← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولو خرجُوا منها لأوْشَك زَادُهمْ ... يكون له قبلَ الخُروج نَفادُ ولو جَنَحُوا للحربِ قَصَّ جَناحَهمْ ... وظَلُّوا بأيْدِي القاعدين يُصادُوا ولو فارقُوا أبْوابَ صَنْعا لفُرِّقتْ ... جُموعُهم أيْدِي سَبَاءَ وبادُوا ولو جاوزُوا غَرْسَ الغِراس هُنيئَةً ... لكان لهم يومَ المَعاد مَعادُ ومن بدائعه قوله، من قصيدة يمدح بها الإمام إسماعيل المتوكل. ومستهلها: نعمْ ما لربَّاتِ الحجُولِ ذِمامُ ... ولا لعُهودِ الغانياتِ دَوَامُ أعَزُّ إلى مَ البرقُ عندك خُلَّبٌ ... وحتى مَ سُحْبُ الوصلِ منك جَهام تقلَّص ظِلٌّ مِن وفائِك سابِغٌ ... ظَلِيلٌ وعاد الرِّيُّ وهْو أُوامُ تَخِذْتِ قِلالَ الصَّدِّ والبعدِ جُنَّةً ... مَلَلْتِ ألا إن المَلالَ مَلامُ وتلك لَعَمْرِي في الحِسانِ سَجِيَّةٌ ... وللشَّيْخِ في إلْمامِهِنَّ لِزامُ ولكنه في حَقِّهِنَّ مُمَدَّحٌ ... يحِلُّ وأما في الرجالِ حَرامُ قُصارَى جَمالِ الغِيدِ وَجْدٌ ولَوعةٌ ... لها بيْن أحشاءِ الثّناءِ ضِرامُ تعَصَّيْتِ حتى ما لمُضْناك حِصَّةٌ ... من الوصلِ إلاَّ مِن رَنَاكِ سِهامُ حسبْتِ بأن الحسنَ باقٍ وربما ... غدا يَنْعُه يا عَزُّ وهْو تَمامُ وكلُّ شبابٍ بالمَشيبِ مُروَّعٌ ... وإن لم يَرُعْك الشَّيْبُ راع حِمامُ ألم تعلمِي أن المَحاسنَ دولةٌ ... يَزولُ إذا زالتْ جَوىً وغَرامُ ولو دامتِ الدّولات كانُوا كغيْرِهمْ ... رَعايا ولكن ما لَهُنَّ دَوامُ إذا زِدْتِ بُعْداً أو أطلْتِ تجنُّباً ... رحلتُ وجسمِي لم يُذِبْه سَقامُ ومافَضْلُ ربِّ السيفِ إن فتكَتْ به ... جفونٌ كَلِيلاتُ المَضاءِ كَهامُ أينْصِبْن لي من هُدْبِهنَّ حُبالَةً ... وهل صِيدَ في فخِّ الغَزالِ حَمامُ ولي هِمَّة لا يطَّبيها صَبابةٌ ... وحَزْمُ فتىً بالخَسْفِ ليس يُسامُ وعَزْمةُ نَدْبٍ لا يذِلُّ فُؤادُه ... وجانبُ حُرٍ لن تراه يُضامُ هُيامِيَ في نَهْدٍ أقبَّ مُطَهَّمٍ ... إذا القومُ في نَهْد المَليحةِ هامُوا ولم يكُ عندي غيرَ كُتْبٍ نَفِيسةٍ ... ترُوق وإلاّ ذابِلٌ وحُسامُ ولي قلمٌ كالصِّلِّ أمَّا لُعابُه ... فسَمٌّ وأما نَفْثُه فَمُدامُ وإن أمَّنِي دهرِي الخَؤُونُ بحادثٍ ... فلي مِن أمير المؤمنين عِصامُ وله مناظرة بين القوس والبندق. قال فيها: الحمد لله المفيض كرماً ومنا، والصلاة على نبيه الراقي إلى قاب قوسين أو أدنى. المؤيد بخوارق آياتٍ هن أشد حكماً وأنفذ سهما، الذي أنزل عليه: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". وعلى آله الذين تقوست بريهم ظهور النواصب، وأدركوا ببندق الإصابة كل غرض ناكب. وأقيمت لهم في الدين الحجج والأدلة، وتقاصرت بجودهم الشهور والأهلة. أما بعد: فهذه أرجوزة جمعت فيها غرائب من البديع، ووشعت بردها مفوفاً كأزاهير الربيع. وسميتها براهين الاحتجاج والمناظرة، فيما وقع بين القوس والبندق من المفاخرة. سلكت فرائدها ممتثلاً لمقترح مولاي السيد العلامة لسان المتكلمين، وترجمان الأئمة العارفين، سيف الإسلام والمسلمين، أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين. وطرزتها بفرائد من مديحه، الذي لا يقضي النظر مع تعارض الأدلة إلا بترجيحه. فهو المقصود أولاً وبالذات، والمقدم التالي في هذه الأبيات: جاءتْك تبْرِي أسْهُمَ الجفونِ ... عن قوسِ ذاك الحاجبِ المَقْرونِ تخْتالُ مثلَ الغُصُنِ الرَّطِيبِ ... في مِطْرَفٍ من حُسْنها القَشِيبِ

стр. 492

رَيَّانةٌ ظامئةُ الوِشاحِ ... سَكْراءُ من خَمْرِ الصِّبا يا صاحِ تفْترُّ عن دُرٍ بَدِيدِ الشّنبِ ... كأنه كأسٌ طَفَا بالحَبَبِ هِمْتُ بها وأعْجَبُ الإبْداعِ ... ذو طَيْلَسانٍ هام في قِناعِ كالليلِ داجي شَعْرِها إذا سجَى ... ووجهُها كأنه بدرُ دُجَى بيضاءُ بيْضا الْجُسَيمِ كاعِبَهْ ... تُضْحى بألْبابِ الرِّجالِ لاعِبَهْ كم مُغْرمٍ بحُبِّها مُدَلَّهَا ... بقلْبِه نحوَ الهوى مُدَّلَهَا جاءتْ إلينا كالأصِيل في الضُّحَى ... لو لَمَحَ البدرُ سَناها لَمَحَا وطَوْقُها يلوحُ فوق الجِيدِ ... كأنه شَكْلُ هِلالِ العيدِ على جَبِين الأُفقِ البَهِيِّ ... مُنْحدِرٌ في الجانبِ الغَرْبِيِّ قد خُطّ في طِرسِ السَّما كالنُّونِ ... كأنه قَوْسُ صَفيِّ الدِّينِ رامِي حَشَا البُخْلِ بِسَهمِ الجودِ ... وقاتلُ الإعْدامِ بالوجودِ يَمُّ العلومِ والنَّدَى المألوفِ ... وجُنَّةُ اللائذِ والمَلْهوفِ هو الحُسامُ في يَدِ الخليفهْ ... حامِي ذِمامِ المِلَّةِ الْحَنِيفهْ مَنْ جَلَّ مِقْداراً على السِّماكِ ... وقال للشمسِ أنا سَماكِ أحمدُ نَجْلُ الحسنِ بن القاسمِ ... ناهِيك في الهَيْجاءِ من مُصادِمِ مَن عرَّف الجندَ بلاَمِ الحربِ ... واللامُ للتَّعْريف عند العُرْبِ ما بين خَطِّيٍ وبين ماضِ ... ومِغْفَرٍ وسابغٍ فَضْفاضِ يتْلوهما تركشة في الرَّاسِ ... فُؤادُها من الحديدِ قاسِ وتركشُ النَّبْلِ وقَوسُ الرَّمْيِ ... من لازمِ المُدَجَّح الكَمِيِّ فالقوسُ قد عادتْ له أحكامُ ... وارتفعتْ لحُكْمِه أعْلامُ منذ أعاد الأحْمَدِيُّ أثَرَهْ ... وشَدَّ أيضاً بالسَّوامِ أثَرَهْ فصار بين الخافقَيْن مُشْتهَرْ ... وجا على البُنْدُقِ أيضاً يفْتخِرْ مُنْحَنِياً من الدّها مُترْكشَا ... مُقَذِّفاً لسَهْمِه مُرَيِّشَا يقول فَضْلِي ظاهرُ البيانِ ... بسُورةِ الزُّخْرُفِ لا الدُّخانِ يُرْجَى على ظهرِ الحصانِ الأعْوَجِ ... أنا الهلالُ لم يُعَبْ بالعِوَجِ قِدْحِي المُعَلَّى في ظهورِ السُّبَّقِ ... فأين مِن مَرْمايَ مُجْرِي البُنْدُقِ قَبيلتي بين الورَى كِنانَهْ ... راشِقةٌ حِرابُها طَعّانَهْ فهل ترى لبُنْدُقٍ قبيلَهْ ... سوى مقصّ شم أو فَتِيلَهْ وإن أتى وصوتُه مُجاشِعُ ... فإنما أصولُه قَعاقِعُ غِذاؤُه الباروتُ والرَّصاص ... كأنما في جَوْفِه قُرَّاصُ فأرْعَدَ البُنْدُقُ حتى أبْرَقَا ... بَرْقاً من الياقوتِ قد تألّقَا وقال إذْ قام على كُرْسِيِّهِ ... قد أُنْطِق الأخْرسُ بعد عِيِّهِ تمنْطَق القَوْسُ عليَّ وافتَخرْ ... وهْو مدَى الأيامِ في أسْرِ الوَتَرْ مُشدّدُ الأطرافِ كالمَوثُوقِ ... وقلبُه مُطَرَّحٌ في السُّوقِ يفْخَر والفاخرُ عُقْباه النّدَمْ ... مَعْ أنه مُحْدَوْدِبٌ من الهِرَمْ ليس له ذخيرةٌ يُنفِقُها ... إن ثار من نارٍ الوغَى مُحْرِقُهَا يجهْل ما بيْن الورَى تأْثيرِي ... ورَفْعَ كُرْسِيِّي على الصدورِ ولا أزال طالعاً في غاربِ ... أرْمِي الشياطِين بنَجْمٍ ثاقبِ أرُوعُ في الهَيْجا زئيرَ الأُسْدِ ... بصَرْخةٍ من رَمْيتِي كالرَّعْدِ

стр. 493

آكُلْ بالمِيزانِ أكْلَ الحِكْمَهْ ... فلستُ أخْشَى دائماً من تُخْمَهْ كفَاك منِّي خَبَرِي وخُبْرِي ... وحُسْنُ مَدْحِي من أديبِ العَصْرِ قد قال فيّ والبليغُ حُجّهْ ... وقولُه مُتَّضِح المَحَجّهْ ضئيلةٌ تَرْقِيشُها حسنُ الفرندْ ... جَوْهرُها في الرُّوم مَشْبوكُ الزّرَدْ أفْعاءُ في أجْوافِها النِّيرانُ ... يحْذَر منها الصِّلُّ والثُّعْبانُ وسَمُّها تَحْمِلُه جَنِينَا ... تُرْضِعُه من الرَّدَى علينَا بيْنَا تُرَى تحملُ منه طِفْلاَ ... حتى يصيرَ للحِمامِ كَهْلاَ ما تدْرِ ما تلْفَحُه وتضَعُهْ ... ومن أَفاوِيق الذُّعافِ تُرْضِعُهْ إلاَّ بِمقْدارِ اكْتحالِ النّاظرِ ... حتى يصير وهْو حَتْفُ الفَاجِرِ وَاهاً لها تلك مَخاضُ حُبْلَى ... أسْرَعُ ما تدْرأُ منه الحَمْلاَ فابْتَدرَ القوسُ بسهمٍ ووثَبْ ... وازْوَرَّ كالحاجبِ من فَرْطِ الغَضَبْ وصار يُبْدِي صَوْلة المِقْدامِ ... يسْحبُ أذْيالاً من السِّهامِ وقال ما أقْرَعُ في خِطَامِهْ ... والمرءُ قد يُقْذِعُ في إعْظامِهْ ما لِي وللْبُنْدُقِ يا أُخَيَّهْ ... أصْبَح يُعْلِي صَوْتَه عَلَيّهْ جوابُه أن لا يُجَابَ أبَدا ... فما يُجِيبُ صوتَه إلا الصّدَى لكنني مُنْتصِرٌ خَشْيَة أن ... يقول إنِّي قد رُميتُ باللَّكَنْ وكان أوْلَى عِنْدِيَ السُّكوتُ ... فإنما نَفِيثُه بارُوتُ مُسْتكْثَرٌ دُوَيْبقٌ في ثَمنِه ... أما تراه أبْخَرَ من نَتَنِهْ وقال لم تَعْلَقْه من تُخْمَهْ ... وإنما غذاؤُه بالحِكْمَهْ وكم له من بِطْنةٍ مبْغوضَهْ ... تَظَلُّ أحْشاهُ بها مَغْضوضَهْ كم آد مَن يحملُه من تَعَبْ ... وأخَّر الرَّامِيَ عن نَيْلِ الأرَبْ لثُقْلِه فجِرْمُه ثقيلُ ... إن الثقيلَ قُرْبُه مَمْلولُ ما أكثرَ التَّلْوينَ في دِيانتِهْ ... وأضْيَعَ الأسرارَ في خِزانتِهْ فَتِيلُه نارُ الفَرِيقِ في العَلَمْ ... فسْرُّ مَن يغْزُو به لا يُكْتَتَمْ كم دَرَّ بالصوتِ على رَاميهِ ... ونَمَّ في الليل على سَارِيهِ وأيْنَه منِّي وحِفْظُ سِرِّي ... ما زال مَحْنُواً عليه ظَهْرِي أُصِيب مَن أرْمِيه اغْتيالاَ ... حتى أكاد أرْشُق الخَيالاَ أصُونُ سِرِّي فهْو لا يبينُ ... مُقْتدِراً بقَوْلِه اسْتعينُوا إن يتبجَّحْ في عُلُوِّ الشَّانِ ... بمَدْحِه من شاعرِ الزَّمانِ فحُجَّتِي أرْجُوزةُ النَّباتِ ... ودُرَّةٌ من بَحْرِه الفُراتِ أعْنِي بذا فرائدَ السُّلوكِ ... في ذِكْرِه مَصائد المُلوكِ للهِ ما أعْذَبها مِنْ مُلَحْ ... قد قال إذْ طَرَّزَها مَن مَدَحْ يا حبذا مُجِيبةُ الوِصالِ ... قاطعةُ الأعمارِ كالهلالِ زَهْراءُ خضراءُ الإهابِ مُعْجِبَهْ ... ممَّا ثَوَتْ بين الرِّياضِ المُعْشِبَهْ كأنها حولَ المِياهِ نُونُ ... أو حاجِبٌ بما يشا مَقْروُنُ لها بَنانٌ بالمَنَى مَعْذُوقَهْ ... من نَبْعةٍ واحدةٍ مَخْلوقَهْ فاضْطرَب البُنْدُقُ واسْتثارَا ... وأظْهرتْ ذخيرةٌ شَرارَا وقال عندي خَبَرُ البُخارِي ... ولي حديثُ الرَّمْيِ بالجِمارِ يا قَوْسُ لا تدخُلْ في أحْكامِي ... فأنت عندي من ذَوِي السِّهامِ

стр. 494

ولا تقُل في مَتْنِك التَّعْصِيبُ ... فما له من قِسْمَتِي نَصِيبُ القوسُ يا قومُ لنَدْفِ القُطْنِ ... لا لاتِّخاذِ الرَّمْيِ يومَ الطَّعْنِ كأنه في مَسْجِدٍ مِحْرابُ ... أو راكعٌ من خشْيتي مُرْتابُ كم فُتِّتَ تحت الْبانِ كَبِدُهْ ... بِخِدْمةٍ حتى يُقاد أَوَدُهْ أنا الذي أُحْرِزَ في الإقْدامِ ... بآيةِ الكُرْسِيِّ صَدْرَ الرَّامِي وقال إنِّي لَثقِيلُ الجِرْمِ ... وليس يدْرِي أنَّ ذا من حِلْمِي ونَبْلُه من خِفَّةٍ يَطيشُ ... تحلُّه مع الرِّياحِ الرِّيشُ ما كلُّ من خَفَّ قِباً لَطِيفُ ... إن الخفيفَ عَقْلُه خَفِيفُ فحين زادتْ منهما المُفَاخَرَهْ ... واتَّصلتْ بينهما المُشاجرَهْ وكاد أن يُفْضِي إلى القتالِ ... بين رَصاصِ الرَّمْلِ والنِّبالِ تجرَّد السيفُ عن القِرابِ ... وجَرَّ حَدّاً منه غَيرَ نَابِي وانْسَلَّ ما بينهما إصْلاحَا ... وقال قد طَوَّلْتُما الكِفاحَا والرأيُ أن تصْطِرخَا في الحالِ ... وتذْهبا عن ظُلْمةِ الإشْكالِ إلى الصَّفِيِّ فَيْصلِ الأحْكامِ ... أحمدَ مَوْلى الحَلِّ والإبْرامِ فإنه قد قال وهْو الحاكمُ ... وحُكْمُه فيما يقولُ لازِمُ لابُدَّ للأصْيَدِ في الفرسانِ ... من مُرْهفٍ وذَابلٍ مُرَّانِ وتركش مُقْترِنٌ بالقَوْسِ ... كمن مضَى من خَزْرَجٍ وأوْسِ فراجِلٌ يمْشي بلا حُسامِ ... وبُنْدُقٍ رامٍ إلى المَرامِ كفارسٍ يبْرُز للنِّزالِ ... من غيرِ لا سيفٍ ولا عَسَّالِ فعند ذا فاءَا إلى الصُّلْحِ مَعا ... ونَحْوَ بابِ الأحْمَدِيِّ نَزَعَا لَيْثٌ له كَهْفُ الفَخارِ خِيسُ ... يرْتابُ من سَطْوتِه بِرْجِيسُ الجامعُ الَّلامَ فيومِ الْفاءِ ... في مَوْكبٍ يمْلأُ عَيْنَ الرَّائِي رَعِيلُ شُهْبٍ تَنتقِيه الشُّهْبُ ... وعنده نارُ العِداةِ تَخْبُو به تَمُور قُلَلُ الشَّهْباءِ ... وقَوْسُه في أُذُنِ الجَوْزاءِ أمِيرُه سيفُ الفتوحِ أحمدُ ... لِواؤُه في كلِّ نَصْرٍ يُعْقَدُ يا قمراً في أُفُقِ الخِلافَهْ ... دُونكَها مُجاجَة السُّلافَهْ تخْتالُ في بُرْدٍ من الطُّروسِ ... ماشِيةً كمِشْيةِ العَرُوسِ لها مَعانٍ للعقولِ ساحرَهْ ... فاخِرةٌ في حُلَلِ المُفاخَرَهْ وإن تراخَتْ في قضاءِ الواجبِ ... فعُذْرُها عُذْرُ زمانٍ غالبِ ثم الصلاةُ ما بدتْ غَزالَهْ ... على النبيِّ خاتِمِ الرِّسالَهْ وآلِه سفينة النَّجاةِ ... وصَحْبِه أكابرِ السَّاداتِ ومن أبدع بدائعه، قوله مخابطاً للإمام إسماعيل، وقد عرض عليه حصانان من كرائم خيله، أحدهما أسود، والآخر أبيض: وأدْهَمٍ قد زَهَى اسْوِداداً ... مع أبْيَضٍ زانَه اخْضِرارُ فأنتَ في رُتْبةِ المَعالِي ... يحْمِلُك الليلُ والنهارُ وقال، وكان الإمام أراد أن يدخل مكاناً له، فهوى قنديلٌ كان معلقاً، فانكسر: لا تعْجَبُوا إن هوَى القِنْدِيلُ مُنْكَسِراً ... فما عليه أُهَيْلَ الفَضْلِ من حَرَجِ رأَى الإمامَ كشمسٍ في مطالِعِها ... وعند شمسِ الضُّحَى لا حَظَّ للسُّرُجِ ومما يحاضر به، ما اتفق أن زجاجةً انشقت من ذاتها، في مجلس سلطان، فظهر منه تطيرٌ، فأنشد بعض الشعراء: ومجلسٍ بالسرورِ مُشْتمِلٍ ... لم يَخْلُ فيه الزُّجاجُ عن أرَبِ

стр. 495

سَرَى بأعْطافِه يُرنِّحُهُ ... فشَقَّ أثْوابَه من الطَّرَبِ ومن محاسنه قوله يخاطب بعض السادة: قُلْ للذين سَرَوْا والنارُ مُضْرَمةٌ ... وفيهمُ شَرَفُ الإسلامِ إذ ظَعنُوا لا تُشْعِلوا النارَ في مَسْراكمُ فلقد ... أغْناكمُ النَّيِّران البدرُ والحَسَنُ وله: يا عينَ فرسانِ بني هاشمٍ ... سبحانَ حامِيكَ من العَيْنِ صُلْتَ برُمْحٍ وبِعطْفٍ فقُلْ ... في فارسٍ جاء برُمْحَيْنِ وله: أقْبَلَ كالرمحِ له هزَّةٌ ... تحت قِباءٍ غيرِم َمزْرورِ كأن ذاك الخالَ في صدرِه ... حَبَّةُ مِسْكٍ فوق كافُورِ وله: حدِّثاني عن النَّقِيبِ حديثاً ... وصِفَا لي شُروطَه بالعَلامَهْ وارْوِيا لي عن جَوْهَرٍ لَفْظَ حُكْمٍ ... واجْعَلاه في جَبْهةِ الدهرِ شَامَهْ فيصِحُّ الحديثُ من غَيْرِ سُقْمٍ ... ما رواه إمامُنا عن أُسَامَهْ وله: كأنها والقُرْطُ في أُذْنِها ... بَدْرُ الدُّجَى قُورِنَ بالمُشْتَرِي قد كتبَ الحُسْنُ على وَجْهِها ... يا أعْيُنَ الناسِ قِفِي وانْظُرِي وله في حامل ساعة: ومليحٍ ملَك الحُسْ ... نَ جميعاً فأطَاعَهْ جاءَنا ساعة أُنْسٍ ... إذْ حَوَتْ يُمْناه سَاعَهْ وله في بانياني اسمه رامه: وَلِعْتُ ببانيانِي فيه حُسْنٌ ... تظَلُّ الشمسُ عاكفةً أمامَهْ كأن بِرِيمهِ لمَّا تبدَّى ... بريقَ الغَوْرِ في أكْنافِ رَامَهْ وله: قد انْقضَى الصومُ ووَلّى وقد ... أقْلَقهُ شَوَّالُ بالإرْتحالْ في الأرضِ تَرْميه مَجانِيقُنَا ... وفي السَّما يَرْمِيه قَوْسُ الهلالْ وله: طَيْلَسانُ المُهذّبِ بن عشيشٍ ... هَذَّبْته الشهورُ والأعْوامُ حاكَه مُجْتبَى النُّبُوَّةِ شِيثٌ ... هكذا قد رَوَتْ لنا الأهْرامُ وله: طَيْلَسانُ ابنِ عشيشٍ ذِي العُلَى ... قد بَراه الدهرُ في نَشْرٍ وطَيّ شَيِّقٌ يُذْكِر أيامَ الصِّبا ... ما له ممَّا بَراه الشوقُ فِيّ طيلسان ابن عشيش، كطيلسان ابن حرب، في قدم الزمان والاختلال. وطيلسان ابن حرب صاحب الشهرة على ألسنة الشعراء. وكان محمد بن حرب أهداه إلى الحمدوني، وكان خلقاً، فقال في وصفه قرابة مائتي مقطوعة، لا تخلو واحدةٌ منها من معنىً بديع، وصار الطيلسان عرضةً لشعره، ومثلاً في البلى والخلوقة، وانخرط في سلك حمار طياب، وشاة سعيد، وضرطة وهب، وأير أبي حكيمة. ومن نوادر ما قال فيه: يا ابنَ حَرْبٍ كَسَوْتنِي طَيْلَساناً ... أمْرَضْته الأوجاعُ فهْو سَقِيمُ وإذا ما رَفَوْتُه قال سُبْحا ... نَك مُحْيي العظامِ وهْي رَمِيمُ قلت: ومثله في الشهرة، ثوب المالقي، وفروة ابن نباتة، وصوف ابن مليك. السيد أحمد بن محمد الأنسي شاعر صنعاء المفلق، وشهاب أفقها المتألق. تعانى الأدب حتى سما بإحرازها، فإذا نشرت حللها الصنعائية فهو طراز طرازها. وكان له عند أئمتها قدرٌ لا يجهل، واعتناءٌ لا يكاد حقه يهمل أو يمهل. ثم قدم مكة ومدح شريفها، ونال من المفاخر تليدها وطريفها. فكان غرس نعمه، الذي سقاه كرمه سائغاً هنيا، فأثمر قولاً جنيا. وحسامه الذي حلاه، فأهدى إليه من حلاه. وحظي حظوةً ما زال في خيرها إلى الممات يتقلب، واشتهر شهرةً أنست شهرة أخي العرب قدم على آل المهلب. وقد أثبت من أشعاره ما يستغني في إحكام صنعته عن الحجة والبرهان، ويدل على أن قائله حاز في ميدان البراعة مزية الرهان. فمن ذلك رائيته المشهورة التي مدح بها الشريف زيدا، وبلغني أنه أجازه عليها ألف ذهبٍ، وعبداً، وفرسا: سَلُوا آلَ نُعْمٍ بعدَنا أيُّها السَّفْرُ ... أعندهمُ عِلْمٌ بما صنَع الدهرُ تَصَدَّى لِشَتِّ الشَّمْلِ بيني وبينها ... فمنزليَ البَطْحا ومَنْزلُها القَصْرُ

