف، ما أعرض يوماً عن مكرمة ولا كف. فجوده يغني عن القطر إذا شم الغمام، ونعمه هي الأطواق والناس الحمام.

стр. 265

وكان عصره كابتسام البرق إذا خفق، والصبح إذا تكشف عن الشفق. لم يتعلق أرج الكرم بغير أثوابه، ولم يتعشق صب الثناء إلا تراب أبوابه. وأهل الأدب يروحون إليه على وجد ويغدون على وجد، ويتنافسون على مدائح أخلاق خلقن من محض المجد. وهو مع شغله بالمنصب، وتشتت فكره بغرض المتعصب. لا يخلو من مطارحات تدل على ندماء مجلسه بإيرادها، ومناظيم يجلو بها عليهم الحور العين في أبرادها. وشعره مثقف المباني، له اتحاد بالمثالث والمثاني. أبرزت منه إلى العيان، ما هو ألذ من عزف القيان. فمنه قوله من قصيدة يشتكي فيها من الزمان: حاديَ العِيسِ سِرْ بغير ارْتيابِ ... ففؤادي قد حَنَّ للاغْترابِ لا أُرِيد الأوطانَ والذلَّ فيها ... واضِعاً طوقَه بأعلى الرِّقابِ ولو أنِّي قضَّيتُ فيها سروراً ... في شبابي لم أكتئِبْ لمُصابِي بل تولَّتْ نَضَارةُ العمرِ منّي ... بين عَيْشٍ ضَنْكٍ وفَرْطِ اكْتئابِ فالفرارَ الفرارَ من دار هُونٍ ... تركَتْني أشكو زمانَ الشبابِ وإذا الضَّيْم ما أقام فأحْبِبْ ... بجيادٍ تمُرُّ مَرَّ السحابِ لم يكن في مُقامِ ذَ اللُّبِّ فضلٌ ... قطَع السيفُ وهْو ضِمْنُ القِرابِ أدرَك المسكُ بالتنقُّل شأْواً ... وهْو في أرضِه دُوَينُ الترابِ فالفتى الشهمُ من إذا شام ضَيْماً ... لا يُبالِي بفُرْقة الأحبابِ منها: كيف مُكْثي ما بين أظْهُر قومٍ ... عهدُهم في ثَباتِه كسَرابِ جارُهم إن غدا عزيزاً عليهمْ ... كان كالشَّاةِ في مَقِيلِ الذئابِ هم إذا صادَرُوا أسودَ شَراءٍ ... وإذا حارَبوا فدون الكلابِ كم أناسٍ من دارِهم أخرجوهمْ ... ليسُومُونهم بسوءِ العذابِ إن فِرْعَوْن ثم نَمْرودَ كانا ... دونهم في اخْتراع سوءِ العذابِ ومَساوِيهمُ التي مِثْلُ هذا ... عَدَدُ الرملِ والحصا والترابِ ربِّ يا من أباد عَاداً وأوْدَى ... بثَمُودٍ ذوِي النفوسِ الصَّعابِ لا تذَرْ منهمُ على الأرضِ شخْصاً ... إنهم جاحدون نَصَّ الكتابِ وانتقِمْ مُسرِعاً وعجِّلْ عليهمْ ... ليس فينا صبرٌ ليوم الحسابِ قوله: " قطع السيف " إلخ. من قول بعضهم: السيف لا يقطع في قرابه، والليث لا يفترس في غابه. وقوله: " أدرك المسك "، من قولهم: المندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دمٌ في سرر غزلانه. وله من قصيدة أخرى، أولها: تبَّدتْ فأضْحى البدرُ في الأُفْق غائباً ... وشامَتْ فوَلَّى الظَبْيُ في البِيدِ هاربَا رَبِيبةُ خِدْرٍ يحرس الحسنُ وجهَها ... بسهمِ لِحاظٍ يجعل يجعل القوسَ حاجِبَا إذا ابْتسمتْ عن صُبْح ثَغْرٍ مُنوَّرٍ ... تُشاهد منها في النهار كواكبَا وإن برزَتْ في أسْود الشَّعْرِ ضحْوةً ... رأيتَ الدجى للصبحِ أضحى مُصاحبَا فما دَوْحةٌ سَقى النَّدَى نَسْجَ بُرْدِها ... وحاكتْ حِبالُ الشمس منه جَلائبَا مُلوَّنةٌ من خَيْط ليلٍ وفجرِه ... مُنوَّعةُ الألْوانِ تُبْدِي العجائبَا إذا سائلُ الغُدران حَنَّ صَداؤُه ... وطائرُها المَيْمون غنَّى مُجاوِبَا بأبْهجَ منها حُلَّةً وطَراوةً ... وأخْصبَ مَرْعىً من حِماها وجانبَا لها لا لِعَزّ حُقَّ وَصْفُ كُثَيِّرٍ ... وتَوْبة في ليْلَى أعادتْه كاذِبَا صدق توبة ليلى مشهور، وأصله ما روي أنه لما شغف بها، واشتهر أمره وأمرها به، قال: ولو أنَّ ليلى الأخْيَلِيَّةَ سلَّمتْ ... عليَّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ لسلّمتُ تسلِيمَ البَشاشةِ أوزَقا ... إليها صَدىً من جانب القبر صَائحُ

стр. 266

فيقال: إنها مرت على قبره، وهي راكبة على جمل، ومعها زوجها، فقال لها زوجها: هذا قبر الكذاب، سلمي عليه، حتى ننظر وعده. فقالت له: خلِّه، فقد مات إلى رحمة الله تعالى. فقال لها: لا بد من ذلك. فسلمت عليه، فطار من جانب قبره طائرٌ، فهاج جملها، فوقعت اندقت عنقها، فدفنوها إلى جانبه. أخرجه صاحب " الأغاني " عن المدائني. وله في النسيب: آهِ مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْ ... وهْيَ تلْهو ومُهجتِي وَلْهانَهْ ذاتُ ثَغْرٍ كأنه الُّلؤْلؤُ الرَّ ... طْبُ حكى كفَّها وحاكى بَنانَهْ قولهم: " في اللؤلؤ الرطب " كناية عما فيه من ماء الرونق والبها، ونعمة البشرة وتمام النقا؛ لأن الرطوبة فصل مقدم لذات الماء، فهي تنوب عنه في الذكر، وليس يعني بالرطوبة فيه المعنى الذي هو نقيض اليبوسة. قاله أبو الريحان في كتابه " الجماهر ". وقوله: " حكى كفها وحاكى بنانه ". المراد بمحاكاة كفها في تناسب أصابعه واستوائها، وبمحاكاته لبنانه في حمرتها؛ فيكون قصد تشبيهين: تشبيه أسنانها، وتشبيه شفتيها. هذا ما يظهر من البيت. هي في القَدِّ غصنُ بَانٍ ولكن ... مَن رأى النَّهْد قال ذي رُمَّانَهْ يا عجيباً منها تظُن سُلُوّاً ... من فؤادي وتشْتكي سُلْوانَهْ يا عجيباً أني أُرِيد رِضاها ... وهْيَ في حالةِ الرضا غَضْبانَهْ لستُ أخْشَى بحبِّها من عَذُولٍ ... فدَعُوه فينا يُطِيل لسانَهْ حاصلُ الأمْرِ أن يقول فلان ... طار صِيتاً بحبِّه لفُلانَهْ أنا صَبٌّ بحبِّها مُستهامٌ ... ملَك الحبُّ سِرَّه وعَيانَهْ لستُ أنْسَى لمَّا أتتْ ورَقِيبِي ... عينُه من يد الكرَى مَلآنَهْ تتخطَّى العيونَ شرقاً وغربا ... ضمنَ عينٍ بشَرْقها غَربَانَهْ ضِمْنَ ثوبٍ من التقى مُستعارٍ ... بعفافٍ قد طَيَّبتْ أرْدانَهْ وقضيْنا الوِصَال رَشْفا وضَمّاً ... بقلوبٍ هَيْمانةٍ حَرَّانَهْ وأراد الجُموحَ طِرْفُ التَّصابِي ... فلويْنا عما أراد عِنانَهْ وملكْنا نفوسَنا برِضاها ... وزجَرْنا بعِفَّةٍ شيطانَهْ فدعِ العاذلين ينْقُلْنَ عني ... آه مَن لي بظَبْيةٍ فَتَّانَهْ وكان ليلة ألف مجلس راح، في موسم أفراح. يحسد اتساقه الدر، وتتمنى إشراقه الزهر. فلما محى عنبر الظلام كافور الصباح، نادى مؤذن القصف: حيَّ على الاصطباح. وردت عليه رقعة من أحد أحبائه، الواقفين على سر حقيقة أنبائه. ومكتوب فيها: على الباب المعظَّم عَبْدُ رِقٍّ ... بأنواعِ الحِبا منكم يفُوزُ يجُوز البابَ عن إذنٍ كريمٍ ... وإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ فلما قرأها تهلل كأنما منح بعمر معاد، أو حصل من حبيب مماطل على ميعاد. ثم كتب إليه: يحيط بعلْمكم أنَّا نَشاوَى ... وقد جُلِيتْ لنا بِكْرٌ عجوزُ فإن جوَّزْتمُ ما نحن فيه ... وإلاَّ فهْو شيءٌ لا يجوزُ وحكى بعض ندمائه، قال: دخلت عليه في مرض موته، فصادفت بريداً جاء بتقليد حماة، بعد عزل وقع له، فالتفت، وقال بصوت ضعيف: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "، وحان من الحين المكتتب ما حان. فدعوت له بامتداد الأجل، وسليته عن ذلك الاضطراب والوجل. فرأيته قد تجمع، وبكى ملء جفونه وتوجع. وقال: والله ما أبكى إلا من يسوءه الآن بعدي، وهو يتمنى الأوداء بعدي. ثم أنشد: لا يحسَب الإنسانُ بعد ذَهابِه ... مُكْثَ الأسَى في عِشْرةٍ وقَرِينِ في الْحالِ يعْتاضُون عنه بغيرِه ... ويعود ربُّ الحزنِ غيرَ حزينِ العَنْدلِيبُ الوردُ كان أمامَه ... لمَّا مضى غنَّى على النِّسْرِينِ ثم فارقته، ففي تلك الليلة تولاه مولاه، وفارق دنياه. فبكى عليه السيف والقلم، وانفجع فيه العِلْم والعَلَم. الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

стр. 267

وهي البلدة الطيبة الماء والهوا، التي توافقت على حسن بنائها ولطف أبنائها الأهوا. أحياها الله تحية تنحط بالخصب سيولها، وتجر باللطف على سرحة الرياض ذيولها. فيها الترحيب مذخور للمقيم والظاعن، ولا محل فيها يلفى للقادح والطاعن ولها المرأى الذي يسافر فيه الطرف فيأخذ بحظه، ويستولي عليه الفرح حتى يخاف على قلبه ولحظه. فبينا تحسب الأرض نضاراً تكتسي برد الضحى فتحسبها عسجدا، وبينا ترى جناتها أنبتت دراً إذا هي أطلعت زبرجدا. وهناك الحصن الذي عانق السماك، يكاد أهله يقتطفون نرجس الكواكب من فلك الأفلاك. يزُرّ عليه الجوُّ جَيْبَ غمامِه ... ويُلْبِسها من حَلْيهِ الأنْجُمَ الزُّهْرَا وقد أحاط به الخندق إحاطة الهالة بالقمر، والسوار بالمعصم، وحوله الأبنية الشامخة تستنزل بحسن رونقها النسر المحلق والغراب الأعصم. ولأهلها من عهد بني حمدان أمراء الكلام، وأجل من استعملت في مدائحهم الدوي واستخدمت الأقلام. اعتلاق بالأدب وارتباط. وتفوق فيه يدعو إلى حسد واغتباط. ولشعرهم في القوب مكانة، كأنما شيدوا بأهواء القلوب أركانه. فصبوا على قوالب النجوم، وغرائب المنثور المنظوم. وباهوا غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل. وقد ظهر منهم قريباً جماعةٌ تنازعوا الفضل في غايات مستبق، وكل منهم وإن اختلفت حاله فالقول في فضله متفق. إذا عَنَّ ذِكْراهم فتَمْزيق مَلْبَسٍ ... يُرِيح بَناءَ الفكر من حَلَّة العُرى بمِحْراب صدر القلب مُعتكِف به ... هواهُم تلا من ذكْرهم ما تيسَّرَا فمنهم: مصطفى بن عثمان البابي اصطفيته مفتاح الباب؛ لكونه منسوباً إليه، وجعلت معرفة القشر من اللباب، متميزاً به، ومحالاً عليه. وأحسب أني أتييت بأمرٍ معقول، وإذا أرسلت نفسي في وصفه ووصف بلده فأجدها تقول: البلدةُ الشهباءُ مشحونةٌ ... بلُطْف أشعارٍ وآدابِ ممنوعةٌ بالسُّور لا يُبْتغَى ... دخولُها إلا من البابِ وهو شرفٌ لعصره ومفخر، وبحر يهتاج عبابه ويزخر. تمادى في ميدان الشهباء طلقه، واستوفى الخصلة التي ناسب فيها خُلُقَه خَلْقُه. وأصبح في الفضل وحيدا، ولم تجد عنه النباهة محيدا. وناهيك بمحاسن قلدها، ومناقب أنبتها وخلدها. إذا تليت في المجامع، اهتزت الأعطاف وتشنفت المسامع. وهكذا النسمات إذا هبت في الأسحار، رفت لها أهداب النبات وطنت آذان الأشجار. تروق بها الخمرة في الكاس، وتجلو رويحات السحر إذا صدتها البشر بالأنفاس. إذا وصفت علاه عكفت طيور المعاني على أوكار الفكر، وإذا تليت حلاه تنبهت عيون الرياض من نسمات الآصال والبكر. وشعره ملكه الحسن رقة، فكاد تشربه الأسماع لطفاً ورقة. كلامٌ بلا مُدامٌ بل نِظامٌ ... من المَرْجانِ أو حَبِّ الغَمامِ يروح كأنه رَوْحٌ ورَاحٌ ... ويجْرِي في العُروق وفي العظامِ وقد وافيتك منه بما يغالى في مدحه، ويعلم منه وفور قسمه من الأدب وفوز قدحه. فمنه قوله يتوسل: هوتِ المشاعرُ والمدار ... كُ عن معارجِ كبريائِكْ يا حيُّ يا قيُّوم قد ... بهرالعقولَ سَنا بَهائِكْ أُثنِي عليك بما علمْ ... ت وأين عِلْمي من ثنائِكْ مُتحجِّب في غَيْبك الْ ... أحْمَى منيعٌ في عَلائِكْ فظهرْتَ بالآثار والْ ... أفعالِ بادٍ في جَلائِكْ عجباً خَفاؤُك من ظهو ... رِكَ أم ظهورُك من خفائِكْ ما الكون إلا ظلمةٌ ... قبَسَ الأشعَّة من ضيائِكْ وجميعُ ما في الكون فا ... نٍ مُستمِدٌّ من بقائِكْ بل كلُّ ما فيه فقي ... رٌ مُستمِيحٌ من عطائِكْ ما في العوالمِ ذَرَّةٌ ... في جَنْبِ أرضِك أو سمائِكْ إلاَّ ووِجْهتُها إليْ ... كَ بالافْتقارِ إلى غِنائِكْ إني سألتُك بالذي ... جمَع القلوبَ على وَلائِكْ نورِالوجود خُلاصةِ الْ ... كَوْنَيْن صفوةِ أوليائِكُ

