Полный текст (737 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وانظرْ محاسنَهُ دَرَّاً كمَبسَمِه ... منه كدمعِك دُرُّ اللفظ ينتثرُ
منها:
عيْناه في القلب أغصانُ الهوى غُرِساَ ... ورُبَّ غَرْسٍ جَناه الصَّابُ والصَّبِرُ
أوْلَيْتُ للشوقِ قلباً ليس يرجع من ... هجرٍ أيرجعُ ماءٌ حيث ينْحدرُ
ومن مديحها قوله:
يكاد بدرُ الدُّجَى يُنْمَى لطلْعتِه ... لو كان يمشي على وجهِ الثرى القمرُ
قضى الإلهُ بأن يُفْدى بحاسدِه ... فما له حسَدٌ باق لو عُمُرُ
والدهرُ لو أنه نَاواه لانْقلصَتْ ... ظلالُه ورأينا الناسَ قد حُشِرُوا
له عزائمُ زان الحِلمُ سَطْوتَها ... ينْقَدُّ إن شامَها الصَّمْصامَةُ الذَّكَرُ
منها:
وافَيتُ باكِرَ لا أرجو سواهُ وما ... سواه ليس له نفعٌ ولا ضَرَرُ
وجئتُ سَبْسَبَ خَطْبٍ من مَناسِمِه ... بسيْل ذَوْب اصْطباري تملأُ الحُفَرُ
وأيْنُقِي حين أحْدُوها بمدْحك لا ... يكاد يلْحقها من سُرعةٍ نَظَرُ
كأنها ابْتلعتْ بِيدَ الفَلا وسرتْ ... في السُّحْبِ تقصِد حيث الغيثُ ينْهمرُ
فظَهْرهُنَّ حرامٌ إذْ بلَغْنَ إلى ... نادٍ يحِلُّ بمن قد حلَّه الوَطَرُ
منها:
وهذه مِدَحي في طَيِّ أسطُرها ... عَبِيرُ ذكرِك في الأقْطار يْنتشرُ
عذراءُ ترفُل في ثوبِ البلاغ لها ... من القوافي حُجولٌ صاغَها الخَفَرُ
ألفاظُها كصخورٍ في متانتِها ... وكلُّ لفظٍ به معناه مُنتقرُ
وله من قصيدة، أولها:
صَبابةُ لا اصْطبارَ يضمِرها ... ومهجةٌ لا خليلَ يعذُرُهَا
ودمعةٌ لا الزَّفيرُ يُنضِبها ... وزفرةٌ لا الدمُوع تُضمرُهَا
وعَشْقةٌ قد أبان أولُها ... أن هلاكَ المحبِّ آخرُهَا
فكل نارٍ وإن علَتْ خمَدتْ ... سوى التي وَجْنةٌ تُسِّعُرهَا
وَيْحَ جريحِ اللِّحاظ عِلَّتُه ... في الطبِّ حيث الطبيبُ خِنْجرُهَا
ثباتُ عينُ الحبيبِ ليَلته ... كالنجمِ لكن أبيتُ أسهَرُهَا
لولا الكرى قامت مُرنَّحةً ... لم تكُ أيدي الجفونِ تهْصُرُهَا
لي زَفْرةٌ لم أزلْ أُصعِّدُها ... ودمعةٌ لم أزلْ أُقطِّرُهَا
ما العشقُ إلا كالكِيمياءِ أنا ... دون جميعَ الأنام جابرُهَا
تبْسَم إن كُلِّمتْ مَشاكِلُها ... ودُرُّ دمعي غدا يُناظِرُهَا
هيفاءُ ما الغصنُ مثلَ قامتِها ... لكنَّ أعْطافَه أشايِرُهَا
أعشق من أجْلها الكَثِيبَ إذا ... يضمُّ أمثالَه مَآزِرُهَا
وأحسِد البدرَ في محبَّتها ... فغيرُه لا يكاد يْنظُرهَا
وألثَمُ المسكَ والعبيدَ عسى ... يكون مما فتَّتْ ظفائرُهَا
لله ما في الهوى أُعالجُ من ... لواعِجٍ في الهوى أُصابِرُهَا
يا حبَّذَا خُلْسةٌ ظفرتُ بها ... في غَفلةٍ للزمان أشكرُهَا
حيث لعْهدٍ غدتْ تمُدُّ يداً ... لم تدْرِ أسرارَها أساورُهَا
يسألها خاطرِي الوصالَ ولا ... يُجيب عنه إلَّا خواطرُهَا
ليت ليالي الوِصالِ لو رجعتْ ... أوْليت قلبي معي فيذكرُهَا
ومن مقاطيعه قوله:
لا تُلمْ من شكا الزمانَ وإن لم ... تَشْفِ شكْواه علَّةَ المَجْهودِ
إنما يُحوِج الكرامَ لشكْوَى ... شوقُ ما في طباعِهم من جُودِ
وهنا أذكر ثلاثة من بلغاء النثر والنظم، نسقهم الشِّهاب في مطالع خباياه نسق النظم.
فمنهم:
السيد محمد بن عمر العرضي
هو من ألقيت إليه في كرم الطبع أعنة السلم، فلولا توقد ذهنه لا خضر في يده القلم.
стр. 282
مكانته من الشهرة حيث يستبين للمبصر النهار، وطبعه يتنفس عن المعاني تنفس الروض عن الأزهار.
وله عذب لفظٍ يلفظ الدرر الزواهر، وفي غير هذا العذب لا تتكون الجواهر.
نظم فيوزِّع على العقول سحراً، وينثر فيفرق على الأفواه دُرًّا فهو يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه.
إذا خط في الطرس نم ببدائع الآثار، وأطرب حتى كأن قلمه مضرابٌ وسطوره أوتار. فيجيء من أبكار افكاره، بما يستعير الرحيق السلسل من فضل إسكاره.
وكان دخل الروم مقدراًَ أن المتاع بأرضه يسترخص، وأن المرء يبلغ مناه في أي وجه يشخص.
فلم يحصل على ما يستحقه وفور كماله، فقال يذكر ما لقيه من تخلف آماله: لما ضاقت رقاع بلادي، ونفدت حقيبة زادي.
فوقت سهام الاحتيال، وأجلت قداح الفال.
فكان معلاها السفر، سفينة النجاة والظفر.
طفقت أتوكأ على عصا التسيار، وأقتحم موارد القفار.
أفرى فلاةً يبعد دونها مسى النعى، وألطم خدود الأرض بأيدي المطى.
فكنت فتى قذفته رقة الحال على بريد النوى، واعتنقته الهمة العاقر وألقحت بعزمه لواقح المنى.
أساير عساكر النجوم والأفلاك، وقد ركز الليل رمح السماك.
فأنخت راحلتي بمخيم المجد، وقرارة ماء السعد.
كعبة الأفاضل إلا أنهم يحجون إليها كل آن، وسوق عكاظهم إلا أنها تنصب فيها مصاقع الروم لا مصاقع عدنان.
فلما ألقتني فيها أرجوحة المقادير، فإذا هي فلك العز ومطلع التدبير.
إلا أن حالي تقسمت فيها بين الاغتراب والاضطراب والاكتاساب أثلاثا، فما نزلت منها منازل إلا حسبتها علىَّ أجداثا.
وسقتني الدردى من أول دنها، وسوء العشرة باكورة فنها.
كل هذا وأنا أستلين مس خشونتها، وأسيغها على كدرتها.
وأقول: إذا لم تتمَّ الصدور فستتم العواقب.
وإن لم ترش القوادم فستريش الخاوفي والجوانب.
وكتب إلى حلب لبعض أودائه: وأيم الله لقد طال حديث الفراق واستطال على سلطانه، وقد قرأت كتابه فما سرني خاتمته، بقدر ماساءني عنوانه.
وكلما محت أنامل وشك الملتقى من أسطره سطرا، خطت أقلام ممليه عوضه عشرا.
وكلما استنهضت عزيمتي أقعدتها كلا كل التَّواني، وحالت بينها وبين مخدارت الأماني.
فإلى الهل أرفع يد التضرع، وأذرى في ساحة الدعاء دموع التفجع والتوجع.
أن ينظم ذات البين، ويجدع بحد الاجدتماع مارن البين.
وكتب من تعزية بنقيب أشراف حلب: ما أيقنت أن قسطنطينية هي الجزيرة السودا حتى وقع لدىَّ طير هذا النعى الذي ما زال حامله يلطم خدود الأرض بأيدي المطى.
فياله من خبر حينٍ زاد في مرض القلوب، وشقَّ الأكباد قبل الجيوب.
وقرأت ما كتبته أقلام التفجع بأفواه الجفون، ونثرت عندها عقد شملي المصون.
حيث لم أدخر لسفر هذه الفرقة من زاد، ولا بلَّيت غليلها ببراد.
وأيم الله ما ذكرت لطائم أخلاقه الغر، وحلاوة منطقه الحر.
وقطفه نور الفضائل، وإهداءه باكورة المسائل.
وإحرازه قصب السبق، وثبوت قدمه على جادة الصدق.
وإيواءه لي في حواشي وده الخصيب، وإلباسي كل يوم رداءً لفقده القشيب.
إلا اتقدت عليه حراً، وتأبطت على الحمام شرا.
وأسأل الله تعالى أن يجعل وفاته خاتمة كتاب الرَّزايا، وقافية بيت البلايا.
وأن يقلم ظفر مصابه بأنامل الصبر، ويذيقكم عن مرارة صابه حلاوة الأجر.
ومن شعره في أيام اغترابه، يشتكى من كثرة اضطرابه:
أمَا لأسيرِ الروم فَكٌّ من الأسْرِ ... فقد ملكتْ آرامُها القلبَ بالأسْرِ
بها نثرُ شَمْلِي من ثغورٍٍ تنظَّمتْ ... فيالكَ من نَظْمٍ غدا داعيَ النَّثْرِ
ولا بِدْعَ في أرضِ الثغُورِ شتَاتُنا ... ومَن لي بَلثْمٍ سَدَّ ذَيَّالك الثَّغرِ
يُذكِّرنا رَوْعَ العذارَى بمنْزلٍ ... أجادَ المنازِي وَصْفَه غابرَ الدَّهرِ
إذا همستْ في شُكْرِ غيرِك ألْسُنٌ ... فأنت لك الأسفارُ تُعلِن بالشُّكْرِ
بقيتَ لك العلياءُ تُعْطِى قِيادَها ... بتلك اليدِ البيضاءِ والبِيضِ والسُّمْرِ
وله يتشوق إلى أحبابه، ويحن إلى معاهد صبوته وشبابه:
يا بريدَ الأشواق أوْجِفْ لدارٍ ... هي مُصْطاف لَوْعتي وشبابِي
стр. 283
واختبرْ أُسرةً أراهم بكاسِي ... ما تذكَّرتُهم بطافي الحَبابِ
هل هواهم بنا كما قد عهدْنا ... أم قضى شخصُه بحُبِّ اغْترابِي
فمن اللهِ أسْتعيدُ لِقاهُم ... وله إن جفا الحميمُ احْتسابِي
فهْو عَوْنُ النَّائِي الغريبِ إذا ما ... عَضَّه حادثُ الزمان بنَابِ
وقال:
أحِنُّ إلى شَهْبائنا وقُوَيْقِها ... إذا انْساب منه بالنَّيارِب سَلْسالُ
وأظْمأُ حتى أرْتوِي منه بالَّلمَى ... وألْثَم أرْضاً دونها خَفَقَ الْآلُ
ولم تسْتِمْلني الرومُ شمسُ مُدامِها ... تُدار بكَفِّ البدرِ والمرءُ مَيَّالُ
فماءُ بلادي كان أنْجعَ مشرباً ... ولوأن ماءَ الرومِ صَهْباءُ جِرْيالُ
قويق نهر حلب، أكثر الشعراء من وصفه، فمن وصفه الخطيب أبو عبد الله محمد بن حرب، في قوله:
لقد طُفْتُ في الآفاقِ شرقاً ومغرِبا ... وقلَّبتُ طَرْفي بينها مُتقلّبا
فلم أرَ كالشَّهْباءِ في الأرض منزلاً ... ولا كقُوَيقٍ في المَشارب مَشْربا
وللصنوبري فيه:
قُوَيقٌ إذا شمَّ ريحَ الشِّتا ... ءِ أظهرَ تيهاً وكِبْراً عجيبَا
وناسَب دجْلةَ والنِّيلَ وال ... فُراتَ بهاءً وحسناً وطِيبَا
وإن أقبَل الصيفُ أبصرْتَه ... ذليلاً حقيراً حزينا كئيبَا
إذا ما الضفادعُ ناديْنَه ... قُوَيْقُ قُوَيْقُ أبَى أن يُجِيبَا
وتمْشِي الجرادةُ فيه فلا ... تكادُ قوائمها أن تغيبَا
وله فيه:
قُوَيْقٌ على الصفراء رُكِّب طبعُه ... رَباه بهذا شُهدُه وحدائقُهْ
فإن جَدَّ جِدُّ الصيفِ غادر جسمَه ... ضئيلاً ولكنَّ الشتاءَ يوافقُهْ
وله فيه، من قصيدة:
هو الماءُ إن يوصَفْ بكُنهِ صفاتِه ... فللْماء إغْضاءٌ لديه وإطْراقُ
ففي اللون بَلُّورٌ وفي اللَّمْعِ لُؤْلُؤٌ ... وفي الطِّيبِ قنْديدٌ وفي النَّفع دِرْياقُ
إذا عبثتْ أيْدي النسيم بوجْهِه ... وقد لاح وجهٌ منه أبيضُ بَرَّاقُ
فطوراً عليه منه دَرَق خفيفةٌ ... وطوراً عليه جَوْشَنٌ منه رَقْراقُ
وقد عابه قومٌ وكلهمُ له ... لى ما تعاطَوْه من العيْب عُشَّاقُ
وقالوا ألبس الصيفُ يُبْلى لِباسَه ... فقلتُ الفتى في الصيفِ يُقْنعه طَاقُ
وما الصبْح إلاّ آيِبٌ ثم غائبٌ ... تُوارِيه آفاقٌ وتُبديه آفاقُ
ولا البدرُ إلا زائدٌ ثم ناقِصٌ ... له في تَمام الشهرِ حَبْسٌ وإطلاقُ
ولو لم تَطاولْ غَيْبةُ الوردِ لم تَتُقْ ... إليه قلوبٌ تأئقاتٌ وأحداقُ
ولو دام في الحبِّ الوصالُ ولم يكنْ ... فِراقٌ ولا هجرٌ لما اشْتاق مشتاقُ
وفضْل الغنى لا يسْتبينُ لدَى الغِنَى ... إذا لم يكنْ في ذلك الفضلِ إمْلاقُ
قُوَيْقٌ رَسِيلُ الغيثِ بأتي وينْقضي ... ويأتي انْسياقاً تارةً ثم ينْساقُ
وللعرضي من مكاتبة:
هل من خليلٍ بشَهْبانَا نُخَالِلُهُ ... وهل غزالٌ إذا عُدْنا نُغازِلُهُ
عهدْتُها وشموسُ الرَّاحِ جاء بها ... بدرُ التَّمام وغصنُ الْبان حاملُهُ
إن ماسَ من وَلَهٍ وَاذُلَّ عاشقِه ... حتى م يفْنَى إذا ما اهْتزَّ عاملُهُ
تُرَى إذا ما قرعْنا باب ساحتِه ... يُولِي الجميلَ وإلاَّ خاب آملُهُ
وهل نَوَدُّ فتى شطَّتْ منازلُه ... ورَبْعُه قد خلا والبَيْن منازلُهُ
ما حِيلتي وطُروق البَيْن أقْلقني ... كأنَّ عيْشا مضى ما زال زائلُهُ
طال الفِراقُ فلا وافٍ يُراسِلنا ... على البِعاد ولا آتٍ نُسائلُهُ
وله:
هم القومُ إن بانُوا عن العينِ أوبانُوا ... بهم رَبْعُ قلبي آهلٌ حيث ما كانُوا
стр. 284
أنقِّلهُم من منزلٍ بعد منزلٍ ... ولولا انْتضاءُ السيفِ أصْداه أجْفانُ
فطوْراً جعلتُ العينَ وادِي عقِيقهمْ ... إذا سال منها بالمَدامع طُوفانُ
وطوراً لهم قلبي الغَضَا ما تضرَّمت ... بتَذْكار عيشٍ لمْ يدُم ليَ نِيرانُ
لئن فات عيني منهمُ اليوم بَهْجةٌ ... فقد ملأتْ دارَ الأحاديث آذانُ
وكم من مُحِبٍّ لم يشاهدْحبيبَه ... كما تُعْشَق الجنَّاتُ روضٌ وأفْنانُ
أُؤَجِّج في الأحْشاء نارَ القِرَى عسى ... على ضوئِها تعْشُو من الطَّيْفِ ضِيفانُ
فرشْتُ له جَفْناً بطائفة الكرَى ... وأين الكرَى هيهات قَوْليَ بُهتانُ
فما الطيفُ إلا البدر والنومُ فكرتي ... فها أنا يقظانٌ وها أنا وَسْنانُ
أمولايَ يا هذا الصَّلاحي الذي به ... صَلاحُ وِدادٍ قد وهَى عنه ثَهْلانُ
لئن ظمئتْ عيين إلى مَنْهَلِ اللِّقا ... فقلبي برَيّاً ذكرِك اليومَ رَيَّانُ
ومن غرر قصادءئه في إبداء التشوق، قوله:
على أثَلات الوادِيَيْن سلامُ ... وبعضُ تَحايا الزائرين غَرامُ
تذكَّرتُ أيامي بها وأحبَّتي ... إذا العيشُ غَضٌّ والزمان غلامُ
وإلْمامتي بالحيِّ حيثُ تواجهَتْ ... قصورٌ وأكْنافُ الحمَى وخيامُ
أُلامُ على هِجْرانهم وهمُ المنَى ... وكيف يُقيمُ الحرُّ وهْو يُضامُ
همُ شرَعوا أنَّ الجفاءَ مُحلَّلٌ ... وهم حكموا أن الوفاءَ حرامُ
بقلبيَ رَوْحٌ منهمُ وضَمانةٌ ... وعنديَ بُرْءٌ منهم وسَقامُ
وأبْلحَ أمَّا وجهُه حين يُجْتَلي ... فشمسٌ واما كفُّه فغَمامُ
جرى طائري منه سَنِيحاً فعلَّني ... بدَرِّ أيادٍ مالهُنَّ فِطامُ
شَرَدْتُ عليه غيرَ جاحدِ نعمةٍ ... أُكلَّفُ خَسْفا بعده وأُسامُ
وقد يُسلَب الرأيُ الفتى وهْو حازمٌ ... وينْبُو غَرارُ السيفِ وهْو حسامُ
فقد وجد الواشون سُوقا ونفَّقوا ... بضائع زودى مالهُنَّ دَوامُ
وبعضُ كلام القائلين تزيُّدٌ ... وبعضُ قبول السامعين أَثامُ
فأصبح شَمْلُ الأُنْس وهْو مُبدَّدٌ ... لديه وحبلُ القُرْب وهْو زِمامُ
يُقَرِّب دوني من شَهِدتُ وغيَّبوا ... ويُوصِل قبلي من سهِرتُ ونامُوا
تزاوَر حتى ما يُرجَّى الْتفاتَهً ... وأعْرَض حتتى ما يَرُدُّ سلامُ
فلا عَطْفَ إلاَّ لَحْظَةٌ وتنكُّرٌ ... ولا رّدَّ إلا ضَجرةٌ وسَآمُ
فإن يكٌ رأيٌ زَلَّ أو قدَرٌ جرى ... بنازِلةٍ فيها عليَّ سلامُ
فواللهِ ما فرَّقتُ فيك جنايةً ... أُعابُ بها في جَحْفَلٍ وأُذامُ
ولا قَرَّ لي بعد التفرُّق مَضْجَعٌ ... ولا طابَ لي بعد الرَّحيلِ مُقامُ
ولا ليَ إلَّا في ولائك مَسْرَحٌ ... ولا ليَ إلَّا في هواك مَسَامُ
وإن أكُ قد فارقتُ دارَك طائعاً ... فللدهرِ في شَتِّ الجميع غَرامُ
فقَبْلِيَ ما خلَّى عليّاً شقيقُه ... وقرَّ بِه بعد العِراق شآمُ
حياءً فإن الصفحَ فيه مَغَبَّةٌ ... ومَعْذرةٌ إن الكرامَ كِرامُ
أَلِمْنا وأعْذرْتم فإن تبْلُغِ المَدَى ... من العَتْب نُعْذَر دونكم ونُلامُ
وأحسنتُم بَدْءًا فهلَّا أعدتمُ ... ففي العَوْد للفضلِ الجميل تَمامُ
стр. 285
أُجِلُّك أن ألْقاك بالعُذْر صادقاً ... وبعض اعْتذار المُذْنبين خِصامُ
أتبْعُد حتى ليس في البُعد مَطْمَعُ ... وتُعْرِض حتى ما تكاد تُرامُ
وتنْسى حقوقي عند أوَّل زَلَّةٍ ... وأنت لأهل المَكْرُمات إمامُ
ألم ألْقَ فيك الأسْرَ وهْو مُبَرِّحٌ ... وألْتذُّ طعمَ الموت وهْو زُؤَامُ
وأخْطو سوادَ الليل وهْو جَحافلٌ ... وأرْعَى نجومَ الأُفْق وهْيَ سِهامُ
هو الذنبُ بين العفو والسيفِ فاحْتكمْ ... بما شئتَ لا يعلو بفضْلك ذَامُ
ولا تَبْلُني بالبُعد عنك فإنما ... حياتيَ إلَّا في ذَراك حِمامُ
إذا ما جَزْيتَ السُّوءَ بالسُّوءِ لم يكنْ ... لفضلِك بين الأكْرمين مَقامُ
أعِدْ نظراً في حالتِي تَلْقَ باطنا ... سَلِيماً وسِرِّى ما عليه قَتَامُ
فمثلُك لم تْغِلب عوائدُ سُخْطِه ... رِضاه ولم يْبعُد عليه مَرامُ
فلا تُنْكرَنْ فيما تسَخَّطتَ ساعةً ... فقد مَرَّ عامٌ في رِضاك وعامُ
وإن عَزَّ ما أرْجوه منك فإنني ... لينفعني تسْليمةٌ ولَمامُ
فلا تُشِعرَنِّي غِرَّة اليأْسِ إنما ... أمامي وراءٌ والوراءُ أمامُ
أترْضى لفضْلِي أن يضيعَ ذِمامُه ... ومثلُك لم يُحْقَر لديه ذِمامُ
ومن بدائعه قوله في قسطنطينية:
تأوَّب مُخْتبِطاً للكرَمْ ... خيالٌ ألَمَّ شكا من ألَمْ
ديارٌ يخِرُّ لديها الخليجُ ... وتنْسَى المحاسنَ فيها إرَمْ
تعَدَّى العواصمَ ثم الدُّروبَ ... وكم ضَال في ضَالِها والعَلْم
يؤُمُّ الجزيرةَ دارَ العلوم ... ودَسْتَ المُلوك ومَرْعَى الهِمَمْ
أُسائِلُه لِمْ قرعْتَ الثغورَ ... وقَرْعُ الثغورِ دليلُ النَّدَمْ
وأُنْموذَج من جِنان النعيمِ ... لقد عجَّل الله فيها النِّعَمْ
وعلق بها فتى من بني زرقا العمامة، بصير بأسباب التبريح بصر زرقاء اليمامة.
عقد على أدق من الوهم الزنار، وألقى قلب هذا الموحد من شغفه بالنار.
فملأ من خمرة وجده كؤوسا لم يدن منهاعكر اللوم، ولم يبق قدحٌ في عهده إلا تطفح سوى هلال شهر رمضان.
واستمر يعاني ولوعة، ويطوى على يدي الصبابة ضلوعه.
إلى أن هلك الغلام، فقرأه بعده على العشق السلام.
فمما قاله فيه، من قصيدة:
وعصرٍ بقُسطَنْطينيَّةٍ قد قطعتُه ... على وَفْق ما قد كان في النفس والصدرِ
يميني بها كراسةٌ أجْتَلى بها ... علوماً لقد زاوَلْتُها غابِرَ الدهرِ
أُحرِّر منها في الطُّروسِ بدائعاً ... فأملا صدورَ القوم في الوِرْد والصَّدرِ
وطَوْراً أُحَلِّى من زمانيَ عاطلاً ... بِعِقْد نِظامٍ صاغَه صائغُ الفِكْرِ
مَعانٍ إذا ما صُرَّ دُرَّ وَعَى لها ... تراه بِصُرَّ راح وهْو بلا دُرّ
أُضمِّنها سَلْوى الحزين ورُقْيةَ السَّ ... ليمِ ومأخوذٌ من اللِّحظ بالسِّحْرِ
وكفُّ شِمالي للشَّمُول يَنابِعٌ ... إذا احْتشَّها الساقي أذاعتْ له سِرِّى
من العبْقرييِّن الذين تحمَّلوا ... نَقَا كَلْكَلِ الزُّنَّارِ فوق وَهَي الخَصْرِ
إذا اعْتمَّ زرقاءَ اليمامةِ خِلْتَها ... سماءً بها قد لاح نُورسَنا البدرِ
وإن قام بين الشَّرْب خلْتَ قَوامَه ... قَنَا ألفٍ قامت على وسَط السَّطْرِ
وإن أَتْرَع الكاساتِ خلْتَ يمينَه ... لُجَيْنا تُحلِّيها مَقامعُ من تِبْرِ
وإن نظرتْه العينُ نظرةَ ذي الهوى ... سقاني بكأسِ العين خمراً على خمرِ
стр. 286
وأدْجُو بليلٍ من ذوائبِ شعرِه ... فيا رَبِّ هل في لَثْمتي الثَّغْرَ من فُجْرِ
أفكِّر في يوم النوى ليلةَ اللِّقا ... فأذْرِى دماءَ العين من حيث لا أدْرِى
فأمْسَحُ في كافورةِ الجيد مُقْلتي ... عسى أنّ بالكافور دمعِيَ لا يجرِي
فما زال في ثَوْبِ الخلاعِة ظاهرِي ... وقلبي بذكْرِ الله يفتَرُّ عن دُرِّ
إلى أن قذفْتُ الشِّرْك عن صَفْو خاطرِي ... كما تُقذَف الأدْناسُ عن لُجُّةِ البحرِ
وقال فيه، بعد ما هلك:
ألا قُل لقُسْطْنطينيَّة الرُّوم إنني ... أُعادِي لقُسْطنطين اسْمَك والرَّسْمَا
لقد غيَّبْته في الثرى غير واجدٍ ... مُحِبًّا يُفاديه الحُشاشة والجِسْما
وقد تركتْني ساهرَ الطَّرْف بعده ... مُشتَّتَ شَمْلِ البالِ أرْتِقب النَّجْمَا
سأهجُر فيه خُلة الكأْسِ والهوى ... وأجْتنبُ اللَّذَاتِ أن عُدْن لي خَصْما
ولما خلص من هواه، وقفل من الروم إلى أرض مثواه.