стр. 496

رآنِي ونُعْماً لاهِيَيْن فغالَنا ... فشَلَّتْ يدُ الدهرِ الخَؤُونِ ولا عُذْرُ فواللهِ ما مَكْرُ العَدُوِّ كمَكْرِهِ ... ولكنَّ مَكْراً صاغَه فهو المَكْرُ فقُولاَ لأحْداثِ الليالي تمَهّلِي ... ويا أيُّهذا الدهرُ مَوْعِدُك الحَشْرُ سلامٌ على ذاك الزمانِ وطِيبِه ... وعيشٍ تقضَّى لي وما نبَت الشَّعْرُ فتلك الرياضُ الباسِماتُ كأنّ في ... عَواتِقها من سُنْدُسٍ حُلَلٌ حُمْرُ تنَضّد فيها الأُقْحُوانُ ونَرْجِسٌ ... كأعْيُنِ نُعْمٍ إذْ يقابلُها الثَّغْرُ كأنَّ غصونَ الوردِ قُضْبُ زَبَرْجَدٍ ... تُخالُ من الياقوتِ أعْلامُها الحُمْرُ إذا خطَرْت في الرَّوضِ نُعْمٌ عَشِيَّةً ... تَفاوَح من فَضْلاتِ أرْدانِها العِطْرُ وإن سحَبْت أذْيالها خِلْتَ حَيَّةً ... إلى الماءِ تَسْعَى ما لأَخْمَصِها إثْرُ كَساهَا الجمالُ اليُوسُفُِّ مَلابِساً ... فأهْوَنُ مَلْبوسٍ لها التِّيهُ والكِبْرُ فكم تخْجَلُ الأغْصانُ منها إذا انْثَنتْ ... وتُغضِي حياءً من لواحِظِها البُتْرُ لها طُرَّةٌ تكْسُو الظَّلامَ دَياجِياً ... على غُرَّةٍ إن أسْفَرتْ طلعَ الفَجْرُ وجِيدٌ من البِلَّوْرِ أبْيضُ ناعمٌ ... كعُنْقِ غَزالٍ قد تكنَّفَها الذُّعْرُ ونحر يقول الدُّرُّ إن به غِنىً ... عن الحَلْيِ لكنْ بي إلى مثلِه فقرُ وحُقَّانِ كالكافورِ نَافَ عَلاهُما ... من النَّد مِثْقالٌ فنَدَّ به الصَّبْرُ قلت هذا الند ند عن الند. رُوَيْدَك يا كافورُ إن قُلوبَنا ... ضِعافٌ وما كُلُّ البلادِ هي المِصْرُ بَدا القَدُّ غُصْناً باسِقاً مُتأوِّداً ... على نَقَوَىْ رَمْلٍ يطوفُ به نَهْرُ يكاد يدُقُّ الخَصْرَ من هَيَفٍ به ... رَوادِفُها لولا الثَّقافةُ والهَصْرُ لها بَشرٌ مِثلُ الحريرِ ومَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الحَواشِي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ رأتْني سَقِيماً ناحِلاً وَالهاً بها ... فأدْنَتْ لها عُوداً أنَامِلُها العَشْرُ وغنَّتْ ببيتٍ يلْبَثُ الرَّكْبُ عنده ... حَيَارى بصَوْتٍ عنده يرقُص البَرُّ إذا كنتَ مَطْبوباً فلا زلْتَ هكذا ... وإن كنتَ مَسْحوراً فلا بَرِىءَ السِّحْرُ فقلتُ لها واللهِ يا ابْنَةَ مالكٍ ... لَمَا شَفَّنِي إلاَّ القطيعةُ والهجرُ رَمَتْنِي العيونُ البابِلِيَّاتُ أسْهُماً ... فأقْصَدنِي منها سهامُكمُ الحُمْرُ فقالتْ وألْقتْ في الْحَشَا من كلامِها ... تأجُّجَ نارٍ أنت من مُلْكِنا حُرُّ فواللهِ ما أنْسَى وقد بكَرتْ لنا ... بإبْرِيقِها تسعَى به القَيْنةُ البِكْرُ تدُور بكاساتِ العُفارِ كأنْجُمٍ ... إذا طلعَتْ من بُرْجِها أفَلَ البَدْرُ نَدامايَ نُعْمٌ والرَّبابُ وزَيْنَبٌ ... ثلاثُ شُخوصٍ بيْننا النظمُ والنثرُ على النَّأيِ والعودِ الرَّخِيمِ وقَهْوةٍ ... يُذكِّرها ذَنْباً لأقْدامِنا العَصْرُ فتقْتصُّ من ألْبابِنا وعقولِنا ... فلم نَدْرِ هل ذاك النُّعاسُ أو السُّكْرُ مُعتَّقةٌ من عهدِ عادٍ وجُرْهُمٍ ... ومُودِعها الأدْنانَ لُقْمانُ والنَّسْرُ مُشَعْشَعةٌ صَفْرا كأن حَبابَها ... على فُرُشٍ من عَسْجدٍ نُثِرَ الدُّرُّ إذا أُفْرِغتْ في الكأسِ نُعْمٌ وأخْتُها ... تَشابَه من ثَغْرَيْهما الرِّيقُ والخَمْرُ خَلا أن رِيقَ الثَّغْرِ أشْفَى لِمُهْجتِي ... إذا ذاقَه قلبي الشَّجِي بردَ الجَمْرُ

стр. 497

وأنْفَعُ دِرْياقٍ لمَن قتَل الهوى ... فهاتِ ارْتِشافَ الثَّغْرِ إن سَمَحَ الثَّغْرُ بهذا عرفْنا الفرقَ ما بين كأسِها ... وبين مُدامِ الظَّلْمِ إن أشكلَ الأمْرُ فواللهِ ما أسْلُو هَواها على النَّوَى ... بَل إن سلاَ بذْلَ النَّدَى الملكُ القَسْرُ أبو حسنٍ زيدُ المَكارمِ والتقى ... له دون أمْلاكِ الورى المجدُ والفخرُ إذا ما مشَى بين الصُّفوفِ تزَلْزَلتْ ... لِهَيْبتهِ الأمْلاكُ والعَسْكرُ المَجْرُ وترْجُف ذاتُ الصَّدْعِ خَوْفاً لِبأْسِهِ ... فَيْندكُّ أطوادُ المَمالكِ والقَفْرُ فلو قال للبحرِ المُحيط ائْتِ طائعاً ... أتاه بإِذْنِ اللهِ في الساعةِ البَحْرُ على جُودِه من وَجْهِه ولسانِه ... دليلان للوفْدِ البشاشةُ والبِشْرُ فما أحنفٌ حِلْماً وما حاتمٌ نَدىً ... وما عنْترٌ يومَ الحقيقةِ ما عَمْرُو هو الملِك الضَّحَّاكُ يوم نِزالِه ... إذا ما الجبانُ الوجه قَطَّبه الكَرُّ لقد قَرَّ طَرْفُ المُلْكِ منه لأنَّه ... لَديْه النَّوالُ الحُلْوُ والغضبُ المُرُّ أنِخْ عنده يا طالبَ الرِّزْقِ فالذي ... حَواه أنُوشِرْوانَ في عيْنهِ نَزْرُ ولا تُصْغِ للعُذَّالِ أُذْناً وإن دَنَوْا ... بأحْسابِهم منهم فما العبدُ والحُرُّ وهل يسْتوِي عَذْبٌ فُراتٌ مُرَوَّقٌ ... ومِلْحٌ أُجاجٌ لا ولا التِّبْنُ والتِّبْرُ فلو سمعتْ أُذْنُ العِدَى بهِباتِه ... إذا جاد لاسْتحْيتْ ولكنْ بها وَقْرُ مَلِيكٌ إليه الإنْتهاءُ وقَيْصَرٌ ... يُقصِّر عنه بل وكِسْرَى به كَسْرُ مَلِيكٌ له سِرٌّ خَفِيٌّ كأنما ... يُناجِيه بالغيْبِ ابنُ داودَ والحَبْرُ فإن كذَّبوا أعْداءُ زيدٍ فحسْبُه ... من الشاهدِ المَقبولِ قِصَّتُه البِكْرُ لَياليَ إذ جاء الخَصِيُّ وأكْثروا ... أقاويلَ غَيٍ ضاق ذَرْعاً بها الصَّدْرُ فأيْقظَه من نَوْمِه بعد هَجْعةٍ ... من الليلِ بيْتٌ زاد فَخْراً به الشِّعْرُ كأنْ لم يكنْ أمْرٌ وإن كان كائنٌ ... لكانَ به أمْرٌ نفى ذلك الأمْرُ وفي طَيِّ هذا عِبْرةٌ لأُلي النُّهَى ... وذِكْرَى لمن كانت له فِطْنةٌ بِكْرُ فيا زيدُ قُلْ للحاسدين تحفَّظوا ... بغَيْظِكمُ أن لا يُطيعَكمُ الصَّبْرُ فمَجْدِي كما قد تعلمون مُوثَّلٌ ... وكلُّ حَمامِ البَرِّ يقْنِصُها الصَّقْرُ مِن القومِ أرْبابِ المَكارم والعُلَى ... مَيامِينُ في أيْديهمُ العُسْرُ واليُسْرُ مَسامِيحُ في الأَوْلَى مَصابيحُ في الدُّجَى ... تَصافَح في مَعْناهمُ الخيرُ والشَّرُّ أسِنَّتُهم في كلِّ شرقٍ ومَغْرِبٍ ... إذا ورَدتْ زُرْقٌ وإن صَدَرَتْ حُمْرُ مَساعِيرُ حربٍ والقَنا مُتشاجِرٌ ... ويوم النَّدَى تبْدو جَحاجِحَةٌ غُرُّ وَلِيدُهمُ ألقَى الملوكُ لأمْرِه ... تقولُ لبَدْرِ التِّمِّ ما أنْصَف الشَّهْرُ بنِي حَسَنٍ لا أبْعَدَ اللهُ دارَكمْ ... ولا زال مُنْهَلاً بأرْجائِها القَطْرُ ولا زال صَدْرُ الدَّسْتِ مُنْشَرِحاً بكمْ ... فمنكم وُلاةَ البيتِ ينْشرحُ الصدرُ قلت: وقد ترجمه صاحب السلافة، وقال فيه: ورد مكة، فمدح سلطانها السيد زيدا، بقصيدةٍ طويلة الذيل، فأجازه عليها جائزةً سنية النيل. على أن نظام أبياتها غير مؤتلف، وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف. فهي كما قيل: درةٌ وآجرة، وقحبة تجاورها حرة. ثم أورد المقدار الذي ذكره من القصيدة، مع التعقبات التي في أثنائها، والاعتراضات التي طمست من سناها لا سنائها.

стр. 498

فإن محاسن محاسنها أثر فيها ذلك القدح، وجلالة قدرها مشيدةٌ بمدح الشريف وشريف المدح. وأقول: كأن ابن معصوم لم يظفر من شعر الأنسي إلا بهذه القصيدة، التي أظهر فيها نقده. على أن شعره كثير، وفضله أثير، وجياد كلامه لنقع البلاغة لم تزل تثير. قال: قوله: فوالله ما مكر العدو.. إلخ هذا البيت ساقطٌ، ويتلوه ما بعده. يشير بذلك إلى الأبيات الثلاثة التي بعده. أقول: ليس في هذا البيت عيبٌ إلا تكرار لفظ المكر؛ فإن التكرار مخلٌّ بالبلاغة إن أدى إلى التنافر كما بينوه، وأما من حيث المعنى فهو مستقيم؛ لأنه لما ذكر أن الدهر معاندٌ له، أثبته عدواً، ونسب إليه المكر به، كما هو شأن العدو، وادعى أن مكره أشد من مكر العدو، على طريق المبالغة في وصفه بذلك. وقوله: هو المكر؛ أي هو الذي يستحق أن يسمى مكراً، كأن غيره بالنسبة إليه لا يسمى مكراً. وأما قوله: فقولا لأحداث الليالي.. إلخ، فلا يظهر وجه سقوطه؛ لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، وهو خارج مخرج التظلم من الدهر. نعم قوله: فتلك الرياض ظاهر السقوط. قال: وهو ملحون القافية، إذ صوابها النصب. قوله: وإن سحبت أذيالها خلت حية، هذا من قبيح التشبيه، على ما فيه من الخلل. قلت: اعتراضه عليه ليس فيه خفاء. قوله: وصحنان خد. إلخ، ملحون أيضاً، وفيه تشبيه المثنى بالجمع. وقوله: وما كل البلاد هي المصر. قال: أدخل لام التعريف على مصر، وهي علمٌ للبلدة المشهورة وهو غير جائز. قوله: لها بشر مثل الحرير، هذا البيت من قصيدة ذي الرمة المشهورة، وقد انتحله من غير تنبيه على ذلك. قلت: بعد إثبات الشهرة لا يحتاج إلى التنبيه. وفي قوله: قد انتحله من غير تنبيه على ذلك، غفلةٌ، فإن من ينتحل شيئاً لا ينبه على انتحاله. قال: وإنما نبهت على ذلك كله لأن بعض أهل العصر يغالي في استحسانها، زاعماً أنها من أعلى طبقات الشعر، وليس كما توهم. قلت: يكفيها شهادته بأنها من أعلى الشعر، فهي شهادةٌ بعالٍ من علي، والحق أن حسن مساقها واضحٌ جلي. وقوله فيها: كأن لم يكن أمر وإن كان كائن. لهذا البيت قصةٌ، وهي: أنه كان ورد مكة رجلٌ يقال له بشير، ومعه أوامر من السلطان مراد، بأنه مطلق التصرف، وكان في ظنه أنه يعزل الشريف زيداً عن منصبه، فلما وصل إلى ينبع، ظهر خبر موت السلطان، فلم يتم له أمرٌ. وكان الشريف زيد: رأى في المنام، كأن شخصاً ينشده هذا البيت: كأنْ لم يكنْ أمْرٌ ... .........إلى آخره فانتبه، وكتبه بالسواك على رمل، في صحن نحاس، خشية النسيان. وكانت هذه الرؤيا في الليلة التي أسفر صباحها عن الخبر، فنظم الأنسي القصيدة، وأدرجه فيها. وله هذه الكافية، في مدح الشريف المذكور أيضاً، وأولها: مِن قبلِ رُؤْياك يا رَيَّا عَرفْناكِ ... أهْدَى النسيمُ قَبُولاً طِيبَ رَيَّاكِ ونَفْحة جابتِ الآفاقَ منكِ فلم ... يبْقَى على المِسكِ ذِكْرَى بعدَ ذِكْراكِ كم بَلْبَلَ البَالَ منها بُلْبُلٌ سَحَراً ... وهل مَغانيه إلا بعضُ مَغْناكِ وأطْربَ العِيس حَادٍ في مَفازَتِها ... تحت الدُّجَى حين غَنَّاها بمَغْناكِ حَلَلْتِ نَجْداً فطابتْ منكِ أرْبُعُهُ ... وأصْبحَ التُّرْبُ تِبْراً بعد مَمْشاكِ وخالطَتْ مَجَّةٌ منك العُذَيْب وما ... عِلْمِي به قبلُ لولا نَفْثُ مِسْواكِ عِمِي صباحاً مَغانِي الغانياتِ ولا ... تنْفَكُّ نعم تغذ أيدي نُعْماكِ أين العهودُ التي كانتْ مُؤكَّدَةً ... إيَّاك أن تنْقُضِيها بعدُ إيَّاكِ نعِمْتِ يا نُعْمُ بَالاً بعدَنا ولنا ... بالٌ يُبَلْبِلُه ذِكْرى مُحيَّاكِ إن كُنَّ أرْبُعِك الَّلاتي زهتْ وهَزَتْ ... بأرْبعٍ من جِنانِ الخُلْدِ مَأْواكِ فيهِنَّ عَيْنانِ من شُهْدٍ ومن لَبَنٍ ... نَضَّاخَتانِ فمِن عَيْنَيَّ عَيْناكِ والمُنْحنَى من ضُلوعِي لم يزلْ أبداً ... مَثْواكِ والقلبُ لا ينْفكُّ مَرْعَاكِ

стр. 499

لولاكِ ما قلتُ بيْتاً في النَّسيب ولا ... جَفا جُفونِي كَراها غِبَّ مَسْراكِ ولا لَقِيتُ من الوَجْدِ المُبرِّح ما ... يَرُضُّ رَضْوَى فهل باللهِ أرْضاكِ نَزلْتِ نَجْداً وأضْحَى مَنْزلي بمِنىً ... حتى متى يا تُرَى باللهِ ألْقاكِ ولي بَقايَا حُشاشاتٍ أضِنُّ بها ... عَسَى عَسَى تتلاقاها مَطايَاكِ وفي فؤادِيَ أسْرارٌ تضمَّنها ... من الصَّبا حبَّذا إيداعُها فاكِ لا وَاخَذ اللهُ أيْدِي العِيسِ قد جمَعتْ ... بعائدِ الصِّلةِ المَشْكُوَّ والشّاكِي يا ربَّةَ الخْالِ والخَلْخالِ طَيْفُ خَيا ... لٍ منك يشْفِي خليلاً وجْدُه ذَاكِ وبارِقٌ برَقتْ لي من ثَنِيَّتِه ... منك الثَّنايا فأضْحَى أيّ ضَحَّاكِ فمتِّعِيه به ما عاشَ وابْتَعِثي ... دِماه لا تعْدميه لا عَدِمْناكِ سقَى ورَوَّى وحَيَّى للرَّبابِ مُلِثٌّ ... للرَّبَابِ الرُّبى رَيَّا بذِكْراكِ حتى يُقال لمَعْناها لقد رَحِمَ الضَّ ... حَّاكُ يا قوم هذا العارِضَ الباكِي وحاكَ منها بُروداً ثم فَوَّفَها ... بكلِّ لَوْنٍ فأعْيَى وَضْعُها الْحَاكِي كأن زيداً أطال الله مُدَّتَه ... أمَدَّ بعضُ مُحَيَّاه مُحيَّاكِ فهْو الذي يدُه البَيْضا وصَنْعتُها ... نَسْجُ المَكارِم من إبَّانِ إدْراكِ ما بأسُ عمرٍو وما هَمُّ ابنِ ذي يَزَنٍ ... وما سياسةُ سَاسانٍ وإيناك ما زال لا زال يَطْوِي كلَّ مُنْتَشِرٍ ... من المَمالك في عُرْبٍ وأتْراكِ حمَى به الحَرميْن اللهُ فامْتنعَا ... عن مُلْحِدٍ وأثيمٍ بل وهَتَّاكِ فَأَمَّتِ الأُمَمُ البيتَ الحرامَ على اخْ ... تلافِها لم يَخفْ سِرْبٌ لنُسَّاكِ سِنانُه لم يزَلْ يُدْعَى وصارِمُه ... بفاطِرٍ وبسَفَّاحٍ وسَفَّاكِ هو الأمينُ ولكن ليس يخدمُه ال ... مأمونُ إن غَمزتْ عَيْنٌ لأفَّاكِ سَلْ عنه مكةَ هل مَلْكٌ تَسَلْطَنَ يحْ ... كي منه زيداً بها من قبلهِ حَاكِ وهل لطائرِه المأمونِ من مَثَلٍ ... فيمن تقدَّم سَلْ سَلْعاً وذي الداكِي كم طاب في طَيْبَةٍ رَبْعٌ لِمُرْتبِعٍ ... كَساه بُرْدَ ربيعٍ عَدْلُه الزَّاكِي إن ينْتقِلْ عنك جَوْرُ يَثْرِبٍ فلا غرْ ... وَفقد ثقلتْ من قبْل حُمّاكِ زيدٌ هو الجوهرُ الفَرْدُ الذي انْعَقدتْ ... له العِنايةُ في أثْناءِ شبَّاكِ منها: مَن لي برُؤْية زيدٍ مَن يُبلِّغنِي ... مَن لي ببَسْطِ يدٍ من قبلِ إدْراكِ أعوذُ باللهِ من عَجْزٍ يُحوِّلَ عن ... ازْديارِ مَن سَكَن الزَّوْراءَ نَهَّاكِ يا ربِّ بالبيتِ زِدْ زيدَ المكارمِ تَعْ ... ميراً وعِزّاً وصِلْ من حَبْلِيَ الوَاكِي ثم الصلاةُ على المختارِ من مُضَرٍ ... وآلهِ ما انْطَوَتْ أشْراكُ إشراكِ ولده أحمد سره الذي بدا، وأطل روضاً متروياً بطلٍ وندى. لقيته بمكة يصطبح الحظ ويغتبق، وثناؤه ما بين أدبائها عبق. وعندهم أشعاره ناطقةٌ بتبريزه، واستيلائه من معدن الأدب على إبريزه. وأنا على ذلك من الشاهدين، وما شهدت إلا وأنا من المشاهدين. وأما عشرتي معه فما زلت أذكرها، وبلسان الإخلاص أحمدها وأشكرها. فقد رأيت منه خلاً طبعه مصفى، ومشربه من ريق الشؤبوب أصفى. ومما خاطبته به، هذه الأبيات: أأحمدُ يا مَن صَحَّ عندِيَ وُدُّه ... ووُدِّي لديه صَحَّ عندِي ببُرْهانِ كِلانَا على أنِّي الغريبُ وأنك الْ ... غريبُ ولا دَعْوَى هناك برُجْحانِ

стр. 500

وإني وإيَّاك الحياةُ وجِسْمُها ... كِلانَا على الإخلاصِ مُتَّفقانِ عجبتُ لوُدٍ بيننا مَعْ تبايُنٍ ... فإنِّيَ قَيْسِيٌّ وأنتَ يَماني رفيقان شَتَّى ألَّفَ الدهرُ بيننا ... وقد يلْتقِي الشّتَّى فيأْتلِفانِ وقد أهدى إلي قصيدةً، يمدح بها كتابي هذا، وأنشدنيها ونحن في السردارية، المنتزه البهج، صحبة جماعةٍ صقلوا العشرة بطبعهم الرهج. وهي قوله: لشمسِ المَعالي والبلاغةِ إشْراقُ ... وللنظمِ من بعد التَّقَيُّدِ إطْلاقُ فريحانةُ المولى الخفاجِيّ عَرْفُها ... برَوْضٍ من الآدابِ والعلمِ عَبَّاقُ ويا حبَّذا ذيلٌ كساها مُحَمَّدٌ ... سُلالةُ فضل اللهِ مَن هُوَ سَبَّاقُ وذلك فضلُ اللهِ يُؤْتيه مَن يشَا ... وحَسْبُك أن الفضلَ والعلمَ أرْزاقُ لقد فاق مولانا الأمينُ مُؤرِّخاً ... لقومٍ لما تحْوِي التواريخُ قد فاقُوا بأوْراقِهِ زِينَتْ قُدودُ عُلاهُمُ ... كما زانتِ الأغْصانَ في الرَّوضِ أوراقُ وأحْكَم في تأْليفهِ مُتفنِّناً ... وأبْدَعَ حتى قيل ذلك إغْراقُ بإغْراقِه قد أصبح الغيثُ غارِقاً ... وللغيثِ إرْعادٌ هناك وإبْراقُ وفي بحرِه غار العُبابُ حَقارةً ... وهيهات للْبرقِ اليمانِيِّ إلْحاقُ فإن يُغْلِق الفتحُ بنُ خاقانَ بابَه ... فحُقَّ له من بعد ذلك إغْلاقُ به فارقتْ تلك القلائد جِيدَها ... وليس إلى ذكرِ الخريدةِ مشتاقُ ودَعْ عنك آدابَ السُّلافة بعده ... فليس لكاساتِ السلافة إدْهاقُ يحِقُّ لهذا الذيلِ إن قال تائِهاً ... أنا الرَّأْسُ والريحانة الخُفُّ والسَّاقُ كأن رِياضاً ما حَواه قِمَطْرُه ... فعَنْ طَيِّه نَشْرُ اللطائفِ خَفّاقُ كأن معانيه معانٍ لمَعْبَدٍ ... يُجاوبُه مهما ترنَّم إسْحاقُ كأن به هاروتَ ينْفُث سِحْرَهُ ... فلِلْقَوْمِ إصْغاءٌ إليه وإطْراقُ كأن ذوِي الآدابِ عند سَماعِه ... وقد ثمِلُوا صَرْعَى مُدامٍ فما فاقُوا كأن التَّواريَ والجِناسَ خرائدٌ ... تُشاهدها في موقفِ الأُنْسِ عُشَّاقُ كأن سَوادَ الحِبْرِ فوقَ بياضِه ... وقد زانَه سحرُ البلاغةِ أحْداقُ طَلاسِمُ أفكارٍ تخُطُّ لناظرٍ ... دَيابِيجُها حولَ التَّراجِم أَوْفاقُ تَداوَى به الأذْهانُ من داءِ عِيِّها ... وتلك لداءِ العِيِّ طِبٌّ ودِرْياقُ فقُلْ للأمين الأفضلِ السَّيِّد الذِي ... له في العُلَى قَدْران خَلْقٌ وأخْلاقُ لكَ اللهُ قد جُزْتَ الكواكبَ راقِياً ... وهل مجدُك السَّامِي لقَوْلِيَ مِصْداقُ وأطْلَعْتَ للآدابِ شمساً بنُورِها ... تبلّج من ليلِ الجَهالةِ آفاقُ وضَعْتَ لأبْناءِ الزمانِ قلائداً ... تُطوَّق منها للمفاخِرِ أعْناقُ ولا عَجَبٌ أن يُظهِر الفضلَ نَجْلُه ... وأن يقْذِفَ الدُّرَّ الذي فيهِ دَفَّاقُ ودونَك منِّي عن ذوِي الشِّعْرِ مِدْحةً ... سَبائكُها للجدِّ تاجٌ وأطْواقُ لقد زَانَ نَوْعُ الافْتتانِ نِظامَها ... وما فاتَها مَعْ رِقَّةِ اللفظِ إفْلاقُ أجَزْناك مَدْحاً يا فريدَ زمانِنا ... ليُقْضَى به حَقٌّ ويُحفَظَ مِيثاقُ وصلَّى على المُختارِ ما هبَّتِ الصَّبا ... وما باكَر الرَّوضَ المُفَوَّفَ غَيْداقُ وكتبت إليه أمدحه بقولي: بين النُّهُودِ ومَعْقِد البَنْدِ ... طعناتُ صائلةِ القَنا المُلْدِ فاحْذَرْ هنالك من رَنَا مُقَلٍ ... يصْرَعْنَ مَن يُبْصِرْنَ عن عَمْدِ