стр. 268

إلاَّ نظرتَ لمُستغِي ... ثٍ عائذٍ بك من بَلاَئِكْ قذفتْ به من شاهقٍ ... أيدي امْتحانِك وابْتلائِكْ ورمتْه من ظُلَم العنَا ... صرِ والطبائعِ في شَبائِكْ وسطَتْ عليه لوازمُ الْ ... إمكانِ صَدّاً عن سنائِكْ فإذا ارْعوَى أو كاد نا ... دتْهُ القيودُ إلى ورائِكْ فالْطُفْ به فيما جرَى ... في طَيِّ عِلْمِك من قضائِكْ وقوله من نبوية، مستهلها: قضَى عجَبا من دهرِه المتعجِّبُ ... يجِدُّ اشْتعالا رأسُه وهْو يلعبُ ألم يأْنِ أن يْقنِى الحياءَ مُؤنِّبُ ... بلى آن أن يْقنِى الحياءَ المؤنِّبُ ومَن لم يدعْ شيْبُ المَفارِق غَيَّه ... فلائمُه باللومِ أحَرْىَ وأنْسَبُ أبِنْ لي على ماذا حصُلتَ من الدُّنَا ... فقد ذُقْتَ منها ما يمُرُّ ويعذُبُ أكان سِوى طَيْفٍ ألَمَّ وعارِضٍ ... جَهام وبَرْقٍ مخلِفِ النَّوْءِ خُلَّبُ متَى أنت العَمْياء غَادٍ فرَائحٌ ... تُصعِّد في بَهْمائِها وتُصوِّبُ تُبارىءُ بالعِصْيان من هو قادرٌ ... عليك وفي آلائه تتقلَّبُ أحُدِّثتَ أن المرءَ في الأرضِ مُعجِزٌ ... لقد كذَبْتك النفسُ والنفسُ تكذِبُ لقد لَزَّك التَّسْويفُ في مارِق على ... شَفا حُفْرةٍ سَرعانَ ما تتصوَّبُ لَعَمْرُ المَنايا إنها لقريبةٌ ... على أنها من ساحةِ الشيبِ أقْرَبُ وإنَّ مِراسَ الموت لا دَرَّ دَرُّه ... وإن كان صَعْبا فالذي بعدُ أصَعْبُ تقلَّص ظلُّ العمر إلا صُبابةٌ ... ألآ فانْتبْها قبل ما أنت تُنْهَبُ وبادِرْ فإن الوقتَ ضاق عن الوَنَى ... وصَمِّمْ فُسكِّيتُ الرِّهانِ المُذبْذَبُ وخذ للقاء للَّهِ ما اسْتطعْتَ أُهْبةً ... فإن لقاءَ اللَّه ما عنه مَهْرَبُ وإن ضِقْتَ ذَرْعاً من تعاظُم ما مضى ... فلا تنْسَ عفوَ الله فالعفُو أرْحَبُ ولُذْ بجَناب الفاتحِ الخاتِم الذي ... به يطمئنُّ الخائفُ المترقِّبُ هو العاقِبُ الماحِي الذي بزَغتْ به ... على الكون شمسٌ نورُها ليس يغرُبُ تحُلُّ له الرُّسْل الكرامُ حِباهُمُ ... وإن ذُكِروا فهْو العُذَيْقِ المُرَجَّبُ إذا الخَطْب أبْدَي ناجِذَيْه فنادِهِ ... تجدْ خيرَ جارٍ في المُلمَّاتِ يُنْدَبُ وإِن لذَعْتك المُوبقاتُ فداوِها ... به فهْو تِرْياق السموم المُجرَّبُ إليكَ رسولَ الله قد جاء ضارعاً ... أخو عَثْرةٍ يرجو الإقالةَ مُذنبُ فبابُك بابُ اللهِ ما عنه مهرَبٌ ... وطالبُه من غير بابِك يُحجَبُ فليس لنا من منحةٍ بتفَضُّلٍ ... من الله إلا عن مَساعِيك تُجلَبُ ولا مَسَّنا من محنةٍ أو يَمسُّنا ... بكسبِ يَدٍ إلا بيُمْنك تذهبُ منها: إذا قمتَ في وَعْد المَقام فإِننا ... على ثقةٍ أن ليس فينا مُخيَّبُ ألم يُرْضِك الرحمنُ في سورة الضحى ... وحاشاك أن ترضَى وفينا معذَّبِ أترضَى مع الجاه الوجيهِ ضياعَنا ... ونحن إلى أعْتاب بابِك نُنسَبُ أترضَى مع العِرْضِ العريضى بأن يُرى ... مَقامُك محوداً ونحن نُعذَّبُ أتخذُل يا حامِي الذِّمار عصابةً ... بهَدْيِك دانتْ ما لها عنك مَذهبُ دعوْتَ فلبَّينَاك سمعاً وطاعةً ... وحاشاك أن ندعوكَ ثم تُخيِّبُ منها: عليك صلاةُ الله تتْرَى مُسلِّما ... مع الآلِ والأصحابِ ما انْهَلَّ صَيِّبُ صلاةٌ تُوازِى قدرَ ذاتِك رفعةً ... بتَبْليغها عنِّي إلى الله أرْغَبُ وقوله من قصيدة في المدح، أولها:

стр. 269

هو الفضلُ حتى لا تُعَدَّ المناقبُ ... بل العزمُ حتى تطلُبُنْك المَطالبُ وما قدَر الإنسان إلا اقْتدارُه ... أجَلْ وعلى قدَرْ الرجال المراتبُ منها: وللمجدِ مثلُ الناس سُقْمٌ وصحةُ ... وفيه كما فيهم صَدُوقٌ وكاذبُ منها: ومن خسِر الرَّاحات يكتسِب العُلَى ... وبعضُ خَساراتِ الرجال مكاسبُ فآب بما يُشجِى العِدى ويسرُّه ... فوائدُ قومٍ عند قوم مصائبُ إليك إمامَ الفضلِ منا توجَّهتْ ... كتائبُ إلَّا أنَّهُنَّ مواكبُ مَعانٍ تُعِير العِينَ سحرَ عيونِها ... وتسخرُ منها بالعقودِ التَّرائبُ قد انْسَدلتْ فوق الطُّروسِ سطورُها ... كما انسدلتْ فوق الصدورِ الذَّوائبُ لها من بَراحِ الشوقِ حادٍ وقائدٌ ... إليك ومن لُقْياك داعٍ وخاطبُ ومن بدائعه قوله: ليت شعري ما الذي سخَّر السَّمْ ... ع لصوت السنطير حتى أصَاخَا ثم ماذا أشار به النَّا ... يُ لرَكْب الأرْواح حتى أناخَا ثم ماذا الذي به اسْتشعر الحِسُّ ... بحَسِّ الأوْتارِ حتى تراخَى ذاك سِرٌّ يذوقه من ترقَّى ... عن ذُرَا عالم الهيولي انْسلاخَا وترقَّى به إلى قاب قَوْ ... سَيْن فألْقَى العصا ورام المُناخَا وقوله من قصيدة، أولها: أشاردٌ ياغزال أم واجدْ ... وعابثٌ في النفوس أو عائدْ أعند عينيْك أنَّ أنفسَنا ... حَبْسٌ على سَيْل نَبْلها الصاردْ بل كثرةُ العاشقين تُوهمه ... بأنَّ ماضي نفوسِهم عائدْ مهلا أبا الحُسْن قد فُجِعت به ... واستبْق منَّا داعٍ له حامدْ نحن بنو نَجْدة الهوى ولنا ... فيه فَخارُ الطَّرِيف والتَّالِدْ وكم لما غارةٌ على ثَغَرٍ ... يصدُر عنها المُفتِّر الباردْ تلك عهودٌ قد كان لا بَعُد ... تْ طَرْفُ الليالي عنَّا بها راقدْ ماسَها الدهرُ عن تفرُّقنا ... بل ظنّنا لالْتئامِنا واحدْ على هذا الالتئام والإتقان، تأمل قولي في الاتحاد عند العناق: يا طِيبَ ليلٍ حيَّى وقد غفَلتْ ... عنا عيونٌ تظَلُّ ترمُقنَا بِتْنا كرُوحيْن في حشَا جسَدٍ ... تحيَّر النوم كيف يطرُقنَا ولعز الدين الضرير ما هو منه: توهَّم واشِينا بليلِ مَزارِه ... فهَمَّ ليسْعى بيننا بالتباعُدِ فعانقْتُه حتى اتحدنا تعانُقاً ... فلما أتانا ما رأى غيرَ واحدِ ولخالد الكاتب: كأنني عانقتُ رَيْحانةً ... تنفستْ في ليلِها البارِدِ فلو ترانا في قميصِ الدُّجى ... حسِبْتَنا في جسدٍ واحدِ ولأحمد بن أبي العصام: ضمَمْتُه ضَمَّ مُفْرِط الضمِّ ... لا كأبٍ مُشفِق ولا أمِّ ولم نزَلْ والظلامُ حارسُنا ... جسميْن مُستودَعيْن في جسمِ ولابن سناء الملك: وليلةَ بِتْنا بعد سُكْرِي وسُكرِهِ ... نَبذْتُ وِسادِي ثم وسَّدتُه يدِي وبتْنا كجسمٍ واحد من عناقنا ... وكالحَرْفِ في لفظِ الكلام المُشدَّدِ واعترض عليه بأن العروضيين يعدون المشدد بحرفين، فلو قال: في الخط، لحصل مطلوبه. ليت درَى القانطون في حلبٍ ... حالي وما حالُ من لهم فاقِدْ يرقُب وفد الشَّآمِ ذا قلَقٍ ... عسى يراهُم بناظرِ الوافِدْ فارقتُ مَثْوايَ في رِضا زمن ... على ذوي الفضل لم يَزلْ واجِدْ خرجتُ منه مع البُزاةِ عسى ... تصفُو الليالي ويصلُح الفاسدْ يشير إلى قوله: أذا أنْكرتْني بلدةٌ أو نكِرْتُها ... خرجتُ مع البازِي عليَّ سوادُ ومن مديحها: الحكَم العَدْلُ من عزائمُه ... قامتْ على الدهر فاكْتفى القاعدْ