محض أشعاره إلى التوسل والتشفع، وسمت همته إلى التنصل عن المدح والترفع.
فمما قاله في غضون ذلك، من نبوية:
ما زلتُ حَسَّاناً له ولبيْته ... ولصَخْرِ ذاك البيتِ كالخنْساءِ
أبْكي العقيقَ وساكنِيه وليْتني ... كنتُ المُخضَّب دونهم بدماءِ
وله، من مقصورة:
ومُذ نشرتْ صفحةُ البيد سُرَى ... رسمَتْ بالمنَسْمِ واواً للنَّوَى
وله:
قد ألِفْتُ لهموم لمَّا تجافتْ ... عن وِصالي الأفراحُ وازدَدْتُ كُرْبَهْ
فديارُ الهمومِ أوطانِيَ الغُرُّ ... ودارُ الأفراح لي دارُ غُرْبَهْ
وله:
لئن سلَبوني لُؤْلؤاً كنتُ صُنْتُه ... بأصْدافِ فكري لم يثقِّبْه ثاقبُهْ
وإن غلبتْني الأغنياء وطيَّشَتْ ... سِهامي وعيشى كان صَفْواً مشارِبُهْ
فللهِ قوسٌ لا يَطيشُ سهامُها ... ولله سيفٌ ليس تنْبُو مَضارِبُهْ
وله:
وجَنَّةٍ كالشقيق مِرآتُها اليومْ ... مَ صفَتْ من قَذاةِ عين الرَّقيبِ
خُضِّبتْ من دَم القلوب فما تُبْ ... صَرُ إلاَّ تعلَّقتْ بالقلوبِ
وله:
الصخرُ رقَّ لحالتي ياذا الفتى ... مذ صرتُ خنساءَ وقلبي قد عَتَا
يا أيها الرِّيمُ الذي ألْحاظُه ... سلَّتْ على العُشّاقِ سيفا مُصْلَتَا
كم ذا أُعانِي فيك أهْواءً وكمْ ... أصْلَى بنيرانِ الهوى وإلى متَى
الله أعلمُ لم أبُحْ بهواكمُ ... لكنما العينانِ فيما نَمَّتَا
أتُرَى زماناً مَرَّ حُلْواً بالحمى ... هو عائدٌ والعيشُ غضٌّ ثَمَّتَا
ما كان في ظنِّي الفِراقُ وإِنما ... قاضي الغرام عليَّ ذلك أثْبتَا
كم ليلةٍ للوصلِ قرَّبتِ الكرَى ... عطَس الصَّباحُ ولم أُجِبْه مُشِّمتَا
وعلى الذي نطَق الكتابُ بمدْحِه ... وأتى الخطابُ له بسُورةِ هل أتَى
منِّى صلاةٌ أجْتني نُوَّارَها ... من جَنَّةٍ عينايَ فيها نَمَّتَا
وله:
إنِ يغِب كلُّ صاحبٍ وصديقٍ ... والرَّزايا بساحتيك أنابَتْ
فاسْتمِدَّنَّ رَوْحَ رُوحِ نَبيٍّ ... إنَّ رُوح النبيِّ ما قطُّ غَابَتْ
وله، في موشم:
أفْدِى غزالاً تعرَّى من ملابسِه ... والجسمُ من ترَفٍ أضْحى كفَا لُوذَجْ
كأنَّه وطِرازُ الوشمِ دارَ به ... جسمٌ من الدُّرِّ فيه نَقْشُ فَيْرُوزَجْ
وله، في صائغ:
وشادِنٍ صائغ هام الفؤادُ به ... وحبُّه في سُوَيْدا القلب قد رسَخَا
ياليْتني كنتُ مِنْفاخاً على فَمِه ... حتى أُقِّبل فَاهُ كلما نفخَا
وله:
رَيْحانُ خدِّك ناسخٌ ... ما خَطَّ ياقوتُ الخدُودْ
وقَع الغبارُ بها كما ... وقَع الغبارُ على الورُودْ
وله في الدخان:
стр. 287
كأن قُضْباننا وأرْؤُسَها ... تُشَبُّ نيرانُها من الوَقْدِ
سُمْرُ القَنا بالدِّما مُعَّممةً ... أو أنَّها مثلُ أغْصُنْ الوَرْدِ
وله في حامل قنديل:
وشادنٍ جاء والقِنْديلُ في يدِه ... ما بْيننا وظلامُ الليلِ مُعتكِرُ
كأنه فلَكٌ والماءُ فيه سمَا ... والنارُ شمسٌ به والحاملُ القمرُ
وله:
وقالوا تركْتَ الشعرَ فيمن تُحِبُّه ... ولم تخْترعْ معنىً قديماً ولا بِكْراَ
فقلت تجلَّى بعضُ أنْوارِ حُسْنِه ... على طُوِر أحْشائي فأحْرقتِ الفِكْرَا
وله:
طويتُ رُقْعة حالي عن شِكايتِها ... وقد سكنتُ زوايا الفَقْرِ والباسِ
وقد قطعتُ حِبالى عن رجَا بَشرٍ ... مُعوِّضاً بسهام الموتِ والياسِ
حِيناً يجود وأحْياناً تُبخِّلُه ... خلائقٌ أوْحشتْه غِبَّ إيناسِ
وقد لَجأْتُ إلى مَوْلًى أرَى ثقتي ... بفضْله نسخَتْ أحكامْ وَسْواسِي
هو النَّصِير لعبدٍ لا نَصِيَر له ... ترْميه بالهُون ظُلْما أعُينُ الناسِ
وله:
أسْتوْدعُ اللهَ بدراً لا أُودِّعُه ... كيْلا يَنمَّ إلى واشِيه أدَمُعُهُ
ولو بكى لم يكنْ ذاك البُكا أسَفاً ... إذ لم تدعْ بيَد التَّفريق أضلعُهُ
وإنَّما هو يسْقِى سيفَ ناظرِه ... كيْما يُعجِّل للمشتاقِ مَصْرعُهُ
أفْدِيه من راحلٍ أتْبعْتُه نفسا ... ومُقْلةً لم تزلْ دوني تُشيِّعُهُ
وامتدح بعض الأدباء بقوله:
أبداً أناضِلُ فيك أفْراسَ المُنى ... وأصونُ أوقاتي عن التَّفْريقِ
وأظنُّ أن الدهرَ ليس بمُوحشِى ... وبأنه ببنِيه خيرُ رَفُوقِ
لكنَّ للأيام حكماً جائراً ... أمْضَى شَباً من صارِم مطروقِ
يا صَيقْلَ الفكرِ الكليلِ ورَوْنَقْ الْ ... عمرِ القصيرِ وزَوْرةَ المعشوقِ
انْتَشْتنى من بعد عَوْمِى في الرَّدَى ... وتقُّلبِي والنارُ دون حريقِيِ
أُمْسِى كما يُمسِى السليمُ مُسهَّداً ... لا بالطَّليق أُرَى ولا المْوثُوقِ
شَوقى إليك وإن تقارب عهدُنا ... شوقىِ إلى عهدِ الشَّبابِ الرُّوقِ
وله أيضاً:
روضةٌ كالشباب شوقٌ ورُوقُ ... كم بها للنسيم ذيلٌ رقيقُ
ما سقاها السحابُ إلَّا وبَثَّ الشُّ ... كرَ عنها بَنَفْسَجٌ وشَقِيقُ
كلَّما انْحَلَّ للسحائب خيْطٌ ... عاد للروض منه نسجٌ أنِيقُ
نثرتْ عَسْجَد الأصيلِ عليها ... راحةُ الشمسِ يْعتريها خُفوقُ
كم ركَضْنا فيها بخَيل الملاهِي ... يوم ماشَتَّ للفريق فريقُ
وخطيبُ الأطْيار قام بسُوق الْ ... أُنْسِ يشْدو وعيشُنا مَرموقُ
ورياض الحِياضِ طاب وقد دَبَّ ... عِذارٌ من الظِّلال يَرُوقُ
ومن رباعيَّاته:
يا بدرَ مَلامةٍ له البدرُ شقيقْ ... القلبُ وحرمِة الهوى منك شقِيقْ
عهدي بجَنَى خَدِّك ورداً فلما ... قد عاد بلحْظِي ذلك الوردُ شقِيقْ
ومن بدائعه قوله:
تلك الثَّنايا وَاشقائي بها ... باتتْ تُريني عند لَثْمِي الطَّرِيقْ
تبدَّدتْ من غَيْرةٍ عندها ... سبُحْةُ دُرٍّ نُظِّمتْ من عَقِيقْ
من هذا قول العز البغدادي:
أشِّبه الثغرَ على خالِه ... تشْبيهَ من لا عنده شَكُّ
بسُبْحةٍ من جوهر أُودعتْ ... حُقَّ عقيقٍ خَتْمُه المِسْكُ
وله:
للهِ يا عصرَ الهوى والصِّبا ... ما كان أهْناكَ وأحْلاكَا
إذ فيك ليلَ الخَيْف رَيْحانهٌ ... أشَتمُّها في ظلِّ مَمْساكَا
تمسَّك الليلُ بأذْيالنا ... حتى حسبتُ الليلَ لَيْلاكَا
стр. 288
وله في السيد أحمد بن النقيب:
من مبلِغٍ عني الشِّهابِي أحمدَا ... نجلَ النقيب الشامخ المتعالِي
لا تفخَرنَّ عليك بعدُ بقَّيةً ... من لم تنلْها لستَ بالمِفْضالِ
المرءُ يكرَع عن مَناهلِ خالِه ... وشرابُ آلَا كالسَّرابِ الْآلِ
للهِ قاضي عصرِك العَدْلِ الذي ... أعطاك خالاً ثم صاحبَ خالِ
فبقدْر ما تهْواه من ذِي الخال قد ... أُعْطيت عكسَ هَواك عند الخالِ
وله:
وحقِّك للا أن جُودَك ماطرٌ ... لما أخْصَبتْ بالبِشْرِ روضةُ آمالِي
وإنِّيَ عبدٌ وابنُ عبدٍ لديك في ... عُبوديَّتي قد فُزْت بالنَّسَب العالِي
وقد أقبَلَتْ نحوى الصروفُ بجيْشها ... فقابَلها شُجعانُ صبري وإقْلالِي
صروفٌ أمانيها المَنايا فلم تُرَعْ ... بصبرِي ولم ترجِعْ بعجْزي وإذْلالِي
فأدْرك بألْطافٍ بقيَّةَ مُهجةٍ ... أليفةِ بَلْبالٍ حليفةِ أهوالِ
فلى فيك ما يُحيْى ظنُونَ خُطورُها ... على البالِ يُحيى مَيْتَ عِزِّى وإقْبالِي
عسى عَطْفةٌ أنِّي أفوزُ بسَعْدِها ... ومِن فوق هام الفخرِ أسحبُ أذْيالِي
وله:
إن خالَ الحبيب ممَّا شَجانِي ... وعَنانِي به الأسَى والمَلالُ
قلتُ إذْ طاب نَكْهةً وسَواداً ... قُمْ أرحْنا بقُبلةٍ يا بِلالُ
وله:
خُلِقتُ مَلُولا لو يطول بيَ الصِّبا ... تلقَّيتُ شْيْبي ضاحكَ السِّنِّ باسمَا
ولو لم أُرَجِّ الموتَ في كل ساعةٍ ... لقضَّيتُ هذا العمرَ ثَكْلانَ واجِما
ولولا انْحطاطِي تارةً وترفُّعي ... لما طلبتْ نفْسي العلى والمَكارمَا
فمالي صديقٌ ترْتضيه صداقتي ... ولا لي عدوٌّ أتَّقيه المَظالمَا
فطوْراً جعلتُ الأصدقاءَ أعادِياً ... وطوراً عدوِّي أرْتضِيه مُسالمَا
ولا لي على حالٍ قَرارٌ ولا بَقَا ... وكيف وبي التَّبْديلُ أصبح قائمَا
منها:
أُشاهد هذا الخلقَ مثلَ سفينةٍ ... وسَفَّانُها المولى تبارَك دائمَا
فمن شاء يُنْجيه إلى ساحلِ البَقَا ... ومن شاء يُلْقيه فيصبحُ عائمَا
كذا قُرْعةُ الأقدار قد حكَمتْ به ج ... فلا تقترحْ شيئاً فما أنتَ قاسمَا
فمُتْ مَوْتةً بالإخْتيار وَجَرِّدَنْ ... ثيابَ السِّوى إن كنت بالله عالمَا
وكُن للقَضا كالمَيْتِ في يدِ غاسلٍ ... عساك من الأدْناسِ تظهر سالمَا
ولا تَقْفُ قُطَّاع الطريق إلى الهدى ... فتصبحَ في تِيِه الضلالةِ هائمَا
وله في أرمد:
ذاك الذي طَلَّتْ دمي عينُه ... وراح يُسَّمى أرمدَ الإسْمِ
لمَّا رآني لدَمِي ثائراً ... عَصَّبها بالمِطرَفِ المُعْلَمِ
قولُوا له يكشفُ عن عيْنه ... فإنَّ فيها نُقَطاً من دمِي
وله:
وجهُه كعبةُ حُسْنٍ ... ولَماه ماءُ زمزمْ
خِلْتُ ذاك الخالَ منه ... حجرَ الأسْود ِيُلْثَمْ
ورأيت بخطه: ومما نسجته في حلية من نسج عليه العنكبوت، من حليته الشريفة، وهو مثبوت:
اسمعْ حِلْية النبيِّ المُكنَّى ... من لَآلٍ فرائدٍ ذاتِ معنَى
أبيضُ اللون أنُفه كان أقْنَى ... ذو جبينٍ طَلْقٍ وأفْرَقُ سِنَّا
خافضُ الطَّرْفِ هيبةً وحياءً ... وله حاجبٌ أزَجُّ مُثنَّى
وكثيفُ الِّلحَى مُجمَّع شَعْرٍ ... أسودُ العين كاسِرٌ لك جَفْنَا
هُدْبُ عيْنيْه مثلُ أقْدام نَسْرٍ ... وله راحةٌ غدتْ وهْي تُثْنَى
مثل ما رَقَّ أُنْمُلا رَقَّ قلباً ... مثل ما طال أيْدِياً طال مَنَّا
يالَسطرٍ من فوق مُهْرَقِ صَدْرٍ ... من شُعورٍ كالخَزِّ لِيناً وحُسْنَا
стр. 289
إن يسرْ سار جملةً كانْحطاطٍ ... من عُلُوٍّ يجوز رُكْنا فركنَا
كاملُ القَدِّ لم يُسايرْه قِرْنٌ ... في مَقامٍ إلَّا وقد طال قِرْناً
وإذا رام منطقَ القوْ ... لِ بثَغْرٍ فيُوزن اللفظَ وَزْنَا
دائمُ الفكرِ مظهرٌ لسرورٍ ... في مُحيَّاه وهْو يكتمُ حُزْنَا
فعليه الصلاةُ كلَّ مساءٍ ... وصباحٍ ما صيِغَ في القول مَعنَى
وله في شريف، يدعى بالحسن:
في دَعَةِ الله إن ظعْنت وخلَّفْ ... تُ شريفاً يا ليته ظَعَنَا
فرَّق بيني وبينه زمنٌ ... لَا يْنتُه وهْو لم يزل خشِنَا
لا أبصرتْ مُقلتي محاسنُه ... إن كنتُ أبصرتُ بعده حَسَنَا
وله مضمنا بيت الفرزدق، وقد نسخه عن معناه الأول، وجعله في الدخان:
وظبي غريرٍ بات عصْراً مؤانسِي ... وليس سِواه من جليسٍ ونُدْمانِ
فقد أصبح الغلْيونُ قائد جوهرٍ ... بِثغْرٍ له يحكى عقودَ جُمانِ
يقودُ ليَ الرِّيقَ البُرادَ الذي به ... غدتْ تنْطفِي لَوْعاتُ قلبي ونيِرانِي
وأُضْرِمه حيناً بنار حُشاشتي ... فللهِ من ضِدَّيْن يعْتلجانِ
وبتُّ أفدِّي الزَّادَ بينى يوبينه ... على ضوء نارٍ بيْننا ودُخانِ
ومن بدائعه قوله:
وَبْلاه من جيدٍ كماءِ الحياهْ ... حَفَّ به زِيقٌُ كشَطِّ الفُراهْ
كأنما أطْواقُه حولَه ... فَوَّارةٌ تُمطرُ ماءَ الحياهْ
وقوله في القهوة، مضمنا بيت المتنبي في مدح كافور:
برُوحِي غزالٌ راح يُتْرِع قهوةً ... براحتِه البيْضاءِ تحكْي الغواليَا
فقرَّتْ به عينٌ تُطالع وجْهَه ... وثَغْرُ ثَناياه نُظِمْنَ لَآليَا
فأحْبِبْ بها سوداءَ مِسْكيَّةَ الشَّذَا ... ولولا سوادُ المِسْك ما كان غاليَا
لقد نظَمْت شَمْلَ المُحبِّ بِحبِهِّ ... وأنْسَتْ بياضَ الماء مَن كان صَادِيَا
فجاءتْ بنا إنْسانَ عين زمانِه ... وخلَّتْ بياضاً خلفها ومآقِيَا
وقوله:
قيل لي كم ولِمْ تُرى تَتمادَى ... في الهوى والطريقُ وَعْرٌ قَصِيُّ
قلتُ ظنِّي بالله ظنٌّ جميلٌ ... وبخْير الأنام جَدِّى علىُّ
إن لله رحمةً تسَعُ الخَلْ ... قَ جميعا فمَن هو العُرْضِيُّ
فتح الله بن النحاس
أنا لا أجد عبارة تفي في حقه بالمدح، فأرسلت اليراع وما يأتي به على الفتح.
وناهيك بشاعر لم يطن مثل شعره في أذن الزمان، وساحرٍ إذا أشربت كلماته العقول استغنت عن الكؤوس والندمان.
سهام أفكاره تفك الزَّرد، وكنانة آرائه تجمع ما شت وشرد.
فهو للمعاني الباهرة مخترع، وآت منها بأشياء لم يكن بابها قرع.
وباب الفتح لم يغلق، وكم في خزائن الغيب من أشياء لم تخلق.
فسارت بأشعاره الصبا والقبول، وصادفت من الناس مواقع القبول.
كأنها نفس الرَّيحان المبتل، يمزجه بأنفاس النَّور نسيم الروض المعتل.
أسْرَى وأسْيَرُ في الآفاق من قَمرٍ ... ومن نسيمٍ ومن طيْفٍ ومن مَثَلِ
وقد اثبت من متخيات قصائده، وأدبه الذي علقت القلوب في مصائده.
ما لم يتغن بمثل خبره الحادي والملاح، ولم تزه بأحسن من وصفه قدود الحسان وخدود الملاح.
قال البديعي في وصفه، وذكر ابتداء أمره وإيراد لمع من نثره وشعره: نشأ في الشهباء ووجه نسخة البدر في إشراقه، يناجي العاذل عن عذر عشاقه.
وهناك ما شئت من منظر عجيب، ومنطق أريب.
كأن الجمال ملكه رقه، ولم ير غيره من استحقه.
وهو مع تفرده بالحسن، ولوع بالتجني وسوء الظن.
بصير بأسباب العتب، يبيت على سلم ويغدو على حرب.
كم متيمٍ في حبه رعى النجم فرقاً من الهجر، لو رعاه زهادةً لأدرك ليلة القدر.
بخيل بنزر الكلام، يضن حتى برد السلام، لا يطمع الدنف بمرضاته ولو في المنام.
وأبناء الغرام يومئذ يفدونه، ويرون كل حسن دونه.
ومُذ بدا العارضُ في خدِّه ... بُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
стр. 290
كأنما العارِضُ لمَّا بدا ... قد صار للحسن جناحاً فطارْ
ونسخت آية جماله، وكسفت آية هلاله، وحال ذلك البها عن حاله.
وصار ضياء محاسنه ظلاماً، وعقيان ملاحته رغاما.
لو فكَّر العاشقُ في مُنتهى ... حسنِ الذي يسْبيه لم يسْبِهِ
ولما بطل سحر هاروت أحداقه، وفكت الأفئدة من وثاقه.
عطف على محبيه يستمد ودادهم، ويستقى عهادهم.
وكان شأنه مع الجميع، شأن الفضل بن الربيع.
فاندرج في مقولة الكيف، وعلم أن المحاسن سحابة الصيف.
وأصبح عبير وحده، وصده من ريع بصده.
وجعل زي الزُّهاد شعاره، واتخذ من الشعر صداره.
حداداً على وفاة حسنه البهيج، وفوات جماله الأريج.
وما زال يرثى أيام أنسه، وينعى ما يتعاطاه من الكيف على نفسسه.
حتى ضاق نطاق حضيرته، ومل الإقامة بين عشيرته.
فأعطى عنانه ليد البعاد، وامتطى غارب الإتهام والإنجاد.
كأنَّ به ضِغنا على كلِّ جانبٍ ... من الأرض أو شوقاً إلى كلِّ جانبِ
إلى أن بلغه الله غاية المأمول، ووفقه بأن استوطن مدينة الرسول.
وأقام بجوار الشفيع، إلى أن غيبه بقاع البقيع.
وفي كثرة أسفاره يقول:
أنا التاركُ الأوطانَ والنازحُ الذي ... تتبَّع ركبَ العشقِ في زِيِّ قائفِ
وما زلتُ أطوِى نَفْنَفاً بعد نَفْنَفٍ ... كأنِّيَ مخلوقٌ لِطَيِّ النَّفانفِ
فلا تعذِلوني إن رأيتم كتابتي ... بكلِّ مكان حلَّه كلُّ طائفِ
لعل الذي بايَنْتُ عيشِى لبَيْنِه ... وأفْنيْتُ فيه تالِدِي ثم طارِفِي
تكلِّفه الأيامُ أرضاً حَلْلتُها ... ألا إنما الأيامُ طَوْقُ التكالُفِ
فيُملي عليه الدهرُ ما قد كتبتُه ... فيعطِف نحوي غصن تلك المعاطِف
ومن بدائعه قصيدة ينعى بها نفسه على أكل الأفيون، ويتأسف على ماضي حسنه:
مَن يُدخِل الأفيونَ بيت لَهاتِه ... فْلُيْلق بين يديْه نْقدَ حياتِهِ
وإذا سمعتم بامرئٍ شرِب الرَّدَى ... عَزُّوه بعد حياته بمماتِهِ
لو يا بُثَيْنُ رأيتِ صَبِّك قبل ما ال ... أفيون أنحْلَه وحلَّ بذاتِهِ
في مثل عمرِ البدر يرْتَع في ريا ... ضِ الزَّهْوِ مثل الظَّبْيِ في لَفَتاتِهِ
من فوق خدِّ الدهر يسحب ذيلَ ثو ... بِ مُناه أنَّى شاء وهْو مُواتِهِ
وتراه إن عبَث النسيم بقَدِّه ... يْنقدُّ شَرْوَى الغُصْنِ في حركاتِهِ
وإذا مشى تِيهاً على عُشَّاقه ... تتقطَّر الآجالُ من خَطَراتِهِ
يرْنُو فيفعلُ ما يشاء كأنما ... ملَكُ المَنَّية صال مِن لَحَظاتِهِ
لرأيتِ شخصَ الحسنِ في مِرآتِهِ ... ودفعْتِ بدرَ التِّمِّ عن عَتَباتِهِ
وقوله، من أخرى:
يا هذه إن أنتِ لم تدرِ الهوى ... تجْحديه ففي الهوى اسْتحْكامُ
وأبيكِ كنتُ أحَدَّ منك نواظراً ... وبكل قلبٍ من جَفايَ كِلامُ
والسحرُ إلَّا في لساني منطقٌ ... والحسنُ إلا في يدَيَّ خِتامُ
لَدْنَ القَوامِ مَصُونةً أعطافُه ... عن أن تَمُدَّ يداً له الأوْهامُ
مُتمنِّعا لا الوعد يُدْنِى وَصْلَه ... يوماً ولا لخيالِه إلْمامُ
حتى خلقْتِ السقمَ فيه بنظْرةِ ... ولقد يُلاقِى ظُلْمَه الظَّلَّامُ
وتنوَّعتْ أدْواؤه فبطرْفهِ ... شكلُ الرقيبِ وفي الصِّماخِ مَلامُ
ودخل دمشق فاتخذ الأمير منجك نديم مجلسه، ومطمح أماني ترنحه وتأنسه.
فتوافق الليل والسمر، واجتمع الشمس والقمر.
على السعد في هذا القرأن، والتنافس من أماجد الأقران.
فجالس الفتح به القعقاع، ولم يقل: الفضل للمتقدم. كما قال ابن الرقاع.
