← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لَخجلْتُ إذْ فاتحتْهُ التَّ ... رْسيلَ من سوءِ اصْطِناعِي مَن ذا يُبارِي ذَا البيا ... نِ بِرَاقِمٍ ويَدٍ صَناعِ إذْ حاك وَشْياً لا يحُو ... كُ بالابْتكارِ والاخْتِراعِ لا زال محمودَ الخِصا ... لِ ودام مشكورَ المَساعِي فإليْكها ابْنةَ خاطرٍ ... أصْفَى من الذهب المُماعِ تزْهُو على دُرِّ النُّحو ... رِ وتزْدرِي وَدَعَ الوَداعِي وعلى شهابِ الدِّين مَن ... يهْوى النُّزوعَ إلى النِّزاعِ منِّي تحيَّةِ شَيِّقٍ ... مَزَجَ الخلاعةَ بالخَلاعِ فراجعه بقوله: إن همَّ قلبُك صِينَ مِن ... بُرَحِ الفِراق بالانْصِداعِ فالقلبُ قد غادرْتُه ... شَذَراً بمُعْتَرَكِ الوَداعِ إذ هاجَ الزَّجِلُ الرَّعُو ... دُ سَرَى وأصبح في انْدِفاعِ وسمعت من نَغماتِهِ ... رَنَّاتِ آلاتِ السَّماعِ فلقد رحَلْتُ بمُقْلةٍ ... عَمْيَا وسَمْعٍ غيرِ وَاعِي ولئن يكُنْ رَقَّ النَّسِي ... مُ بما تُجِنُّ من الْتياعِ فبِزَفْرَتي اشْتَعل الهوَا ... ءُ من العَنانِ إلى اليَفاعِ كم قلتُ للقلبِ المُصَدَّ ... ع بالنَّوَى جُدْ بارْتجاعِ فأحالَ ذاك على انْتِظا ... مِ الشَّمْلِ في سِلْكِ اجْتماعِ عهدِي به لمّا أن اسْ ... تولَتْ عليه يدُ الضَّياعِ أضْلَلْتُه في موقفِ التَّ ... ودِيعِ من دَهَشِ ارْتياعِي ناشدْتكُم نُشْدانَه ... لي بيْن هاتِيك الرِّباعِ تحت المَواطىءِ مِن مَمَرّ ... صَديقيَ الخِلِّ المُراعِي يا سَيّدي وأخِي هَوىً ... وجَلالةً ويَدِي وباعِي مَن أصبحتْ شمسُ العُلَى ... بسَناه ساطعةَ الشُّعاعِ فخرُ القضاة وفَيْصلُ الْ ... أحكامِ في يوم التَّداعِي بحرُ العلوم فإن أفا ... دَ ترَى له سَعةَ اطِّلاعِ قُل للمُحاولِ شَأْوَه ... قَصِّرْ خُطَى هَذِي المَساعِي فانْظُر لمِرآةِ الزَّما ... نِ وقد غدتْ ذاتَ اتِّساعِ لا غيرَ صورةِ مَجْدِه ... فيها تراه ذَا انْطِباعِ يا مُحْرِزاً ببَنانِه ... قَصَبَ السِّباقِ بلا دفاعِ ومُوَشِّياً حِبَرَ البلا ... غةِ والبراعةِ باليَراعِ أنَّى يُحاكَى وَشْيُها ... بِحياكتِي ذاتِ الرِّقاعِ كان الحَرِيُّ بها اشْتما ... لِي ثوبَ صَمْتِي وادِّراعِي لكنْ أمَرْتَ بأن أُجي ... بَكَ وامْتثالُ الأمْرِ دَاعِي فأتْتك من خَجَلٍ تجرُّ ... الذَّيْلَ مُرْخِيةَ القِناعِ فانْشُرْ لها سِتْر الرِّضا الْ ... منسوجَ من كَرَمِ الطِّباعِ لا زال مجدُك كلّ وقْ ... في ازْديادٍ وارْتفاعِ وكتب يستدعي جماعةً من الفضلاء، وهم بجبل النور من المعلاة، وهو بمنىً: عليكمُ مِن مُحِبٍ حَشْوُ أضْلُعهِ ... وُدٌّ أرق إلى الظَّامِي من النُّطَفِ تحيّةٌ يرْتضيها الفضلُ إن نَفحتْ ... أرْبَتْ على نَفَحاتِ الرَّوضةِ الأُنُفِ حَواكمُ الجبلُ العالِي بكم شَرَفاً ... على المَعالِي التي تعلُو على الشّرَفِ نُظِمْتمُ فيه نَظْمَ العِقْدِ مُتّسِقاً ... على تَليِلِ كَعابٍ ظاهِر التّرَفِ وغادرتْ عقدَكم أيْدي مُؤلِّفهِ ... مُكَبَّلاً وحدَه في رَبْقةِ الصَّدَفِ مِنىً هي الصَّدَفُ المُومَى إليه مُنىً ... للنفسِ فيها وفي أفْنائِها الوُرُفِ

стр. 527

ولا أنيسَ له إلاّ مُماثِلُكمْ ... على ثَبِيرِ جميلِ السَّفحِ والشّعَفِ يُجيبُني بصَدَى صَوتي فأرفعُه ... مِن قِلّةِ الإلْفِ لا مِن كثرةِ الشّغَفِ فهل وَفِيٌّ مِن الخِلاَّن يُسْعِدُنِي ... في الفجر أو بعد ما صُلِّي مع الحَنَفَي يُجيبني أو يُجيب الغَيْرَ عنه وما ... يُجيبُني غيرُ مُحْيي الدِّين أو شَرَفِ كُفوانِ يرْضاهما الإحسانُ إن نَطَقَا ... أو أُرْعِفَ الدَّنُّ للأقْلامِ في الصُّحُفِ ومن بديع نظمه، ما كتبه في ديوان قصر ابن عقبة، في قرية السلامة، من أعمال الطائف، وهي قصيدة فريدة، لا يحضرني منها إلا قوله: قصرَ ابنِ عُقْبةَ لا زالتْ مواصِلَةً ... مني إليك التَّحايَا نَسْمةُ السَّحَرِ ولا عَدَتْك غَوادِي السُّحْبِ تسْحب في ... رِحابِك الفِيح ذَيْلَ الطَّلِّ والمَطَرِ كم لَذّةٍ فيك أرضيْتُ الغرامَ بها ... يوماً وأرْغَمْتُ أنْفَ الشمسِ والقمرِ وكم صديقٍ من الخِلاّنِ حاوَرَني ... أطْرافَ أخبارِ أهلِ الكْتبِ والسِّيَرِ ويعجبني من شعره قوله في مطلع قصيدة مدح بها السيد شهوان ابن مسعود، وهو: فَيْرُوزجٌ أو وِشامُ الغَادةِ الرُّودِ ... يبْدُو على سِمْطِ دُرٍ منه مَنْضُودِ وأعجب منها مخلصها، وهو: صَهْباءُ تَفْعلُ بالألْبابِ سَوْرَتُها ... فِعْلَ السَّخاءِ بشَهْوانِ بنِ مسعودِ ومن شعره قوله في البرقع الشرقي، المعروف عند أهل اليمن: وخَوْدٍ كبدرِ التِّمِّ في جُنْحِ مِصْوَنٍ ... حَماها عن الأبْصارِ بُرْقُعُها الشَّرْقِي سِوَى طُرَّةٍ مثل الهلالِ بَدَتْ لنا ... على شَفَق والفَرْقُ كالفجرِ في الأُفْقِ فقلتُ هلالٌ لاحَ والفجرُ طالعٌ ... من الغرب أمْ لاح الهلالُ من الشَّرْقِ وقوله في مثل ذلك: بالبُرْقِع الشرقيّ تح ... تَ المصْوَن الباهي الجمالْ أَبْدَت لنا شَفقاً وكيْ ... لاً لاحَ بينهما الهلالْ وقال معللاً تسمية القدح قدحاً: مُذْ صَبَّ ساقينا الطِّلاَ ... حتى تناثرَ وانتضَحْ خالوا شَراراً ما رأَوْا ... فلأَجْلِ ذا قالوا قَدَحْ وله في صوفية عصره: صُوفيَّةُ العصرِ والأوانِ ... صُوفِيَّةُ العَصْرِ والأوانِي فاقُوا على فعلِ قومٍ لُوطٍ ... بنَقْرِزَانٍ لِنَقْرِزَانِ وله، وهو معنى مبتكر: ألا انْظُر إلى هذا الصَّفاءِ لِبِرْكَةٍ ... تقول لِمَن قد غاب عنها من الصَّحْبِ لئِن غبْتَ عن عينِي وكدَّرْتَ مَشْرَبِي ... تأمَّلْ تجِدْ تِمْثالَ شَخْصِك في قَلْبِي حنيف الدين بن عبد الرحمن المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه. قام مقام أبيه بعده، فصدق فيه الدهر وعده. بمرأى كالصباح إذا وضح، ووجهٍ لو قابله البدر في تمه افتضح. وفكرٍ أسرع في تدبر الأشياء من الوهم، ورأيٍ يفعل عزمه الشهم ما لا يفعله السهم. فاستقر في مركز أبيه مكملاً لكمالاته، وهو بدر سمائه ومن عادة البدر أن لا يخرج عن هالاته. فلم تنطق الأفواه بمدحه إلا وقفت وفيه كثرة الفكر، واستبقت السراة إلى سؤددٍ إلا تناهت وله محكم الذكر. وهو في الفضل، تجاوَز قَدْرَ المدحِ حتى كأنه ... بأحْسنِ ما يُثْنَى عليه يُعابُ وفي الأدب، تبوَّأ أسْمَى منزلٍ فازْدهَتْ به ... هضابٌ تسامَتْ للعُلَى وشِعابُ وله أشعار بحبر الرقة موشاة، كأن صحائفها بنقوش الزبرجد محشاة. فمنها قوله، مراجعاً عن لسان أبيه لبعض الأدباء: تبدَّى لنا بَرْقٌ بأُفْقِ رُبَا نَجْدِ ... فأذْكَرني عَهْداً وناهِيكَ من عهدِ وهَيَّمَنِي شوقاً وزاد بيَ الأسَى ... وأضْرَم لي نارَ الصَّبابةِ والوجْدِ وجدَّد لي ذكرَ الليالي التي خَلَتْ ... وطِيبَ زمانٍ بالحِمَى طَيِّبِ الوِرْدِ

стр. 528

زماناً جلاَ ذو الحسن شمْسَ جمالهِ ... علينا فشاهدْنا به الشمسَ في بُرْدِ وأبْدَتْ لنا ذاتُ الجمال جَبِينَها ... فأخْجَل بدرَ الأُفْقِ في طالِعِ السَّعْدِ هي الروضُ تبْدو للأنام بوَجْهِها ... فتقْطفُ زهرَ الوردِ من خَدِّها الوردِي وفاح لنا نَشْرُ الخُزامَى برَوضةٍ ... شَدَتْ وُرْقُها شوقاً على الأغْصُنِ المُلْدِ تغنَّتْ على غصنِ الأَراكِ بمَدْحِ مَن ... علا قَدْرُه السامِي على ذِرْوةِ المجدِ كمالُ قُضاةِ المسلمين إمامُهم ... ومُوضِحُ مِنْهاج الرَّشَادِ لِذي الرُّشْدِ عليه مَدى الأيام منِّي تحيَّةٌ ... تفُوق فَتِيتَ المِسْكِ والعُودِ والنَّدِّ وقال في مثل هذا الغرض: غنَّتِ الوُرْقُ في المَسَأ والبُكورِ ... ساجِعاتٍ على غُصونِ الزهورِ وتبدَّتْ من كَلَّةِ الحُسْنِ خَوْدٌ ... تُخْجِلُ الشمسَ مَعْ سَناءِ البدورِ قد تحلَّتْ من الجمالِ بِعقْدٍ ... جَلَّ في الحُسْنِ والبَها عن نَظِيرِ فاقْتطفْنا من خَدِّها زَهْرَ وَرْدٍ ... فاق نَشْرَ النِّسْرِين والمَنْثُورِ وارْتشَفْنا من ثَغْرِها العَذْبِ شُهْداً ... فانْتشَوْنا لا نَشْوةَ المخمورِ برَّدتْ بالوِصالِ قلبَ كَئِيبٍ ... كان فيه للهجرِ نارُ السَّعيرِ يا لَها عَذْبةَ الثَّنايا رَداحاً ... قد تبدَّتْ في زِيِّ ظَبْيٍ غَرِيرِ قد أتتْنا من عالِمِ العصرِ مَوْلىً ... قد تَسامَى على السُّها والأَثِيرِ قد أتاني مولايَ منك كتابٌ ... ذُو نظامٍ حكى عُقودَ النُّحُورِ فَفضضْتُ الخِتامَ عن كَنْزِ عِلمٍ ... حاز منه الغِناءَ كلُّ فقيرِ فتأمَّلتُ في رياضِ حِماهُ ... وتنسَّمْتُ ما به من عَبِيرِ فبَدا نَظْمُ طِرْسِه مع نَثْرٍ ... ذِي بَيانٍ فسُرَّ منه ضَمِيرِي دُمْتَ يا أوْحَدَ الزمانِ فريداً ... في أمانٍ بحِفْظِ ربٍ خَبيرِ ومن بديع شعره قوله: أمْسي وأصبح من تَذْكارِكم وَصِبَا ... يرْثِي له المُشْفِقان الأهلُ والولدُ قد خدَّد الدمعُ خدِّي من تذكُّرِكمْ ... واعْتادَنِي المُضْنِيان الوجدُ والكَمَدُ وغاب عن مُقْلتِي نومِي لغَيْبتِكم ... وخانَنِي المُسْعدِان الصبرُ والجَلَدُ لا غَرْوَ للدمعِ أن تجري غَوارِبُه ... وتحته المُظْلِمان القلبُ والكَبِدُ كأنما مُهْجتي شِلوٌ بمَسْبَعةٍ ... ينْتابُها الضَّارِيان الذئبُ والأسدُ لم يبْق غيرُ خَفِيِّ الرُّوحِ في جسدِي ... فِدىً لك الباقيانِ الرُّوحُ والجسدُ القاضي تاج الدين المالكي إمام الحرمين وقاضيهما، ولوذعي خلهما الذي سلم له المناظر والمناضل. فشرفه على سمك السماك مكان، ومجده كعبة أخلاقه لها أركان. وقد زين مدةً مراقي المنابر، وأمد الفضلا بخطبه التي تنافست في نسخها الأقلام والمحابر. وهو في الإنشاء تاج رأس أهله، والمقدم فيهم وإن كان جاء على مهله. فالصاحب على ذكره محشور، وكأن الصابي من طيب نشره منشور. وأما البديع فلو أدركه لكان بمنزلة غلامه، وعبد الحميد لو عاصره لكان بارياً لأقلامه. وآثار أقلامه حلية الآداب العواطل، إذا ذكرت كاثرت السحب الهواطل. وقد وقفت على رسائله التاجية فرأيت اللفظ المعجب، والقول المنجب. وشاهدت الفضل عياناً، وعاينت التاج قد نثر عقياناً. وأما نظمه فقد نظم في لبة الإحسان منه عقداً، كاد يتميز عليه سمط الثريا غيظاً وحقداً. وقد جئتك من بدائعه بما أشرق بدره في مطالع تمه، وأخذت أطرافه بأجل الحسن وأتمه. فمنه قوله من دالية عارض بها دالية أحمد المرشدي التي ذكرتها، وسيأتي معارضه ثالثة لهما، في ترجمة محمد بن حكيم الملك.

стр. 529

وصاحب الترجمة مدح بقصيدته الشريف مسعوداً أيضاً، ومطلعها: غُذِيتُ دَرَّ الصِّبا مِن قبلِ ميلادِي ... فلِمْ تَرُمْ يا عَذُولِي فيه إرْشادِي غَيُّ التَّصابِي رَشادٌ والعَذابُ به ... عَذْبٌ لداءٍ كبَرْدِ الماءِ للصَّادِي وعاذِلُ الصَّبِّ في شَرْعِ الهَوى حَرِجٌ ... يرومُ تبْديلَ إصلاحٍ بإفْسادِ ليت العَذُولَ حوَى قلبي فيعذِرُني ... أوليت قلبَ عَذُولِي بين أكْبادي لو شام بَرْقَ الثَّنايا والتَّثَنِّيَ مِن ... تلك العُقودِ انْثَنى عِطفاً لإسْعادِي ولو درَى هادِيَ الجَيْداء كان دَرَى ... أن اشْتياقَ الهُدَى من ذلك الهادِي كم بات عِقْداً عليه ساعِدِي ويَدِي ... نطاقُ مُجتمَعِ المَخْفِيِّ والْبادِي إذْ أعْيُنُ العِينِ لا تنْفكُّ ظامِئةً ... لوِرْدِ ماءِ شَبابي دون أنْدادِي فيا زمانَ الصِّبا حُيِّيتَ من زمنٍ ... أوْقاتُه لم نُرَعْ فيها بأنْكادِ ويا أحِبَّتَنا رَوَّى مَعاهِدَكم ... من العِهادِ هَتُونٌ رائحٌ غادِ مَعاهداً كُنَّ مُصْطافِي ومُرْتَبَعِي ... وكم بها طال بل كم طاب تَرْدادِي يا راحِلين وقلبي إثْرُ ظُعْنِهِمُ ... ونازِحين وهم ذِكْرِي وأوْرادِي إن تطلبُوا شرحَ ما أيْدِي النَّوَى صنَعتْ ... بمُغْرَمٍ حِلْفِ إيحاشٍ وإيحادِ فقابلُوا الرِّيحَ إن هبَّتْ شَآميةً ... تَرْوِي حَدِيثي لكم مَوْصولَ إسْنادِ وَالَهْفَ نفسِي على مَغْنىً به سَلفتْ ... ساعاتُ أُنْسٍ لنا كانتْ كأعيادِ كأنها وأدام اللهُ مُشْبِهَها ... أيامُ دولةِ صدرِ الدَّسْتِ والنَّادِي ذو الجود مسعودٌ المسعودُ طالِعُه ... لا زال في بُرْجِ إُقْبالٍ وإسْعادِ عادتْ بدولتِه الأيامُ مُشرِقةً ... تهزُّ مُختالةً أعْطافَ مَيَّادِ وقلّد المُلْكَ لمَّا أن تقلّده ... فخراً على مَرِّ أزْمانٍ وآبادِ وقام باللهِ في تدْبيرِه فغَدَا ... مُوَفَّقاً حالَ إصْدارٍ وإِيرادِ حَقٌّ لك الحمدُ بعد اللهِ مُفْتَرَضٌ ... في كلِّ آوِنةٍ من كلِّ حَمَّادِ أنْقذتَهم من يدِ الأعداءِ مُتَّخِذاً ... عند الإلهِ يداً فيهم بإنْجادِ دارَكْتَهم سُهَّداً رَمْقَي فعادَلهم ... غَمْضٌ لِجَفْنٍ وأرواحٌ لأجسادِ بُشْراك يا دهرُ حازَ المُلْكَ كافلُه ... بُشْراكَ يا دهرُ أخْرَى بِشْرُها بادِ عادت نجومُ بني الزَّهْراء لا أفلَتْ ... بعَوْدةِ الدولةِ الزَّهْرَا لمُعتادِ واخْضَلَّ رَوْضُ الأماني حين أصبحتِ الْ ... أجْوادُ عِقْداً على أجْياد أجْيادِ وأصبح الدِّينُ والدنيا وأهلُهما ... في حِفْظِ مَلْكٍ لظلِّ العدلِ مَدَّادِ يُبِيحُ هَامَ الأعادِي مِن صَوارِمِه ... ما اسْتَحْصدَتْ بالتَّعاصِي كلَّ حَصَّادِ فيهم أيادِي أيادِيهِ ونائلُه ... على الورَى أصْبحتْ أطواقَ أجْيادِ بَذْلُ الرَّغائبِ لا يعْتدُّهُ كرماً ... ما لم يكنْ غيرَ مَسْبوقٍ بِميعادِ والعَفْوُ عن قُدْرةٍ أشْهَى لِمُهْجتِه ... صِينَتْ وأشْفَى من اسْتيفاءِ إيعادِ مَآثِرٌ كالدَّرارِي رِفْعةً وسَناً ... وكَثْرةً فهْي لا تُحْصَى بعَدَّادِ فأنتَ مِن مَعْشرٍ إن غارةٌ عَرضتْ ... خَفُّوا إليها وفي النادِي كأطْوادِ

стр. 530

كم هَجْمةٍ لك والأبطالُ مُحْجِمَةٌ ... ووقفةٍ أوْقفَتْ لَيْثَ الشَّرَى العادِي بكلِّ أبيضَ مَعْضُودٍ لمُضْطَهدٍ ... وللمَرائرِ والمُرَّانِ قَصَّادِ وكل مجتمع الأطراف معتدل ... لدن لعرق فجيع القرن فصاد فَخْرَ الملوكِ الأُلَى فَخْرُ الزمانِ بهم ... دُمْ حائزاً مُلْكَ آباءٍ وأجدادِ ولْيَهْنِ حُلّتَهُ إذْ رُحْتَ لابِسهَا ... أن أصبحتْ خيرَ أثْوابٍ وأبْرادِ واسْتَجْلِ أبْكارَ أفكارٍ مُخدَّرةٍ ... قد طال تعْنِيسُها مِن فَقْدِ أنْدادِ كم رُدَّ خُطَّابُها حتى رأتْكَ وقد ... أتتْك خاطبةً يا نَسْلَ أمْجادِ أفْرغْتُ في قالَبِ الألفاظِ جَوْهرَها ... سَبْكاً بذهنٍ وَرِيِّ الزَّنْدِ وَقَّادِ وصاغَها في مَعاليكم وأخْلَصها ... وُدٌّ ضميرُك فيه عَدْلُ أشْهادِ يحْدُو بها العِيسَ حَاديِها إذا رزَحتْ ... مِن طُولِ وَخْدٍ وإرْقال وإسْئادِ كأنّها الرَّاحُ بالألْبابِ لاعبةً ... إذا شَدا بين سُمَّارٍ بِها شادِي بفضْلِها فُضَلاءُ العصرِ شاهدةٌ ... والفضلُ ما كان عن تسْليمِ أضْدادِ فلو غدَتْ من حبيبٍ في مَسامِعِه ... أو الصَّفِيِّ اسْتحالاَ بعضَ حُسَّادِي واستنْزَلا عن مَطايَا القومِ رَحْلَهُما ... واستوْقَفا العِيسَ لا يحْدُو بها الحادِي وحَسْبُها في التّسامِي والتقدُّمِ في ... عَدِّ المَفاخرِ إذ تغْدُو لعَدَّادِ تَقْريظُها عندما جاءتْ مُعارِضةً ... عُوَجا قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوادِي وكتب إلى القاضي أحمد المرشدي، معتذراً عن وصوله إليه بعد وعده له؛ لعروض مانعٍ منعه: أيُّها المَعْشَرُ الذين إليهمْ ... وَاجباً أن يكون سَعْياً براسِي لا تظنُّوا تَرْكِي الوصولَ إليكم ... لِمَلالٍ وِدادَكم أو تَناسِي أو تَغالٍ عنكم وإن كان عُذْرِي ... هو أني شُغِلْتُ من بعض ناسِ فأجابه بقوله بديها: قد أتاني اعْتذاركم بعد أنِّي ... بِتُّ من هَجْرِكم عديمَ حَواسِي فتلقَّيْتُه بصدرٍ رَحِيبٍ ... ولصَقتُ الكتابَ عِزّاً بِراسِي غيرَ أنِّي لا أرْتضيه إذا لمْ ... تُنْعِموا بالوصالِ والإِيناسِ وأقِلْني العِثارَ في النظم إني ... قلتُه والفؤادُ في وَسْواسِ وكتب إلى صاحبين له استدعياه، فتعذر عليه الذهاب إليهما: يا خليليَّ دُمْتُما في سرورٍ ... ونعيمٍ ولذَّةٍ وتَصافِي لم يكن تركيَ الإجابةَ لمَّا ... أن أتاني رسولُكم عن تَجافِي كيف والشوقُ في الحُشاشةِ يقْضِي ... أنني نحوَكم أجوبُ الفَيافِي غيرَ أن الزمانَ للحظ مني ... لم يزَلْ مُولَعاً بحُكْمِ خِلافِي عارَض المُقتضِي من الشوقِ بالْما ... نِعِ والحكمُ عندكم ليس خافِي فسلامٌ عليكمُ وعلى مَن ... فُزْتُما مِن ثِمارِه باقْتطافِ وكتب إلى القاضي محمد بن دراز يستدعيه: رَقَّ النَّسِيمُ وذيلُ الغَيْمِ مُنسْدِلٌ ... على الوُجوهِ وطَرْفُ الدهرِ قد طُرِفَا فاغْنَمْ مُعاقرةَ الآدابِ واغْنَ بها ... عن المُدامِ وخُذْ من صَفْوها طُرَفَا وانْزَعْ إلينا لنجنِي من خَمائِلها ... وَرْداً ونجذبَ من مِرْطِ الوفا طَرَفَا ومن شعره قوله: غَنِيَتْ بحِلْيةِ حُسْنِها ... عن لُبْسِ أصنافِ الحُلِي وبدتْ بهيْكلِها البدي ... عِ تقولُ شاهِدْ واجْتلِ تجدِ المَحاسنَ كُلَّها ... قد جُمِّعتْ في هَيْكَلِي