стр. 270

وأصبحتْ حَيْرةً حواسدُه ... كأنها العُمْيُ مالها قائدْ هذا أحسن من قول المتنبي: ما بالُ هذي النجوم حائرةً ... كأنها العُمْي مالها قائدْ وهو أخذه من قول العباس بن الأحنف: والنجمُ في كبد السماء كأنه ... أعْمَى تحيَّر ماله من قائدِ رَبُّ القوافي التى لآلئُها ... توَدُّ لوقُلِّدت بها الناهِدْ إذا تأمَّلْتَها وجدتَ فتىً ... شُهْبَ الدياجي بفكرِه صائِدْ وقوله من أخرى، اولها: هو الشوقُ حتى يستوى القربُ والبعدُ ... وصدقُ الوفا حتى كأن القِلَى وُدُّ فلا رقَدتْ عينٌ يؤرِّقها هوىً ... ولا خمَدت نارٌ يسعّرها خَدُّ ألا في سبيل الأعْيُن النُّجْل ما جرى ... بمُنْعرَج الجَرْعاء حيث انْطوى العهدُ عشيَّةَ أدْناني وأقْصاهُم الهوى ... برَغْمِي وأرضاهُم وأسْخطنِي البعدُ تذكّر عيشاً قد طوى نَشْرَه النوى ... وعُفْراً عفَى من سِرْبها الأجْرَعُ الفَرْدُ خليلَىَّ نَجْدٌ تلك أم أنا حالمٌ ... لقد كذَبْتني العينُ ما هذه نجدُ بلى هذه نجدٌ فأين ظِباؤُها ... أأحجبها عِزٌّ أأم اغْتالها فَقْدُ وما صنعتْ من بعدنا تلكمُ الدُّمَى ... وكيف ذوَتْ هاتيكمُ القضُبُ المُلْدُ كَأَنْ قد أضَلَّ البَيْنُ في عَرَصاتِها ... مُنىً أو عليها في فؤاد النوى حِقْدُ لقد خلَدتْ ممَّا دَهاك جَهَنَّمٌ ... بأحْشائنا يا جنَّةً خانها الخُلْدُ خليليَّ ماوُدَّا كُما وُدَّ مخلصٍ ... أما فيكما هَزْلٌ إذا لم يكن جِدُّ أفوق سوادِ الليل تبغي نجومُه ... غشاء فلِم لم تصْحُ أعيُنها الرُّمْدُ كأن تعالى اللهُ ذا البدرِ في السما ... مَلِيك مُطاعٌ والنجومُ له جُنْدُ كأن سماء الليلِ روضٌ مُنمَّقٌ ... خمائلُه مِسْك أزاهِرُه نَدُّ كأن الدجى والبرقَ والزُّهْرَ ناهدٌ ... من الزَّنْج يُزْهيها فيُضحكها العِقْدُ كأن الثُّريَّا كفُّ نَقَّادٍ اسْتوى ... على نَطْع سَبجٍ فوقه نُثرَ العقدُ كأن نجومَ الليلِ من حَيْرةٍ بها ... ركائبُ تسْرِي مالها في السُّرَى قَصْدُ كأن وَمِيضَ البرقِ في حالِك الدجى ... صفاءٌ بقلبٍ قد توطَّنه الحِقْدُ كأن الكرى سِرٌّ كأن الدجى حَشاً ... كأن المُنى طِفْل كأن الرَّجا مَهْدُ كأن السُّهَا معنىً دقيقٌ بفِكْرةٍ ... فآونةً يخْفى وآونة يبْدُو كأن الدجى والفجرُ يفتِق زِيقَه ... مواطنُ غَىٍّ قد أناخ بها الرُّشْدُ كأن الصَّبا رُسْلُ الصباح إلى الرُّبَى ... بسِرٍّ أذاع الشِّيحُ خافِيه والرَّنْدُ كأن طِلابِي المجدَ والدهرُ دونه ... ترقُّب طَيْفٍ حال من دونه السُّهْدُ كأن يَراعى غائصٌ بحرَ ظُلْمةٍ ... فيُلفَظ لي من فِيه جوهرُه الفَرْدُ كأن المعاني السانِحاتِ لخاطرِي ... كواعبُ زارتْ مالزَوْرتها وَعْدُ منها في المديح: حديقةُ فضلٍ لا يُصَوِّح نَبْتُها ... ونهرُ عطاءٍ ما لسائِله رَدُّ ورِقَّةُ أخلاقٍ يَسيرُ بها الصَّبا ... وبأسٌ له ترْمِي فرائسَها الأُسْدُ وقوله من أخرى، أولها: سرى عائدا حيثُ الضَّنى راع عُوَّدِي ... سُرَى البَدْرِ طَيْفٌ بالدُّجُنَّةِ مُرتدِ وما رَقَّ لو لم يَرْعَ حَيْني ولا سرَى ... على البُعد في ثوب الحدادِ لمَرقدِي فأعجبَه شوقي إليه على النَّوى ... كذا كان حيث الشملُ لم يتبدَّدِ وعاتبْتُه والظنُّ أيْأس طامعٍ ... فجاوبَني والقلبُ أطمعُ مجتدِ

стр. 271

ولاطفْتُه حتى استملتُ فؤادَهُ ... فيالك سَعْداً بعضُه لِينُ جَلْمَدِ وبِتُّ كأن الدهرَ ألْقى زِمامَه ... إليَّ وصافاني فأحْرزْتُ مَقْصِدِي وحَكَّمني مِن جِيده وهْو عاطِلٌ ... فحَلاَّه دَمعي بالجُمان المُنضَّدِ إلى أن نعَى بالبَيْن صُبْحٌ كأنه ... غرابُ النوى لكنه غيرُ أسوِد من مديحها: به دَرَّ ضَرْعُ المَكرُماتِ وثُقِّفتْ ... قَنا الفضلِ وانْهلَّتْ غوارِبُ للصَّدِى يُساقِط من فِيه المعاني كأنها ... فرائدُ دُرٍّ في ترائبِ خُرَّدِ ومن كلِّ سطرٍ فوق طِرْس كأنه ... عِذارٌ تدلَّى في عوارِض أمْرَدِ ومن مقطعاته قوله مضمنا: قلتُ لما أن بدَا في خدِّه ... زَرَدُ العارِض نَبْتاً وانْتضَدْ أنَباتٌ لاح في خدَّيك أم ... نسجَ الرِّيحُ على الماء زَرَدْ قلت: أجاد في هذا التضمين، ولطف في نقله. وأصله ما قال صاحب بدائع البدائة: روى عن عبد الجبار بن حمديس الصقلي، قال: صنع عبد الجليل بن وهبون المرسى الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا فلما دنت الشمس للغروب هب نسيمٌ ضعيف غضن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا حاكتِ الريحُ من الماءِ زَرَدْ فأجازه كلٌ منهم بما تيسر له. فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له. فقال: أيُّ دِرْعٍ لقتالٍ لو جمَدْ ثم قال صاحب البدائع، بعد ما سبق: وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الوصف فقال: نثرَ الجوُّ على التُّرْبِ بَرَدْ ... أيُّ دُرٍّ لنُحورٍ لو جمَدْ فتناقض المعنى بذكر البرد لو جمد، إذ ليس البرد إلا ما جمَّده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد لو دام جمده، فيصبح. ومثل هذا قول المعتمد بن عبَّاد، يصف فوَّارة: ولرُبما سلّت لنا من مائها ... سيفا وكان عن النواظر مُغْمَدَا طبعتْ لُجَيْناً ثم زانت صَفْحَةً ... منه ولو جمَدتْ لكان مُهنَّدَا وقد أخذ المقَّرى هذا المعنى، فقال يصف روضا: لو دام هذا النَّبْتُ كان زَبَرْجَداً ... ولو جَمدتْ أنهارُه كُنَّ بَلُّورَا وهذا المعنى مأخوذ من قول على التُّونسي الإياديّ، من قصيدته الطائية المشهورة: ألُؤْلؤٌ قَطْرُ هذا الجوِّ أو نُقَطُ ... ما كان أحسنَه لو كان يُلْتقَطُ والمعنى كثير للقدماء، قال ابن الرُّومي، من قطعة في العنب الرَّازقي: لو أنه يبْقَى على الدهورِ ... قرَّط آذانَ الحسان الحُورِ عوداً على بدء. ووما يشبه ما حاوله في التَّضمين قول عزِّ الدين الموصلي: كالزَّردِ المنظومِ أصْداغُه ... وخدُّه كالوردِ لمَّا وردْ بالغْتُ في الَّلثْم وقبَّلتُه ... في الخَدّ تقْبيلاً يفُكُّ الزَّرَدْ وللبابي في ذم من تعذَّر: قد كسَا اللهُ صُبحَ خدَّيْه ليلاً ... وطَلى ذلك البياضَ سَوادَا أصبحتْ ماءُ وَجْنتيْه سَراباً ... وغدَت جمرةُ الجمال رَمادَا وله أيضاً: نادى لوَ أن النِّدا يُجدِي ... قِفوا انْظروا ما أصاب خَدِّي قد كان ورداً بغير شوكٍ ... فصار شوكاً بغير وردٍ مثله لذي الوزارتين أبي الحسن بن الحاجّ: أبا جعفرٍ مات فيك الكمالُ ... فأظهر خَدُّك لبْسَ الحدادِ وقد كان يُنبِت وردَ الرياض ... فأصبح ينبتُ شَوْكَ القَتادِ ولعرقلة الكلبيّ: إذا ما الأمْرَدُ المصقول جاءتْ ... عوارضُه فنْقصٌ في ازْديادِ وهل يَستحسنُ الإنسانُ روضاً ... إذا ما حلَّه شوكُ القَتادِ ومن بدائعه قوله من قصيدة، قالها وهو بالرُّوم يتشوَّق إلى الباب: تذكَّر بالْباب ظبياً غَرِيرَا ... وعيشَا رقيقَ الحواشِي نَضِيرَا وعهداً تَرِفُّ أساريرُه ... قطفْنا به العيشَ غضًّا نضيرَا

стр. 272

مَساحِبُ أذْيالِ لهوٍ بها ... لبِسْنا الشبابَ طرِيّاً طَرِيرَا وفي سَفْح تَيْماءَ وادٍ أغَنُّ ... ثَراه تراه يفُتُّ العَبِيرَا نسيماً عليلاً وظلاًّ ظليلاًَ ... وماءً نَميِرا وروضا مَطِيرَا تُعانِق فيه الغصونُ الغصونَ ... ويلْطِم فيه الغديرُ الغديرَا وللوُرْقِ صَدْحٌ بأفْنانِها ... كألْحانِ داود يَتْلو الزّبورَا وأثَّر فَرْطُ اعْتلال النسي ... مِ في حركات الغصونِ فُتورَا للرِّيح بالطيرِ فوق الغصو ... نِ عبَثٌ به يستخِفُّ الوَقُورَا فبيْنا يكاد يمَسُّ الثرى ... بها إذْ يكاد يمَسُّ الأثِيرَا وماءٌ يسِحُّ على وجهِه ... ويسرَح في كل وادٍ مُغِيرَا فلولا تشبُّثُ حَصْبائِه ... به كاد من خِفَّة أن يطيرَا إذا ما اسْتدار خلال الرياضِ ... تخال مَعاصِم ضَمَّت خُصورَا وقوله في الغزل: كأنما أوْقف اللهُ العيونَ على ... رُؤْيا محاسنِه لاصابَها ضَرَرُ فلو بدَا من وَرا المرآةِ لانْحرفتْ ... عن أهلِها حيث دارتْ نحَوهُ الصُّوَرُ وكثيرا ما يسأل عن معنى البيت الثاني، وأحسن ما يوجَّه به، أن قوله من ورا، أي من خلف المرآة، لانحرفت الصور حيث سارت محاسنه، لأن الأبصار وقفٌ على محاسنه، لأن البصار وقفٌ على محاسنه، والمراد من الصور المنحرفة الدّاخلة المرآة. وإنما أفرد المرآة وجمع الصُّور، مع أن في المرآة صورة واحدة، لأن المرآة الواحدة يمكن أن يرسم فيها صورٌ كثيرة، على طريقة البدليَّة، ولا تتعدد المرآة. والصُّور فاعل انحرفت، وفاعل سارت ضميرٌ راجع إلى محاسنه. وله: ولي نفسُ حرٍّ لا مُني تسْترقُّها ... ولا مَطَمعٌ نحو الهَوانِ يُدِيرُهَا متى استكْبرتْ تصْغُرْ وإن هي صُغِّرتْ ... تساوَى لديها عبدُها وأميرُهَا إذا لَمستْها كفُّ عِزٍّ تطامنَتْ ... وإن لَحَظتْها عينُ هُونٍ تُطيرُهَا وله، وهي من غرره: كاد يسعَى للتَّصابِي أوْسعَى ... وَيْحَه ما عفَّ حتى نَزَعَا الصَّبا لاسامح اللهُ الصَّبا ... نبَّهتْ من غَيِّه ماهجَعَا واستثارتْ من أقاصِي لُبِّه ... صَبْوةً كان رَثاها ونَعى قد صَبا طَوْعَ هواه ما صَبا ... ورعَى شُهْبَ الدياجِي ما رعَىَ هُجَنٌ ستَّرها ليلُ الصَّبا ... غَضَّ عنها صُبحَ فوْدٍ طلَعَا وعِثارٍ قد أقلَّتْه النُّهَى ... فإن استأْنفت فيه لا لَعَا زعَموا إن أسكتْتني ضِنَّةٌ ... بالقوافي أن طَبْعي رجَعا وتناسَوْا ذلك النَّظْمَ الذي ... زاد في الرِّقة حتى انْقطعَا والمعاني الَّلاي أنَّى أُنْشِدتْ ... تلْمَس العقدَ الغواني جزَعَا غَرّهم منّي سكوتٌ كلُّه ... كلماتٌ تُسمِع الصُّمَّ الدُّعَا وخُمود تحته جَزْلُ الغَضا ... وسكونٌ تحته الرِّيُّ سعَى في حِرِ امِّ الشِّعر مالي وله ... خَلَّة سُدَّتْ وغَيٌّ أقْلعَا قوله: زاد في الرقة نقله من قول ابن مليك، في الغزل: لَيِّنُ الأعطافِ من خَصْرُه ... رَقَّ حتى كاد أن ينْقطعَا وقوله: تلمس العقد الغواني، من قول المنازيّ: ترُوع حَصاه حالِيَة العذارَى ... فتلْمسُ جانبَ العقْدِ النَّظيمِ وله من قصيدة طويلة مستهلها: حوَّلت عهدَ عيْشِه الأهوالُ ... واستحالتْ من وُدِّها الأحوالُ سَلْ رُسوم الرُّبوع عنها وما يُجْ ... دي سؤالٌ عنه الجواب السؤالُ قد وقفْنا نبكي الطولَ بها حتَّى ... بكتْنَا بدمعها الأطلالُ وعجبنا لرَبْعها كيف أقْوَى ... مُطرقاً واسْتحال ذاك الجمالُ