وله فيه قصائد منها داليته التي أولها:
نثر الربيعُ ذخائرَ النُّ ... وَّارِ من جَيْب الغوادِي
وكسا الرُّبى حَللا فَو ... اضلُها تُجرُّ على الوِهادِ
стр. 291
وكأن أنْفاس الجِنا ... نِ تنفَّستْ عنها البوادِي
والزَّيْزَفُون يُفتُّ غا ... ليةً مُضمَّخةً بجادِى
يُلقِى بها للروض في ... وَرَق كأجنحة الجرادِ
هاج النفوسَ ولم يفُتْ ... هـ غُير تهْييجِ الجمادِ
والورد مخْضوبُ البَنا ... نِ مُضرَّج الوَجنات نادِى
نُصِبتْ له سُرُر الزَّبَرْ ... جَدِ والخيامُ بكل وادِي
حرسْته شوكةُ حسنِه ... من أن تُمَدَّ له الأيادِي
والعَنْدليبُ أمامه ... بفصِيح نَغْمته يُنادِي
مَن رام يعبَث بالخدو ... د فدونَها خَرْطُ القتادِ
وحَذارِ مخضوبَ البَنا ... ن إذا تمكَّن من فؤادِ
فامْسَحْ بأذْيال الصَّبا ... عن مُقْلتيْك صدَى الرقادِ
هل هذه بُكَر الرُّبَى ... أم هذه غُرَر الرشادِ
وانهضْ لكسْب جديد عُمْ ... رٍ من بُكور مُستفادِ
واقَنعْ بظِّلك أو بظلِّ ... الدَّوْحِ عن ظل العبادِ
ماراج من طلب المعي ... شةَ بين إخوان الكسادِ
لا يُعجبنَّك لِينُ من ... أبصرْتَه سهلَ القيادِ
وأبيك مالانتْ لغي ... رِ الطعنِ ألْسنةُ الصِّعادِ
لا تشتهي وجَعَ الفوا ... دِ مضى زمان الاتّحادِ
نفسِي الفِداءُ لمَنْجَك الْ ... مُسْتعِزِّ بالانْفرادِ
لا يُجْتنَني إلا بمجْ ... لس فضلِه ثَمَرُ الودادِ
مُتكثِّر بغنى الشَّما ... ئل لا بعاجلةِ النَّفادِ
شِيَمُ الجواد هي الغنى ... لاماحَوتْه يدُ الجوادِ
الدهر مْغلولُ اليديْ ... ن وذاك مَبْسوط الأيادِي
وله في أحمد بن شاهين، البائية التي أخذت من البلاغة أوفر الأنصباء والقسم، وأقسمت البراعة بقوافيها على أن مبدعها محكُّ الأدب ولا غرو فالباء من حروف القسم.
ومستهلها:
ألَذُّ الهوى ما طال فيه التجنُّبُ ... وأحْلاه ما فيه الأحِبَّاء تَعْتَبُ
يقول في مديحها:
يُمزِّق شَمْلَ المشكلاتِ لوقْتها ... إذا شِيَم مِن فِيه الحسامُ المُذَرَّبُ
توقَّد حتى ليس يْخبو ذكاؤُه ... وكاد وحاشَا فكرُه يتلهَّبُ
وبيت ختامها:
ولا بَرِح الحسَّادُ صَرْعَى وكلُّهم ... على مثلهم ما في قلبِه يتقلَّبُ
واتفق له مع الأدباء مجالس تؤثر، وعليها الأرواح تلقى وتنثر.
فمن ذلك مجلس في روض أورقت أشجاره، وتنَّفست عن المسك أسحاره.
غبَّ سحاب أقلع بعد هتونه، ودار دولابه يسقيه بجفونه.
توسدهم أنهاره معاصم فضية، وتنيمهم أفياؤه تحت ذوائب مرخية.
فقال:
وروضٍ أنيقٍ ضمَّنا منه مجلسٌ ... على نَوْره جَفنُ الدَّواليبِ ساكبُ
خَلا حسنه عن كل وَغْدٍ يَشِينه ... وما صَدَّنا لما أتْيناه حاجبُ
طَلعنا بدوراً في سَماه وبيننا ... جُمانُ حديثٍ هُنَّ فيه كواكبُ
وبِتْنا وأوراقُ الغصون غطاؤنا ... على فُرُشِ الأنهار والطيرُ نادِبُ
فنعم مكاناً مابه قطُّ قاطِنٌ ... وبْيتاً ولكن ماله الدهرَ صاحبُ
وهنا أذكر منتخبات من شعره، مرتبة على حروف المعجم.
فمنها قوله يخاطب العمادي، مفتى الشام، وقد رمدت عيناه:
فِدىً لعيِنك دون الناس عينائي ... وكلُّ عضو فِداه كلُّ أعْضائِي
نوَدُّ لو كان مُوْدُوعا بأنفِسنا ... ما تْشتكيه بعْينٍ منك رَمْداءِ
نَظَّارةٌ لكتابِ الله قد مُلئتْ ... خوفَ الوشاةِ بإشْفاق وإغْضاءِ
وأنتَ لا عن حجابٍ كنت ناظرَنا ... فارْفَع حجابَك وانظُر للأحبَّاءِ
وقوله من قصيدة، مستهلها:
عطَف الغصنُ الرطيبُ ... وتَلافانا الحبيبُ
أيُّ عضوٍ تسْرح الأبْ ... صارُ منه وتؤُوبُ
стр. 292
فاتَّقِ اللهَ وغُضَّ الطَّ ... رفَ عنه لا يذوبُ
أبو تمام:
قد غَضَضْنا دونك الأبْ ... صارَ خوفاً أن تذُوبَا
وله:
ما لمسْناه ولكن ... كاد من لَحْظٍ يذوبُ
أيها العشَّاقُ مَحْ ... زونُ الهوى منِّي طَرُوبُ
كلَّ وقتٍ ليس تْن ... شَقُّ قلوبٌ وجُيوبُ
إنما يمْزَج بي في ... لُجَّة العشق لَعوبُ
وإذا بدَّ سُرورٌ ... وإذا نَدَّ نحيِبُ
والذي يهجر في الحبِّ ... للاحِيه نسيبُ
ما على مَن سَرَّه الْ ... وصلُ إذا غِيظ الرَّقيبُ
رَنَّةُ القوسِ لِرا ... مِيها وللغير النُّدوبُ
منها:
وإذا أمكنتِ الفُرْ ... صةُ أجْني وأتوبُ
في الهوى صَحَّ اجْتهادِي ... فأنا المُخْطِى المُصيبُ
من مديحها:
ضاحكُ الوجه وهل في ... طلعةِ القُطْب قُطوبُ
جنَّةُ الشمس لها فِي ... هِ شروقٌ وغروبُ
أيُّ قلبٍ حلَّ مني ... كلُّ أعْضايَ قلوبُ
ومن مختاره:
وجهُك صبح المُنى ولى زمنٌ ... آمُل إقْبالَه وأرْتقبُ
تُلْقِى المعاني إلىَّ زَهْرتَها ... فأجْتنيها والغيرُ يحْتطبُ
وكم بيوتٍ ملأْتُها حِكَماً ... وهُنَّ إن شئتَ خُرَّدٌ عُرُبُ
أسُوغ من جَرْعة الزُّلال على ال ... قلبِ وفي قلبِ حاسدي لَهبُ
منها:
دارُ اغْترابي التي عنِيت بها ... مصرُ ودارِي وحبَّذا حلَبُ
دارٌ تُمِيتُ الهمومَ نفْحتُها ... وتغْتذى من عبيرِها الكُثُبُ
لاقُرْبُها للكرام مَضْيعةٌ ... ولا حِماها للضَّيمِ مُنْقلَبُ
علىّ أن لا تنامَ لَوْعتُها ... بين ضلوعِي همومُها شُعَبُ
منها:
لا أقْبلُ الضَّيْم كيف أقْبله ... والمجدُ يأْباه فيَّ والحسَبُ
والشمسُ صَوْنا لضوءِ طَلْعتها ... خوفَ لَحاقِ الظلام تحْتجِبُ
يُظَن صَدْعِى لقَرْع نائِبةٍ ... وإنَّما من أحبّه النُّوَبُ
كأنني من زُجاجةِ جسَدٌ ... أحِبَّتي في انْكسارِه السببُ
وله في هذه القصيدة، وهي من بدائعه:
طَمِّنْ فؤادَك أيُّ حُرٍّ ... لم يُرَع بالخَطْب قلبُهْ
ودِع المَلام فداءُ مَن ... عالجْتَ بالتَّطمين طِبُّهْ
لا تُكثِرَنْ هلَّا فعْل ... تَ عليه فالفعَّال ربُّهْ
المرءُ يصعُب جَهدُه ... ويلين بالمقْدور صَعْبُهْ
لا تتَّهمْني فالمُؤا ... خَذُ في الزمان النَّذْلِ نَدْبُهْ
وأبيكَ من زمنِ التَّرعْ ... رُعِ لم يزلْ دأْبي ودأْبُهْ
ومن العجيبِ لدَى اللِّئا ... مِ عَطاؤُه ولدىَّ سَلْبُهْ
يا دهرُ مثلي لا يُقَلْ ... قَلُ عن سَنام المجدِ جَنْبُهْ
أنا لا أُبالي إن رمي ... ت وسبَّ عرضِي من أسبُّهْ
السيفُ يُرمَى بالفُلو ... لِ إذا فشَا في الصَّلْد ضَرْبُهْ
والعينُ يُديمها الذُّبا ... بُ ويُعجِز الآسادَ ذَبُّهْ
والتِّبرُ يعلوه التُّرا ... بُ ولا يضرُّ التِّبر تُرْبُهْ
وأبيك ما نُكِب اللبي ... بُ وفضلُه باقٍ ولُبُّهْ
هم يعرفون بأن نجْ ... مِي تحرِق الطاغين شُهْبُهْ
والصبرَ يُرْقيني إذا ... وثَب الزمان وعضَّ كلبُهْ
إن مَجَّنى قومٌ فإن ... الموتَ ليس يسُوغ شُرْبُهْ
أو قيل قد مَلُّوه فالْسَّ ... مُّ الزّعافُ يُمَلُّ قُرْبُه
أما المَلال فإنني ... عُوِّدتُه ممن أُحُّبهْ
стр. 293
وإذا تكلَّف في الودا ... دِ أخو الودادِ فكيف غربُهْ
فاطْوِالبساط فالانْبِسا ... طُ قد انْطوى في الناس سِرْبُهْ
والشِّعر أخْلَف نَؤْوُه ... وتقشَّعتْ في الجوِّ سُحْبُهْ
ما زال تلفحُه سُمو ... مُ البُخْل حتى جَفَّ عُشْبُهْ
كم ترْتجِي صَنَماً سوا ... ءٌ فيه مِدْحتُه وثَلْبُهْ
مُستْنكَر الأكْتاف جَعْ ... دُ الكفِّ جَعْدُ الوجهِ صُلْبُهْ
أأُخَىَّ من يَكُ شاعراً ... فالخالقُ الرزاقُ حَسْبُهْ
والراسُ راسُ المالِ إن ... يسلَمْ فليس يِقلُّ كسْبُهْ
وكفى فَتى العِرفانِ خِلاَّ ... ناً فضائلُه وكُتْبُهْ
فعلى مَ ترغبُ في سَرا ... بٍ من شُخوص الْآلِ سِرْبُهْ
يتقلَّبون مع الزما ... نِ كأن حِزْب هواك حزْبُهْ
يشْقَى النجيبُ بهم ويُسْ ... لمُه إلى الأعداء صَحْبُهْ
وإذا جنَى فكأن سُ ... لطانَ الذنوبِ الدُّهْمِ ذَنْبُهْ
فوجوههم طَلَلٌ به ... يومَ الَّلحَى قد طال نَدْبُهْ
وأكفُّهم قَفْرٌ أُمِي ... تَ الخِصْبُ فيه وعاش جَدْبُهْ
ذهب اللذين يعيش مثْ ... لي بينهم ويموتُ كَرْبُهْ
وبَقى الذي تُضْنِى العُيو ... نَ حُلاه والأسماعَ كذْبُهْ
من كلِّ محْلولِ الوِكا ... ءِ مُثقَّف البِيضان ثُقْبُهْ
من كلِّ مَفِريِّ الأدي ... مِ بِصَعْدِة السِّرْوالِ عْقُبهْ
يمشي ويمسح من مَعا ... طِفه وكعبُ الشُّوم كَعْبُهْ
طُول بلا طَوْلٍ وأش ... هَى ما يُرَى للعين صَلْبُهْ
أأُخَيَّ مثلي ليس تُهْد ... دَى عن مَثار النَّقْع شُهْبُهْ
لا بُدَّ من شَرَرٍ يُعمُّ ... الجوَّ والأعدا مَصَبَّهْ
فارقُب خُفوقي إن سكنْ ... تُ فعاصفِي يُرْجَى مَهَبُّهْ
لا تنظُر الحسَّادُ حا ... لي إنما المنْظورُ غِبُّهْ
أوَ مادَرْوا أن الحسَا ... مَ يُفَلُّ ثم يُحَدُّ غَرْبُهْ
والبدرُ يُشرِق في المَطا ... لعِ بعدما أخْفاه غَرْبُهْ
والروضُ يذبُل ثم يُكْ ... سَى النَّوْرَ والأوراقَ قُضْبُهْ
والداءُ إن يوماً يشِفَّ ... فبالتَّداوِي يَشْفِ رَبُّهْ
والدهرُ إن يُوْمَن بغَفْ ... لٍ لذَّةً يفْجأْهُ خَطْبُهْ
لا يخدَعَنَّك سِلْمُه ... فوراء سِلمِ الدهرِ حَرْبُهْ
قلت: لله دره على ما أبدع من المعاني الغرائب، والألفاظ المزرية بدرر النحور والترائب.
ويعرف قدر الشاعر الفائق، بتنوع جولانه في الميدان المتضايق.
وله يصف بركة ماء:
انظُر البركةَ التي تتراءَى ... لِمُحيَّا الرياضِ كالمِرآةِ
تَرَ خدّاً مثلَ اللُّجَيْن تحلَّى ... بِعذارٍ من انْعكاسِ النَّباتِ
وهذه قطعة من حائيته التي سارت بها الركبان، وطارت شهرتها بخوافي النسور وقوادم العقبان:
بات ساجِي الطَّرْفِ والشوقُ يُلِحُّ ... والدجى إن يمْضِ جُنْحٌ يأْتِ جُنْحُ
وكأن الشرقَ بابٌ للدُّجى ... ماله خوفَ هجُوم الصبحِ فَتْحُ
يقْدَح النجمُ بعيني شرراً ... ولزنْد الشوقِ في الأحْشاءِ قَدْحُ
لا تسَلْ عن حال جَفْني والكرى ... لم يكنْ بيني وبين الدَّمْعِ صُلْحُ
منها:
كلُّ عَيْش ينْقضي مالم يكنْ ... مَعْ ملِيحٍ ما لذاك العيشِ مِلْحُ
من مديحها في خصماه:
وإذا قيل ابنُ فَرُّوخٍ أتى ... سقطُوا لو أنَّ ذاك القولَ مَزْحُ
стр. 294
بطَلٌ لو شاء تمْزيقَ الدجى ... لأتاه من عمودِ الصبح رُمْحُ
كم سطورٍ بالقَنا يكتُبها ... وسطورٍ بلسانِ السيف يَمْحُو
كلُّ ما قد قيل في تَرْجِيحِه ... في النَّدَى أو في الوغَى فهْو الأصَحُّ
منها:
آهِ من جَوْر النَّوى لا سُقِيَتْ ... تُعْطِب الحُرَّ وما للحرِّ جُنْحُ
غُرْبةُ الأوطان أوْدتْ كبدي ... واعْتراني ألَمٌ منها وبَرْحُ
حَسَّنوا القولَ وقالوا غُربةٌ ... إنما الغُربةُ للأحْرار ذَبْحُ
فانتقِذْني واتخذني بُلْبُلا ... صَدْحُه بين يدَيْ عَلْياك مَدْحُ
بِقَوافٍ كَسَقِيط الطَّلِّ أو ... أنَّها من وَجَنات الغِيد رَشْحُ
ومما علق من مترنماته، وأغلق عليه باب مسلماته.
قوله:
قد نفدَتْ ذخائرُ الفؤادِ ... فكم أُرَبِّي الدمعَ للسُّهادِ
فُؤادُ من يُحبُّ مثلُ دمعِه ... ودمعُه مَظِنَّةُ النَّفادِ
إذا هدَى الليلُ فطفلُ مُقْلتي ... يبِيتُ بالنَّزيف غيرَ هادِ
ومن بكى من النوى فقد رأَى ... بعيْنه تقطُّع الأكْبادِ
تمايَلوا على الجِمال مَيْلةً ... فعلَّمُوها مِشْيةَ التَّهادِي
وما سمعتُ بالغصون قبلَهم ... مشتْ بها أكْثِبةُ البوادِى
فإن تجْد يَدِي على ترائِبي ... فلا تقُلْ لغَيْبة الفؤادِ
وإنما رفعتُها لأنها ... كانت لهم حمائلَ الأجْيادِ
حُمْرُ الخدود إن تغِبْ فشكلُها ... بناظريَّ داخلَ السوادِ
لأجْل ذا الدمعُ جَرى بِشوْقها ... فنظَّم الياقوت في نِجادِ
لا وأبى ومَن يقُل وأبى ... فقد تَلاَ أليَّةَ الأمْجادِ
ما عثَر الغَمْضُ بذيل ناظِري ... ولا انْثنتْ لطَيْفهم وِسادِي
وهَبْ رَشاشَ مقلتي حبائلاً ... فأين منها زَلَق الرُّقادِ
آهٍ آهَ إن تكنْ مِلْءَ فمي ... فإنها مَضْمضةُ الصَّوادِي
قد نفَض السمعُ كلامَ غيرهم ... كما نفضْتُ الصبر من مَزادِي
أعاذِلي وللهوى غَوايةٌ ... بِعْتُ بها كما ترى رَشادِي
ولِعتْ بي وشُعْلتي كمِينةٌ ... بقادحٍ يعبثُ في زِنادِي
دعِ الهوى يعبَثْ بي وإن تَشَا ... فعُدَّني من عذَباتِ وادِ
ما لحق الَّلومُ غبارَ عاشقٍ ... حَدا به من المَشِيب حادِي
أما ترى الأقاحَ حول لِمَّتِي ... حكى ابْتسامَ البرقِ في البوادي
بشَّرني طلُوعه بأنَّ لي ... صبحَ وِصالٍ لدُجى بِعادِي
ولم أقلْ مَناصِلٌ تجرَّدتْ ... وأُرْكِزت بجانبِ الأغْمادِ
كأن شِيبَ الشَعَرات ألْسُنٌ ... على ضَياع رَوْنقِي تُنادِي
لبْستُ ما أضاعني فأُسْوتي ... كأُسْوِة الجمرِة في الرَّمادِ
ومن رباعياته قوله:
لا تُبْدِ لمن تحبُّه ما أُبْدِي ... واصبرْ فعلَّ الصبرَ يوماً يُجدِي
إظْهار مَحَّبتي لمن أعشَقُه ... صارتْ سبباً لطُول عُمرِ الصَّدِّ
ومن بدائعه قوله:
تذكرتُ إذ مَرَّتْ بنا الغِيدُ بُكْرةً ... تلهُّبَ خالٍ في لَظَى خَدِّ أغْيَدِ
وردَّدْتُ طَرْفي ساعةً فرأيتُه ... فؤادي الذي قد ضاع في الحبِّ من يَدِي
وقوله، مضمنا في الدخان:
عكفتُ على شُرْبِ الدُّخان وفي الحشَا ... لهيبُ الجوَى فازْداد جَمْراً على جمرِ
فقلتُ أُداوِي نار قلبي بمْثلها ... كما يتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
وقوله:
زُرْ واُجْلِ لَمْسمعي كؤوسَ اللَّفْظِ ... واجعلْ كبدي غْمِداً لسيفِ اللَّحْظِ
стр. 295
بل جُرْ واهجُر ولا تخَفْ مَظْلمِتي ... ما أورَدني البلاءَ إلا حَظِّي
وقوله مضمنا:
لا يدَّعِى قَمرٌ لوجهِك نِسْبةً ... فأخاف أن يسْوَدَّ وجهُ المُدَّعِى
فالشمسُ لو علمتْ بأنك دونها ... هبَطتْ إليك من المَحَلِّ الأرْفَعِ
قلت: هذا تضمين يليق أن يكتب بالتبر، فضلا عن الحبر.
ومن رباعياته قوله:
مولايَ بِقيتَ قد بَراني الأسفُ ... من ينُصِفني منك وهل أنْتصِفُ
مَن أسْعده الحظُّ فإني دَنِفٌ ... أشْقاه ولا شقِيتَ حَظٌّ دَنِفُ
وقوله:
مَن أرَّقني قد اسْتلَذَّ الأرَقا ... ويْلاي ومَن أعشقُه قد عشِقَا
من ينُقذني منه ومنَ يُنْقذُه ... أفْنى حُرَقاً فيه ويفْنى حُرَقَا
وقوله:
يار بِّ لا أقصِد بالشِّعر سواكْ ... والقصدُ يَردُّني إلى باب غِناكْ
يا مَن جعلتُ تُرابَه ناصِيتي ... قد صّوَّح نَبْتُها أغِثْني بنَداكْ
وقوله:
القلبُ لديْك وهْو عندي الغالِي ... لا تتركْه مَطِيَّةَ الإذلالِ
تَا للهِ لقد عجبتُ من أحْواالي ... يفنَى زمنِي بضيْعة الآمالِ
وقوله:
أصبحتُ ولَثْمُ أَخْمَصيْهِ أمليِ ... مع أنَّ له فماً شفاءَ العِلَلِ
لكنْ قدمٌ سعتْ به من تَلَفِي ... أعددْتُ لها جَوائزاً من قُبَلِي
وقوله:
أحسنُ ما يُهْدِيه أمْثالُنا ... من طَيْبةٍ من عند خيرِ الأنامْ
بعضُ تُمَيْراتٍ إذا أمْكنتْ ... إهداؤُها ثم الدُّعا والسلامْ
ومن محاسنه قوله، ومن قصيدة أولها:
طرقَتْ طَروق الطيفِ وَهْنَا ... مَيّالَةُ الأعْطاف حَسْنَا
مصْقولُة الخَدِّين مثل السيْ ... ف ألْحاظاً ومَتْنَا
أرْختْ وشاحاً فوق دِعْ ... صٍ فوق غصنٍ قد تَثنَّى
ومشتْ فشيَّعها عَبِي ... رُ الروضِ منْ هَنَّا وهَنّا
في حُلَّةٍ من جِنْس ما ... يكسُو الربيعُ الغصنَ دَكْنَا
الدَّلُّ ينبُتُ من مسا ... حِبِ ذيْلها والحسنُ يُجْنَى
تَمْشي فُرادَى ثم تمْ ... شِي خلْفَها الأرْدافُ مَثْنَى
حَوْراء إن سمَحتْ بكشِْف قِناعها ملَأتْك حُسْنَا
وإذا اشْتهتْ رجعت عليْ ... كَ فعاد ذاك الحسنُ حُزْنَا
لو خاطبتْ وَثَناً لَحَنَّ ... مع الجمودِ لها وأنَّا
طارحْتُها شكوَى النَّوى ... ولثمتُها أعْلى وأدْنَى
وعجبْت من وَلَهِي بها ... ولِهْتُ بها وَلهَ المُعنَّى
تركتْ يداً وفماً وجِي ... داً وابْتدتْ ذيلاً ورُدْنَا
وأقمت أنْصِب نحوها ... طَرْفاً ونحوْ البابِ أُذْنَا
أخْشَى يُحِسَّ بنا النَّسي ... مُ فيُخبر الروضَ الأغَنَّا
وبُولِّد الوَسْواس لي ... جَرْسُ الحُلِىِّ إذا أرَنَّا
فتقول مسكينُ المتَّي ... بالنسيمِ يسِىءُ ظَنَّا
طبْ يا فتى نفساً فقد ... نامَتْ عيونُ الحىِّ عنَّا
جرس الحلى: صوته، ويقال فيه وسواس قال الشاعر:
كم بين وَسْواسِ الحُلِىّ ... وبين وَسْواس الهمومِ
والوسوسة: مالا يفهم من الأصوات.
وهذا أسلوب متداول، ومنزعه خفق الحلى ورهجه، وذلك يخرج على قوالب من جنة الحلى ونمها وغير ذلك.
وقد يغير في الأطراف الفعمة، فيقال: إنها تغص الحلى، وتخرس وساوسها، وتحير الحلى.
وأحسن ما سمع فيه قول أبي كامل تميم بن المفرج:
وأطْرافاً يَحارُ الحَلْىُ فيها ... فليس يكاد يضطرِبُ اضْطرابَا
قال صاحب الدمية: قوله يحار الحلى فيها، لم أسمع به إلا في شعره، وقد أتى ببدع المستعار وبكره.
وقد أنهيت الكلام على شعره، وهنا أذكر جانبا من نثره.
فمنه قوله يعاتب:
غرستُ لكم في المدح ما اخْضَرَّ عودُه ... وألقتْ إليه الزُّهْرُ عِقْداً من الزَهْرِ
стр. 296
وصارتْ عيون المشْفقين قلائداً ... عليه وعينُ الحِقْد تنظُر عن شَذْرِ
وقلتُ ستْنَدى بالثِّمارِ أنامِلي ... فما كان إلَّا أن قبضْتُ على جَمْرٍ
وعدتُ كما عاد المُسيءُ مُذمَّماً ... أغَصُّ بشكْرى وهْو يُحسَب من وِزْرِى
وما ساءَ حظّاً كالذي اجْتلب الهوى ... وأسْلَمه مَحْضُ الوِدادِ إلى الهجْرِ
إني لأعجب مني ومن تواضع الشيخ في مناجاته إياي وهو الطود الأشم، واتخاذه أذني صدفا لدرر عباراته وهو البحر الخضم.
واقتراحه علىَّ أن أبرز من خباء أبكار الشعر، ربيبة خدر، ونتيجة فكر.
تكون معجزة ابن الحسين، ومفحمة الخالديين.