стр. 531

ولما وقف عليها السيد أحمد بن مسعود ورآها، وشاها وشاها. وشيد كل بيت من أبياته قصرا، وابتز ذلك المعنى باستحقاقه قسرا. فقال: للهِ ظَبْيٌ سِرْبُهُ ... يزْهُو به في المَحْفَلِ قَنص الأُسودَ بغالِبٍ ... قَيْدِ الأوابدِ هَيْكَلِ وله الجَوارِ المُنْشِئا ... تُ جَوَى الحُشاشةِ للْخَلِي من كلِّ رُودٍ لَحْظُها ... يسْطُو بحَدِّ الْمُنَصُلِ مُشْتاقها من ثَغْرِها ... وأثيثُها في مُشْكِلِ فاق الغَوانِي حَالِيا ... تٍ عاطلٌ في هَيْكَلِي ما قال في ظَلْمائِه ... يا أيُّها الليلُ انجَلِ وحذا حذوهما القاضي أحمد المرشدي، فقال: يا ربَّة الحُسْنِ الجَلِي ... لمُؤَمِّلِ المُتأمَّلِ صدري ووجهي مُنْيَةٌ ... للمُجتنِي والمُجتلِي فالْحَظْ بديعَ مَحاسنِي ... من تحتِ أنواعِ الحُلِي تَجِدِ الهياكلَ والحُلِيَّ ... جمالها من هَيْكَلِي وكتب إلى بعض أصدقائه قوله: مَن كان بالوادي الذي هو غيرُ ذِي ... زَرْعٍ وعَزَّ عليه ما يُهْدِيهِ فلَيُهْديَنَّ من المُفاكهةِ التي ... تحلُو فواكهُها لكلِّ نَبِيهِ وله في غربية المتقدم وصفها: خالفْتُ أهلَ العشقِ لمَّا شَرَّقُوا ... فجعلتُ نحوَ الغربِ وحدي مَذْهَبِي قالوا عدَلْتَ عن الصوابِ وأنْشدُوا ... شَتَّان بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ فأجبْتُهم هذا دليلي وانظُروا ... للشمسِ هل تسْعَى لغيرِ المغْرِبِ وله في المفاخرة بين الإبرة والمقص: فاخَرَتْ إبرةٌ مِقَصّاً فقالتْ ... لِيَ فضلٌ عليكمْ بَادٍ مُسَلَّمْ شأنُك القطعُ يا مِقَصُّ وشأْني ... وصلُ قطعٍ شَتَّان إن كنت تفْهمْ وأصله قول بعضهم: إنَّ شأنَ المِقَصِّ قَصُّ وِصالٍ ... فلهذا يَضِيعُ بين الجُلوسِ وترى الإِبرةَ التي تُوصِل الْ ... قَطْعَ بِعزٍ مغروسةً في الرُّءُوسِ وله في الفوارة: وفَوَّارةٍ من مَرْوةٍ قاما ماؤُها ... كَبزْ بُوزِ إبْرِيقٍ وليس له عُرْوَهْ بَدا ليَ لمَّا أن وردتُ صَفاؤُها ... ولا غَرْوَ أن يبدُو الصَّفاءُ من المَرْوَهْ ومن فوائده، أنه سئل عن قول الصفي الحلي: فلئن سطَتْ أيْدِي الفِراقِ وأبْعَدتْ ... بَدْراً تَحجَّب نِصْفُه بنَصِيفِ فلقد نَعِمْتُ بوَصْلِه في مَنْزِلٍ ... قد طاب فيه مَرْبَعِي ومَصِيفِي فأجابه بقوله: لا يخفى أن النصيف هو الخمار، فكأن الشاعر تخيل أن الجبين بدر تمامٍ كامل الاستدارة، ستر الجمال نصفه الأعلى، فلما تخيل ذلك قال: بدراً تحجَّب نصفُه بنَصيف ثم ضمنه بقوله: أفْدِي التي جلَب الخُمارَ جبينُها ... تحت الخِمارِ لقلبيَ المَشْغُوفِ فصَبا له لمَّا تحقق أنه ... بدرٌ تحَجَّب نِصْفُه بنَصِيفِ وقد سئل عنه أيضاً الإمام زين العابدين الطبري، فأجاب بما نصه: النصيف الخمار، وكل ما يغطي الرأس، والوجه هو البدر في التشبيه، فمراد الشاعر أنها تلثمت ببعض النصيف الذي على رأسها، فسارت بذلك، ساترةً لنصف وجهها الأسفل المشبة بالبدر، فصار نصيفا ونقابا. والنقاب ما تنقب به المرأة، كما في القاموس، وهو شاملٌ لما كان مستقلاً وبعض شيء آخر، كما يقال بمثله أيضاً في النصيف، فهو نصيف وإن غطى رأس الرأس مع الرأس. وهذا الذي ذكرنا هو عادة غالب النساء الحسان في قصور العرب؛ فإن الواحدة منهن تنتقب بفاضل خمارها، فتفتن العقول بما ظهر من لواحظها وأسحارها. انتهى. القاضي محمد جمال الدين بن حسن ابن دراز جملة جمال، وتكملة كمال. رتع في رياض الفنون فهصر أفنانها، وأجال جواد فكره في ميدان العلوم فملك عنانها. أما الشعر فهو منمنم حلته وناظم حليه، وأما النثر فهو مبدع زهره ومنمق وشيه. وكان فيصل أحكام، ومصدر إتقان وإحكام.

стр. 532

ولما دخل اليمن في دولة الروم، قام له حاكمها بكل ما يروم. فحلاه بحلية القضا، وأرهف حسام أمله بذلك المضا. ولم يزل مجتلياً وجوه أمانيه مشرقة، مجتنياً من رياضها أغصان حظوةٍ مورقة. إلى أن فجعه الدهر بمخدومه، وعاجله أمر القضاء والقدر بمحتومه. هناك انقلب إلى وطنه، شاكياً ما حل به من ضيق عطنه. ولقي بعد ذلك أحوالاً ركب صعبها وركوبها، وأهوالاً امترى أخلاف شآبيبها منهلها وسكوبها. كما أفصح عن ذلك في رسالة كتبها لبعض كبراء الحجاز، يقول فيها: ولما قفلت عائداً من اليمن، بعد وفاة سنان باشا وانقضاء ذلك الزمن. اخترت الإقامة في الوطن، بعد التشرف بمجلس القضاء في ذلك العطن إلا أنه لم يحل لي التخلي عن تذكر ما كان في تذكرة الخيال مرسوماً، وتفكر ما كان في لوح المفكرة موسوماً. فاخترت أن أكون مدرساً في البلد الحرام، وممارساً لما آذن غب الحصول بالانصرام. ولم يكن في البلد الأمين كفاية، ولا ما يقوم به الإتمام والوفاية. انتهى. وما زال مقيماً في وطنه وبلده، متدرعاً جلباب صبره وجلده. حتى انصرمت من العيش مدته، وتمت من الحياة عدته. وها أنا مثبتٌ من بديع إنشائه، ما يدعو لطرب اللبيب وانتشائه. وأتبعه من عالي نظامه، ما يغني عن مجلس الأنس وانتظامه. فصل من كتاب لبعض أصحابه: ينهى الملوك أنه لا يزال ذاكراً لتلك الأيام الماضية، شاكراً لهاتيك الأعوام التي حلت بفضل مولانا ولا أقوم مرت بمسراتٍ لا تزال النفس لدينها متقاضية. كم أردْنا هذا الزمانَ بذَمٍ ... فشُغِلْنا بمدحِ ذاك الزمان أقفر الصفا من إخوان الصفا، وخلا الحطيم من رضيع الأدب والفطيم. وأقوت المشاعر، من أرباب الإدراك والمشاعر. كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يسْمُر بمكّة سامِرُ وكان علم مولانا محيطاً بحالي، إذ كنت آنس بأولئك الجلة وأرباب المعالي. فلم يبق من يدانيهم، فضلاً عمن يساويهم، ولا من يباريهم، فكيف بمن يماريهم. ولقد ذكرت هنا قول بعضهم: دجَا الليلُ حتى ما يبين طريقُ ... وخوَّف حتى ما يقَرّ فَرِيقُ وجَّردت يا بَرْقَ المنون مَناصِلاً ... لها في قلوبِ المُبْصرين بَرِيقُ وزَعْزعْتَ يا رِيحَ الرَّدَى كلَّ شاهِقٍ ... عليه لأنفاسِ النفوسِ شَهِيقُ سلامٌ على الأيام إنّ صَنِيعَها ... أساءَ فهل لي بالنّجاةِ لُحوقُ فصل، من كتاب إلى كاتب الحضرتين الشريفتين؛ الحسنية والطالبية عفيف الدين يعزيه بموت الشريف أبي طالب، في سنة اثنتي عشرة بعد الألف: كتبت إليك، كتب الله لك سعداً لا يزال يتجدد، ومجداً لا ينقطع بانقضاء ملك إلا واتصل بملك ملكيٍ مؤيد. وإنما كتبت بدم الفؤاد، وأمددت اليراع سويدائي وشفعها اللحظ بما في إنسانه من السواد. والكون، علم الله، كأنما هو بحرٌ من مداد، والقلوب، ولا أقول الأجساد مسربلة بلباس الحداد. لا يسمع إلا الأنين، ولا يصغي إلا لمن تفضح بنعيها ذوات الحنين. أضحى النقع من مثار النقع كليلةٍ من جمادى، وربات الخدود يلطمن الخدود مثنى وفرادى. وذو الحجى يغوص في لجة الفكر فيسمع له زفير، وليث العرين كاد من صدمة هذا المصاب أن يتفطر من الزئير. وشارف الحطيم أن يتحطم، وأبو قبيس أن يتقطم، وبيت الله لولا التقى لقلت ود أن يتهدم. وأخال أن الحجر أسف حيث لم يكن تابوتاً لذلك الجثمان وتندم. أي داهيةٍ دهياء أصابت قطان ذلك الحرم، وأي بليةٍ نزلت بلازمي أذيال ذلك الملتزم. " إنا لله وإنا إليه راجعون " كلمةٌ تقال عند المصائب ولم نجد المصيبة مثلاً، ولم تشاركنا فيها حزينةٌ ولا ثكلى. بأي لسانٍ نناجي وقد أخرسنا هذا النازل، بأي قلبٍ نحاجي وقد بلغنا هذا الجد الهازل. بينا نحن في سرور وفرح، إذ نحن في همومٍ وترح. أشكو إلى مخدومي ضحوة يومٍ شمسه كاسفة، " أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة ". أقبل نعش لابس أثواب المرحمة بعد الخلافة، المتلقى روحه الملائكة مع الحور على الأرائك تتحفه بالسلافة. والأيدي ممتدةٌ إليه تشير بالعويل، والحجاج وأرباب الفجاج يضجون بالنحيب الطويل. وكادت آماقنا والله أن تسيل، وأضحت جلاميد القلوب كضحاضح المسيل.

стр. 533

فلم نجد أحداً من الرعايا إلا وهو محرور، وذو قرابته في الحي مسرور. إنا لله من هذه الطامة، التي أدهشت العامة، وأذهبت الشامة. ليت شعري أبعده السلاهب تركب، أم الجنائب تجنب، أم المقربات تقرب، أم المنابر يتلى عليها غير اسمه ويخطب وَاحَرَّ قَلْباه ممَّن قلبُه شَبِمُ مضَى مَن أقام الناس في ظِلِّ عَدْلِه ... وآمن من خَطْبٍ تدُبُّ عَقارِبُهْ فكم من حِمىً صَعْبٍ أباحتْ سُيوفُه ... ومن مُسْتباحٍ قد حَمَتْه كتائبُهْ أرى اليومَ دَسْتَ المُلْكِ أصبَح خالياً ... أما فيكمُ مِن مُخْبرٍ أين صاحبُهْ فمَن سائِلي عن سائل الدمعِ لِمْ جَرَى ... لعل فؤادِي بالوَجيبِ يُجاوِبُهْ فكم من نُدوبٍ في قلوبٍ نَضِيجةٍ ... بنارِ كرُوبٍ أجَّجَتْهَا نَوادِبُهْ سقتْ قَبْرَه الغُرُّ الغَوادِي وجادَهُ ... من الغَيْثِ سَارِيه المِلثُّ وسَارِبُهْ فما كان إلا كلمحة طرف، أو حلول حتف. وقد وضع على الباب الشريف، وسمع من أجنحة الملائكة حفيف، وتليت ولكنت أود أن أكون المصلى ولا أقول التالي في جميع ذلك الترصيف. فما ترك الرئيس لقباً من الألقاب إلا وحلاه بدره، وعله بدره. حتى كاد النهار أن ينتصف، والمقل تسح بالدموع وتكف. ومن عدم إنصاف الدهر الخؤون، أن لم يطف به سبعاً وهو لمليك هذا البيت مسنون. ثم ازدحم على رفع جنازته قاضي الشرع والسادة، فذادوه عنها ورفعوه على أعناق السلاطين والقادة. وقلت في ذلك المقام، وعيناني تهمل ولا همول الغمام. يعز علي أن أراك على غير صهوة، وأن تنادي يا مرغم الأنوف ولا تجيب دعوة. وأن تحف بك الصفوة، ولا تدع لكرك فيها فجوة. فطالما ضرعت لك السلاطين، وخضعت لك الأساطين، وأرعدت الفرائص، وأوهنت القلائص. وحميت الحمى ولم يردعه جساس، واقتنصت حتى لم تدع شادناً في كناس، أو ليثاً في افتراس. فلله جدثٌ ضمك وقد ضاقت الأرض عن علاك، ولله لحدٌ علاك وقد اتخذت أنعلك من السماك. وكيف بك تحل في الثرى فبالأثير ملعب جردك، والسدرة مضمار أسلافك، والنبوة لحمة بردك. فلك بجدك في ارتقائك إلى العالم العلوي أسوة، ولنا بفقدك الجزع الذي لا يعقبه سلوة. فأنت لقيت الحبيب، ولقينا بعدك ما يلقى الكئيب. فلك البشرى بلقياك ربك، ولنا بك اللقيا على الكوثر وأنت فرحٌ بشرابك وشربك. ثم يا عفيف لا تسل عن نعشٍ حفه الوقار، وتقدمه الروح الأمين والملائكة الأبرار. فوائح المسك الأذفر تنفح من كل جانب، كأنما ينفض من غدائر خرعوبٍ كاعب. وبالله أقسم أن طيبه نفحني وأنا في الخلوة، وهم في تجهيز تلك الذات على هاتيك العلوة. وحاصل ما أقص عليك من القصص، أنا أودعنا في كنف الرحمن ذلك القفص. وعدنا ونحن كما يقال: شاهت الوجوه، حيارى لا نعلم من تؤمله وترجوه. وقد أظلم قتام العثير، ودجا النقع حتى خيل لم يكن قط صبحٌ أسفر. وحين هجوم هذا الخبر المهيل، كادت البلدة تدثر لولا تسهيل بعض ما صعب في التسهيل. والنداء من الحاكم بالعافية، والأعين قد امتلأت من الهاربين بالسافية. وغلقت الأبواب، وانقطعت الأسباب. حتى والله كأن القيامة قد قامت، وحقت كلمة " يوم يفر المرء " والأنفس قد حامت. وحال بيني وبين الخلوة طريقٌ طالما صاحب الربا، وسبيلٌ وبيل صرت أقطعه وثبا. فكل من لاقيته لا يجيب، ومن كان من ورائي فكأنما هو طريدٌ أو سليب. وبعد الدفن كثر القال والقيل، ونودي كما بلغكم وصليل السيوف منعنا المقيل. وزف المنادي عصبةً مشهورة القواضب، معنوقة الشوازب. والأسواق من السكان خالية، فكأنما هي خود أضحت عاطلةً بعد أن كانت حالية. ودور مكة كأنها وبالله أقسم دور البرامكة، وكأنها لم يتغزل فيها برهة كدار عاتكة. ولقد تذكرت فيها قينة الأمين، وقولها كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيسٌ غير الأنين. هذا وقد أطلت عليك ما ينبغي أن يقتصر فيه مع علو مكانك، ومشيد مبانيك في البلاغة وأركانك. والله تعالى يلهمك صبراً جميلاً على هذا المصاب، ويوليك أجراً جزيلاً على فقد ذلك المليك المهاب.

стр. 534

ولا يسمعنا وإياك بعدها صوت عزاء أحدٍ من الأعزا، ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به من مثل هذه الأرزا، فوا الرحمن لهو الرزء الذي كل رزءٍ بالنسبة إليه أقل الأجزا. والسلام. وكتب إلى الإمام عبد القادر الطبري، يسأله عما يرد على كلامٍ للسبكي، ذكره في الطبقات الكبرى، في استخراج الملك العلقة التي في صدره ﷺ : مولانا الإمام الذي إليه هذا الحديث يساق، الهمام الذي تشد إليه يعملات البلاغة ببدائع السياق. فله السلف الذين تتنازل الثريا دون مقاماتهم الرفيعة، وينحط الأثير عن مكاناتهم التي هي للفخار شفيعة. على أنه العصامي الذي به تفتخر الأبنا، وتتبختر في مطارف سؤدده الأعمام والأصنا. فالمزني لا يباري جود مزنه، والرازي أضحى في تقديمه منتظراً فضل منة. هدانا الله إلى سواء السبيل، وأغنانا بسلسال فوائده عن رقراق السلسبيل. قال السبكي: سمعت الوالد يقول، وقد سئل عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي ﷺ في صغره حين شق فؤاده، وقول الملك هذا حظ الشيطان منك: إن تلك العلقة التي خلقها الله في قلوب البشر قابلةٌ لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﷺ ، فلم يبق فيه مكانٌ قابلٌ لأن يلقي الشيطان فيه شيئاً. قال: هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان فيه ﷺ حظٌ قط، وإنما الذي نفاه الملك أمرٌ هو في الجبلات البشرية، فأزيل القابل، الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب. قال: فإن قلت فلم خلق هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان الممكن أن لا يخلق فيها؟ قلت: لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقت تكملةً للخلق الإنساني، فلا بد منه، ونزعه أمرٌ رباني طرأ بعده. انتهى كلام السبكي. أقول: يعارض هذا بختانه ﷺ ، فخلقه تكملةٌ للخلق الإنساني، ولاشك أن بقاءه على تلك الفطرة الإنسانية، ثم إزالتها بعد ذلك، فيه تعليمٌ للخلق باتباعه. فإن قلت: ثم فارقٌ، وهو القابل الذي تؤثر فيه الوسوسة. قلت: الأكمل والأشرف عدم خلق القابل، كعدم خلق القلفة وسلامته من الانزعاج الذي حصل له عند شق الملك صدره الشريف ﷺ ، خصوصاً في سن الطفولية. فالمسئوول خلاصكم السبكي، والخلاص من شباك سيدنا السبكي. ولمولانا مناسبة بهذا الفن موروثة، وفي البقية دررٌ على طنافس الفضل مبثوثة. فأجابه الطبري بما نصه: مولانا الذي يهطل بواكفٍ ترفع لتلقيه الأكف المبسوطة، ويتألق عن بارقٍ يضيء به مظلم وجه الأرض البسيطة. ويرعد بما ينتجع إليه إذا سمع ثقةً بوعده، ويشرق بذكاء ذكاءٍ أكسبت البدر ساطع ضيائه وطالع سعده. ويرهف سمهري القلم في كتيبة الكتابة بالمداد الأسود والأحمر، ويرعف عضب اللسان في معرك المناظرة والمناضلة فنال ما لم ينله اللدن الأسمر. إمام البلاغة، رب الكمالات المصاغة. دامت فرائد فوائده عقوداً للنحور، واستمرت وطفاء غيثه ممدةً للبحور. وافي المشرف المشرف، المدبج المفوف. فوقفت له أقدام الأفهام حيارى، وأضحت تالية: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ". غير أنها داوت ما ألم بها بارتشاف سلسبيله، واستضاءت بمصباحه لسلوك سواء سبيله. فرأت بعد التكلف في التوفيق بين عبارة مولانا وبين مراده، أنه لا معارضة بما أشار إليه من ختان من منح الله تعالى الخلق بإسعافه وإسعاده. أما أولاً، فلأنهم اختلفوا في أنه هل ولد مختوناً أو أنه ختن بعد ولادته؟ وقد قال بكلٍ من القولين طائفة: فأما على القول الثاني فلا اعتراض بالمعارضة المذكورة. وأما على الأول فالكلام في جزءٍ من الخلقة البشرية، من الأجزاء الشريفة، التي لا تمكن الحياة بدونها في العادة، فإنها هي المكملة للخلقة في الحقيقة، وأما القلفة فهي كالأظفار والشعور، مما لا يترتب على وجوده ما يترتب على مثل العلقة المستكنة في ذلك الموضع بالنسبة إلى الحياة. وأيضاً الكلام فيما يترتب عليه الأحكام، فإن العلقة حيث كانت محل وسوسة الشيطان في البشر، ربما يترتب عليه عدم الإيمان، عياذاً بالله، ولا كذلك القلفة.

стр. 535

وأيضاً خلق القلفة وإزالتها بعد ذلك قد وقع لغيره ﷺ ، كابراهيم ﵇ فلو وجدت فيه ﷺ ثم أزيلت لم يكن في ذلك كبير مزية بخلاف الشق المذكور، وإخراج العلقة المذكورة. نعم، يرد على كلام السبكي، حيث قرر أنه لم يكن للشيطان حظ منه ﷺ ، وأن خلق العلقة فيه لتكميل الخلق، أنه لا معنى لإزالتها بعد ذلك، حيث لم تكن منه ﷺ مظنةٌ له، فلا يتم حينئذ ما قرره على ذلك النمط. هذا ما لاح، ودعا إليه الفلاح قلت: فيه مناقشة أما نقله الاختلاف في كونه ولد مختوناً، فلم يكن إليه داع، إذ الإشكال إنما هو واردٌ على مقابله، فلا معنى لنفي الاعتراض. ودعوى كون العلقة من الأجزاء التي لا يمكن بقاء الحياة بدونها ممنوعة. وما أورد على كلام السبكي، ليس بواردٍ عليه، فإن في إزالتها مع منع الشيطان عنها حكمةً هي قطع وصوله إليه. ولقد أجاد الشهاب الخفاجي في تعليله الشق بقوله: شُقَّ منه صَدْرٌ فأُخْرِج منه ... عَلَقةٌ في صَمِيمِه سَوْداءُ وبه تَمَّ خَلْقُه وتَقَوّى ... قلبُه فِطْرَةً وزاد النّماءُ فلِذا حاز جُرْأةً في اعْتدالٍ ... وله حَبَّب الفتاةَ الفَتاءُ ما انْتفتْ هذه لتُكمْل خَلْقاً ... نُكْتةٌُ ما اهْتدَى لها الحُكماءُ فعلى القلبِ دِرْعٌ عَزْمٍ حَصِينٌ ... ولِلُبٍ عليه لاَمٌ وبَاءُ ومن شعر القاضي محمد قوله: سلامٌ على الدارِ التي قد تباعدَت ... ودمعي على طولِ الزمانِ سَفُوحُ يعِزُّ علينا أن تشِطّ بنا النَّوَى ... ولِي عندكم دُون البَرِيّةِ رُوحُ إذا نَسمتْ من جانبِ الرَّمْلِ نَفْحةٌ ... وفيها عَرارٌ للغُوَيْر وشِيحُ تذكّرتُكم والدمع يستُر مُقْلتي ... وقلبي مَشُوقٌ بالبِعاد جَرِيحُ فقلتُ ولِي من لاَعِجِ الشوقِ زَفْرةٌ ... لها لَوْعةٌ تَغْدُو بها وتَرُوحُ ألا هل يُعيد اللهُ أيَّامَنا التي ... نَعِمْنا بها والكاشِحون نُزُوحُ وقوله أيضاً، في جواب كتابٍ ورد إليه: هذا كتابُك أم دُرٌّ بمُتّسِقِ ... أم الدَّرارِي التي لاحتْ على الأُفُقِ وذا كلامُك أم سِحْرٌ به سُلِبَتْ ... نُهَى العقولِ فتتْلُو سورةَ الفَلَقِ وذا بيانُك أمو صهْباءُ شَعْشَعَها ... أغَنُّ ذو مُقْلةٍ مكحولةِ الحَدْقِ بتاجِ كلِّ مَلِيكٍ منه لامعةٌ ... وجِيدِ كلِّ مُجيدٍ منه في أُفُقِ رَوْضٌ من الزهْرِ والأنوارُ زاهيةٌ ... كأنْجُمِ الأُفْقِ في اللأّلاءِ والنّمقِ وذِي حمائمُ ألْفاظٍ سَجَعْنَ ضُحىً ... على الخمائلِ تحت العارِضِ الغَدِقِ رسالةٌ كفَراديسِ الجِنانِ بها ... من كل مؤتلق يلهى ومنتشق كأنما الالفات المائدات بها ... غصونُ بانٍ على أيْكٍ من الوَرِقِ تعْلُو مَنابرَها الهَمْزاتُ صادِحةً ... كالوُرْقِ ناحَتْ على الأفْنانِ من حُرَقِ مِيماتُها كثُغورٍ يبْتسِمْنَ بما ... يُزْرِي على الدُّرِّ إذْ يُزْهِي على العُنُقِ فطِرْسُها كبَياضِ الصُّبْح من يَقَقٍ ... ونِقْسُها كَسوادِ الليلِ في غَسَقِ يا ذَ الرَّسالة قد أرْسلْت مُعْجِزةً ... رَدَّت بلاغتُها الدَّعْوَى من الفرقِ ويا مَلِيكَ ذوِي الآدابِ قاطِبةً ... ويا إماماً هَدانا أوْضح الطُّرُقِ مَن ذا يُعارِض ما قد صاغ فكرُك مِن ... حَلْي البيَانِ ومَن يقْفوك في السَّبقِ أنت المُجَلَّى بمضْمارِ العلومِ إذا ... أضْحَى قُرومِ أُلِي التحْقيقِ في قَلَقِ صَلَّى أئمةُ أهلِ الفضلِ خَلْفَك يا ... مَوْلى المَوالي وربَّ المنطقِ الذّلِقِ