стр. 501

وأنا الفِداءُ لمَن بناظرِهِ ... وأنا السّقامُ مُجاوِر الحَدِّ طَوْعاً إذا ما رام سَفْك دَمِي ... لكنْ أخافُ يكون عن صَدِّ صَنَمٌ لبِستُ الغَيَّ فيه فلا ... أدْرِي أغَيِّي ضَلَّ أم رَشَدِي عَقَدَ النِّطاقَ وحَلَّ مُصْطَبَرِي ... فذهبتُ بين الحَلِّ والعَقْدِ قد أشْرقَتْ من نُورِ طَلْعَتِه ... شمسُ الضحى في طالعِ السَّعْدِ كُسِفتْ نجومُ الأُفْقِ حين بَدَا ... فنثَرْنَ خِيلاناً على الخَدِّ جسدٌ يذُوبُ لَطافةً وله ... قلبٌ بدَا في قَسْوةِ الصَّلْدِ أشكُو النُّحول لخَصْرِه غِلَظاً ... فيقول هذا كله عندِي مِن أضْلُعِي نارُ الغَضَا سكنَتْ ... في المُنْحَنَى والدمعُ في نَجْدِ لا تعجبِي يا سَلْمُ مِن حُرَقٍ ... أظْهَرْتُها خوفاً من البُعْدِ فالعَنْدَلِيبُ ينُوح حين يرَى ... عدمَ الوفاءِ له من الوَرْدِ شِيَمُ المَلِيحِ عَرفْتُها وأنا ... في كلِّ حالٍ ثابتُ العهدِ مَن كان يأمُل أن يُزهِّدَني ... فيه فإنِّي زاهدُ الزُّهْدِ إنِّي شُغِفْتُ به كما شُغِفَتْ ... بصفاتِ أحمدَ ألْسُنُ الحَمْدِ نَدْبٌ حوَى الفضلَ التَّمامَ وقد ... بلغَ العُلَى مُذ كان في المَهْدِ فَرْدُ الزمانِ فإن نظَرْتَ تَجِدْ ... كلَّ الفضائلِ منه في فَرْدِ إن عُدَّ فخرٌ كان أوَّلَ مَن ... عُقِجتْ عليه العَشْرُ في العَدِّ عَذْبُ الفكاهةِ في بَداهَتِه ... كَلِمٌ غدَتْ قطعاً من القَنْدِ وله بَنانٌ كلَّما كَتبتْ ... نظَمتْ دَرارِي الشُّهْبِ في عِقْدِ مِن كل سَطْرٍ كالعِذارِ إذا ... ما لاح فوق عَوارِضِ المُرْدِ لو عاينَ النَّظَّامُ أحْرُفَه ... لَدرَى وجودَ الجوهرِ الفَرْدِ مولايَ أنت أجَلُّ مَن نطقَتْ ... فيه المدائحُ من ذَوِي المَجْدِ خُذْها إليك كريمةً بلغتْ ... في الوصفِ أقْصَى غايةِ الجُهْدِ واعْذِرْ قُصورِي في المديح فما ... تُحْصَى رمالُ الأرضِ بالعَدِّ لا زلْتَ في عِزٍ وفي دَعَةٍ ... فبَقاكَ فينا غايةُ القَصْدِ وأنشدني أشعاراً كثيرة، منها هذه القصيدة، قال: كتب بها إلى علي بن أحمد ابن أبي الرجال: متى منك طِيبُ الوصلِ يدنُو ويقْرُبُ ... ويسهُل من لُقْياك ما كان يصْعُبُ وترحمُ صَبّاً صَبَّ صَبّاً دُموعَه ... لفَرْطِ الهوى من مَدْمَعٍ ليس ينضُبُ وما دمعُه الجارِي سوى قلبِه الذي ... بجَمْرِ الهوى قد ذاب وهْو المُذَبْذَبُ رُوَيْدكَ قد عذَّبتَ بالبَيْنِ مُهْجتِي ... وليس عَذابي لو ترفَّقْتَ يعْذُبُ بلِينِ قَوامٍ منك لِنْ لِمُتيَّمٍ ... فؤاداً وراقِبْ من لَطيْفِك يرقبُ وبالجِيدِ جُدْ بالوصلِ يا رِيمَ رَامةٍ ... فقد جَدَّ بي وَجْدٌ من النَّأْيِ مُتْعِبُ وباللَّحْظِ إلا ما تُرَى لي مُلاحِظاً ... وترحمُ قلباً في هَواكَ يُقلَّبُ ألا إنَّ فَنَّ الحبِّ فَنٌّ رَضِيتُه ... وقد صَحَّ لي فيه اعْتقادٌ ومَذْهَبُ وما كلُّ مَن يصْبُو مُصابٌ بدِينِه ... ولا كُلُّ مَن قال التَّغَزُّلَ يُثْلَبُ ولا كلُّ مَن يُنْشِي القَرِيضَ بشاعرٍ ... ولا كلُّ شِعْرٍ قيل شِعْرٌ مُهذَّبُ إذا لم يَحُزْ مَدْحاً لأحمدٍ الذي ... به المَثَلُ المشْهورُ في الناس يُضْرَبُ فتىً طاب إكْراماً وفَضْلاً وسْؤْدداً ... كما طاب في بَذْلِ النَّوالِ له أَبُ فأجبته بقولي: هو الدهرُ لا ما قيل في الكذبِ أشْعَبُ ... يُمَنِّيك بالإسْعادِ حِيناً ويكذِبُ

стр. 502

عَدِمْناه دَهْراً فيه قد عُدِمَ الوفَا ... فما ينْقضِي فيه لِذِي الحُبِّ مأْرَبُ يُكدِّرُ وِرْدَ العَيْشِ بعد صَفائِه ... وإنْ مَا كَسَا ثَوْباً من العِزِّ يسلُبُ ألم تَرَنِي بُدِّلْتُ بالأُنْسِ وَحْشةً ... فما راق لي من مَشْرَبِ الحُبِّ مَشْرَبُ تُنادِمني بعد النّدامَى نَدامَةً ... وأبْكِي على رَبْعِ الأحِبَّا وأنْدُبُ أهِيمُ هَوىً ما بين شَرْق ومغربٍ ... وجَفْنِيَ شَرْقٌ للدموعِ ومَغْرِبُ كواكبُ دَمْعٍ كلَّما انْقَضَّ كوكبٌ ... من الأُفْقِ بَارَاه من الدمعِ كَوْكَبُ يذكِّرني بدرُ الدجى مَن أوَدُّه ... وقد حفّه من فاحِم الشَّعْرِ غَيْهَبُ وأذكرُ بالبَرْقِ الّلموعِ ابتْسامَهُ ... فتحْكِي دموعِي سُحْبَه حين تسكُبُ فَمَرْجانُ دمعِي وهْو إذ ذاك أحْمَرٌ ... إذا سال في مُصْفَرِّ خدّك كَهْرَبُ وفيه مُراعاةُ النَّظيرِ لجَوْهرٍ ... فُتِنْتُ به من ثَغْرِه وهْو أشْنَبُ وما الْبانُ إلاّ ما حَواه قَوامُه ... له عَذَبٌ منها فُؤادِي مُعَذّبُ فما بسِوَى ذاك الغزالِ تغزُّلِي ... ولا بِسوى عهدِ الشّباب أُشَبِّبُ وإن تُطْرِبِ الألْحانُ غيري فإنني ... إلى لَفْظِه أصْبُو غَراماً وأْرَبُ لألْحاظِه في القلبِ صَوْلَةُ ضَيْغَمٍ ... فقُل فيه لَيْثٌ فاتِكٌ وهْو رَبْرَبُ بَهِيُّ المُحَيَّا قد حَلاَ لي جَمالُه ... ومَدْحُ جمالِ الدِّين أحْلَى وأعْذَبُ له الكلماتُ الرَّائقاتُ كأنها ... ثَنايا حَبِيبٍ أو جُمانٌ مُثقَّبُ إذا شاءَها كانت سُلافاً مُروَّقاً ... وما كأسُها إلا البديعُ المُرتَّبُ تقول إذا هَزَّتْ يَراعاً بَنَانُه ... أذلك رُمْحٌ أم حُسامٌ مُشَطَّبُ فكم رَاعَ جَيْشاً في الطُّروسِ يَراعُهُ ... وكم رَدَّ مِن خَطْبٍ إذا هو يخْطُبُ جمالَ الهدى مُذْ غِبْتَ عنِّيَ لم أزَلْ ... أُغالِبُ فيك الشوقَ والشوقُ أغْلَبُ ووُدُّك منِّي بالسَّوادَيْن نازِلٌ ... من القلبِ والعَيْنَيْن ثَاوٍ مُطنِّبُ وإن أوْجَب الحالُ التَّنائِيَ عنكمُ ... فإنِّي إليكم سوف أدْنُو وأقْرُبُ وما خَشْيتي ممَّا عرفْتَ وإنّما ... بِعادُ الفتى عن مَرْبَعِ الضّيْمِ أصْوَبُ وفي السَّودةِ الغَنَّاءِ قد طاب مَسْكَنِي ... وكلُّ مَحلٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ أقمتُ بها في خَفْضِ عيشٍ ورِفْعةٍ ... لأخْفِضَ بالإنْشاءِ قَوْماً وأنْصِبُ سأبعثُ في أثْناءِ كُتْبِي كتائباً ... بأمْثالِها الأمْثالُ في الناسِ تُضْرَبُ سَلاهِبُ يتْرُكْنَ القوافِي قَوافِياً ... إذا كَرَّمنها مِقْنَبٌ جاشَ مِقْنَبُ وهاكَ لِسانُ الحالِ عَنِّيَ ناطِقٌ ... وعنْك بما قال الأديبُ المُجرِّبُ لَحَى اللهُ ذِي الدنيا مَناخاً لراكبٍ ... فكلُّ بعيدِ الهَمِّ فيها مُعذّبُ ألا ليتَ شِعْرِي هل أقولُ قصيدةً ... ولا أشْتكِي فيها ولا أتَعتَّبُ وبي ما يذودُ الشِّعْرَ عنِّي أقلُّه ... ولكنَّ قلبي يا ابْنَةَ القومِ قُلّبُ وخُذْها جواباً عن تَصَدِّي فكرةٍ ... فما مثلُها إلا الصِّباء المُجرَّبُ وأنشدني أيضاً، من قصيدة، أولها: في عَبْرتي لكَ من وَجْدِي عِباراتُ ... وفي الكِناياتِ عن وَصْفِي إشاراتُ بديعُ حُسْنِك يا مَن لا نَظِيرَ له ... ما فيه لِلْوالِه المُضْنَى مُراعاةُ

стр. 503

فطَرْفُه في انْسِجامٍ من مَدامِعِه ... وقلبُه فيه للوَجْدِ اسْتِعاراتُ مُستخْدَماً لك لكنْ ما اكتفيْتَ به ... بئس الجَزَا منك في الشّرْطِ الإساءاتُ فليت ليِتَكَ يَثْنِي الالْتفاتَ لكيْ ... تسْتدرِكَ الصَّبَّ منك الالْتفاتاتُ فهْو الذي قد غدَا في حُبِّه مَثَلاً ... وفَوَّفتْ نَظْمَه منك الجِناساتُ يَطْوِي وينشُر قلبِي من تَثَّنِتِه ... بَرْقٌ له من ثَناياك ابْتساماتُ ومِن خُفوقِ فؤادي بل ورِقَّتِه ... ونارِه ثَمَّ لِلْبَرْقِ ابْتساماتُ يا غايةَ السُّؤْلِ شَرْحِي في الغرامِ غَدَا ... مُطَوَّلاً ما له فيه نِهاياتُ وأنت كَشَّافُ ما أُلْقِي وبَهْجتُه ... فهَلْ لِمصباحِ وَجْدِي منك مِشْكاةُ حديثُ وَجْدِي قديمٌ والمَعاهِدُ لي ... فيها الشَّواهِدُ تُمْلِي والمَقاماتُ أنتَ الشِّفاءُ وما بيْن الشِّفاهِ له ... مَناهِلٌ عَذُبتْ فيها الرِّواياتُ عسَاك تسْمَحُ لي بالوَصْلِ مُنْعطِفاً ... فكم لِعِطْفِك يا غُصْنُ انْعِطافاتُ بيْني وبينك في التَّشْبيهِ تَسْويةٌ ... لولا اخْتلافٌ به تُفْضِي الصَّباباتُ وها نُحولِي شَبِيهُ الخَصْرِ منك وعنْ ... سقامِ جَفْنَيْك أخبارِي صَحِيحاتُ ولُؤْلُؤُ الدمعِ منِّي حين أسْكُبُه ... تَحْكِيه منك الثَّنايا اللُّؤْلُؤِيَّاتُ ونارُ خَدِّك في قلبي لها لَهَبٌ ... لولا عِذارُك من حَوْلَيْه جَنَّاتُ من أجلِ طَرْفِك أهْوى كُلَّ مُنْصَلِتٍ ... فكَم له صَوْلَةٌ فينا وفَتْكاتُ وكم أضَمُّ رِماحَ الخَطِّ حين حَكَتْ ... مَنْصوبَ قَدِّك وهْي السَّمْهَرِيَّاتُ لِقَتْلِ أهلِ الهوى قد صار مُنْكَسِراً ... يا لَلرِّجالِ لجَفْنٍ فيه كَسْراتُ نَقِيُّ خَدٍ إذا ما افْتَرَّ ضاحِكُه ... بَدَتْ لقلبي من الأفراحِ راياتُ رُوحِي الفداءُ لبدرٍ إن سَرَى فله ... في الطَّرْفِ والقلبِ أبْراجٌ وهَالاتُ لكنه إن تثَنَّى ذَابِلٌ وإذا ... رَنَا فظَبْيٌ له في الأُسْدِ سَطْواتُ لَئِنْ تضِلَّ به ألْبَابُنا فلها ... مَدْحُ الخليفةِ إن ضَلَّتْ هِداياتُ وأنشدني من أخرى، مطلعها: لو كان أنْصفَك الهلالُ لأنْصَفا ... لكن تكلَّف حُسْنَه فتكلَّفَا يا أيُّها الشمسُ التي أنْوارُها ... لولا اكْتسابُ البدرِ منها أُكْسِفَا كم رام صَبُّك أن يكون بحُبِّه ... بين المَلاَ مُتنكِّراً فتعرَّفَا صَبٌّ به صَبُّ المَدامعِ لم يزَلْ ... يُبْدِي من الوجدِ المُبرِّحِ ما خَفَى وأراه بعد اليومِ إن لم يشْتفِي ... بالوصل أو يُشْفَى يكون على شَفَا لا تسمعِ الشّانِي فشاني أدْمُعِي ... يُنْبيك عن شاني بوَكَّافٍ كَفَى لشُهودِ دمعي من لِحاظِك جَارِحٌ ... والسّقمُ يُثْبِتُ ما تقول وإن نَفَى أفْدِيك من مُتنوِّعٍ مُسْتمْنِعٍ ... في كلِّ مُمْتنعِ الغرام تَصَرَّفَا مِسْكينُ حُبِّك أيُّها الغَانِي غَدَا ... لصِلاتِ وَصْلِك في المَحبَّة مَصْرِفَا لولا ألِفْتُ لِقاكَ لم أكُ سائلاً ... إن لم يكنْ لك سائلاً فمؤلَّفَا بقَوامِك الأَلِفيِّ وهْو ألِيَّةٌ ... قد حاز للقَسَمِ الحروفَ وألّفَا وبواوِ صُدْغِك وهْو لو حَقَّقْتَه ... للعطفِ إلاّ ما وصلتَ تعطُّفَا كتب الجمالُ على مُحيَّاك الذي ... فَتَنَ العقولَ من المَحاسِنِ أحْرُفَا

стр. 504

نونُ الحواجبِ ثم مِيمُ الثّغْرِ مَعْ ... لامِ العِذَاريْن اللّذَيْن تألّفَا نَمْلٌ بها قد هامتِ الشُّعراءُ لَمَّ ... اسالَ سائِلُها وصارتْ زُخْرَفا سبحان مَن جعل الحديدَ فؤادَه ... والنُّورَ طَلْعته وذاك المُصْحفَا يَرْوِيك إذ يرْوِي مُبرَّد ثَغْرِه الضّ ... حَّاكِ عن عَذْبِ المَناهلِ بالشِّفَا منها: بِبَنانِه يحْكِي البَيانَ وكم حَكَتْ ... منه الجِناسَ إذا أشار مطرفَا وبِسِحْرِ مَنْطقِه البديعِ تظُنُّه ... في كلِّ فَنٍ في الفنونِ مُصنِّفَا وكأنه من نُطْقِه ونِطاقِه ... وُرْقٌ على وَرَقٍ أدارت قَرْقَفَا منها: خَضْرٌ تحمَّل منه رِدْفاً مُرْدَفاً ... ومن القَنا والقَدِّ رُمْحاً ثُقِّفَا مع خَصْرِه والرِّدفِ تنظر نَهْدَه ... فمُدققاً ومُحقَّقاً ومُحَقَّفَا بين السَّوالِفِ والسُّلافِ سَوالِفٌ ... سَلَفتْ أرَقَّ من النّسيمِ وألْطَفَأ هيْهاتَ لا أسَفٌ على ما قد مضى ... في الحالِ ما يُسْلِيك أن تتأسَّفَا وأبِيكَ قد عاد الغرامُ كما بَدَا ... فدعِ المَلامَ فلا أعِي مَن عَنَّفَا ورجعتُ عن نَظْمِ النّسِيبِ مُغالِطاً ... ومُكَنِّياً بالرُّمْحِ قَدّاً مُرْهَفَا وأنشدني هذه الرباعية: أهْوَى قمراً لِمُهْجتِي قد قَمَرَا ... أُغْفِي خَطَراً لقَدِّه إن خَطَرَا قد مَرَّ خَيالُه بطَرْفِي سَحَرَا ... أهْلاً بخَيالِ مَن لِطَرْفِي سَحَرَا وأنشدني في مليح توارى بين جوارٍ، قوله: أضْحَى يُوارِي نَفْسَه ... ليصيرَ من جِنْسِ الجوارِي باللهِ عنِّي قُلْ له ... دَعْ ذا الْجِناسَ مع التَّوارِي ما استعمل التواري أحسن من الشهاب، في قوله: يا مَن له من طَبْعِه ... شِعْرٌ من الإحْسانِ عَارِي ما ذاكَ إلاّ حُرْمَةٌ ... ولذاك أُولِعَ بالتَّوارِي وأنشدني قوله: إذا ما طال من أهْوَى ... فذاك الطُّولُ عن شَانِ مَعَاطِفُ حُسْنِه يَنَعَتْ ... فطال لِيْمنَعَ الْجانِي أخوه السيد علي عرفني أخوه مزاياه، حتى حسبته أباه أو إياه. وهو أديب بالكمال ملي، قدره فوق أن يقال: علي. شدت عرى أواخيه، بقوى أبيه أو أخيه. فإن طويت لآثارهما مطارف، فلقد تنشر لأخباره رفارف. وقد تلقيت من كلامه، وحسنات أقلامه. ما يأخذ من البلاغة باليمين، ويحتقر عنده الدر الثمين. فمن ذلك قوله من قصيدة، أولها: أعلَى سُطورِك أيُّها الرَّسْمُ ... سَحَبتْ فُضولَ ذُيولها نُعْمُ أم فُضَّ للمِسْكِ الذَّكِيِّ على ... تُرْبٍ ثَوَى بِك يا تُرَى حَتْمُ ما هذه النَّفَحات تُخْبِرُني ... إلا بأمرٍ شَرْحُه جسمُ خَبِّرْ هُدِيتَ عن الذين نَأَوْا ... فعَنِ العَمِيدِ الصَّبِّ لاَ كَتْمُ وأدِر سُلافاً من حديثِك عن ... ذاتِ الخَلاخلِ دونها الكَرْمُ هيْهات لا رَجْعٌ لِمَسْألتِي ... إلا صَدىً يهْفُو له الحِلْمُ إن قلتُ هل علمٌ أُسَرُّ به ... رَدَّ الجوابُ عليَّ هل علمُ يا نُعْمُ مالَكِ والصَّدودِ أمَا ... تَرْثَىْ لصَبٍ ذَلَّ يا نُعْمُ يُمْسِي سَمِيرَ النَّجْمِ من قَلَقٍ ... وأبيكِ رَقَّ لِمَا به النَّجْمُ وإذا ترنَّم طائرٌ سَحَراً ... أشْجاه منه الصَّدْحُ والنَّغمُ وَيْلاه من قلبٍ سَلاَ وخَلاَ ... عنِّي ومن قلبٍ هو الفَعْمُ وسقامِ طَرْفٍ قد كسَا جَسَدِي ... سُقْماً وأَنْحَلَ ذلك السُّقْمُ وردٌ ورُمَّانٌ وصافيةُ الْ ... خَدَّيْنِ والنَّهْدانِ والظَّلْمُ

стр. 505

بأبِي الذي كَتمتْ مَحبَّتُه ... مِنِّي الحَشا فعَليْه ينْضَمُّ لا لا أُصرِّح باسْمِه أبداً ... ويجِلُّ أن يُجْلَى له وَسْمُ وأقولُ يا نُعْمٌ وآوِنَةً ... سَلْمَى ولا نُعْمٌ ولا سَلْمُ يا عاذِلي إن كنتَ ذا رَشَدٍ ... آذانُ كلِّ مُتيَّمٍ صُمُّ أقْصِرْ فما عَذَلٌ بِمُتَّبَعٍ ... سِيَّان فيه القُلُّ والْجَمُّ إن رُمْتَ تَصْديقِي فلُمْ رَجُلاً ... في رَاحَتيْه يغْرَقُ الْيَمُّ وقوله، مضمنا: ورُبَّ فتىً في مَعْبَرٍ قد تَلاعَبَتْ ... به الرِّيحُ في شَرْقِ المَحَلِّ وغَرْبِهِ إذا ذهبَتْ ريحُ الشَّمالِ بسَمْعِه ... وبالبصرِ الرِّيحُ الجَنُوبُ وسَلْبِهِ يُناديهما ريحَ الجَنُوبِ وقد مضَتْ ... بما أسْأراه من بَقيَّةِ لُبِّهِ بعَيْشِكما لا تَتْرُكاه مُرَوَّعاً ... خُذا مِن صَبَا نَجْدٍ أماناً لِقَلْبِهِ وقوله، وفيه الإيداع: وَرْدةُ الخدِّ نَوَّرَتْ ... فاخْتشَى قَوْلَ هَاتِهَا فحَماها بجَمْرةٍ ... لم أكُنْ مِن جُناتِهَا يريد قول الأول: لم أكُنْ من جُناتِها شهِد اللَّ ... هُ وإنِّي لِحَرِّها صَالِي وله: شارِبُه المُخْضَرُّ مُذ لاح في ... مُحْمَرِّ ياقوتٍ له مُسْتَطابْ فحدَّه بالقَصِّ لمَّا غَدَا ... سَكْرانَ من خَمْرِ الثَّنايا العِذَابْ وله في مليح، يأكل قاتاً: أُشَبِّهُ ثَغْرَه والْقاتُ فيه ... وقد ذهبتْ بفِتْنتِه القلوبُ لآلٍ قد نَبَتْنَ على عَقِيقٍ ... وبيْنهما زُمُرُّدَةٌ تذوبُ آخر الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع، وأوله: الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز استدراك سقط أثناء الطبع في صفحة ٥٧٤ بعد قوله: همتُ بها وأعجبُ الإبْداعِ ... ذو طَيْلَسانٍ هام في قِناعِ قوله: أفدي بقلبِ المُسْتهامِ دَلّها ... مَن ذا على قتْل النفوس دَلّهَا الجزء الرابع الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز هذا الباب ورب الكعبة، أعظم ما حوته الجعبة. وهو باب واسع الأطناب، والإيجاز فيه أولى من الإطناب. فإذا قل مدحي في أوصاف أهله نثيراً ونظيماً، فإن فكري يمر بنعتهم فيقف له إجلالاً وتعظيماً. فإن بسطت القول، مع هذه القوة والحول فعلى الصراط أحكم الأوصاف، وفي الميزان أتوفى الإنصاف. وغاية ما أقول إذا وجهت إلى الكعبة مجدهم صلوات التقديس والتعظيم، وزينت معاطفها بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم: كفى شَرفاً قُطْراً به أهلُ مكةٍ ... على جسَدِ المجدِ الموثَّلِ رَاسُ وما الناسُ إلاَّ هُمْ وليس سواهُمُ ... إذا قال ربُّ الناسِ يا أيها النَّاسُ فأول من أبدأ به منهم آل البيت والمقام، ورؤساء النبعة التي تقرأ في صحائفهم فواتح الأرقام. وهم الأشراف بنو حسن بن أبي نمى أصحاب النسب الواضح، ونخبة قريش الأباطح. ورونق ضئضىء المجد وبحبوح الكرم، وسراة أسرة البلدة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبتها لم ترم. مون الفضل المبر، الذين سقوا شجر الكرم بغيث البر. أقول فيهم مقالة يحيى بن معاذ: طينةٌ عجنت بماء الوحي وغرست فيها أشجار النبوة، وسقيت بماء الرسالة والفتوة. فهل يفوح منها إلا مسك الهدى، وعنبر التقى، وهل تثمر إلا ثمار الندى، وتهدل إلا الأغصان الشامخة المرتقى؟ شرفٌ ضخمٌ ونائلٌ جزيل، وفخر شاهداه وحيٌ وتنزيل. يفتخر الزمان بوجودهم على ما مضى من الأزمنة وسلف، ويتوج الدهر بأيامهم الخضر رءوس سنية فيحصل لها بذلك غاية الشرف. الشريف إدريس بن حسن سلطان الأكياس، ومن سيرته سيرة ابن سيد الناس. رفعه الله مكاناً علياً، وأغدق عليه عهاد المجد وسمياً وولياً. فأبوابه كعبةٌ تطوف بها آمال العفاة، وتصلى بالقبل إلى أبوابها الشفاه.