تنطوي على مدح ما انتشر عن ألوية فضائل ذاته المعجز ألسن الواصفين وصفها، وتتضمن نشر ما نسم من طيب أذيال فواضل صفاته المعطر مشامَّ الناشقين عرفها.
وقيامي له على قدم الحد، أفرى فلوات السعي وأمتطي صهوات الجد.
أقتنص الشوارد، وأتناول الفراقد.
وأغوص على الغرر، من بنات الفكر.
إلا أن تكامل عقدها، وجاءت نسيج وحدها.
من مستفزات القلوب، تهادى أناة الخطو بكر عروب.
تجر على مهيار الديلمي ذيل دلالها، وتسكر الشريف الموسوي بجريالها.
لو رآها المخضرمون، لجاءوا إليها من كل حدب ينسلون.
وبعثت بها مع لطم الشكر، إلى جناب إمام العصر.
كيف حال الجريض دون القريض، وغاض زلال راحته وهو الغضيض، ولم سدَّ عني باب اعتنائه، ومحا ما كتب من إملائه.
حتى استهدفتني ألسنة الشامتين، وأحدقت إلى أعين العدى، وليس عندي منه ما يغض أجفانهم ولا قذى.
فياليت شعرى ما الذي أوجب هذا الصد، ولم لم يحسن القبول فليحسن الرد.
وليكن بدون قوله ما أصنع بالقصائد دونه وشعره، حتى اسود وجه آمالي ولم يبيض حجره.
بعدما خطفتني منه مخالب الظنون، ورجعت أقلب أكفي بصفقة المغبون.
أحاسب عن أوزار العباد، وأعاقب بجناية قوم عاد.
وعهدي بالشيخ جبلا آوى إليه، وحمى أحوم حوله، وعماداً أعتمد بعد الله عليه.
فما بال الجبل لم يأو، والحمى لم يحم والعماد لم يحو.
وما باله في مسراته وأنا في ليل الهموم، أتوقع تنفس صبحها، وأبتهل إلى الله تعالى في طلوع شمسها.
فعندما حلت أكف الابتهال عرى الدحى، ولاح من تنفس صبح الوصال أشعة شمس المنى.
حال بين طرفي وسناه قذاة البين، وأصبحت مصابا بعين.
أعوذ بالله من أن يلهى الشيخ عني زخرف المتمشدق، وتستميله أقاويل الدخيل وجنة المتملق.
والزخرف عتبة التلاشي، والتمشدق باب الهول.
فالأقاويل مطية الكذب، والدخيل قذال يد الرد، والتملق مزراب النفاق.
ولي في محبته الجنان الثابت، والقلب الصابر، وللسان الرطب، والفم الشاكر.
وله مني الوداد المحض، والقصائد الغر.
وله منه أنة المتوجع، ولوعة المصاب، وحرقة المهجور، وخشية المرتاب.
وما أراه من اقتفائه أثر الملتبس عليهم الأمر، في كسر زجاجة ودادي من زيد وعمرو.
ولا غرو قد يدمى الجبين إكليله، وتهجر الحسام قيونه.
وكثيراً ما يضل المدلج دليله، وتخطىء المؤمل ظنونه.
السيد أحمد بن محمد المعروف بابن النقيب
السيد المولى، من هو بكل ثناء أحق وأولى.
حل من الشرف في ذروته، وتحكم من الأدب في بحبوحته وعقوته.
وقد تمتعت الرياسة دهرا بعده النضر، وشرفت النقابة له عبقريها الحسان ورفرفها الخضر.
فألقت إليه السيادة أفلاذها، واتخذت السعادة طاعته عصمتها وملاذها.
فرفه لأهل الأدب هضابا، وأرشفهم إلى ظماء من ماء مكارمه رضابا.
فالفضائل ملء حقيبته، والآمال تستنتج بيمن نقيبته.
ومآثره بادية الأوضاح، ونعمه سائلة الغرر والأوضاح.
ومجلسه بأصناف المعارف حافل، وفمه بحل ما يعي الأفهام كافل.
وله القلم الذي يكاد من نداوة بنانه، يبيض وجه الطرس بتسويد النقوش من بجدائع بيانه.
فهناك جنان البلاغة لم يطمث أبكارها إنسٌ قبله ولا جان، وأشجار البراعة لم يقطف ثمارها عين ناظر ولا يد جان.
من كل لفظٍ مع معناه روح وجسد، إذا سمع الناس تركيبه خلقن له القلوب الحسد.
وقد ذكرت من كلامه الشريف، ولفظه العالي المنيف.
ما تجعله سيد الكلام، وتقطع عن المغالي في مدحه مادة الملام.
كقوله:
стр. 297
حضرةٌ تقلدت أعناق الرجال بقلائد نعمها، وتدبجت رياض الآمال بهواطل سحب كرمها، وطافت أفهام الطلاب بكعبة حقائقها وعلومها، وسعت أفكار بني الآداب ما بين صفا منثورها، ومروة منظومها.
لا برحت الأيام باسمة الثغر بمعاليها، والانام حالية النحر بأياديها.
وكقوله: هو صدر الدنيا، وركن العليا، وواسطة عقد ورثة الأنبياء، وواحد هذا النوع الإنساني من الأحيا.
دعوَى لا يُداخل بنيتها وهم، ونتيجةٌ لا يشين مقدماتها عقم.
فإن من كان صدر بني هاشم، وشنب ثغر مجدهم الباسم، وهم وهم في الرفعة والمنعة، كأن أجل موجود، وأعظم من في الوجود.
وكقوله: قسما بمن جعل محاسن الدنيا في تلك الذات محصورة، وأسبابا العليا على ملازمة عتباتها مقصورة.
إن عقد عبوديتي لا تطاول إليه الأيام بفسخ، وعهد مودتي عهد لا تتوصل إليه الحوادث بنسخ.
وكيف يفسخ وصورته في الجنان مجلوة، أم كيف ينسخ وسورته على كل حين باللسان متلوة.
ولعمري مهما نسيت فإني لا أنسى أيامي في خدمتها، والتقاطي الدر من مذاكرتها.
وما كان بيننا من المصافاة التي أين منها مصافاة الماء مع الراح، وما يجري بيننا من المفاوضة التي هي في الحقيقة مفاوضة الورد والتفاح.
وعلى كل حال فلا عوض لنا عنها إلا ما تنقله الركبان من أخبار سلامتها، وما تودعة في صدفة آذاننان من جواهر آثار عدالتها.
لا جرم أنه كلما تعطرت مجالسنا بشيءٍ من ذلك، دعونا الله هنالك.
بأن يزيد باع عدلها امتدادا، وشعاع فضلها سطوعا واشتداد.
وأن يبلغها أقصى ما تطمح إليه عينٌ طامحة، أو تجنح نحوه نفسٌ جانحة.
هذا والمتوقع من كرمها، كما هو المألوف من شيمها، ألا تخرجنا من ضميرها المنير، وأن تعدنا في جريدة من يلوذ بقماقها الخطير.
والله تعالى يبقى لنا تلك الحضرة، سامية الركاب، عالية القباب، في رفعة دونها قاب العقاب.
ومن شعره قوله، يخاطب بعض أحبابه:
رُوَيْدَك شأنُ الدهر أن يتغيَّرا ... وشِيمتُه إمَّا صفَا أن يُكدَّرَا
وعادتُه الشَّنْعاء في الناسِ أنه ... إذا جاء بالبُشْرى تحوَّل مُنذِرَا
فلا بُؤْسُه يبَقى وأمَّا نعيُمه ... فكالطَّيْف إذْ تلقْاه في سِنة الكَرَى.
فلا تَكُ مسروراً إذا كان مقبِلا ... ولا تكُ محزوناً إذا هو أدْبَرَا
فأيُّ دُجَى هَمٍّ دَهاك ولم تجدْ ... صَباحاً له بالبِشْرِ وافاك مُسْفِرَا
وقد هُزلتْ أيامُنا فلَوَ اُنَّها ... أتتْتنا بجِدٍّ كان للهزلِ مَصْدرَا
منها:
وليس يعيبُ البدرَ فُقْدانُ نُورِه ... إذا كان بعد الفَقْد يظهر مُقْمِرَا
وما جُعَلِيُّ إن جفَا الوردَ إذْ به ... أضَرَّ بداعٍ أن يُذَمَّ ويُهْجرَا
الجعل يتأذى برائحة الورد، وكذا المزكوم، والحسناء إذا ابتليت بذامٍ، فهي كالورد مع الجعل، وصاحب الزكام.
ومما يلحق بهذا أن الوزغة تكره رائحة الزعفران، وتهرب منه.
وعليه بنى البتار قوله في هجاء الغندلي، وقد وصل إلى بابه، فتحجب عنه:
تحجَّب الغُنْدَلِيُّ عنِّي ... فساءَ مِن فعلِه ضميرِي
يَنْفر من رُؤْيتي كأني ... مُضَّمخُ الجَيْب بالعبيرِ
وله من قصيدة، يخاطب بها أيضاً صديقا له:
تزُول الرَّواسِي عن مقَرِّ رسُومِها ... ووُدِّي على الأيام ليس يزولُ
ولستُ بمَن يُرضيه من أهل وُدِّه ... خَفِيُّ ودادٍ في الفؤادِ دخيلُ
إذا لم يكن في ظاهرِ المرءِ شاهدٌ ... على وُدِّه فالودُّ منه عليلُ
أأرْضَى بوُدٍّ في الفؤاد مُغيَّبٍ ... وليس إلى علم الغُيوبِ سبيلُ
وأقْبلُ عن هجري اعتذاراً مُزيَّفاً ... تمحَّلْتَه إنَّي إذا لَجُهولُ
لَعَمْرُك قد حرَّكتَ مَن كان ساكتاً ... وعلَّمتني بالعَتْب كيف أصُولُ
وله من قصيدة:
فياليتَ شِعْري هل لعمروٍ مَزِيَّةٌ ... إذا ازْداد واواً وهْو في رُتبة الذُّلِّ
وهل شَان بسمِ الله وهْي عزيزةٌ ... تمنُّعها في الخطِّ عن ألفِ الوصلِ
стр. 298
ورُبَّ ازْديادٍ كان للهُلْك داعياً ... كما كان في نبْت الجناح رَدَى النَّمْلِ
وما هذه الأيام إلا عجائبٌ ... تشابَه ما تُبْدِي من الجِدِّ والهَزْلِ
وقد طمَستْ أفْكارَنا بصُروفِها ... وأشْغَلت الخِلَّ الألُوفَ عن الخِلِّ
قوله: وهو في رتبة الذل، يريد تمحضه للمضروبية في أمثلة المحاة، ومن هنا تعلم سر قولهم فيه: الاسم المظلوم، كما لا يخفى.
وكان الجاحظ يعني بذلك إلزاقهم به الواو، التي ليست من جنسه، ولا فيه دليل عليها، ولا إشارة إليها.
ويشهد له قول الشاعر:
أنما البَهْنَسِيّ خطبٌ جليلٌ ... لا خطيبٌ ولا جليلٌ بقَدْرِ
زِيدت الياءُ فيه ظُلْما وعُدْوَا ... ناً كواوٍ غدَتْ بآخر عَمْرِو
وقوله: ورب ازدياد، من قوله:
وإذا استوتْ للنَّمْلِ أجنحةٌ ... حتى يطيرَ فقد دَنا عَطَبُهْ
ومن غرره، قوله من قصيدة يرثى بها أخاً له مات، وأرسلها على أبي الوفا العرضي، يعزيه في آخرها عن ولدين له ماتا، ومطلعها:
رُزْءٌ ألَمَّ وحسرةٌ تتوالَى ... ومُصيبةٌ قد جَذَّتِ الآمالاَ
وجليلُ خَطْبٍ لو تكلَّف حملَه ... ثَهْلانُ ذو الهضَبات هَدَّ وزَالاَ
وفِراقُ إِلْف إن أردتُ تصبُّراً ... عنه أردتُ من الزمان مُحالاَ
وعيونُ عَيْنٍ ليس تفتُر دائما ... عن سَكْبِ رَقْراق الدموع سِجَالاَ
بُعداً لدهرٍ شأنُه أن لا يُرَى ... إلا خَؤُونا غادراً مُغْتالاَ
نَغترُّ فيه بالسلامة بُرْهةً ... ونرى المآلَ تمحُّقاً وزوالاَ
ويُعيرنا ثوبَ الشَّبيبة ثم لم ... يبْرَح به حتى يُرى أسْمالاَ
قُبِّحتَ يا وجهَ الزمان فلا أرى ... لك بعد أن فُقِد الجمال جَمالاَ
ذاك الذي قد كان قُرَّةَ ناظرِي ... وقَرارَ قلبي بل وأعظمَ حالاَ
قد كنتُ أرجو أن يُؤخَّر يومُه ... عني ويَحْمِل بعديَ الأثْقالاَ
ويذوقَ ما قد ذُقْتُه لِفراقِه ... ويُمارسَ الأهوال والأوْجالاَ
فتطاولتْ أيدي المنيَّةِ نحوه ... وبقِيتُ فرداً أنْدُب الأطْلالَا
كنَّا كغُصْنَيْ دَوْحةٍ قطَع الرَّدى ... منها الأغَضَّ الأرْطبَ المَيَّالاَ
أو كاليديْنِ لِذاتِ شخصٍ واحدٍ ... كان اليمينَ لها وكنتُ شِمالاَ
أسَفِي عليه شمسُ فضلٍ عُوجِلتْ ... بكُسوفِها وعمادُ مجدٍ مالَا
لا كان يوم حم فيه فراقنا ... فلقد أطال الحزن والبلبالا
فسقى ضريحاً حَلَّه صَوْبُ الحيَا ... في كل وقتٍ لا يغيبُ وِصالَا
منها:
هيهات مَن لي بالرِّثاء وفَقْدُه ... لم يُبْقِ فيَّ بقيَّةً ومَجالَا
أفْحمتني يارُزْءَه من بعد ما ... كنتُ الفصيحَ المِصْقَعَ القوَّالَا
مَن لي بطبعِ اللَّوْذَعِيِّ أبي الوفا ... ذاك الذي بالسحرِ جاء حلالَا
مولًى إذا وعظ الأنامَ رأيتَه ... يُلْقى على كل امرئٍ زِلْزالَا
بزواجرٍ لو أنه استقْصَى بها ... أهلَ الضلال لمَا رأيتَ ضلالَا
مولايَ يا صدرَ الزمانِ ومَن غدا ... لبَنيه غَوْثاً يُرتجَى وثِمالَا
ذِي نَفْثةُ المصدورِ قد سرَّحْتُها ... لِحِماك تشْكو بَثَّها إدْلالَا
إِنَّ المُصيبةَ ناسبَتْ ما بيننا ... إِذْ حوَّلت بحُلولها الأحْوالَا
فثكلتَ مَخدومَيْن كلٌّ منهما ... قد كان في أُفْق السُّعود هلالَا
لو أُمْهِلاً مَلَآ العيونَ محاسِناً ... وكذا القلوبَ مَهابةً وكمالَا
ولَكان هذا للمعالي ناظراً ... ولكان هذا في طُلاها خَالَا
خطفتْهما أيْدي المَنونِ وغادرتْ ... ماءَ العيونِ عليهما هَطَّالَا
فأجابه بقصيدة، منها:
стр. 299
لهفِي على بدرٍ تكامَل حسنُه ... قد سار في فلَك الكمال هِلالاَ
أعْظِم به رُزْءًا أتاح مصائباً ... فَتّ القلوبَ ومزَّق الأوْصالاَ
ما كنْت أعلم قبل حَمْلِ سريرِه ... أن الرِّجال تُسَيِّر الأجْبالاَ
وعجبتُ للبحر المُحيط بحُفْرةٍ ... هل غاب حقاً وأوراك خيالاَ
يا دافِنِيه مِن الحياءِ تقنَّعوا ... غيَّبْتُم شمسَ الغَداةِ ضلالاَ
عهدِي الغمامُ حِجابُها مالي أرى ... أضْحى الحجابُ جنادلاً ورمالاَ
وكتب إليه في هذا الشأن:
خَطْبٌ يقرِّب دونه الآجالاَ ... ويمزِّق الأحشاء والأوْصالاَ
فدعِ الجفونَ تجود إن نضَبتْ سَحا ... ئبُ دمعِها الصافي دماً هَطَّالاَ
أفلَتْ ذُكاءُ الفضلِ من فَلك العلى ... ووهَى ثبِيرُ المكرُمات ومَالاَ
وذَوَتْ غصونُ رياضها وتصدَّعتْ ... أجْبالُها حتى بَقِينَ رمالاَ
فقدت أولى الألباب ذو المجد الذي ... عدموا بفقد حياته الإقبالا
فقدُو حليفَ الفضل مَن بكمالهِ ... وحِجاه كنَّا نضرب الأمثالاَ
مَن شاءٍ للعَلْياء يَسْعَ فإن من ... كانتْ له بالأمْسِ مِلْكاً زالاَ
منها:
أعزِزْ عليَّ بأن أرى ربَّ الفَصا ... حةِ والبلاغةِ لا يجيب سُؤالاَ
ما كنتُ أعلمُ قبل يومِ وفاتِه ... أن الكواكبَ تسكُن الأرْمالاَ
ما كنتُ أحسَب أن أرى من قبْله ... للشمسِ من بعدِ الزَّوالِ زوالاَ
منها:
صَبْراً على ما نالَنِي في يومِه ... كالصبرِ منه به على ما نالاَ
ملأَ القلوبَ من الأسى ولطالَما ... ملأَ العيون مَهابةً وجلالاَ
لولا أخوه أبو الفضائل أحمدٌ ... لرأيتَ أنْديةَ العُلَى أطْلالاَ
الكاملُ الفَطِنُ الذي عَزَماتُه ... إن صال تلْقاها ظُباً ونِصالاَ
منها:
ما رام بدرُ التِّمِّ مثلَ كمالِه ... إلا وصيَّره المَحاقُ هِلالاَ
مولايَ يا ابن الرَّاشدِين ومَن لهم ... شرفٌ على هامِ السِّماكِ تَعالَى
صبراً فإِن الدهرَ مِن عاداتِه ... يُدنِي النوى ويُحوِّل الأحْوالاَ
وقد اقتفى أثر الشريف الرضي الموسوي في قصيدته التى رثى بها الصاحب ابن عباد، وأولها:
أكذا المَنون تقْنطرُ الأبْطالاَ ... أكذا الزمانُ يُضَعْضِع الأجْبالاَ
قال وكان بالقرب من ضريحه عدة أشجار من العناب، فشاهدت يوماً أغصانها المخضرة، تزهو بثمارها المحمرة.
فأتبعت الحسرة بالحسرة، ولم أملك سوابق العبرة.
وجادت الطبيعة، بأبيات على البديهة.
وهي هذه:
وقائلةٍ والدمعُ في صَحْن خدِّها ... يَفِيضُ كهَطَّالٍ من السُّحْبِ قد هَمَى
أرى شجراً العُنَّاب في البُقْعة التي ... بها جدَثٌ ضمَّ الشريفَ المُعظَّماَ
لها خُضْرةُ المُرْتاح حتى كأنه ... على فقْده ما إن أحسَّ تألُّماَ
وأغصانُه فيها ثمارٌ كأنها ... بحُمرتها تُبْدي السرورَ تألماَ
ولو أنصفتْ كانت لعِظْمِ مُصابِه ... ذوَتْ واكْفهرَّتْ حَسْرةً وتندُّماَ
فقلتُ لها ما كان ذاك تهاوُناً ... بما نالَنا من رُزْئِه وتهضُّماَ
ولكنها لما وضعْنا بأصلهِ ... غديراً بأنْواع الفضائل مُفْعَماَ
بدَتْ خضرةٌ منه ترُوق وحُزْنُه ... كمِينٌ فلا تستْفْظعِيه توهُّماَ
وما احمرَّتِ الأثْمارُ إلا لأننا ... سقَيْناه دَمْعا كان أكثرُه دَمَا
ولما وقف عليها صلاح الدين الكوراني، قال أبياتا منها:
فيا شجرَ العُنَّاب مالك مُثمِرٌ ... سُروراً ولم تجزَعْ على سيِّد الحِمَى
على رَمْسِه أوْرَقتَ تهْتزُّ فَرْحةً ... وتُدْلِى إليه كلَّ غصن تَنَمْنَمَا
стр. 300
أهذِي أَماراتُ المسرَّة قد بَدَتْ ... أم الحزنُ قد أبْكاك من دونه دَماَ
ومنها على لسان العناب:
نعم فَرْحتي أنَّى مُجاورُ سيدٍ ... نمَى حسبَا في عصرِه وتكرُّماَ
وحضرتُه روضٌ من الجنَّة التي ... زَهَتْ بضجِيعٍ كان بالعلْم مُغرَمَا
أتعْجبُ بي إذا كنتُ في جنبِ روضةٍ ... وحقِّيَ فيها أن أُقيم وألْزَمَا
كعادةِ أشْجارِ الرياض فإِنها ... تمكَّن فيها الأصلُ والفرْعُ قد نَمَا
وقد قيل في الأمْثال إذ كنتَ سامعاً ... خذِ الجارَ قبل الدارِ إن كنتَ مُسلِماَ
أمَا سار من درا الفَناء إلى البَقا ... وأبْقى ثَناءً بالجميل مُعظَّماَ
ومَن كان بعد الموت يُذكَر بالعُلَى ... فبالذِّكْر يَحيَى ثانياً حيث يمّماَ
فقلتُ له يهْنيك طِيبُ جِوارِه ... وحَيَّاك وَسْمِىُّ الغَمامِ إذا هَمَى
لتُسْقِط أثماراً على جَنْبِ قبرِه ... ليلْقُطها مَن زارَه وترحَّمَا
فواعجَباً حتى النَّبات زهَتْ به ... فحُقَّ لنا عن فضلِه أن نُترجِمَا
وله، يمدح المولى البهائي:
كشف الدهرُ عن وُجوه الأمانِي ... ومَحا السَيّئاتِ بالإحسانِ
وأرانا شمسَ العدالةِ تبدو ... في بُروجِ الجمال والعِرْفانِ
وحَبانا من آل سعدٍ بمولَى ... لا يُدانيهِ سعدُ تفْتازانِي
دُرَّةٌ رُكِّبت بتاجِ المعالِي ... غُرَّة أشْرقتْ بوجهِ الزمانِ
عالمٌ وهو عالَم يتراءَى ... للْبَرايا في صُورةِ الإنْسانِ
وهُمام مُهذَّبٌ قد تحلَّى ... بعقُول الكهولِ في العُنْفُوانِ
أخْمَد الظلمَ منه عدلٌ مُنيرٌ ... وكذا النورُ مُخْمِد النِّيرانِ
خُذ يمنِي إنَّ البراعَة منه ... فعلتْ ما يكِلُّ عنه اليَمانِي
إن شَهْباءَنا به قد أنارتْ ... وعلَتْ رُتْبةً على كِيوانِ
وتوالَتْ على بَنيها المَسرَّا ... تُ فهم يسْحَبون ذيلَ التَّهانِي
منها:
أنت معنىً لك الفضائلُ كاللَّفْ ... ظِ ورُوحٌ والمجدُ كالجُثْمانِ
أنت في المَكْرُمات فَضْلٌ ولكنْ ... لابن عبد العزيز في العدل ثانِي
ومنها، يعتذر عن هدية أهداها:
وهُدِيتَ اليسيرَ فأنْعَم وقابِلْ ... نَزْرَه بالقَبولِ والامْتنانِ
فلو أنَّ العَيُّوقَ والشمسَ والبدْ ... رَ مع الفَرْقَديْن في إمْكانِي
كنتُ أهديْتها وقدَّمْتُ عُذْراً ... ورأيتُ القُصور معْ ذاك شَانِي
ومما يسكر العقول في الاعتذار عن الهدية قول الشاهيني، ومن قصيدة كتبها إلى أبي العباس المقري، وأرسل له معها خمسين قرشا:
لو كان لي أمرُ الشبابِ خلْعتُه ... بُرْداً على عِطْفَيْك ذا أرْدانِ
لكنْ تعذَّر بَعْثُ أوَّل غايتي ... فبعثْتُ نحوَك غايةَ الإِمْكانِ
وللسيد أحمد من اعتذارية عن هدية أيضاً:
إلى قصَّر الداعي وأهْدى بلا ... رَوِيَّةٍ مُحْتَقرا نَزْرَا
مِنْ عمَل الصِّين قطاعا أتتْ ... لا تستحقُّ الوصْفَ والذِّكْرَا
فاعْذُر فقد أهدَى إليك الثَّنَا ... عِقْدا نظيماً يُخجِل البدرَا
ومن بدائعه قوله، وهو في غاية الجودة:
لِدَواةِ داعِيكم مِدادٌ شابَ من ... جَوْرِ اليَراعِ وقد رثَتْ لمُصابِهِ
فأتتْ تُؤمِّل جُودَكم وترُوم مِن ... إحْسانكم تجْديدَ شَرْخِ شبابِهِ
وقوله، في صدر رسالة:
أيها الفاضلُ الذي خصَّه الل ... هُ من الفضلِ والحِجَى بلُبابِهْ
إن شوقي إليكَ ليس بِشَوْقٍ ... يُمْكِن المرءَ شرحُه في كتابِهْ
وكتب إلى السيد محمد العرضي، قبل توجهه إلى الروم:
стр. 301
ما زلتُ محسوداً على أيَّامكمْ ... حتى غدوْتُ ببُعْدكم مَرْحوماَ
ومن البليَّةِ قبلَ توْدِيعي لكم ... أصبحتُ رِزْقاً للنَّوى مقْسوماَ
فأجابه، وكان محموما:
وافَى الكتابُ وكنتُ قبلَ وُرودِه ... مِن خوَفْ ذِكْرِ فِراقكم مَحْمُوماَ
هذا ولِي أمرٌ بصَرْفةِ عَزْمِكم ... عنه فكيف إذا غدا محْتوماَ
وله:
إنَّ شَوْقي يجِلُّ عن أن يُؤدِّي ... بعضَ أوْصافِه لسانُ اليَرَاِع
وكان بحلب مفت صدره الدهر بجاه ومال، وعطف إليه الأفئدة وأمال.