стр. 536

مُسلِّمين لما قد حُزْتَ من أدبٍ ... مُصدِّقين بما شُرِّفْتَ من خُلُقِ مَهْلاً فبَاعِي من التْقصيرِ في قِصَرٍ ... وأنت في الطّوْلِ والإحْسانِ ذو عُمقِ سبحان بارىءُ هذِي الذاتِ من هِمَمٍ ... سبحان فاطرُ ذا الإنْسان من عَلَقِ يا ليتَ شِعْرِيَ هل شِبْهٌ يُرَى لكمُ ... كلاَّ وربِّي ولا الأمْلاكُ في الخُلُقِ عُذْراً فما فِكْرتي صَوَّاغةً دُرَراً ... حتى أصُوغَ لك الأسْلاك في نَسَقِ واسْلَمْ ودُمْ وتعالى في مَشِيد عُلاً ... تسْتنْزِل الشُّهْبَ للإنْشا فلم تُعَقِ وقوله في صدر كتاب: بحقِّ الوفَا بالوُدِّ بالشِّيمةِ التي ... عُرِفْتم بها بالجودِ والكرمِ الجَمِّ بتلك الخِصالِ الأشْرفيَّاتِ بالنُّهى ... بِعزَّتك العَلْيا على قِمّةِ النّجْمِ بذاك المُحَيَّا الهَشِّ بالمنطِقِ الشَّهِي ... بما فيك من خُلْقٍ رضِيٍ ومن عَزْمِ أجِرْنِي من التكْليفِ واقْبِلْ تحيَّتِي ... بتقْبيل أرضٍ لم تزَلْ مُنْتهى هَمِّي فدهرِي من الإسْهابِ أمْنَعُ مانِعٍ ... ووقْتِي عن الإطْنابِ أضْيَقُ من سَمِّ وماذا عسَى في الوصفِ يبلُغ مِقْوَلي ... ولو مُدَّتِ الأقْلامُ من مَدَدِ اليَمِّ محمد علي بن محمد بن علان الصديقي علمٌ حديث فضله أحسن الحديث، وإليه انتهى في قطر الحجاز فن التحديث. فهو سباق غايته، حامل رايته، وحافظه الذي ملك جل روايته ودرايته. شرح الله لتحفظه صدره، وأعلى به في الخافقين قدره. فحدث إذا حدث عن البحر ولا حرج، وانظر روضةً من رياض الجنة طيبة الأرج. إلى ما حوى من فنون أربى فيها على حلفائه، وهناك حسن حالٍ مع الله ألحقه بأتقياء الدين وحنفائه. تتعظ به النفوس في التكلم والسكوت، ودعوته لا تحجب عن الملك والملكوت. وله تصانيف تشنف بها آذانٌ ومسامع، وودت صحائف الأذهان لو أنها لها دفاتر ومجامع. وله شعرٌ ربما أجاد فيه، فلم يحك مثاله من الزلال العذب صافيه. فمنه قوله: وزمزمَ قالوا فيه بعضُ مُلوحةٍ ... ومنه مِياهُ العَيْنِ أحْلَ وأمْلَحُ فقلت لهم قلبي يَراها مَلاحةً ... فما برِحتْ تحلُو لقلبِي وتمْلُحُ وقوله: يا ربِّ أنت حبسْتَ الحُسنَ في قمرٍ ... حُلْوِ الشَّمائلِ لا يرْثِي لمن عَشِقَهْ أكاد أدعو عليه حين يهجُرني ... لكنْ لِفَرْطِ غرامي تمنْعُ الشَّفقَهْ وقوله: يا مالِكاً رِقَّ قلبي ... رِفْقاً بنفْسِ رَفِيقِكْ اللهُ بيني وبين السَّ ... واكِ في رَشْفِ رِيقِكْ وقوله: يا مَن يلوم مُحِبّاً ... ولا يُراعِي الجمالاَ باللهِ دَعْنِي فإنِّي ... لقد فَنِيتُ انْتحالاَ وقوله مضمناً: كتَبْتُه ولهيبُ الشوقِ في كَبِدِي ... والدمعُ مُنْسَكِبٌ والبالُ مَشْغولُ وقلتُ قد غاب مَن أهْواه وَا أسَفِي ... بانتْ سعادُ فقلبي اليومَ مَتْبُولُ ومن زهرياته، قوله في عقد الحديث: إذا أمْسَيْتَ فابْتدِرِ الصَّباحَا ... ولا تُمْهِلْه تنْتظرُ الصِّياحَا وتُبْ ممَّا جَنَيْتَ فكم أناسٍ ... قَضَوْا نَحْباً وقد ناموا صِحاحَا ومما يعجب في هذا المعنى قول الشهاب: ألا أيُّها المغرورُ في نومِ غَفْلةٍ ... تيَقَّظْ فإن الدهرَ للناس ناصِحُ فكم نائمٍ في أوَّلِ الليلِ غافلٍ ... أتاه الرَّدَى في نَوْمِه وهْو صَابِحُ فشَقَّ عليه الليلُ جَيْبَ صَباحِه ... وقامتْ عليه للطيورِ نَوائِحُ وأنشد له بعضهم هذه الأبيات، وهي قوله: الموتُ بحرٌ مَوْجُه طافحُ ... يغْرَق فيه الماهرُ السابِحُ وَيْحَكِ يا نفسُ قِفِي واسْمعِي ... مَقالةً قد قالها ناصحُ ما ينفعُ الإنسانَ في قبرِه ... إلاّ التقى والعملُ الصالحُ

стр. 537

عبد الملك بن جمال الدين العصامي حفيد العصام الإسفرايني، ﵀ رحمةً تبرد ضريحه، وتقدس روحه وريحه. المتصف بصفاته، الجاري على نهجه في مصنفاته. رسا أصله في الثرى، ورافق عزمه النجم في السرى. فلا مجد إلا إليه انتسابه، ولا جود إلا إليه انسيابه. وهو والفضل روح وشخص، وكل وصفٍ من أوصافه الكمال به مختص. عف السريرة طاهر الأثواب، مقسم الآنات بين الطاعة ونيل الثواب. وله من الآثار ما لا تزال الرواة تدرسه، والتواريخ على مدى الأيام تحرسه. فمنه قوله مضمنا: أُهْدِي لمَجلسِه الكري ... مِ فرائداً تُهْدَى إلَيْهِ كالبحرِ يُمْطِرُه السَّحا ... بُ وماله فضلٌ عليْهِ وهو من قول البديع الأسطرلابي: أُهْدِي لمجلسِه الكريمِ وإنما ... أُهْدِي له ما حُزْتُ من نَعْمائِهِ كالبحرِ يُمْطرُه السحابُ ومالَه ... فضلٌ عليه لأنه من مائِهِ وكتب إليه القاضي تاج الدين المالكي مسائلاً: ماذا يقولُ إمامُ العصرِ سيدُنا ... ومَن لدَيْه يَرَى التحقيقَ طالبُهُ في الدارِ هل جائزٌ تذْكيرُ عائدِها ... في قَوْلِنا مثلاً في الدارِ صاحبُهُ وفي إبانةِ هَمْز ابنٍ أراد فهلْ ... يكون موصوفهُ إسْما تُطالبُهُ أم كَوْنُه عَلَماً كافٍ ولو لَقَباً ... أو كُنْيةً إن أراد الحَذْفَ كاتبُهُ أفِدْ فما إنْ رأيْنا الحقَّ مُنْخفِضاً ... إلاّ وأنتَ على التحقيقِ ناصبُهُ فأجابه بقوله: يا فاضلاً لم يزَلْ يُهْدِي الفرائدَ مِنْ ... عُلومِه وتُروِّينَا سَحائبُهُ تأْنِيثُك الدارَ حَتْمٌ لا سبيلَ إلى التَّ ... ذكيرِ فامْنَعْ إذاً في الدارِ صاحبُهُ والابْنُ مَوْصوفةَ عَمِّمْ فإن لَقَباً ... أو كُنْيَة فارْتِكابُ الحَذْفِ واجبُهُ هذا جَوابِيَ فاعْذِرْ إن تجِدْ خَلَلاً ... فمصدرُ العَجْزِ والتَّقْصير كاتبُهُ لا زِلْتَ تاجاً لِهَاماتِ العُلَى عَلَماً ... في العلم يحْوِي بك التحقيقَ طالبُهُ ابناه: شرف الدين يحيى وبدر الدين حسين لما توفي أبوهما في المدينة قرا بها قرار أحدٍ وسلع، ورسخا رسوخ الباسقات ذوات الثمر والطلع. وهما قمران طلعا معاً فأشرقا، وروضان سقيا ماء النباهة فأورقا. وكلٌ منهما أديبٌ أريب، له في المعارف ضرائب ماله فيها ضريب. إلى أشعارٍ تروق كما راقتك عهود الشبائب، وتشوق كما شاقتك ذكرى الحبائب. فمما ظفرت به من أشعار شرف الدين، قوله وقد أهدى نبقاً وفلاً: أهديْتُ نَبْقاً لنبْقَى في الودادِ على ... صِدْقِ الوِدادِ وإرْغامِ العدى أبدَا ومَعْه يا سيِّدي فُلٌّ يبشِّرُكم ... بأنَّ فُلَّ مَن يَشْناكمُ كَمَدَا الفل: نوع من الياسمين، بلغة أهل اليمن، ذكي الرائحة. ولم يذكره أهل اللغة، فلعله مولد، وسماه ابن البيطار في مفرداته النمارق وكتب على سفينة شعر، لأديب يعرف بعارف، قوله: سفينةُ أشعارٍ هي البحرُ دُرُّها ... نتائج أفكارٍ وشَتَّى مَعارفِ بها اللفظُ كأْسٌ والمَعاني مُدامةٌ ... وما ذاق منها نشوةً غيرُ عارفِ وله: رأى سَقَمَ الكتابِ فمال عنه ... سَقيمُ الجَفْنِ ذو حُسْنٍ بديعِ فقلتُ له فَدَتْك الرُّوح هَلاَّ ... مُراعاة النَّظيرِ من البديعِ أين هذا من قول البعض في مليحٍ احمرت عيناه، وهو: ليس احمرارُ لِحاظِه من عِلَّةٍ ... لكنْ دمُ القتْلَى على الأسْيافِ قالوا تَشابَه طَرْفُه وبَنانُه ... ومن البديعِ تَشابُه الأطْرافِ وقوله معارضاً بيتي القاضي تاج الدين المالكي: وخَوْدٍ من الأعْرابِ لما تلثَّمتْ ... ببُرْقُعِها الشَّرْقِيِّ في مَعْشَرِ العِشْقِ وشَرَّق خَدَّيْها الحياءُ بحُمْرةٍ ... أرَتْنا هلالَ الأُفْقِ يبْدُو من الشَّرْقِ وله:

стр. 538

قالوا أضافَك يا يحيى لِخدْمتِه ... حبيبُ قلبِك في سِرٍ وفي عَلَنِ فقلتُ لمَّا رآني غيرَ مُنْصرِفٍ ... عن حُبِّه رام كَسْرِي فهْوَ يَجْبُرنِي وله موجهاً بأسماء الأنغام، فيمن اسمه حسين، وقد ورد المدينة من مكة: أقول لِمَعْشَرِ العُشَّاقِ لمَّا ... بدا رَكْبُ الحِجازِ وقَرَّ عَيْنِي أمِنْتُم من نَوَى المحبوبِ فاسْعَوْا ... له رَمَلاً وغَنُّوا في حُسَيْنِي وما ألطف قول ابن جابر الأندلسي، في مثل ذلك: يا أيها الحادِي اسْقنِي كأسَ السُّرَى ... نحوَ الحبيبِ ومُهْجتِي للسَّاقِي حَيِّ العِراقَ على النَّوَى واحمِلْ إلى ... أهلِ الحِجازِ رسائل العُشَّاقِ وله تأليف سماه أنموذج النجبا من معاشرة الأدبا تكلم فيه شارحاً لقول القائل: حاشا شَمائلَك اللَّطيفةَ أن تُرَى ... عَوْناً عليَّ مع الزمانِ الْقاسِي غير أنه لم يعرف قائله، فقال: ولعمري، إنه، وإن جهل بانيه، من البيوت التي أذن الله أن تسكن، فما اللفظ إلا بمعانيه، وإن كان قائله ألكن. ثم قال: وهذا البيت مما يكثر الاستشهاد به أهل الآداب، في محاضرة الأصدقاء والأحباب. وهو من أربعة أبيات معمورة بلطيف العتاب، وتنزيه شمائل الأنجاب، مبرورة بصدق المنطق واقتضاء الصواب. محاسنها غرر في جياد القصائد، ولمعاني البديع بها صلةٌ ومن مفرداتها عائد. تشرق شموس التهذيب في سماء بلاغتها، وترتشف الأسماع على الطرب من رقيق سلافتها. فما أحقها بقول القائل: أبياتُ شِعْرٍ كالقُصو ... رِ ولا قصورَ بها يليقُ ومن العجائبِ لَفْظُها ... حُرٌّ ومعناها رقيقُ وهي: إنِّي لأعْجبُ من صدودِكَ والجفَا ... من بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ حاشَا شمائلك اللطيفةَ أن تُرَى ... عَوْناً عليَّ مع الزمانِ القاسِي أو ثَغْرَك الصافِي يَرُدُّ حُشاشةً ... تشْكو لَهِيباً من لَظَى أنْفاسِي تاللهِ ما هذا فِعالُك في الهوى ... لكنْ حُظوظٌ قُسِّمتْ في الناسِ انتهى كلامه. قال ابن معصوم: قلت: وقد وقفت أنا بالديار الهندية على مجموع بخط أبي البقاء الوفائي الوداعي الحنفي قديمٍ، يقول فيه: القاضي علاء الدين علي بن فضل الله أبو الحسن، صاحب ديوان الإنشاء، أخو القاضي شهاب الدين أحمد العمري، وقف على بيتين للصلاح الصفدي. وهما: إني لأعجبُ من صُدودِك والجفَا ... من بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ حاشَا شمائَلك................. ... ..........................الخ فقال مُجِيزاً لهما: أو ثغرُك الصافي يرُدُّ حشاشتي ... ............ البيتين. انتهى. فعلم بهذا أن البيت الذي شرحه للصلاح الصفدي. وقوله: إنه من أربعة أبيات ليس بصواب؛ لإيهامه أن الأربعة الأبيات قائلها واحد، وقد علمت أنها لشاعرين. والله أعلم. عبد الملك بن حسين العصامي هو بمنزلة الغرة بين البصر والجبين، رمقته عين العناية منذ أطلق عليه لفظ الجنين. فنشأ متردياً من النعمة ثوباً سابغاًن ومتروياً من الرفاهة شراباً سائغاً. لا دأب له إلا توسم وفود الآداب في سوق عكاظها، ولا شغل له إلا استكشاف وجوه المعاني المخبأة تحت براقع ألفاظها. مشتملاً بحلي الكمالات وبرودها، رافلاً بين عقيق الفضائل وزرودها. حتى ظنت حصاة علاه، وعجزت حصاة حلاه. فما الدهر إلا من رواة معاليه، وما بديع الزمان إلا من خدمة معانيه. وناهيك بعصامي النفس والجد، وماجدٌ جد في المعالي فساعفه على نيله الحظ والجد. وقد صحبته أيام المجاورة، واغتنمت من نشوة المحاضرة والمحاورة. في أوقاتٍ لا أحسب من عمري غيرها، ولا أنسى مدة عمري خيرها وميرها. وقد أخذت عنه من بدعه، ومخترعه في محاسن الشعر ومبتدعه. ما تتوالد من غصون حضيرته ولدان القريض، وتقتطف أزهار الأدب الغض من غصون روضه الأريض. فمن ذلك قوله من قصيدة مدح بها الشريف سعد بن زيد، مطلعها:

стр. 539

سقى الغَيْثُ ذَيَّاك الأُبَيْرِقَ والسِّقْطَا ... فأنبتَ في أرْجائِه الرَّنْدَ والأرْطَا وحَيَّى رُبَا تلك المعاهد فاكْتسَتْ ... رياضٌ لها من نَسْجِ إبْرتِه بَسْطَا مَعاهدُ لَمْياءِ البَدِيدِ تعطَّرتْ ... دمائِثُ مَيْثاهَا بما تسْحب المِرْطَا لها بشَرٌ كالماءِ إذ قلْبُها صَفَا ... وناظرُها كالسيفِ لكنَّه أسْطَى إذا ما دجَا ليلٌ حكى لَيْلَ شَعْرِها ... وإن لاح نَجْمُ الأُفْقِ شِمْنَا به القُرْطَا رَدَاحٌ إذا لاحتْ فكالبدر أو رَنَتْ ... فكالظَّبْيِ أو ماسَتْ تُرِي الحَلَّ والرَّبطَا أراشَتْ لأحْشائي رَواشِقَ مُقْلةٍ ... ترى نَبْلَها يُصْمِي الفُؤادَ إذا أخْطَا منها: رَمَاها ومَرْباها مُلِثٌّ من الحَيَا ... ورَوَّى على أكْنافِها الأثْلَ والخَمْطَا فَوا شَوقَ أحْشائي للحَظْةِ لَحْظِها ... وأنَّى بها إذْ قد نأَتْ دارُها شَحْطَا بلَى قد نأتْ عنِّي ولا بَيْنَ بيننا ... وبُدِّلْتُ من عَيْن الرِّضا بالجَفَا سُخْطَا كذلك أخْلاقُ الغوانِي ومَن يَرُمْ ... بِهِنَّ الوفَا كالْمُبْتغِي في الإضَا قُرْطَا ومن لم يذُد دون التَّصابِي وشِرْبِه ... قُصاراه فيها أن يَذَلَّ وينْحَطَّا ويُمْسي صَرِيعَ العينِ لا ناصرٌ له ... سوى عَبْرةٍ يرْوِي تفجُّرُها سَبْطَا نعم لو نَحَا في كلِّ أمرٍ يؤُودُه ... مَليكَ الورى سَعْدَ بن زيدٍ لمَا شَطَّا مَلِيكٌ له من طِينةِ المجد جوهرٌ ... به ازْدانَتِ الدنيا وقِدْماً هي الشّمْطَا شريفُ العلَى والذّاتِ في الوصفِ مُنْتَمٍ ... إلى خيرِ أصلٍ طاب في قَنْسِه رَبْطَا منها: طويلُ البِنا رَحْبُ الفِنا مُنْهِل الغِنَىمُزِيلُ العَنَا مُولِي المُنَى لِلُّهَى سَفْطَا لقد حُطْتَ أكْنافَ الخلافةِ عَزْمةً ... وقُمْتَ بها حِفْظاً وشَيَّدْتَها ضَبْطَا منها: أبَى اللهُ إلاّ أن تحُلّ مَحَلّهُ ... بمَرْتبةٍ عَزَّتْ لغيرِك أن تُمْطَى فوَافاكِ بالتَّأْييد ما كان كامِناً ... من الأزَلِ العُلْوِيِّ ينتظِر الشّرْطَا فما خَطّ تقْليداً على الطِّرْسِ كاتبٌ ... ولكنْ قضاءُ اللهِ من قبلهِ خَطّا منها وهو آخرها: سأملأُ ديواني بمَدْحِك مِدْحةً ... لِشعْرِ لكي يستوجبَ الحمدَ والغَبْطَا فدُمْ وابْقَ واسْلمْ لا بَرِحْتَ مُؤيَّداً ... على العِزِّ مهما أن تحاوِلَه تُعْطَى وله من أخرى أولها: على مُهْجةِ المَعْمودِ والعاشقِ المُضْنَى ... أعِدْ نَظْرةً تَشْفِيه يا مَن له الحُسْنَى بدا قَدُّكَ الميَّاسُ في حُلَلِ الْبَها ... فألْبَسنِي جِلْبابَ سُقْمِيَ والحُزْنَا أجِيءُ إلى الأعْتابِ في غَسَقِ الدُّجَى ... وما خِلْتُه ألاّ يزيدَ بي الوَهْنَا لواءُ وَلائي تحت قَبْضِ يَمينِه ... وإن كان عن رِقِّي بغيرِي قد اسْتغْنَى وَدِدْتُ لخدِّي تحت نَعْليْه مَوْطِئاً ... فيا ليْته يَرْضَى وَضعتُ له الجَفْنَا أيُشبه غُصْنُ الْبانِ لين انْعطافِه ... فلا الصَّعدةُ السمراءُ تحْكِي ولا الغُصْنَا به في فؤادِ الصَّبِّ سُقْمٌ مُبَرِّحٌ ... فللهِ سُقمٌ ما ألّذ وما أهْنَا نَحيفُ قَوامٍ لا من السُّقْمِ رِقّةً ... بها صِرْتُ رِقّاً بالنُحُولِ له قِنَّا حريقُ فؤادي لا يزال مُؤجَّجاً ... ومَدْمَعُ جَفْنِي وابِلُ السَّحِّ لم يفْنَا سَماحُ مُحَيَّاه دليلٌ على السَّخَا ... فما بالُه بالوصلِ عن عَبْدِه ضَنَّا

стр. 540

نَبِيُّ جمالٍ مُعْجِزٌ بجمالِه ... ومُعْجِزُ لَحْظَيْه عن الكلِّ قد أغْنَى إليه إشاراتُ المحِبِّين حيثما ... تولّى وكلٌّ في هَواه به مُضْنَى به كلُّ أوصافِ الجمالِ تجمَّعتْ ... فمِن أجْلِه في الحبِّ صرتُ له رَهْنَا نَفَى وَسَنِي عنِّي وذَوَّبَ مُهْجتِي ... وحَنَّ فؤادي للوِصالِ وما حَنَّا عُبَيْدٌ له لا أبْتغِي العِتْقَ دائماً ... فيا ليْته يَرضَى حُلولِيَ في المَغْنَى له في حَشايَ منزلٌ ومَودَّةٌ ... مُشيَّدةُ الأركانِ مُحْكمةُ المبْنَى يَهيمُ به عقلي فسِرِّي تهتُّكِي ... ورُشْدِي ضَلالي في هواه ولا مَنَّا أبُثُّ له شوقي فيَلْوِي وينْثنِي ... بِتِيهِ تَثَنٍ يُخْجِلُ الذّابِلَ اللّدْنَا لماذا تُطيلُ الصَّدَّ يا غايةَ المُنَى ... ومُغْرَمُك الوَلْهانُ أفْنيْتَه حُزْنَا نَهتْنِيَ عُذّالِي وبي يتمَسْخَرُوا ... يقولون يا وَلْهانُ إرْعَ لنا الظّعْنَا زمانُك يا مجنون ضاع بحُبِّه ... ولم تر أهل العشق مثلَك قد جُنَّا يُصدُّ ويجْنِي في فِراقِك دائماً ... فقلتُ فعندي ذاك أطيبُ ما يُجْنَى إلى كم جفَا حتى متى تَرْض باللِّقا ... وتُطْفِي لَهِيباً لاعِجاً مُهْجةَ المُضْنى هنِيئاً لقلبي ما فيك مَحبَّةً ... بما يُرْضِي الرحمن والإِنْس والجِنَّا وما عَشْقتِي فيه قَبيِحاً ولا خَناً ... ولكنّها للهِ خالصةُ المعنَى وله من أخرى في الغزل، أولها: أمالَ عِطْفاً وطُلاه لَواهْ ... وأخْفَق الحسنُ عليه لِوَاهْ عِطْفٌ حكى الصَّعْدةَ في صَدْعِها ... والغُصن المائسُ يحْكي انْثِنَاهْ يتْلوه لَحْظٌ نافِثٌ تالياً ... سِحْراً فيا وَيْلاه ممَّا تَلاَهْ في كلِّ يومٍ منه لي آية ... لو أنّها للطّوْدِ حصَباً تَرَاهْ وكم به كلّمني إذْ مضَى ... فمذُ دَعاه القلبُ وَافَى وجَاهْ فدَيْتُها من لَحْظةٍ لي بها ... من المَنايا وشَهِيّ الحيَاهْ لا صبرُ لي عنها ولا طاقةٌ ... عندي لها والأمرُ فيه اشْتِباهْ من حَسِبها عَقْربَ صُدْغٍ بها ... قلبيَ مَلْدُوعٌ وما مِن رُقَاهْ دبَّتْ له دَبَّ لذيذِ الكرَى ... في مُقْلَةٍ أوْدَى بها الانْتباهْ ثم تحرَّتْ في سُوَيْداه أن ... تشُوكَه وَيْلاه وا ويْلتَاه بدرٌ ثنانِي حبُّه فاغْتدَى ... فكرِي بنَانِي دَيْدَناً في ثَناهْ ظَبْيٌ وعنه لم يزلْ ناهِياً ... كلُّ جَهُولٍ عارِياً عن نُهاهْ في ثَغْرِه العَذْبِ وسِلْكِ الجُمَا ... نِ الرَّطْبِ فانْظُر للحُلَى في حُلاَهْ وفي شِفاهُ اللُّعْسِ خمرٌ حَلاَ ... لكنَّ لَحْظَيْه هما حَرَّمَاهْ بمنطقٍ ذِي غُنَّةٍ خِلْتُها ... صَلِيلَ عَضْبٍ في حَشايَ فَرَاهْ لجِيدِهِ جُدْتُ برُوحِي وبالْ ... آباءِ والبيْتِ وما قد حَواهْ فتَاه بالحُسْنِ وما ضَرَّه ... لو أنَّ بالحُسْنِ يُواتِي فَتَاهْ لا غَرْوَ أن تَاه على مَن له ... ليلاً صَباحاً بالشّجَى أنَّتَاهْ لِمْ يا خليليَّ تلُوما لِمَا ... لُمَا جَهُولاً عاذَلِي عن لَماهْ كم ليلةٍ أمسيْتُ ذا جَذْوةٍ ... تسوءُ ظَني لا عِجِي لا عَجَاهْ وسيِّدي عَنِّىَ لاَهٍ ولم ... أُحِرْ سَداداً والحِجا فيه لاَهْ آهِ لقلبي آهِ آهاً له ... آهِ لقلبي آهِ آهاً وآهْ