стр. 273

ساكنٌ في السكون منه اضْطرابٌ ... ساكتٌ في السكوت منه مَقالُ صرَفتْ نَقْده صُروفُ الليالي ... واستخفَّتْ به الخطوبُ الثِّقالُ عَهْدُنا في ذُراه يُستأنَس الأُنْ ... سُ وتُستَرْوَح الصَّبا والشَّمالُ غادرَتْه الأغْيارُ تُستوحَش ال ... وَحْشَةُ فيه وتُوجَل الأوْجَالُ يا أُثَيْلاتِ مَسْرحٍ أقبل الإدْ ... بارُ فيه وأدبر الإقْبالُ باكَرتْكُنَّ عن عيون الغوادِي ... إن عَراكُنَّ من دموعي المَلالُ طالما بات للجمال مَقِيلٌ ... في ذُاركُنَّ والعِثارِ مقالُ وزمانٍ ما طال بالوصلِ حجتى ... قَّصرتْه أيامُ هَجْرٍ طِوالُ أخْلقتْ جِدَّةُ النَّوى ذلك العهْ ... دَ ولبَّى داعي النعيم الخيالُ أي ذنبٍ نُعاتب الدهرَ فيه ... وعتابُ الأيام داءٌ عُضالُ أنا ما بين فُرقةٍ تجمع السُّقْ ... مَ وبُعْدٍ تدنُو به الآجالُ وخُطوبٍ ألِفْتُها يستعيذُ الْ ... خوفُ منها وتَذعَر الأهْوالُ وأمانٍ تُجاذب الدهرّ ذيلَ الْ ... حظِّ والدهرُ جاذبٌ جَدَّالُ هِمَّةٌ أرَّقتْ جفونَ الأماني ... بوُعودٍ للدهر فيها مِطالُ واشْتغالٍ فرَغْتُ فيه عن اللهْ ... وبأمرٍ للحظِّ عنه اشْتغالُ أتمنَّى من الزمانِ وفاءً ... ووفاءُ الزمان أمرٌ مُحالُ وله من أخرى، أولها: أقَبُول تنَّفستْ أم قُبولُ ... أم شَمالٌ دارتْ بنا أم شَمُولُ نشرتْ نَشْرها النَّدِىَّ كأنَّ ال ... أُفْق بُرْدٌ من الكِبَا مَبْلولُ مَهَلاً يسْترِحْ سَنامُك من وَقْ ... رِ الشَّدِّ فالأناةُ أمرٌ جميلُ واسْعِدينا بوَقْفِة نَسْمَةِ الشَّ ... آمِ فقد يرحُم العليلَ العليلُ كيف خَّلْفت دارَ أنْسٍ ومن الأُنْ ... سْ فعَهْدي بالأُنس عهدٌ طويلُ بوُجوه متى تبدَّتْ تبدَّى التَّ ... كبيرُ من حولِهنَّ والتَّهْليلُ التكبير والتهليل للتعجُّب، مما استعمله المولَّدون. قال المتنبيّ: كبَّرتُ حول ديارهمْ لما بدَتْ ... تلك الشموسُ وليس فيه المشرِقُ ووقع في مجلس أبي بكر بن زهر، أن بعض أدباء الأندلس كان عنده، فدخل فاضل من أهل خراسان عليهم، فأكرمه ابن زهر، وأجلَّه. فقال الأندلسيّ: ما تقول في علماء الأندلس وأدبائهم وشعرائهم؟ فقال: كبَّرت. فلم يفهم جوابه، واستبرده. فلما فهم ابن زهر إنكاره، قال: قرأت شعر المتنبي؟ قال: نعم، وحفظته. قال: أما سمعت قوله:...... وأنشد البيت، فعلى البيت، فعلى نفسك فلتكبِّر، ولفهمك اتِّهم وأنكر. فخجل، واعتذر. ومثله استعملوا الصلاة على النبي ﷺ ، قال شيخ الشيوخ بحماة: فمَن رأى ذلك الوِشا ... حَ الصَّائمَ صلَّى على مُحمَّدْ ولبعضهم في وصف خط: خطٌّ كما انْفتحتْ أزاهيرُ الرُّبَي ... مُتنَزَّه الألْبابِ قَيْدُ الأعْيُنِ وبلاغةٌ مِلْءُ العيونِ مَلاحةً ... نال النبيُّ بها صلاةَ الألْسُنِ وقد منعها النَّوويُّ في مثل هذا شرعاً. قال: والوارد في مثله سبحان الله، كذا ذكره في أذكاره. وقال الحليميّ: إنه جائز بلا كراهة. وبَّينوا وجهه في فقههم. وله من قصيدة، أولها: عُوجا على رَسْمِ ذلك الطَّلَلِ ... نَقْضِي حقوقَ الليالِي الأُوَلِ لعلَّ نَثنِى أعطافَه ثانيةً ... وقد ترجَّيْتُ غيرَ مُحتَمِلِ فالدهرُ بأْبَي إبقاءَ مُغتنَمٍ ... فكيف يُرْجَى لرَدِّ مُرتحِلِ لكلِّ ماضٍ من شِبْهِه بدَلٌ ... وما لعهْدِ الشبابِ من بدلِ سقى لُوَيْلاتِنا بذي سَلَمٍ ... كلُّ مُلِثِّ الرَّبابِ مُنْهمِلِ

стр. 274

معاهدٌ طال ما اقتطفتُ بها ... زَهْرَ الهنا من حدائقِ الجذَلِ وأطْلَع السعدُ في مَعالِمها ... بَدْرَ المُنى في غياهِب الأمَلِ حيث قُطوفُ اللَّذَّاتِ دانيةٌ ... ومَوْرِد اللهوِ مُغْدِقُ النَّهَلِ نعثُر فيها بذَيْل لَذَّتِنا ... في هِضاب العِناق والقُبَلِ بكلِّ مُستوْقِف العيون سَناً ... يدعُو فراغَ القلوبِ للشُّغُلِ الشغل فيه أربع لغات: شُغْل، وشُغُل، وشَغْل وشَغَل. أثْقَل أعْطافَه بخفَّته ... لُطْفُ التَّصابِي فخفَّ بالثِّقَلِ وعُطِّلتْ من حَلْىِ النَّبات عِذَا ... راهُ فحلاَه الحسنُ بالعَطَلِ إذا رمتْنا من قَوْسِ حاجبِه ... سهامُ جَفْنيْه مابَنُو ثُعَلِ وارَحْمتا العاشقين قد دهَمَت ... همُ المَنايا في صورة المُقَلِ وقد تفاءلْتُ من مَصارعِهمْ ... أنّ تَلافِى بالأعْيُنِ النُّجْلِ أساً لقد جُرِّع الأسَى وهوًى ... أهْويْتُ من أجلِه على أجَلِي فذا الذي حَجبَتْ محاسنُه ... عنَّا مَساوِى الصدودِ والنّقلِ من كان عنِّي قبلَ النَّوَى صَلِفاً ... أبْعدُ مَسمِعي عن العَذَلِ مازِدتُ عنه بُعداً بفُرقتِه ... لا وَاخَذ اللهُ البَيْنَ من قِبَلِي منها في المدح: أقام للفضل دولةً حسُنتْ ... والوصفُ بالفضل أفضلُ الدُّوَلِ واسْتتَر الظلمُ من عدالتِه ... بين حُصون الظِّباء بالكَحَلِ يا أبيضَ العدلِ ما تركتَ بها ... سوادَ ظُلْمٍ إلا من المُقَلش واعتدلتْ حيث ما اسْتمرَّ بها ... لولا قدودُ الحسانِ ذُو مَيَلِ ما كنتُ ادري من قبل رُؤْيتِه ... كيف انْحصار الأنامِ في رجلِ حتى رأيتُ امْرَأً يقوم له الدَّ ... هْرُ على ساقِه من الوَجَلِ إن ادَّعَى مبصرٌ له شبَها ... فاحكُم على ناظِريْه بالحَوَلِ هذا في استعمالهم كثير، ومن أبلغه قولي في غلام أحول: بنفْسِيَ من أخْلصتُ قلبي لأجْلِه ... فما اخترتُ عنه قَطُّ أن أتحوَّلاَ بديعُ جمالٍ لا يرى طرفُ ناظرٍ ... نظيراً له حُسْنا ولو كان أحْوَلاَ ومن قصائده، ميميّته التي أهداها شنبا لثغر الأدب الباسم، وبعثها روحا في مجارى القبول الناسم: تلك الطُّلولُ طلولُ سَلْمَى ... فافضُض بها للدمعِ خَتْمَا دِمَنٌ غرَستُ بها الهوى ... فجنيْتُه كَمَداً وسُقْمَا وانشُد هنالك مُهْجةً ... بصرِيعة الأحْداق تُسْمَى خلَّفْتُها يوم النوى ... لِسهامها غرَضاً ومَرْمَى وأظنها لم يُبْقِ منْ ... ها حبُّ ذاك الظبِي رَسْمَا صنمٌ كأن اللهَ صوَّ ... رَهُ من الأرْواح جسمَا وكأنما مُزِج الصَّبا ... حتى تكوَّن منه بالْمَا وجَناتُه رقَّتْ فكا ... دتْ من خيالِ الوهمِ تَدْمَى وَصَفتْ معاطُفه فكا ... دبها الغلائلُ أن تنمَّى نفِّسْ عليه يا نِطا ... قُ فقد كدَدْتَ الخَصْر ضَمَّا واخفِفْ مُرورَك يا نسي ... مُ فقد خدَشْتَ الخدَّ لَثْمَا إنِّي غضضْتُ الطَّرفَ خوْ ... فاً أن يُؤثِّر فيه حَتْمَا نَشْوانُ من خمرِ الدَّلا ... لِ مُعشَّقُ الحركاتِ ألْمَى عُوِّضتُ فيه عن هُدا ... يَ وصحَّتي غَيّاً وسُقْمَا إن الذي قسَم الهوى ... جعل القنا لي منه قِسْمَا لا واخَذ اللهُ الدُّمَى ... بدمِي فقد هدرَتْه ظُلْمَا فإلى مَ يا ثَمِلَ الجفو ... نِ وفي مَ تجفْوني ومِمَّا

стр. 275

قد تَاه سلطانُ العيو ... نِ على القلوب وجار حُكْمَا تلك الصِّفاحُ البيضُ ل ... كنْ للْمَنايا السُّودِ تُنْمَى فكأنما راشَتْ لها ... عزَماتُ نجمِ الدين سَهْمَا نجمٌ غدا للحائري ... ن هُدىً وللأعْداء رَجْمَا وله الأيادِي الغُرُّ تُرْ ... جِع أوْجُهَ الحسَّادِ دُهْمَا لو حاربَتْه الشُّهْبُ لَانْ ... قضَّتْ لديْه ترُوم سَلِمْاَ منها: خُذْها إلأيك أبا القوا ... في لا أراها اللهُ يُتْمَا قد أطْلعتْ من كلِّ مَعْن ... نىً في سمَا عَلْياك نَجْمَا أوْهمْتُها مدحَ السِّوَى ... فتميَّزتْ بالغيظِ وَهْمَا ومن مصوناته التي إذا اشتهرت اشتغل الناس بها عن كل منظوم، واحتفلوا بها احتفال بني تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم، هذه الميميّة: عاد فانْقاد للهوى بذِماِم ... بعد ما ودَّع الصِّبا بسلاِم نسْمةٌ من رُبا الغدير استفزَّتْ ... من أقاصي الحشَى دَواعي الغراِم نشأتْ من منابِت الشِّيح والقَيْ ... صوِم تروِى عن رَنْدِه والخُزاِم ذكَّرْته عهداً قديماً وكم نبَّ ... هَ ذكرُ العهودِ جَفْنَ الهُياِم بوجوهٍ تجلّتْ صُوَر الأقْما ... رِ ترْنُو عن أعْيُن الآرامِ كل قَدٍّ يكاد يعقِده اللِّي ... نُ وتَثْنيه خَطْرةُ الأوهامِ وفم طيِّب المُقبَّل والنَّكْه ... هة يُبْدى عن مثل حَبِّ الغَمامِ أبْلَجٌ واضحُ الدليل بأنَّ الْ ... جوهرَ الفردَ قابلُ الانْقسامِ ولذيذُ الحديث يقطُر ظَرْفاً ... بتثنِّي جِيدٍ وهَزِّ قَوامِ لكلا العاشقْين ينفُث سحراً ... شكلُ رُعْبوبةٍ وزِيُّ غلامِ هذا البيت آخذٌ بطرفي الحسن، تتنبَّه له من غيرتها الجفون الوسن. وقد ذكر الباخرزيُّ في مثله بيتا، وهو: لمُذكَّر الخُطواتِ غيرِ مُؤنَّثٍ ... ومُؤنَّثِ الخلَواتِ غيرِ مذكَّرِ ثم قال، في وصفه: " هذا بيت شعر، يستوي بيت تبر، ففيه، قلبٌ يقبله كل قلب ". ومما يقارب هذا قول بعضهم: هو تحت العَجاج ليثُ عَرِينٍ ... وهْو فوق الفِراشِ ظَبْيُ كِناسِ زمن مَرَّ كلُّ عام كيومٍ ... قِصَراً جَرَّ كلَّ يومٍ كعامِ هكذا كلُّ مَغْنمٍ فهو عينُ الْ ... غُرمِ والوجدُ زائدُ الإعدامِ سترى إن أعارَك الدهرُ عيناً ... أن دَرَّ الأيامِ للأيامِ جلَّ بارِي الأمورِ في صُورِ الأضْ ... دادِ أبْدَى اللذاتِ بالآلامِ وجلا العزَّ في ملابِس ذُلٍّ ... وكسَا الذلَّ صورةَ الإعْظامِ وأراك المخْدومَ ناعمَ بالٍ ... وهْو أشْقى الخدام بالخُدّامِ حسبُك القَنع منصباً وكفى المَرْ ... ءَ نعيما مُطارَحات الكرامِ هي أهْنَى مواردِ العيش لكنْ ... كدَّرْتها مَؤُونة الاحْتشامِ من خشوعٍ ولات حين صَلاةٍ ... واحْتراسٍ ولات حين صِدامِ حركاتٍ تجري على غير طبعٍ ... وقعودٍ مُعَّينٍ وقيامِ وأشدُّ البلا على الرأسِ تُلْفَى ... عِمَّةٌ مثل ذِرْوةِ الأهرامِ ولباسٌ يغرى النَّوائبَ بالأكْ ... نافِ ضافي الأذْيال والأكْمامِ صاحِبَيَّ ابْغيا لنا خارجَ الْعا ... لَم داراً فبئْس دارُ الزِّحامِ واصْدُقاني ألسْتُما بين ليلٍ ... ونهارٍ، مالي حليفُ ظلامِ واسْتعيرا لمُقلتي هَجْعَةً عَلَّ ... مَنامي يعودُ لو في منامِ من أُمور تَقْذِى العيونَ وأخرى ... تصْدَع السمعَ مثل وخْزِ السهامِ