وبعد انقراض بني البتروني الذي أبكى الدهر نعيهم، وذهب برونق الرياسة أحوذيهم وألمعيهم.
وقد طلعوا في سماء الغفران شهبا، وأمست أطلالهم بيد النوى نهبا.
وهكذا الدنيا لها التصدير أبنائها جنوح، وموت بعض الناس على بعض فتوح.
فأصبح مكان الدر صدفاً، وصير نفسه لسهام الاعتارض هدفا.
وكان له كاتب يعرف بابن ندى وهو يده ولسانه، وعليه تدور إساءته وإحسانه.
فقدم المفتى يوماً للصلاة على جنازة، فكبر عليها خمساً ظاناً جوازه.
وكان ذلك فغي جمع حافل، جمع بين عالٍ وسافل.
فقال فيه السيد أحمد:
ومُذْ مصطفى صلَّى صلاةَ جنازةٍ ... وكبَّر خمسا سدَّس الناس لَعْنَهُ
فقلتُ اعْذرُوه إنَّه قلد النَّدَى ... ومن قبلُ في الفتْيا لقد قلَّد ابْنَة
يشير بقوله قلد الندى إلى قول أبي تمام، في قصيدته التي رثى بها إدريس ابن بدر:
ولم أنْسَ سَعْيَ الجودِ خلفَ سَرِيرِه ... بأكْسفِ بالٍ يستقيمُ ويظْلَعُ
وتكبيرَه خَمْساً عليه مُعالِناً ... وإن كان تكبيرُ المُصلِّين أرْبَعُ
وما كنتُ أدرِي يعلمُ اللهُ قبلَها ... بأن النَّدَى في أهلِه يتشيَّعُ
ومما يناسب مع هذا، قول بعضهم في موسوس:
وباردِ النِّيَّةِ مَغْموسِها ... يُكرِّر الرِّعْدةَ والهِزَّهْ
مُكبِّراً سبْعين في مَرَّةٍ ... كأنما صَلَّى على حَمْزَهْ
يشير إلى أن النبي ﷺ ، صلى على عمه حمزة سبعين مرة، فكلما قدم علي ميت صلى عليه، وبه استدل على الصلاة على شهيد المعركة.
ولده السيد باكير
فرع من تلك الدوحة الباسقة، وعصماء من عقد محتدها التي تنظمت فرائده المتناسقة.
أنبت به ندى بيته الثناء في حدائق الأذهان، وأملت معاليه المعاني بأفصح لسان على الأذان.
رضع من در العلوم كهلا ووليدا، وحوى من أنواع المفاخر طارفاً وتليدا.
يجتلى ناظره روض الحظ ناضرا، ويجتلب رأيه المغربات فيجعل غائبها حاضرا.
وله منطق يعلم الأبكم براعة التلفظ، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ.
فهو في كلامه النفيس العالي، كأنما عناه بقوله الميكالي:
إن كلامَ ابن أحمد الحسنِى ... آسَى كِلامَ الهمومِ والحزَنِ
سحرٌ ولكن حكى الصَّبا سَحَراً ... في لُطْفِه غِبَّ عارِض هَتِنِ
وقد جرى في مجلس النجم الحلفاوي ذكر نجابته التي دلت عليه، دلالة النسيم على الحبيب إذا هب بعرف صدغيه.
فأثنى علي ثناء الزهر، على جدول النهر.
ووصف محتده وصف حسان، لآل غسان.
فرآ ليلةً في منامه أنه نظيم بيتين في نعته، ثم انتبه مع نومه فكتبهما من وقته.
وهما:
يا كيرُ فاق على الأقْران مرتِقياً ... أَوْجَ المعالي فلا خِدْنٌ يُدانيِه
والفرعُ إن أثْمرتْ أيدي الكرامِ به ... فالأصلُ من كوثرِ الأفْضال يَسْقِيِه
وقد أثبت له ما هو أصفى من ماء المفاصل، وألطف موقعاً من ضمة الحبيب المواصل.
فمنه قوله:
بك صَرحُ العَلاء سامٍ عِمادُهُ ... وكذاك الكمالُ وارٍ زنادُهْ
إن كلَّ الأنام من ناظرِ الد ... هرِ بياضُ وأنت منه سوادُهُ
قد غرقنا من فيْض فضلك في أمْ ... واج بحرٍ تتابعتْ أزْبادُهْ
وإذا الفكرُ لم يُحِطْ بمعا ... لِيكَ جميعا وخاب فيك اجْتهادُهْ
فاعْتذاري ببيْت نَدْبٍ هُمامٍ ... ما كبَا في مَيْدان فضلٍ جوادُهْ
стр. 302
إن في الموجِ للغريق لعُذراً ... واضحاً أن يفوتَه تعْدادُهْ
وقوله، من قصيدة أولها:
تهلَّل وجه الفَضل والعدلِ بالبِشْرِ ... وأصبح شخصُ المجد مبتسمَ الثغرِ
فيالَك من مولىً به الشعرُ يزْدهِي ... إذا ما ازْدهتْ أهلُ المداح بالشعرِ
فريدُ لمعاالي لا يرى لك ثانياً ... من الناس إلا من غدا أحْولَ الفكرِ
معنى الأول مطروق، وأصله قول أبي تمام:
ولم أمدحْك تفْخيماً بِشعرِي ... ولكني مدحتُ بك المديحَا
وأبو تمام أخذه من قول حسان، في مدح النبي ﷺ :
ما إن مدحتُ محمداً بمقالتي ... لكن مدحتُ مقالتي بمحمدِ
والبيت الثاني من قول بعضهم:
إنَّ من يُشرِك باللَّ ... هِ جَهولٌ بالمعانِي
أحْوَلُ الفكر لهذا ... ظن للواحد ثانِي
وله من قصيدة:
لاح الصَّبا كزُرقة الألْماسِ ... فلْتصطبِحْ ياقوتَ دُرِّ الكاسِ
من كفِّ أهيفَ صان وردَ خدودِه ... بسِياج خطٍّ قد بدا كالآسِ
كأن مَرآهُ البديعَ صيفحةٌ ... للحُسن جَدْولُها من الأنْفاسِ
في روضةٍ قد صاح فيها الديكُ إذْ ... عطَس الصباحُ مشمِّتا لعُطاسِ
ضحكتْ بها الأنوارُ لما ان بكى ... جَفنُ الغمام القاتمِ العَبَّاسِ
ورقَى بها الشُّحْرورُ أغصاناً غدتْ ... بتموُّج الأرْياح في وَسْواسِ
والوردُ تحمَده البلابلُ هُتَّفا ... من فوق غصنِ قَوامِه المَيَّاسِ
ويرى البَنفْسَجُ عُجْبَه فيعود من ... حسَدٍ لسطْوتِه ذليلَ الرَّاسِ
والطَّلُّ حلَّ بها كدمعِ مُتيَّمٍ ... لِمعاهدِ الأحبابِ ليس بناسِ
فتظنُّ ذَا ثغراً ولا عيناً وذا ... خَدّاً لغانيةٍ كظَبْيِ كِناسِ
واحْمرَّ خدُّ شقائقٍ مُخْضلَّةٍ ... حُمِيتْ بطَرف النرجِس النَّعَّاسِ
حسداً لخدِّ الطِّرس حين غدا له ... خَطُّ القريضِ بمدْح فضلِك كاسِ
وله من أخرى في المدح:
مولاي قُم نلتقطْ من لُؤلؤِ الحِكَمِ ... دقائقاً حُجِبت عن فِطْنة الفَهِمِ
في وصف روضٍ أنيقٍ راق منظرُه ... من الزَّبَرْجَد والياقوت مُنتظِمِ
أما ترى نفحةَ النِّسْرِين عابقةً ... والزَّعْفرانَ سقتْه السحبُ بالدِّيَمِ
والمِهْرجانَ أتى من جَحْفلٍ لَجِبٍ ... من الرياض فأهدى طيِّب النَّسَمِ
تقابلتْ فيه أحْداقٌ لنَرْجِسه ... تحكى فماً مال للتقبيل نحو فَمِ
والنهرَ عاوَد بعد الصدِّ مُنعطفاً ... يَبُّلُّ شوقَ نباتِ الغَوْرِ والأكَمِ
والوُرْقَ غنَّتْ على الأشجار من طربٍ ... مُجيبةً عَنْدَليبَ الدَّوْحِ في الظُّلَمِ
فالْهَجْ بِتَذْكار غِزْلانٍ لواحظُهمْ ... تركْنَ أهلَ الهوى في قبْضة السَّقَمِ
وأهْيفٍ من ظِباء الْحُور مُقلتُه ... عن قَوْس حاجبِه أوْدَتْ بكلِّ كَمِي
إن يهجُر الشاربُ الريَّانُ مَبسمَه ... فالعذبُ يُهجَر بالإفْراط في الشّبَمِ
في صُدْغه طبعتْ أهْدابُ ناظرِنا ... فظنَّه الصبُّ خطَّا غيرَ ملتئِمِ
أدار شمسَ المُحيَّا بدرُ راحتِه ... ممزوجةً برُضاب المَبْسَمِ الشَّبِمِ
من خمرةٍ عُصِرتْ بالبِشْر من قِدَمٍ ... جاءتْ تخبِّرنا عن سالِف الأُمَمِ
في روضةٍ ضحكتْ فيها أزاهرُها ... مُذْ جادَها وابلٌ يهْمِي بمُنْسجِمِ
وقام بُلْبُها يتلو محاسنَ مَن ... شهباؤُنا منه في أَمْنٍ من النِّقَمِ
صدرُ الموالي فريدُ العصر جَهْبَذُه ... ومَن به الناسُ مغمورون بالنِّعَمِ
كهفُ الأنام مَلاذُ الخلق أحمدُ مَن ... فاق الفحُول بفضلٍ غيرِ منكتِمِ
стр. 303
مَن شرَّف البلدةَ الشهباءَ مَقدَمُه ... ففاخرتْ جُلًّ مُدْنِ العُرْب والعجمِ
أقام فيها عمادَ الشرع مجتهداً ... حتى روَتْ حسنَها للناس عن إِرَمِ
وله من أخرى:
هو في الفؤاد وشخصُه ناءٍ عن الْ ... ألحاظْ فهْو مسافرٌ ومُقيم
سحَر العقولَ بلَحْظِه فكانما ... في الجَفْنِ دُرُّ كلامك المنظومُ
يا أيها المولى الذي أحْيَى رُبو ... عَ الفضل والأفْضال وهْي رَميمُ
أعطيتَ دهرَك من خِلالك خُلَّةً ... فغدا كريم الفعلِ وهْو لئيمُ
وله، وتعزى لوالده:
صدرَ الوجودِ وعينَ هذا العالَمِ ... ومَلاذَ كل أخِي كمالٍ عالِمِ
إن لم تكن لذَوِي الفضائل منقِذاً ... من جَوْر دهرٍ في التحكُّم حاكم
فبمن نلُوذ من الزمانِ وبابَ من ... نَنْتاب غيْرَك في المُهِمِّ اللازمِ
فبِحقِّ مَن أعْطاك أرفعَ رتبةٍ ... أضحى لها هذا الزمانُ كخادمِ
وحَباك من سُلطاننا بمواهبٍ ... تركتْ حسودَك في الحضيضِ القاتِمِ
فإذا تتوَّج كنت دُرَّة تاجِه ... وإذا تختَّم كنت فصَّ الخاتمِ
إلاَّ نظرتَ بعين عطفِك نحوهم ... وتركتَ فيهم كلَّ لَوْمةِ لائمِ
ورَعيْتَ في داعِيك نِسْبته إلى ... خيرِ البريَّة من سُلالة هاشمِ
فالوقتُ عبدك طَوْعُ أمرك فاحْتكمْ ... فيما تشاءُ فأنت أعدل حاكمِ
فإذا تتوج، هذا تضمين، فإن البيت للمتنبي، من قصيدته التي أولها:
أنا منك بين فضائلٍ ومكارم
ومما يحسن له قواله في التشبيه:
ثلاثُ شاماتِه على نَمَطٍ ... في جانب الخدِّ وهْي مصفوفَهْ
كأنها أنجُم الذِّراع بدَتْ ... في جانب الشمسِ وهْي مكسوفهْ
وقد تناول هذا المعنى صاحبنا عبد الباقي بن السمان، في قوله:
وكأن خالَيْه اللَّذَيْن بخدِّه ... والشمسُ في وجَناتِه لم تغرُبِ
نَجْمان قد كسَفتهما شمسُ الضحى ... أو نُقطتا حِبْر بطِرْسٍ مُذْهَبِ
وأصل هذا المعنى لابن خفاجة الأندلسي، في قوله:
غازلْتُه من حبيبٍ وجهُه فلَقٌ ... فما عدا أن بدا في وجهِه شفَقُ
فارْتجَّ يعثُر في أذْيال خَجْلتِه ... غصنٌ بعِطْفيه من إسْتَبْرقٍ ورقُ
تخالُ خِيلانَه في نُورِ وَجْنتِه ... كواكباً في شُعاعِ الشمس تحْترقُ
؟؟ السيد عبد القادر بن قضيب البان
بحر معارف خضم، وطود فضائل أشم.
تأزر بالإحسان وارتدى، وراح في تكميل النفس واغتدى.
هذا وعهده بالشباب قريب، وحديثه ليس بمنكر ولا غريب.
ثم أطال التجول، وأكثر في البلاد التحول.
فدخل الحجاز واليمن، وأقام بها مدة بمنزلة فصل الربيع من الزمن.
ثم رجع إلى دياره، وألقى بها عصا تسياره.
فقعد مقعد السها، وعقل لديه النهى.
وتماسك عن الدنيا عفافا، والتف بالمعارف الإلهية التفافا.
مع شهرة كشهرة ضوء الصباح والمصباح، وطلعة يستفاد من لألائها نور الفلاح والرباح.
وهناك ما شئت من وقارٍ يطيش له ثبير، ومقدار يصغر لديه كل كبير.
إلى يدٍ تفرج إذا ضاق الإعدام، وقدمٍ تثبت إذا زلت الأقدام.
وله أشعار في الحقيقة تحرك السواكن، وتبعث الأشواق الكوامن.
اوردت منها ما إذا وصف رأيت الحسن مجتمعا، وإذا تلي أبصرت كل شيءٍ مستمعا.
فمنها قوله:
أرى للقلب نحوكُمُ انْجِذابَا ... لأسمعَ من خطابكُمُ خطابَا
فكم ليلٍ بقُرْبكمُ تقضَّى ... إلى سَحَرٍ سجوداً واقْترابَا
وكم من نشوةٍ وردتْ نهاراً ... فلا خطأ وَعيْتُ ولا صوابَا
وكم سَحَّتْ علينا من نَداكمْ ... غُيوثٌ لا تفارقُنا انْسكابَا
وكم نفَحاتِ أُنْسٍ أسكرتْنا ... بها حضر الصَّفا والقبضُ غابَا
توافقتِ القلوبُ على التَّدانِي ... فلم نشهدْ به منكم حجابَا
стр. 304
لقد حاز الوليُّ بكل حالٍ ... من الرحمن فيضاً مُستطابَا
تراه بين أهل الأرضِ أضحى ... لِداعي الحبِّ أسرعَهم جوابَا
وغيرَ الله ليس له مُرادٌ ... وغيرَ حِماه لا يرجُو انْتسابَا
وقوله:
سقاني الحبُّ من خمر العَيانِ ... فتُهت بَسكْرتي بين الدِّنانِ
وقلتُ لِرُفْقتي رِفقاً بقلبي ... وخاطبتُ الحبيبَ بلا لسانِ
شربتُ لحبِّه خمراً سقاها ... لصَحْبي فانْتَشَى منها جَنانِي
شطَحْتُ بُشرْبها بين النُّدامىَ ... ورُشْدي ضاع مما قد دَهانِي
فأكْرمَني وتوَّجني بتاجٍ ... يقوم بسِرِّه قطبُ الزمانِ
وأمَّرني على الأقْطاب حتى ... سرَى أمري بهم في كلِّ شانِ
وأطْلعَني على سِرٍّ خَفِيٍّ ... وقال السَّترُ من سرِّ المعانِي
فهام أولو النُّهى من بعض سُكْري ... وغابْوا في الشُّهود عن المكانِ
مُرِيدي لا تخَفْ واشطَحْ بِسرِّي ... فقد أذِن الحبيبُ بما حَبانِي
وقوله:
نظرتُ إليك بعينِ الطلبْ ... ومنك إذاً طلبي والسبَبْ
رأيتُك في كل شيءٍ بدا ... وليس سِواك لعيني حَجَبْ
فأنت هو الظاهرُ المُرتجَى ... وأنت هو الباطنُ المُرتقَبْ
وأنت الوجودُ لأهل الشهودِ ... وأنت الذي كلَّ شيءٍ وَهَبْ
وعيني بعيْنَيْك قد أبصرتْ ... بعيْنك في كل تلك النِّسَبْ
ومن مقاطيعه قوله:
ولقد شكوتُك في الضمير إلى الهوى ... وعَتَبْتُ من حَنقٍ عليك تحنُّنَا
مَنَّيْت نفسي في هواك فلم أجدْ ... إلا المنيَّةَ عندما هجَم المُنَى
وقوله:
إذا امتدَّ كفٌّ للزمانِ بحاجةٍ ... فقُوَّتها من عادة الهِمَّة السُّفْلَى
ومن يَكُ يستغْنى عن الخلقِ جُملةً ... فيُغْنيهِ ربُّ الخلق من فضلِه الأعْلَى
وقوله:
إذا أسأْتَ فأحسِنْ ... واستغفرِ اللهَ تنجُو
وتُبْ على الفَوْر وارجعْ ... ورحمةَ الله فارجُو
ولده السيد محمد حجازي
هو في قلادة نسبهم واسطة، وصاحب أيادٍ بجميل النعم باسطة.
شهرته النزعة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زيه.
وله أملٌ يقوم به مع الأيام ويقعد، ويدنو به طوراً وآونةً يبعد.
حتى رسخ رسوخ ثهلان، وكلف بالمعالي كما كلف بميَّة غيَّلان.
فجمع الله به شمل المكارم في قطره، وأحيى به الأرض الموات إذا ضن سحابها بقطره.
إلا أن فيه عجلةً تلزمه الحجة، وشراسةً تضييق عليه المحجة.
فإذا تكرد لا يرجى له صفو، وإن سخط لا ينتظر له عفو.
وأما القراءة فله منها ما تحصل، ولكن له شعر تدرج به إلى الوصف بالأدب وتوصل.
وقد أثبت له ما يروقك رواؤه، ويغينك عن ماء الغدران إرواؤه.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها البهاء، لما كان قاضيا بحلب، أولها:
ألا منجِدٌ في أرض نجْد من الوجدِ ... فما عند أهْلِيها سوى لوعةٍ تُجْدِى
وقفتُ بها مستأنساً بظِبائها ... كما يأنَسُ الصبُّ المتيَّمُ بالوجدِ
أُسائلُ عمَّن حلَّ بالجِزْع والحمَى ... وأنشُد عمنَّ جاز بالأجْرَعِ الفَرْدِ
خليليَّ إن الصدرَ ضاق عن الجوَى ... فلا تعْجبا من طَفْرة النارِ بالزَّنْدِ
ففي الجسم من سُعْدَي جروحٌ من الأسَى ... وفي القلبِ من أجْفانها كلُّ ما يُعْدِى
بثَغْرٍ يزيدُ الوَقْدَ من خمرِة الَّلمَى ... وصُدْغٍ يُثير الوجدَ من جَمْرة الخدِّ
تُقرِّب لي بالَّلحْظ ما عَزَّ دَرْكُه ... وتنْفِر عمداً كي تُصاد على عَمْدِ
تَلاعَب في عقل الفُحول بطَرْفها ... مُلاعبةَ الأطْفالِ من غِرَّة المَهْد
رمتْ مهجتي أهدابُها عن تعمُّدٍ ... نِبالاً فزادتْ من توقُّدِها وَقْدِى
стр. 305
دنَوْتُ إليها وهْي لم تدْرِ ما الهوى ... وما علمتْ ما حلَّ بي من هوى نَجْد
فقلتُ أما من رُضابِك رَشْفةٌ ... مُعَّللةٌ أرْوِي بها غُلةَ الوجدِ
وهل للتَّداني عِلَّةٌ أستمدُّها ... وأبذُل في إنْجاز وُصْلتِها جُهْدِي
فقالتْ أما يكْفيك وعدي تعِلَّةً ... لقْلبِك فاقْنَعْ يا أخا الوُدِّ بالوعدِ
ولا تَرْجُ مهما تقصد النفسُ نَيْلَه ... فإن الرَّزايا في مُتابعِة القصْدِ
ولا تستِمحْ من كلِّ خِدْنٍ وصاحبٍ ... إخاءً فقد يُفضى الإخاءُ إلى الزهدِ
فما كل إنسانٍ تَراه مُهذَّباً ... ولا كلُّ خِلِّ صادق الوعد والعهدِ
ولا كلُّ نجمٍ يُهتدَي بضيائِه ... ولا كلُّ ماءٍ طيِّب الطعمِ والوِرْدِ
ولا المسكُ في كل المَهاةِ مَحِلُّه ... ولا ريحُ ماءِ الوردِ من عاصرِ الوردِ
ولا فضلُ مولانا البهاءِ محمدٍ ... كفضلِ المَوالي السابقين على حَدِّ
قلت: هذه العلاقة النجدية، اقتضت أن تسمى القصيدة بالوجدية.
وله، من قصيدة أخرى، في مدح البهاء أيضاً، مطلعها:
قطبُ السماءِ هو الطريقُ الأقْصدُ ... دارتْ عليه نجومُه والفَرْقَدُ
والمُشْترِي والزُّهَرَةُ والزهراءُ في ... أَوْج السُّعودِ هبوطُها والَمصعَدُ
والشمسُ ما شرُفتْ على أقْرانها ... إلا بنِسْبته إليها العَسْجَدُ
واللهُ لا تحصَى شئونُ كمالِه ... فالويْل ثَمَّ على الذي لا يشهدُ
ولقد أتيتُ الدهرَ غيرَ مُغادرٍ ... في حالة منها أقومُ وأقعُدُ
فسألتُه مَن في الحمى فأجابني ... مُفتِي الأنام أبو البهاءِ محمدِ
قلت: ها هنا فائدة من المستخرجات بالإلهام، وهي أن كثيراً من الشعراء من يبني روى قصيدته على اسم ممدوحه، ولم يذكروا هذا في البديع، فينبغي أن يسمى ب " التمهيد "، ويذكر.
ومن مستحسناته، قوله في الخمرة ونشأتها:
لا تَرْضَ بالإضرارِ للناسِ ... إن رُمْتَ أن تنجو من الباسِ
وانظُر إلى الخمرِ وما أوقعتْ ... في شارِبيها بعد إيناسِ
لما رضَوا في دَوْسِها عُوقبوا ... بَضرْبةٍ منها على الرَّاسِ
هذا معنى تصرف فيه وبناه على العقاب، وقد استعمله القدماء وأحالوه على جور الشراب.
ولكل مشرب، إما عذب أو مستعذب.
ومن الثاني قول ابن الأثير من فصل في وصف الخمر: وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استثأرت من الرءوس بجناية أقدامها.
وهو أخذه من قول القائل:
ذكرتْ حقائدَها الكريمةُ إذ غدتْ ... وَهْناً تُداسُ بأرْجل العصَّارِ
لا نتْ لهم حتى انتشَوْا فتحكَّمتْ ... فيهم فنادتْ فيهمُ بالتَّارِ
وعلى ذكر التار فأعجب لتار الإشبيلي الذي ينطق الأوتار، وهو قوله:
والخمر تعلمُ كيف تأخذُ ثأرَها ... إني أملتُ إناءَها فأمالنِي
ويعجبني في هذا السياق، قول بعد الأندلسيين الحذاق:
لاتعجَبنَّ لطالبٍ نال العُلَى ... كهلاً وأخْفَق في الزمانِ الأوَّلِ
كالخمرِ تحكُم في العقُول مُسِنَّةً ... وتُداس أوَّلَ عَصْرها بالأرجُلِ
السيد عبد الله بن محمد حجازي
السيد الصنديد، الفقيه الشبيه والنديد.
الشريف في نفسه فضلا عن أرومته، الحسيب في ذاته علاوة على جرثومته.
شرفٌ ليس بمدعي ولا منتحل، وحسب له رونق المشتري ومرتقى زحل.
إذا انتسب باهت به الأنساب، وإذا كتب أرى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب.
إلى مكرمات يدرك أقاصيها، ومعلوات يعقد بالفلك نواصيها.
ألبس من الفضل أحسن لباس، وخلق من طينةٍ غير طينة الناس.
وهو محاسن وفنون، تتغاير عليها آذان وعيون.
بحر إذا نطق وطود إذا سكت، وكله من فرقه إلى قدمه تحف ونكت.
بفكر يفتح المقفل، وذهن يستدرك المغفل.
وآداب رطبةٍ لدى الهصر، ومعارف تأبى على العد والحصر.
стр. 306
ولقد لقيته بالروم سنة سبع وثمانين، وأنا في أيام تلك الغربة راعى سنين.
ولي فؤاد إلى المخالطة شيق، وصدر يسع هم الدنيا وهو ضيق.
فنزلت منه بحيث ملتقى الصدر الرحب والمحيا الوسيم، وحليت بقلبه حلول المسرة وهببت في روض أخلاقه هبوب النسيم.
وكان لي من مجلسه نضرة الريحان، ونفحة الروض وطرب الألحان.
أشيم خضرة ترف في زهرة حسن، وأجتلي روضة في ناظر ونجوى في أذن.
وهو أناله الله من كرمه أفضل إنالة، لا يقترح على الأيام مطلبٌ إلا قال: أنا له.