стр. 506

وثم رأيٌ يختفي منه في غمده السيف، وصدرٌ يسع رحلة الشتاء والصيف. إذا سطا فالشهب من نصاله، وإذا فخر فالحمد أقل خصاله. فلو راع الهضاب لأنحلت معاقدها، أو تناول السماء لخوت فراقدها. إلى نعمٍ أنجدت على صدمات الزمان، واتخذت عقيدة الكرم كعقيدة الإيمان. فحضرته مقصد المنتاب، إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب. وله أدب راق ورق، وشعرٌ رقيقه لحر العقول استرق. وقد وقفت له على ترجمة، ترجمه بها السيد محمد العرضي الحلبي، فلم أتمالك إلا أن ذكرتها. قال فيها: ذو الجبين المستنير بالعرفان، إذا غدا غيره جهولاً مقنعاً بقناع الذل والهوان. ماجدٌ احتبى بنطاق المجد كما احتبى السحاب ثهلان، وجواد أقسم جوده بيوم الغدير والنهروان. فأقسم برب البدن تدمى منها النحور، إنه الوارث منه وقفة الحجيج والوفادة، وسقايتهم والرفادة. وشهوده على ذلك منىً والمخيف، وصم الصفا والمعرف. كما قال الشاعر الرضي: له وَقفَاتٌ بالحَجيجِ شُهودُها ... إلى عَقِب الدنيا مِنىً والمُخَيَّفُ ومن مَأْثُراتٍ غيرِ هاتيك لم تزَلْ ... له عُنُقٌ عَالٍ على الناس مُشْرِفُ سار المذكور في أهل الحجاز بسيرة جده، من غير أن يغمد فيهم سيف حده. ومما أنشدت له من شعر الملوك المحمود، وإن قيل: شعر الهاشمي لا يكاد يجود. قوله في الاعتذار عن خضاب الشيب بالشباب المتلبس بالمعاد، والتسربل على موت الصبا بثياب الحداد: قالُوا خضبْتَ الشّيْبَ قلتُ لهم نعمْ ... ما إن طمِعتُ بذاك في رَدِّ الصِّبا لكنَّ عقلَ الشيبِ ما أحْرَزْتُه ... فخشيت أن أُدْعَى جَهولاً أشْيَبَا السيد أحمد بن مسعود بن حسن نابغة السادة، ومن له في الفضل صدر الوسادة. لم تنجب بمثله أم القرى، ولم تنضم على مثل وجوده الشريف العرى. نفذ في العز نفوذ السهم، وبلغ العليا بمعراج الفهم. وبرز في فرسان الكلام وشجعانه، وجاء من الشعر بما هو أنضر من عهد الصبا في ريعانه. فلله ما أقوم نهجه، وأوثق نسجه. وأسمح ألفاظه، وأفصح عكاظه. وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى شعاره ودثاره. يجولُ بذهْنِه في كلِّ شيءٍ ... فيدركُه وإن عَزَّ المَرامُ تطوف ببَيْتِ سُؤْددِه القوافِي ... كما قد طاف بالبيتِ الأنامُ وتسجدُ في مَقامِ عُلاه شكراً ... ونعمَ الرُّكْنُ ذلك والمَقامُ وكانت له همة تجاوز الأفق مصعداً، ولا ترضى إلا فلك الأفلاك مقعداً. فلم يزل يقدر من نيل الشرافة ما أطال تعنيه، والأيام تعده بها وتمنيه. فلم يظفر منها بلحظة لحظ، " وما يلقاها إلا ذو حظ ". فاقتحم لطلبها بحراً وبراً، متوسعاً أينما حل رفاهيةً وبراً. قال ابن معصوم: وكان قد دخل شهارة، من بلاد اليمن، وامتدح بها إمامها محمد بن القاسم، بقصيدة راح بها ثغر مديحه وهو ضاحكٌ باسم. وطلب منه مساعدته على تخليص مكة المشرفة له، وإبلاغه من تحليته بولايتها أمله. وكان ملكها إذ ذاك الشريف أحمد بن عبد المطلب، فأشار في بعض أبياتها إليه، وطعن فيها بسنان بيانه عليه. ومطلع القصيدة: سَلا عن دَمِي ذاتَ الخلاخلِ والعِقْدِ ... بماذا استحلّتْ أخْذَ رُوحي على عَمْدِ فإن أمِنتْ أن لا تُقادَ بما جَنَتْ ... فقد قيل أن لا يُقْتَل الحرُّ بالعَبْدِ منها، وهو محل الغرض: أغِثْ مكةً وانْهَضْ فأنتَ مُؤيَّدٌ ... من اللهِ بالفَتْح المُفوَّضِ والجَدِّ وقَدِّمْ أخا وُدٍ وأخِّرْ مُباغِضاً ... يُساوِر طَعْناً في المُؤيَّد والمَهْدِي ويطْعن في كلِّ الأئمّةِ مُعْلِناً ... ويرْضَى عن ابن العاصِ والنَّجْلِ من هنْدِ فلم يحصُل منه على طائل، إلاّ ما أجازه به من فضل ونائل. فعاد إلى مكة المشرفة، ثم توجه إلى الروم. قلت: فمر على ساحل الشام، ونزل طرسوس، وبها عمل سينيته التي زفها خريدةً على أرائك الطروس، وعطر برياها أندية الأدب ولا عطر بعد عروس. وكان هام بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن. وحن إلى تلك البقاع، حنينه إلى أثلاث القاع. والقصيدة هي هذه، وإنما ذكرتها بتمامها لمكانتها من القلوب:

стр. 507

حُثَّ قبل الصباحِ نَخْب كُؤوسي ... فهْي تَسْرِي مَسْرَى الغِذَا في النُّفوسِ وانتخِبْها بِكْراً فقد ثَوَّب الدَّا ... عي إليها من حانةِ القِسِّيسِ بِنْتُ كَرْمٍ إن تَلْقَ مَلْسُوعَ حَيٍ ... وهْو حِلْسٌ لن يرْتضِي بالجلوسِ كشفَتْ غَيْهَب الخُمارِ ولو تَرْ ... شحُ رَمْساً ردَّتْ بقَا المَرْمُوسِ غَرَستْها بين الحدائقِ في النَّوْ ... روزِ والشّطِّ كفُّ بَطْليموسِ فتلقَّ أمَّ المَسَرَّة طَلْقاً ... والنَّدامَى بمَهْرِ كَيْسٍ وكِيسِ واطْلِقِ النَّدَّ والكِبا الرَّطْبَ واسْتَجْ ... لِ عَرُوساً لا عِطْرَ بعد عَرُوسِ عانِسٌ في الدِّنانِ بالحْانِ لن تُطْ ... مثَ من عهد جُرْهُمٍ وجَدِيسِ نار أُنْسٍ يْعشُو الكَليمُ ويَصْبُو ... لِغناها بالذُّلِّ والتَّقديسِ حرقتْ حُلّةَ الجِنانِ وأبْدَتْ ... مُسْتطيرَ الصَّباح في الخَنْدرِيسِ زعم الجاهلون ظُلْماً بأن قد ... عصَرتْها قِدْماَ يَدَا عُبْدوسِ وهْي من لُطْفِها كشَكٍ نَفاهُ ... صادقُ العِلْم عند ذي تَوْسِيسِ فأدِرْها في كأسِها دون خَدَّيْ ... ك وفوق الشّقِيقِ من خَنْدَرِيسِ واسْقِ بالخَيْزَلَى النَّدامَى لتبدُو ... قُدرةُ اللهِ في المَقام النَّفِيسِ لترى أنْجُماً بفُلْكٍ وبَدْراً ... فوق غُصْنٍ يخْتال بين شُموسِ ولكلٍ إرْبٍ وما أنَا بالرَّا ... ئي شَرِيفاً في جَنْبِ وَجْهٍ خَسِيسِ لستُ من قبلها أُصدِّق أن الرّ ... احَ ظَلْمٌ في لُؤلُؤٍ مَغْروسِ ظَبْيةٌ رَخْوةُ العرِيكةِ تَغْتا ... لُ أُسودَ الشَّرَى بِدَهْيِ شُموسِ لَبِستْ من غلائلِ الحُسْنِ بُرْداً ... منه كلُّ العقولِ في تَلْبِيسِ تتهادَى فيه فتسْتقْبِحُ الرَّ ... وضَ أنِيقاً بحَوْزةِ التَّدْنيسِ لو رآها تَخْتالُ عُجْباً أبوها ... لَخَشِينا عليه دِين المَجُوسِ كلُّ خِلْوٍ منها اسْتجَدَّ رَسِيساً ... وقَديِمي فيها اسْتمدَّ نَسِيسي تركتْني نِضْواً على رسمٍ ... فيه دمعي خِلِّي وسُهْدِي جَلِيسي مُوحِشاً من هُنَيْدةٍ بعد أن كا ... نَ حَقِيقياً بالمرْبَعِ المأْنُوسِ طالَما قلتُ للعُذافِرِ واللَّيْ ... ث قد ألْقَى بها عصا السْيرِ هيسي لنَقْضي به حُقوقاً ونبْكي ... فيه وُرْقَ الحِمَى وثُكْلَ العِيسِ ونُرجِّي الآمالَ أن تبعثَ الرِّ ... يحُ أَرِيجاً من معهدٍ مَطْمُوسِ فرَعَى اللهُ بالأجارِعِ عَصْراً ... مَرَّ أمْسَتْ نجُومُه في طُموسِ حيث جَوُّ الشبابِ صَحْوٌ وبَحْرُ اللَّ ... هْوِ رَهْوٌ لم أُلْقِ فيه بِروُسِي ومَحَلِّي بين الأباطِحِ والقبَّةِ ... من طَيْبةٍ بسُوقِ الرَّسِيسِ أحمدُ الاسْمِ أحمدُ الخُلْقِ في اللَّ ... هِ غِياثُ المَنْجُودِ والمَلْبُوسِ شافعُ الأُمَّةِ التي جاء فيها ... كنتُمُ من مُهَيْمِنٍ قُدُّوسِ أوَّلُ الأنْبياء والخاتِمُ العا ... صِمُ من صَوْلِ صَيْلَمٍ دَرْدَبيسِ يتَّقِي حَيْدَرٌ وحمزةُ والفْا ... روقُ فيه إن جَاشَ قِدْرُ الوَطِيسِ وكذا في المَعادِ عِيسى وإسْحا ... ق وموسى الكَليم مَعْ إدْرِيسِ وبه يسْألون إن دَمْدَمَ الهَوْ ... لُ تجلِّيهِ في الزمانِ العَبوسِ

стр. 508

وهمُ الفائزون لكنْ لما طَمَّ ... على الخلقِ من عذابٍ بَئِيسِ مُهْطِعين الأعناقَ في موقفِ الرَّهْ ... بَةِ لا يُسْمَعَنْ لهم من نَبِيسِ فيُنادَى سَلْ تُعْط واشْفَعْ أيا خَيْ ... رَ شفيعٍ في مُسْمَهِرٍ طَبِيسِ أرْيَحيٌّ بقَصْدِه يَأْنفُ الأخْ ... مَصُ أن يحْتذِي شَواةَ الرُّءُوسِ نقَل الدَّهْرَ للجوامِعِ والأحْ ... كامِ بعد الأزْلام والناقُوسِ ترك الذئبَ والغَضَنْفَرَ والشَّا ... ةَ جميعاً من خَوْف غبّ الفَرِيسِ أيَّد الدِّينِ بالذَّوابل والشُّو ... سِ المَذاكِي تعدو بِبيضٍ شُوسِ كل ذِمْرٍ في السِّلمِ هَيْنٍ وفي الحَرْ ... ب أبِيٍ يشُقُّ أنْفَ الخَمِيسِ كعَليٍ وحمزةِ البِشْرِ إن بُدِّ ... لَ بِشْرُ الوجوهِ بالتَّعْبِيسِ بَيْهَسَىْ غابةِ الوَشِيجِ وطَوْدَيْ ... مَفْخَرٍ في مُؤثّل قُدْمُوسِ بهما والبَتُولِ والآلِ والسِّبْ ... طَيْنِ والمُخْتبيْن في التَّغليسِ الإماميْن بالنُّصُوص الشّهيدي ... نِ البريئيْن من صَدَا التَّدْنِيسِ فَرْقَدَيْ هالةِ السيادةِ وابْنَيْ ... من خص بالقَواضبِ التَّبخيسِ ما رعى فيهما رئيسٌ إلى الفِدْ ... يةِ إلاَّ فَضْلاً عن المَرْءُوسِ وبمن قام في مَقامك يُسْتسْ ... قَى به والمُحلّقِ الدَّعِّيسِ وبنَجْمَيْك صاحِبَيْك ضَجِيعَيْ ... ك ظَهريْك في الرَّخا والبُوسِ ذا رفيقٌ في الغارِ حِلْفٌ وذا يَنْ ... فِرُ من حَبْسِه شَبَا إبْليسِ وبِتِلْوِ الاثْنيْن جامعِ أشْتا ... تِ المَثاني بالرَّسْمِ والتدْريسِ لم يراقَب للهدى والجيشِ من غَيْ ... رِ فسوقٍ أتَى ولا تَدْليسِ أدرِكْ أدرِك ذَا غُرْبةٍ وانْفرادٍ ... وسُهادٍ ومَدْمَعٍ مَبْجُوسِ قد لَقي مِن حَصائدِ النَّفْي ما لاَ ... قَى كُلَيْبٌ فيها غدَاةَ البَسُوسِ الْوَحَي الْوَحي فذلك مَلْهُو ... فٌ يُناديك من وَرا طَرَسُوسِ يا نَبِيَّاه يا وَلِيَّاه يا جَدَّ ... اه يا غَوْثَ ضارعٍ مَوْطُوسِ أنت إن أعْضَلَ العُضالُ وأعْيَى ... كُلَّ آسٍ دَواهُ جَالِينوسِي وإذا ما الخِناقُ ضاق فلم أرْ ... جُ لكَرْبِي إلاّك للتَّنْفيسِ ولقد جرّد العقول إلى أن ... لبِسَتْ منه بِزَّةَ المَخْلوسِ فبِجَدْواك يقلِب السعدُ في الأزْ ... مةِ سَعْداً تحديقَ عَيْنِ النُّحوسِ يا خَفِيرِي إذا ارْتُهِنتُ ومالي ... غيرُ كُتْبي في مَضْجَعِي مِن أنيسِ أبِظُلمِ الحَوْبا أُقصِّر عن شَأْ ... وِ جُدودِي وأنت أصلُ غُروسي حاشَ للهِ أن يقصِّر مَن أفْ ... عم فيكم مَدْحاً بُطونَ الطَّروسِ فارْتبِطْها من الجِيادِ التي تسْ ... بقُ خَيْلَ الوليد وابن سَدِيسِ وأجْزِني بُرْداً من الأَمْنِ ما حِي ... كَ بصَنْعاَ حُسْناً ولا تِنِّيسِ إن أَرُحْ مُطلقاً من الذنبِ فالتَّغْ ... ريضُ وَقْفٌ مُسَلْسَلُ التَّحْبيسِ أو تناسَى به فَنِاءى وحَقِّي ... فعلى الحَظِّ دعوةُ المَبْخُوسِ فأغِثْنِي دُنْيا وأخرَى بمَوْلا ... كَ ليهَْدا روُعي ويقْوى رَسيسي لو تشفّعْتَ في سَبَا لعلِمْنا ... أنهم فائزون بالمَحْسُوسِ

стр. 509

فعليك الصلاةُ ما هَجَّر الركْ ... بُ وحَثَّ القِلاصَ للتَّعْرِيسِ ثم دخل حلب. قال العرضي: فنزل منها في صدرٍ رحيب، وقابلته بتأهيلٍ وترحيب. ثم انثالت إليه من أبناء الشهباء عيون أعيانها، من وجوه علمائها وأشرافها، الذين هم إنسان حدقة إنسانها. انثيال الدر، إلى الواسطة من عقد النحر، واحتفت به احتفاف النجوم بالبدر. ممن دعاه ناديه فلباه، وحظي بإقبال وجهه وطلعة محياه. فرأيناه يحاضر بأخبار الطالبين، الحسنيين منهم والحسينيين. سيما الشريف الرضي، من وجهٍ مذهبه في البلاغة وضي، وطريقه وهو أخو المرتضى مرضي. ويلهج كثيراً بأخباره، ويحفظ أغلب أشعاره. قال: فمدحته بقصيدةٍ، مطلعها: لِلهِ أكْنافٌ بخيفِ ... طابتْ وطال بها وُقوفِي إلى أن تخلصت إلى مديحه: وإذا طلبتَ عَرِيفَهم ... ولأَنْت بالفَطِنِ العَرِيفِ فهُو الشريفُ بنُ الشري ... فِ بن الشّريفِ بن الشريفِ فتمايل لدى إنشادها طرباً، وأظهر بها إعجاباً وعجباً. قائلاً: لا فض الله فاك، وكثر من أمثالك. فقلت: استجاب الله دعوتك هذه، كما استجابها من جدك رسول الله ﷺ ، حين أنشده النابغة الجعدي: بلَغْنَا السماءَ مَجْدَنا وجُدودَنا ... وإنّا لَنرْجو فوق ذلك مَظْهَرَا فقال رسول الله ﷺ : " فأين المظهر يا أبا ليلى "؟ قال: الجنة يا رسول الله. فقال: " قل إن شاء الله ". ثم قال: ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم يكنْ له ... بَوادِرُ تَحْمِي صَفْوَه أن يُكَدَّرا ولا خيرَ في أمرٍ إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أوْرَد الأمرَ أصْدَرَا فقال له ﷺ : " لا فض الله فاك ". فبلغ عمره مائة سنة، لم يتغير له سنٌّ، بل كان أحسن الناس ثغراً. ثم قصد الشريف أحمد دار السلطنة العلية، قسطنطينية المحمية، فلقي سلطان الوقت إذ ذاك السلطان مراداً بقصيدة فريدة، سأله فيها توليته مكة. أولها: ألا هُبِّي فقد بكَر النَّدامَى ... ومَجَّ المَرْجُ من ظَلْمِ النَّدَى مَا فقيل: إنه أجابه إلى ملتمسه ومراده، وأرعاه من مقصده أخصب مراده. ولكن مدت إليه يد الهلك، قبل أن ينال الملك. وقيل: بل أجزل عطاه فقط، فقد طمعه عما تمناه وقط. ولم يعد إلى مكة، وتوفي في تلك السنة، أو في التي تليها. وتتمة هذه القصيدة قوله بعد المطلع: وهيْنمتِ القَبُولُ فضاعَ نَشْرٌ ... روَى عن شِيحِ نَجْدٍ والخُزامَى وقد وضَعت عَذارَى المُزْنِ طِفْلاً ... بِمَهْدِ الرَّوضِ تَغْدُوه النُّعامَى فَهُبِّي وامْزُجِي خَمْراً بظَلْمٍ ... ليَحْيَى ما أماتتْ يا أُمامَا ومُنِّي بالحياةِ على أُناسٍ ... بشمس الرَّاح صَرْعَى والظّلامَا فكم خَفَر الفوارسُ في وَطِيسٍ ... فتىً منا وما خَفَر الذِّمامَا وكم جُدْنا على قُلٍ بوَفْرٍ ... وأعْطَيْنا على جَدْبٍ هِجامَا قوله: وقد وضعت عذارى البيت. المراد بالطفل هو النبت، واستعارة الأم المرضع للمزن، كما وقع في قول الباخرزي، من قصيدة: وترَعْرَعتْ فيه لَطِيفاتُ الكَلاَ ... رَضْعانَة ضَرْعَ الغَمامِ الغَادِي ومنه مطلع قصيدة يحيى بن هذيل التجيبي المغربي: نام طفلُ النَّبْتِ في حِجْرِ النُّعَامَى ... لاهْتزازِ الطَّلِّ في مَهْدِ الخُزامَى وهذا البيت مطلع قصيدة من المرقص والمطرب، بل مطلع شمس البلاغة وإن كان قائلها من المغرب. وبعده وسقَى الوَسْمِيُّ أغْصانَ النَّقَا ... فهَوتْ تلثمُ أفْواهَ النَّدامَى كحَل الفَجْرُ لهم جَفْنَ الدُّجَى ... وغَدا في وَجْنةِ الصبحِ لِثامَا تحسَبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍ ... قد سقْته راحةُ الصُّبْحِ لِثامَا حوله الزُّهْرُ كؤوسٌ قد غَدتْ ... مِسْكةُ الليلِ عليهنَّ خِتاما

стр. 510

قوله: كحل الفجر. البيت، ما زلنا في تردد وشبهة في معنى هذا البيت؛ فإنه أسند التكحيل إلى الفجر، وهو لا يلائمه؛ لابيضاضه ونوره، وإنما يلائم التكحيل ما كان أسودَ مظلما، وبعض الأفاضل حمله على أنه في ليلة مقمرة، يغيب القمر فيها لدن طلوع الفجر، فتحدث حينئذ ظلمةٌ يستحق بها الفجر أن يستند التكحيل إليه. وهو معنى متكلف كما تراه، حتى وقفنا على قول ابن الظهير الإربلي: وكأنَّ الصباحَ مِيلُ لُجَيْنٍ ... كاحلٌ للظلامِ طَرْفاً كَحِيلاَ فكان قولاً شارحاً لبيت التجيبي، وصار التكحيل لا غبار عليه بوجه من الوجوه. وبيت ابن الظهير من قصيدة يصف فيها الفلاة: جئْتُها والظلامُ راهبُ دَيْرٍ ... جاعلٌ كلَّ كوكبٍ قنْدِيلاَ أو عظيمٌ للزَّنجِ يقدمُ جَيْشاً ... قد أعَدُّوا أسِنَّةً ونُصولاَ وكأنَّ السماءَ رَوْضٌ أنِيقٌ ... نَوْرُه بات بالنَّدى مَطْلُولاَ ليلةٌ كالغُدافِ لو لم يَرْعُها ... نارُ فجرٍ ما أوْشكتْ أن تَزُولاَ وتولَّتْ وأشْهَبُ الصبحِ يتْلُو ... أدْهمَ الليلِ وانِياً مَشْكُولاَ ومن تتمة القصيدة: فيا ملكَ المُلوكِ ولا أُحاشي ... ولا عُذْراً أسوقُ ولا احْتشامَا أنِفْتُ بأنني ألْقاك منهم ... بمنزلةِ الرِّجال من الأيامَى إلى جَدْواكَ كَلَّفْنا المَطايا ... دَواماً لا نُفارِقُها دَوامَا وجُبْنا أيها الملِكُ المَوامِي ... إلى أن صِرْنَ من هزلٍ هُيامَا وذُقْنا الشُّهْدَ في معنى التَّرَجِّي ... وذُقْنا الصبرَ من جُوعٍ طَعامَا صَلِينَا من سَموُمِ القَيْظِ نَاراً ... تكون بنُورِك السَّامِي سَلامَا وخُضْنا البحرَ من ثَلْجٍ إلى أن ... حسِبْناه على البِيدِ اللُّكَامَا وجاوَزْنا العَنان على عِنانٍ ... تسِيرُ بنا ولم تلبثْ شَآمَا نَؤُمُّ رَحابَك الفِيحَ اشْتياقاً ... ونأمُل منك آمالاً جِسامَا ومَن قصَد الكريمَ غدا كريماً ... على ما في يديْه ولن يُضامَا وحاشَا بحرُك الفَيَّاض أنَّا ... نُرَدَّ بُغلةٍّ عنه حِيامَا وقد وَافاك عبدٌ مُستَمِيحٌ ... نَدَى كَفّيْك والشِّيَمَ الضِّخامَا وحُسْنُ الظنِّ يقطعُ لي بأنِّي ... أنالُ وإن سَما منك المَرامَا فقد نزَل ابنُ ذِي يَزَنٍ طَريداً ... على كِسْرَى فأنْزله شَمامَا أتَى فَرْداً فآلَ يجُرُّ جيشاً ... كسا الآكام خيلاً والرَّغامَا به اسْتبْقَى جميلَ الذكِّرَ دَهْراً ... وأنت أجَلُّ من كِسْرَى مَقامَا وسَيْفٌ لو سَما دوني فإنِّي ... عِصامِيٌّ وأسْمُوه عِظامَا بفاطمةٍ مع ابْنَيْها وطه ... وحَيْدَرةَ الذي أشْفَى العِقُامَا عليهم رحمةٌ تُهْدِي سلاماً ... يكون لنَشْرِها مِسْكاً خِتامَا ومن تفاريق شعره، قوله من قصيدة، مستهلها: كيف العَزَا والفُؤادُ يلْتهبُ ... والحَيُّ زُمَّتْ لِبَيْنهِ النُّجُبُ والعينُ عَبْرَى والجسمُ مُمْتَقِعٌ ... والنفْسُ حَرَّى والعقلُ مُضْطربُ وهذه أرْبُعٌ بكاظِمَةٍ ... عَفَتْ قديماً فنَدْبُها يجبُ منها: وابْكِ زماناً مضَى بها أنُفاً ... عنِّي فقد أذْهَلتْنِيَ النُّوَبَ منها: وبالنَّقا غادةٌ إذا خطَرتْ ... تغارُ منها الأغصانُ والكُثُبُ كأنها في الأَثِيثِ إن سَفَرتْ ... بدرٌ بسَجْفِ الظلامِ مُحْتجِبُ وكان ابن عمه الشريف محسن بن حسين يطرب لأبيات الحسين بن مطير، ويعجب بها، وهي: ولي كبدٌ مَقْروحةٌ مَن يَبيعُني ... بها كَبِداً ليستْ بذاتِ قُروحِ أبى النَّاسُ وَيْبَ الناسِ لا يشْترونها ... ومَن يشْتري ذا عِلّةٍ بصحيحِ