стр. 276

مَشْربٌ كلُّه قَذًى سوَّغتْه ... إلفُ هذا النفوِس بالأجسامِ ما أرى موتَ مَن فقدْنا من الإخْ ... وانِ إلا لفَرْط شوقِ الحِمامِ هلكُوا هِمَّةً وأدركنا الَّل ... هُ بحُمْقٍ عشْنا به في جَمامِ مَن أراد العيش الهَنِىَّ فلا يُعْ ... مِلُ فكراً فالعيشُ عيش السَّوامِ وَيْكَ حتى م نحن غَرْقَى بحور الشِّ ... عِر أسْرَى سلاسلِ الأرْقامِ قد عكَفْنا على غَوايتِنا نَضْ ... ربُ منها في غاربٍ وسَنامِ قد غنَيْنا عن الدُّروس بما تُم ... لِى علينا صحائفُ الأيامِ من عِظاتٍ تُتْلى بغير لسان ... وسطورٍ خُطَّت بلا أقلامِ أرْمُسٍ دارِساتِ عهدٍ وأخرى ... طامِساتِ الصُّوَى وأخرى قِدامِ ولوَ أنَّ العيونَ زال غَشاها ... لرأتْ كلَّ أَخْمَصٍ فوق هامِ بل وفي وردةٍ ألف خَدٍّ ... وقضيبٍ يميسُ ألفَ قَوامِ فلَكٌ دائرٌ وما هو إلَّا ... أجَلٌ ساهرٌ لقومٍ نيامِ كم قرون طَحَنَّ أيضاً وكم تطْ ... حنُ أرحاؤُهنَّ بالإعدامِ وقوله: " ولو أن العيون "، إلى آخر البيتين، معنى دقيق، وفي رُباعيّات عمر الخيام بالفارسيّ من نوعه أشياء كثيرة. ولي في ترجمة رباعية من رباعياته: في الاعْتبار بمَن مضى من قبلنا ... عِبَرٌ وتلك هدايةُ المسترشدِ فلكم طوتْ ترْباؤُنا أُمَماً وهل ... مَيْتٌ بغير ثَرائِها لم يُلْحَدِ حتى كأن شَقِيقها دمُ أسرةٍ ... سفَكتْ دماءَهمُ عيونُ الخُرَّدِ وبَنَفْسَجُ الروضِ النَّدِىِّ كأنه ... خِيلانُ وَجناتِ الخدودِ الوُرَّدِ ومن هذا قول المنجكيّ: وإذا تأمَّلت الثَّرى ألْفيْتَه ... غُرَرَ الملوكِ تُداسُ تحت الأرْجُلِ وقول السيد عبد الرحمن بن النقيب: كم ضَمت التّرباءُ خَلْقاً قبلَنا ... من آخِر يقْفو سبيلَ الأوَّلِ حتى كأن أدِيمَها ممَّا حوَتْ ... حبَّاتُ أفئدةِ الملوك العُدَّلِ والمشهور فيه قول أبي العلاء المعرِّيّ، من مرثيَّته الشائعة: رُبَّ لَحْدٍ قد صار لحداً مراراً ... ضاحكٍ من تَزاحُم الأضدادِ صَاحِ هذى قُبورنا تملأ الرُّحْ ... بَ فأين القبور من عَهد عادِ خفِّفِ الوَطْءَ ما أظن أديم الْأ ... رضِ إلَّا من هذه الأجسادِ وقد شاركه فيه مهيار، في قوله: رُوَيداً بأخْفاف المَطِيِّ فإنما ... تُداسُ جِباهٌ في الثَّرَى وخدودُ ومنزع هذا كله قول أبي الطيِّب: ويدفنُ بعضُنا بعضا ويمشي ... أواخرُنا على هامِ الأوالىِ يريد بالأوالى الأوائل، وهو كثير في كلامهم، قال امرؤ القيس: وأمنع عِرْسِي أن يُزَنَّ بها الخالِي أي الخائل. عودا إلى ما نحن فيه. وما أحسن ظنَّه بربه، حيث قال: لا أُبالي إن قبضتُ على ... سُنَنِ الإسلامِ قَطُّ عَنَا رحمةُ الله التي وسِعتْ ... كلَّ شيءٍ لا تضيقُ بنَا وهنا أنهى ترجمته بموشَّح له يذكر فيه عين الذهب، ويندب عيشاً له فيها ذهب: بِأبي وَا بِأبِي وا بِأبي ... جَرْعةٌ من ماء عينِ الذهبِ يارعاهُ الّلهُ من وادٍ وسيمْ ... رَقَّ فيه الماءُ واعْتلَّ النسيمْ تُعرف النَّضرةُ فيه والنعيمْ ... عيشُنا فيه رَخِىُّ الَّلَبَبِ غفلتَ عنه عيونُ النُّوَبِ حيث ما يمَّمْتَ روضٌ وغديرْ ... وإلى جانبه ظَبْيٌ غَرِيرْ وفِراشٌ مُنْقَنُ الوَشْىِ وَثِيرْ ... كمُلَتْ فيه دواعِي الطَّرَبِ يؤْخذ الصيدُ به عن كَثَبِ ونديمٍ شَبَّ في حجرِ الدلالْ ... لو عصَرْتَ الظَّرْف من عِطْفْيه سالْ قمرٌ ينظر عن عيْنَيْ غزالْ ... وإذا ساجْلَته بالأدبِ

стр. 277

يملُأ الدلوَ لعَقْدِ الكَرَبِ هذا من قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، حيث يقول: مَن يُساجِلْني يساجِلْ ماجداً ... يملأُ الدلوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ والكرب: الحبل الذي يشدُّ في وسط العراقيّ ثم يثلَّث، ليكون هو الذي يملأ الماء فلا يعفن الحبل الكبير، وهو مثل يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر. قم بنا تنشَقْ رُوَيحاتِ السَّحَرْ ... قبل أن تَصْدا بأنْفاس البشَرْ هذه الوُرْق تغنَّت في الشَّجَرْ ... وتناجَتْ في رءُوسِ القُضُبِ أن مَن ضيَّع ذا الوقتَ غَبِي قوله: " قبل أن تصدا " إلخ. من قول ابن الرُّوميّ: وغيرُ عجيب طِيبُ أنفاسِ روضةٍ ... مُنوَّرَةٍ باتتْ تُراحُ وتُمْطَرُ كذلك أنفاسُ الرياضِ بسُحْرةٍ ... تطِيبُ وأنفاسُ الأنام تغَّيرُ دَأْبُنَا شَمُّ ورودٍ وخدودْ ... وعناقٌ من غصونٍ أو قُدودْ والهوى لَفُّ خصُورٍ بزُنودْ ... لذَّةٌ ما شابَها من أشَبِ خلُصتْ من موُبِقات الرِّيَب نفْخُ روحِ الرَّاح في جسم الزُّجاجْ ... إنها تُثْمِر عن فَيْض المِزاجْ أيها السَّاقي فبادِرْ بالعِلاجْ ... رصِّعِ الشمسَ لنا بالشُّهُبِ واسْكُبِ الفضَّة فوق الذَّهَبِ السيد موسى الرَّامحمدانيّ من صفوة آل أبي طالب، وسُراة لؤي بن غالب. تقتبس من مشكاته أنوار الصلاح، وتطلب من جانب طوره أطوار الفلاح. طلع من قريته قبل أن يبلغ أشدَّه، وقد ربط نطاق عزمه وشده. ثم ورد حمى الشَّهباء الأزين، كما ورد موسى ماء مدين. فوجد أمَّةً من الناس على مائها يسيغيون، كما وجد موسى على ماء مدين أمَّةً من الناس يسقون. فشرب من زلاهم حتى ارتوى، وحدَّث عنهم بما سمع وروى. ومن خوارقه أنه خرق بحر القريض في تراجع أمره، وذلك بعد ما تجاوز عدد الميقات من سنى عمره. والشاعر يقول: وماذا يبتغي الشعراءُ منِّى ... وقد جاوزْتُ حدَّ الأربعينَ فأظهر تلك البيضا في صنعة الشعر، وسحر بالبداهة والمعهود أنه يبطل السحر. فكان قلمه كعصا سميِّه ثعبان البيان، يتلقف ما تلقيه سحرة البلاغة بين اللسان والبنان. إذا جاء موسى وألْقَى العصا ... فقد بطَل السحرُ والساحرُ ثم حجب بصره وكفَّ، فأصبح لشرفه محمولا على الأكفّ. وهو في الشعر يوازن شاعر معرَّة النُّعمان، لكنه منزَّه الفطرة عن معرَّة العميان. فمن غرائبه قصيدةٌ، أرسلها إلى دمشق، لأحمد شاهين، ضمن كتاب ولم يذكر اسمه، وأرسله مع من يجهل حدَّه ورسمه. والقصيدة مطلعها قوله: بانُوا فحدِّثْ عن الأحبابِ يا طَلَلُ ومن جملتها: أنَّي توجَّهَتِ الأظغانُ أيْن سَرَوْا ... مَن في الهوادِج مغذا وارَتِ الكِلَلُ عن يَمْنة الحيِّ أم عن يَسْرِه ظعَنوا ... أم شَمْألاً أو جَنُوبا سارت الإبلُ بانُوا وفي العْين منهم منْظرٌ حسَنٌ ... وفي الفؤاد كلُومٌ ليس تنْدمِلُ فلما وصل الكتاب إلى الشّاهينيّ، سألأ ناقله عن مرسله، فلم يزده على أنه رجل من أشراف حلب. فأجابه الشاهينيّ بهذه الأبيات، وأرسلها مع ناقل الكتاب: ومن عجَبٍ دون العجائب عاجِبِ ... كتابٌ أتانا ليس يُعْزَى لكاتبِ كتابٌ كريمٌ حيث أُلْقَىِ بيْننا ... طربْنا وقلنا من أجلِّ مُكاتِبِ وأذْكَرنا لما أتانا مُنكَّراً ... سليمانَ إذ لم نَحْظ منه بصاحبِ وقلنا كريمٌ من كريمٍ وإنني ... لعِرفانِ مُنْشِيه لأطْلَبُ طالبِ على أنه قبلاً سليمانُ لم يكنْ ... ليكتُب إلا واسْمُه غيرُ غائبِ فراجعه بقصيدة طويلة، قال في آخرها: إن ابن شاهينَ لا تُنْسى صَنِيعتُه ... لو أنها نصفُ بيتٍ خُطَّ بالشعرِ أنا الكليمُ عَصاتِي غيرُ خافيةٍ ... إن شِمْتها انْبَجستْ عينٌ من الحجَرِ عينٌ من المجد ترْمى جوانبها ... نَبْلَ القصيد فترمى الأُسْدَ بالذَّعَرِ