стр. 541

ذا لُؤلُؤِي ثغْرِه جِسْمُه ... ولُؤْلُؤِيُّ الثَّوْبِ قلبي لَواهْ يا رَشَأً بالكُمِّ عنِّي أرَاهْ ... يسترُ لَحْظاً فاتِكاً بالكُمَاهْ أفْدِيكَ من خَجْلانَ لا عنك لي ... مُسْتَبْدَلٌ لا والعَلِي في عُلاهْ صَبْراً لهجْري إن به تَرْضَ لي ... يوماً فيوماً ثم مَاهاً فمَاهْ وهكذا يقْضِي زَمانِي به ... لا حولَ لي ما شاءَ ربِّي قضَاهْ تقي الدين بن يحيى ابن إسماعيل بن عبد الرحمن بن مصطفى السنجاري الاسم تقي والعرض نقي، والخلق رضي، والفعل بحمد الله مرضي. تميز بهذا الشأن على وفور حلبته، وفرع فيه البيان على سمو هضبته، وفوق سهمه إلى نحر الإحسان فأثبته في لبته. مع أدبٍ غاص في لجة بحره، فاستخرج درره وأثبتها في جيد الدهر ونحره. وقد أثبت له ما يغني عن ارتشاف ثغور الأقداح، ويكفي عن استنشاق عرف الرياض تفتح فيه الورد والأقاح. فمنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي، ملغزاً في نخلة: أيها المِصْقَعُ الذي شرَّف الدهْ ... رَ وأحْيَى دَوارِسَ الآدابِ والهمامُ الذي تسامَى فَخاراً ... وتناهَى في العلمِ والأحْسابِ والخطيبُ الذي إذا قال أمَّا ... بعدُ أشْفَى بوَعْظِه المُسْتطابِ والإمامُ الذي تهذَّب طِفْلاً ... وزَكا في العلومِ والأنْسابِ إن تُصحِّفْه كان فيه شفاءٌ ... وبه النَّصُّ جاءنا في الكتابِ ولك الفضلُ إن تُصحِّفْه أيضا ... بالعَطا لا بَرِحْتَ سامِي الرِّحابِ مُفْرَداً إن حذَفْتَ منه أخيراً ... صار جمعاً له بغير ارْتيابِ أو وصلتَ الأخيرَ منه بصَدْرٍ ... كان عَدّاً برأْيِ أهلِ الحسابِ وبثَانٍ إن ضُمَّ تالٍ إليه ... فهو خِلٌّ من أعظمِ الأحْبابِ وإذا ما صحَّفْتَه لَذَّ للنفْ ... سِ مَذاقاً في مَطْعَمٍ وشَرابِ خَلِّ نِصْفاً يُحَلُّ عنه وبادِرْ ... قَلْعَ عيْنٍ ما إنْ لها مِن حسابِ قلعَ اللهُ عيْنَ شَانِيكَ يا مَن ... قَدْرُه قد سَما عن الإسْهابِ وابْقَ في عِزَّةٍ وعِزٍ مَنِيعٍ ... ما حَدا بِالحجازِ حادِي الرِّكابِ فأجابه بقوله: يا إماماً صلَّى وسلَّم كُلٌّ ... خلفَه من أئمَّةِ الآدابِ وخطيباً رقَى فضمَّخ طِيباً ... مِنْبَر الوعظِ منه فَصْلُ الخطابِ لم يُنافَس لَدَى التَّقدُّم إلاّ ... قال مِحْرابُه هو الأحْرَى بِي أشْرقتْ شمسُ فضلهِ لا تَوارتْ ... عَيْنُها عن عِيانِنا بحِجابِ وأتى رَوْضُ فكرِه بعَرُوسٍ ... قد أُمِدَّتْ أنهارُها من عُبابِ تقْتضي مِنِّيَ الجوابَ وعُذْرِي ... في جوابِي حُوشِيَت أنَّ الجَوَى بِي شَبَّهُ في حَشايَ فَقْدُ فتاةٍ ... رحلتْ تمْتطِي مُتونَ الرِّقابِ وانْطَوتْ بعد بَيْنِها بُسْطُ بَسْطِي ... وانْقضتْ دولةُ الصِّبا والتَّصابِي ليت شِعْرِي بمن أَهِيمُ وشمسِي ... ما لها في أُفُولِها من إيابِ كيف أصْبُو ووردةٌ كان رَوْضُ الْ ... أُنْسِ يزْهُو بها ثَوتْ في التُّرابِ لا وعَيْشٍ مضَى بها في نعيمٍ ... لستُ أصْبُو من بَعْدِها لكَعابِ هاتِ قُلْ لي يا مَلْعَبَ السِّرْبِ ما لِي ... لا أر فيك ظبْيةَ الأتْرابِ قال سَلْ حاسبِ الكواكبَ عمَّا ... حار في دَفْعِه أُولو الألْبابِ أصبحتْ من بَناتِ نَعْشٍ وكانتْ ... بدرَ تِمٍ فهل تَرَى من جَوابِ فابْسُطِ العُذْرَ يا أخا الفضلِ فَضْلاً ... إن تجدْني أخْطأتُ صَوْبَ الصَوابِ

стр. 542

أتُصِيبُ الصوابَ فكرةُ صَبٍ ... يحْتسي كأسَ فُرْقةِ الأحْبابِ وتطَوّلْ وأسْبلِ السِّتْرَ صَفْحاً ... فهْو شأنُ الخِلِّ المُحِبِّ المُجابِ في جَوابٍ عن نَخْلةٍ قد أتتْنا ... بِجَنَى النحْلِ في سُطورِ الكتابِ أتْحفتْنا باللُّغْزِ في اسمِ أُخْتٍ ... لأبِينا خُصَّتْ بذا الانْتسابِ وكَساها المَرْوِيُّ من شَبَهِ المُؤْ ... مِن فَضْلاً في سائرِ الأحْقابِ وهْيَ ترْقَى من غير سَوْءٍ فطَوْراً ... يستحِقُّ الجانِي ألِيمَ العذابِ ثم طَوْراً وهو الكثيرُ يُرَى الجْا ... نِي عليها من أفْضلِ الأصْحابِ ولها إنْ تَشَأ تَصاحِيفُ منها ... مُفْرَدٌ فيه غايةُ الإغْرابِ جاء قَلْبُ اسمِ جِنْسِه وهْو لَحْنٌ ... لا تُنافِيه صَنْعةُ الإعرابِ ومُسَمَّى التصْحيفِ هذا إليه اللّ ... هُ أوْحَى سُبحانَه في الكتابِ وهْو ذُو شَوْكةٍ وجُنْدٍ عظيمٍ ... خَلْفَ يَعْسُوبِه بغيرِ حسابِ ذُو دَوِيٍ في جَحْفَلٍ يَمْلأُ الجَوَّ ... كرَعْدٍ في مُكْفَهِرِّ السحابِ حيوانٌ وإن تُصحِّفْ جَمادٌ ... مُفْصِحٌ عن مُرادِ سامِي الجَنابِ يا خليلِي بل يا أنا فاتِّحادِي ... بك يقْضِي بذا بغيرِ ارْتيابِ إنَّ صُنْعِي في حَلِّيَ اللُّغْزِ باللُّ ... غزِ بديعٌ فلا تَفُه بِعتابِ وابْقَ في نعمةٍ وفي جَمْعِ شَمْلٍ ... ببَنِيك الأفاضلِ الأنْجابِ ما سَرَتْ نَفْحةُ الأزاهرِ ترْوِي ... ضَحِكَ الروضِ بُكاءِ السحابِ وأعقب ذلك بنثرٍ صورته: المولى الذي إذا أخذ القلمَ ووَشَّى، وأرى غباره أرباب البلاغة والإنشا. لا يرى على من رماه الدهر بسهمه، ولعبت صوالج الأحزان بكرة فهمه. فمزج المدح بالرثا، وقابل النضر بالغثا. فقد بان عذره، واتضح فعل الزمان به وغدره. وقد كنت قبل إدراج هذا الرثاء في أثناء الجواب، أرقت ذات ليلةٍ من تجرع صاب ذلك المصاب. فنفثت القريحة، في تلك اليلة التي كاد أن لا يكون لها صبيحة: لقد كان رَوْضُ الأُنْسِ يزْهُو بوردة ... شَذَا كلِّ عِطْرٍ بعضُ نَفْحةِ طِيبِهَا فمَدَّ إليها البَيْنُ كَفَّ اقْتطافِهِ ... وأمْحَلَ ذاك الرَّوْضُ بعد مَغِيبِهَا ولم يصْفُ لي من بعدِها كَأْسُ لَذَّةٍ ... وكيف تلَذُّ النفسُ بعد حَبِيبِهَا فرَوِّي ثَراها يا سحائبَ أدْمُعِي ... ومَن لي بأن تَرْوَى بسَحِّ صَبِيبِهَا فقصدت أن أثبتها في ذيل الجواب وأخرياته، لما عسى أن يكون من محفوظات مولانا ومروياته. وقد طال هذا الهذا، وطغى القلم بما هو للعين قذى. فلنحبس عنانه، ونرح سمع المولى وعيانه. حفيدة علي بن تاج الدين فاضلٌ نشر أدبه فأدهش مخبره، وتنسم صبا خلقه فعطر المشام مسكه وعنبره. نشأ في حجر الكرم، متفيئاً ظل حرم المجد المحترم. فطلع وفق ما اقتضته العناية، ودلت عليه كلمة الفضل بالصريح والكناية. وقد رأيته وليس بينه والمنى حجاز، وحقيقة فضائله لا يطرقها مجاز. فاستضأت حيناً بمنظره البهي، وتمتعت آونةً بلفظه الشهي. ورأيت أدباً كالعمر في ريعانه، وسمعت شعراً كالشباب في رونقه ولمعانه. فمما تناولته من شعره، قوله من قصيدة أولها: على مِثْلِها من أعْيُنٍ كَحلُها السِّحْرُ ... يهُون الذي نَلْقَى وإن عَظُمَ الأمْرُ فعنِّي إلى غيري العداةِ عَواذِلِي ... فلي شِرْعةٌ في الحبِّ لستُمْ بها تَدْرُوا دَعُوني وما ألْقاه من حُبِّ شادِنٍ ... مَحاسنُه لي في الغرامِ به عُذْرُ مِن التُّرْكِ لَمَّا في الحِياصَة قد بَدا ... رأتْ هالةً عَيْنِي ومنه بها بَدْرُ

стр. 543

يُريك جَنِيَّ الوردِ من وَجَناتِه ... ويبسَم عن زَهْرِ الأقَأحِ له الثَّغْرُ تعلَّقْتُه بادِي النِّفارِ كأنه ... غزالٌ قد اسْتوْلَى على قلبِه الذُّعْرُ فما زلتُ أسْقِي قاسياً من طباعِه ... مُدامةَ لُطْفٍ مَزْجُ أكْؤُسِها التِّبْرُ فرَقَّ وقد رقَّتْ مَعانِي تغزُّلِي ... فلما رَنَا لم أدْرِ أيُّهما الشِّعْرُ عشِيَّةَ وافانِي على غيرِ مَوْعِدٍ ... وجُنْحُ الدُّجَى من دونِ حُرَّاسِه سِتْرُ فقبَّلْتُ منه راحَ كَفٍ أُجِلُّها ... عن الرَّاحِ حاشَ أن يُلِمَّ بها وِزْرُ وصارتْ يَميِني كالنِّطاقِ لخَصْرِه ... على رَغْمِ مَن قد قال بان له خَصْرُ وقال وقد رُمْتُ ارْتِشافَ رُضابِه ... متى بِحياتي قد أُحِلَّتْ لك الخَمْرُ فَلوْلاه ما كان الغرامُ بمُهْجتِي ... مُقيماً وقد سارتْ بأخْبارِه السَّفْرُ سَلُوا الليلَ عني كم سهِرْتُ ظَلامَه ... أُكابِدُ شوقاً دون حُرْقتهِ الجَمْرُ أرى نَجْمَه أدْنَى من الوصلِ مَأْخَذاً ... وأبْعَدَ من سَلْوايَ إن يمْحُه الفَجْرُ فما زلتُ أُزْجِيها مَطايا تصبُّرٍ ... بأرضِ الجَنَى حتى اسْتبان لِيَ البِشْرُ وقال لِيَ الوصلُ الذي أنا طالبٌ ... له مَرْحباً في الأمْنِ قد رحَل الهَجْرُ وأنشدني من لفظه لنفسه: إذا غاب كان المَيْلُ منِّي لغيرِه ... وإن لاح كان المَيْلُ منِّي له حَتْمَا كأنِّي هل في النحوِ والفعلَ حُسْنُه ... وكلَّ الورى إن لاح محبوبِيَ الأسْمَا يريد به ما ذكره النحويون، من أن هل مختصة بالفعل إذا كان في حيزها، فلا يجوز هل زيد خرج؛ لأن أصلها أن تكون بمعنى قد، كقوله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر "، وقد مختصة بالفعل، فكذا هل، لكنها لما كانت بمعنى همزة الاستفهام، انحطت رتبتها عن قد في اختصاصها بالفعل، فاختصت به فيما إذا كان في حيزها؛ لأنها إذا رأته في حيزها تذكرت عهوداً بالحمى، وحنت إلى الإلف المألوف، ولم ترض بافتراق الاسم بينهما، وإذا لم تره في حيزها، تسلت عنه، وذهلت، ومع وجوده إن لم يشتغل بضميرٍ لم تقنع به مقدراً بعدها، وإلا قنعت به، فلا يجوز في الاختيار هل زيداً رأيت بخلاف هل زيداً رأيته. انتهى. القاضي محمد بن خليل الأحسائي أديبٌ لا يجارى في ميدان إحسان، ولا يبارى في صنعة يدٍ ولسان. وهو في علم العروض خليفة الخليل، وتحريره فيه الكافي عن شفاء العليل. وكان ولي قضاء الطائف فاكتست به جمالاً، وبلغت في أهلها مآرب وآمالاً. فكثر فيه المطري والمادح، وتفنن في وصفه الشادي والصادح. وقد وقفت له على شعرٍ بهر اتقاده، وصح على زيف الأنام انتقاده. فأثبت منه ما يقتطف زهراً جنياً، ويتخذ لتعليل النفس نجيا. فمنه قوله، مخاطباً للقاضي تاج الدين المالكي، وقد طلب شيئاً من شعره: لدَيْك أخا العَلْيَاء والفضلِ والعلمِ ... ومَن جَلَّ من بين الأجِلاَّء بالفَهْمِ تُحَلَّ رحالُ الظَّاعنِين ومَن غَدا ... إليك بَدا في حامِلي العلمِ كالنَّجْمِ لئن كان ربُّ الفضلِ كالرأسِ في الوَرى ... فأنتَ له تاجٌ يُضِيءُ بلا كَتْمِ طلبتَ من النظمِ البديعِ لآلئاً ... فدُونكَها كالعِقْدِ في الحُسْنِ والنَّظْمِ تُشنِّفُ أسْماعَ الرُّواةِ بدُرِّها ... وتقطع أفْلاذَ الغَبِيِّ من الغَمِّ فيا أيُّها القاضي المُولِّد طَبْعُه ... من العلمِ أفْناناً تجِلُّ عن العُقْمِ نوائبُ هذا الدهرِ غالَتْ قَرِيحَتِي ... ودقَّتْ عظامِي بعد تمْزيقها لَحْمِي فلو أن هذا الدهرَ يُبْدِي تَعطُّفاً ... لظَلَّ بديعُ النظمِ وَالنظمُ في سَهْمِ ولو أن جُزْءاً من هُمومي مُفَرَّقٌ ... على الخَلْقِ عامُوا في بحارٍ من الهَمِّ

стр. 544

وسامِحْ فمِنْدِيلُ القَرارِ مُقطَّعٌ ... ورِقَّ لقلبٍ لا يقَرُّ من العُدْمِ ودُمْ أبداً في نِعْمةٍ ضِدُّها لها ... يُطَأْطِىءُ رَأْساً في الرَّغامِ على الرَّغْمِ وكتب إلى القاضي أحمد بن عيسى المرشدي، يهنيه بزيارة النبي ﷺ : زيارةٌ رفعتْها للقبولِ يَدٌ ... وسَفْرةٌ أسْفرَتْ في طَيِّها مُدَدُ يَهْنيِك زَوْرةُ خيرِ الخلقِ في رَجَبٍ ... يا مَن ربيعُ يديْه دائماً لُبَدُ اللهُ والشافِعُ المُخْتَارُ قد نَظرا ... إليك والرَّكْبُ إذ سايرْتَه سَعِدُوا أخْلَصْتَ للهِ في هذِي الزيارةِ إذْ ... شدَدْتَ وَجْنَاء لا تشكو إذا تَخِدُ وفُزْتَ في لَثْمِ أعْتابٍ مُقَرَّبةٍ ... إليه قومٌ بها في زِيِّهمْ حمدُوا نعمْ لكم ذِمَّةٌ منه بتَسْمِيةٍ ... يَهْنِى مُحمَّدَ من ذَا الحمْدِ ما يَجِدُ قد سِرْتَ للَّهِ سيرَ الصالحين إلى ... نَبيِّه وعلى الألْطافِ تعْتمِدُ قصَدتَ سُوحَ إمامِ الرُّسْلِ سَيِّدهم ... غَوْثِ العبادِ إذا في حَشْرِهم جُهِدُوا ورُمْتَ من فضلهِ فضلاً تَزِيد به ... فضائلاً هي في عَلْيائِك السَّنَدُ طابتْ بطَيْبةَ أوقاتُ الأُلَى قصَدُوا ... تقْبِيل تُرْبتِه والخيرَ قد وَجدُوا هبَّتْ عليهم نُسَيْماتُ الرِّضا سَحَراً ... فزال عنهم لَهِيبُ القلبِ والكَمَدُ زاروا جُسوماً وزُرْنا نحنُ أفئدةً ... في سَبْسَبِ الوجدِ والأشْواقِ تَطَّرِدُ بُشْراكَ يا زائرَ المُختارِ لا برِحتْ ... عليك منه مَبَرَّاتٌ سَمتْ تَرِدُ لا زلْتَ تقصِده ما سار زائرُه ... إليه في كلِّ عامٍ نَجْمُه يَقِدُ فأجابه بقوله: أذِي زهورُ رياضٍ زَانَها النَّضَدُ ... أمِ الدَّرارِي التي في أُفْقِها تَقِدُ أم ذِي جواهرُ تِيجانِ المُلوكِ بَلَى ... جواهرُ التَّاجِ إذْ قِيستْ بها تَأَدُ أم العقودُ أم المنظومُ من كَلِمٍ ... أعان نَأظِمَه التَّأْيِيدُ والمَدَد أم ذِي عرائسُ أفكارٍ مُحجَّبةٌ ... أماطَتِ السِّتْرَ عنها للأديبِ يَدُ يدٌ طويلةُ باعٍ في العلومِ لها ... في كلِّ ما يُعْجِزُ الأفهامَ مُنْتقَدُ كأنها حين وافتْنِي على غِرَرٍ ... أرْى قُتيلِ الهوى عَذْبِ اللَّمَى الصَّردُ قد أذْكرتْنِي أيَّاماً حَلتْ وَخَلَتْ ... واغْتال لَذَّتَنا في طَيِّها الأبَدُ وافتْ تُهنِّي مُحِبّاً لم يزَلْ قَلِقاً ... إلى لقائِكَ صَبّاً وهْو مُضْطَهَدُ وكان لما أتتْ أحْرَى بتهْنِيَةٍ ... بها لِمَا أطْفأتْ من حَرِّ ما يَجِدُ وقلت فيها وزُرْنا نحن أفئدةً ... مُعرِّضاً فانْجلَى ما جَنَّهُ الخَلَدُ فالحمدُ للهِ زار المُصطفى الجسدُ ... مع الفؤادِ وحُقَّ الأجرُ والرَّشدُ هذا وأنتَ على العِلاّتِ أجْمَعِها ... لَدَى المُحِبِّ لَموْمُوقٌ ومُعْتَمَدُ لأنَّ كلَّ اعْتدالٍ من سِواكَ يُرَى ... يفُوقُه منك عندي ذلك الأَوَدُ عليك منِّي تحيَّاتٌ مُضاعَفةٌ ... من المُهَيْمِنِ تَتْرَى مالَها أمَدُ عفيف الدين بن عبد الله ابن حسين الثقفي هذا من أهل الطائف، أديبٌ كثير اللطائف. ثقفي مثقف قناة المجد، جرى إلى آماد الفتوة فبلغها بالجد والجد. وقد أطرب بأناشيده من لم يكن يطرب، وأتى بما يسكر من سمعه وإن لم يكن يشرب. بعبارة مستغنيةٍ عن التصنع، وبديهة لم تشب بخطر التمنع. مصقولةٍ بلا تطرية واسطة، مجلوة بلا منة ماشطة. وكل كلامه عليه مسحة النضارة، وله ملاحة البداوة وهي تفوق الحضارة.