إلا أن له حبائل تعتلقه، ومطامع لم تزل تعتلقه.
فعوادي الأايام عليه ملحة مكبة، وبواعث صفوها مريحة مغبة.
وهو من بعد الهمة، ووساوس الشدة المدلهمة.
في قسوة سدت عليه طريقاً ومنهجا، وآيسته من أن يلقى مفرجاً ومخرجا.
فأبي له التخيل، إلا التصنع والتحيل.
فدبر أمراً تحراه، ونسب فيه إلى أنه افتراه.
وكان سهوه فيه أكثر من تيقظه، ووقعه أقرب إليه من تحفظه.
فخرج متحسباً إلى مصر، وهو زميل همٍ مبرح وإصر.
ثم عدل الحقيقة عن المجاز، وتوجه إلى مثابة الحجاز.
فحج البيت الحرام وعاد، ودخل بلده وهو من توفر الحظ على ميعاد.
فلم يلبث حتى مد عنان النظر، وتدرج إلى حالٍ أفضت به للأمر المنتظر.
وسبب ذلك أنه وقع بحلب غلا، نهض به سعر الأشياء وعلا.
وكان حاكمهم العرفي سارع إليهم مدده، وتوفرت لعنايتهم أنصاره وعدده.
فانجذبت إليه قلوب الخاصة والعامة، وصاروا يحوطونه من سمة النقص بالكلمات التامة.
واتفق أن الحجازي دعاه ليلة إليه، فلما مضى عنده لم يستقر حتى حقت المنية عليه.
فنسبوه إلى أنه اقتدح في هلكه زنداً ورية، وسقاه الحمام كاساً روية.
ولما خرجوا بجنازته ليودعوه القبر، رأوا الحجازي أمامهم فلم يملكهم عن قتله الصبر.
وشغلوا عن الرثاء بطلب الثار، ولم يجدوا مثلها فرصةً تخمد هذا العيب المثار.
فرمته عن قوسها سهام القضاء الصوائب، وعضت منه إبهام الإبهام بنابها النوائب.
فبقي جسده على الأرض مطروحاً، كأن لم يكن في روض المعارف غصناً مرحاً.
وبلغت أمانيها من ذهابه الأغراض، ولله تعالى المشيئة فليس لنا اعتراض.
فأنا إذا أفكرت في صرعته، وأخذتني لوعة محنته وروعته.
ملكتني عبرة تترقرق، أكاد بمائها أشرق.
وأرغب إلى الباعث بعد الحمام، مادثر من هوامد الرمام.
أن يهبه رحمته وعفوه، ويعوضه عن كدر دنياه النعيم وصفوه.
وقد أثبت من أشعاره التي طلعت محاسنها سافرة المحيا، وسرت سرور الحبيب أحْيَي وحَيَّي.
ما حشوت حينا من دره الثمين مسمعي، فإذا تلوته بكيت فضائله فيبكي السامع معي.
فمنه قوله، من نبوية مستهلها:
أهلا بنَشْر من مَهَبِّ زَرُودِ ... أحْيَي فؤادَ العاشق المنْجودِ
وروى شذَى خبر العقيقِ ففجَّرتْ ... منه عيونَ الدمع فوق خدودِ
ونمَى فنمَّ لنا بأسرار الهوى ... من حيث منزلةُ الظباءِ الغِيدِ
تلك المعاهدُ جاءَها صَوْبُ الحيا ... وسرى النسيمُ بظلها المدودِ
فيها بواعثُ مُنْيتي ومنيَّتي ... وبوِرْدها ظمأِى وطِيبُ وُرودِى
إن تَنْأَ عن عيني بدورُ سمائِها ... فأنا المُقيم على رَسِيس عهودِى
كيف الخلاصُ ولي فؤادٌ مُوثَقٌ ... بالحب لا يُصغِي إلى التفنيدِ
تأوُّه لولا دموعي لم يكدْ ... ينْجو الورى من جَمْرها المَوقُودِ
هذا من قول الآخر:
لولا دموعَى لم يكدْ ... ينْجو الورى من نار قلبِي
وقول الآخر:
لولا الدموعُ وفَيْضُهنَّ لأحرقتْ ... أرضَ الوداعِ حرارةُ الأكبادِ
وأشبه به قول رباح:
نار يُغذِّيها السحابُ بمائِه ... فلذاك لم تكُ ترتمِي بشَرارِ
ولابن عبد ربه، من أبيات ربيعية:
والأرضُ في حُلَلٍ قد كاد يحرقُها ... توقُّد النَّوْر لولا ماءُها الجارِي
وقد قلبه الحرفوشيّ كما تقدم في قوله:
ومدامعي لولا زفيري لم يكدْ ... ينْجُو الورى من سَحِّها المُتَوالِي
داء تَعَوَّدَهُ فؤاد متيَّمٍ ... لم يلتحِفْ غيرَ الأسَى ببُرودِ
стр. 307
كلا ولا كحَل الرُّقاد جفونَه ... أيلَدُّ من ألِفَ الهوى بهُجودِ
ما أعذب التعذيبَ في طُرْق الهوى ... إن لم تُشَب أسْقامُه بصدودِ
نفسِي الفداءُ لذي قَوامٍ ناضرٍ ... جعل الحِدادَ وسيلةَ التهديدِ
رَخْصٌ كجسم النُّور مهْضوم الحشَا ... لَدْن كخُوطِ البانةِ الأُمْلودِ
لبستْ غدائرُه الدجى وتقلَّدتْ ... لَبَّاتُها من زهْرها بعقودِ
عهدي به والليلُ منْفصِم العُرَى ... مُتوسِّد وَفْق المُنى بزُنودِ
والقلبُ يَظْمأُ من مَراشِف ثغرِه ... ظمأَ السكارَى بابْنة العنقودِ
بعث الشبابُ على ورود رُضابِه ... فأتى الفراقُ وحال دون وُرودِ
فجعلتُ زادِي بعده جَرْعَ الأسَى ... وأطلتُ فيه تَهائمي ونُجودِى
وغدوْت في شجَنٍ يُقْلقِل أضلُعي ... إن الشجونَ عَلامَة المَعْمودِ
ليت الذي منع التَّداني بيننا ... وقضى عليَّ بوَحْشة التعبيدِ
بُلْوِى فيُسعفني بتقْريب الخُطا ... ويفْكُّ من أسْر الفِراق قُيودِى
فأشِيمُ برقَ الوصل من قِبَل الحمَى ... وأشمُّ رَوْح الأُنْسِ غير بعيدِ
وأرى خيامَ أحبَّتي وقبابَها ... كالخَوْد تُجْلَى في عِرَاصِ البِيدِ
أرض يفُوح بتُرْبها أرَجُ النَّدى ... والمجدُ في نُوَّارِها المخْضودِ
هي مهبِط الوحىِ القديمِ ومَعِقلُ الدِّ ... ين القويمِ وموطنُ التوحيدِ
وكتب إلى الأمير منجك قصيدة طويلة، اكتفيت منها بالمقدار الذي كتبته، ومطلعها قوله:
سقى جِلِّقاً صَوْبُ السحابُ المزرَّدِ ... وباكَر من أفْيائها كلَّ معهدِ
وقَّلد أجْيادَ الرُّبى في عِراصِها ... يدُ الغيث عِقْدَى لُؤْلُؤ وَزَبْرَجِد
ولا زال خفَّاقُ النُّعامَى مُنبِّها ... عيونَ الخُزَامى بالخفيف المجسَّدِ
وغنَّتْ بها الأطيارُ من كل نَغْمة ... تُهيِّجْن ألْحان النديمِ ومَعْبَدِ
لقد هتَفتْ منها بوَجْدِي سواجِعٌ ... تَلَّفع أظْلالَ الغُصون وترْتدِى
تُنوح وتُشْجينا فنزْداد عَيْمةً ... سنعلم إن مِتْنا صدى أيّنا صَدِ
أشِيم بروقاً بالشَّآمِ مُثيرةً ... عقابِيلَ شوقٍ بالفؤاد المُشرَّدِ
وأسْتافُ نَشْراً كلَّما هبَّ ضائعاً ... تُحدِّث أنفاسَ الحبيب المُبعَِّد
فيْهتزُّ من رَيَّاه قلبي وينْثني ... ولولا اهْتزاز الغصن لم يتأوَّدِ
فَواحُرقتي إن لم أبلَّغْ نعيمَها ... ووافُرقني إن بِتُّ والبَيْن مُقعِدِى
ويومٍ بلَأْلاء الكؤوس مفضَّضٍ ... كستْه يدُ الصَّهْباء حُلَّةَ عَسْجَدِ
قضيتُ به حقَّ الهوى غير أنني ... متى أدْنُ منه اليوم يْنأَى ويبعُدِ
رعى اللهُ أيام الوصالِ فإنها ... ألذُّ من التَّهْويمِ في جَفْن أرْمَدِ
تقضَّتْ وضنَّ الدهرُ منها بنَهْلَةٍ ... تبُلُّ غليلَ السَّائق المتزوِّدِ
منها:
عسى تقذف البَيْداءُ نَضْوِى برحلةٍ ... تُنِّفس عن أسْرِ المَشُوق المُقيَّدِ
إلى بقعة زِينتْ بباقعِة الحجَى ... مُنِيل المعالي المَنْجَكِيِّ محمدِ
عريقِ بلاد الشام دُرَّةِ تاجها ... غَياثِ بني الآداب مَأْوَى المُطرَّدِ
منها:
أخا مَنْجَك يا أكملَ الناس فِطْنةً ... وأشرفَهم بْيتاً بغير تردُّدِ
صبغتَ العُلى بالمكرُماتِ فلم يَحِلْ ... وينكَر في الأعْراضِ غيرُ التجدُّدِ
أمولاىَ يا بدرَ المعالي وشمسَها ... ويا رحلةَ الآمالِ من غير موعدِ
لقد ذلِقتْ في وصف مجدِك ألْسُنٌ ... وعَجَّتْ به بالرُّكْبانُ في كلِّ مشْهدِ
стр. 308
وأهدتْ لنا من بحر طبعِك لُؤْلُؤاً ... على الطِّرسِ حتى كاد يُلقَط باليدِ
منها:
فأسْلْفتُك الإعظامَ والودَّ مُوفِياً ... حقوقَ مَعاليك التي لم تُعدَّدِ
وقدَّمتُ من فكرِي إليك أَلُوكةً ... حَبَتْكَ بمْغبوطٍ من المدح سَرْمَدِ
تُخبِّر عمَّا في القلوب من الجوَى ... ويأْتِيك بالأخبارِ من لم تُزوِّدِ
فأوجِبْ لها حقاً وأنْعِم بمثلها ... وعِضْني بنظمٍ من عقودك يحُمدِ
أُروِّى بها من لاعج الشوق والنوى ... غليلَ فوادٍ بالصَّبابة مُكْمَدِ
منها:
فأنت لْجَفن الدهر سيفٌ وناظرٌ ... ولولاك لم يُبِصرْ ولم يتقلَّدِ
ثم أعقبها بقطعة من نثره، وهي: حامل لواء النظم والنثر، حامي بيضته عن الصدع والكسر.
محل استواء شمس الكرم، العاصر بمجده عنقود الثريا تحت القدم.
واسطة قلادة الفضائل وعقد نظامها، وبيت قصيدة الآداب ورونق كلامها.
جناب الأمير ابن الأمير، والعطر ابن العبير.
لا برحت ظلال معاليه ممتدة على مفارق الأيام، وظل حساده أقلص من جفون العاشق عن طيب المنام.
هذا ولو أوتى الداعي زكن إياس، واستضاء من محاضرة أبي الفرج بنبراس.
وملك براعة ابن العميد، وأحرز خطب ابن نباتة وبداهة عبد الحميد.
وأعطى بلاغة الصاحب ونوادر أبي القندين، ونال مقامات البديع ومفاوضات الخالديين.
وحاز محاورات الأحنف وفصاحة سحبان، وحوى منشآت القاضي الفاضل ومدائح حسان.
ورام أن يزخرف كلاما يناسب مقتضى المقام والحال، لفل حد القلم وضاق ذرع المجال.
وإن أحجم بقيت في النفس حاجة، وعصف على القلب ربح حسرة فهاجه.
فلذلك أقدم على الثانية سجياً، وأبدى لتلك الحضرة هديا.
فإن أكرم الأمير مثواها، فنظم من فرائد عوائده فحلاها.
وأجاب بما يروى غليل الفؤاد، ويخصب مراد المراد.
فذلك من مساعي فطرته المنجكية، ودواعي شيمته البرمكية.
فأجابه بهذه الأبيات:
أمولايَ من دون الأنام وسيِّدِي ... بمدحِك قد بلَّغْتني كلَّ سُؤْدَدِ
بعثتَ بأبياتٍ كأن عُقودَها ... مُنضَّدةٌ من لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ
أُمتِّع طَرْفي في طروسٍ كأنها ... مبادِى عِذارٍ فوق خَدٍّ مُورَّدِ
سطورٌ إذا مارمتُ قتْل حواسدِي ... أُجرِّد منها كلَّ عَضْبٍ مهنِّدِ
تكلفِّني ردَّ الجواد وإنني ... أبِيتُ بفكرٍ في الزمان مُشرَّدِ
وليس يُجيد الشعرَ منطقُ عاجزٍ ... ضئيل على فُرْش السُّهادِ مُوَسَّدِ
يمرُّ به العمرُ الطويل مُضيَّعاً ... على الكُرْهِ منه بين واشٍ وحُسَّدِ
فعذراً أخا العلْياءِ فُلَّتْ عزائمي ... وقد كنُت كالسيف الصَّقِيلِ المجرَّدِ
فإنك أهلُ الصفحِ والعفوِ والرِّضا ... وإنك من نَسْلِ النبيِّ محمدِ
أعَزُّ بني الدنيا وأشرفُ من سَمَا ... إلى الرتبِة العَلْيا بغير تردُّدِ
صغيرٌ إذا عُدَّت سِنِىُّ زمانِه ... كبيرٌ به أشياخُنا الغُرُّ تقتدِى
تملَّك رقَّ الحمدِ والشكرِ والثَّنا ... بكفٍّ على فعل الجميلِ مُعوَّدِ
فلا زال عيناً للزمان وأهلِه ... يجرِّر ذيلَ الفخرِ في كلِّ مَشْهَدِ
ومما طارحني به في بعض مطارحاته، أنه لما مر بدمشق قاصداً الحج، شغف بأحد أبناء سراتها، وكان من الأشراف، قال: ثم فارقته وتباكينا يوم التوديع، فكتبت إليه من الطريق مضمناً بيت البحترى:
يا آل بيتِ المصطَفى هل رحمةٌ ... لفؤاد مشبوبِ الجوانح نائرِ
ضلَّتْ نواظُره الرَّقادَ وما اهتدتْ ... ببَياض دمعٍ من سوادِ ضمائرِ
دمعٌ تعلَّق بالشَّؤونِ فساقَه ... زفراتُ بَرْحٍ من جوًى مُتخامِرِ
لو تنظرون إلى الشَّتيتِ وسِرْبُه ... يقْفو سُروبَ زواخرٍ وزوافرِ
لعذرْتموه وماله من عاذِلٍ ... وعذلْتموه وماله من عاذرِ
стр. 309
واهاً لأيامٍ تقضَّتْ خُلْسةً ... في ظلِّ دَوْحٍ بالسيادةِ ناضرِ
دوحٌ عليه من النبيِّ محمدٍ ... وَضَحُ الصباحِ ونفْح روضٍ باكرِ
لم أنْسَه يومَ الوَداعِ وطَرْفُه ... يرنُو إلى شَعثِ النجيبِ الضَّامِرِ
وفعالُه تُبدِى نفاسةَ عِرْقِهِ ... في فضْل وجهٍ بالسماحةِ زاهرِ
حتى إذا جدَّتْ بنا ذُلَلُ النَّوى ... والعينُ تسْفح بالنَّجِيع المائرِ
سِرْنَا وعاوَد كالمقيم وربما ... كان المقيمُ عَلاقة للسائرِ
ومن بدائعه قوله:
ألا لا تسَلْ أيّ شيءٍ جرَى ... ومن قَرْح جَفْنِيَ ماذا جرَى
تعلَّمتُ من حبِّه الكيِميَا ... وصرتُ حكيماً به أكْبرا
سحَقْت فؤادي وأودعتُه ... بنارِ غرامٍ به أسْعَرَا
وصيَّرتُ عيني أنبيقةً ... وقطَّرْتُه ذهباً أحمرا
ألا هكذا يا أُخَيَّ الهوى ... كما كلَّ صيدٍ بجوف الفَرَا
وقوله:
لم يدْرِ من بالوصل مازَ جَفاكِ ... أن الرَّحِيقَ العذبَ مازَج فاكِ
قد كنتُ في دِين الغرام موحِّداً ... ومُوحَّداً من دون من يَهواكِ
حتى نصبْتِ الهُدْبَ منكِ حُبالة ... للعاشقين وعُقْلةَ النُّسَّاكِ
وأريْتنِي ناراً بخدِّك أُضرمتْ ... فوقعتُ في الأشْراكِ والإشْراكِ
وقوله:
رأسُ الشريف عليه سندسُ أخضرٍ ... عنوانُ ما في الخلدِ بعضُ حُلاهُ
سُقِيتْ بماء مكارمٍ أعْراقُه ... فاخْضرَّ من أصلٍ زكا أعْلاهُ
من قول الشهاب الخفاجي:
يقول على رأس الشريفِ علامةٌ ... ونورُ نبيِّ الله عن ذاك أغْنَاهُ
فقلتُ جرى ماءُ المكارمِ والندى ... وقد طاب مَجْراه لذا اخْضَرَّ أعْلاهُ
وله في مجدر:
يقولون من تهواه جُدِّر وجُهه ... فقلتُ لهم حاشاه من نَصَبٍ يُردِي
ولكن أشارُوا بالبَنان لحسنِه ... فأثَّر أطرافُ الأناملِ في الخدِّ
قلت: لله دره على ما أبدع: وقوله: جدر بالبناء للمفعول، تقول جدر الرجل، فهو مجدر.
وفي الأساس: مجدر ومجدور.
وأنكر الحريري في الدرة مجدراً، وعده من الوهم.
قال: لأنه داء يصيب الإنسان مرة في عمره، من غير أن يتكرر عليه، فلزم أن يبنى منه المثال على مفعول، ولا وجه لبنائه على مفعل الموضوع للتكثير.
ولا وجه لإنكاره، إذ ليس كل فعل للتكرير والتكثير، فقد يجيئ بمعنى فعل كثيراً، مع أن التكثير والتكرير محقق هنا باعتبار أفراد حباته، وهو في غاية الظهور.
والأفصح أن يقال جدري، بضم الجيم، واشتقاقه من الجدر وهو آثار الكي على عنق الحمار.
وقد أكثر الشعراء من وصف المجدر، ولم أر أحسن من قول أبي سعد الجويني:
بدتْ بثَراتُه فوق المُحيَّا ... كما نُثرتْ على الشمس الثُريَّا
كأن الخدَّ والبثَرات فيه ... حَبابٌ فوق كأسٍ من حُمَيَّا
وأنشدني الحجازي، قوله في وصف مجلس لبعض أحبائه، أطل على غدير فرشت أرضه بحصبائه:
حسَدتْ جَمْعنا النجومُ فألْقتْ ... نَفْسَها في مناقِع الغُدْرانِ
هذ بيتٌ ماله الحسن موازي، يساوي ألف بيت من جنس بيت المنازي.
وما أظن أن أحداً سبقه إلى هذا المعنى، ولا أن فكراً طرق هذا المغنى، غير أن في قطعة لابن حمديس بيتا يقاربه في المبنى، وهو:
كأن حُبابا رِيع تحت حَبابِه ... فأقبل يلقى نفسَه في غَدِيرِهِ
وأنشدني من لفظه لنفسه، قوله في قصيدة، في مدح الوزير الفاضل:
ولرُبَّ يومٍ قد تلفَّعتِ الضحَى ... منه بثوبَيْ قَسْطَلٍ وغَمامِ
حسرتْ قِناعَ النَّقْع عنه عُصبةٌ ... غُبْرُ الوجوه مُضيئةُ الأحْلامِ
مُتجرِّدين إلى الِّنزالِ كأنما ... يتجرَّدون لواجبِ الإحرامِ
لا يأنَسُون بغير أطْرافِ القَنا ... كالأُسْد تألَف مَرْبِض الآجامِ
стр. 310
يْسرى بهم نَجْمان في ليلِ الوغَى ... رأىُ الوزير ورايةُ الإسلامِ
وكان أتحفني من أناشيده بطرف بدائع، هي في عهده الدهر من جملة مالي من ودائع.
ووقع في داره بالروم حريق، فتلف بعض أسباب رياشه، وذهب جل ما اتخذه من ذخائر معاشه.
فقلت أخاطبه:
فِدًى لك ما على الدنيا جميعَا ... فعِش في صِحَّةٍ وابْلِ الرُّبوعَا
لئن جزِع الأنامُ لَفْقد شيءٍ ... فلستَ لفَقْدك الدنيا جَزُوعَا
تعلَّمْنا الأناءَةَ منك حتى ... توطَّنَّا بها الشرفَ الرفيعَا
أفاض اللهُ جودَك في البرايا ... وأنبتَ من أياديك الربيعَا
وصوَّرك الميهمنُ من كمالٍ ... لنَعْلم صنع خالقِك البديعَا
فمُر واحكُم بما تختارُ فينا ... تَجِدْ كُلًّا با تهوَى مطيعَا
فلو كلَّفتَ يومَ الأمسِ عَوْداً ... لَخاض الليلَ واخْتار الرجوعا
ولو ناديتَ سهماً في هواءٍ ... لعاد القَهْقَري وأتى سريعَا
يضُمُّ البُرْدُ منك أخا فَخارٍ ... يبيتُ الليلَ لا يدري الهُجوعَا
وإنِّي مَن بجُودك قد ترقَّى ... وحلَّ من العُلى حصناً مَنِيعَا
خُلِقتُ على الوفاءِ لكمْ مقيماً ... وأوْفَى الناسِ من حفِظ الصنيعَا
وكتبت إليه من دمشق، بعد عودى من الروم إلى حلب، هذه القصيدة:
أرى النَّدْبَ مَن صافَي الزمانَ المحاربَا ... وأغْبَى الورى من بات للدهر عاتبَا
أتعتَبُ من لا يعقل العَتْبَ والوفا ... ولا هَمَّه شيءٌ فيخشَى العواقبَا
وإن ضَنَّ لم يسمَح بمثْقال ذَرَّةٍ ... ولم يُبْقِ موهوبا ولم يُبق واهبَا
ولا جَنَّةٌ تُغنِيك إن كان مانعاً ... ولا منزلٌ يُؤْويك إن كان طالبَا
أُحاوِل شَكْواه فألْقَى نوائباً ... تُهوِّن عندي منه تلك النوائبَا
ولن يسبِق الأقْدارَ من كان سابقاً ... ولن يغلبَ الأيامَ مَن كان غالبَا
ومَن صحِب الدنيا ولو عُمْرَ ساعةٍ ... رأَى من صُروف الدهر فيها العجائبَا
وقَفْرٍ كيوم الحْشر أو شُقَّة النوَى ... يُضِلُّ القَطا أعْملت فيه النجائبا
وليلٍ كقَلْبِ السامِرِيِّ قطعتُه ... إلى أن حكى بالفجر أسود شائبَا
وما كنتُ أرْضَى بالنوى غير أنني ... جديرٌ بأن لا أرْتِضى الذلّ صاحبَا
فنظَّمتُ من دُرِّ المعاني قلائداً ... جعلتُ قوافيها النجومُ الثواقبَا
وَيمَّمتُ أقْصَى الأرضِ في طلبِ العلى ... ولم أصْطحبْ إلا القَنا والقواضِبَا
فلاقيْتُ في الأسْفارِ كلَّ غريبةٍ ... ومن يغتربْ يلْقَ الأمورَ الغرائبَا
وخلَّفتُ مَن يرجُو من الأهلِ أوْبَتِي ... كما انْتظر القوم العطاشُ السحائبَا
وكم قائلٍ لا قرَّب اللهُ داره ... ومن يتمنَّى لو بلغتُ المطالبَا
فعُدْتُ على رغم الفريقْين سالماً ... ولم أقْضِ من حّق الفضائل واجبَا
وحسْبِي وجودُ ابن الحجازِيِّ نائلاً ... به لم أزلْ ألْقَى المُنَى والمآربَا
فتًى قد جهلتُ العُسْرَ منذ عرفُته ... ولَانتْ ليَ الأيامُ عِطْفاً وجانبَا
وأصبحَ يْلقاني العدوُّ مُسالماً ... وقد كاد يْلقاني الصديقُ مُحاربَا
منها:
فِراستُه تُغنيك عن ألفِ شاهدٍ ... تُرِيه من الأشياءِ ما كان غائبَا
وَقُورٌ كأن الطيرَ فوق جليسِهِ ... ترى الدهرَ منه خائفَ الدهرِ راهبَا
في قولهم: كأنما على رؤوسهم الطير توجيهان: أحدهما: أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رؤوسهم طائر يريد أن يصيده، فهو يخاف إن تحرك طيران الطير وذهابه.
والآخر، هو أن نبي الله سليمان ﵇، كان يجلس هو وأصحابه، ويقول للريح:
стр. 311
أقلينا، وللطير: أظلينا، ويستشعر أصحابه السكون والسكوت؛ فشبهوا بجلساء سليمان الذين لا يتحركون، والطير تظلهم من فوق رؤوسهم.
ويقال للرجل الحليم إنه يساكن الطير، أي أن طائره لا ينفر من سكونه.
أخافَ سِباعَ الطير من سَوْطِ رأيه ... فكادتْ لفَرْطِ الخوف تُلقِى المخالبَا
ولو أدرك المجنونُ أيامَ حُكْمِه ... لأعرَض عن ليلَى وأصبح تائبَا
منها:
خبيرٌ بتحْقيق العلومِ مُدقِّقٌ ... إذا جال في بَحْثٍ أراك العجائبَا
وإن نثَرتْ يُمناه في الطِّرْس لُؤْلُؤاً ... كتبْنَا على تلك الَّلآلي مطالبَا
وذيلتها برسالة وهي: أقسم بمن جلت عظمته، وعلمت كلمته.