стр. 278

ونِسْبتي في قُصَيٍّ نِسْبةٌ وسَطٌ ... أعني بها نِسْبة المبعوثِ من مُضَرِ ولستُ ذاكراً اسماً في مُراسلةٍ ... يُهْدَى بها النَّزْرُ من تَمْرٍ إلى هَجَرِ هَضْماً لنفسِيَ عن قول الفقير كذا ... وهكذا في فُصول الآيِ والسُّوَرِ وصل كتابك فملأ العيون ضياء ونوراً، والقلب فرحة وسروراً. لكن شممت من اختصار نظمه إشارةً خفيَّة، وتوسمَّت في أفانين نثره عبارةً جليّة وتأولت الإشارة: الحرُّ بالقليل يقنع، وتأملت العبارة بما فيه كفاية ومقنع. مترجِّياً وصل حبال الودّ، متمنِّياً قطع أمراس الصَّدّ. على أنا أهل بيت لا نؤثر على الحب مذهبا، ولا نرغب عن قنطار منه بقنطار ذهبا. وإن تواضع لنا الرفيع فبفضله، أو ترفع علينا الوضيع فعلى مهله. وإن رأى المولى إتحاف العبد بما يملأ الفم عذرا، ويحدث لعلي محله ثناءً وذكرا. ويقطع لسان الملام، فذلك إليه والسلام. فراجعه بقصيدة أولها. ما روضةٌ دبَّجَتْها السُّحْبُ في السَّحَرِ ... فدبَّجتْها يدُ الأنْواءِ بالزَّهَرِ ويستجاد منها قوله: وقد عرفتُ اليدَ البيضا له كرماً ... أما العصى فهْي للعاصِي بلا نكُرِ أفْدِي الكليمَ الذي قد قال مُنبسِطا ... هذه عصايَ ولم يضرِب سوى الحجَرِ إن الكليمَ حديدٌ في جَلالتِه ... لا سِيمَّا نَبْلُ رامي الأُسْد بالذَّعَرِ والمُنْتَمِي المعتليِ في أوجِ نِسْبته ... لمُودِع الحِلْمِ حدَّ الصارمِ الذَّكَرِ يسمُو بجّدَّيْن جَدٌّ قد أناف به ... على الحُظوظ وَجدٌّ سيدُ البشرِ وُجوهُنا ونَواصِينا وأعيُننا ... مبذولةٌ لِتُراب المصطفى العطِرِ ثم الوَصِىِّ ونَجْلَيْه معاً وهما ... ريْحانتاه ومن يُنْمَي لذاك حَرِى منها: مِن واصلٍ جاءنا حُرُّ القَريض وما ... من هاجرٍ جاءنا تمْرٌ إلى هَجَرِ وجاءنا الدُّرُّ محمولا على صَدَفٍ ... وجاءنا العطْرُ يُذْكِى نَفْحَة الزَّهَرِ وزارنا الغيثُ وَكَّافا على جَدَدٍ ... وجاءنا البحرُ فيَّاضاً على النَّهَرِ من كل قَافيةٍ غنَّاءَ مُطْرِبَةٍ ... والشُّهْدُ فيما أتاني شِيبَ بالبَصَرِ فرُحْتُ من راحِها المخْتوم مُنتشِياً ... لكن سكِرت بها في وَصْمِة العَكَرِ وشعرُك الكاسُ قد سَرَّتْ أوائلُه ... لكن أواخرُه لم تخْلُ من كَدَرِ لا بل هو الشُّهْدُ لا يصْفُو لعاسِله ... وليس يخْلُو مُجاجُ النحلِ من إبَرِ لا بل هو الجيشُ سرَّتْني طلائعهُ ... وساءني بطْشُه بالبيضِ والسُّمُرِ غادَرْنَ في منزلي أشياءَ من جَدَلٍ ... مُوسَّدٍ بين خَدْشِ النَّابِ والظُّفُرِ هذا وهذا وما في القلب غيرُ هوًى ... قد حلَّ مني محلَّ النُّور من نَظَرِي لكنَّ للشِّعر أطواراً يلُوح بها ... ولحديث شُجونٌ ليس كالغِير مالي وللشِّعر والسِّتُّون قد أخذَتْ ... منِّي مآخذَها من سَطْوة الكِبَرِ ولما وردت هذه القصيدة، خاطبه السيد أحمد بن النقيب، بقوله: سَقَيْتَ زُلالَ الشِّعر هِيماً من الظمَا ... بجِلِّق حتى عن مواردِه كَلُّوا فجازُوك أن زَفُّوا إليك عقِيلةً ... كذلك قد جُوزِى سَمِيُّك من قبلُ وكتب إليه السيد المذكور أيضاً جواب أبيات: لموسى يدٌ بيضاءُ في الشِّعر مالَها ... إذا ذُكِرتْ في مَحْفَلِ القومِ منكِرُ وكنتُ أراه يُبْطِل السحرَ ماله ... بأشْعاره يَسْبِى العقولَ ويسحَرُ تشوَّقْتُه إذْ غاب عنِّيَ بُرْهةً ... وأوْحشني بالهجرِ والهجرُ يعسُرُ فآنَسَنِي منه بعَذْراءَ طَفْلةٍ ... شبِيهة بدرِ التِّمّ بل هي أنْوَرُ فكنتُ كأني حين زارتْ سمِيُّهُ ... وبنْتُ شعيبٍ إذ أتَتْ تتبخْتَرُ

стр. 279

ولو أنني أمْهَرْتُها العمرَ كلَّه ... فما أنا في التَّحقيق إلا مُقصِّرُ وكتب إليه أيضاً، يطلب مراجعته، بقوله: قسماً بمن جعل الفضا ... ئلَ والمعالي حَشْوَ بُرْدِكْ وحَباك منه قريحةً ... كعصا سَمِيِّك في أشُدِّكْ أبطلْتَ سحرَ بني القَرِي ... ضِ بها فكنتَ نسيجَ وَحْدِكْ وتلقَّفتْ ما يصنعو ... نَ فآمنوا رَغْماً بمجدِكْ إن القوافي قد ملكْ ... ت زِمامَها بعُلُوِّ جَدِّكْ واخترتَ كلَّ فريدةٍ ... منها تضيءُ بسِمْطِ عِقْدِكْ وبلغْتَ منه ما ترُو ... مُ فلم يصلْ أحدٌ لِحَدِّكْ فَلأنتَ في شَهْبائنا ... مَلِكَ القريضِ برَغْم ضِدِّكْ فاسلمْ ولا رُميتْ بنو الْ ... آدابِ في حلَبٍ بفَقْدِكْ فراجعه بقصيدة طويلة، منها قوله: فوق الشِّدادِ تشرَّعتْ ... يا ابنَ النَّقيبِ قِبابُ مَجدِكْ وأطاعك الشرفُ الرَّفي ... عُ فأنت فيه نسيجُ وَحْدِكْ أتْعبتَ جَدَّ بني القَرِي ... ضِ فقصَّرُوا عن نَيْل جَدِّكْ وغدوْتَ تَرْفُل في العلى ... تِيهاً وتُرغِم أنْفَ ضِدِّكْ وحكى السيد يحيى الصادقي، أن السيد موسى انتحل شيئاً من شعره، فكتب إليه يداعبه: أقسمتُ بالسحرِ الحلا ... لِ وحُرمةِ الأدب الخطيرِ ومصارعِ العشَّاقِ في ... لَحَظاتِ ذا الظَّبْيِ الغَرِيرِ ومجالسِ الأُنْس التي ... عُقِدتْ على عَقْدِ السرورِ إن كان موسى ذُو الأيا ... دِي البِيض والأدب الغزيرِ لم يُرجِع المغْصوب من ... شِعرِي وما أبْدَى ضميرِي لَأُذيقُه مُرَّ العتا ... بِ لدى الكبيرِ مع الصغيرِ بل والخِصامَ لدَى الهُما ... مِ رئيسِنا صدرِ الصُّدورِ وأصُوغ من دُرِّ القوا ... في عِقْدَ لَوْمٍ مستنيرِ يُنْسِي أُولى الألبابِ ما ... فعل الفَرزْدق مَعْ جريرِ فأجابه بقصيدة طويلة، منها: مالي وللقَنْصِ الصَّري ... حِ وهِمَّتي صقرُ الصُّقورِ وعصايَ طوعُ يدي تلقَّ ... فُ كلَّ سحرٍ مُستطِير إن أُلْقِها انْبجسَتْ عُيو ... نُ المجدِ من صُمِّ الصخورِ وبها على الدُّرِّ الثمي ... نِ أغوصُ في لُجَج البحورِ وليَ اليدُ البيْضاء بيْ ... نَ الجَمْع والجَمِّ الغَفِيرِ أستغفرُ الرحمن من ... دَعْوَى تُدنِّس بالفُجورِ هذى قوافِي الشِّعر حا ... ضرةٌ لدى المولى الكبيرِ نَجْلِ الحُسام المستبدِّ ... برأْيه الليثِ الهَصُورِ مَن شُرِّفت حلبٌ به ... وعلَتْ على هامِ النُّسُورِ إن كان ما زَعمُوه حقّاً ... فهْو أدْرَى بالأُمورِ وله من قصيدة: وفوْقنا الأغصانُ مَعْكوفةً ... تحنُو علينا من جفاءِ الهَجِيرْ كأنها الغِيدُ تعطَّفْنَ من ... بعد زمانٍ هَجرُه كالسعيرْ أو خَيْمةٌ خضراءُ من سُنْدُسٍ ... مَحْبوكةُ الأطرافِ حَبْكَ الحريرْ والروضُ قد هتَّك من حُسْنِه ... سَرائراً أخفيْتُها في الضميرْ مذ غنَّتِ الوُرْقُ على مُلْدِه ... أغْنَتْ عن النَّايِ الرَّخِيم المُثيرْ يا عَنْدَلِيْبَ الروضِ مهلاً فقد ... هيَّجْتَ أشجانَ المُعَنَّى الأسِيْر تشْدُو وصوتُ النَّجْمِ يستوقف الْ ... أملاكَ والأفلاكُ فيها المُدِيرْ والشمسُ من غُرَّتِه أشرقتْ ... والبدرُ من ذاك المُحَيَّا المُنِيرْ ومن مقاطيعه قوله: أشدُّ من الموت الزُّؤامِ مَرارةً ... وأصعبُ من قَيْد الهوانِ وحَبْسِهِ

стр. 280

مُعاشرةُ الإنسانِ مَن لا يُطيعه ... وحَشْرُ الفتى مَعْ غيرِ أبناء جنسِهِ ومن لطائفه: أنه ذكر بحضرته فتى إذا جرى في وصف الحسان تصريح، فإنما هو لحسنه البديع تلميح. تعيذه من خجلات الغرام، لما ترمقه عيون الملام. فشغف به على السماع، وأوقف على حبه الأطماع. ومازال به هائماً، وفي بحار عشقه عائما. تأخذه حيرة التذكر، وتملكه لهفة التفكر. فأنشده يوماً بعض الأدباء أبيات أبي العز الضرير، وقصد لومه في حب ذاك الظبي الغرير. وهي: قالوا عشِقتَ وأنت أعْمَى ... ظَبْياً كحِيلَ الطَّرْفِ ألْمَى وحُلاهُ ما عاينْتَها ... فنقُول قد شغَلتْك وَهْماَ من أين أرْسَل للفؤا ... دِ وأنت لم تنظُرْه سَهْمَا وخيالُهُ بك في المنا ... مِ فما أطافَ وما ألَمَّا فأتم جوابها من حفظه: فأجبتُ إنِّي موُسَوِيُّ ... العِشقِ إنْصاتاً وفهماَ أهْوَى بجارحةِ السَّما ... عِ ولا أرى ذاتَ المُسَمَّى أبو مفلح محمد بن فتح الله البيلوني ماجد أفلح رائده، وجلت فوائده وفرائده. صفحته البدر إلا أنه مشرق، وحديثه الروض إلا أنه مورق. وهو بمكان من النباهة مكين، يطلع له من كل ناحية على جيش البلاغة كمين. ومع وقاره الذي به يعرف، يبدو له النكات ما يستملح ويستظرف. وبلغت به السن وهو جوّاب بلاد، ومنفقٌ من رياشه كل طريف وتلاد. فجاءت أيامه في تقلبات تقتضيه، لكنها لم تخل في الحظ من فلتات تسترضيه. تصقل الأصائل ديباجتها، وتشعشع البكر زجاجتها. فكم شغف به المدح المحبَّر، وتشوَّق إليه الثناء المعطَّر. حتى إذا قربت به النوى، وادَّنت به على إلمام من فضل الثَّوا. طلع طلوع النجم في الآفاق، وهبّ هبوب النسيم على أخلاق الرفاق. وحل من الجفون محل الوسن، ونزل من القلوب نزول الفأل الحسن. وقد رأيته بدمشق ووالدي يوسعه رعيا ومبرة يوترنح باغتنام محاضرته جذلا ومسرة. وصبح وجهه يومئذ لم يبق فيه أثر غيهب، وكميت صباه جرى فعاد وهو أشهب. وتناولت بعد من أشعاره المتهدلة الأغصان، أشياء تقرطت بزهرات الحسن والإحسان. فمنها قوله، من قصيدة مستهلها: دُمْتَ يا مَرْبَع الأحبَّة تَنْدَى ... كاسياً بالزهور بُرْداً فبُرْدَا ياله مربَعاً إذا جاده النَّو ... ءُ فساقِى الصَّبوحِ يقطِف وردَا وإذا انْساب في جداولهِ الم ... اءُ حساماً جلَى النسيمُ الفِرِنْدَا جَنَّةٌ والغصونُ في حُلَل الأزْ ... هارِ حُورٌ بها ترنّح قَدَّا وتهادَى مَعاطِفُ الْبانِ سُكْراً ... كتهادِي العناق أخْذاً وردَّا وتُديرُ الصَّبا كؤوسَ شذَا النَّوْ ... رِ على نَغْمة البلابلِ سَرْدَا كيف جُزْتِ الطريقَ يوماً ومن خَو ... فِك دمعي بالسيلِ يسلُك سَدَّا لو رعيتِ العهودَ أحسنتِ لكن ... قلَّما تحفظُ المليحةُ عهدَا وقوله من أخرى، مستهلها: وجهٌ يقابلني لكنه قمرُ ... في الليلِ يطلُع لكن ليلُه شَعَرُ نظرتُه فسَطا في القلب ناظرُه ... ورُبَّ حَتْفٍ به قد أوقع النظرُ لله ما صنعتْ بي وَجْنتاه ومَن ... للنَّار يقرُب لا ينفكُّ يسْتعِرُ ظَبْيٌ سبَى اللبَّ إلا أنه ملَكٌ ... من الملائك لكن طبعُه بشَرُ عُلِّقتُه بدويّاً راق منظرُه ... ورقَّ حتى استعارتْ دَلَّه أُخَرُ للسحر من لفظه معنىً بقوَّتِه ... عن العقول صوابُ الرأيِ مستترُ ما شاقَني قبلَ رُؤْيا وجهِه قمرٌ ... ولم يُشَم بعد رَيَّا نعلِه عَطِرُ جمُّ المحاسن معسولُ الدَّلال له ال ... قَدُّ الذي خَصْرُه لا يُدرِك البصرُ لا عيبَ فيه سوى أن المحاسنَ من ... دون الأنام جميعاً فيه تنْحصرُ عن كأسِه خدَّه سَلْ يا نديمُ لكي ... يُنْبيك أن الحُمَيَّا منه تُعتصَرُ