стр. 545

وقد جئتك من شعره بما يصف نفسه إذا لاح، وإذا ارتصفت درر عقوده تغايرة عليها لبات الملاح. فمنه قوله من قصيدة: سَقَى طَلَلاً بين الأجارِعِ واللِّوَى ... وحَيَّى زماناً لم نُرَعْ فيه بالنَّوَى ورَعياً لأيامٍ هناك سوالِفٍ ... قضيْنا بها عصر الشَّبِيبة والهَوى بظِلِّ جَنابٍ والنَّدامَى عِصابةٌ ... كرامُ المساعي تُرغم الخَصْمَ إن غَوَى على السَّفْحِ ما بين القُصَيرِ إلى الحِمَىإلى الحِصْنِ نَطْوِي الوُدِّ عنَّا وما انْطَوَى لياليَ لا تُخْطِي سهامُ رَمَّيتِي ... ولا عاقَنِي الوالي الغَيُورُ وإن زَوَى وأصبحتُ يَثْنيني الحِجَى عن هَوِيَّتِي ... ويمنعني دهرٌ تمادَى وما ارْعَوَى فللهِ كم من يومِ دَجْنٍ وصَلْتهُ ... بلَيلٍ على الرَّبْعِ الجنوبِي وما حَوَى وساعاتِ أُنْسٍ كلما عَنَّ ذِكْرُها ... يُهيِّجني فَرْط الصَّبابةِ والجَوى لكلِّ غَضِيضِ الطَّرْفِ أحْوى إذا رَنَا ... سَباكَ النُّهى والصبرَ واسْتأثر القُوَى إذا افْتَرَّ عن ثَغْرٍ حكى الدُّرَّ نَظْمُه ... وإن لاح قلت الشمسُ حَلَّتْ في الاسْتِوا يُشِيرُ فأدْرِي ما يقول برَمْزِه ... فأقْضِيَ على ما في هَواه بما نَوَى عليم بعِلاَّتِ الغَوانِي وطِيبِها ... ومُفْتِي النَّدامَى في مُحاورةِ الهَوَى وكتب إلى السيد علي بن معصوم: برُوحِيَ مَجْبولاً على الحبِّ طَبْعُه ... وقلبيَ مجبولٌ على حُبِّه طَبْعَا يُراقِبُ أيامَ المُحرَّم جاهداً ... فيُطلِعُ بدراً والمُحبُّ له يَرْعَى كلِفتُ به أيامَ دهرِيَ مُنْصِفٌ ... ووجهُ الصِّبا طَلْقٌ وروضُ الهوى مَرْعَى جنَيْنا ثمارَ الوصلِ من دَوحةِ المُنَى ... لياليَ لا وَاشٍ ولا كاشحٌ يسعَى فللهِ أيامٌ تقضَّتْ ولم تَعُدْ ... يَحِقُّ لعَيْنِي أن تَسِحَّ لها دَمْعَا فراجعه بقوله: بنفسِيَ مَن قد حاز لَوْنَ الدُّجَى فَرْعَا ... ولم يكفْهِ حتى تقمَّصه دِرْعَا بَدَا فكأن البدرَ في جُنْحِ ليلهِ ... تعلّم منه كيف يصْدعُه صَدْعَا نمَتْه لنا عَشْرُ المُحرَّم جَهْرةً ... يُطارِحُ أتْراباً تكنَّفنه سَبْعَا تبدَّى على رُزْءِ الحسينِ مُسوَّداً ... وما زال يُولي في الهوى كَرْب لا مَنْعا وقد سَلَّ من جَفْنيْه عَضْباً مُهنَّداً ... كأنَّ له في كلِّ جارِحةٍ وَقْعا هناك رأيتُ الموتَ تَنْدَى صِفاحُه ... وناعِي الأسَى يَنْعَى وأهلُ الهوى صَرْعَى وكتب إليه ابن معصوم في لا بس أسود مستجيزاً في عشر المحرم: لا تقُلِ البدرُ لاح في الغَسَقِ ... هذا سوادُ القلوبِ والْحَدَقِ إنسانُ عيني بدَا بأسْودِها ... فعاد لي إذْ رَمَقْتُه رَمَقِي يا لابِساً للسَّوادِ طِيبَ شَذاً ... ما المسكُ إلاّ من نَشْرِك العَبِقِ لبِسْتَ لَوْنَ الدُّجَى فسَرَّ وقد ... أغَرْتَ ضوءَ الصباحِ في الأُفُقِ حتى بدا وهْو فيه مُنْفَلِقٌ ... يشُقُّ ثوبَ الظلامِ عن حَنَقِ فأجازه بقوله: رُوحِي فِدَا مَن أعاد لي رَمَقِي ... لَمَّا بَدَا كالهلالِ في الشَّفَقِ يهْتزُّ كالغُصْنِ في غَلائلهِ ... ويرشُق القلبَ منه بالرَّشَقِ قلتُ له مُذْ بدَا يُعاتبنِي ... ويمزُج الهَزْلَ منه بالحَنَقِ لو أنْصَفَ الدهرُ يا شِفَا سَقَمِي ... ما بِتُّ أرْعَى النجومَ من أَرَقِ لكن عسَى عَطْفةٌ تُسَرُّ بها ... فيها سرورُ القلبِ والْحَدَقِ ومن شعره في النسيب قوله: للهِ دَرُّ ظِباءِ الهنْدِ كم ترَكتْ ... من ماجدٍ دَنِف الأحْشاءِ مُضْطَرِمِ

стр. 546

نَواعِسٌ كلَّما فَوَّقْنَ أسْهُمَها ... تركْن أُسْدَ الشَّرَى لَحْماً على وَضَمِ وقوله: قلتُ لمَّا بدَا يميسُ بقَدٍ ... جَلَّ مَن صاغ حُسْنَه وتَبارَكْ عَمِّرِ الوقتَ بالرَّجا أو بوَصْلٍ ... عَمَّر اللهُ يا حبيبي دِيارَكْ وقوله: لقد صار لي مَدْمعٌ بعدَكمْ ... يفيضُ على وجَنتِي كالعَقِيقْ لِتَذْكارِ أيَّامِنا بالحِمَى ... وتلك الليالِي بوادِي العَقِيقْ أحمد بن الفضل باكثير الفضل والده، وبه تم له طارف المجد وتالده. فمقداره في النباهة جليل، ومثل باكثير في الناس قليل. جيد النثر والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام. وله قريحةٌ سيالة، وطبيعة في الأفنان ميالة. وشعره بعيدٌ عن الكلف، نقيٌّ من النمش والكلف. فمنه قوله مصدراً ومعجزاً قصيدة المتنبي، يمدح بها السيد علي بن بركات الشريف الحسني: حُشاشةُ نفسٍ وَدَّعتْ يوم وَدَّعُوا ... وقلبٌ لأظْعانِ الأحِبَّةِ يَتْبَعُ وصبرٌ نَوَى التَّرْحالَ يومَ رحيلِهم ... فلم أدْرِ أي الظاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ أشارُوا بتسليمٍ فجُدْنا بأنْفُسٍ ... تسيلُ مع الأنْفاسِ لَمَّا ترَفَّعُوا وسارُوا فظلَّتْ في الخدودِ عيونُنا ... تسيِلُ من الآماقِ والإسمُ أدْمُعُ حَشايَ على جمرٍ ذَكِيٍ من الهوى ... وصَدْرِيَ مُذْ بَانُوا عن الصبرِ بَلْقَعُ وقلبي لَدَى التَّوْديعِ في حَزْنِ حُزْنِه ... وعَيْنَاي في روضٍ من الحُسْنِ تَرْتَعُ ولو حُمِّلتْ صُمُّ الجبالِ الذي بنا ... من الوجدِ والتَّبْريح كانت تضَعْضَعُ وأكْبادُنا من لَوْعةِ البَيْنِ والنَّوَى ... غَداةَ افْترقْنا أوْشكَتْ تتصدعُ بما بيْن جَنْبَيَّ التي خاضَ طَيْفُها ... دُموعِي فَوافَى بالتَّواصُلِ يطمعُ تخَيَّل لي في غَفْوةٍ وجَّهتْ بها ... إليَّ الدَّياجِي والخَلِيُّون هُجَّعُ أتتْ زائراً ما خامرَ الطِّيبُ ثَوْبَها ... وخَمْرتُها من مِسْكِ دَارِينَ أضْوَعُ فقبَّلتُ إعْظاماً لها فضلَ ذَيْلِها ... وكالمِسْكِ من أرْدانِها يتضَوَّعُ فشَرَّد إعْظامي لها ما أتَى بها ... وفارقْتُ نَوْمِي والحشَا يتقطَّعُ وبِتُّ على جمرِ الغَضا لفِراقِها ... من النومِ والْتاعَ الفؤادُ المُفجَّعُ فيا ليلةً ما كان أطولَ بِتُّها ... سميرَ السُّها حِلْفَ الجوَى أتضرَّعُ يُجرِّعني كأسَ الأسى فَقْدُ طَيْفِها ... وسَمُّ الأفاعِي عَذْبُ ما أتجرَّعُ تذلَّلْ لها واخْضَعْ على القُرْبِ والنَّوَى ... لعلّك تحْظَى بالذي فيه تطمعُ ولا تأْنَفَنْ من هَضْمِ نفسِك في الهوى ... فما عاشقٌ من لا يذِلُّ ويخْضَعُ ولا ثَوْبُ مَجْدٍ غيرَ ثوبِ ابنِ أحمدٍ ... عليّ الذي أضْحَى له الفخْرُ أجْمَعُ عليه ضَفَا بالمَكْرُماتِ ولم يكُنْ ... على أحَدٍ إلاّ بلُؤْمٍ مُرَقَّعُ وإن الذي حَابَى جَدِيلةَ طَيِّءٍ ... بحاتمِهم وهْو الجوادُ المُمنَّعُ حَبَى بعَليٍ آلَ طه فإنّه ... به اللهُ يُعْطِي مَن يشاءُ ويمنعُ بذِي كَرَمٍ ما مَرَّ يومٌ وشمسُه ... بغيرِ سَناً منه تُضِيءُ وتَسْطَعُ ولا ليلةٌ تزْهُو به ونجومُها ... على رأسِ أوْفَى ذِمَّةٍ منه تطْلُعُ فأرْحامُ شِعْرٍ يتَّصِلْنَ لَدُنَّه ... فكم سِعْر شِعْرٍ في مَعاليِه يُرْفَعُ ومنها في الختام: ألا كُلُّ سَمْحٍ غيرَك اليومَ باطِلٌ ... لأنك فَرْدٌ للكمالاتِ تجْمَعُ

стр. 547

وكلُّ ثناءٍ فيك حَقٌّ وإن عَلاَ ... وكلُّ مَديحٍ في سِواك مُضَيَّعُ واتفق له أنه سمع وهو محتضر رجلاً ينادي على فاكهة: ودعوا من دنا رحيله فقال بديها: يا صاحِ دَاعِي المَنونِ وَافَى ... وحَلَّ في حَيِّنا نُزولُهْ وها أنا قد رَحلْتُ عنكم ... فودعوا مَن دَنَا رَحِيلُهْ محمد بن سعيد باقشير وحيد نسجه رويةً وإسراعاً، ونسيج وحده ابتكاراً واختراعا. بهر بمحاسنه التمائم، قبل أن توضع على رأسه العمائم. فانجلت به النواظر وقرت، وابتسمت به ثغور الأماني وافترت. وقد سلك في الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت له غرائبه مرحباً وأهلاً. فلبس الشعر حلية الحلاوة، ووشاه برونق الرقة وطل الطلاوة. وقد أوردت له ما يطلع بدره في تمه، ويرقص زهره في كمه. فمنه قوله، من قصيدة في الغزل: ألآلٍ ما أرى أم حَبَبُ ... أم أقاحٍ لا ولكن شَنَبُ حُرِّمتْ وهْي حَلالٌ قد جرَى ... في خلالِ الطّلْع منها الضَّرَبُ ما ورَى بارِقُ ذَيَّاك اللَّمَى ... أن لي قلباً بها يلْتهبُ دَعْ لما قد نقَل الرَّاوي لنا ... عن لَماه ما رَوتْه الكُتبُ آهِ ما أعْذبه من مَبْسَمٍ ... وهْو لو جاد به لي أعْذَبُ ليت لو أنَّ مَنالاً منه لي ... غير أن البرقَ منه خُلَّبُ جُؤْذُرٌ يَرْنُو بعيْنَيْ أغْيَدٍ ... مِن مَهَا الرملِ أغَنُّ أخْلَبُ ومُحَيّاً كَلِف الحُسْنُ به ... فغَدا يُنْشِد أين المَذْهَبُ هَزَّ عِطْفيْه فلم يَدْرِ النَّقا ... أقناةٌ هزَّه أم قُضُبُ رَقَّ فاسْتعْبد أرْبابَ الهوى ... فله في كلِّ قلبٍ مَلْعَبُ يا لها من نِعْمةٍ في ضِمْنِها ... مَهْلَكٌ هان وعَزَّ المَطْلبُ وقوله، من قصيدة يمدح بها السيد أحمد بن مسعود، أولها: عَلِقاً أظُنُّك بالكَعابِ الرُّودِ ... أمْ والِهاً بهوَى الظِّباءِ الغِيدِ أسْبَلْنَ أمْثلةَ الغُدافِ غَدائراً ... سُوداً تطولُ على الليالِي السُّودِ وسفَرْنَ عَمَّا لو لَطَمْنَ بمثلهِ ... خَدَّ الظلامِ لَما بدا بالبِيدِ بِيضٌ يُرنِّحهُنَّ رَيْعانُ الصِّبا ... تِيهاً كخُوطِ الْبانةِ الأُمْلودِ عذَر العَذُول على الهوى فيها وقد ... عَنَّتْ لنا بين اللِّوى وزَرُودِ فطفِقْتُ أُنْشِده على تأْنِيبِه ... أرأيتَ أيَّ سَوالفٍ وخُدودِ تَرِبتْ يدُ اللُّوَّامِ كم ألْظَتْ حَشاً ... دَنِفٍ بأُلْهوبٍ من النَّفْنيدِ أو مَا دَرَوْا أن الجمالَ حَبائلٌ ... ما إن يُصاد بهِنَّ غيرُ الصِّيدِ ولرُبَّ مُخْطَفةِ الحَشَا بَهْنانةِ الْ ... مْتنَيْنِ مُفْعَمةِ الإزارِ خَرُودِ ترْنُو فتحسب أُمَّ خِشْفٍ ثارَها ال ... مِقْناصُ عن خَضْلِ الكَلاَ مَخْضُودِ للهِ أحْداقُ الحسانِ وفعْلُها ... في قلبِ كلِّ مُتَيَّمٍ مَعْمودِ ألْحَفْنَنِي البُرَحاءَ لكنِّي امْرُؤٌ ... وَزَرِي برُكْنٍ في الملوكِ شَديدِ وكتب إليه، يصف أمةً له سوداء مداعباً: أبَتْ صُروفُ القضا المَحْتومِ والقدرِ ... إلاّ إشابةَ صَفْوِ العيْشِ بالكَدَرِ وإنَّ مِن نَكَدِ الأيامِ أن قُربتْ ... دارُ الحبيب ولكن شَطَّ عن نَظَرِي بِي من سَطَا البَيْن ما لو بالجبالِ غدتْ ... عِهْناً وبالسبعةِ الأفْلاكِ لم تَدُرِ نَوى الأحِبَّة والشوق الشديد ولى ... جَوىً تُجدِّدُه مهما انْقضَى فِكَرِي وزادني الدهرُ همّاً لا يُعادِلُه ... هَمٌّ بسمراءَ ألْهتْني عن السَّمرِ

стр. 548

زَنْجِيةٌ من بنات الزَّنجِ تحسبُها ... حَظِّي تجسَّم جُثْمانا من البشرِ كأن قامَتها ليلِي ومِنْخَرَها ... ذيلي فيالَك من طول ومن قِصَرِ لها يدٌ ألِفَتْ خَطْفَ الكسارِ ولو ... باتتْ تُحوَّطُ بالهِنْديّةِ البُتُرِ تسْطو على القُرْصِ سَطوَى غيرِ ذي جُبُنٍ ... لو أنه بيْن نابِ الليثِ والظُّفُرِ كم غادرتْنِيَ من جوعٍ ومن سَغَبٍ ... حُزْناً أعَضُّ بَنانَ النادِم الحَصِرِ ورُبَّ يومٍ غدا مَوْتي يُجرِّعني ... كاساتِه فيه حتى عِيلَ مُصْطَبَرِي أرُوضُها تارةً عَتْباً وأزْجرُها ... طَوْراً فلم يُجْدِ تأْنيبِي ومُزْدَجَرِي وربما أفْحمتْنِي القولَ قائلةً ... وليس كلُّ مَقالٍ بالجوابِ حَرِي تخْشَى الرَّدَى وبُنودُ المجدِ خافِقةٌ ... على ابنِ مسعود فَرْعِ الفرعِ من مُضَرِ وله من قصيدة: بِذِي العَلمْين من شَرْقيّ حَاجِرْ ... تَوَقَّ أخا الغرامِ ظُبَا المَحاجرْ فكم برُبَه من صَبٍ عَمِيدٍ لسائلِ دمعِه الثَّجَّاجِ ناهِرْ به السُّودُ التي في السُّودِ منها ... فِعالُ السُّمْرِ والبيضِ البَواتِرْ فأيُّ حَشاً يمُرُّ به خَلِيّاً ... وقد رمَقتْه هاتِيك الجَآذِرْ به البِيضُ الرَّعابِيبُ السَّوافِرْ ... وآسادٌ بفَدْفَدِه قَساوِرْ لَعَمْرُك ما سيوفُ الهندِ يوماً ... بأمْضَى من بواترِها الفَواتِرْ عيونٌ ما مضنَحْنَ السُّقْمَ إلاَّ ... لقَدِّ القلبِ أو شَقِّ المَرَائرْ مَرِضْنَ وما مَرضْنَ سُدىً ولكنْ ... لسَلْبِ قلوبِ أربْابِ البَصائرْ بأُمِّي ثم بِي وأبِي رَبِيبٌ ... غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ النَّواظِرْ نَحِيلُ الخَصْرِ عَبْلُ الرِّدْفِ أحْوَى ... أزَجُّ الحاجبيْن أغَرُّ نافِرْ يميِلُ بمِثْلِ غُصْنِ الْبانِ لَدْنٍ ... تُرنِّحه الصَّبا والغُصنُ ثامِرْ ويُسْفِرُ عن مُحَيّاً لو رآه ... صَباحاً ذو الهدايةِ ضَلَّ حائرْ ويبْسَم عن شَهِيِّ الظَّلْمِ عَذْبٍ ... تَرقْرَق فيه سَلْسَالُ الجواهِرْ جَفَا جَفْنِي الكرَى مُذ بان عَنِّي ... فجَفْنِي مُذْ نأَى سَاهٍ وساهِرْ وقال على مصطلح أرباب الحال، وهي قصيدة غريبة: ربَّما عاكفٍ على الخَنْدَرِيسِ ... رَافلٍ في مَلابس التَّلْبيسِ جَهْبَذٌ يملأُ الدفاترَ عِلْماً ... لم يُنَلْ باتَّقْريرِ والتَّدْريسِ أيُّما خُطَّةٍ أردْتَ تجِدْه ... قَهْرماَ المَعقولِ والمَحْسوسِ يعلَم السابقين من عَهْدِ طَسْمٍ ... ويُفِيدُ الطلاَّبَ عصرَ جَديسِ علَمٌ لم يكن على رأسِه نَا ... رٌ ولكنْ كالنورِ في الحَنْدُوسِ ماشياً عُمْرَه على نَهْجِ الصِّدْ ... قِ على ما به من التَّدْلِيسِ دُغَةٌ مَرَّةً وآونةً قُسٌّ ... وطَوْراً يُمْلِيك عن إبليسِ وعليمٌ بطِبِّ عِلَّةِ بقْرا ... ط ويهْزُو بجِدِّ جَالِينُوسِ ارْمِه حيثُ شئتَ تلْقَ أخَا النَّجْ ... دةِ من آدمٍ ومن إدريسِ لِعب الحبُّ منه بالجبَلِ الرَّا ... سِي وبالضَّيْغمِ الهَمُوسِ العَبُوسِ مِن هوَى رَبَّةِ الحِجالِ ومَن قد ... لعبتْ مِن دَلالِها بالنفوسِ والتي خيَّمتْ على كلِّ قلبٍ ... ورمَتْ كلَّ مُهْجةٍ برَسِيسِ وأبَتْ أن تُرَى بعيْنِ مُحِبٍ ... قَطُّ إلاّ في صورةٍ ولَبُوسِ لاح مِن نُورِها الأغَرِّ سَناءٌ ... فَتراءَى في نارِه للمَجُوسِ

стр. 549

قد بدَتْ للكليمِ ناراً ولكنْ ... لا بحَصْرٍ فغاب بالتَّقْديسِ وغَدا المَانَوِيُّ منها على رَأْ ... يٍ صحيحٍ لكن بلا تأسِيسِ والنَّصارَى ظلَّتّ على صُوَرٍ شَتَّى ... فضلَّتْ برأْيها المعكوسِ قيَّدُوا مُطلَق الجمالِ فباتُوا ... في قيودِ الشَّمَّاسِ والقِسِّيسِ كيف مَن قيَّدتْ تُقيَّد والإطْ ... لاقُ قيْدٌ والقَيْدُ غيرُ مَقِيسِ شَأْنُها في حِبِّها فَتُّها الأكْ ... بادَ من رائسٍ ومن مَرْءُوسِ رُبَّ قلبٍ قد تَاهَ فيها فلم يَدْ ... رِ حَسِيساص ولم يَمِلْ لِلْمَسِيسِ ظَلَّ فيها في جَحْفلٍ من سرورٍ ... وخَميسٍ يلْقَى الأسَى بخَمِيسِ كلَّما أسْفَرتْ له عن نِقابٍ ... وفَنِى في فِنائه المَأْنُوسِ أشْرقتْ مِن وراءِ ذاك لعَيْنَيْ ... هـ بِمَغْنَى حُسْنِ الجمالِ النَّفِيسِ فطوَى كَشْحَه على غُصَصِ الوَجْ ... دِ تُقىً بين طامعٍ ويَؤُوسِ ذكرت بمطلع هذه القصيدة، ما حكاه البهاء الحارثي في كشكوله، وهو أن تاجراً من تجار نيسابور، أودع جاريته عند الشيخ أبي عثمان الحيري، فوقع نظر الشيخ عليها، فعشقها، وشغف بها، فكتب إلى شيخه أبي حفص الحداد بالحال، فأجابه بالأمر بالسفر إلى الري؛ لصحبة الشيخ يوسف. فلما وصل إلى الري، وسأل الناس عن منزل الشيخ يوسف، أكثروا من ملامته وقالوا: كيف يسأل تقيٌّ مثلك عن بيت فاسق؟ فرجع إلى نيسابور، وقص على شيخه القصة، فأمره بالعود إلى الري، وملاقاة الشيخ يوسف المذكور. فسافر مرةً ثانية إلى الري، وسأل عن منزل الشيخ يوسف، ولم يبال بذم الناس له وازدرائهم به. فقيل له: إنه في محلة الخمارة. فأتى إليه، وسلم عليه، فرد ﵇، وعظمه. ورأى إلى جانبه صبياً بارع الجمال، وإلى جانبه الآخر زجاجةً مملوءةً من شيءٍ كأنه الخمر بعينه. فقال له الشيخ أبو عثمان: ما هذا المنزل في هذه المحلة؟ فقال: إن ظالماً شرى بيوت أصحابي، وصيرها خمارة، ولم يحتج إلى بيتي. فقال: ما هذا الغلام، وما هذه الخمر؟ فقال: أما الغلام فولدي من صلبي، وأما الزجاجة فخل. فقال: ولم توقع نفسك في محل التهمة بين الناس؟ فقال: لئلا يعتقدوا أني ثقةٌ، فيستودعوني جواريهم، فأبتلى بحبهن. فبكى أبو عثمان بكاءً شديداً، وعلم قصد شيخه. انتهى. وبهذه الحاية يظهر مغزى صدر هذه القصيدة، ويحصل الجمع بين ما في ظاهرها من المدح والقدح. والله أعلم. رجع. ومن شعر باقشير، وهو مختار من قصيدة له: أتعْذِلُ في لَمْياءَ والعُذْرث ألْيَقُ ... تعشَّقْتُها جهلاً وذو اللُّبِّ يعشَقُ ولا عيشَ إلاّ ما الصَّبابةُ شَطْرُه ... وصوتُ المَثانِي والسُّلافُ المُعتَّقُ وجَوْبُك أجْوازَ المَوامِي مُشمِّراً ... إلى المجدِ يطْوِيها عُذَافِرُ مُعْنِقُ وأن تَتهاداك النَّعائمُ مُعْلَماً ... تُضِلُّك أو تَهْدِيك بَيْداءُ سَمْلَقُ وأن تَرِدَ الماءَ الذي شَطْرُه دَمٌ ... فتسعَى برأيِ ابنِ الحُسَين وتُرْزَقُ وأسْوَغ ما بَلَّ اللَّهَى بَعْدَ عَيْمةٍ ... وأرْوَى من الماءِ الشَّرابُ المُرَوَّقُ فدَعْ لَجَجَ التَّعْنيفِ وابْكِ بذِي اللِّوَى ... دياراً كأنْها للتَّقادُمِ مُهْرَقُ أحالتْ مَغانِيها السِّنون فأصْبحتْ ... قِوَى لهَرِيق الوَدْقِ والرِّيح مَخْرَقِ وقفتُ بها والقلبُ بالوَجْدِ مُوثَقٌ ... كُفِيتَ الرَّدَى والجَفْنُ بالدمعِ مُطْلَقُ أُناشدُها بَيْنُونةَ الحيِّ عن جَوىً ... لقلبٍ إذا هَبَّ النَّسائمُ يخْفِقُ شَجٍ تتَصاباهُ الصَّبا وتلُوعُه ال ... جَنُوبُ ويشْجُوه الحَمامُ المُطَوَّقُ إلى اللهِ أفعالَ الليالِي بها وبِي ... لقد كنتُ منها دائمَ الدهرِ أفْرَقُ