стр. 511

أحِنُّ من الشوقِ الذي في جَوانِحي ... حَنِينَ غَصِيصٍ بالشَّراب قَريحِ فسأل السيد أحمد تذييلها، فقال: على سالِفٍ لو كان يُشْرَى زمانهُ ... شَرَيْتُ ولكن لا يُباعُ بِروُحِي تَقضَّى وأبْقَى لاَعِجاً يسْتفِزُّه ... تألُّق بَرْقٍ أو تنسُّمُ رِيحِ وقَلْباً إلى الأطْلالِ والضَّالِ لم يزَلْ ... نَزُوعاً وعن أفْياهُ غيرَ نَزُوحِ فليت بذاتِ الضَّالِ نُجْبُ أحِبَّتِي ... طِلاحٌ فنِضوُ الشوقِ غيرُ طَلِيحِ يُجشِّمُه بالأبْرَقَيْنِ مُنَيْزِلٌ ... وبَرْقٌ سَرى وَهْناً وصوتُ صَدُوحِ وموقفُ بَيْنٍ لو أرى عنه مَوْلِجاً ... وَلَجْتُ بنفسِي فيه غيرَ شَحيحِ صَرَمْتُ به رَبْعِي وواصلتُ أرْبُعِي ... وأرْضيْتُ تَبْريحِي وعِفْتُ نَصِيحي وبايَنْتُ سُلْواني وكلَّ مُلَوّحٍ ... ولاءَمْتُ أشْجانِي وكُلَّ مَلِيحِ وكلَّفْتُ نفسِي فوق طَوْقِي فلم أُطِقْ ... لِعَدِّ سَجايا مُحْسِنٍ بمديحِ ومما قاله في تغربه: أتَتْنِيَ سَلْمَى وهْي غَضْبَى أسِيفَةٌ ... تُساقِطُ ياقوتاً على فضةِ النَّحْرِ تقول أمَا هذا المُقامُ ببلدةٍ ... غريباً على سَخْتِ النوائبِ والسُّمْرِ أما تذكُر البَطْحاءَ والبيْتَ والصَّفا ... ومنزةَ الوُفَّادِ بين بني فِهْرِ فقلتُ لها والطَّرْفُ تَدْمَى كُلومُه ... وقلبِيَ من لَذْعِ الكَلامةِ في جمْرِ ألا فارْبَعِي عنِّي وعِي القولَ واسْمعِي ... وتُوجِعي المحزونَ باللَّوْمِ والهجْرِ إذا جاء نصرُ اللهِ والفَتْحُ بعدَه ... فتبَّتْ يدُ الأحْزابِ في زمنِ الكُفْرِ وإنِّي على بُعْدِ المَزارِ وقُرْبِه ... عزيزٌ على هامِ السِّماكيْن والنَّسْرِ وله: ألا ليت شِعْرِي هل أُلاقيكَ مَرَّةً ... وصوتَ: قبل الموتِ هل أنا سامعُ فيا دَهْرَنا للشَّتِّ هل أنت جامِعٌ ... ويا دهرَنا بالوصلِ هل أنت راجعُ وقال مخاطباً عمه الشريف إدريس، وقد رأى تقصيراً منه في حقه: رأيتُك لا تُوفِي الرِّجالَ حُقوقَهمْ ... توَهَّم كِبْراً ساء ما تتوهَّمُ وتزعُم أنِّي بالمَطامِع أرْتضِي ... هَواناً ونَفْسِي فوق ما نِلْتَ تزْعُمُ وما مَغْنَمٌ يُدْنِي لِذُلٍ رأيتَه ... فيُقْبَلُ إلاّ وهْو عنديَ مَغْرَمُ وأخْتارُ بالإعْزازِ عنه مَنِيَّةً ... لأنِّي من القومِ الذين هُمُ هُمُ المصراع الأخير صدر أبيات أبي الطمحان القيني، أورد المبرد في كامله، والشريف المرتضى في أماليه، وصاحب الحماسة البصرية منها أربعة أبيات. وهي: وإنِّي من القومِ الذين هُمُ هُمُ ... إذا مات منهم سيِّدٌ قام صاحبُهْ نجومُ سماءٍ كلَّما غابَ كوكبٌ ... بَدا كوكبٌ تأْوِي إليه كواكبُهْ أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم ... دُجَى الليلِ حتى نظَّم الجِزْعَ ثاقبُهْ وما زال منهم حيث كانُوا مُسوَّدٌ ... تَسِيرُ المَنايا حيث سارتْ كتائبُهْ وأورد أبو تمام، في حماسته منها ثلاثة أبيات. وهي: إذا قيل أيُّ الناسِ خيرٌ قبيلةً ... وأصبرُ يوماً لا تَوارَى كواكبُهْ فإنَّ بني لاَم بن عمرٍو أَرُومةٌ ... سمَتْ فوق صعبٍ لا تُنال مَراقبُهْ أضاءتْ لهم أحسابُهم.......... ... ..........................إلخ وله في الغزل: أفي المَضارب أسيافٌ وأجْفانُ ... تصولُ أم هيَ ألْحاظٌ وأجْفانُ أحَنَّتِ العِيسُ أم نَوْحُ الحمائمِ أم ... نسيمُ نَجْدٍ توالتْ منه أشْجانُ لا بل هو الشوقُ يدعو الصَّبَّ نحوَهمُ ... فيستجِيبُ لهم قلبٌ وجُثْمانُ

стр. 512

وكيف وهْو قَوِيُّ القلبِ لا سِيَمَا ... وجُنْدُه خُرَّدٌ غِيدٌ وغِزْلانُ طاب الزمانُ به والعَيْشُ وابْتجَتْ ... أوقاتُنا وكذا الأيامُ تَزْدانُ هُم الأحبَّةُ إن جارُوا وإن عَدَلُوا ... وهُم حُلولُ فؤادِي أينما كانُوا وله في مغنٍ: برُوحِيَ مَن غَنَّى ورَوضةُ خَدِّه ... مُخضَّبةٌ مُخضَلَّةٌ من دمِي غَنَّا وأهْدَى لنا وَرْداً وبَاناً ونَرْجِساً ... ولم يُهْدِ إلاّ القَدَّ والخَدَّ والجَفْنَا وله في روض: انْظُر إلى الروضِ كَساه الحَيَا ... مَطارِفاً ضاع شَذاها الأرِيجْ واهْتزَّتِ الأرضُ إلى أن رَبَتْ ... وأنْبتتْ من كلِّ زَوجٍ بَهِيجْ السيد عمار بن بركات بن جعفر بن بركات هو لأبنية المكارم عمار، ولمجتديه بمواهبه الدارة غمار. أصلٌ كعمود الصبح في الإنارة، وطبعٌ كالأغر المحجل في الإثارة. أحد فرسان الكلوم والكلام، وأحد حملة السيوف والأقلام. سمعت له أشعاراً هي غايةٌ في الحسن، يجلو رونق ديباجها القلب من الحزن. فعرفت أنه أحق حقيقٍ بأن يذكر، وأخلق في كل خليقٍ بأن تتلى آياته وتشكر. وكان دخل البلاد الهندية، وتفيأ ظلال أندية ملوكها الندية الندية. فما لبث أن تعلقت فيه خطاطيف الظنون، وطارت به عنقاء المنون. وقد أثبت له ما تستهل البراعة من براعة استهلاله، ويؤذن بالسحر الذي لا حرج في القول باستحلاله. فمنه قوله، مذيلاً بيت أبي زمعة جد أمية بن أبي الصلت ومادحاً النظام ابن معصوم: اشربْ هنيئاً عليك التَّاجُ مُرْتفِقاً ... في رأسِ غُمْدانَ داراً منك مِحلالاَ تسْعَى إليك بها هَيْفاءُ غانيةٌ ... مَيَّاسةُ القَدِّ كَحْلاَ الطّرْفِ مِكْسالاَ إذا تثنَّتْ كغُصْنِ الْبانِ من تَرَفٍ ... وإن تجلّتْ كبدرٍ زان تِمْثالاَ كأنها وأدام اللهُ بَهْجَتها ... شمسٌ على فَلَكٍ إشْراقُها طالاَ وكيف لا وهْي أمْسَتْ ساحِبَةً ... بِخِدْمةِ السيِّد المِفْضالِ أذْيالاَ ذاك الذي جَلَّ عن تَنْوِيهِ تَسْمِيةٍ ... شمسٌ عَلَتْ هل تَرى للشمسِ أمْثالاَ الباسمُ الثّغرَ والأبْطالُ عابِسَةٌ ... والباذلُ المالَ لم يُتْبِعْه أنْكالاَ عَارٍ من العْارِ كَاسٍ من مَحامِدِه ... لا يعرفُ الخُلْفَ في الأقوالِ إن قالاَ إن قال أفْحَم نَدْبَ القومِ مِقْوَلُهُ ... أوصال أخْجَل لَيْثَ الغابِ إن صَالاَ عَلاَ به النّسَبُ الوَضّاحُ مَنْزِلةً ... عن أن يُماثَل إعْظاماً وإجْلالاَ خُذْها رَبِيبةَ فِكْرٍ طالَما حُجِبتْ ... لولا عُلاك ووُدٌّ قَطُّ ما حالاَ واسْمَحْ بفضلِك عن تقْصيرِ مُنْشِئِها ... وحُسْنُ بِشْرِك لم يبرَحْ بها فَالاَ قلت: وقد عارض البيت المضمن بعض الشعراء، مخاطباً عبد الله بن طاهر، حيث قال: اشْرَبْ هَنِيئاً عليك التَّاجُ مُرْتَفِقاً ... بالشَّاذِياخِ ودَعْ غُمْدانَ لليَمنِ فأنتَ أوْلَى بتاجِ المُلْكِ تلْبَسهُ ... من هَوْذَة بن عَلِيٍ وابنِ ذِي يَزَنِ وقصر غمدان باليمن، بناه ليشرح بأربعة وجوه؛ أحمر، أخضر، وأبيض، وأصفر، وبنى داخله قصراً بسبعة سقوف، بين كل سقفين أربعين ذراعاً، وهو أحد الأبنية الوثيقة للعرب، يتمثل بها في الحصانة والوثاقة. وقال بعض شراح المقصورة الدريدية، عند شرح قوله: وسَيْفٌ اسْتعلَتْ به هِمَّتُهُ ... حتى رمَى أبعَدَ شَأْوِ المُرْتَمَى فجرَّع الأُحْبُوشَ سَمَّاً ناقِعاً ... واحْتَلَّ مِن غُمْدان مِحْرابَ الدُّمَى ما صورته: غمدان بناءٌ بصنعاء، لم يدرك مثله، هدمه عثمان بن عفان في الإسلام وله رسومٌ باقيةٌ إلى اليوم، والمحراب: الغرفة بلغتهم. وغمدان: قصر بناه النعمان بن المنذر.

стр. 513

والشاذياخ: اسم نيسابور، وقريةٌ بمرو، كذا في القاموس، ووجد على حاشية مكتوبٌ بخط بعض فضلاء الشام على هامش القاموس صورتها: بل اسم مدينةٍ بخراسان، قرب نيسابور وكانت بستاناً لعبد الله بن طاهر بن الحسين، ذكر في تاريخ نيسابور أنه لما نزل عبد الله بها، نزلت عساكره في دور أهلها، فرأى امرأةً حسناء تسقي فرس جندي، فقال: ما شأنك، لست أهلاً لهذا؟! فقالت: هذا فعل عبد الله بن طاهر. فغضب، ونادى في عسكره: من بات في المدينة حل ماله ودمه. وسار إلى الشاذياخ، وبنى بها قصراً، وبنى الجند حوله، فعمرت، وكانت من أطيب البلاد تربةً وهواء. وكتب إلى النظام المذكور، يخاطبه بقوله: زُرْتُ خِلاّ صَبيِحةً فحبانِي ... بسُؤالٍ أشْفَى وأرْغَم شَانِي قال لمَّا نظرتُ نُورَ مُحَيَّا ... هُ ونِلْتُ المُنَى وكلَّ الأمانِي كيف أصْبَحتَ كيف أمْسَيْتَ مِمَّا ... يُنْبِتُ الحُبَّ في قلوب الغَوانِي فتحرَّجْتُ أنْ أفُوه بما قد ... كان مِنِّي طَبْعاً مدَى الأزْمانِ يا أخا المَجْدِ والمَكارم والفَضْ ... لِ ومَن لا أرى له اليومَ ثَانِي أدْرِك أدْرِك مُتَيَّماً في هواكُمْ ... قبلَ تَسْطُو به يَدُ الحِدْثانِ وابْقَ واسْلَمْ مُمَتَّعاً في سُرورٍ ... ما تغنَّتْ وُرْقٌ على غُصْنِ بَانِ فراجعه بقوله: ليت شِعْرِي متى يكون التَّدانِي ... لبلادٍ بها الحِسانُ الغوانِي وبها الكَرْمُ مُثْمِرٌ والأَقاحِي ... ضحِكتْ عن ثُغورِ زَهْرٍ لِجَانِ والبساتينُ فائحاتٌ بِعِطْرٍ ... يُخْجِلُ العَنْبَرَ الذَّكِيَّ اليَمانِي وطيورٌ بها تَجَاوَبْنَ صُبْحاً ... وعَشِيّاً كنَغْمةِ العِيدانِ وبألْحانِها تُذِيبُ ذَوِي اللُّبِّ ... وتُحْيي مَيْتاً من الهِجْرانِ وتَمشَّى بها الظِّباءُ الْحَوالِي ... مائساتٍ كناعمِ الأغْصانِ كلُّ خَوْدٍ تسْطُو بلَحْظِ حُسامٍ ... وتَثَنٍ كما القنا المُرَّانِ وَجُهها الصبحُ لكنِ الفَرْعُ منها ... ليلُ صَبٍ من لَوْعةِ الحبِّ فانِ غادةٌ كالنُّجُومِ عِقْدُ طلاها ... ما الَّلآلِي وما حُلَى العِقْيانِ إنَّ ياقوتَ خَدِّها أرْخَص الْيا ... قوتَ سِعْراً وعاب بالمَرْجانِ كلُّ يوم يُقْضَى بقُرْبٍ لَديْها ... فهْو يومُ النَّوْروزِ والمِهْرجانِ منها: تلك مَن فاقتِ الظِّباءَ افْتناناً ... فلذا وَصْفُها أتى بافْتِنانِ ما لِمُضْنىً أُصِيب من أسْهُم اللَّ ... حظِ نجاةٌ من طارقِ الحِدْثانِ أذْكرتْني أيامَ تلك وأغْرَتْ ... أعْيُنِي بالبكاءِ والهَمَلاَنِ نَفَثاتٌ كالسِّحْر يَصْدَعْنَ في قَلْ ... ب مُعَنّىً من المَلامةِ عَانِ ومنها: كلماتٌ لكنَّها كالدَّرارِي ... وسطورٌ حَوَتْ بديع المَعانِي إذْ أتتْ من أخٍ شقيقِ المَعالي ... فائقِ الأصْلِ غُرَّةٍ في الزَّمانِ ضَافِيَ الوُدِّ صافِيَ القلبِ قَرْمٌ ... كعبةٌ قد عَلا على كِيوانِ ذاكراً لِيَ فيها تزايدَ شَوْقٍ ... ووُلوعاً بها مدَى الأزْمانِ ففهِمْتُ الذي نَحاهُ ولكنْ ... ليت شِعْرِي يَدْرِي بما قد دَهاني أنا قيسٌ في الحُبِّ بل هُو دونِي ... لا جميلٌ حالي ولا كابْنِ هانِي يا أخا العَزْمِ قد سَلِمْتَ ووَجْدِي ... طافحٌ زائدٌ بغيرِ تَوانِ فلِحَتْفِي أبصرتُ مَن قد رَماني ... وعَناءٌ تَصَيُّدُ الغِزْلانِ إن تشأْ شَرْح حالِ صَبٍ كئيبٍ ... فلقد قاله بديعُ المَعانِي مَرَضِي من مَريضةِ الأجْفانِ ... عَلِّلاني بوَصْلِها عَلِّلانِي

стр. 514

البيت الأخير مشهور، وهو مطلب قصيدةٍ للشيخ الأكبر، قدس الله سره الأنور. الإمام عبد القادر بن محمد الطبري إمام الإئمة، وعالم هذه الأمة. فضائله يقل عند عدها رمل يبرين، ومحامده يتضاءل لديها مسك دارين. وهو من الرتبة المكينة، والمهابة التي جملت الوقار والسكينة. في محلٍ اتخذ المجرة ممشى، والفلك الأطلس عرشا. ثم إذا اعتبر حاله من أرقامه، شهد الوصف بأن ذلك دون مقامه. وأما تصلبه في أمر الدين، فهو فيه من أعظم الراشدين والمرشدين. إلى بلاغة وبراغة، أعجز بهما فرسان اليراعة. وقد أثبت له ما يقوم بالحجة. فمن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها الشريف حسن بن أبي نمى: بَدَتْ تجُرُّ ذُيول التِّيهِ والُخيَلاَ ... في روضةِ العُجْبِ حتى قلتُ حَيَّ عَلَى خَوْدٌ تُجرِّد بِيضاً من لَواحظِها ... فتتركُ الأُسْدَ في ساحاتِها قتلاَ وتنْثَني بقَوامٍ زَانَه هَيَفٌ ... فتُخْجِلُ الغُصْنَ تَعْدِيلاً كذا مَيَلاَ ما أطلْعتْ لِي هلالاً من مُبَرْقَعِها ... إلاّ وعايَنْتُه بَدْراً فلا أفَلاَ ولا رَنَتْ لي بلَحْظٍ فَتْرةً كَسَلاَ ... إلاّ وقد بعثتْ خوفَ الحشاَ رُسُلاَ يا حُسْنَها من فتاةٍ حَلَّ مَبْسَمُها ... ظَلْمٌ يفوق على لَذَّاتهِ عَسَلاَ ورَصَّعَتْه لآَلٍ حولَ مَنْبَتِها ... زُمُرُّدُ الوَشْمِ ياللهِ ما فَعَلاَ ناديتُها ورماحُ الحيِّ مُعْلَنةً ... يا ظَبْيةَ الحَيِ هل ما يُبْلِغُ الأمَلاَ لِوَالِهٍ عبثَتْ أيْدِي الغرامِ به ... أما تَرَىْ شأنَه أن يُبْدِعَ الغَزَلاَ قالتْ صدقْتَ ولكنْ ذاك تَوْطِئَةٌ ... لِمَدْحِ أفضلِ مَن في الأرضِ قد عَدَلاَ السيِّدِ الحسَنِ المَلْكِ الهُمامِ ومَن ... تراه بالحقِّ للجَوْزاءِ مُنْتعِلاَ سلطانُ مكّةَ حامِي البيتِ مَن شهِدتْ ... بعَدْلِه الأرضُ لمّا مَهَّد السُّبُلاَ مُؤيِّدُ الدِّين بالعَزْمِ الذي اقْتربَتْ ... به السَّعاداتُ في حالاتِه جُمَلاَ لَيْثُ الكتيبةِ مُرْوِي المشْرَفيَّةِ مِن ... دمِ العِدَآ مَنْهَلاً إذْ أرْعَف الأسَلاَ صادَ الصَّناديدَ يوم الحربِ ما بَطَلٌ ... رأَى عَجائبَه إلاَّ وقد بَطَلاَ كم ذا أبانَتْ عن العَلْياءِ هِمَّتُه ... وكم أبادتْ مَعالِي عَزْمِه رَجُلا وكم مَحا سيفُه أهلَ الفَسادِ وأرْ ... بابَ العِنادِ فجارَى سيفُه الأَجَلاَ فأصبحُوا لا تُرَى إلا مَساكنُهمْ ... بَلاقِعاً قد كَساها الذُّلُّ ثَوب بِبلى وليس بِدْعاً فهذا شأْنُ والدِه ... عليٌّ المُرْتَضى السامِي بفضْلِ وَلاَ فسَلْ حُنَيْناً وسَلْ بَدْراً وسَلْ أُحُداً ... والنّهْرَوانِ وسَلْ صِفَّينَ والجَمَلاَ فيا ابنَ طه عَلَوْتَ الناسَ قاطبةً ... وجَلَّ قَدْرُك أن تَحْكِي له مَثَلاَ هل أنتَ مَلْكٌ عظيمُ الخَلْقِ أم مَلَكٌ ... أبِنْ فأمْرُك هذا حَيِّرَ العُقَلاَ وقوله من أخرى يمدحه بها، وأولها: رَبْرَبُ الأخْدارِ من شَمَمِهْ ... لا يُراعِي النَّقْضَ في ذِمَمِهْ حجَب الأبْصارَ رُؤْيتُه ... وتجلَّى في خِبَا خِيَمِهْ وأرى أحْبابَ حَضْرتِه ... غَضَباً ما كان من شِيَمِهْ ما يراه حالَ نُفْرتِه ... غيرُ مَن بارَى بسَفْكِ دَمِهْ زُرْتُه والعَزْمُ يُسْعِفني ... آمِلاً منه ابْتسامَ فَمِهْ جُنْحُ ليلٍ مُسْفِرٌ بسَنَا ... طَلْعةِ المَأْمولِ عن ظُلَمِهْ فحَدانِي عَرْفُ ساحتِه ... وهَدانِي مُرْتقَى أَكَمِهْ فبدَا لي في الحجابِ فمِن ... فَرْقِهِ نُورٌ إلى قَدَمِهْ هو للرَّائِي مُعايَنةً ... مثلُ طَيْفِي مَرّ في حُلُمِهْ

стр. 515

هِمْتُ من حُبِّي له زَمَناً ... في رُبا نَجْدٍ وفي سَلَمِهْ أنْظِمُ الآدابَ من غَزَلٍ ... أُسْنِدُ الإعْجازَ عن كَلِمِهْ لِنَسِيبٍ في المديحِ يُرَى ... حَسَناً عند اجْتِنا نِعَمِهْ سَيِّداً من آل حَيْدرةٍ ... وعَرِيقاً باقْتِفَا عِصَمِهْ وحكيماً في مَمالكِه ... قَطُّ ما انحَلتْ عُرَى حِكَمِهْ فاق قُسّاً في فَصاحتِه ... وسَما الطَّائِيَّ في كَرَمِهْ وابْنُ سُعْدَى لو يُقاسُ به ... كان مَطْروحاً بمُلْتَزِمهْ هَزَّه للمَكْرُماتِ سَنَا ... عُنْصِرٍ منه انْتِها هِمَمِهْ كيف لا يهْتزُّ مُغْتبِطاً ... وكتابُ اللهِ في عِظَمِهْ وملوكُ الأرضِ قاطبةً ... كلُّهم واللهِ مِن خَدَمِهْ جَدُّه طه الشَّفيعُ لنا ... فَوْزُ مَن يأْوِي إلى عَلَمِهْ طِبْتَ نفساً يا مليكُ به ... في غَدٍ طُوبَى لِمُعتْصِمِهْ أُمُّك الزَّهْراءُ إبْتتُه ... وابوك السِّبْطُ من رَحِمِهْ أيَّد الرحمنُ قِبْلَتهُ ... بك واسْتَحْمَى حِمَى حَرَمِهْ وحَباك المجدَ أجْمَعه ... حيثما ذَبَّيْتَ عن حُرُمِهْ قَسَماً باللهِ يُقْسِمُه ... عبدُ بِرٍ بَرَّ في قَسَمِهْ إنَّك المَهْدِي وحُجَّتُه ... عَدْلُك المعدودُ مِن قسمِهْ يا أميرَ المؤمنين ويا مَن ... شاد بالعَلْيَا على أُطُمِهْ خُذْ مَديحاً كلُّه دُرَرٌ ... جاء يسْعَى نحو مُسْتَلِمهْ هَزأتْ بالفَجْرِ غُرَّتُه ... حيث لاحَتْ من دُجَى لِمَمِهْ نَظْمُ عبدٍ نَثْرُ مَدْحِك ما ... زال يُرْوَى عن حِجَى قَلَمِهْ دُمْتَ مولاه وسيِّدَه ... ما شَدا القُمْرِيُّ في نَغَمِهْ ووقف على قول البدر الدماميني: يا ساكني مكة لا زلْتُم ... أُنْساً لنا إنِّيَ لم أنْسَكُمْ ما فيكمُ عَيْبٌ سِوَى قَوْلِكمْ ... عند اللِّقا أوْحَشَنَا أُنْسُكُمْ فقال مجيباً: ما عَيْبُنا هذا ولكنَّه ... مِن سُوءِ فَهْمٍ جاءَ مِن حَدْسِكُمْ لم نَعْنِ بالإيحاشِ عند اللِّقا ... بل ما مضَى فابْكُوا على نَفْسِكُمْ وحذا حذوه ولده زين العابدين، فقال: يا مُظْهِرَ العَيْبِ على قَوْلِنا ... عند اللِّقا أوْحَشَنا أُنْسُكُمْ ما قَصْدُنا ما قد جَنَحْتُم له ... من خطأٍ قد جاء في فَهْمِكُمْ فقَوْلُنا المذكورُ جارٍ على ... حَذْفِ مُضافٍ غاب عَن حَدْسِكُمْ والقَصُدُ فَقْدُ الأُنْسِ فيما مَضَى ... لا ضِدُُّّه الواقِعُ في وَهْمِكُمْ فالأُنْسُ لم يُوحِش بلَى فَقْدُه ... هو الذي يُوحِش مِن مِثْلِكُمْ وبعد أن بان لكم فاجْزِمُوا ... بنِسْبةِ العَيْبِ إلى نَفْسِكُمْ ولما وقف على ما قالاه أحمد بن عبد الرءوف، قال مجيباً ومعتذراً عن الدماميني: صَوْناً مَوالِي الفضلِ بين الورَى ... للبدرِ أن تُدْرِكَه شَمْسُكمْ وجَلِّلوه بعَباءِ الإِخَا ... فإنه الأنْسَبُ من قُدْسِكُمْ فإنه الكنزُ وبُنْيانُه ... مُؤسَّسٌ قِدْماً على أُسِّكُمْ كأنه أضْمَر أن شَأنَكُمْ ... صِناعةُ الإِبْهامِ في لَفْظِكُمْ فاسْتعمَلَ النَّوَع الذي أنْتُمُ ... أدْرَى به كي يُجْتَنى غَرْسُكُمْ ولم يسَعْه كونهُ مُنْكِراً ... لِمثل هذا الحِذْقِ من مثلِكُمْ فإنَّ هذا سَائغٌ شائِعٌ ... بُرْهانُه أوْحَشَنا أُنْسُكُمْ ولده علي الإمام ابن الإمام، والقطر ابن الغمام. نشأ في كفالته بذاخ المربض والعري، شامخ الأنف بذلك الوالد أشم العرنين.