وسخر القلوب للمودة، وصقل بالمحبة الخواطر المستعدة.
إنني أشوق إلى لثم يد مولاي من الروض إلى الغمام، ومن الساري إلى تبلج القمر في الظلام.
وقد كانت حالتي هذه وأنا جاره، فكيف الآن وقد بعدت عني داره.
وليست غيبته عني إلا غيبة الروح، عن الجسد البالي المطروح.
ولا العيشة بعد فراقه الجاني، إلا كما قال البديع الهمذاني: عيشة الحوت في البر، والثلج في الحر.
وليس الشوق إليه بشوق، وإنما العظم الكسير، والنزع العسير، والسم يسرى ويسير، والنار تشوى وتطير.
ولا الصبر عنه بصبر، وإنما هو الصاب والمصاب، والكبد في يد القصاب، والنفس رهينة الأوصاب، والحين الحائن وأين يصاب.
وقد كتبت إلى مولاي هذه القصيدة، وأنا لا أحسبها من الإحسان بعيدة.
وهذا الكتاب، وقد أنفقت عليهما مدةً من العمر، وصرفت على تحريرهما حينا من الدهر.
وكتبتهما وأنا مستغرق في ذكرك، مشغولٌ بحمدك وشكرك.
ذاكرٌ عهدك، ومقامي عندك.
في أوقاتٍ ألذ من قبل الغيد، وأشهى من اجتلاء الخدود ذات التوريد.
حيثما العيش أخذ طلقه، واستوفى من الأماني حقه.
وأنت تقرط سمعي بفوائدك، وتملأ صدفة أذني بلآلي فرائدك.
من أدبٍ أغزر مادةً من الديم، وأنشط للقلب من بوادر النعم.
ولقد يعز علي أن ألفى بعيداَ عنك، متروك الذكر منك.
ولكن هو الدهر، وعلاجه الصبر.
فصبراً على الأيام في كلِّ حالةٍ ... فكم في ضميرِ الغيب سِرٌّ مُحجَّبُ
وربما تخالج في صدري لداعيةٍ اقتضته، ورعونةٍ لأجل التنافس تقاضته.
أن يشرفني بمكاتبة، ويؤهلني إلى مخاطبة.
جرياً على معروف المعروف، وطمعا في اغتنام كرمه الموصوف.
حتى أباهي بكلمه الزمان، وأجعلها حرز الأماني والأمان.
وأظنه يفعل ذلك متفضلاً، لا برح لكل إحسان مؤملا.
فكتب إلى جوابا.
نحن عِفْنا الشهباءَ شوقاً إليكم ... هل لديكم بالشَّامِ شوقاً إليْنَا
قد عجزْتُم عن أن تَرَوْنا لديكمْ ... وعجزْنا عن أن نراكم لَديْنَا
حفظ اللهُ عهدَ من حفِظ الْ ... عهدَ ووَفَّى به كما وَفَّيْنَا
اللهم جامع المحبين، ومعين القوى على ألم النوى وما جعل الله لرجلٍ من قلبين.
أسألك بما أودعته في سرائر المخلصين من أسرار المحبة، وأنبت في رياض صدورهم من المودة، هي التي كحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
فارع فرع الشجرة المحببة وأصلها، وأفض عليها فواضلك التي كانوا أحق بها وأهلها.
واحفظ اللهم هاتيك الذات الزكية التي رؤيتها أجل الأماني، ونور تلك الصفات التي إذا تليت تلقتها الأسماع كما تتلقى آيات المثاني.
هذا وما الصب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب.
بأشوق مني إلى تلقي خبره، واستماع ما يفتخر به الركبان من حسن أثره.
وماغرضي من عرض الأشواق، التي ضاقت عنها صدور الأوراق.
إلا تأكيدٌ لما يحيط به علمه المحترم وتشنيفٌ لمسامع اليراع بذكر صفاته التي تطرب فيترنم بألطف نغم.
ولقد كنت أتوقع زيارته لما قدم البلدة النجرا، فثنى عنان الإعراض وأجرى جواد الانبرا.
وما هكذا كنَّا لقد كان بيْنَنا ... معاملةٌ عن غير هذا الجفَا تُنْبي
هذا وضمير الأخ أنور من أن يستضئ بمصباح الاعتذار وأعلم بصدق المحبة في حالتي القرب والبعد والإعلان والإسرار.
وليس يندمل الجرح منا إلا بمرهم لقائه، ولا يشفى غليله إلا بري روائه.
فالرجاء أن يتلافى ما فرط بل أفرط من الإعراض، ويسمح بما نتوقعه منه بلا إغماض.
стр. 312
هي الغايةُ القُصوى فإن فات نَيْلُها ... فكُلٌّ من الدنيا علىَّ حَرامُ
؟ السيد يحيى الصادقي
غرة في جبهة الفخر، ينفلق عنها لألاء الفجر.
أساريره على فرحة الحمد مشرفة، وصحيفتاه ما زالا يطلعان ورد المعرفة.
أحسن في هذه الحلبة السباق، وكان له في روضة الأدب الاصطباح والاغتباق.
ولذاته المحاسن أجمع، وبمثله لم يتمتع منظر ومسمع.
إلى ما حواه من مطارحةٍ معسولة، ومعاشرة من وسخ الرياء مغسولة.
مرآة طبعه عن أسرار المعاني تشف، وورد رويته عليه طيور القلوب ترف.
وله أشعار أسوغ من السلاف وألطف، وأدق من السحر يجول في لحظ شادنٍ أو طف.
تعد كلاما وهي تجتلى بين الندام، فيتسلى بها فؤادٌ ما تسليه المدام.
وقد أوردت من نادرها الغريب، ما يتحير من كيفية تخيله الفطن الأريب.
فمنه قوله:
ولم أشْربِ الخمرَ الحرام تعمُّداً ... ولكن دعتْينِه الضرورةُ فاعْلمِ
تخيَّل لي في كأسِه عند مَزْجِه ... بكفِّ الذي أهْواه هيئُة أرْقَمِ
فخِفْتُ عليه منه لَدْغة ضائرٍ ... فأوهمْتُه وَكْراً وأدخلتُه فمِي
وقوله في تشبيه النرجس:
انْظُر إلى النَّرْجِس لمَّا بدا ... معتدلَ القامِة كالصَّوْلَجانْ
كأنه كفُّ عُقابٍ هوَتْ ... فاختطفتْ تاج أنُوشِرَّوانْ
قلت هذا تشبيهُ، ماله شبيه، غير أنه شدد فيه راء شروان، وهو من غلط الخواص.
وهذا اللفظ فارسي معرَّب، تكلمت به العرب، وأصله نور شروان، ومعناه الأسد الجديد، وهو وصف لكسرى.
قال عدي ابن زيد:
أين كسرى كسرى الملوك أنُوشِرْ ... وانَ أم أين قَبلَه سابورُ
وقد يعتذر عن تشديده بما قاله في مثله العصام: وللعرب التصرف في ألفاظ العجم، ولهذا يقال: هو أعجمي فالعب به ماشئت.
وولاه بعض القضاة نيابة محكمة تعرف بالسيد خان، فكتب إليه:
أصبحتُ مع الشمسِ بُبْرجِ المِيزانْ ... إذ أنْزلِني الهمامُ بالسَّيِّد خانْ
لكن وعُلاكَ كلُّ مَن ناب يَخُنْ ... والعبد يعافُ كلمةَ السيِّد خانْ
وحكى لي شيخنا المهمنداري، مفتى الشام، أن الصادقي حضر مع جماعة من الأدباء، منهم البديعيّ، وعبد القادر الحمويّ، في مجلس السيد أحمد بن النقيب، في ليلة شاتية تكاد نارها تخمد، وأفكار القلوب فيها تجمد.
والمجلس قد احتبك، وأرميت لمصائد الأفهام الشَّبك.
وبينهم بدر ترمقه المقل، فتجرح منه مواضع القبل.
إذا تلهّبت نيران خدّيه تراءت بها جنات النعيم، يدور عليها عقرب صدغه الليلي فكم من سليمٍ منها في ليل السقيم.
فجيء بمنقل شُبّ ضرامه، كما شُبّ في كل قلب منهم غرامه.
فما حصل حتى بدِّدت ناره عن عثرة، وأصلي منها ذلك الحفل ألف جمرة.
فقال الصادقيّ فيه:
ضَمَّنا مجلسٌ لتاجِ الموالِي ... عالمِ العصر بِكْرِ هذا الزمانِ
غُرةُ الدهر أحمدٌ ذو الأيادِي ... وابنُ خيرِ الأنام من عَدْنانِ
بفَريدِ الحسان خَلْقاً وخُلْقاً ... عَنْدلِيبِ الإخوانِ نورِ المكانِ
فاشْتَهى كلُّنا زَفافَ عروسِ الْ ... حُسنِ تُجْلَى في لونِها الأُرْجُوانِ
فانْثنَى كالقضيبِ تفْديه نفْسِي ... عابثاً بالسِّياطِ والمُجَّانِ
فأصاب الكانُونُ سَوْطٌ فطار الْ ... جمرُ من وَقْعِه على الإخوانِ
فسألْنا ماذا فقال نِثَارُ الْ ... حبِّ جمرٌ لاَ جَمرةٌ من جُمانِ
واعْتراهُ الحيَا فأخْمدها مِن ... غير بُؤْسٍ بساعدٍ وبَنانِ
ففرِقْنا عليه منها فنَادَى ... وكذا النورُ مُخْمِد النِّيرانِ
وقال أيضاً:
لاَمُوا الذي حاز لُطفاً ... وبَهْجةً وجَلالَهْ
إذ بدَّد النارَ عمداً ... ليلاً وأبْدى الخَجالَهْ
وصاغ في البُسْطِ شُهْباً ... إذْ كان بدراً بِهالَهْ
وكفَّل الطَّفْيَ يُمْنا ... هُ تارةً وشِمالَهْ
كذلك الشمسُ تُدْنِي ... لكلِّ نَجْمٍ زَوالَهْ
стр. 313
فقلتُ لا تعذِلُوه ... دَعُوه يُوضِحُ حالَهْ
بأنه بدرُ تِمٍّ ... حِيناً وحِيناً غَزالَه
وقال أيضاً:
أفْدِي الذي أبدى سَما حُسْنِه ... لنا شُموساً ثم أقْمارَا
فاسْترق القومُ بأبْصارِهمْ ... سَمْعا فعاد السمعُ إبْصارَا
فأرسل الشُّهْبَ عليهم من الكا ... نُونِ تَهْتاناً ومِدْرارَا
فظنَّه الجاهلُ مِن جهلِه ... بأنه قد بدَّد النارَا
وقال أيضاً:
أنْشدتُ من أهوَى وقد أخذ الهوَى ... بمَجامِعي واسْتحْوذَ اسْتحواذَا
كبدِي سلبْتَ صحيحةً فامْنُنْ على ... رمَقِي بها مَمْنونةً أفْلاذَا
فأشار للكانونِ فانْثالتْ على ال ... جُلاَّسِ جمراً وابِلاً ورَذاذَا
وبدا يُكَفْكِفُه حَياً ويقول لي ... مَن كان ذا لُبٍّ أيطلبُ هذَا
وقال السيد أحمد بن النقيب:
قد قلتُ إذ عثَر الذي ألْحاظُه ... فعلتْ بنا فِعْلَ الشَّمُولِ مُشَعْشَعَهْ
في مجلس بالنار فانْتثرتْ على ... بُسْطِي فجَلَّله الحياءُ وبَرْقَعَهْ
وأكبَّ يدفع عَبْثَها بأكُفِّه ... مُسْتعظِماً ذاك الصَّنِيعَ ومَوْقِعَهْ
جَمراتُ حُبِّك لو علمتَ بفعْلِها ... في القلبِ ما اسْتعظمتَ حَرْق الأمْتعَةْ
وقال أيضاً:
لا تَحسَبُوا النارَ التي ما بيْنَنا ... نُثِرت من الكانُونِ كان شَتاتُهَا
بل إنما ذاك الذي ألْحاظُه ... سلبتْ عقولَ أُولى النُّهَى فَتراتُهَا
لمَّا رأى عُشَّاقَه تُخْفِى الجوَى ... ولهيبَ نارٍ دَأْبُه زَفراتُهَا
وأراد يفْضحها أشار بكفِّه ... لقُلوبها فتناثرتْ جَمراتُهَا
وقال البديعيّ:
في الدُّجى زار مُنْعِماً مَن أَرانَا ... مَن رآه في حبِّه مظْلومَا
عثَرتْ رِجلُه فبدَّدتِ النَّا ... رَ فخِيلَتْ بلا سَماءٍ نُجومَا
واكْتستْ وَجْنتاهُ ثوبَ احْمِرارٍ ... فَرَقاً منه أن يكون مَلُومَا
قلتُ مولايَ هذه بعضُ نارٍ ... أنتَ أضْرمْتَها بقلبي قديمَا
ظهرتْ منه بعد ما قد أكنَّتْ ... هَا ضُلوعي إذا ما أراك رحيمَا
فانْثَنى ضاحكاً وقال إذا كا ... نتْ لَظَى الشوقِ ما لها لن تدُومَا
وقال عبد القادر الحمويّ:
إن الذي أخْجَل شمس الضحى ... في مجلسِ المولى الرفيع العمادْ
بدَّد ناراً كان للإْصْطِلا ... فانْبَثَّ كالياقوتِ بين الأيادْ
فانْصَاع يَزْوِي الجمرَ في أنْمُلٍ ... كالخَزِّ إن حاولْتَ منها انْعقادْ
وقال إذ رامَتْ بتأْجِيجِها ... تحكي سنَا خَدِّي ومنك الفؤادْ
نثرْتُها عمداً على بُسْطِ مَن ... أرْوَى ندَاه كلَّ غادٍ وصَادْ
السيد عطاء الله الصادقيّ
هو للذي قبله نسيب، يتناسب فيه مدح ونسيب.
صحيفة مجده للخير قابلة ... ونسخة محتده صحيحةٌ مقابلة.
إذا قال صدق، وإذا استمطر غدق.
تعاطى المسرة صرفا، واتخذ المجرة مدى والعيُّوق طرفا.
وله أدب مشعشع مروَّق، وشعرٌ به جيد الدهر مطوّق.
اثبتّ منه ما ينساغ انسياغ الريق، ويهزأ بدرر الثنايا في اللّمعان والبريق.
فمنه قوله:
أقسمتُ ما لا ح بَرْقٌ من ثَناياكِ ... إلاّ وسَحَّ سَحاباً طَرْفِيَ الباكِي
وما تغنَّتْ حَماماتٌ على فَنَنٍ ... إلاَّ وجاوَبها بالنَّوْح مُضْناكِ
يا فتنةً قابلتْ بالصَّدِّ وُدَّ فتًى ... ما مال في حبِّها يومًا لإشْراك
إن غبْتِ عن ناظِري ما غبتِ عن خَلَدِي ... وحيث كنتِ فإنَّ القلبَ مأْواكِ
أبِيتُ فيك أُراعِي النجمَ من قلَقٍ ... ما كنتُ أرْعَى نجومَ الأُفْقِ لَوْلاكِ
стр. 314
وفيك لي قد حلا خَلْعُ الغِدارِ لما ... طربتُ عند سماعي وَصْفَ مَعْناكِ
يا شمسَ حُسْنٍ بليلِ الشَّعرِ طالعةٌ ... لطَلْعةُ البدرِ جزءٌ من مُحَيَّاكِ
كذاك الريمِ سهمٌ فيك من مُلَحٍ ... وللصَّباحِ نصيبٌ من ثَناياكِ
لم ألْتفتْ لسِواكِ غيرَ مَن بهرتْ ... علومُه كلَّ ذِي فضلٍ وإدْراكِ
أخي الفضائل مَنَّاحِ المسائلِ وهَّ ... ابِ الجزائِل أمْنِ الخائِف الشاكِي
مولًى بأعلَى أعالِي المجد رُتْبتُه ... أضحتْ بأوْجِ المعالي فوق أفْلاكِ
به لقد نُسِخَتْ أخبارُ من دَرَجوا ... من الأكارمِ من عُرْبٍ وأتْراكِ
إن سادَ كلَّ الورى فضلا فلا عجَبٌ ... فإنه فَرْعُ أصلٍ طاهرٍ زاكِى
مِن قادةٍ ورِثُوا العلياءَ كُلِّهمُ ... وأصبحوا للمعالي أيَّ أمْلاكِ
مامنهمُ غير نِحْرِيرٍ بمُصْطدَمِ الْ ... أبحاثِ يُلْقِى عليها أيَّ فَتَّاكِ
فبدَّد المالَ والأيامُ عابسةٌ ... روَتْ أياديه عن بِشْرٍ وضَحَّاكِ
بُعْداً لمَنْ رام يحْكيهمْ بفيْضِ نَدًى ... أيُشْبه الغيثُ إبراهيمَ ذا الزَّاكِي
يا مُفْردَ العصرِ في خَلْق وفي خُلُقِ ... وألطفَ الناس في فَهْمٍ وإدراكِ
حكاكَ فَيْضُ الحيا إذْ هلَّ منهمِلاً ... لدَى العطاءِ وليس الفضلُ للْحاكِي
بصَحْبِها سُفْنُ آمالٍ لديك سرَتْ ... فقال جودُك بسمِ الله مَجْراكِ
لا زلْتَ ترْقَى المعالي دائماً أبداً ... على البريَّةِ من إنْسٍ وَأمْلاكِ
ومن بدائعه قوله، وقد ولي قضاء الموصل:
ومُعَذَّرٍ حُلْوِ اللَّمَى قبَّلْتُه ... نظَراً إلى ذاك الجمالِ الأوَّلِ
وطلبتُ منه وَصْلَه فأجابني ... ولَّى زَمان تعطُّفِي وتدّلُّلِي
نضَبَتْ مِياهُ الحسنِ من خدِّي وقد ... ذهب الرُّوا من غصنِ قَدّى الأعْدلِ
قلتُ الحديقةُ ليست يكمُل حسنُها ... إلاَّ إذا حُفَّتْ بنبْتٍ مُبْقلِ
دَعْكَ اتَّبِعْ قولَ ابنَ مُنْقِذ طائعاً ... واعلمْ بأني صرتُ قاضِي الموصلِ
مراده بابن منقذ الأمير شرف الدولة أبو الفضل وقوله:
كتب العِذَارُ على صحيفةِ خدِّه ... سطراً يحيِّر ناظرَ المتأمِّلِ
بالغتُ في اسْتخْراجِه فوجدتُه ... لا أرىَ إلاَّ رأيُ أهلِ الموصلِ
ورأى أهل الموصل هو الميل إلى ذوي اللّحى وتنسب إليهم في هذا الباب مبالغات.
وفيهم يقول أبو الوليد بن الجنّان الكنانيّ، الشّاطبيّ، نزيل دمشق:
للهِ قوم يعشَقون ذوِي اللِّحَى ... لا يسألونَ عن السَّوادِ المُقبِلِ
وبمُهْجتي قومٌ وإنِّي منهمُ ... جُبِلوا على حُبِّ الطِّرازِ الأوَّلِ
قوله: الطراز الأول، يريد به العذار أوّل ما يبقل، وهو الذي يكنى عنه البلغاء بطراز الله.
قال الصاحب بن عبّاد:
رأيتُ عليًّا في كمالِ جمالِه ... فشاهدتُ منه الروضَ ثانِيَ مُزْنِهِ
ولما تبدَّى لي طِرازُ عِذّارِهِ ... رأيتُ طرازَ الله في ثوبِ حُسنِهِ
وللسيد عطاء الله:
رأيتُ بخدِّه الوَرْديِّ خالاً ... فتِيتُ المسك منه قد بدا لِي
غزالُ الإنسِ ما في ذاك بِدْعٌ ... فإن المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ
وكتب إلى السيد باكير بن النّقيب، ملغزاً في اسم أحمد:
يابنَ مَن أكْسب الفضائلَ في شَهْ ... بائنا والعُلَى سَناءً وسَعْدَا
ما اسمُ شيءٍ حروفُه عددُ الأيا ... مِ إن رُمْتَه حسابًا وعَدَّا
وهو اسمٌ نَفَى المهيمنُ عنه ... في الكتابِ العزيز أن يُفدَّى
صدرُه حاجبٌ لمن كنت مِن خَدَّ ... يْهِ قبل الصدودِ أقطِفُ وَرْدَا
стр. 315
ويلِيه شمسٌ فمِيقاتُ مَن في ... حالكاتِ الظلامِ آنَسَ رُشْدَا
وله أولُ الهدى كلَّ وقتٍ ... آخِرٌ إن يكُنْ بلفظكَ فَرْدَا
ومِن دُونه إذا صحَّفوه ... يسْتميل النفوسَ أنَّى تبدَّى
واقْلِب النصفَ منه تنْظُره عن ... كلِّ همامٍ يروِي علاءً ومجدَا
فأجِبِ عنه وابْقَ في ظلِّ عيشٍ ... كل مَدْحٍ إلى جَنابِك يُهْدَى
السيد محمد التقوى
التقوىُّ نسبة علوىّ، وهو طبيبٌ طبُّه نبويّ.
وله فكرة في تدبير الأشيا، تكاد ترد ضوء الشمس للأفيا.
فحكمته إشراقيّةٌ مفيضة، وبصيرته شفّافة مستريضة.
فلو عالج البروق لأزال خفقانها، أو الشمس عند الغروب لأذهب برقانها.
أو البدر لما وجد المحاق إليه سبيلا، أو النهار لكان له على خلاصه من الليل قبيلا.
فتفرّسه أوضح من النجوم لبطليموس، ورأيه إلى رأى جالينوس كالعاج عند الآبنوس.
فما سرى ذهنه في استدفاع مرضٍ يقتضيه، إلا وكانت الصحة ممتثلةً ما يأمر به وطوع ما يرتضيه.
فكأن فكرته تمازج من العليل جسماً وروحاً، فيظن من توفيقه الذي أوتيه أنه وحىٌ إليه يوحى.
وله من الكلام الذي تخالط أجزاء القلوب رقّته، وتغمض عن أوهام الأفكار دقّته.
مالو خوطب به الأخرس تكلّم، أو علّم به الطير فنون العبارات لتعلّم.
وقد أوردت له ما يتخذه لمرض الدهر علاجا، ويستضيء به فجر المعارف تعرّضا وانبلاجا.
فمنه قوله:
سرتْ والليلُ محلولُ الوِشاحِ ... ونَسْرُ الجوِّ مبلولُ الجناحِ
وعِقْدُ الزهرِ منتظمُ الدَّرارِي ... كثَغْرِ البِيض يبسَم عن أَقاحِ
وزاهِي الروضِ أسْفَر عن زهورٍ ... بها ظَمأٌ إلى ماءِ الصباحِ
كأن كواكبَ الظَّلْماءِ رُومٌ ... على دُهْمٍ تهُبُّ إلى الكفاحِ
إذا انْعكستْ أشِعتُها تَردَّتْ ... على صفحاتِ غُدرانِ البِطاحِ
تُحاول سَتْرَ مَسْراها بوَهْنٍ ... وقد أرِجتْ برَيَّاها النَّواحِي
فواعجَبا أتَخْفَى وهو بدرٌ ... وشمسٌ في الحضائرِ والضَّواحِي
أما علمتْ عَبِيرَ المسك منها ... ينِمُّ بها إلى واشٍ ولاَحِ
مُهَفْهَفَةٌ يَغَارُ البدرُ منها ... ويُخجِل قَدُّها هِيفَ الرماحِ
تمازَج حبُّها بدمي وروحِي ... مِزاجَ الرَّاحِ بالماء القَراحِ
فأصبح في المَلا طبْعي وخُلْقِي ... دَماً في الطبعِ عنه بلا بَراحِ
كأنَّ الله لم يخلُق فؤادي ... لغيرِ الوجدِ بالخُودِ الرَّدَاحِ
أحِنُّ إلى هَواها وهْو حَتْفِي ... كما حَنَّ السقيمُ إلى الصلاحِ
وأصْبُو والصبابةُ بَرَّحْتنِي ... وأنْحلتِ الجوارحَ بالبَراحِ
فلولا الطيرُ يمسِك من خيالي ... لطار من النُّحول مع الرِّياحِ
أبُثُّ لَطْرفها شكوَى غرامي ... وهل يشكو الجريحُ إلى السِّلاحِ
وأطمع أن يُزايلني هَواها ... وهل حَذَرٌ من المقدورِ ماحِ
فلا تأْوِ لكَسْرةِ ناظِريْها ... فكم أوْدَتْ بألْبابٍ صِحاحِ
أفِقْ يا قلبُ ليس الحبُّ سهلا ... فكم جِدٍّ تَولَّد من مِزاحِ
رُوَيْدَك كم تبِيتُ تَئنُّ وَجداً ... كما أنَّ الطعِينُ من الجراحِ
وقائلةٍ أرى نَجْما تبدَّى ... بليلِ عوارضٍ كالصبحِ ضَاحِ
أبَعْدَ الشَّيْب تمزَح بالتَّصابي ... وتَمْرح في بُرودِ الإفْتضاحِ
فما ماضِى الشَّبِيبة مُسْتَرَدٌّ ... ولا الخُسرانُ يسمحُ بالرَّباحِ
فدَعْ حبَّ الغوانِي فهْو غَيٌّ ... وتفْنِيدٌ يَحِيدُ عن الفلاحِ
وله من قصيدة يمتدح بها الوزير نصوح، ومستهلها:
حّيَّاك سَرْحةَ دارةِ الآرامِ ... وحَباكِ دِيمة مُزْنةٍ وغَمامِ
إلى أن قال فيها:
ذَاك النصوحُ أبو الوزارة مَن رَقَى ... فَلَكَ العُلى وعلا على بَهْرامِ
ومنها:
стр. 316
تجْرِى الأمورُ بوَفْق ما يخْتارُه ... ويُطِيعه العاصِي بكلِّ مَرامِ
فكأنما الأقْدارُ طَوْعُ يمينِه ... بعد المُهيْمن في قَضا الأحكامِ
قُطْبٌ تدور عليه دولةُ أحمدٍ ... ملَك الدُّنَا بالحَلِّ والإبْرامِ
هابَتْه أنفاسُ النفوسِ بأسْرِها ... في الناس بعد العالِم العَلَّامِ
ولِبأْسِ شِدّته الأسودُ تشرَّدتْ ... وتستَّرتْ في الغابِ والآجامِ
منها:
يلْقَاك بالبِشرِ الذي مِن نَشْرِه ... ريحُ المنى يسْرِى بطِيب مَشامِ
بخَلائِقٍ تكْسو الرياضَ خلائقاً ... فتضِيعُ رَيَّا مَنْدَلٍ وخُزامِ
ويُرِيك من رِضْوان عَدْلٍ جَنَّةً ... فيها لحَرْبِ البَغْيِ أيُّ ضِرامٍ
منها:
يا أيها الطَّوْدُ العظيمُ وصاحبَ الطَّ ... وْلِ الجسيمِ وجَوْشَنَ الإسلامِ
أُلْبِسْتَ من حُلَل الصَّدارة خِلْعةً ... قنِع الأُلَى منها بطْيفِ مَنامِ
ما دار في فَلك المُديرِ مَدارهُ ... إلا لْخبلِكِ وَدَّ دَوْرَ حِزامِ
ما أوْ كبَتْ زُهْر الدجَى بكوَاكبٍ ... إلا لنَصْرِك في ألَدِّ خصامِ
إلى أن قال في آخرها:
كتبتْ مدائحُك الليالِي أسطُراً ... تبْقَى بقِيتَ على مدى الأيَّامِ
وله:
قد جدَّد الشوق الجديدَ خيالُكمْ ... بجوارِحي وضمائرِي وسَرائرِي
فإذا نظرتُ إلى الوجودِ رأيُتكمْ ... في كلِّ موجودٍ عَيانَ الخاطرِ
وله:
قد قَّسم الحبُّ جسمي في محبَّتكمْ ... حتى تجَزَّى بحيث الجسمُ ينْقسمُ
وما تصوَّرتُ مَوْجوداً ومنعدِماً ... إلا خيالكمُ الموجودُ والعدمُ
ما إن نَثرتُ دموعَ القطْرِ من حُرَقٍ ... إلا تحقَّقْتُكم في القَطْرِ ما زعمُوا
السيد أسعد بن البتروني
ريحانة جاذبتها أيدي الصبا، فلم تزل غضة المهز من عهد الصبا وحضرة عليها للجنان صور، تشف عن كحل في عيون الغيد وحور.