стр. 550

فسِمْ سِمَةَ الصبرِ الجميلِ لعلَّها ... تُدِيلُ فإنْ لم تُغْنِ فالصبرُ أخْلَقُ فلو سلِمتْ من حادثِ الدهرِ دِمْنَةٌ ... تمَطَّى على هامِ الدهورِ الخَوَرْنَقُ ومن محاسنه، قوله في زيات بديع الجمال، وقد أجاد في التورية: أفْدِيه زَيَّاتاً رَنَا وانْثنَى ... كالبدرِ كالشَّادِنِ كالسَّمْهَرِي أحسن ما تُبْصِرُ بدرَ الدجَى ... يلعبُ بالمِيزانِ والمُشْترِي وقوله: كيف التخلُّصُ من حُبِّ المِلاحِ وقد ... تبادرَتْ لِقتالِي أعْيُنٌ سَحَرَهْ تغْزُو لَواحِظُها في العاشقِين كما ... تغْزُوا جيوشُ بني عثمانَ في الكَفَرَهْ أحمد بن محمد علي الجوهري جوهرٌ استخرجته أفكار الليالي من بحورها، والتقطته أبكار المعالي لنحورها. له ذاتٌ تخلصت من الكبر، وخلصت من الخيلاء خلوص التبر. وأما أشعاره فكلها قطعٌ من خالص الجمان، قلد بها صدور الأيام وشنف آذان الزمان. فإذا حدثت عن آثار قلمه، فارو الصحاح عن جوهري كلمه. وقد جئتك من كلماته بأنفس نفيس، فلا تذكر الدر بعدها إن كنت ممن يقيس. فمن ذلك قوله: ما شِمْتُ بَرْقاً سَرَى في جُنْحِ مُعْتكِرِ ... إلاَّ تذكَّرتُ بَرْقَ المَبْسَمِ العَطِرِ ولا صَبَوْتُ إلى خِلٍ أُسامِرُه ... إلاّ بكَيتُ زمانَ اللهوِ والسَّمَرِ شَلَّتْ يدٌ للنَّوَى ما كان ضائرَها ... لو غادرتْنا نُقضِّي العيْشَ بالوَطَرِ في خِلْسةٍ من ليالي الوصلِ مُسْرِعةٍ ... كأنما هي بيْن الوَهْنِ والسَّحَرِ لا نَرْقُبُ النجمَ من فَقْد النَّدِيمِ ولا ... نسْتعجلُ الخطْوَ من خوفٍ ومن حَذَرِ وأهْيَفَ القَدِّ ساقِينا برَاحتِه ... كأنه صنمٌ في هيكلِ البشَرِ مُنَعَّمين وشَمْلُ الأُنْسِ منتظِمٌ ... يربُو على نَظْمِ عِقْدٍ فاخرِ الدُّرَرِ فما انْتهيْنا لأمرٍ قد ألَمَّ بنا ... إلاَّ وبُدِّل ذاك الصَّفْوُ بالكَدَرِ لا دَرَّ دَرُّ زمانٍ راح مُخْتلِساً ... من بيْننا قَمَراً ناهِيك من قَمَرِ غزالُ إنْسٍ تحلّى في حُلَى بشَرٍ ... وبدرُ حُسْنٍ تجلّى في دُجَى شَعَرِ وغُصْنُ بانٍ تثَنَّى في نَقَا كَفَلٍ ... لا غصنُ بَانٍ تثنَّى في نَقَا مَدَرِ كأنَّ لَيْلِي نهارٌ بعد فُرْقتِه ... مِمَّا أُقاسِي به من شدَّةِ السَّهَرِ يا ليت شِعْرِيَ هل حالتْ مَحاسنُه ... وهل تغيَّر ما باللَّحْظِ من حَوَرِ فإن تكنْ في جِنانِ الخُلْدِ مُبْتهِجاً ... فاذْكُرْ مُعَنَّى الأمانِي ضائعَ النَّظَرِ وإن تأنَّسْتَ بالحُورِ الحسانِ فلا ... تَنْسَ الليالِي التي سَرَّتْ مع القِصَرِ وقوله: كيف أسْلُو مَن مُهْجَتِي في يديْهِ ... وفؤادي وإن رحَلتُ لدَيْهِ إن طلبتُ الشَّفاءَ من شفتيْهِ ... جادَ لي بالسّقامِ من جَفْنيْهِ إنَّ حِلْفَ السُّهادِ عينٌ رأتْهُ ... وجنَتْ وَرْدَ جَنَّتَيْ خَدَّيْهِ كلما رُمْتُ سَلْوةً قال قلبي ... لا تلُمْني على العكوفِ عليْهِ لستُ وحدِي مُتيَّماً في هَواهُ ... كلُّ أهلِ الغرامِ تصْبُوا إليْهِ وله مقاليع، سماها لآلىء الجوهري، منها قوله: كيف يرجو العِرْفانَ باللهِ مَن قد ... قيَّدتْه الذنوبُ طولَ حياتِهْ لا لَعَمْرِي أم كيف يُشْرِقُ قلبٌ ... صُوَرُ الكائناتِ في مِرْآتِهْ وقوله: إذا مضتِ الأوقاتُ من غيرِ طاعةٍ ... ولم تكُ مَحْزوناً فذا أعظمُ الخَطْبِ علامةُ مَوْتِ القلب أن لا ترَى به ... حَراكاً إلى تَقْوَى ومَيْلاً عن الذنبِ وقوله: إن حُزْتَ عِلْماً فاتَّخِذْ حِرْفةً ... تصُون ماءَ الوجهِ لا يُبْذَلُ

стр. 551

ولا تُهِنْه أن تُرَى سائلاً ... فشأْنُ أهلِ العلم أن يُسْئَلُوا وقوله: جانبِ اللهوَ والبَطالةَ واحْذَرْ ... مِن هوَى النفسِ إن أردتَ السَّعادَهْ واعبُد اللهَ ما استطعتَ بصدقٍ ... مَطْلبُ العارفين صِدْقُ العبادَهْ وقوله: قُلْ للذي يبْتغِي دليلاً ... من غير طُولٍ على المُهَيْمِنْ ما ذَرَّةٌ في الوجودِ إلاَّ ... فيها دليلٌ عليه بَيِّنْ وقوله في الغزل: ولقد سقتْنا البابِليَّةُ إذْ رأتْ ... أنَّا نُحدِّثُها لِنَسْبُرَ حُسْنَهَا خَمْراً أدارتْها العيونُ فأذْهَبتْ ... مِنَّا العقولَ ولم تُفارِقْ دَنَّهَا وقوله: لمَّا بدا البدرُ يجْلُو ... دُجَى الظلامِ وأسْفَرْ ذكرتُ وجهَ حبيبي ... والشيءُ بالشيءِ يُذْكَرْ وقوله: وأسْمَحُ الناسِ كَفّاً ... مَن لا يقولُ ويفعلْ وأعْذَبُ الشِّعْرِ بيتٌ ... يرْوِيه عَذْبُ المُقبَّلْ وقوله: لا تعذِلونِيَ في وقتِ السَّماع إذا ... طرِبتُ وَجْداً فخيرُ الناسِ مَن عَذَرَا حتى الجمادُ إذا غنَّتْ له طَرَبٌ ... أمَا ترى العودَ طَوْراً يقْطعُ الوَتَرَا وقف بعض أدباء عصره على هذين البيتين، فكتب إليه مقرظاً: وصل البيتان بل القصران فما ألفاظهما إلا الدر النظيم، فلا وحقك لم يفز بمثلهما العصران لا الحديث ولا القديم. فلله درك، ما أحفل درك، وأبهج في أسلاك المعاني درك. ولقد خاطبت بمعناهما عند سماعهما من عذل، وطربت لحسن سبكهما طرب من منح عند نشوته سبيك النضار وبذل. بل طرب لهما حتى الجماد، ومن ذا الذي سمعهما وما ماد. فالله تعالى يبقيك للأدب كهفاً يرجع إليه، وذخراً يعول عند اشتباه الألفاظ والمعاني عليه. وقد نظمت البارحة أبياتاً في العود، أحببت أن تلاحظها بملاحظتك لها السعود. وهي: وعُودٌ به عُودُ المَسَرَّةِ مُورِقٌ ... يُغَنِّي كما غَنَّتْ عليهِ الحمائمُ إذا حرَّكتْ أوتارَه كَفُّ غادَةٍ ... فسِيَّانِ من شوقٍ خَلِيٌّ وهائمُ يُرَنّحُ مَنْ يُصْغِي إليهِ صبابةً ... كما رَنَّحَتْهُ في الرِّياضِ النَّسَائِمُ فراجعه بقوله: يا مولاي الذي إن عد أرباب المجد عقدت عليه الخناصر، وإن ذكر أصحاب الفضل فلا يدانيه متقدم ولا معاصر. لو أمدني ابن العميد وأضرابه، والصاحب بن عبادٍ وأصحابه. ما استطعت تقريظ أبياتك الأبيات إلا منك، الممتنعات إلا عنك. فأنت فريد دهرك، ولا أقول في هذا الفن، ووحيد عصرك، وليس ذلك عن ظن. وقد دعتني داعية الأدب، إلى أن أقول إن العود يفوق آلات الطرب. فمدحته كما مدحته، ووصفته كما وصفته. وقلت: فاق كلَّ الآلاتِ في اللحْنِ عُودٌ ... حين تَعْلُو أصواتُهَا وتَرِنُّ فكأن الحَمام دهراً طويلاً ... علّمَتْهُ ألْحَانَهَا وهْوَ غُصْنُ قلت وهذا من قول أبي الفضل أحمد بن يوسف الطيبي: من أين للعُود هذا الصوتُ تأخذُه ... أطْرافُهُ بأطَاريفِ الأناشيدِ أظُنُّ حينَ نَشَا في الدَّوْحِ علَّمه ... سَجْعُ الحمائِمِ تَرْجِيعَ الأغارِيدِ ومثله قول معاصره الصفي الحلي: وعُودٍ به عاد السرورُ لأنهُ ... حَوى اللهوَ قِدْماً وهْوَ رَيَّانُ ناعمُ يُغَرِّبُ في تَغْرِيدِه فكأَنَّمَا ... يُعيدُ لنا ما ألَّفَتْهُ الحمائمُ ولبعضهم فيه: وعُودٍ له نوعانِ من لذَّةِ المُنَى ... فبُورِكَ جانٍ يجْتَنيهِ وغارِسُ تغنّتْ عليه وهْوَ رَطْبٌ حمامةٌ ... وغنَّتْ عليه قَيْنَةٌ وهْوَ يابسُ وأصله قول الوزير المغربي: وطُنْبُورٍ مَليحِ الشكلِ يحكي ... بنَغْمَتِهِ الصَّلِيبةِ عَنْدَلِيبَا رَوَى لما دَرَى نَغَماً فصيحاً ... حَواها في تقلُّبهِ قَضِيبَا كذا مَنْ عاشَرَ العلماءَ طِفْلاً ... يكون إذا نَشَا شَيْخاً أدِيبَا

стр. 552

ومن لآليه المذكورة قوله: لا تَجْهَلَنْ قَدْراً لنفسِكَ إنّها ... عُلْوِيَّةٌ تَرْقَى لما هو شِبْهُهَا والنفسُ كالمِرْآةِ يَصْقُلُهَا التُّقَى ... فَسْراً ويُظْلِمُ بالمعاصي وَجْهُهَا وقوله: في المَنْعِ والإعْطَاءِ كُنْ شاكِرَا ... واستقْبِلِ الكلَّ بوجهِ الرِّضَا فالخيرُ للعارفِ فيما جَرى ... ورُبَّ مَنْعٍ كان عينَ العَطا وقوله: إذا الْتَبَسَ الأمرانِ فالخيرُ في الذي ... تَرَاه إذا كلَّفْتَه النفسَ تَثْقُلُ فجانِبْ هَواها واطَّرِحْ ما تُرِيدُه ... من اللهوِ واللَّذَّاتِ إن كنتَ تعْقِلُ وهذا من قول الأحنف بن قيس: كفى بالرجل رأياً إذا اجتمع عليه أمران، فلم يدر أيهما الصواب، أن ينظر أعجبهما إليه، وأغلبهما عليه؛ فيحذره. وقريب منه قول أبي الفتح البستي: وإن همَمْتَ بأمرٍ ... ولم تُطِقْ تخْريجَهْ فقِسْ قياساً صحيحاً ... واحكُم بضدِّ النتيجَهْ ومن الحكم المروية عن أبي العلاء المعري: الخير كل الخير فيما أكرهت النفس الطبيعية عليه، والشر كل الشر فيما أكرهتك النفس الطبيعية عليه. ومن مقاطيعه في الغزل قوله: وظَبْيٍ نافرٍ ممَّا أراهُ ... يَذِلُّ لحُسْنِه الملِكُ المَهِيبُ عرفتُ مِزاجَه فانْقادَ طَوْعاً ... ومَن عرَف المِزاجَ هو الطبيب وقوله: وأهْيَفٍ كالسيفِ ألْحاظُه ... وقَدُّه العَسَّالُ كالسَّمْهَرِي أخْجَلنِي ثَغْرٌ له باسمٌ ... فاعْجَب لثَغْرٍ يُخْجِلُ الجَوْهَرِي وقوله: قال عَذُولِي إذْ رأَى ... أخَا الغزالِ الأعْفَرِ هذا الذي مَبْسَمُه ... فتَّتَ قلب الجَوْهَرِي وقوله: جرَح اللَّحْظُ خالَ خَدِّ غُلامٍ ... فضَح الْبَان قَدَّه باعْتدالِهْ فإذا ثار طاعِناً لفؤادِي ... قال خُذْها من طالبٍ ثَارَ خَالِهْ وقوله: تذكَّرتُ إذْ الحَجيجُ بمكَّةٍ ... ونحن وقوفٌ ننْظُر الرَّكْبَ مُحْرِمَا فصرْتُ بأرضِ الهندِ في كل مَوْسمٍ ... يُجدِّد تَذْكارِي لقَلبيَ مأْتَمَاَ وقوله: ولو أنَّ أرضَ الهنْدِ في الحُسْنِ جَنَّةٌ ... وسُكَّانَها حُورٌ وأمْلِكُها وَحْدِي لَما قِسْتُها يوماً بَبطْحاءِ مكةٍ ... ولا اخترتُ عن سُعْدَى بديلاً هَوى هندِ وقوله: وقالوا بالْمَخَا خيرٌ كثيرٌ ... فقلتُ صدقتمُ وبها الأمانُ ولكن حَرُّها يشْوِي البَرايا ... ولولا الرِّيقُ لاحْترق اللِّسانُ وقوله: شبَّهتُ أمواجَ بحرِ الهندِ حين رسَتْ ... به السَّفائنُ من هندٍ ومن صِينِ بأسْطُرٍ فوق قِرْطاسٍ قد انْتسقَتْ ... والسُّفْنُ فيه عَلاماتُ السَّلاطينِ وقوله: إذا تكنْ ناقِداً للرجالِ ... وصاحبْتَ مَن لا له تعرفُ فخالِفْه في بعضِ أقوالِه ... فإنك عن خُلْقهِ تكشِفُ أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن عبد الرءوف بن يحيى الواعظ لوذعيٌّ وجه أدبه سافر، وخبر نباهته فيما بين الخافقين مسافر. له كلف بالفنون وعناية، مع ديانة ارتدى بردائها وصيانة. فمجده مشنف من عقد الثريا، ولديه من نسج السجية ما يهزأ ببرد الروضة الريا. وأما أدبه فله رواء الوجوه الحسان، وله شعرٌ أفرغ في قالب الحسن والإحسان. فمنه قوله من نبوية: يا صاحبِيَّ حَقِّقا مِيعادِي ... وانْطلِقا لأخْصَبِ الوِهادِ ولاحِظاني في السُّرَى فإنني ... نِضْوُ هوىً مُقرَّحُ الأكْبادِ قد ترك الجَفْنَ مَفازةً فلا ... يضْوِي إليه وافدُ الرُّقادِ وضَلَّ شَرْخُ العمرِ في بياضٍ ... اشْرَق من أشِعَّةِ الأفْوادِ فعرِّجا بمَسْرحِ السُّرْبِ الذي ... ليس له مَرْعىً سوى فؤادِي

стр. 553

وخفِّضا عليكما وخَلِّيا ... دمعِي السَّفِيحَ رائِحاً وغادِي يرْمُل في جَرْعائِها بعَسْفِها ... لا يعْترِيه وَهَنُ الوِخادِ ويجعل الحصْبَا عَقِيقاً أحمراً ... من النَّجِيعِ الأحمرِ الفِرْصادِ ويترك القاع له أعِقّةٌ ... يكْرَع منها كلُّ صَبٍ صادِي وزَفْرةٌ قد غُرِست بمُهْجتِي ... وطَلْعُها في لِمَّتَيَّ بادِي تتابعتْ حتى يُخالُ أنني ... من فَرَقٍ لِمُنْجِدٍ أُنادِي أذابت القلبَ سِوى ما أحْرزُوا ... ثم ثَوَى في وسَط الفؤادِ وعاذلٍ يعبثُ بي لَوَ انَّه ... يُمازِجُ التْشكيكَ باعْتقادِ كأنما يرقُم في كوثرٍ ما ... أفْرغ في الفؤاد من وِدادِ لا يقبلُ التَّعْنيفَ في الهوى سِوَى ... مَ، يقْتنِي غيرَ هوَى سُعادِ واحَرَّ قلباه وبَرْدَ المُشتهَى ... هيْهات كيف مَجمَعُ الأضْدادِ ذادُوا السيوفَ عن وُرودِ هائمٍ ... زادتْ على الأنْواءِ للُورَّادِ ما حَنَّ طَرْفٌ جاد إذ قد ضَنَّ نَوْ ... ءُ الطَّرْفِ أن يحمْي عن المِبْرادِ هيهات لم يبرحْ يرُوم نَظْرةً ... من حضرةِ الإسعافِ والإسْعادِ من حضرةِ المختار طه أصْلِ مَب ... نَى الكونِ في التَّعيين والإيجادِ مِن نُورِ ذي العرشِ الرفيعِ كُنْهُه ... تواترٌ قد جاء بالآحادِ في قولِ لولاك إشارةٌ ولا ... خَفاءَ للمُريدِ في المُرادِ يدْرِيه مَن يرى الشُّئونَ جُمِّعتْ ... في مُفْردٍ مجتمعِ الإفْرادِ فآدمُ الآبا وغيرُه له ... فرعٌ على معنىً جَلِيِّ الرَّادِ وذاك معنَى أنه أصلُ الوجو ... دِ أوّلٌ في البَسْطِ بالأعدادِ فاعْجَبْ له خَتْماً نَبِيّاً أوَّلاً ... قد جاء بالتحقيقِ في الإسْنادِ الواضحُ الحقَّ الصَّحيح حَسْبَما ... حَرَّره أئمَّةُ الإرشادِ وبعد أن زان جمالُ وجههِ ... وجودَه جاء الكمالُ هادِي فقام بالتَّوحيدِ داعِياً له ... وراقَب المُدْعَوْنَ بالمِرْصادِ ومَهَّد الشرعَ القديم للورَى ... مُبَيَّنَ المِيعادِ والإيعادِ وشَتَّ شَمْلَ الكفرِ بانْتظامِنا ... في سِلْكِه كالعِقْد في الأجْيادِ فابْتَهَج الكونُ بن نَضارةً ... وصدَحتْ في دَوْحِها الشَّوادِي وخفَقتْ ألْوِيةُ النصرِ على ... سكُونِ ريح الكفرِ والأعادِي وزَمْزَم الرعدُ على مَسْرَى الصَّبا ... وشقَّتِ السُّحْبَ ظُبَا الغَوادِي وأضْحك الرَّوضَ بُكاؤُها على ... مَسرَّةِ النِّتَاجِ والإيلادِ وأحْيتِ الأنْوا مَواتَ الجَدْبِ مِن ... مُرْتَبعِ التِّلالِ والوِهادِ ونُتِجتْ من صُلْبهِ أئمَّةٌ ... قادوا إلى الإيمان والرَّشادِ مِن مَظْهر الزَّهراء ذات الفَخْرِ في ... حظائر التَّقديس والإسْعادِ مِن حَيْدرٍ عليٍ الطُّهْرِ أمي ... ر المؤمنين سيِّد الأمجادِ قد أعْرَضوا عمَّا به الناسُ عُنُوا ... وصرَفوا الوجْهَ إلى المَعادِ تزهَّدوا وذاك مِن صِفاتِهم ... ذاتاً وهل يخْفَى شَمِيمُ الجادِي قد شرفوا على الورَى فحَسْبُهم ... نَصُّ الكتابِ عن حَصا التَّعْدادِ يا سيِّدَ الرُّسْل ويا خِتامَ من ... قد خُصِّصوا بوافرِ الأيادِي يا خيرَ مبعوثٍ على ظهرِ الثَّرَى ... بسَيْبه أخْضبتِ الأيادِي

стр. 554

يا مَن هو الأَوْلى بكلِّ مُؤْمنٍ ... من نفسهِ من سائرِ العبادِ أحْنتْ عليَّ حَوبةٌ جَنيْتُها ... قد جَرَّعتْني غُصَصَ البِعادِ وعرَّضتْني هدَفاً لأسْهُمٍ ال ... إعراضِ لا أخلُو من العَوادِي وأخْلَقتْ صَبْرِي وجَدَّ مَطْمَعي ... في أَن أُرَى في هذه النوادِي وضاق ذَرْعي فذَرِيعتي إلى ... رِحابِك الفَيْحاء شَوْقٌ حَادِي فحُلَّ عَقْدِي يا مَلاذِي مثلَما ... حَللْتَ عَقْدَ العُسْرِ بالإنْقادِ وأطْلِق القَيْدَ المُحيطَ عَلَّنِي ... في سُوحِكم أنْفَكُّ عن قِيادِي فأنت كَهْفُ المُلْحِفِين في الوَرى ... وغيرِهم من زُمَرِ القُصَّادِ وأنت بابُ اللهِ كلُّ مَن أتى ... مِن غيرهِ يُسامُ بالإبْعادِ فمن دنَا مِن سُوحِه مُلْتمِساً ... بادرَهُ العفوُ إلى المُرادِ وعَمَّه الفضلُ فقال شاكراً ... قد كثُرتْ ذخائرُ الفُؤادِ صلَّى عليك اللهُ ما تَلأْلأتْ ... صِفاتُك البِيضُ على السَّوادِ محمد بن أحمد المنوفي هو في المقام خليفة الشافعي، وكلامه في العلوم كافي المهم وشافي العي. وكان آيةً في قوة الحافظة، قائماً في الإفادة بوظيفتي المثابرة والمحافظة. ودخل الروم فقام الدهر بحقوقه، ولم يشب بره بعقوقه. فاخضرت بالإدرارات أكنافه، وتجملت أنواع رعيه وأصنافه. إلا أنه عارضه الأجل في طريقه، وأغصته إذ ساغت له أمانيه بريقه. فقبضه الله بالشام إليه، فلا زالت رحمة الله منهلة عليه. قال سبطه ابن معصوم: ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوباً إليه بخط سيدي الوالد: عَتبْتُ على دهرِي بأفعالِه التي ... أضاقَ بها صدرِي وأضْنَى بها جِسْمِي فقال ألم تعلمْ بأن حَوادثِي ... إذا أشْكلتْ رُدَّتْ لمن كان ذا عِلْمِ وهذان بيتان لا يشيد مثهلما إلا من شاد ربوع الأدب، وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب. وهما نموذج براعته وبلاغته، واقتداره على سبك إبريز الكلام وصياغته. وقد صدرتهما وعجزتهما، فقلت: عَتبْتُ على دهرِي بأفعالِه التي ... بَراني بها بَرْيَ السِّهامِ من الهَمِّ ليصْرِف عني فَادحاتِ نوائبٍ ... أضاق بها صدْرِي وأضْنَى بها جسْمِي فقال ألم تعلمْ بأن حَوادثِي ... وأخْطارَها اللاتي تُلِمُّ بذِي الفَهْمِ يضِيقُ بها ذُو الجهلِ ذَرْعاً وإنما ... إذا أشْكلتْ رُدَّتْ لمن كان ذا عِلْمِ ولده عبد الجواد فاضل البيت بعد أبيه النبيه، وأشبه من تصدر في مركز العزة فقيد المثيل والشبيه. اشتملت عليه دولة آل الحسن، اشتمال الفم على اللسان، والمقلة على الإنسان. وقامت فضائله في رياض محامدها تلو آية البيان، بما تردد بين السمع والعيان. وهو أديبٌ عرف بكمال الفطنة من حين المهاد، وله خلالٌ كلها روضٌ قريب العهد من صوب العهاد: فتىً صَفَتْ من القَذَى مَواردُهْ ... وانْتثرتْ في رَوضِه فَرائدُهْ مَبْذُولةٌ لوفدِه فوائدُهْ ... شاهدةٌ بفضلهِ مَشاهِدُهْ منظومةٌ من شُكْرِه قلائدُهْ ... يحمِدُهُ وَلِيُّه وحاسدُهْ وله شعر حسن الأسلوب، يرف على مائة ريحان القلوب. فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الأمير محمد بن فروخ أمير الركب الشامي. مستهلها: لأيِّ كَمالٍ من كمالِك أذْكُرُ ... وأيِّ جميلٍ من جميلِك أشْكُرُ ألِلسَّابقِ الآتِي به أنت لاحقاً ... أم اللاحقِ التَّالي له يتكرَّرُ تحيَّرتُ في هذا الكمالِ ولم أزَلْ ... أنا والنُّهَى في ذا البَها نتحيَّرُ جَمعتَ كمالاً في سِواك مُفرَّقٌ ... وأنت به فَرْدٌ وجمعُك أكثرُ