стр. 516

أرتعه معه في روضه، وسقاه بيده من حوضه. حتى بلغه رتبةً تتقاعس عنها رتبة التمني، واعتنى به فأوصلها إليه بغير مشقة التعني. فقام مقامه في الإمامة والتدريس، وانتصب للفتيا على مذهب الإمام محمد بن إدريس. وألف وصنف، وقرط الأسماع بلآليه وشنف. وهو في الأدب ممن سبق وفات، وجمع على أحسن نسقٍ كل متفرقٍ رفات. وله نظمٌ كانتظام الأحوال، ونثرٍ تعرف منه كيف تشتبه الجواهر بالأقوال. فمن نثره، ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي مسائلاً: سيدنا المقتدى بآثاره، المهتدى بأنواره. إمام محراب العلوم البديعة، وخطيب منبر البلاغة التي أضحت مذعنةً له ومطيعة. قمر سماء المجد الأثيل، فلك شمس فخر كل ذي مقام جليل. المميطة يد بيانه حواجز الأشكال عن وجوه المعاني، المعترف بمنطقه الفصيح القاصي من هذه الأمة والداني. عمدة المحققين قديماً وحديثاً، ملاذ المدققين تفسيراً وتحديثاً. الصاعد معارج العليا بكماله، المنشد في مقام الافتخار لسان حاله: لنا نفوسٌ لِنَيْلِ المجدِ راغبةٌ ... ولو تسَلَّتْ أسَلْناها على الأسَلِ لا ينْزِل المجدُ إلاَّ في مَنازِلنا ... كالنَّوْمِ ليس له مَأْوىً سِوى المُقَلِ والقائل عند المُجادلة في مَقام المباهلة: نحن الذين غَدَتْ رَحَى أحْسابِهمْ ... ولَها على قُطْبِ الفَخارِ مَدارُ المملوك يقبل الأرض التي ينال بها القاصد ما يؤمله ويرتجيه، وينهي أنه نظم بعض الجهابذة الأعيان بيتين في التشبيه. والسبب الداعي لهما، والمعنى المقتضى لنظمهما. أنه أبصرت العين ظبياً يرتع في رياضه، ويمنع بسيوف لحاظه عن ورود حياضه. يرى العاشق سيآته حسناتٍ جاد بها وأحسن، ويعترف له بالحسن كل حسنٍ في الأنام وابن أحسن. بدا وهو الجوهر السالم من العرض، وظهر وعليه أثرٌ من آثار المرض. فأراد المشبه تشبيهه في هذه الحالة، فشببه بغصنٍ ذابلٍ قائلاً لا محالة. ونظم ذلك المعنى، فشدا بما قاله صادح الفصاحة وغنى. وهو: بَدا وعليه أثْرٌ مِن سَقامِ ... كمكْحولٍ من الآرامِ ساهِي فخُيِّل لي كبدرٍ فوق غُصْنٍ ... ذوَى للبُعْدِ من قُرْبِ المِياهِ فاعترض معترضٌ عالم بالإصدار والإيراد، قائلاً: إن البيت الثاني لا يؤدي المعنى المراد. إذ القصد تشبيهه بالغصن الموصوف، وليس المراد تشبيهه بالبدر فالبدر لا يوصف إلا بالخسوف. فطالت بين المعترض والمعترض عليه المنازعة، ولم يسلم كل واحد منهما للثاني ما جادل فيه ونازعه. فاختارا القاضي الفاضل حكماً، ورضيا سيدنا حاكماً ومحكماً. فليحكم بما هو شأنه وشيمته من الحق، وليتأمل ما عسى أن يكون قد خفي عن نظرهما ودق. والأقدام مقبلة، وصلى الله على سيدنا محمدٍ ما هبت الريح المرسلة. فأجابه بقوله: سيدنا الإمام الهمام، الذي أضحى علم الأئمة الأعلام. الإمام المقتدى به وإنما جعل الإمام، الحبر الذي قصرت عن استيفاء فضائله الأرقام " ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام ". وارث الجلالة عن آبائه الذين زهت بذكراهم الأخبار والسير، المقيم من نفسه العصامية على ذلك أوضح دلالةٍ يصدق فيها الخبر الخبر. الحري بما استشهد به في شأن المملوك، السالك من الكمال طريقةً عز على غيره فيها لعزتها السلوك. يقبل المملوك الأرض بين يديه، ويؤدي بذلك ما هو الواجب عليه. وينهي وصول المثال العالي، الفائقة جواهر كلماته على فرائد اللآلي. يتضمن السؤال عن بيتي ذلك الجهبذ، في الشأن الذي قضى حسنه أن تسلب الأرواح وتؤخذ. ومنع حبه الكلام الألسن، وكان الدليل على ذلك اعتراف ابن أحسن. فإنه ذو النظر العالي المدرك حقيقة الكنه، فإذا تنور من أذرعات أدنى ما تنوره إلى قيد شبرٍ منه. فتأمل المملوك ما وقع من تلك المعارضة، التي أفضت إلى التحكيم والمفاوضة. فإذا المتعارضان قد مزجا في حلو فكاهتهما شدة البأس في البحث برقة الغزل، وأخرجا الكلام لبلاغتهما على مقتضى حال من جد وهزل. وجريا إلى غايةٍ حققا عند كل سابق أنه المسبوق، وأريا غبارهما لمن أراد اللحوق. وكان الأحرى بالمملوك ستر عوار نفسه، وحبس عنان قلمه أن يجري في ميدان طرسه.

стр. 517

لكن لما كان ترك الجواب من الأمر المحظور، لم يلتفت إلى ما يترتب على الواجب من المحذور. فقال حيث كان الأمر على ما أسنده مولانا عن الناظم وروى، من أنه قصد التشبيه في حال بقايا أثر السقام بغصنٍ ذوي. فعدل إلى سبكه في قالب صياغته، وسلكه في سلك بلاغته. فلا شك أنه أتى بما لا يدل على المراد دلالةً أولوية ظاهرة، وكان كمن شبه الأغصان أمام البدر ببنت مليكٍ خلف شباكها ناظرة. وحينئذ فإطلاق القول بأن البيت الثاني لا يدل على ما أريد، ربما تمسك الخصم في عدم ثبوت الحكم عليه بأنه إطلاقٌ في محل التقييد. كما أن للمعترض أن يتمسك في ذلك باستيفاء الدلالة الأولوية، فيكون المحكوم به هو المتعارض في القضية. وهذا أجدى ما رآه المملوك في فصل الخطاب، وأحرى ما تحرى فيه أنه الصواب. مع اتهامه نفسه في مطابقة الواقع في الفهم، لعلمه بدقة نظر مولانا إذا قرطس أغراض المعاني من فهمه بسهم. وتجويزه على نفسه العجز عن الوصول إلى مأخذ المولى ومدركه، واعترافه بأنه لا يجارى في نقد الشعر لأنه فارس معركه. انتهى. قوله في أثناء الجواب: كان كمن شبه الأغصان، أمام البدر، يشير به إلى قول الصلاح الصفدي: كأنما الأغصانُ لمَّا انْثَنتْ ... أمامَ بَدْرِ التِّمِّ في غَيْهَبِهْ بنتُ مَلِيكٍ خَلْفَ شُبَّاكِها ... تفرَّجتْ منه على موكِبهْ وله فيه أيضاً: كأنما الأغصانُ في رَوْضِها ... والبدرُ في أثْنائها مُسْفِرُ بنتُ مَلِيكٍ سار في مَوْكِبٍ ... قامتْ إلى شُبَّاكِها تنْظُرُ قال النواجي: لا يخفى ما في هذين البيتين، بل المقطوعين من ضعف التركيب، وكثرة الحشو، وقلب المعنى، وذلك أنه جعل الأغصان مبتدأ، وأخبر عنه ببنت المليك، وهو فاسد، وإن كان قصده تشبيه المجموع بالمجموع، إلا أن الإعراب لا يساعده. على أنه لم يخترع هذا المعنى، بل سبقه إليه القاضي محيي الدين ابن قرناص، فقال: وحديقةٍ غَنَّاءَ ينْتظِم النَّدَى ... بفُروعِها كالدُّرِّ في الأسْلاكِ والبدرُ مِن خَلَلِ الغصونِ كأنه ... وجهُ المليحةِ طَلَّ من شُبَّاكِ فانظر إلى حشمة هذا التركيب وانسجامه، وعدم التكلف والحشو، واستيفاء المعنى في البيت الثاني فحسب، والصفدي لم يستوف المعنى إلا في بيتين، مع ما فيهما. فلو قال في المقطوع الأول: كأن بدرَ التِّمِّ لمّا بدَا ... من خَلَلِ الأغصانِ في غَيْهَبِهْ بنتُ مَلِيكٍ خَلْفَ شُبَّاكِها ... تفرَّجتْ منه على موكِبهْ وفي المقطوع الثاني: كأن بدرَ التِّمِّ في روضةٍ ... من خلَلِ الأغصانِ إذْ يُسْفِرُ بنتُ مَلِيكٍ سار في موكبٍ ... قامتْ إلى شُبَّاكِها تنْظُرُ لتم له من غير تكلف. ومن شعر علي المذكور: هَذِي رياضُ الحُسْنِ أغْصانُها ... غَرَّد بالدّوْحةِ منه الهَزارْ يهْتزُّ فيها قَدُّ ذاتِ الرَّنَا ... رقيقة الخَصْر على الاخْتصارْ بِتُّ ونارُ الشوقِ قد أُضْرِمتْ ... بمُهجةٍ أحْرَقها الاسْتِعارْ رام عَذُولِي هَدَّ رُكْنِ الهوى ... يا كعبةَ الحُسنِ بكِ المُسْتَجارْ غَضّيْتُ ذاك الطّرْفَ عن ناظِرٍ ... هَيَّجه الوجدُ عَفِيف الإزَارْ وقول في فتاة اسمها غربية: ولي جِهَةٌ غَرْبيَّةٌ أشْرقتْ بها ... لِعَيْنِي شَمسُ الأُفْقِ من غيرِ لا حُجْبِ ولاح بها بدرُ التّمامِ لِناظرِي ... ومن عجبٍ شمسٌ وبَدْرٌ من الغَرْبِ وقوله فيها أيضاً: هَيْفاءُ كالشمسِ ولكنّها ... غَرْبيَّةٌ يا قومِ عند الشُّروقْ يفْتَرُّ منها الثّغْرُ عن لُؤْلُؤٍ ... رَطْبٍ ويبدُو منه لَمْعُ البُروقْ باللهِ يا عاذلُ عنِّي فذَا ... باردُه السَّلْسلُ فيه يَرُوقْ رِفْقاً فما في العَذْلِ لي طاقةٌ ... يُمْكِن منها لِعَذُولِي الطُّروقْ غِبْتُ عن العاذِلِ فيها فما ... هَزْلٌ وجِدٌّ لِذَواتِ الفُروقْ وقوله فيها أيضاً:

стр. 518

إنّ الإهِلّةَ إذ بدَتْ غَرْبيَّةً ... فالغَرْبُ منه ضِيَا المَسَرَّة يُشْرِقُ والشرقُ دَعْهُ فليس منه سِوَى ذُكَا ... تَحْتَرُّ في وَسَطِ النهارِ وتَحْرِقُ وقوله أيضاً، مشجراً: غزال كبدرِ التِّمِّ لاح بوجْهِه ... هلالٌ رأتْه العينُ من أُفُقِ الشمسِ رنَا طَرْفُه الفَتَّانُ يوماً لناظرٍ ... يهيمُ به من حيث يُصْبِحُ أو يُمْسي بَدَا لِيَ في خُضْرِ الرياضِ بأسمرٍ ... به سُودُ هاتيك الحدائقِ في لَبْسِ يُعلِّل بالتَّسْويفِ قلبي فليْته ... رأَى دَنِفاً ما زال يقْنَعُ باللَّمْسِ هَلكتُ جَوىً منه فَمن لِمُتَيَّمٍ ... غريبٍ عن الأوطانِ يدْنُو من الرَّمْسِ وكتب لبعض أحبابه في صدر رسالة: على الحَضْرةِ العَلْياءِ دام مَقامُها ... عَلِيّاً سلامٌ طيِّبُ النّشْرِ والعَرْفِ إلى نَحْوِها حَمَّلْتُه نَسْمةَ الصَّبا ... لتكْسِب وصْفاً من شَذَا ذلك الوَصْفِ محمد علي بن إسماعيل الطبري أحد تلك الجلة الكرام، أئمة الحرم الذين وجب لهم الاحترام. سما قدره فوق أعالي الجبال الشواهق، وبلغ غاية الكهول وهو في سن المراهق. منزلةٌ لا يكتنه كنهها، ولا يوجد في العالم شبهها. إلى فضلٍ ثنى إليه عنان الخطاب، وأدبٍ جنى به الثناء المستطاب. ووراء ذلك رويةٌ أحسن من كل روية، وبديهة أورى من كل فكرةٍ ورية. بلفظٍ ناهَبَ الحَلْىَ الغَوانِي ... وأهْدَى السِّحْرَ للحَدَقِ الصِّحاحِ وقد جئتك من شعره بما يعطر شام النور العبق، ويروق به كأسه المصطبح على ماء النهر والمغتبق. فمنه قوله من قصيدة، يمدح بها الشريف حسن بن أبي نمى. مطلعها: أسَرتْني بطَرْفِها الفَتَّانِ ... وبحُسْنٍ يفوقُ حُورَ الجِنانِ ذاتُ قُرْطٍ من طَوْقِها مطلع الشَّمْ ... سِ فِدَا حُسْنِها البديع جَنانِي ما تبدَّتْ تخْتال إلاّ أرَتْنا ... بدرَ تِمٍ يُقِلُّه غُصْنُ بَانِ ما حكاها في جَنَّةِ الخُلْدِ حُورٌ ... لا ولا في مَراتِعِ الغِزْلانِ قلّدتْها يدُ الجمال حُلِيّاً ... فاق حُسْناً قلائدَ العِقْيانِ بخُدودٍ مُورّداتٍ حِسانٍ ... ما حكتْها شَقائقُ النُّعْمانِ تَيَّمَتْنِي فَرَقَّ جسمِي نحُولاً ... مِن جَفاها فعَائدِي لا يَرانِي وأذابتْ قلبِي المُعنَّى وجارتْ ... وصَلَتْنِي لَواعِجَ الأشْجانِ ليْتَها بَعْدَ بُعْدِها وصَلتْنِي ... وكَفاها ما مَرَّ من هِجْرانِ أرَّقتْ مُقْلتِي فأذْرَيْتُ دَمْعاً ... كالغَوادِي دماً عَبِيطاً قَانِي لا تَسَلْ ما جَرى على الخَدِّ منها ... يا حبيبي فقد جرَى ما كَفانِي فجُفونِي على الدَّوامِ دَوَامٍ ... ودموعِي مَشارِعُ الغُدْرانِ قيل مَهْلاً فمَن صَبَا صَيَّرتْه ... مُوجِباتُ الصِّبا أسيرَ الغَوانِي حَبَّذا إن قَضيْتُ في الحُبِّ وَجْداً ... وقضى حاكمُ الهوى بهَوانِي ظَبْيةٌ تقْنِصُ الهِزَبْرَ فيُمْسِي ... وهْو لَيْثُ الشَرَى الأسِيرَ الْعانِي تتَّقِي الأُسْدُ في العَرِينِ سَطاهُ ... وهْو يخْشَى من فَتْرةِ الأجْفانِ كلمتْنِي بفَاتِراتٍ مِرَاضٍ ... سِحْرُ هارُوتِها قضَى بافْتتانِي جاوَز الحَدَّ لَحْظُها فمَلاذِي ... حَسَنٌ ذُو الفخار والسُّلْطانِ وقوله من أخرى في مدحه أيضاً، ومستهلها: أفْدِي مَهاةً تُلِينُ القوَل أحْيانَا ... فتسلُب العقلَ ممَّن كان أحْيانَا أماتَنا هَجْرُها المُولِي القلوبَ أسىً ... يُذيِب لولا رجاءُ الوصلِ أحْيانَا لا عاش مَن يتمَنَّى بعد نَشْوتِه ... مِن خمرةِ الحبِّ أن يصحُو ولا كانَا

стр. 519

بمُتْرَفِ الخدِّ جَنَّاتٌ لناظرِها ... لكنّها أجَّجَتْ في القلبِ نِيرانَا لولا سحائبُ جَفْنٍ سَحَّ وَابِلهُ ... أجْرَى بِحاراً فأطْفاها وغُدْرانَا تُرِيك من وجهِها الضّاحِي وقامتِها ... بدراً على غُصُنٍ يخْتال نَشْوانَا جارتْ على قلبِيَ المجروحِ مُقْلتُها ... وأتْلفتْه وما أضْمَرْتُ سُلْوانَا لا تُسْتمال وإن مالتْ مَعاطِفُها ... تحمَّلَتْ من رياضِ الحُسْنِ أفْنَانَا ترْنُو بفاترِ طَرْفٍ زاد صَارِمُه ... فينا عن الحَدِّ مَسْنوناً فأفْنانَا كأنما سيفُ بَدْرِ الدين أوْدَعَه ... من طَرْفِها الفاترِ الفَتَّانِ أجْفانَا ويحسَبُ الناسُ من أهلِ البَدِيعِ ومِن ... أهلِ السليميَّةِ الغَبْرَا ومعكانَا أو آلِ خالد من أهدى ضلالُهُمُ ... نُفوسَهم فغدوْا هَدْياً وقُرْبانَا وغرَّهم فيهمُ حتى غَدَتْ فِئَةٌ ... فَيْئاً وأخْرَى قضتْ لم تَرْجُ غُفْرانَا هذا مُكبَّلُ مَأْسُورٌ وذا ورَدتْ ... به القنَا مِن حِياضِ الموت طُوفَانَا وجرَّعتْهم كؤوسَ الحَيْنِ مُتْرَعةً ... وقائعٌ تتْرُك الوِلْدانَ شِيبانَا لو أنهم عَقَلُوا أمْراً لَما شَهَرُوا ... عَضْباً ولا اعْتقلُوا للحَرْبِ مُرَّانَا ولو يُرِيدون خَيْراً أو يُرادُ بهمْ ... كانوا على ما مضَى من قبلُ غِلْمانَا لكنْ قضَى اللهُ باسْتِئْصالِهم فبَغَوْا ... على نفوسِهمُ ظُلْماً وعُدْوانَا وشاهَدُوا جَحْفَلاً ذابتْ نفوسُهمُ ... مِن خَوْفِه مَلأَ الآفاقَ فرسانَا تَسُلُّ أسْيافَه أحلامُ نائِمهمْ ... عليه رُعْباً ويَلْقَى الموتَ يَقْظانَا هذا من قول أشجع السلمي: وعلى عَدُوِّك يا ابنَ عَمِّ محمدٍ ... رَصَدانِ ضَوْءُ الصبحِ والإظْلامُ فإذا تنبَّه رُعْتَه وإذا غَفَا ... سَلَّتْ عليه سيوفَك الأحْلامُ منها: له من الرُّعْبِ أنْصارٌ مُؤيِّدةٌ ... تُصَيِّرُ الليثَ مثلَ الضَّبِّ حَيْرانَا في الأمثال أحير من ضبٍ؛ لأنه إذا فارق جحره لم يهتد للرجوع. يحُفُّه من بَنِيه أُسْدُ معركةٍ ... تَرْوِي الْقَنا إن غَدا الضِّرْغَامُ ظَمْآنَا بيتُ النُّبُوةِ بيتُ اللهِ مَن ورَثُوا ... أمْرَ الخلافةِ سُلْطاناً فسُلْطانَا يَفْنَى المَديحُ ولا تُحْصَى مَحامدُهمْ ... فَدَعْ زُهَيْراً ودَعْ كَعْباً وحَسَّانَا محمد جمال الدين بن عبد الله الطبري مقدم في المقال وإن تأخر، وإذا كان غيره بحراً يفيض فهو بحرٌ يزخر. يتقدم حيث يتأخر الذابل، ويجود إذا ما ضن بجوده الوابل. فروض طبعه تسرح النواظر في فضاه، ومرعى بيانه أينع سعدانه ورف غضاه. وله ذكاء متطاير اللهب، وقريض يزري بقراضة الذهب. وقد أثبت له ما يعلق من كعبة البلاغة، ويعرف منه أنه لم يبلغ أحدٌ بلاغه. فمنه قوله، من قصيدة في المدح: مُذ لاح بدرُ الدُّجَى وأشْرَقْ ... أغْرقني مَدْمَعِي وأشْرَقْ ورُحْتُ من لَوْعتِي أُصالِي ... جَوىً لقلبِي الكئيبِ أحْرَقْ لا لَوْعَتِي تنْطفِي وحِبِّي ... فَرَّق شمْلِي وما ترفَّقْ ومنها: لمَّا رأيتَ الهوى هَواناً ... وأنني في يديْك مُوثَقْ وأن جَوْرَ الغرامِ عَدْلٌ ... وحاكمَ الحبِّ ليس يُشْفِقْ جاوَزْتَ في الحدودِ ظُلْماً ... ألستَ عَدْلَ الحسينِ تَفْرَقْ بدرُ الملوك الحُسَين مَن في ... نَدَى يديْه البِحارُ تَغْرَقْ ومَن له صَوْلةٌ وعَزْمٌ ... منها أُسودُ الحروبِ تُشْفِقْ ومنها: لو لَمَستْ رَاحتاهُ عُوداً ... أثْمَرَ في كفِّه وأوْرقْ

стр. 520

ولو ينال السحابُ فَيْضاً ... من بعضِ جَدْواهُ كان أغْرَقْ فلا تقِسْ بالحسين خَلْقاً ... فمثلُه ما أظنُّ يُخْلَقْ ومَن بنُورِ النبيِّ طه ... ضَمَّخَه ربُّه وخَلّقْ أعْظَمُ من قيصرٍ وكسرَى ... وتُبَّعٍ مَنْصِباً وأعْرَقْ وقوله في الغزل: أسيرُ العيونِ الدُّعْجِ ليس له فَكُّ ... لأنَّ سيوفَ اللّحْظِ من شأنها السَّفْكُ حَذارِ خَلِيَّ القلبِ من عَلَقِ الهوى ... وأوّلُها سُقْمٌ وآخرُها فَتْكُ ورُحْ سالماً قبلَ الغرامِ ولا تقِسْ ... عليَّ فإنِّي هالكٌ فيه لاشَكُ ألم تَرَنِي وَدَّعتُ يوم فِراقِهمْ ... حَشايَ لِعلْمِي أن ما دونه الهُلْكُ وكيف خَلاصِي من يَدَيْ شادِنٍ إذا ... بَدا ابْيَضَّ في الدَّيجُور من نُورِهِ الحَلْكُ وهيْهات أن تُرْجَى لِمثْلِي سَلامةٌ ... وقد سَلَّ بِيضَ الهنْدِ ألْحاظُه التُّرْكُ يقولون تَرْكُ الحُبِّ أسلمُ للفتى ... نعم صدقوا إن كان يُمكنُه التّرْكُ دَعُونِي وذِكْرِي بين بَاناتِ لَعْلَعٍ ... عُرَيْباً هواهم في المَواقِفِ لي نُسْكُ وإن رُمْتُمُ إرشادَ قلبي فكرِّرُوا ... أحاديثَ عشقٍ طاب في نَظْمِها السَّبْكُ أما والخدودِ العَنْدَمِيَّاتِ لم أحُلْ ... وكلُّ الذي عنِّي روَى عَاذِلِي إفْكُ وما بمَصُونِ الثّغْرِ من ماء كَوْثرٍ ... وكأسِ عَقِيقٍ خَتْمُه خالُه المِسْكُ لقد لَذّ لي خَلْعُ العِذارِ وطاب في ... هَوى الخُرَّدِ الغِيدِ الدُّمَى عنديَ الهَتْكُ قوله: لاشك قد يتوهم أن فيه لحناً، على أن لا نافيةٌ للجنس واسمها في ذلك منبيٌّ على الفتح. ولا لحن فيه، بل فيه وجهان: أحدهما، منع كونها نافيةً للجنس، بل عاملة عمل ليس، والخبر محذوف جوازاً، كقول الحماسي: مَن صَدَّ عن نِيرانِها ... فأنا ابْن قَيْسٍ لا بَراحُ والثاني؛ أن تكون نافيةً للجنس، إلا أنها ملغاة، والرفع بالابتداء، فلم يجب تكرارها، لجواز تركه في الشعر. وله تصدير وتعجيز لقصيدة ابن الفارض، وقفت منه على قطعةٍ، وهي: ما بين ضَالِ المُنْحَنَى وظِلالِهِ ... رَشَأٌ سَبَى الألبابَ عَنْبَرُ خالِهِ في ليلِ طُرَّتِه وصُبْحِ جَبينِهِ ... ضَلَّ المُتَيَّمُ واهْتدَى بضلالِهِ وبذلك الشِّعْبِ اليَمانِي مُنْيةٌ ... ما بين سَفْحِ طَوَيْلعٍ وجِبالِهِ مِن دونها حَتْفُ النفوسِ وبُغْيةٌ ... للصَّبِّ قد بَعُدتْ على آمالِهِ يا صاحِبي هذا العَقيقُ فقِفْ به ... واحرُس فؤادَك من لِحاظ غَزالِهِ فإذا وصلتَ الجِزْعَ طُفْ بِقبابِهِ ... مُتَولِّهاً إن كنتَ لست بِوَالِهِ وانْظُرْه عنِّي إن طَرْفِي عَاقَنِي ... ياقوتُه بصَفا لُجَيْنِ رِمالِهِ مارَام منه ذاك إلاّ صَدَّهُ ... إرْسالُ دَمْعِي فيه عن إرْسالِهِ واسْألْ غَزال كِناسِه هل عنده ... خبَرٌ بمَن أضْحَى قتيلَ نِزالِهِ أو عنده ممَّا أُلاقِي من أسىً ... عِلْمٌ بقلبِي في هَواه وحالِهِ وكتب إلى شيخه عبد الرؤوف بن يحيى الواعظ المكي، مسائلاً بقوله: يا أَيها الحَبْرُ يا مَنْ ... منه العلومُ تفجَّرْ ومُفَرَدَ العصرِ مَن قد ... لمسجدِ اللهِ أَزْهَرْ بالاشْتغالِ دَواماً ... بقُرْبِ بيتٍ مُطهَّرْ ما الحكمُ في كلِّ قاتٍ ... وكفتةٍ هو مُنْكَرْ أَم لا لنا فأبِينُوا ... لديكُم الصَّعْبُ يظْهَرْ أَنتم مَلاذٌ وأَمَّا ... في الحكم كُلٌّ تحيَّرْ فأجابه بقوله: الحمدُ لله حَمْداً ... أفرادُه ليس تُحْصَرْ