стр. 281

وانظرْ محاسنَهُ دَرَّاً كمَبسَمِه ... منه كدمعِك دُرُّ اللفظ ينتثرُ منها: عيْناه في القلب أغصانُ الهوى غُرِساَ ... ورُبَّ غَرْسٍ جَناه الصَّابُ والصَّبِرُ أوْلَيْتُ للشوقِ قلباً ليس يرجع من ... هجرٍ أيرجعُ ماءٌ حيث ينْحدرُ ومن مديحها قوله: يكاد بدرُ الدُّجَى يُنْمَى لطلْعتِه ... لو كان يمشي على وجهِ الثرى القمرُ قضى الإلهُ بأن يُفْدى بحاسدِه ... فما له حسَدٌ باق لو عُمُرُ والدهرُ لو أنه نَاواه لانْقلصَتْ ... ظلالُه ورأينا الناسَ قد حُشِرُوا له عزائمُ زان الحِلمُ سَطْوتَها ... ينْقَدُّ إن شامَها الصَّمْصامَةُ الذَّكَرُ منها: وافَيتُ باكِرَ لا أرجو سواهُ وما ... سواه ليس له نفعٌ ولا ضَرَرُ وجئتُ سَبْسَبَ خَطْبٍ من مَناسِمِه ... بسيْل ذَوْب اصْطباري تملأُ الحُفَرُ وأيْنُقِي حين أحْدُوها بمدْحك لا ... يكاد يلْحقها من سُرعةٍ نَظَرُ كأنها ابْتلعتْ بِيدَ الفَلا وسرتْ ... في السُّحْبِ تقصِد حيث الغيثُ ينْهمرُ فظَهْرهُنَّ حرامٌ إذْ بلَغْنَ إلى ... نادٍ يحِلُّ بمن قد حلَّه الوَطَرُ منها: وهذه مِدَحي في طَيِّ أسطُرها ... عَبِيرُ ذكرِك في الأقْطار يْنتشرُ عذراءُ ترفُل في ثوبِ البلاغ لها ... من القوافي حُجولٌ صاغَها الخَفَرُ ألفاظُها كصخورٍ في متانتِها ... وكلُّ لفظٍ به معناه مُنتقرُ وله من قصيدة، أولها: صَبابةُ لا اصْطبارَ يضمِرها ... ومهجةٌ لا خليلَ يعذُرُهَا ودمعةٌ لا الزَّفيرُ يُنضِبها ... وزفرةٌ لا الدمُوع تُضمرُهَا وعَشْقةٌ قد أبان أولُها ... أن هلاكَ المحبِّ آخرُهَا فكل نارٍ وإن علَتْ خمَدتْ ... سوى التي وَجْنةٌ تُسِّعُرهَا وَيْحَ جريحِ اللِّحاظ عِلَّتُه ... في الطبِّ حيث الطبيبُ خِنْجرُهَا ثباتُ عينُ الحبيبِ ليَلته ... كالنجمِ لكن أبيتُ أسهَرُهَا لولا الكرى قامت مُرنَّحةً ... لم تكُ أيدي الجفونِ تهْصُرُهَا لي زَفْرةٌ لم أزلْ أُصعِّدُها ... ودمعةٌ لم أزلْ أُقطِّرُهَا ما العشقُ إلا كالكِيمياءِ أنا ... دون جميعَ الأنام جابرُهَا تبْسَم إن كُلِّمتْ مَشاكِلُها ... ودُرُّ دمعي غدا يُناظِرُهَا هيفاءُ ما الغصنُ مثلَ قامتِها ... لكنَّ أعْطافَه أشايِرُهَا أعشق من أجْلها الكَثِيبَ إذا ... يضمُّ أمثالَه مَآزِرُهَا وأحسِد البدرَ في محبَّتها ... فغيرُه لا يكاد يْنظُرهَا وألثَمُ المسكَ والعبيدَ عسى ... يكون مما فتَّتْ ظفائرُهَا لله ما في الهوى أُعالجُ من ... لواعِجٍ في الهوى أُصابِرُهَا يا حبَّذَا خُلْسةٌ ظفرتُ بها ... في غَفلةٍ للزمان أشكرُهَا حيث لعْهدٍ غدتْ تمُدُّ يداً ... لم تدْرِ أسرارَها أساورُهَا يسألها خاطرِي الوصالَ ولا ... يُجيب عنه إلَّا خواطرُهَا ليت ليالي الوِصالِ لو رجعتْ ... أوْليت قلبي معي فيذكرُهَا ومن مقاطيعه قوله: لا تُلمْ من شكا الزمانَ وإن لم ... تَشْفِ شكْواه علَّةَ المَجْهودِ إنما يُحوِج الكرامَ لشكْوَى ... شوقُ ما في طباعِهم من جُودِ وهنا أذكر ثلاثة من بلغاء النثر والنظم، نسقهم الشِّهاب في مطالع خباياه نسق النظم. فمنهم: السيد محمد بن عمر العرضي هو من ألقيت إليه في كرم الطبع أعنة السلم، فلولا توقد ذهنه لا خضر في يده القلم.

стр. 282

مكانته من الشهرة حيث يستبين للمبصر النهار، وطبعه يتنفس عن المعاني تنفس الروض عن الأزهار. وله عذب لفظٍ يلفظ الدرر الزواهر، وفي غير هذا العذب لا تتكون الجواهر. نظم فيوزِّع على العقول سحراً، وينثر فيفرق على الأفواه دُرًّا فهو يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه. إذا خط في الطرس نم ببدائع الآثار، وأطرب حتى كأن قلمه مضرابٌ وسطوره أوتار. فيجيء من أبكار افكاره، بما يستعير الرحيق السلسل من فضل إسكاره. وكان دخل الروم مقدراًَ أن المتاع بأرضه يسترخص، وأن المرء يبلغ مناه في أي وجه يشخص. فلم يحصل على ما يستحقه وفور كماله، فقال يذكر ما لقيه من تخلف آماله: لما ضاقت رقاع بلادي، ونفدت حقيبة زادي. فوقت سهام الاحتيال، وأجلت قداح الفال. فكان معلاها السفر، سفينة النجاة والظفر. طفقت أتوكأ على عصا التسيار، وأقتحم موارد القفار. أفرى فلاةً يبعد دونها مسى النعى، وألطم خدود الأرض بأيدي المطى. فكنت فتى قذفته رقة الحال على بريد النوى، واعتنقته الهمة العاقر وألقحت بعزمه لواقح المنى. أساير عساكر النجوم والأفلاك، وقد ركز الليل رمح السماك. فأنخت راحلتي بمخيم المجد، وقرارة ماء السعد. كعبة الأفاضل إلا أنهم يحجون إليها كل آن، وسوق عكاظهم إلا أنها تنصب فيها مصاقع الروم لا مصاقع عدنان. فلما ألقتني فيها أرجوحة المقادير، فإذا هي فلك العز ومطلع التدبير. إلا أن حالي تقسمت فيها بين الاغتراب والاضطراب والاكتاساب أثلاثا، فما نزلت منها منازل إلا حسبتها علىَّ أجداثا. وسقتني الدردى من أول دنها، وسوء العشرة باكورة فنها. كل هذا وأنا أستلين مس خشونتها، وأسيغها على كدرتها. وأقول: إذا لم تتمَّ الصدور فستتم العواقب. وإن لم ترش القوادم فستريش الخاوفي والجوانب. وكتب إلى حلب لبعض أودائه: وأيم الله لقد طال حديث الفراق واستطال على سلطانه، وقد قرأت كتابه فما سرني خاتمته، بقدر ماساءني عنوانه. وكلما محت أنامل وشك الملتقى من أسطره سطرا، خطت أقلام ممليه عوضه عشرا. وكلما استنهضت عزيمتي أقعدتها كلا كل التَّواني، وحالت بينها وبين مخدارت الأماني. فإلى الهل أرفع يد التضرع، وأذرى في ساحة الدعاء دموع التفجع والتوجع. أن ينظم ذات البين، ويجدع بحد الاجدتماع مارن البين. وكتب من تعزية بنقيب أشراف حلب: ما أيقنت أن قسطنطينية هي الجزيرة السودا حتى وقع لدىَّ طير هذا النعى الذي ما زال حامله يلطم خدود الأرض بأيدي المطى. فياله من خبر حينٍ زاد في مرض القلوب، وشقَّ الأكباد قبل الجيوب. وقرأت ما كتبته أقلام التفجع بأفواه الجفون، ونثرت عندها عقد شملي المصون. حيث لم أدخر لسفر هذه الفرقة من زاد، ولا بلَّيت غليلها ببراد. وأيم الله ما ذكرت لطائم أخلاقه الغر، وحلاوة منطقه الحر. وقطفه نور الفضائل، وإهداءه باكورة المسائل. وإحرازه قصب السبق، وثبوت قدمه على جادة الصدق. وإيواءه لي في حواشي وده الخصيب، وإلباسي كل يوم رداءً لفقده القشيب. إلا اتقدت عليه حراً، وتأبطت على الحمام شرا. وأسأل الله تعالى أن يجعل وفاته خاتمة كتاب الرَّزايا، وقافية بيت البلايا. وأن يقلم ظفر مصابه بأنامل الصبر، ويذيقكم عن مرارة صابه حلاوة الأجر. ومن شعره في أيام اغترابه، يشتكى من كثرة اضطرابه: أمَا لأسيرِ الروم فَكٌّ من الأسْرِ ... فقد ملكتْ آرامُها القلبَ بالأسْرِ بها نثرُ شَمْلِي من ثغورٍٍ تنظَّمتْ ... فيالكَ من نَظْمٍ غدا داعيَ النَّثْرِ ولا بِدْعَ في أرضِ الثغُورِ شتَاتُنا ... ومَن لي بَلثْمٍ سَدَّ ذَيَّالك الثَّغرِ يُذكِّرنا رَوْعَ العذارَى بمنْزلٍ ... أجادَ المنازِي وَصْفَه غابرَ الدَّهرِ إذا همستْ في شُكْرِ غيرِك ألْسُنٌ ... فأنت لك الأسفارُ تُعلِن بالشُّكْرِ بقيتَ لك العلياءُ تُعْطِى قِيادَها ... بتلك اليدِ البيضاءِ والبِيضِ والسُّمْرِ وله يتشوق إلى أحبابه، ويحن إلى معاهد صبوته وشبابه: يا بريدَ الأشواق أوْجِفْ لدارٍ ... هي مُصْطاف لَوْعتي وشبابِي