стр. 555

رفعتَ لِواءَ الدِّين حتى خَفْقتَها ... من الدُّونِ يوم النصرِ بالفتْحِ يظْهَرُ ألسْتَ الذي يوم ابنِ مَعْنٍ ونجْلِه ... تأزَّرْتَ مجداً عنه غيرُك يُزْجَرُ وصَوَّمْتَه فيه عن الفِطْرِ بالقَنَا ... وقلبُ السِّوَى منها بها يتفَطَّرُ ويمَمْتَ إذ يمَّمتَ للنصرِ مُسْرِعاً ... وجوهاً تَراها في الوَطِيسِ تَعفَّرُ وصَلَّيْتَهم من ذلك اليومِ مَشْهداً ... تأمَّمْتَ صَفّاً فيه أنت المُكبِّرُ وأوْردتَ منهم مَعْشراً مَشرعَ الوَغَى ... وأصْدرْتَهم والسيفُ بالدَّمِ يقْطُرُ فما السُّمْرُ إلاّ في الوَغَى كغُصونِه ... بهَامِ العِدَى سُمْراً من البِيض تُثْمِرُ ولا عجَبٌ هذا فآيُ محمدٍ ... تَدِينُ لها أهلُ الدُّنا حين تُذْكَرُ هو البطلُ الحامِي الذِّمارَ ومَن به ... تُهَدُّ حصونُ المارِقين وتُهْدَرُ فيا أيُّها الشَّهْمُ الهِزَبْرُ الذي إذا ... دَعاهُ امْرُؤٌ أغْناه إذْ هو مُفْقَرُ إليَّ فمالي غيرَ سُوحِك مُنْجِدٌ ... أمَسُّ بوجْهِي بابَه وأُعفِّرُ وقد ضاقتِ الدنيا عليَّ بأسْرِها ... وضِقْتُ بها ذَرْعاً وقَفْرِيَ مُقْفِرُ وأنت لنا غَيْثٌ إذا شَحَّ مَاطِرٌ ... وماسَحَّ يَرْوِي المُمْطَرين ويُمْطِرُ وأنت الذي قد عَمَّ وَاكِفُ كَفِّهِ ... بوَزْنِ نُضارٍ لا بمُزْنٍ يُدَرَّرُ وسائله نيلاً وسائله ترى ... مَقاصد عمَّن رامَها ليس تقصُرُ إليَّ وفرِّج ما انْطوَى في جَوانِحِي ... من الهمِّ حتى بعدُ لا أتأمَّرُ فكم لك في يومِ الوغَى من مَعارجٍ ... ومن فُرَجٍ فَرَّجْتها حين تَنْضُرُ وكم لك في الحُجَّاجِ آيٌ جميلةٌ ... يُقصِّر عنها في مُنَى الطَّوْلِ قَيْصَرُ وكم لك في ساداتِ مكةَ من يَدٍ ... ومن حسَناتٍ فضلُها ليس يُحْصَرُ وماذا عسى أُحْصِي صفاتِك والورَى ... بأجْمعِهم عن وَصْفِ فضلِك تقصُرُ ومن شعره قوله: أتزعُم أنك الخِدْنُ المُفدَّى ... وأنت مُصادِقٌ أعْدايَ حَقَّا إليَّ إليَّ فاجْعلنِي صديقاً ... وصادِقْ مَن أصادقُه مُحِقَّا وجانِبْ مَن أُعادِيه إذا ما ... أردتَ تكونُ لي خِدْناً وتَبْقَى وهو ينظر إلى قول الآخر: إذا صافَى صديقُك مَن تُعادِي ... فقد عاداك وانْفصلَ الكلامُ وله رسالة في شرح البيتين المشهورين: مِن قِصَرِ الليلِ إذا زُرْتِنِي ... أشْكُو وتشْكِين من الطُّولِ عَدُوُّ عينيْك وشانِيهما ... أصْبَحَ مَشْغولاً بمشْغولِ أحمد نظام الدين ابن الأمير محمد بن نصير الدين بن إبراهيم بن معصوم هذا النظام، به تم نظام النثار والنظام. فهو في حوزة المعالي ذو قدرٍ معظم، وفي صنعة النظم صاحب درٍ منظم. طلاع أنجدةٍ للمجد بواري زنده، مصقول شبا الفكر كالسيف مع فرنده. تبلغ بالفضل غاية الاشتهار، وبدا كما تبدو الشمس للمبصر في وسط النهار. حتى عشقت أوصافه الأسماع، وتوفرت للتملي من مشاهدته الأطماع. فاستدعاه الملك شاهنشاه صاحب حيدر أباد، فدخل إليه الديرة الهندية، متهيئاً لأن يتفيأ كما يستحقه ظلال دولته الندية الندية. فلما رآه الملك اعتد به واغتبط، وأكرم نزله بمواهبه فارتبط. ثم أملكه بنته، ورعى غرسه ونبته. فكثر رياشه، وحسن معاشه، وتولته العناية فعظم انتعاشه. فأقام وسوق الفضل به نافق، وحظ الكرام بملاحظته لهم موافق. إليه مطايا الأمل تزجى، ومن يده سحب المكارم ترجى. حتى ولعت بالملك يد الهلك، واستولى الميرزا أبو الحسن بعده على الملك. عند ذلك صدمه الزمن المتقلب، وانقلب عليه الدهر المتغلب. فقفبض عليه أبو الحسن وسجنه، وخلاه رهن قيده وشجنه.

стр. 556

ثم قبضه الله إليه، فانقبضت القلوب حزناً عليه. فتباً لدهرٍ لم يف بضمانه، ولم يصدق بأمانه. فيسترجع معاره، ويشن مغاره. وهكذا الدنيا دول، وما يغني الحول فيها ولا الخول. وقد وقفت له على أشعار نقشها فكره وزخرفها، وحبر وشيها في بلاد الهند وفوفها. فأثبت منها ما يعظم وقعه عند الاختبار ولا يقع عليه النظر إلا وقع عليه الاختيار. فمن ذلك قوله من قصيدة: مُثِيرُ غرامِ المُسْتهامِ ووَجْدِهِ ... وَمِيضٌ سرَى من غَوْرِ سَلْع ونَجْدِهِ وبات بأعْلَى الرَّقْمتيْن الْتهابُه ... فظلَّ كئيباً من تذكُّرِ عَهْدِهِ يحِنُّ إلى نحو اللِّوَى وطُوَيْلعٍ ... وبَاناتِ نَجْدٍ والحِجازِ ورَنْدِهِ وضَالٍ بذات الضَّالِ مُرْخٍ غُصونَه ... تفيَّأه ظَبْيٌ يَميِيسُ ببُرْدِهِ يَغار إذا ما قِسْتُ بالبدرِ وَجْهَه ... ويغضَب إن شبَّهتُ وَرْداً بخدِّهِ كثيرُ التَّجنِّي ذو قَوامٍ مُهَفْهَفٍ ... صَبِيحُ المُحيَّا ليس يُوفِي بوَعْدِهِ مَلِيحٌ تَسامَى بالمَلاحةِ مُفْرَداً ... كشمسِ الضُّحى كالبدرِ في بُرْجِ سَعْدِهِ ثَناياه بَرْقٌ والصَّباحُ جَبِينُه ... وأما الثُرَيَّا قد أُنِيطتْ بِعقْدِهِ فمِن وَصْلهِ سُكْنَى الجنانِ وطِيبُها ... ولكنْ لَظَى النِّيرانِ من نارِ صَدِّهِ تَراءَى لنا بالجِيدِ كالظَّبْيِ تالِعاً ... أسارَى الهوى مِن حُكْمِه بعضُ جُنْدِهِ روَى حُسْنَه أهلُ الغرامِ وكلُّهم ... يَتِيهُ إذا ما شاهدوا ليلَ جَعْدِهِ يُعَنْعِنُ علمَ السحرِ هاروتُ لَحْظِه ... ويَرْوِي عن الرُّمَّانِ كاعبُ نَهْدِهِ مَضاءُ اليَمانِيَّاتِ دون لِحاظِه ... وفِعْلُ الرُّدَيْنِيَّاتِ من دون قَدِّهِ إذا ما نَضا عن وجهِه البدرِ حُجْبَه ... صَبا كلُّ ذي نُسْكٍ مُلازِمُ زُهْدِهِ وأبْدَى مُحَيّاً قاصِراً عنه كلُّ مَن ... أراد له نَعْتاً بتَوْصِيفِ حَدِّهِ هو الحُسْن بل حسنُ الوَرى منه مُجْتدىً ... وكلُّهم يُعزَى لجَوْهرِ فَرْدِهِ وما تفْعل الرَّاحُ العَتِيقةُ بعضَ ما ... بمَبْسَمِه بالمُحْتسِي صَفْوُ وِرْدِهِ وقوله في مليح اعتل طرفه: يا جَوْهراً فَرْداً عَلاَ ... من أين جاءَك ذا العَرَضْ وعلى مَ طَرْفُك ذا المري ... ضُ أعَلَّهُ هذا المَرَضْ عهدِي به مِمَّا يُصِي ... بُ فكيف صار هو الغَرَضْ ها قلبيَ المَعْمودُ نُصْ ... بٌ للنَّوائب يَرْتكِضْ فاجْعَلْه يا كُلَّ المُنَى ... بَدَلاً لِمَا بك أو عِوَضْ فاسْلَمْ مَدَى الأيَّام يا ... ذَا الحُسْنِ ما بَرْقٌ وَمَضْ فمُذِ اعْتلَلْتَ أخا المَها ... في الطَّرْفِ جَفْنِي ما غَمَضْ ونَحِيلُ جسمي مُذْ وَنَيْ ... تَ وحَقِّ عَيْنِك ما نَهَضْ أنتَ المُرادُ وليس لي ... في غيرِ وَصْفِك من غَرَضْ وله مشجرا: خِلْتُ خالَ الخدِّ في وَجْنتِهِ ... نُقْطةَ العَنْبَرِ في جمرِ الغَضَا دامتِ الأفراحُ لي مُذْ أبْصَرتْ ... مُقْلتِي صُبْحَ مُحَيّاً قد أضَا يتمنَّى القلبُ منه لَفْتةً ... وبهذا اللَّحْظِ للعينِ رِضَا جاهلٌ رام سُلُوّاً عنه إذْ ... حظَر الوصلَ وأوْلاني الفَضَا هامتِ العينُ به لمَّا رأتْ ... حُسْنَ وجهٍ حين كُنَّا بالإِضَا وقال في الغزل: سلوا بطن مَرٍ والغَمِيمَ ومَوْزعَا ... متى اصْطافَها ظَبْيُ النَّقَا وترَبَّعَا وهل حَلَّ من شَرْقِّيها أرضَ هَجْلَةٍ ... وقد جادَها مُزْنٌ فسال وأمْرَعَا

стр. 557

سقَى تلك من نَوْءِ السِّماكيْن جَحْفَلٌ ... سحائب غَيْثٍ مَرْبَعاً ثم مَربَعَا تَظلُّ الصَّبا تحْدُو بها وهْي نُعّمٌ ... وتُنْزِلُها سَهْلاً وحَزْناً وأجْرَعَا فتلك مَغَانٍ لا تزال تحُلُّها ... خَدَلَّجةُ الساقْين مَهْضومةُ المِعَى رَبِيبةُ خِدْرِ الصَّوْنِ والتَّرَفِ الذي ... يزِيد على بَذْلِ اللَّيالِي تمنُّعَا تروَّتْ من الحسن البَهِيِّ خُدودُها ... وقَامَتُها كالغُصْنِ حين تَرَعْرَعَا قَطُوف الخُطَا مثلُ القَطَا حين ما مَشَتْ ... تقومُ بأرْدافٍ يُحَاكينَ لَعْلَعَا وكتب إلى محمد الحشري الشامي رقعةً، صورتها: يا مولانا عمر الله بالفضل زمانك، وأنار في العالم برهانك، سمحت للعبد قريحته، في رئم هذه صفته، بهذين البيتين: تَراءَى كظَبْيٍ خائفٍ من حبائلٍ ... يُشِيرُ بطَرْفٍ ناعِسٍ منه فاتِرِ وقد مُلِئتْ عيْناه من سُحْبِ جَفْنِه ... كنَرْجِسِ رَوضٍ جادَه وَبْلُ مَاطِرِ فإن رأى المولى أن يجيزهما ويجيرهما من البخس، فهو المأمول من خصائل تلك النفس، وإن رآهما من الغث فليدعهما كأمس. ولعل الاجتماع بكم في هذا اليوم قبل الظهر أو بعد العصر، لنحث من كؤوس المحادثة ما راق بعد العصر. والمملوك كان على جناح ركوب، بيد أنه كتب هذه البطاقة وأرسلها إلى سوق أدبكم العامرة التي ما برح إليها كل خير مجلوب. فأسْبِل السِّتْرَ صَفْحاً إن بَدا خَلَلٌ ... تهْتِك به سِتْرَ أعداءٍ وحُسَّادِ فكتب إليه بهذين البيتين بديهة: ولرُبَّ مُلْتَفتٍ بأجْيادِ المَهَا ... نحوِي وأيْدِي العِيسِ تنْفُث سمَّهَا لم يَبْكِ من ألَمِ الفِراقِ وإنما ... يسْقِي سيوفَ لِحاظه ليسُمَّهَا ثم نظم المعنى بعينه، فقال: ولقد يُشير إليَّ عن حَدَقِ الْمَهَا ... والرُّعْبُ يخْفِق في حَشاهُ الضَّامِرِ أسْيانَ يفْحَص في الحبالِ كأنه ... ظَبْيٌ يُخبِّط في حَبالةِ جاذر غشَّت نواظِرَه الدموعُ كأنها ... ماءٌ ترقْرَق في مُتُونِ ضَوامِرِ رقَّتْ شمائلُه ورَقَّ أدِيمُه ... فتكاد تشْربُه عيونُ النَّاظِرِ وقال أحمد الجوهري، معارضاً له: وظَبْيٍ غَرِيرٍ بالدَّلالِ مُحجَّبٍ ... يرى أن سَتْرَ العَيْن فَرْضُ المَحاجِرِ رَمانِي بطَرْفٍ أسْبَلَ الدمعَ دونه ... لِئلاَّ أرى عينيْه من دون ساتِرِ ولما وقف أدباء اليمن على بيتي النظام، تجاروا في مضمارهما بسوابق النظام. فقال السيد حسن الجرموزي: ورِئْمٍ فلا أصلُ المَحاسنِ فَرْعُه ... تبدَّى كبدرٍ في الدجَى للنَّواظِر سَبانِي بجَفْن أدْعج ماج ماؤُه ... فطرَّز شُهْبَ الدَّمْع ليلَ الغدائرِ وقال حسن بن علي باعفيف: وخِشْفٍ عليه الحسنُ أَوْقفَ حُسْنَه ... له ناظرٌ يحْمِيه عن كلِّ ناظرِ نظرتُ إليه ناثراً دُرَّ دَمْعِه ... فَنظَّام فكرِي هام في دُرِّ ناثِرِ وقال عبد الله الزنجي: وطَرْفٍ له فعلُ السيوفِ البَواتِرِ ... يُصِيب به مُسْتَلْئِما كلَّ حاسِرِ رمَى ورَنَا فانْهَلَّ بالدمعِ جَفْنُه ... كدُرٍ حَواه سِمْطُ نظمِ الجواهرِ وقال السيد علي بن النظام الناظم: وللهِ ظَبْيٍ كالهلالِ جَبينُه ... رَمانِي بسهمٍ من جُفونٍ فَواتِرِ جرَتْ بمآقِيه الدموع كأنّها ... مِياهُ فِرِنْدٍ في شِفاهِ بَواتِرِ ومن نظم النظام في الحماسة: إلى كم تقاضَاني الظُّبا وهْي ظامِيَهْ ... وتشْكُو العَوالِي جوعَها وهْي طاوِيَهْ وتُشْجِي الجِيادُ الصافِناتُ صَهِيلُها ... مُتَيَّمَ وَقْعاتٍ على الدَّمِ طافيَهْ فمن مُبْلِغٍ عني نِزاراً ويَعْرُباً ... أولئك قومٌ أرْتَجيهم لِمَا بِيَهْ

стр. 558

حُماةٌ كُماةٌ قادةُ الخيلِ في الوَغَى ... ضَراغِمُ يومَ الرَّوْع تَلْقاك ضاريَهْ بَهالِيلُ في الْبأْساءِ يومَ تَناضُلٍ ... إذا ما الْتَقى الجَيْشان فالعارَ آبِيَهْ ثِيابُهمُ من نَسْجِ داوُدَ سُبَّغاً ... وأوْجُههمْ تحكي بدوراً بِداجِيَهْ سَمَوْا لدِرَاكِ المجدِ والثأرِ والعُلَى ... ورَوّوا قَناهُم من دِما كلِّ طامِيَهْ وسارُوا على مَتْنِ الخُيولِ وسَوَّرُوا ... بذِي شُطُبٍ عَضْبٍ وسَمْراءَ عالِيَهْ عَلاءٌ لهم لم يبْرحُوا في حِفاظِه ... مدَى الدهرِ والأزْمانُ عنه مُحامِيَهْ فهم سادةُ الأقْوامِ شَرْقاً ومغرِباً ... وبَرّاً وبحراً والقُرومُ المُحاميَهْ فلا غَرْوَ أن كان النبيُّ محمدٌ ... إليهم لَيُنْمَى في جَراثيمَ سامِيَهْ به افْتخروا يوم الفَخارِ وقَوَّضُوا ... بِناءَ العُلَى عن كلِّ قومٍ مُضاهِيَهْ به كَسَرُوا كِسْرَى وفَلُّوا جُموعَه ... لكثْرتها في العَدِّ لم تدْرِ ما هِيَهْ ونافُوا على الأطْوادِ عِزّاً ورِفْعةً ... وزادُوا على الآسادِ بأْساً وداهِيَهْ بَلاغاً صريحاً واضحاً كاشفاً له ... قِناعَ المُحيَّا فَلْيُلبِّينَ داعِيَهْ وإيَّاهمُ والرَّيْثَ عن نَصْرِ خِدْنِهمْ ... ولا يأْمَنُوا الدنيا فليستْ بصافِيَهْ وقُلْ لهمُ يسْرُون فوق جِيادِهمْ ... خَفايَا كما تمْشِي مع السُّقْمِ عافيَهْ ولده السيد علي صاحب السلافة القول فيه أنه أبرع من أظلته الخضرا، وأقلته الغبرا. وإذا أردت علاوةً في الوصف قلت: هو الغاية القصوى، والآية الكبرى. طلع بدر سعده فنسخ الأهلة، وانهل سحاب فضله فأخجل السحب المنهلة. أخبرني السيد علي بن نور الدين بمكة المشرفة، قال: كان رفيقي في التحصيل، وزميلي في التفريع والتأصيل. والصبا ينزع أواخينا، والرغبة في الاستفادة تعقد في البين تواخينا. وكلانا في مبدأ صوب القطر من الغمامة، وباكورة خروج الزهرة من الكمامة. فكنت أشاهد من حذقه الغاية التي لا تدرك، ومن غرائب صنائعه المنزلة التي لا تشرك. هذا وليلُ الشبابِ الْجُونِ مُنْسَدِلٌ ... فكيف حين يجيءُ الليلُ بالسُّرُجِ ثم فارق البيت والمقام، ودخل الهند فنهض حظه بها وقام. وهو الآن متقلد خدم ملكها الشريفة، ومتفيءٌ في عهده ظلال النعم الوريفة. وقد ألف تآليف تهفو إليها الأفكار، وتجنح إليها جنوح الأطيار إلى الأوكار. منها كتابه المسمى بسلافة العصر، التي زف بها البكر ابنة الفكر، في هودجها الفرج، وجلبابها الأرج. تباطأ عنها السوابق، وتتطأطأ عن سموها السوامق. وجاء بها أصفى من ماء الشباب في غضارته، في زمن لم يبق منه إلا رديء عصارته. إلا أن الظنون مرجمة، وألسنة الانتقاد عنها مترجمة، والأقوال فيها كثيرة، والعبارات للازدراء مثيرة. وذلك لما بدا منه من أغراض، كان حقها أن تعامل بالإعراض. فهو في إيراد تلك الفصول، معرض بنفسه إلى وصمة الفضول. والحق أنه أحسن ماشا، وأبدع فيما أنشا ووشى. وكم أورد من نادرةٍ مستظرفة، وأبدع من فائدةٍ مستطرفة. وهو في الأدب بحرٌ ماله ساحل، إذا قصد أن يدنو منه طيف الفكر أصبح دونه بمراحل. وله شعر أرق من كل رقيق، وأحق بالقبول من غيره عند التحقيق. فمنه قوله من خمرية: لَمعتْ ليلاً فقالوا لَهَبُ ... وصفَتْ لَوْناً فقالوا ذهَبُ وإذا ما انْدفقَتْ من دَنِّها ... في الدُّجَى قالوا طِرازٌ مُذْهَبُ قهوةٌ رَقَّتْ فلولا كأسُها ... لم يُشاهِد جِرْمَها مَن يشْربُ وتراها في يدِ السَّاعي بها ... كوكباً يسْعَى بها لى كوكبُ ألْبَسَتْها الكأسُ طَوْقاً ذهَباً ... وحَباباً بالَّلآلِي الْحَبَبُ عجِبُوا من نُورِها إذْ أشرقتْ ... وشَذاها من سَناها أعْجَبُ

стр. 559

بِنْتُ كَرْمٍ كَرُمتْ أوصافُها ... أيُّ نَبْتٍ قام عنها العِنَبُ وقوله معارضاً قصيدة أبي العلاء المعري، التي أولها: هاتِ الحديثَ عن الزَّورَاءِ أوهِيتَا ... ومُوِقَدِ النَّارِ لا تكْرَى بتَكْرِيتَا وقصيدته هي هذه: يا حادِيَ الظُّعْنِ إن جُزْتَ المواقِيتَا ... فحَيِّ مَنْ بِمِنىً والْخَيْفَ حُيِّيتَا وسَلْ بجَمْعٍ أَجْمعُ الشَّمْلِ مَلتئِمٌ ... أم غالَه الدَّهرُ تفْرِيقاً وتشْتيتَا والْثَم ثَرَى ذلك الوادي وحُطّ به ... عن الرِّحالِ تنَلْ يا صاحِ ما شِيتَا عهْدِي به وثَراهُ فائحٌ عَبِقٌ ... كالمِسْكِ فتَّتَه الدَّارِيُّ تفْتِيتَا والدُّرُ ما زال من حَصْبائِه خَجِلاً ... كأنَّ حَصْباءَه كانت يَواقيتَا يؤُمُّه الوَفْدُ مِن عُرْبٍ ومن عجمٍ ... ويسبُرون له البِيدَ السَّبارِيتَا يطْوُون عُرْضَ الليالِي طُولَ ليلِهمُ ... لا يهْتدون بغير النَّجْمِ خِرِّيتَا من كلِّ مُنْخَرِق السِّرْبالِ تحسَبُه ... إذا تَسَرْبَل بالظَّلْماءِ عِفْريتَا لا يطْعَم الماءَ إلاّ بَلَّ غُلّتِه ... ولا يذُوق سِوى سَدِّ الطُّوَى بِيتَا يفْرِي جُيوبَ الفَلا في كلِّ هاجِرةٍ ... يُماثِل الضّبُّ في رَمْضائِها الحُوتَا ترى الحصَا جَمَراتٍ من تلهُّبها ... كأنما أُوقِدتْ في القَفْرِ كبْرِيتَا أجاب دَعْوةَ داعٍ لا مَرَدَّ له ... قَضى على الناسِ حَجَّ البَيْت تَوْقيتَا يرجو النَّجاةَ بيومٍ قد أهاب به ... في موقفٍ يدَعُ المِنْطيقَ سِكِّيتَا فسار والعَزْمُ يطْوِيه وينْشُره ... يُنازِل البَيْن تصْبِيحاً وتبْييتَا حتى أناخَ على أُمِّ القُرَى سَحَراً ... وقد نضَا الصبحُ للظّلْماءِ إصْليِتَا فقام يقْرَعُ بابَ العَفْو مُبتهِلاً ... لم يخْشَ غيرَ عتابِ اللهِ تبْكِيتَا وطَاف بالبيتِ سَبْعاً وانثنى عَجِلاً ... إلى الصَّفا حاذِراً للوقْتِ تفْوِيتَا وراح مُلْتَمِساً نَيْلَ المُنَى بِمِنىً ... ولم يخَفْ غيرَ حِلّ الْخَيفِ تعْنِيتَا وقام في عَرَفاتٍ عارفاً ودعَا ... رَبّاً عَوارِفُه عَمَّتْه ترْبيتَا وعاد منها مُفِيضاً وهْو مُزْدَلِفٌ ... يرْجُو من اللهِ تمكِيناً وتثْبِيتَا وبات للجَمَراتِ الرُّقْشِ مُلْتقِطاً ... كأنه لاقِطٌ دُرّاً ويَاقوتَا وحين أصْبَح يومَ النَّحرِ قام ضُحىً ... يُوفِي مَناسِكَه رَمياً وتَسْبيتَا وقرَّبَ الهَدْيَ تَهْدِيه شرائعُه ... إلى الهُدَى ذاكِراً لله تسْمِيتَا وملأَّتْه الليالي الْخَيفَ بَهْجتَها ... فَحجَّ للدِّين والدنيا مَواقِيتَا حتى إذا كان يومُ النَّفْرِ نَفّرَه ... وجَدَّ ينكُث في الأحْشاء تَنْكيتَا ثم اغْتدَى قاضِياً من حَجِّه تَفَثاً ... يرجُو لتزكيةِ الأعمالِ تَزكِيتَا وودَّع البيتَ يرْجو العَوْدَ ثانيةً ... وليْته عنه طولَ الدهرِ ما لِيتَا وأمَّ طَيْبَة مَثْوى الطّيِّبين وقد ... ثَنَى له الشوقُ نحْوَ المصطفى لِيتَا فواصَل السيرَ لا يلْوِي على سَكَنٍ ... أزاد حُبّاً له أم زاد تمْقِيتَا حتى رأى القُبَّة الخضراءَ حاكِيةً ... قصراً من الفَلَك العُلْوِيِّ مَنْحوتَا فقبَّل الأرضَ من أعْتابِ ساحتِها ... وعفَّر الخدَّ تعْظِيماً وتشْمِيتَا حيث النبُوَّةُ ممدودٌ سُرادِقُها ... والمجدُ أنْبَته الرحمنُ تنْبِيتَا مَقامُ قُدْسٍ يحارُ الواصِفون له ... ويرجِعُ العقلُ عن عَلْياه مَبْهوتَا