стр. 521

ومنه خيرُ ثَناءٍ ... لأحمدَ الطُّهْرِ يُنْشَرْ الحكمُ في ذَيْنِ حِلٌّ ... والتَّرْكُ للضُّرِّ أظْهَرْ عبدُ الرؤوف وَشاهُ ... يرجُو المَزلاّت تُغْفَرْ فضل بن عبد الله الطبري ذاته كاسمه، والفضل كله برسمه أجل قدراً من أن لا يعرف، وحاشاه أن يكون نكرةً فيعرف. وقد سمعت من يقول عنه: هو العلم الذي عرف العالم فضله، والفاضل الذي إذا اعتبر فغيره بالنسبة إليه فضلة. وله من الأشعار كل درةٍ فريدة، هي روي في طلا كل وليدة خريدة. فمنها قوله، من قصيدة يمدح بها الشريف زيد بن محسن، أولها: يا مَيُّ حَيَّى الحَيْاَ أحْيَا مُحَيَّاكِ ... هلاَّ بأعْتابِ عُتْبَى فَاهَ لي فَاكِ مَن لي إليك وقد أوْدَى صُدودُك بي ... ولا تَزالِين طَوْعاً لَيَّ أفَّاكِ يا هذه لم أزَلْ مِن بُعْدِها ودُنُوِّ ... السُّقْمِ من بَعْدِها مَوْثوقَ أشْرَاكِ تِيهِي أَطِيلي التَّجنِّي والجَفَاءَ وما ... أرَدْتِ فاقْضِيه بي فالُحسْنُ وَلاَّكِ رِفْقاً رُويْداً كأني بالعَذُولِ على ... تَطاوُلِ الصَّدِّ في ذا الصَّبِّ أغْراكِ منها: حَسْبي دليلاً على شوقي المُبرِّح بي ... أنِّي لَثَمْتُ عَذُولِي حين سَمَّاكِ والجَفْنُ في أرَقٍ والقلبُ في حُرَقٍ ... والعينُ في غَرَقٍ إنْسانُها باكِي يا مُهجةَ الصَّبِّ غير الصَّبْرِ ليس وقد ... جَنَتْ عليك بما لاقيتِ عَيْناكِ منها في المديح: قد زاد في شرفِ البَطْحاءِ أنَّك في ... جِيرانِها خَيْرُ فَعَّالٍ وتَرَّاكِ مُولِي الجميل ومَنْجاةُ الدَّخِيلِ ومَنْ ... حاةُ الخَذِيلِ سَرِيُّ عَيْنِ أمْلاكِ قوله في مطلع القصيدة: فاه لي فاك، جرى فيه على اللغة الضعيفة، وهي لزوم الألف للأسماء الخمسة في جميع الحالات، كقوله: إنَّ أبَاها وأبا أباهَا ومن شعره قوله: لا تُضيِّعْ سَبَهْلَلاً فُرَصَ الْ ... عمرِ بلا طاعةٍ ولا تتعلَّمْ سوف يَدْرِي الجَهْولُ عند انْقضا ... ءِ العمرِ سُدىً كيف ضاع فيَنْدَمْ عبد الرحمن بن عيسى المرشدي مفتي القطر الحجازي وعالمه، وصدره الذي قامت به معالمه. جواد قلمه في ميدان الطرس مرخي العنان، وشرح نموذج حاله أجلى وأظهر من العيان. سلم له من كل فنٍ أهل حله وعقده، وأذعن لبلاغته من كل صوبٍ جهابذة نقده. وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وكتبت رؤساء البراعة باسمه تقاليدها. وهو الطود رصانةً، والطور رزانةً. بعلمه يقتدى، وبحلمه يهتدى. وكان عصره يربو على العصور شرفاً، ويرتقي من المعالي فنناً وشرفاً. بضروبٍ من المآثر والمفاخر، ازدانت بها الأوائل والأواخر. يحديها حادي الرفاق، على مطالع الإشراقين من الآفاق. حتى سمعتها كل أذن صما، ورأتها كل عينٍ عميا. وكان حماه للقصاد قبلة، وما أظن أحداً بلغ مثل شأنه قبله. يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا، وينشد ببابه تمام الحج أن تقف المطايا. وله من الآثار ما هو في مسامع النبغاء شنف، وفي مجامع البلغاء روضٌ أف. ومن خبره على ما نقل ابن معصوم، أنه لم يزل ممتطياً صهوة العز المكين، راقياً ذروة طود الجاه الركين. لا يقاس به قرين، ولا تطأ آساد الشرى له عرين. إلى أن تولى الشريف أحمد بن عبد المطلب مكة المشرفة، ورفل في حلل ولايتها المفوقة. وكان في نفسه من الشيخ المشار إليه ضغن، حل بصميم مهجته وما ظعن. فأمر أولاً بنهب داره، وخفض محله ومقداره. ثم قبض عليه قبض المعتمد على ابن عمار، وجزاه الدهر على يديه جزاء سنمار. إلاأن المعتمد أعض ابن عمار بالحسام الأبيض، وهذا طوقه هلال فترٍ من أنامل عبدٍ أسود، فجرعه كأس الموت الأحمر. وكان قد أبقاه في محبسه إلى ليلة عرفة، ثم خشي أن يسعى في خلاصه من أكابر الروم من عرفه. فوجه إليه بزنجيٍ أشوه خلق الله خلقا، وتقدم إليه بقتله في تلك الليلة خنقا. فامتثل أمره فيه، وجلله من برد الهلاك بضافيه.

стр. 522

فأقفرت لموته المدارس، وأصبحت ربوع الفضل وهي دوارس. وذلك في عام سبع وثلاثين والف. ومن الاتفاق أن الشريف المذكور قتل هذه القتلة بعينها، حين تقاضت منه الليالي ما سلفت من دينها. وفي الأثر: كما تدين تدان، وهذا حال الدهر مع كل قاصٍ ودان. وهذا حين أتلو من آياته، وأثبت ما يدل على بعد غاياته. فأعظمها قصيدته التي مدح بها الشريف حسنا، وابنه أبا طالب، مهنياً لهما بالظفر بأهل شمر، وهو جبل بنجد: نَقْعُ العَجاجِ لَدَى هَياجِ العِثْيَرِ ... أذْكَى لدَيْنا من دُخانِ العَنْبَرِ وصَلِيلُ تجْريدِ الحُسامِ ووَقْعُه ... في الْهامِ أجْدَى نَغْمةً من جُؤْذُرِ وسَنَا الأسِنَّةِ لاَمِعاً في قَسْطَلٍ ... أسْنَى وأسْمَى من مُحَيّاً مُسْفِرِ وتَسَرْبُلٌ في سابِغاتِ مُزَرَّدٍ ... أبْهَى علينا من قَباءٍ عَبْقَرِي وتتَوُّجٌ بقَوانِسٍ مَصْقولَةٍ ... أزْهَى علينا من سَدُوُسٍ أخْضَرِ وكذاك صَهْوةُ سابِحٍ ومُطهَّمٍ ... أشْهَى إلينا مِن أَرِيكةِ أحْوَرِ ولِقَا الْكَمِيِّ مُدَرَّعاً في مِغْفَرٍ ... كلِقَا الغَرِيرِ بمِقْنَعٍ وبِمخْمَرِ ألِفَتْ أسِنَّتُنا الورُودَ بمَنْهَلٍ ... عَلقتْ به عَلَقَ النَّجِيعِ الأحْمَرِ وسيوفُنا هجَرتْ جِوارَ غُمودِها ... شَوْقاً لِهامَةِ كلِّ أصْيَدَ أصْعَرِ فتَخالُها لمَّا تُجرَّد عندما ... هاج القَتامُ بَوارِقاً بِكَنَهْوَرِ وصَهِيلُ جُرْدِ الخيلِ خِيلَ كأنه ... رَعْدٌ يُزَمْجِرُ في الْجَدَى المُثْعَنْجِرِ ودمُ العِدَى مُتقاطِراً مُتدفِّقاً ... كالوَبلِ كالسيلِ الجُرافِ الْجِوَّرِ ورُءوسُهم تجْرِي به كجَنادِلٍ ... قذَفْت به مَوْجُ السيولِ الهُمَّرِ غَشِيَتْهُمُ في العامِ مِنَّا فِرقةٌ ... تركتْ فَرِيقَهم كسَبْسَبِ مُقْفِرِ أوْدَتْهُمُ قَتْلاً وأجْلَتْهم إلى ... أن حطَّم الهِنْدِيُّ ظَهْرَ المُدْبِرِ تركتْ صَحاراهُم مَوائِدَ ضُمِّنَتْ ... أشْلاءَ كلِّ مُسَوَّدٍ وغَضَنْفَرِ ودَعتْ ضُيوفَ الوحشِ تَقْرِيهمْ بما ... أفْنَى المُهَنَّدُ والوَشِيجُ السَّمْهَرِي فأجَابها من كلِّ غِيلٍ زُمْرَةٌ ... تحْدُو مَنارَ عَمَلَّسٍ أو قَسْوَرِ وأظلَّها ظُلَلٌ نِشَاصُ سَحابِها الْ ... مرْكومِ أجْنحةُ البُزاةِ الأنْسُرِ فبَراثِنُ الآسادِ تضْبثُ في الكُلَى ... ومَخالبُ العِقْبان تنشَب في المَرِي شكَرتْ صَنيعَ المَشْرَفيَّةِ والْقَنا ... إذْ لم تَضِفها الهُبْرَ غيرَ مُهَبَّرِ فغَدتْ قبورُهمُ بطونَ الوَحْشِ مِنْ ... ها يُبعَثون إذا دُعُوا للمَحْشَرِ وخلَتْ ديارُهمُ وأقْوَى رَبْعُهمْ ... وسَرى السَّريُّ مُشَمِّراً عن شمّرِ أنِفَتْ من اسْتقْصاءِ قَتْلِ شَرِيدِهمْ ... كَيْما يُخبِّرَ قائلاً مِن مَخْبَرِ فثَنتْ أعِنَّةُ خَيْلِنا أجْيادَها ... عن قَتْلِ كلِّ مُزَنَّدٍ وحَزَوَّرِ حتى إذا حان القِطافُ لِيانِعٍ ... من أرْؤُسٍ تُرِكتْ ولَمّا تُؤْبَرِ عصفَتْ بها رَيْبُ المَنُونِ فأُلْقِحتْ ... وتحرَّكتْ بزِعَازِعٍ من صَرْصَرِ فدعَتْ سُراةَ كُماتِنا لِقطافِها ... بأناملِ القصَبِ الأصَمِّ الأسْمَرِ فتجهَّزتْ لحَصادِها في فَيْلَقٍ ... لو يسْبَحون بزَاخرٍ لم يَزْخَرِ مَلأٌ تنُوق إلى الكفاحِ نُفوسُهم ... تَوَقَانها لِلِقَا الرَّداحِ المُعْصِرِ

стр. 523

يغْشَوْن أبْطال الخَمِيسِ بَواسِماً ... كالليثِ إن يَلْقَ الفَرِيسةَ يَكْشِرِ وتَخالُهم فوق الجِياد لَوابِساً ... سَدّاً يمُوجُ من الحديدِ الأخْضرِ فإذا همُ ازْدحمُوا بجِزْعٍ وانْثَنَوْا ... أوْرَى زِنادُ دُروعِهم ناراً تُرِي جيشٌ طَلائعُه الأوابِدُ إن تُصِخْ ... لوَجِيبِه من قِيدِ شَهْرٍ تنْفِرِ يقْتادُهُ الملك المُشِيحُ كأنه ... بين العَوالي ضَيْغَمٌ في مَزأَرِ مَلِكٌ تَدرَّع بالبَسالةِ فاغْتنَى ... يومَ الوغَى عن سابِغٍ وسَنَوَّرِ مَلِكٌ تتوَّج بالمَهابةِ فاكْتفَى ... عند الطِّعان لِقرْنِه عن مِغْفَرِ مَلِكٌ تُذكَرنا مَواقِعُ حَدِّه ... في الْهامِ وَقْعةَ جَدِّه في خَيْبَرِ مَلِكٌ إذا ما جال يومَ كَريهةٍ ... لم تَلْقَ غيرَ مجدَّلٍ ومُعَفَّرِ مَلِكٌ يُجهِّز من جَحافلِ رَأْيِه ... قبلَ الوَقيعةِ جَحفَلاً لم يُنظَرِ مَلِكٌ تسنّمَ ذِرْوةَ المجدِ التي ... مِن دونها المَرِّيخُ بل والمشْترِي الأشْرفُ الشَّهمُ الذي خضَعتْ له ... شُمُّ الأُنوفِ وكلُّ جَحْجاحٍ سَرِي الأفضلُ السَّنَدُ الذي أوْصافُه ... أنْسَتْ سُمَا الوَضَّاحِ وابنِ المُنْذِرِ الأكْرمُ المِفْضالُ مَن إحسانُه ... أرْبَى على كسرَى الملوكِ وقَيْصَرِ ذُو الهِمَّةِ العَلْيا الذي قد نال ما ... عنه تُقصِّر هِمَّةُ الإسكَنْدَرِ شَرَفاً تقاعَستِ الكواكبُ دونَه ... لو لم تُمَدَّ بنُورِه لم تُزْهِرِ هَبْها بمنطقةِ البُروجِ مَقَرُّها ... أمُناهِزٌ هذا بُنُوَّةَ حَيْدَرِ كَلاَّ فكيف بمَن حَواها جامِعاً ... نَسَباً سَمَا بأُبُوَّةِ المُدَّثِّرِ أعْظِمْ بها من نِسْبةٍ نَبَويَّةٍ ... عَلَويَّةٍ تُنْمَى لأصلٍ أطْهَرِ قد شُرِّفْت بَدْءًا بأشْرفِ مُرْسَلٍ ... ونِهايةً بالسيِّدِ الحسَن السَّرِي فَخْرُ الخلائقِ دُرَّةُ التَّاجِ الذي ... بِسواه هامُ ذوِي العُلَى لم يَفْخَرِ لم تَلْقَه يَوْمَيْ وَغىً وعَطاً سِوَى ... طَلْقِ المُحَيَّا في حُلَى المُسْتَبْشِرِ يعْفُو عن الذَّنْبِ العظيمِ مُجازياً ... جَازِيه بالحُسْنَى كأن لم يُوزَرِ يا سيِّد الساداتِ دُونَك مِدْحَةً ... نفَحت بعَرْفٍ من ثَناك مُعَطَّرِ قد فُصِّلتْ بلآلىءِ المَدْحِ التي ... يقفُ ابنُ أوْسٍ دُونها والبُحْتُرِي وَافتَكْ تَرْفُل في بُرودِ بلاغةٍ ... وبراعةٍ ببُرودِ صَنْعا تَزْدرِي صاغتْ حُلاها فكرةٌ قد صانَها ... شَمَمُ الإباءِ عن امْتداحِ مُقصِّرِ ما شَأْنُها كَسْب القَرِيضِ تكسُّباً ... لولا مَقامُك ذُو العُلَى لم تَشْعُرِ فورَدتُ مَنْهَلَها الرَّوِيَّ فلم أجِدْ ... أحَداً فنِلْتُ صَفاهُ غيرَ مُكدَّرِ فنَهلْتُ منه وعَلَّني بنَمِيرِه ... وطَفِقْتُ وَارِدَه ولمَّا أصْدُرِ خُذْهَا عَقِيلةَ كِسْرِ جَيْشِ فَصَاحةٍ ... سَفَرتْ نِقاباً عن مُحَيّاً مُسْفِرِ جمعتْ بَلاغةَ مَنطقِ الأعْرابِ مَعْ ... حُسْنِ البيانِ ورقَّةِ المُسْتَحْضِرِ لو سامَها قُسٌّ لمَا سُمِعتْ له ... بعُكاظَ يوماً خُطْبَةٌ في مِنْبَرِ شرُفتْ على مَن عارَضتْه بمَدْحِ من ... أضْحَى القَرِيضُ به كعِقْدٍ جوهرِي فاسْتَجلِها وَافتْ تُهنِّي بالذي ... نفَحتْ بَشائرهُ بمِسْكٍ أَذْفَرِ

стр. 524

نصرٌ تهُزُّ بُنودَه رِيحُ الصَّبا ... خفَقتْ على هامِ الأشَمِّ الْحَزْمَرِ هو نَجْلُك الْمنصور دامَ مُؤيَّداً ... بك أيْنما يُلْقِ العزيمةَ يظْفَرِ لا زلتُما في ظلِّ مُلْكٍ بَاذِخٍ ... وجنودُ مُلْككمُ ملوكَ الأعْصُرِ مُسْتمْسِكين بهَدْي جَدِّكم الذي ... بالرُّعْبِ يُنْصَر من مسافةِ أشْهُرِ أهْدَى الإلهُ صَلاتهُ وسلامه ... لجَنابِه في طَيِّ نَشْرِ العَبْهَرِ أخوه القاضي أحمد شهاب الدين الشهاب الساطع، والحسام القاطع. له المجد المضاعف، والأمل المساعف. والتباهي في التهذيب والتحليم، والتناهي في التجريب والتحكيم. وكان في أيام صدارة أخيه عضده الذي أزره به اشتد، ومضاهيه الذي تهيأ به لقيام تلك الحرمة واعتد. وولي حكم القضاء بالحرم فأضاءت العقد درةٌ وكانت واسطة، وامتدت يد من القوة وكانت بها باسطة. ولما قبض ابن عبد المطلب على أخيه، أردفه معه على ذلك الأدهم، حتى جرع أخاه تلك الكأس فألهمه الله في إفراجه ما ألهم. فنحي بعد ظنه أنه لم يكن ناحياً وسومح بالجناية التي اجترمت عليه وما أحسبه عد جابيا. فمتع الله به سائر أودائه، ونولهم بقاه إرغاماً لأعدائه. ثم انقضت دولة ابن عبد المطلب فانهش له الدهر وأراه وجهاً بسيطاً، وساعفه بعيد ذلك التواني فحباه عطفاً نشيطاً. وراش حاله، وأعاد منه ما غيره وأحاله فما برح في حالٍ حالية، وأيامه من النكد خالية. إلى أن انمحى رسم عيشه ودثر، وانفصم عقد أيامه المنظوم وانتثر. واتفق تاريخ وفاته صدر هذا البيت: مَن شاء بعدَك فَلْيَمُتْ ... فعليك كنتُ أُحاذِرُ وله شعر كرأد الضحى في التألق، وبهجة الروض الأريض في التأنق. أثبت منه ما به الكتاب عبق، وخاطر المترنح به علق. فمنه قوله من دالية مشهورة، مدح بها الشريف مسعود بن إدريس، ومستهلها: عوُجاَ قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوادِي ... واسْتوقِفا العيسَ لا يحْدُو بها الحادِي وعَرِّجا بي على رَبْعٍ صحِبتُ به ... شَرْخَ الشَّبِيبةِ في أكْنافِ أجْيادِ واسْتعْطِفا جِيرةً بالشِّعبِ قد نزلُوا ... أعْلَى الكَثِيب فهمُ عزيِّى وإرْشادِي وسائِلاَ عن فؤادِي تبْلُغا أمَلِي ... إن التَّعلُّل يشْفِ غُلَّةَ الصَّادِي واسْتشفِعا تُشْفَعا نَسألْكُمُ فعسَى ... يُقدِّر اللهُ إسْعافِي وإسْعادِي وأحْمِلاني وحُطَّا عن قَلُوصِكما ... في سُوحِ مُرْدِي الأعادِي الضَّيْغَمِ العادِي مسعودُ عينُ العُلَى المسعودُ طالِعُهُ ... قلبُ الكتيبةِ صدرُ الْحَفْلِ والنَّادِي رأسُ الملوك يَمين المُلكِ ساعدُه ... زَنْدُ المعالي جَبِينُ الجَحْفلِ البادِي شهمُ السُّراةِ الأُلَى سارتْ عَوارِفُهمْ ... شرقاً وغرباً بأغْوارٍ وأنْجادِ نَرِدْ غِمارَ العُلَى في سُوحِه ونُرِحْ ... أيْدِي الرَّكائِب من وَخْدٍ وإِسْآدِ فلا مُناخَ لنا في غيرِ ساحتِه ... وجودُ كفَّيْه فيها رائحٌ غادِي يَعْشَوْشِب العِزُّ في أكْنافِ عَقْوتِه ... يا حَبَّذا الشِّعبُ في الدنيا لِمُرْتادِ ونجْتني ثَمرَ الآمالِ يانعةً ... من رَوْضِ مَعْروفِهِ من قبل مِيعادِ فأيُّ سُوحٍ يُرَى من بعد ساحتِه ... وأي قصدٍ لمقصودٍ وقُصَّادِ لِيَهْنِ ذا المُلكَ أن أُلْبِسْتَ حُلَّتَه ... تُحْيي مآثرَ آباءٍ وأجْدادِ لبسْتَها فكسَوْتَ الفخرَ مُرْسِلَها ... مُشهَّراً يبْهَرَ المصبوغَ بالجادِي عَلَوْتَ بيتاً ففاخرْتَ النُّجومَ عُلاً ... والشُّهْبَ فَخْراً بأسبابٍ وأوْتادِ ولُحْتَ بَدْراً بأُفْقِ المُلك تحسِده ... شمسُ النهارِ وهذا حَرُّها بادِي

стр. 525

وصُنْتَ مكةَ إذْ طهَّرتَ حَوْزَتَها ... من ثُلَّةٍ أهلِ تَثْليثٍ وإلْحادِ قد غَرَّ بعضَهم الإهمالُ يحسَبُه ... عَفْواً فعاد لإتْلافٍ وإفْسادِ فذُدْتهم عن حِمَى البيتِ الحَرامِ وهم ... من السَّلاسلِ في أطْواقِ أجْيادِ كأنهم عند رَفْعِ الزَّنْدِ أيديهَم ... يدْعُون حُبَّاً لمولانا بإمْدادِ وما ارْعَوَوا فشَهرتَ السيفَ مُحتسِباً ... يا بَرْدَ حَرِّهم في حَرِّ أكْبادِ غادَرْتَهم جَزَراً من كلِّ مُنْجَدِلٍ ... كأن أثوابَه مُجَّتْ بفِرْصادِ سعَيْتَ سَعْياً جَنَينْا من خمائلِه ... نَوْرَ الأمانِ لأرْواحٍ بأجْسادِ فكم بمكةَ من داعٍ ومُبْتهِلٍ ... ومن محبٍ ومن مُثْنٍ ومن فادِي وعاد كلُّ عَصِيٍ ذلَّةً وصَلَى ... وكان من قبلُ صَعْباً غيرَ مُنْقادِ نَفَى لَذيذَ الكرى عنهم تذكُّرُهم ... وقائعاً لك بين الخَرْجِ والوادِي أباح سَرْحَك أن يرعى منازِلَهم ... مُهمِّلاً كلَّ مُعْوَجٍ ومُنْآدِ مِن كلِّ أبْيضَ قد صَلَّتْ مَضاربُه ... لمَّا ترقَّى خطيباً مِنْبَرَ الهادِي وكلِّ أسْمَر نَظَّامِ الطُّلاَ وله ... إلى العِدَى طَفْرةُ النَّظَّامِ مَيَّادِ وصانَ وَسْمَكَ في حاشٍ مُخالطةٌ ... عن ربِّ غَزْوٍ تنضَّاه بأحْشادِ وأسْكَنتْ قلبَهم رُعْباً تذَكُّرُه ... يُنْسِي الشَّفُوقَ المُوالِي ذِكْرَ أولادِ أقْبلْتَهم كُلَّ مِرْقالٍ وسابحةٍ ... يُسْرِ عَنْ عَدْواً إلى الأعدا بأطْوادِ من كلِّ شهمٍ إلى العلياءِ مُنتسِبٍ ... بسادةٍ قادةٍ للخيْلِ أجْوادِ فهاكَ يا ابنَ رسولِ اللهِ مِدْحةَ مَن ... أوْرَتْ قَريحتُه من بَعْدِ إخْمادِ فأحْكمَتْ فيك نظماً كلُّه غُرَرٌ ... ما أحْرزَت مثلَه أقْيالُ بَغْدادِ أضْحَتْ قَوافِيه والآمالُ تَسْرَحُها ... روضَ البديعِ لإرْصادٍ بمِرْصادِ ترْوِيه عنِّي الثُّرَيَّا وهْي هازئةٌ ... بالأصْمَعِيِّ وما يرْوِي وحَمَّادِ وتسْتحِثُّ مَطايَا الزَّهْرِ إن ركَدتْ ... كأنها إبلٌ يحْدُو بها الحادِي وتُوقِظُ الرَّكْبَ مِيلاً من خُمارِ كَرىً ... والليل من طَوْقِ تَدْآبِ السُّرَى هادِي أتتْك تشْفَع إدْلالاً لِمُنشِئِها ... فاقْبَلْ تذلُّلَها يا نَسْلَ أمْجادِ وأسْبِلِ الصَّفْحَ سِتْراً إن بَدا خَلَلٌ ... تهتك به سِتْرَ أعداءٍ وحُسَّادِ وكتب إلى القاضي تاج الدين المالكي، من الطائف: لا هاج قلباً هام مِنْ ... بُرَحِ التَفَرُّقِ بانْصِداعِ غَيْمٌ أرَقُّ حَواشِياً ... مِن بُرْدِ ضافِيةِ القِناعِ زَجِلُ الرُّعودِ كأنها ... نَغماتُ آلاتِ السَّماعِ والهَمْعُ مثلُ الدمعِ مِن ... عَيْنَيْ مُراءٍ أو مُراعِ يَهْمِي ويسكُن كي يعُمَّ ... برِيِّهِ شَعَفَ التِّلاعِ والبرقُ يخفُق مثلَ قَلْ ... بِ الصَّبِّ في يوم الوَداعِ ونَسِيمُه قد رَقَّ مِن ... حَرِّ اشْتياقِي والْتياعِي لِفراق تاجِ الدِّين ما ... صِي الأمْرِ قاضِينَا المُطاع مَن جُمِّعتْ فيه العُلَى ... وتوفرتْ فيه الدَّواعِي ذِي الفضل بالمعنَى الأعَمِّ ... ولا أَخُصُّ ولا أُراعِي سبقتْ أنامِلُه الأنا ... مَ فأحْرزَتْ قَصَبَ اليَرَاعِ