صافي الطبع كالزجاج في نقائه، منتظم العشرة كالسلك إذا انتقى جوهره وجيد في انتقائه.
وهو في الأدب جامع نوادر وشوارد، يزينها بجمال المشترى وظرف عطارد.
تعودت غصب العقول نكاته البديعة، كأن لها عند كل قلبٍ من قلوب الرجال وديعة.
وكنت وأنا بالروم نعمت بدنوه، ونسمت على نسمات مودته وحنوه.
في عهد أشهى للجفن من لذة هجوعه، وألذ من بشارة الشيخ بعوده لصباه ورجوعه.
وهو من أنه جاوز العشرة التي تسميها العرب دقاقة الرقاب، كثير التلفت لجمع شمل اللهو والارتقاب.
إلى أن اعترضه آخر أمره مرض، دام إلى أن انطوى عمره، وانقرض.
وأحسب أن الله أراد به تكفير سيئاته، وتمحيصه من فرطاتٍ سلبت كثيراً من حسناته.
وقد أوردت من شعره ما أحدقت به المحاسن إحداقا، ونبه لزهرات الروض أعيناً وأحداقا.
فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى السيد موسى الرامحمداني:
قد حلَّ أمرٌ عَجَبُ ... شَيْبٌ بفَوْدِي يلعبُ
نجومُه لا تغرُبُ ... فأينَ أين المهربُ
أرجو بقاءً معه ... ما أنا إلَّا أشْعَبُ
هذ الشبابُ قد مضى ... وبان منِّى الأطْيَبُ
هل عيشةٌ تصْفو لمن ... قد غاب عنه المُطرِبُ
دهرٌ أرانا عجَباً ... وكلُّ يومٍ رجبُ
أندُبُ أياماُ مضتْ ... فيها صَفا لى المشربُ
في حلَبٍ بسادةٍ ... قد خدَمتْهم رُتَبُ
من كلِّ سمحٍ ماجدٍ ... تخجَل منه السُّحبُ
أفْناهُم الموتُ الذي ... لكلِّ بِكْرٍ يخطُبُ
وما بها مِن بعدهمْ ... مَن للمعالي يُنسَبُ
سوى جَهولٍ سِفْلةٍ ... عن كلِّ فَضْلٍ يُحجَبُ
وهْو إذا أمَّلْتَه ... كلبٌ عَقُور كَلِبُ
أستغفرُ الله بها ... أستاذُنا المهذَّبُ
مُوسى الذي لفضْلِه ... مُدَّ رُواقٌ مُذْهَبُ
стр. 317
حَلَّال كلِّ مُشكِلٍ ... وحاتمٌ إذ يهَبُ
وإن جرَى في حكمٍ ... تخالُ فينا يخطبُ
وقد حَوى مَعالياً ... تنْحطُّ عنها الشُّهبُ
مِن سادةٍ أحْسابُهمْ ... تنْطِق عنها الكتُبُ
مولايَ أشكُو غربةً ... طالتْ وعزَّ المطلبُ
وتحت أذْيالِ الدجى ... حامِلةٌ لا تُنْجِبُ
إلَّا بأولاد الزِّنى ... هذا لَعَمْري العجبُ
إليْكَها خَرِيدةً ... مَنالُها يُستصعَبُ
جآذرُ الرومِ لها ... تسجدُ أو تنَسَّبُ
وَاسْلمْ وَدُم في رفعةٍ ... للسَّعد فيها كوكبُ
ما حرَّكتْ مُتيمَّاً ... وَرْقاءُ حين تندُبُ
فراجعه يقوله:
ما الكونُ إلا عجَبُ ... فمنه لا يُستعجَبُ
أعمارُنا تُنتهَبُ ... يوماُ فيوماُ تذهبُ
ونحن نلهُو أبداً ... في غَفْلةٍ ونلعبُ
أوَّاهُ من يومٍ يجِي ... ءُ شمسُه لا تغرُبُ
صائلةٌ فيه المَنَى ... يا صولةً لا تغلَبُ
تخْطو على أرْواحِنا ... فأين أين المهربُ
تَبّاً لدُنْيانا التي ... لم يصْفُ فيها المشربُ
كم سيِّدٍ غرَّتْ به ... وَاراه لحدٌ أحْدبُ
للدُّودِ فيه مَرْتَعٌ ... وللهَوامِّ ملعبُ
والويلُ يومَ العَرْضِ إن ... لم ينْجُ منه المُذنبُ
ومن لَظَى نارٍ بها ... أجسادُنا تْلتهبُ
لا عملٌ يُرْجَى ولا ... غوثٌ إليه ينسَبُ
إلا الكريمُ ربُّنا ... ومن به نحْتسبُ
ثم الشفيعُ مَن إلى ... جَنابِه ننتسبُ
محمدٌ خيرُ الورَى ... مقصِدُنا والمطلبُ
الحكْمُ لله فَلّا ... يكون ما لا يكتُبُ
والخيرُ فيما اخْتارَه ... حَتمْاً علينا يجبُ
نَسْأَلُه يَبْقَى لنا ... سيدُنا المهذَّبُ
أسعدُ من ساد الورَى ... به وسادَ العربُ
جوهرةُ العِقْد الذي ... جوهرُه المنتخَبُ
نجلُ الأُلَى تجَّملتْ ... بهم قديماً حلَبُ
حِلْماً وعِلماًُ وتُقًى ... وحسبٌ ونسَبُ
يخجل من أخْلاقِه ... زَهرٌ سقتْه السُّحبُ
ومن جميلِ صُنْعِه ... له المعالي تخطُبُ
طَلْقُ المُحيَّا فكلُّه ... مُبجَّل مُحجَّبُ
ولُطْفُ أنْفاس الصَّبا ... إلى عُلاه يُنسَبُ
ومن إلى المجدِ يُجا ... رِيه فلا يُصوِّبُ
زِيد بَناناً كفُّه ... إذْ ضاق عمَّا يهَبُ
فسَيْبُ صَوْبِ جُودِه ... يخجل منه الصَّيِّبُ
لم يحْلُ خِلٌّ غيرُه ... مُودَّدٌ محبَّبُ
قلت: لم أر من وصف الإصبع الزائدة هذا الوصف البديع، وبعضهم جعلها علامة الحرص، حيث قال:
انظُر إليه لشدَّةِ الحرصِ ... زِيد بَناناً فزاد في النَّقْصِ
ومن هنا تعلم سر قولهم:
كم من زيادةٍ فيها نُقْصان فائدهْ ... كاليد تنُقصها الإصبعُ الزَّائدهْ
وكان الأستاذ أبو بكر الطبري، يقول: الزيادة تؤدي إلى النقصان، والمثل فيها جارٍ على كل لسان.
ولذلك قيل: صبوة العفيف، وسطوة الحليم، وضربة الجبان، وجواب السكيت، ونادرة المجنون، وشجاعة الخصي، وظرف الأعرابي.
ومن شعر السيد أسعد، قوله في الشيب:
أبَعْد الأربعين خِضابُ شَيْبٍ ... أرُوم به مُواصلةَ الغوانِي
وأرجو أن أكونَ به فَتِيّاً ... فهذا من أكاذيب الأمانِي
فَوا أسفِي على زمنٍ تقضَّى ... سَماعِي فيه قَهْقهةُ القَنانِي
стр. 318
السيد حسين النبهاني
أديب بشرطه، الموجب لخموله وحطه.
فما نقص من حظه، زيد في حظه.
سروجي المذهب، ذاهب في التلون كل مذهب.
لا يهبط بلداً إلا أبدى أعجوبة محجوبة، وبنى دسته على حيلةٍ منصوبة، وجدة مغصوبة.
ثم يفارقه مفارقة لبد، ويقول: " لا أقسم بهذا البلد ".
وقد رأيته بالروم وجهه أغبر، وهمه من وعائه أكبر.
يظهر كل يوم في نمط، وحيثما سقط لقط.
وعاشر ممن أعرف فرقةً رفقة، أداه خلل حاله معهم إلى فرقة وحرقة.
وتلاعبت به الظنون في ذلك الفريق، تلاعب موج البحر المهتاج بالغريق.
وبقي أنقى من الراحة، شاكيا بلسان كمده مغداه ومراحه.
وفارقته وهو منغمر في تلك الأوحال، وتبريحه ما برح وحاله ما حال.
ثم بلغني أنه انتعش، فكانت نعشته النعشة الأخيرة، وأدركه أجله الذي نفى الحكيم تقديمه وتأخيره.
وهو بارع في النظام والنثار، إلا أنه يرمى في شعره بالإكثار.
ولكون الكثير مملول الطباع، لم أذكر منه إلا نزراً سهل الانطباع.
فمنه قوله، من قصيدة في المدح:
العلمُ والحلمُ والمعروفُ والجودُ ... وكلُّ وصفٍ حميدٍ فيك موجودُ
حويْتَ ذلك إرْثاً عن أبٍ فأبٍ ... كأنكمْ في رياض المجد عنقودُ
يا مَن بِسُؤْدِده أعداؤُه شهدتْ ... وكيف لا وهو مشهورٌ ومشهودُ
ففي العَطا تُغرِق الدنيا بأجمعِها ... وفي السَّطا تتوقَّاك الصَّنادِيدُ
حاشَاك تحرِم عبداً مات من ظَمأٍ ... ومَنْهلُ الجودِ من كفَّيْك مورودُ
لا سِيَّما أن لي حقَّ الجوارِ ولي ... في كلِّ آنٍ بمَدْحي فيك تغْريدُ
وما تقادَم عهدِي في الدُّعا لكمُ ... إلاَّ ويعقُبه في الحال تجْريدُ
ولم يجاوِرْ كريماً قطُّ ذو أملٍ ... إلاَّ غدا وهْو من نعْماه محسودُ
لكنَّ حالِيَ لم يعلمْ بها أحدٌ ... إذْ لا يُحيط بها رَسْمٌ وتحْديدُ
وأنشدني نادرة الوقت المولى عارف للنبهاني، يمدحه:
أنا في التَّباعُدِ والدُّنُوّ ... أرجو لمولانا العُلُوّ
أبداً تراني رافعاً ... كفِّي إلى ربٍّ عَفُوّ
أدْعوه في سرٍّ وجَهْ ... رٍ أن يُدِيمك في السُّمُوّ
فيما يُسَرُّ به الصدي ... قُ وما يُساء به العدُوّ
يا عارفاً هو للمعا ... رفِ بالعِشيِّ وبالغُدُوّ
بل للفضائلِ والفَوا ... ضلِ والفُتوَّة والمُرُوّ
مَن دَأْبُه بَثُّ المَكا ... رمِ والحفيظة والحُنُوّ
مَن سيفُه ثُكْلُ العِدا ... ةِ وسَيْبُه حُورٌ وحُوّ
وبذكْرِه طاب المدِي ... حُ أما تراهُ في زُهُوّ
مولايَ يا مَن فضلُه ... ما إن رأيتُ له كُفُوّ
هذِي العُجالة قد أتتْ ... كَ تعوذُ من طَرْف السُّلُوّ
وتَميسُ في حُلَل الفصا ... حةِ بالملاحةِ والدُّنُوّ
نطقتْ بما يحْوى الحشَا ... لا بالتقوُّل والغُلُوّ
وهيَ التي لو رامَها ... قُسٌّ رمَتْه بالنُّبُوّ
اسلَمْ ودُمْ تسمُو على ... شُمِّ الذُّرى أسْمَى السُّمُوّ
القاضي ناصر الدين الحلفاوي
حليف أدب وأرب، وأليف جذل وطرب.
ورونق روض ناضر، وتحفه جواب حاضر.
وقد طالت في الفضل باعه، وأشربت حب الأدب طباعه.
فذهب في مجاله عرضا وطولا، وأصبح فيه وهو صاحب يد طولى.
ترد أربابه عليه، ويرجعون في دعاويهم إليه.
فتعرب براعته عن فصل خطاب، وتسفر حكومته عن ثناء مستطاب.
وهو خالص من الشوب، طاهر العرض والثوب.
نقي الشيبة، ممتزج المباسطة بالهيبة.
توفي عن سن عالية، وحالته بالرفاهية حالية.
وقد أثبت من شعره ما سهل مساقه، وأحكم في الصنعة اتساقه.
فمنه قوله من سلسلة أولها:
يا معتدلَ القَدِّ هو لوعْدك إنْجازْ ... أو طيفُ خيال يُلِمُّ نحويَ إنْ جازْ
стр. 319
ترنُو بلحاظٍ لهنَّ فعلُ مَواضٍ ... في القلبِ وتسطُو من القَوام بهزَّازْ
فالشوقُ غريمي والفكرُ فيه نَديمِي ... والدمعُ حَمِيمِي وفي اصْطباريَ إعْوازْ
لم تحْكِ مُحيَّاه فاحْتجبْ بغَمامٍ ... يا بدرُ فحِبِّي مدى الملاحةِ قد حازْ
يا عاذلاً هلاَّ تركْتني وغرامِي ... ما كنتُ لأُصغِي إلى نصيحةِ هَمَّازْ
يا من ملَك الحسنَ في الأنامِ جميعاً ... ما أسْعد صَبّاً بطِيبِ وصلِك لو فازْ
قلبِي بك لاَهٍ وعقْد صَبْرِيَ وَاهٍ ... إذْ وجهك زاهٍ وطرفُ لحظِك غمَّازْ
نظمتُ جُمَانَ البديع فيك عقوداً ... يا حُسْنَ نِظامٍ أتَى بأبْدع إبْرازْ
قسمتُ وجودِي لمَّا جمعتَ صدوداً ... والبَيْنَ فهل حلَّ ما صنعْتُ وجازْ
وقوله محاجياً:
يا كاملَ الفضْلِ في المعانٍي ... وللأحاحِي غدا يُعانِي
امْنُنْ بردِّ الجواب فضْلاً ... ما مثلُ قولي ألْمَى جَفانِي
محمد بن تاج الدين الكوراني
أديب لبيب، مليح التشبيه والتشبيب.
لحق من الأدب ما لم يلحق، وانفرد بأشياء كأنها لم تخلق.
وله المجد الطامح، إلى ما فوق الأعزل والرامح.
على انتهاضٍ بين أكفائه، وشهرة في تنبهة وإغفائه.
إلا أن عمر سروره قصير، والدهر بتفريق المجتمع بصير.
وقد أثبت له ما يقطر من ماء الظرف، وتتمتع به الروح قبل الطرف.
فمن ذلك قوله في الغزل:
طرقْتُ ديارَ الحيِّ والليلُ حالكٌ ... طُروقَ فتىً لا يخْتشِي الدهرَ من ضُرِّ
وخُضتُ بحارَ الموت والموتُ حائمٌ ... كحَوْمة نَسْرِ الأُفْق فيها على وَكْرِ
ودُستُ بِساطَ الأُجمِ عمداً وأسْدُها ... توقَّد منها الأعْيُن الحُمْر كالجمرِ
إلى أن أتيتُ الحيَّ نحو خِباءِ مَن ... أراشتْ فؤادِي من لواحظِها الفُتْرِِ
فلم ألْقَ إلا صَعْدةً سَمْهريَّةٍ ... عليها مُحيَّا منه يبدو سَنا البدرِ
عَرضتُ لها عُذْرِي وأظهرتُ ما حوَى ... جوَى مُهجتِي من مُحكماتِ هوى العُذْرِي
فرقَّتْ وراقتْ وانْثَنَتْ وتعطَّفتْ ... وحَيَّتْ فأحْيتْ مَيِّت الشوقِ والصبرِ
وجادتْ بجيدٍ للتَّداني وأرْشفتْ ... رُضاباً رَحِيقياً ينُوب عن الخمْرِ
وبِتْنا وقلبُ البرقِ يخْفِق غَيْرَةً ... علينا وعينُ النجمِ تنظُر عن شَذْرِ
البيت الأخير مضمن من رائية ابن خفاجة، وقبله:
ودون طُروقِ الحيِّ خَوْضةُ فَتْكةٍ ... مُوَرَّسَةِ السِّرْبالِ داميةِ الظُّفْرِ
تطلَّع من فَرْعٍ من النَّقْعِ أسودٍ ... وتُسْفِر عن خَدٍّ من السيفِ مُحْمَرِّ
فسِرْتُ وقلبُ البرقِ يخفِق غَيْرةً ... هناك وعينُ النجم تنْظر عن شَذْرِ
وله في معذر اصطبح الورد واغتبق بوجنتيه، وقلم الريحان مشقٌ فوق عارضيه:
بدَا بدْراً بآياتِ الكمالِ ... مليحٌ قد تفرَّد بالجمالِ
تخيَّل ناظِري في وجْنتيهِ ... مِثالاً كالعِذَارِ بلا مِثالِ
فقلتُ له وعِقْدُ الصبرِ منِّي ... لدَهْشة ناظِرِيَّ في انْحلالِ
عقيدةُ مطلبِي هل ذاك نَبْتٌ ... أَبِنْ لي قال حاشيةُ الخيالِ
قلت: هذه الحاشية، عليها خيال الخيالي على " الحاشية ".
وأول من عبر بهذه العبارة فيما أعلم ابن النبيه، في قوله:
كأن ذاك العِذَارَ حاشيةٌ ... خرَّجها كاتبٌ لنِسْيانِهْ
ثم تصرفت فيها الشعراء على حسب خيالاتهم، حتى جاء العسيلي المصري، فقال:
صحيفةُ الخدِّ التي ... للحُسْنِ فيها صُوَرُ
مُذ حُشِيتْ بعارضٍ ... لم يَبْقَ فيها نَظَرُ
ومن هنا انظر قولي، مع قول الكوراني، والعسيلي:
في حاشيةِ الكَمالِ من عارِضٍ ... دَوْرٌ وتسَلْسُل ولي فيه نَظَرْ
وقول الشهاب الخفاجي:
стр. 320
أيا قمراً زانتْ طوالِعُ حُسْنِه ... حواشِي عِذارٍ يبْهَر اللُّبَّ والفِكَرْ
فما شَانَه دَوْرٌ به وتسَلْسُلٌ ... فكَم في حواشِيها لذِي فكْرةٍ نَظَرْ
وقد دار الدور، لقضية التسلسل والدور.
فاسمع فيه قول الظريف:
لِحاظُك أسيافٌ ذكُورٌ فما لَها ... كما زعمُوا مثلَ الأراملِ تغزِلُ
وما بالُ بُرهانِ العِذَارِمُسَلَّما ... ويلْزمُه دَوْرٌ وفيه تسَلْسُلُ
وأعجب منه قولي:
نظَرِي لصُدْغك بُغْيَتِي ... فعلى مَ تمنعنِي النَّظَرْ
والمنْعُ غيرُ مُوَجَّهٍ ... فيه المَقالُ قد اشْتَهَرْ
والدَّوْرُ إن صحِب التَّسَلْ ... سُلَ ليس يخْلُو من نَظَرْ
فكن في هذا ممن لا يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من اللآلئ بمعرفة ما في الأصداف.
وللكوراني:
بدرٌ أدار على النجومِ برَاحةٍ ... شمساً فنَارتْ في كؤوسِ رحيقِهِ
شمسٌ إذا طلعَتْ كأن وَمِيضَها ... بَرْقٌ تلالا عند لَمْعِ بريقِهِ
يسْقِي وإن عزَّتْ عليه ورامَ أن ... يشْفِي لداءِ مُحِّبه وحريقِهِ
فيُديرُها من مُقْلتيْه وتارةً ... من وَجْنتيْه وتارةً من رِيقِهِ
ومن مقطعاته قوله:
مَليكُ جمالٍ أنْبت العزُّ خدَّه ... نباتاً له كلُّ المحاسنِ تُنسَبُ
فكرَّرتُ لَثْمَ الخدِّ منه لطِيبِه ... وكل مكانٍ يُنبتُ العِزَّ طيِّبُ
وقوله، مضمناً:
ومُعذَّرٍ لَدْنِ القَوامِ ووجهُه ... قمرٌ تقمَّصَ بالعِذارِ الأخْضَرِ
فُتِق العِذارُ بخدَّه فكأنما ... فُتِقتْ لكم رِيحُ الجِلادِ بعَنْبَرِ
وقوله:
عجبتُ لِمَا أبْداه وجهُ مُعذِّبي ... من الحسنِ كالسحرِ الحلال وأسْحَرُ
بوجْنتهِ ياقوتُ نارٍ توقَّدتْ ... عليها عِذارٌ كالزُّمُرُّدِ أخضرُ
وقوله:
ومُعذَّر فَتَك الأنامَ بحُسْنِه ... وسطَا بمُرْهَفِ لَحْظِه المُتنعسِ
جعل العِذارَ لشامِه مُتنكِّراً ... كيْلا يُحاط به لقتْلِ الأنْفُسِ
وقوله:
لمَّا تأمَّل بدرُ التِّمِّ عارضَه ... وقد بدا في مُحيَّا نورِه سَطَعَا
بدَا به غَيْرةً خَسْفٌ وشبَّهه ... كأنه في مُحيَّاه قد انْطبعَا
وقوله:
ومُهَفْهَفٍ كمُلتْ محاسنُ وجهِه ... من فوق غصنِ قَوامِه المُتمايلِ
وبدا طِرازُ عِذارِه فكأنَّه ... بَدْءُ الخسُوفِ ببَدْرِ تِمٍّ كاملِ
ولده أبو السعود
هو في الميلاد سليله، وفي البراعة مقدمه ودليله.
طلع طلوع الزهر من الكمامة، فتهادته أبناء عصره تهادي الشمامة.
ينشد الأدب من خصاله، كما ينشد الأنس من وصاله.
وله شعر أوقع في النفس من رجعة الشباب، وأسوغ من سلافة الكأس طفى عليها الحباب.
أثبت منه ما يقع موقع الماء من ذي الغلة، ويفرح فرح الشفاء لصاحب العلة. فمنه قوله، من قصيدة:
أجَلْ إنها الآرامُ شِيمتُها الغدْرُ ... فلا هجرُها ذَنْبٌ ولا وَصْلُها عُذْرُ
ففُز سالماً من فَرْطةِ الحبِّ واتَّعِظْ ... بحالِي فإن الحبَّ أيْسرُه عسرُ
وقد هاجَنِي في الأيْكِ صَدْحُ مُغرِّدٍ ... به حلَّتِ الأشجانُ وارْتحل الصبرُ
يُذكِّرني تلكَ الليالي التي مضتْ ... بلَذَّةِ عيْش لم يشُبْ حُلْوَهُ مُرُّ
سُقِيتِ ليالِي الوصلَ مُزْنَ غَمامةٍ ... فقد كان عيشِي في ذَراكِ هو العمرُ
فكم قد نعِمْنا فيكِ مَعْ كلِّ أغْيَدٍ ... رقيقِ الحواشِي دون مَبْسمِه الزَّهْرُ
لقد خَطَّ ياقوتُ الجمالِ بخدِّه ... جداولَ من مِسْكٍ صحيفتُها الدُّرُّ
منها:
وروضٍ بها جَرَّ الغَمامُ ذُيولَه ... فخرَّ له وَجْداً على رأسِه النهرُ
وقد أرْقدَ الأغصانَ تغْريدُ وُرْقِه ... وأضْحك ثغرَ الزَّهرِ لمَّا بكى القَطْرُ
следующие страницы →