стр. 283

واختبرْ أُسرةً أراهم بكاسِي ... ما تذكَّرتُهم بطافي الحَبابِ هل هواهم بنا كما قد عهدْنا ... أم قضى شخصُه بحُبِّ اغْترابِي فمن اللهِ أسْتعيدُ لِقاهُم ... وله إن جفا الحميمُ احْتسابِي فهْو عَوْنُ النَّائِي الغريبِ إذا ما ... عَضَّه حادثُ الزمان بنَابِ وقال: أحِنُّ إلى شَهْبائنا وقُوَيْقِها ... إذا انْساب منه بالنَّيارِب سَلْسالُ وأظْمأُ حتى أرْتوِي منه بالَّلمَى ... وألْثَم أرْضاً دونها خَفَقَ الْآلُ ولم تسْتِمْلني الرومُ شمسُ مُدامِها ... تُدار بكَفِّ البدرِ والمرءُ مَيَّالُ فماءُ بلادي كان أنْجعَ مشرباً ... ولوأن ماءَ الرومِ صَهْباءُ جِرْيالُ قويق نهر حلب، أكثر الشعراء من وصفه، فمن وصفه الخطيب أبو عبد الله محمد بن حرب، في قوله: لقد طُفْتُ في الآفاقِ شرقاً ومغرِبا ... وقلَّبتُ طَرْفي بينها مُتقلّبا فلم أرَ كالشَّهْباءِ في الأرض منزلاً ... ولا كقُوَيقٍ في المَشارب مَشْربا وللصنوبري فيه: قُوَيقٌ إذا شمَّ ريحَ الشِّتا ... ءِ أظهرَ تيهاً وكِبْراً عجيبَا وناسَب دجْلةَ والنِّيلَ وال ... فُراتَ بهاءً وحسناً وطِيبَا وإن أقبَل الصيفُ أبصرْتَه ... ذليلاً حقيراً حزينا كئيبَا إذا ما الضفادعُ ناديْنَه ... قُوَيْقُ قُوَيْقُ أبَى أن يُجِيبَا وتمْشِي الجرادةُ فيه فلا ... تكادُ قوائمها أن تغيبَا وله فيه: قُوَيْقٌ على الصفراء رُكِّب طبعُه ... رَباه بهذا شُهدُه وحدائقُهْ فإن جَدَّ جِدُّ الصيفِ غادر جسمَه ... ضئيلاً ولكنَّ الشتاءَ يوافقُهْ وله فيه، من قصيدة: هو الماءُ إن يوصَفْ بكُنهِ صفاتِه ... فللْماء إغْضاءٌ لديه وإطْراقُ ففي اللون بَلُّورٌ وفي اللَّمْعِ لُؤْلُؤٌ ... وفي الطِّيبِ قنْديدٌ وفي النَّفع دِرْياقُ إذا عبثتْ أيْدي النسيم بوجْهِه ... وقد لاح وجهٌ منه أبيضُ بَرَّاقُ فطوراً عليه منه دَرَق خفيفةٌ ... وطوراً عليه جَوْشَنٌ منه رَقْراقُ وقد عابه قومٌ وكلهمُ له ... لى ما تعاطَوْه من العيْب عُشَّاقُ وقالوا ألبس الصيفُ يُبْلى لِباسَه ... فقلتُ الفتى في الصيفِ يُقْنعه طَاقُ وما الصبْح إلاّ آيِبٌ ثم غائبٌ ... تُوارِيه آفاقٌ وتُبديه آفاقُ ولا البدرُ إلا زائدٌ ثم ناقِصٌ ... له في تَمام الشهرِ حَبْسٌ وإطلاقُ ولو لم تَطاولْ غَيْبةُ الوردِ لم تَتُقْ ... إليه قلوبٌ تأئقاتٌ وأحداقُ ولو دام في الحبِّ الوصالُ ولم يكنْ ... فِراقٌ ولا هجرٌ لما اشْتاق مشتاقُ وفضْل الغنى لا يسْتبينُ لدَى الغِنَى ... إذا لم يكنْ في ذلك الفضلِ إمْلاقُ قُوَيْقٌ رَسِيلُ الغيثِ بأتي وينْقضي ... ويأتي انْسياقاً تارةً ثم ينْساقُ وللعرضي من مكاتبة: هل من خليلٍ بشَهْبانَا نُخَالِلُهُ ... وهل غزالٌ إذا عُدْنا نُغازِلُهُ عهدْتُها وشموسُ الرَّاحِ جاء بها ... بدرُ التَّمام وغصنُ الْبان حاملُهُ إن ماسَ من وَلَهٍ وَاذُلَّ عاشقِه ... حتى م يفْنَى إذا ما اهْتزَّ عاملُهُ تُرَى إذا ما قرعْنا باب ساحتِه ... يُولِي الجميلَ وإلاَّ خاب آملُهُ وهل نَوَدُّ فتى شطَّتْ منازلُه ... ورَبْعُه قد خلا والبَيْن منازلُهُ ما حِيلتي وطُروق البَيْن أقْلقني ... كأنَّ عيْشا مضى ما زال زائلُهُ طال الفِراقُ فلا وافٍ يُراسِلنا ... على البِعاد ولا آتٍ نُسائلُهُ وله: هم القومُ إن بانُوا عن العينِ أوبانُوا ... بهم رَبْعُ قلبي آهلٌ حيث ما كانُوا

стр. 284

أنقِّلهُم من منزلٍ بعد منزلٍ ... ولولا انْتضاءُ السيفِ أصْداه أجْفانُ فطوْراً جعلتُ العينَ وادِي عقِيقهمْ ... إذا سال منها بالمَدامع طُوفانُ وطوراً لهم قلبي الغَضَا ما تضرَّمت ... بتَذْكار عيشٍ لمْ يدُم ليَ نِيرانُ لئن فات عيني منهمُ اليوم بَهْجةٌ ... فقد ملأتْ دارَ الأحاديث آذانُ وكم من مُحِبٍّ لم يشاهدْحبيبَه ... كما تُعْشَق الجنَّاتُ روضٌ وأفْنانُ أُؤَجِّج في الأحْشاء نارَ القِرَى عسى ... على ضوئِها تعْشُو من الطَّيْفِ ضِيفانُ فرشْتُ له جَفْناً بطائفة الكرَى ... وأين الكرَى هيهات قَوْليَ بُهتانُ فما الطيفُ إلا البدر والنومُ فكرتي ... فها أنا يقظانٌ وها أنا وَسْنانُ أمولايَ يا هذا الصَّلاحي الذي به ... صَلاحُ وِدادٍ قد وهَى عنه ثَهْلانُ لئن ظمئتْ عيين إلى مَنْهَلِ اللِّقا ... فقلبي برَيّاً ذكرِك اليومَ رَيَّانُ ومن غرر قصادءئه في إبداء التشوق، قوله: على أثَلات الوادِيَيْن سلامُ ... وبعضُ تَحايا الزائرين غَرامُ تذكَّرتُ أيامي بها وأحبَّتي ... إذا العيشُ غَضٌّ والزمان غلامُ وإلْمامتي بالحيِّ حيثُ تواجهَتْ ... قصورٌ وأكْنافُ الحمَى وخيامُ أُلامُ على هِجْرانهم وهمُ المنَى ... وكيف يُقيمُ الحرُّ وهْو يُضامُ همُ شرَعوا أنَّ الجفاءَ مُحلَّلٌ ... وهم حكموا أن الوفاءَ حرامُ بقلبيَ رَوْحٌ منهمُ وضَمانةٌ ... وعنديَ بُرْءٌ منهم وسَقامُ وأبْلحَ أمَّا وجهُه حين يُجْتَلي ... فشمسٌ واما كفُّه فغَمامُ جرى طائري منه سَنِيحاً فعلَّني ... بدَرِّ أيادٍ مالهُنَّ فِطامُ شَرَدْتُ عليه غيرَ جاحدِ نعمةٍ ... أُكلَّفُ خَسْفا بعده وأُسامُ وقد يُسلَب الرأيُ الفتى وهْو حازمٌ ... وينْبُو غَرارُ السيفِ وهْو حسامُ فقد وجد الواشون سُوقا ونفَّقوا ... بضائع زودى مالهُنَّ دَوامُ وبعضُ كلام القائلين تزيُّدٌ ... وبعضُ قبول السامعين أَثامُ فأصبح شَمْلُ الأُنْس وهْو مُبدَّدٌ ... لديه وحبلُ القُرْب وهْو زِمامُ يُقَرِّب دوني من شَهِدتُ وغيَّبوا ... ويُوصِل قبلي من سهِرتُ ونامُوا تزاوَر حتى ما يُرجَّى الْتفاتَهً ... وأعْرَض حتتى ما يَرُدُّ سلامُ فلا عَطْفَ إلاَّ لَحْظَةٌ وتنكُّرٌ ... ولا رّدَّ إلا ضَجرةٌ وسَآمُ فإن يكٌ رأيٌ زَلَّ أو قدَرٌ جرى ... بنازِلةٍ فيها عليَّ سلامُ فواللهِ ما فرَّقتُ فيك جنايةً ... أُعابُ بها في جَحْفَلٍ وأُذامُ ولا قَرَّ لي بعد التفرُّق مَضْجَعٌ ... ولا طابَ لي بعد الرَّحيلِ مُقامُ ولا ليَ إلَّا في ولائك مَسْرَحٌ ... ولا ليَ إلَّا في هواك مَسَامُ وإن أكُ قد فارقتُ دارَك طائعاً ... فللدهرِ في شَتِّ الجميع غَرامُ فقَبْلِيَ ما خلَّى عليّاً شقيقُه ... وقرَّ بِه بعد العِراق شآمُ حياءً فإن الصفحَ فيه مَغَبَّةٌ ... ومَعْذرةٌ إن الكرامَ كِرامُ أَلِمْنا وأعْذرْتم فإن تبْلُغِ المَدَى ... من العَتْب نُعْذَر دونكم ونُلامُ وأحسنتُم بَدْءًا فهلَّا أعدتمُ ... ففي العَوْد للفضلِ الجميل تَمامُ

стр. 285

أُجِلُّك أن ألْقاك بالعُذْر صادقاً ... وبعض اعْتذار المُذْنبين خِصامُ أتبْعُد حتى ليس في البُعد مَطْمَعُ ... وتُعْرِض حتى ما تكاد تُرامُ وتنْسى حقوقي عند أوَّل زَلَّةٍ ... وأنت لأهل المَكْرُمات إمامُ ألم ألْقَ فيك الأسْرَ وهْو مُبَرِّحٌ ... وألْتذُّ طعمَ الموت وهْو زُؤَامُ وأخْطو سوادَ الليل وهْو جَحافلٌ ... وأرْعَى نجومَ الأُفْق وهْيَ سِهامُ هو الذنبُ بين العفو والسيفِ فاحْتكمْ ... بما شئتَ لا يعلو بفضْلك ذَامُ ولا تَبْلُني بالبُعد عنك فإنما ... حياتيَ إلَّا في ذَراك حِمامُ إذا ما جَزْيتَ السُّوءَ بالسُّوءِ لم يكنْ ... لفضلِك بين الأكْرمين مَقامُ أعِدْ نظراً في حالتِي تَلْقَ باطنا ... سَلِيماً وسِرِّى ما عليه قَتَامُ فمثلُك لم تْغِلب عوائدُ سُخْطِه ... رِضاه ولم يْبعُد عليه مَرامُ فلا تُنْكرَنْ فيما تسَخَّطتَ ساعةً ... فقد مَرَّ عامٌ في رِضاك وعامُ وإن عَزَّ ما أرْجوه منك فإنني ... لينفعني تسْليمةٌ ولَمامُ فلا تُشِعرَنِّي غِرَّة اليأْسِ إنما ... أمامي وراءٌ والوراءُ أمامُ أترْضى لفضْلِي أن يضيعَ ذِمامُه ... ومثلُك لم يُحْقَر لديه ذِمامُ ومن بدائعه قوله في قسطنطينية: تأوَّب مُخْتبِطاً للكرَمْ ... خيالٌ ألَمَّ شكا من ألَمْ ديارٌ يخِرُّ لديها الخليجُ ... وتنْسَى المحاسنَ فيها إرَمْ تعَدَّى العواصمَ ثم الدُّروبَ ... وكم ضَال في ضَالِها والعَلْم يؤُمُّ الجزيرةَ دارَ العلوم ... ودَسْتَ المُلوك ومَرْعَى الهِمَمْ أُسائِلُه لِمْ قرعْتَ الثغورَ ... وقَرْعُ الثغورِ دليلُ النَّدَمْ وأُنْموذَج من جِنان النعيمِ ... لقد عجَّل الله فيها النِّعَمْ وعلق بها فتى من بني زرقا العمامة، بصير بأسباب التبريح بصر زرقاء اليمامة. عقد على أدق من الوهم الزنار، وألقى قلب هذا الموحد من شغفه بالنار. فملأ من خمرة وجده كؤوسا لم يدن منهاعكر اللوم، ولم يبق قدحٌ في عهده إلا تطفح سوى هلال شهر رمضان. واستمر يعاني ولوعة، ويطوى على يدي الصبابة ضلوعه. إلى أن هلك الغلام، فقرأه بعده على العشق السلام. فمما قاله فيه، من قصيدة: وعصرٍ بقُسطَنْطينيَّةٍ قد قطعتُه ... على وَفْق ما قد كان في النفس والصدرِ يميني بها كراسةٌ أجْتَلى بها ... علوماً لقد زاوَلْتُها غابِرَ الدهرِ أُحرِّر منها في الطُّروسِ بدائعاً ... فأملا صدورَ القوم في الوِرْد والصَّدرِ وطَوْراً أُحَلِّى من زمانيَ عاطلاً ... بِعِقْد نِظامٍ صاغَه صائغُ الفِكْرِ مَعانٍ إذا ما صُرَّ دُرَّ وَعَى لها ... تراه بِصُرَّ راح وهْو بلا دُرّ أُضمِّنها سَلْوى الحزين ورُقْيةَ السَّ ... ليمِ ومأخوذٌ من اللِّحظ بالسِّحْرِ وكفُّ شِمالي للشَّمُول يَنابِعٌ ... إذا احْتشَّها الساقي أذاعتْ له سِرِّى من العبْقرييِّن الذين تحمَّلوا ... نَقَا كَلْكَلِ الزُّنَّارِ فوق وَهَي الخَصْرِ إذا اعْتمَّ زرقاءَ اليمامةِ خِلْتَها ... سماءً بها قد لاح نُورسَنا البدرِ وإن قام بين الشَّرْب خلْتَ قَوامَه ... قَنَا ألفٍ قامت على وسَط السَّطْرِ وإن أَتْرَع الكاساتِ خلْتَ يمينَه ... لُجَيْنا تُحلِّيها مَقامعُ من تِبْرِ وإن نظرتْه العينُ نظرةَ ذي الهوى ... سقاني بكأسِ العين خمراً على خمرِ
следующие страницы →