стр. 526

لَخجلْتُ إذْ فاتحتْهُ التَّ ... رْسيلَ من سوءِ اصْطِناعِي مَن ذا يُبارِي ذَا البيا ... نِ بِرَاقِمٍ ويَدٍ صَناعِ إذْ حاك وَشْياً لا يحُو ... كُ بالابْتكارِ والاخْتِراعِ لا زال محمودَ الخِصا ... لِ ودام مشكورَ المَساعِي فإليْكها ابْنةَ خاطرٍ ... أصْفَى من الذهب المُماعِ تزْهُو على دُرِّ النُّحو ... رِ وتزْدرِي وَدَعَ الوَداعِي وعلى شهابِ الدِّين مَن ... يهْوى النُّزوعَ إلى النِّزاعِ منِّي تحيَّةِ شَيِّقٍ ... مَزَجَ الخلاعةَ بالخَلاعِ فراجعه بقوله: إن همَّ قلبُك صِينَ مِن ... بُرَحِ الفِراق بالانْصِداعِ فالقلبُ قد غادرْتُه ... شَذَراً بمُعْتَرَكِ الوَداعِ إذ هاجَ الزَّجِلُ الرَّعُو ... دُ سَرَى وأصبح في انْدِفاعِ وسمعت من نَغماتِهِ ... رَنَّاتِ آلاتِ السَّماعِ فلقد رحَلْتُ بمُقْلةٍ ... عَمْيَا وسَمْعٍ غيرِ وَاعِي ولئن يكُنْ رَقَّ النَّسِي ... مُ بما تُجِنُّ من الْتياعِ فبِزَفْرَتي اشْتَعل الهوَا ... ءُ من العَنانِ إلى اليَفاعِ كم قلتُ للقلبِ المُصَدَّ ... ع بالنَّوَى جُدْ بارْتجاعِ فأحالَ ذاك على انْتِظا ... مِ الشَّمْلِ في سِلْكِ اجْتماعِ عهدِي به لمّا أن اسْ ... تولَتْ عليه يدُ الضَّياعِ أضْلَلْتُه في موقفِ التَّ ... ودِيعِ من دَهَشِ ارْتياعِي ناشدْتكُم نُشْدانَه ... لي بيْن هاتِيك الرِّباعِ تحت المَواطىءِ مِن مَمَرّ ... صَديقيَ الخِلِّ المُراعِي يا سَيّدي وأخِي هَوىً ... وجَلالةً ويَدِي وباعِي مَن أصبحتْ شمسُ العُلَى ... بسَناه ساطعةَ الشُّعاعِ فخرُ القضاة وفَيْصلُ الْ ... أحكامِ في يوم التَّداعِي بحرُ العلوم فإن أفا ... دَ ترَى له سَعةَ اطِّلاعِ قُل للمُحاولِ شَأْوَه ... قَصِّرْ خُطَى هَذِي المَساعِي فانْظُر لمِرآةِ الزَّما ... نِ وقد غدتْ ذاتَ اتِّساعِ لا غيرَ صورةِ مَجْدِه ... فيها تراه ذَا انْطِباعِ يا مُحْرِزاً ببَنانِه ... قَصَبَ السِّباقِ بلا دفاعِ ومُوَشِّياً حِبَرَ البلا ... غةِ والبراعةِ باليَراعِ أنَّى يُحاكَى وَشْيُها ... بِحياكتِي ذاتِ الرِّقاعِ كان الحَرِيُّ بها اشْتما ... لِي ثوبَ صَمْتِي وادِّراعِي لكنْ أمَرْتَ بأن أُجي ... بَكَ وامْتثالُ الأمْرِ دَاعِي فأتْتك من خَجَلٍ تجرُّ ... الذَّيْلَ مُرْخِيةَ القِناعِ فانْشُرْ لها سِتْر الرِّضا الْ ... منسوجَ من كَرَمِ الطِّباعِ لا زال مجدُك كلّ وقْ ... في ازْديادٍ وارْتفاعِ وكتب يستدعي جماعةً من الفضلاء، وهم بجبل النور من المعلاة، وهو بمنىً: عليكمُ مِن مُحِبٍ حَشْوُ أضْلُعهِ ... وُدٌّ أرق إلى الظَّامِي من النُّطَفِ تحيّةٌ يرْتضيها الفضلُ إن نَفحتْ ... أرْبَتْ على نَفَحاتِ الرَّوضةِ الأُنُفِ حَواكمُ الجبلُ العالِي بكم شَرَفاً ... على المَعالِي التي تعلُو على الشّرَفِ نُظِمْتمُ فيه نَظْمَ العِقْدِ مُتّسِقاً ... على تَليِلِ كَعابٍ ظاهِر التّرَفِ وغادرتْ عقدَكم أيْدي مُؤلِّفهِ ... مُكَبَّلاً وحدَه في رَبْقةِ الصَّدَفِ مِنىً هي الصَّدَفُ المُومَى إليه مُنىً ... للنفسِ فيها وفي أفْنائِها الوُرُفِ

стр. 527

ولا أنيسَ له إلاّ مُماثِلُكمْ ... على ثَبِيرِ جميلِ السَّفحِ والشّعَفِ يُجيبُني بصَدَى صَوتي فأرفعُه ... مِن قِلّةِ الإلْفِ لا مِن كثرةِ الشّغَفِ فهل وَفِيٌّ مِن الخِلاَّن يُسْعِدُنِي ... في الفجر أو بعد ما صُلِّي مع الحَنَفَي يُجيبني أو يُجيب الغَيْرَ عنه وما ... يُجيبُني غيرُ مُحْيي الدِّين أو شَرَفِ كُفوانِ يرْضاهما الإحسانُ إن نَطَقَا ... أو أُرْعِفَ الدَّنُّ للأقْلامِ في الصُّحُفِ ومن بديع نظمه، ما كتبه في ديوان قصر ابن عقبة، في قرية السلامة، من أعمال الطائف، وهي قصيدة فريدة، لا يحضرني منها إلا قوله: قصرَ ابنِ عُقْبةَ لا زالتْ مواصِلَةً ... مني إليك التَّحايَا نَسْمةُ السَّحَرِ ولا عَدَتْك غَوادِي السُّحْبِ تسْحب في ... رِحابِك الفِيح ذَيْلَ الطَّلِّ والمَطَرِ كم لَذّةٍ فيك أرضيْتُ الغرامَ بها ... يوماً وأرْغَمْتُ أنْفَ الشمسِ والقمرِ وكم صديقٍ من الخِلاّنِ حاوَرَني ... أطْرافَ أخبارِ أهلِ الكْتبِ والسِّيَرِ ويعجبني من شعره قوله في مطلع قصيدة مدح بها السيد شهوان ابن مسعود، وهو: فَيْرُوزجٌ أو وِشامُ الغَادةِ الرُّودِ ... يبْدُو على سِمْطِ دُرٍ منه مَنْضُودِ وأعجب منها مخلصها، وهو: صَهْباءُ تَفْعلُ بالألْبابِ سَوْرَتُها ... فِعْلَ السَّخاءِ بشَهْوانِ بنِ مسعودِ ومن شعره قوله في البرقع الشرقي، المعروف عند أهل اليمن: وخَوْدٍ كبدرِ التِّمِّ في جُنْحِ مِصْوَنٍ ... حَماها عن الأبْصارِ بُرْقُعُها الشَّرْقِي سِوَى طُرَّةٍ مثل الهلالِ بَدَتْ لنا ... على شَفَق والفَرْقُ كالفجرِ في الأُفْقِ فقلتُ هلالٌ لاحَ والفجرُ طالعٌ ... من الغرب أمْ لاح الهلالُ من الشَّرْقِ وقوله في مثل ذلك: بالبُرْقِع الشرقيّ تح ... تَ المصْوَن الباهي الجمالْ أَبْدَت لنا شَفقاً وكيْ ... لاً لاحَ بينهما الهلالْ وقال معللاً تسمية القدح قدحاً: مُذْ صَبَّ ساقينا الطِّلاَ ... حتى تناثرَ وانتضَحْ خالوا شَراراً ما رأَوْا ... فلأَجْلِ ذا قالوا قَدَحْ وله في صوفية عصره: صُوفيَّةُ العصرِ والأوانِ ... صُوفِيَّةُ العَصْرِ والأوانِي فاقُوا على فعلِ قومٍ لُوطٍ ... بنَقْرِزَانٍ لِنَقْرِزَانِ وله، وهو معنى مبتكر: ألا انْظُر إلى هذا الصَّفاءِ لِبِرْكَةٍ ... تقول لِمَن قد غاب عنها من الصَّحْبِ لئِن غبْتَ عن عينِي وكدَّرْتَ مَشْرَبِي ... تأمَّلْ تجِدْ تِمْثالَ شَخْصِك في قَلْبِي حنيف الدين بن عبد الرحمن المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه. قام مقام أبيه بعده، فصدق فيه الدهر وعده. بمرأى كالصباح إذا وضح، ووجهٍ لو قابله البدر في تمه افتضح. وفكرٍ أسرع في تدبر الأشياء من الوهم، ورأيٍ يفعل عزمه الشهم ما لا يفعله السهم. فاستقر في مركز أبيه مكملاً لكمالاته، وهو بدر سمائه ومن عادة البدر أن لا يخرج عن هالاته. فلم تنطق الأفواه بمدحه إلا وقفت وفيه كثرة الفكر، واستبقت السراة إلى سؤددٍ إلا تناهت وله محكم الذكر. وهو في الفضل، تجاوَز قَدْرَ المدحِ حتى كأنه ... بأحْسنِ ما يُثْنَى عليه يُعابُ وفي الأدب، تبوَّأ أسْمَى منزلٍ فازْدهَتْ به ... هضابٌ تسامَتْ للعُلَى وشِعابُ وله أشعار بحبر الرقة موشاة، كأن صحائفها بنقوش الزبرجد محشاة. فمنها قوله، مراجعاً عن لسان أبيه لبعض الأدباء: تبدَّى لنا بَرْقٌ بأُفْقِ رُبَا نَجْدِ ... فأذْكَرني عَهْداً وناهِيكَ من عهدِ وهَيَّمَنِي شوقاً وزاد بيَ الأسَى ... وأضْرَم لي نارَ الصَّبابةِ والوجْدِ وجدَّد لي ذكرَ الليالي التي خَلَتْ ... وطِيبَ زمانٍ بالحِمَى طَيِّبِ الوِرْدِ

стр. 528

زماناً جلاَ ذو الحسن شمْسَ جمالهِ ... علينا فشاهدْنا به الشمسَ في بُرْدِ وأبْدَتْ لنا ذاتُ الجمال جَبِينَها ... فأخْجَل بدرَ الأُفْقِ في طالِعِ السَّعْدِ هي الروضُ تبْدو للأنام بوَجْهِها ... فتقْطفُ زهرَ الوردِ من خَدِّها الوردِي وفاح لنا نَشْرُ الخُزامَى برَوضةٍ ... شَدَتْ وُرْقُها شوقاً على الأغْصُنِ المُلْدِ تغنَّتْ على غصنِ الأَراكِ بمَدْحِ مَن ... علا قَدْرُه السامِي على ذِرْوةِ المجدِ كمالُ قُضاةِ المسلمين إمامُهم ... ومُوضِحُ مِنْهاج الرَّشَادِ لِذي الرُّشْدِ عليه مَدى الأيام منِّي تحيَّةٌ ... تفُوق فَتِيتَ المِسْكِ والعُودِ والنَّدِّ وقال في مثل هذا الغرض: غنَّتِ الوُرْقُ في المَسَأ والبُكورِ ... ساجِعاتٍ على غُصونِ الزهورِ وتبدَّتْ من كَلَّةِ الحُسْنِ خَوْدٌ ... تُخْجِلُ الشمسَ مَعْ سَناءِ البدورِ قد تحلَّتْ من الجمالِ بِعقْدٍ ... جَلَّ في الحُسْنِ والبَها عن نَظِيرِ فاقْتطفْنا من خَدِّها زَهْرَ وَرْدٍ ... فاق نَشْرَ النِّسْرِين والمَنْثُورِ وارْتشَفْنا من ثَغْرِها العَذْبِ شُهْداً ... فانْتشَوْنا لا نَشْوةَ المخمورِ برَّدتْ بالوِصالِ قلبَ كَئِيبٍ ... كان فيه للهجرِ نارُ السَّعيرِ يا لَها عَذْبةَ الثَّنايا رَداحاً ... قد تبدَّتْ في زِيِّ ظَبْيٍ غَرِيرِ قد أتتْنا من عالِمِ العصرِ مَوْلىً ... قد تَسامَى على السُّها والأَثِيرِ قد أتاني مولايَ منك كتابٌ ... ذُو نظامٍ حكى عُقودَ النُّحُورِ فَفضضْتُ الخِتامَ عن كَنْزِ عِلمٍ ... حاز منه الغِناءَ كلُّ فقيرِ فتأمَّلتُ في رياضِ حِماهُ ... وتنسَّمْتُ ما به من عَبِيرِ فبَدا نَظْمُ طِرْسِه مع نَثْرٍ ... ذِي بَيانٍ فسُرَّ منه ضَمِيرِي دُمْتَ يا أوْحَدَ الزمانِ فريداً ... في أمانٍ بحِفْظِ ربٍ خَبيرِ ومن بديع شعره قوله: أمْسي وأصبح من تَذْكارِكم وَصِبَا ... يرْثِي له المُشْفِقان الأهلُ والولدُ قد خدَّد الدمعُ خدِّي من تذكُّرِكمْ ... واعْتادَنِي المُضْنِيان الوجدُ والكَمَدُ وغاب عن مُقْلتِي نومِي لغَيْبتِكم ... وخانَنِي المُسْعدِان الصبرُ والجَلَدُ لا غَرْوَ للدمعِ أن تجري غَوارِبُه ... وتحته المُظْلِمان القلبُ والكَبِدُ كأنما مُهْجتي شِلوٌ بمَسْبَعةٍ ... ينْتابُها الضَّارِيان الذئبُ والأسدُ لم يبْق غيرُ خَفِيِّ الرُّوحِ في جسدِي ... فِدىً لك الباقيانِ الرُّوحُ والجسدُ القاضي تاج الدين المالكي إمام الحرمين وقاضيهما، ولوذعي خلهما الذي سلم له المناظر والمناضل. فشرفه على سمك السماك مكان، ومجده كعبة أخلاقه لها أركان. وقد زين مدةً مراقي المنابر، وأمد الفضلا بخطبه التي تنافست في نسخها الأقلام والمحابر. وهو في الإنشاء تاج رأس أهله، والمقدم فيهم وإن كان جاء على مهله. فالصاحب على ذكره محشور، وكأن الصابي من طيب نشره منشور. وأما البديع فلو أدركه لكان بمنزلة غلامه، وعبد الحميد لو عاصره لكان بارياً لأقلامه. وآثار أقلامه حلية الآداب العواطل، إذا ذكرت كاثرت السحب الهواطل. وقد وقفت على رسائله التاجية فرأيت اللفظ المعجب، والقول المنجب. وشاهدت الفضل عياناً، وعاينت التاج قد نثر عقياناً. وأما نظمه فقد نظم في لبة الإحسان منه عقداً، كاد يتميز عليه سمط الثريا غيظاً وحقداً. وقد جئتك من بدائعه بما أشرق بدره في مطالع تمه، وأخذت أطرافه بأجل الحسن وأتمه. فمنه قوله من دالية عارض بها دالية أحمد المرشدي التي ذكرتها، وسيأتي معارضه ثالثة لهما، في ترجمة محمد بن حكيم الملك.

стр. 529

وصاحب الترجمة مدح بقصيدته الشريف مسعوداً أيضاً، ومطلعها: غُذِيتُ دَرَّ الصِّبا مِن قبلِ ميلادِي ... فلِمْ تَرُمْ يا عَذُولِي فيه إرْشادِي غَيُّ التَّصابِي رَشادٌ والعَذابُ به ... عَذْبٌ لداءٍ كبَرْدِ الماءِ للصَّادِي وعاذِلُ الصَّبِّ في شَرْعِ الهَوى حَرِجٌ ... يرومُ تبْديلَ إصلاحٍ بإفْسادِ ليت العَذُولَ حوَى قلبي فيعذِرُني ... أوليت قلبَ عَذُولِي بين أكْبادي لو شام بَرْقَ الثَّنايا والتَّثَنِّيَ مِن ... تلك العُقودِ انْثَنى عِطفاً لإسْعادِي ولو درَى هادِيَ الجَيْداء كان دَرَى ... أن اشْتياقَ الهُدَى من ذلك الهادِي كم بات عِقْداً عليه ساعِدِي ويَدِي ... نطاقُ مُجتمَعِ المَخْفِيِّ والْبادِي إذْ أعْيُنُ العِينِ لا تنْفكُّ ظامِئةً ... لوِرْدِ ماءِ شَبابي دون أنْدادِي فيا زمانَ الصِّبا حُيِّيتَ من زمنٍ ... أوْقاتُه لم نُرَعْ فيها بأنْكادِ ويا أحِبَّتَنا رَوَّى مَعاهِدَكم ... من العِهادِ هَتُونٌ رائحٌ غادِ مَعاهداً كُنَّ مُصْطافِي ومُرْتَبَعِي ... وكم بها طال بل كم طاب تَرْدادِي يا راحِلين وقلبي إثْرُ ظُعْنِهِمُ ... ونازِحين وهم ذِكْرِي وأوْرادِي إن تطلبُوا شرحَ ما أيْدِي النَّوَى صنَعتْ ... بمُغْرَمٍ حِلْفِ إيحاشٍ وإيحادِ فقابلُوا الرِّيحَ إن هبَّتْ شَآميةً ... تَرْوِي حَدِيثي لكم مَوْصولَ إسْنادِ وَالَهْفَ نفسِي على مَغْنىً به سَلفتْ ... ساعاتُ أُنْسٍ لنا كانتْ كأعيادِ كأنها وأدام اللهُ مُشْبِهَها ... أيامُ دولةِ صدرِ الدَّسْتِ والنَّادِي ذو الجود مسعودٌ المسعودُ طالِعُه ... لا زال في بُرْجِ إُقْبالٍ وإسْعادِ عادتْ بدولتِه الأيامُ مُشرِقةً ... تهزُّ مُختالةً أعْطافَ مَيَّادِ وقلّد المُلْكَ لمَّا أن تقلّده ... فخراً على مَرِّ أزْمانٍ وآبادِ وقام باللهِ في تدْبيرِه فغَدَا ... مُوَفَّقاً حالَ إصْدارٍ وإِيرادِ حَقٌّ لك الحمدُ بعد اللهِ مُفْتَرَضٌ ... في كلِّ آوِنةٍ من كلِّ حَمَّادِ أنْقذتَهم من يدِ الأعداءِ مُتَّخِذاً ... عند الإلهِ يداً فيهم بإنْجادِ دارَكْتَهم سُهَّداً رَمْقَي فعادَلهم ... غَمْضٌ لِجَفْنٍ وأرواحٌ لأجسادِ بُشْراك يا دهرُ حازَ المُلْكَ كافلُه ... بُشْراكَ يا دهرُ أخْرَى بِشْرُها بادِ عادت نجومُ بني الزَّهْراء لا أفلَتْ ... بعَوْدةِ الدولةِ الزَّهْرَا لمُعتادِ واخْضَلَّ رَوْضُ الأماني حين أصبحتِ الْ ... أجْوادُ عِقْداً على أجْياد أجْيادِ وأصبح الدِّينُ والدنيا وأهلُهما ... في حِفْظِ مَلْكٍ لظلِّ العدلِ مَدَّادِ يُبِيحُ هَامَ الأعادِي مِن صَوارِمِه ... ما اسْتَحْصدَتْ بالتَّعاصِي كلَّ حَصَّادِ فيهم أيادِي أيادِيهِ ونائلُه ... على الورَى أصْبحتْ أطواقَ أجْيادِ بَذْلُ الرَّغائبِ لا يعْتدُّهُ كرماً ... ما لم يكنْ غيرَ مَسْبوقٍ بِميعادِ والعَفْوُ عن قُدْرةٍ أشْهَى لِمُهْجتِه ... صِينَتْ وأشْفَى من اسْتيفاءِ إيعادِ مَآثِرٌ كالدَّرارِي رِفْعةً وسَناً ... وكَثْرةً فهْي لا تُحْصَى بعَدَّادِ فأنتَ مِن مَعْشرٍ إن غارةٌ عَرضتْ ... خَفُّوا إليها وفي النادِي كأطْوادِ

стр. 530

كم هَجْمةٍ لك والأبطالُ مُحْجِمَةٌ ... ووقفةٍ أوْقفَتْ لَيْثَ الشَّرَى العادِي بكلِّ أبيضَ مَعْضُودٍ لمُضْطَهدٍ ... وللمَرائرِ والمُرَّانِ قَصَّادِ وكل مجتمع الأطراف معتدل ... لدن لعرق فجيع القرن فصاد فَخْرَ الملوكِ الأُلَى فَخْرُ الزمانِ بهم ... دُمْ حائزاً مُلْكَ آباءٍ وأجدادِ ولْيَهْنِ حُلّتَهُ إذْ رُحْتَ لابِسهَا ... أن أصبحتْ خيرَ أثْوابٍ وأبْرادِ واسْتَجْلِ أبْكارَ أفكارٍ مُخدَّرةٍ ... قد طال تعْنِيسُها مِن فَقْدِ أنْدادِ كم رُدَّ خُطَّابُها حتى رأتْكَ وقد ... أتتْك خاطبةً يا نَسْلَ أمْجادِ أفْرغْتُ في قالَبِ الألفاظِ جَوْهرَها ... سَبْكاً بذهنٍ وَرِيِّ الزَّنْدِ وَقَّادِ وصاغَها في مَعاليكم وأخْلَصها ... وُدٌّ ضميرُك فيه عَدْلُ أشْهادِ يحْدُو بها العِيسَ حَاديِها إذا رزَحتْ ... مِن طُولِ وَخْدٍ وإرْقال وإسْئادِ كأنّها الرَّاحُ بالألْبابِ لاعبةً ... إذا شَدا بين سُمَّارٍ بِها شادِي بفضْلِها فُضَلاءُ العصرِ شاهدةٌ ... والفضلُ ما كان عن تسْليمِ أضْدادِ فلو غدَتْ من حبيبٍ في مَسامِعِه ... أو الصَّفِيِّ اسْتحالاَ بعضَ حُسَّادِي واستنْزَلا عن مَطايَا القومِ رَحْلَهُما ... واستوْقَفا العِيسَ لا يحْدُو بها الحادِي وحَسْبُها في التّسامِي والتقدُّمِ في ... عَدِّ المَفاخرِ إذ تغْدُو لعَدَّادِ تَقْريظُها عندما جاءتْ مُعارِضةً ... عُوَجا قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوادِي وكتب إلى القاضي أحمد المرشدي، معتذراً عن وصوله إليه بعد وعده له؛ لعروض مانعٍ منعه: أيُّها المَعْشَرُ الذين إليهمْ ... وَاجباً أن يكون سَعْياً براسِي لا تظنُّوا تَرْكِي الوصولَ إليكم ... لِمَلالٍ وِدادَكم أو تَناسِي أو تَغالٍ عنكم وإن كان عُذْرِي ... هو أني شُغِلْتُ من بعض ناسِ فأجابه بقوله بديها: قد أتاني اعْتذاركم بعد أنِّي ... بِتُّ من هَجْرِكم عديمَ حَواسِي فتلقَّيْتُه بصدرٍ رَحِيبٍ ... ولصَقتُ الكتابَ عِزّاً بِراسِي غيرَ أنِّي لا أرْتضيه إذا لمْ ... تُنْعِموا بالوصالِ والإِيناسِ وأقِلْني العِثارَ في النظم إني ... قلتُه والفؤادُ في وَسْواسِ وكتب إلى صاحبين له استدعياه، فتعذر عليه الذهاب إليهما: يا خليليَّ دُمْتُما في سرورٍ ... ونعيمٍ ولذَّةٍ وتَصافِي لم يكن تركيَ الإجابةَ لمَّا ... أن أتاني رسولُكم عن تَجافِي كيف والشوقُ في الحُشاشةِ يقْضِي ... أنني نحوَكم أجوبُ الفَيافِي غيرَ أن الزمانَ للحظ مني ... لم يزَلْ مُولَعاً بحُكْمِ خِلافِي عارَض المُقتضِي من الشوقِ بالْما ... نِعِ والحكمُ عندكم ليس خافِي فسلامٌ عليكمُ وعلى مَن ... فُزْتُما مِن ثِمارِه باقْتطافِ وكتب إلى القاضي محمد بن دراز يستدعيه: رَقَّ النَّسِيمُ وذيلُ الغَيْمِ مُنسْدِلٌ ... على الوُجوهِ وطَرْفُ الدهرِ قد طُرِفَا فاغْنَمْ مُعاقرةَ الآدابِ واغْنَ بها ... عن المُدامِ وخُذْ من صَفْوها طُرَفَا وانْزَعْ إلينا لنجنِي من خَمائِلها ... وَرْداً ونجذبَ من مِرْطِ الوفا طَرَفَا ومن شعره قوله: غَنِيَتْ بحِلْيةِ حُسْنِها ... عن لُبْسِ أصنافِ الحُلِي وبدتْ بهيْكلِها البدي ... عِ تقولُ شاهِدْ واجْتلِ تجدِ المَحاسنَ كُلَّها ... قد جُمِّعتْ في هَيْكَلِي
следующие страницы →