стр. 560

لو فاخَرَتْه الطِّباقُ السَّبْعُ لانْتكسَتْ ... وعاد كوكبُها الدُّرِّيُّ مَبْكوتَا تسْتوقفُ العَيْنَ والأبصارَ بَهْجتُه ... وتجْمع الفضلَ مَشْهوداً ومنْعوتَا يقول زائرُه هاتِ الحديثَ لنا ... عن زَوْرِه لا عَنِ الزَّوْراءِ أو هِيتَا وصِفْ لنا نُورَهُ لا نُور عادِيةٍ ... باتتْ تُشَبُّ على أيْدِي مَصالِيتَا مَثْوَى أجَلِّ الورَى قَدْراً وأرْحَبِهم ... صَدْراً وأرْفعِهم يومَ الثَّنَا صِيتَا نَبِيُّ صِدْقٍ هَدَتْ أنوارُ غُرَّتِه ... بعد العَمَى للهُدَى مَن كان عِمِّيتَا وأصْبحت سُبُلُ الدِّين الحَنِيفِ به ... عَوامِراً بعد أن كانتْ أمَارِيتَا أحْيَى به اللهُ قوماً قام سَعْدُهمُ ... كما أماتَ به قَوْماً طَواغِيتَا لَوْلاه ما خاطب الرحمنُ من بَشَرٍ ... ولا أبان لهم دِيناً ولاَهُوتَا له يدٌ لا نُرَجِّي غيرَ نائِلِها ... وقاصِدُ البحرِ لا يرْجُو الهَرامِيتَا فلو حَوَتْ ما حَوَتْه السُّحْبُ من كَرَمٍ ... لَما سمِعْتَ بها للرَّعْدِ تَصْوِيتَا فقُل لِمَن صَدَّه عنه غَوايتُه ... لو اهْتدَيْتَ إلى سُبْلِ الهدى جِيتَا ما رام حَصْرَ مَعالِيه أخُو لَسَنٍ ... إلاّ وأصبح بادِي العِيِّ صِمِّيتَا يا أشْرفَ الرُّسْلِ والأمْلاكِ قاطِبةً ... ومَن به شَرَّفَ اللهُ النَّواسِيتَا سَمْعاً لدعوةِ نَاءٍ عنك مُكْتَئِبٍ ... فكَمْ أغثْتَ كئيباً حين نُودِيتَا يرجوك في الدِّين والدنْيا لِمَقْصدِه ... حاشا لِراجِيك مِن بأسٍ وحُوشِيتَا أضْحَى أسيراً بأرضِ الهنْدِ مُغْترِباً ... لم يَرْجُ مَخْلَصَه إلاَّ إذا شِيتَا فنجِّنِي يا فَدتْك النفسُ مِن بَلَدٍ ... أضْحتْ لِقاحُ العُلى فيها مَفالِيتَا وقد خدَمْتُك من شِعْرِي بقافيةٍ ... نَبَّتُّ فيها بديعَ القَوْلِ تنْبِيتَا وزانَها الفِكرُ من سِحْرِ البيانِ بما ... أعْيَى ببابِلَ هارُوتاً ومَارُوتَأ جلَّتْ بمَدْحِك عن مثلٍ يُقاسُ بها ... ومَن يَقِيسُ بنَشْرِ المِسْكِ حِلْتِيتَا عليك من صَلَواتِ الله أشْرَفها ... وآلِك الطُّهْرِ ما حُيُّوا وحُيِّيتَا وقوله، من قصيدة أخرى، أولها: يا دار مَيَّةَ باللِّوَى فالأجْرعِ ... حَيَّاكِ مُنْهَمِلُ الْحَيَا من أدْمُعِي وسرَى نسيمُ الرَّوْضِ يسْحَب ذَيْلَه ... بمَصِيفِ أُنْسٍ في حِماكِ ومَرْبَعِ لو لمْ تَبِيتِي من أَنِيسكِ بَلْقَعاً ... ما بِتُّ أنْدُب كلَّ دارٍ بَلْقَعِ لم أنْسَ عَهْدَك والأحِبَّةُ جِيرَةٌ ... والعَيْشُ صَفْوٌ في ثَراكِ المُمْرِعِ أيَّامَ لا أُصْغِي لِلَوْمةِ لئمٍ ... سَمْعاً وإن تُغْرِ الصَّبابةُ أسْمَعِ حيثُ الرُّبَا تسْرِي برَيَّاها الصَّبا ... والرَّوضُ زَاهِي النَّوْرِ عَذْبُ المَشْرَعِ تحْنُو عليَّ عَواطِفاً أغْصانُها ... عند المَبِيتِ به حُنُوَّ الُرْضِعِ والوُرْقُ في عَذَبِ الغُصونِ سَواجِعٌ ... تشْدُو بمَرْأىً من سُعادَ ومَسْمَعِ كم بِتُّ فيه صَرِيعَ كأسِ مُدامةٍ ... حِلْفَ البَطالةِ لا أُفِيقُ ولا أًعِي أصْبُو بقلبٍ لا يزال مُوَلَّعاً ... في الحُبِّ بين مُعَمَّمٍ ومُقَنَّعِ مُسْتهْتَرٌ طَوْعُ الصَّبابةِ في هَوَى ... قَمَرَيْ جمالٍ مُسْفِرٍ ومُبَرْقَعِ ما ساءني أن كنتُ أوَّلَ مُغْرَمٍ ... بجمالِ رَبِّ رِداً ورَبَّةِ بُرْقُعِ يقْتادني زَهْوُ الشبابِ وعِفَّتِي ... فيه عَفافُ الناسِكِ المُتورِّعِ

стр. 561

للهِ أيامِي بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... حيثُ الهوَى طَوْعِي ومَن أهْوَى مَعِي لم أنْسَه والبَيْنُ ينْعَقُ بيْننا ... مُتصاعِدَ الزَّفَراتِ وهْو مُودِّعِي إن شَبَّ في قلبي الغَضا بفِراقِه ... فلقد ثَوَى بالْمُنْحَنَى من أضْلُعِي أتجَشَّم السُّلْوانَ عنه تكلُّفاً ... والطبعُ يغلِبُ شِيمةَ المتَطبّعِ وقوله من أخرى، أولها: بين العُذَيْبِ وبين بَرْقةِ ضاحِكِ ... غَرَّاءُ تبْسَم عن شَنِيبٍ ضاحِكِ في حبِّا للعاشقين مَصارِعٌ ... من هالِكٍ فيها ومن مُتهَالِكِ تسْطُو مَعاطِفُها وسُودُ لِحاظِها ... بِمُثقَّفٍ لَدْنٍ وأبْيضَ فاتِكِ لا تستطِبْ يوماً مَوارِدَ حبِّها ... ما هُنَّ للعُشَّاقِ غيرَ مَهالِكِ فتكَتْ بألْبابِ الرجالِ ولم تصِلْ ... بسِوَى فواتِن للقلوب فَواتِكِ يُرْدِيك ناظِرُها ويُغْضِي فاعْجَبَنْ ... من فاِسقٍ يحكي تعفُّفَ ناسِكِ هجَرتْ وما اتَّسعتْ مَسالِكُ هجرِها ... إلاّ وضاقتْ في الغرامِ مَسالِكِي ولقد أبِيتُ على القَتَادِ مُسهَّداً ... وتبِيتُ وَسْنَى في مِهادِ أرائِكِ لا تسْتعِرْ جَلَداً على هِجْرانِها ... إن كنتَ في دعوَى الغرامِ مُشارِكِي واتْرُكْ حديثَ المُعْرضِين عن الهوَى ... يا صاحبِي إن كنتَ لستَ بتاركِي وإذا دعاك لِبَيْعِ نفسِك سائمٌ ... في حبِّها يوماً فبِعْه وبارِكِ إن التي فتنتْك ليلةَ أشْرقتْ ... إشْراقَ شمسٍ في دُجُنَّةِ حالِكِ لا تصْطفِي خِلاً سوى كلِّ امْرِىءٍ ... صَبٍ لأسْتارِ التنسُّكِ هاتِكِ فاخلَعْ ثيابَ النُّسْكِ فيها واسْترِحْ ... من عَذْلِ لاَحٍ في الصَّبابةِ آفِكِ أو لا فدَعْ دعوى المَحبَّةِ واجتنِبْ ... نَهْجَ الغرامِ فلستَ فيه بسالِكِ وإذا بدَا منها المُحَيَّا فاسْتعِذْ ... من سافِرٍ لِدَمِ الأحبَّةِ سافِكِ كم من مُحِبٍ قد قَضَى في حبِّها ... وَجْداً عليه فكان أهْوَنَ هالِكِ ملكتْ نفوسَ أُلِي الغرامِ بأسْرِها ... هلاَّ اتَّقيْتِ اللهَ يا ابنةَ مَالِكِ حَسْبِي وُلوعاً في هواكِ ولَوْعةً ... إن تطْلُبِي قَتْلِي ظَفِرْتِ بذلكِ وله من نونية نبوية، أولها: تذكَّر بالحِمَى رَشَأً أغَنَّا ... وهاج له الهوى طَرباً فغَنَّى وحَنَّ فؤادُه شوقاً لِنَجْدٍ ... وأين الهندُ من نجدٍ وأنَّى وغنّتْ في فروعِ الأيْكِ وُرْقٌ ... فجاوَبَه بزَفْرتِه وأنَّا وطارحَها الغرامَ فحين رَنَّتْ ... له بتَنفُّسِ الصُّعَداءِ رَنَّا وأوْرَى لاعِجَ الأشواقِ منه ... بَرِيقٌ بالأبَيْرِقِ لاح وَهْنَا مُعَنى كلما هبَّتْ شَمالٌ ... تذكّر ذلك العيشَ المُهَنَّا إذا جَنَّ الظلامُ عليه أبْدَى ... من الوَجْدِ المُبرِّحِ ما أجَنَّا سقَى وادِي الغَضا دمعِي إذا ما ... تهلّل لا السَّحَابُ إذا ارْجَحَنَّا فكم لي في رُباه قَضِيبُ حُسْنٍ ... تفرَّد بالمَلاحةِ إذْ تَثَنَّى كَلِفْتُ به وما كُلِّفْتُ فَرْضاً ... فأوجَب طَرْفُه قَتْلِي وسَنَّا وأبْدَى حبَّه قلبي وأخْفَى ... فصرَّح بالهوى شَوْقاً وكَنَّا تفنن حسنُه في كلِّ معنىً ... فصار العشقُ لي بهَواه مَعْنَى بدا بَدْراً ولاح لنا هِلالاً ... وأشْرَق كوكباً واهْتَزَّ غُصْنَا وثنَّى قَدَّه الحسَنَ ارْتياحاً ... فهام القلبُ بالحسَنِ المُثَنَّى

стр. 562

ولو أن الفؤادَ على هَواهُ ... تمَنَّى كان غايةَ ما تَمَنَّى بكيْتُ دماً وحَنَّ إليه قلبِي ... فخضّب من دمِي كَفاً وحَنَّا ألا يا صاحبَيَّ ترفّقا بي ... فإن البَيْنَ أنْصَبنِي وعَنَّا ولم تُبْقِ النَّوَى لي غيرَ عَزْمٍ ... إذا حَفّتْ به المِحَنُ اطْمَأنَّا وأُقْسِم ما الهوى غَرَضِي ولكنْ ... أُعَلِّلُ بالهوى قلباً مُعَنَّى وأصْرِفُ بالتأنِّي صَرْفَ دهرِي ... وأعلمُ أن سيظْفَرُ مَن تأنّى وأدْفَعُ فادحاتِ الخَطْبِ عنِّي ... بتفْويضٍ إذا ما الخَطْبُ عَنَّا ولا واللهِ لا أرْجُو لِيُسْرِي ... وعُسْرِي غيرَ من أغْنَى وأقْنَى أخوه محمد يحيى غصن طيب النما، أشبه بأخيه من الماء بالما. فهو الرمح وأخوه سنانه، وكلاهما في حومة الأدب فارسٌ أطلق عنانه. وكان رحل إلى أبيه للهند، فأقام في كنفه يتأدب بآدابه، وكانت ملازمته من دابه. ولم يزل من كفايته في ظلٍ غير مقلص، ومن حفايته في موردٍ غير منغص. حتى غرب نجمه في إبان استنارته، وخسف بدره في بدء استدارته. فأضحى ناظر الأدب لفقده رمدا، وقلب الأماني لحينه متفجعاً كمدا. وقد ظفرت من شعره بما هو أغر من الصدغ المرسل، وأعذب من الرحيق السلسل. فدونك منه ما لا يجد خاطرك فيه تعسفا، غير أني أراك تكثر على قلته تأسفا: تذكّرتُ أيامَ الحَجِيجِ فأسْبَلَتْ ... جفوني دِماءً واستَجدّ بيَ الوَجْدُ وأيَّامَنا بالمَشْعَريْنِ التي مَضتْ ... وبالخَيْفِ إذْ حادِي الركاب بنا يحْدُو وقوله أيضاً: ألا يا زماناً طال فيه تباعُدي ... أما رحمةٌ تدْنُو بها وتجودُ لألْقَى الذي فارقتُ أُنْسِيَ مذ نأَى ... فها أنا مسلوبُ الفؤادِ فرِيدُ وقوله: ألا لا سقَا الله البعادَ وَجوْرَهُ ... فإن قليلاً منه عنك خطيرُ وواللهِ لو كان التَّباعُدُ ساعةً ... وأنت بعيدٌ إنه لكثيرُ وكتب إلى أخيه من قصيدة طويلة، أولها: أقِلْ أيُّهذا القلبُ عمَّا تُحاولُهْ ... فإنك مهما زِدْتَ زاد تَشاغُلُهْ دَعِ الدهرَ يفعلْ كيف شاء فقلَّما ... يرُوم امْرُؤٌ شيئاً وليس يُواصِلُهْ وما الدهرُ إلاَّ قُلَّبٌ في أمورِه ... فلا يغْترِرْ في الحالتيْن مُعامِلُهْ ويا طالَما طاب الزمانُ لِواجِدٍ ... فسَرَّ وقد ساءتْ لَدَيْه أوائلُهْ سقَى ورعَى اللهُ الحجازَ وأهلَه ... مُلِثّاً تعُمُّ الأرضَ سَقْياً هَواطِلُهْ فإن به داري ودارِي عَزِيزةٌ ... عليَّ ومهما أشْغَل القلبَ شاغِلُهْ ولكنَّ لي شوقاً إلى خُلَّتي التي ... متى ذُكِرتْ للقلبِ هاجتْ بَلابِلُهْ أبِيتُ ولي منها حَنِينٌ كأنني ... طَرِيحُ طِعانٍ قد أُصِيبَتْ مَقاتلُهْ هَوىً لكِ ما ألْقاه يا عَذْبةَ اللَّمَى ... وإلاّ فصَعْبٌ ما أتى اليوم حامِلُهْ أُكابِدُ فيك الشوقَ والشوقُ قاتِلي ... وأسألُ عمَّن لم يُجِبْ مَن يسائِلُهْ تَقِي اللهَ في قَتْلِ امْرِىءٍ طال سُقْمُه ... وإلاّ فإن الهجرَ لاشكَّ قاتلُهْ صِلِيه فقد طال الصُّطودُ فقلّما ... يعيش امْرُؤٌ والصدُّ ممَّا يقاتلُهْ حَزِينٌ لِمَا يْلقاه فيك من الجَوى ... فها هو مُضْنىً مُدْنَفُ الجسمِ ناحِلُهْ بلَى إن يكنْ لي من عليٍ وعَزْمِه ... مُعِينٌ فإنِّي كلَّ ما شئتُ نائِلُهْ فراجعه بقوله: إليك فقلبي لا تقَرُّ بَلابِلُهْ ... إذا ما شدَتْ فوق الغصونِ بلاَبلُهْ تُهيِّجُ لي ذِكْرَى حبيبٍ مُفارِقٍ ... زَرُودُ وحُزْوَي والعقيقُ مَنازلُهْ

стр. 563

سَقاهُنَّ صَوْبُ الدمعِ منِّي ووَبْلُهُ ... منازلَ لا صَوْبُ الغمامِ ووابِلُهْ يحُلُّ بها من لا أُصَرِّحُ باسْمِه ... غزالٌ على بُعْدِ المَزارِ أُغازِلُهْ تقسَّمه للحُسْنِ عَبْلٌ ودِقَّةٌ ... فَرَنَّ وِشاحاه وصُمَّتْ خَلاخِلُهْ وما أنا بالنَّاسِي لياليَ بالحِمَى ... تقضَّتْ ووِرْدُ العَيْشِ صَفْوٌ مَناهِلُهْ لياليَ لا ظَبْيُ الصَّرِيمِ مُصارِمٌ ... ولا ضاق ذَرْعاً بالصدودِ مُواصِلُهْ وكم عاذلٍ قلبي وقد لَجَّ في الهوى ... وما عادلٌ في شِرْعةِ الحبِّ عاذِلُهْ يلومون جَهْلاً بالغرامِ وإنما ... له وعليه بِرُّه وغَوائِلُهْ فاللهِ قلبٌ قد تمادَى صَبابةً ... على اللَّوْمِ لا تنْفكُّ تغْلِي مَراجلُهْ وبالحِلّةِ الفيْحاءِ من أبْرُقِ الحِمَى ... رَداحٌ حَماها من قَنا الخَطِّ ذابِلُهْ تمِيسُ كما ماس الرُّدَيْنِيُّ مائداً ... وتهْتزُّ عُجْباً مثلَما اهْتزَّ عاملُهْ مُهَفْهَفةُ الكَشْحَيْنِ طاويةُ الحَشَا ... فما مائدُ الغُصْنِ الرَّيِبِ ومائلُهْ تعلّقْتُها عَصْرَ الشَّبِيبةِ والصِّبا ... وما علِقتْ بي من زمانِي حَبائلُهْ حذِرْتُ عليها آجِلَ البُعْدِ والنَّوَى ... فعاجَلنِي من فادِحِ البَيْنِ عاجلُهْ إلى اللهِ يا أسْماءُ نفساً تقطَّعتْ ... عليكِ غراماً لا أزال أُزاوِلُهْ وخطبٍ بِعَادٍ كلَّما قلتُ هذه ... أواخِرُه كرَّتْ عليَّ أوائلُهْ لئن جار دهرٌ بالتفرُّقِ واعْتدَى ... وغال التَّدانِي من دَهَا البَيْنِ غائلُهْ فإنِّي لأرجُو نَيْلَ ما قد أمَلْتُه ... كما نال من يحيى الرَّغائبَ آمِلُهْ وخاطب أخاه أيضاً بقوله: وما شوقُ مَقْصوصِ الجناحيْن مُقْعَدٍ ... على الضَّيْمِ لم يقدِرْ على الطيرانِ بأكْثرَ من شوقِي إليك وإنما ... رَماني بهذا البُعْدِ عنك زَمانِي جمال الدين محمد بن أحمد الشاهد شاعر بيض وجه الصحائف بسواد نقسه، وكاتب أقام على فضله شاهداً كألف شاهدٍ من نفسه. فإذا أخذ القلم بيمينه، جاء من معدن الدر بثمينه. وكان في رونق حداثته، وملاحة نفاثته. حيث برد شبابه قشيب، ومسك ذوائبه لم يدر فيه كافور مشيب. حليف كأسٍ وأليف دن، وله التصابي شغلٌ والخلاعة ديدن. لا ينتقل من خمارٍ إلا إلى خمار، ولا يقلع عن هوى ذي عمامة إلا إلى هوى ذات خمار. حتى بدت الشعرات البيض، وأخذت تفرخ في العارض وتبيض. ولم يبق في إناء العمر إلا صبابة، يتدارك بها ما فات أيام لهو وصبابة. فأصبح شيخ سجادة ومحراب، بعد أن كان فتى دسكرةٍ وشراب. ومقتفى إنابة ودعا، بعد أن كان متروك إناءٍ للراح ووعا. قال السيد علي بن معصوم في سلافته: وبلغني أن الراح أورثت يده رعشة؛ لتعاطيه لها، فقلت: لا تحسَبوا الرَّاح أورثتْ يدَه ... من سُوئِها رَعْشةً لها اضْطَرابَا لكنه لا يزال يَلْمَسُها ... فالكَفُّ تهْتزُّ دائماً طَرَبَا ومما يقارب هذا قول الشهاب: أقولُ لِمُدْمِن الرَّاح الذي ارْتعشَتْ ... كَفّاه إذْ راح من ثَوْبِ التُّقَى عارِي كأن كفّك مَقْرورٌ برَعْشتِه ... وليس يصْلَى بغير الكأسِ من نارِ وأنا أقول: الأنسب أن ينشد بعد توبته ما اختلسته من قول البعض: لَعَمْرُكَ ما اهْتزَّتْ له الكفُّ رَعْشةً ... ولكنْ أرداتْ أن ينامَ خُمارُهُ على أنَّ فيها الكأسَ يرقُص فَرْحةً ... بذِكْرَى زمانٍ طاب فيها قَرارُهُ وقد ذكرت من شعره ما يشوق ويروق، وتحسده شمس الكأس وشمس الأفق في غروب وشروق. فمن ذلك ما راجع به السيد أحمد بن مسعود، وقد كتب إليه:

стр. 564

وشادِنٍ وافَى وكان خُلْسةً ... من بَعْدِ ما أرَّقني بمَطْلِهِ لمَّا بدا مُحْتجِباً بمِرْطِه ... كيْما يَنِمَّ ضَوْءُه لأهلِهِ قلتُ له البدرُ إذا الغَيْمُ غَشَى ... أنْوارَه ترجُو الورَى لِوَبْلِهِ فقال لي مُسْتضحِكاً يهْزأُ بي ... ما أحسنَ الشّاهِدَ في مَحَلِّهِ يا جمال العلم والأدب، والناس إليهما من كل حدب. أشرف على هذه الأبيات، وحل عاطلها بفوائد الصفات. وإن استدعيتنا إلى محلك ولا زال آهل، وكواكب أفقه بوجودك زاهرة ونجم أعدائك آفل. قلنا: ما أحسن الشاهد في محله، ولا بدع أن يرجع الفرع لأصله. والسلام. فأجابه بقوله: للهِ ما أبْدَتْ وماذا أبْدَعتْ ... من دُرِّ عِقْدٍ قد زَها مِن أهْلِهِ بَدِيهةٌ لواحدِ العصرِ ومَن ... حاز المَعالي نَاشِياً كأصْلِهِ نَظْمُ لآلٍ من مَلِيكٍ ماجِدٍ ... فاق الأُلَى هيْهات دَرْكُ مِثْلِهِ شرَّفني بقطعةٍ من نَظْمِه ... أحْلَى من الحِبِّ وَفَى بوَصْلِهِ أشار فيها أن يزُور منزلاً ... ما فيه إلاّ ما نَما من فضلِهِ ما هُوَ إلاّ روضةٌ أمْطرَها ... ما سَحَّ من هامِي مَطِيرِ وَبْلِهِ فإن يزُرْ شاهدَ معناه يقُلْ ... ما أحْسَن الشاهدَ في مَحَلِّهِ ثم أعقب تالأبيات بنثرٍ، قال فيه: ناظم درها، وناسج حبرها. وصلته الأبيات الشريفة، من الحضرة العالية المنيفة. فحير عقله ما حبر منشيها، وأدهش لبه ما دبج موشيها. فوالله لولا أن يقال غاليت، لكتبت تحت كل بيت: " فليعبدوا رب هذا البيت ". كيف لا ومفترع بكرها مفترع الأبكار البديعة النظام، الفائقة بتقديمها على من تقدمها من شعراء الجاهلية والإسلام. ليث بني هاشم الضراغم، واسطة عقد الأكارم ألي المكارم. وحين سرحت طرف الطرف في ميدان رياضها، ونشقت عنبر عبيرها من نشر غياضها. واكتحل ناظري بنير مدادها المرقوم، ورشف سمعي من رحيق معناها المختوم. أنشدت، ولا بدع فيما أوردت: فللهِ ما أدْرِي أزَهْرُ خَميلةٍ ... بطِرْسِك أم دُرٌّ يلُوح على نَحْرِ فإن كان زَهْراً فهْو صُنْعُ سَحابةٍ ... وإن كان دُرّاً فهْو من لُجَّةِ البحرِ وما لوح به سيدنا من زيارة العبد في الدار، التي هي وما فيها من بعض فضله المدرار. فلسان الحال، ينشد هذا المقال: قالوا يزورُك أحمدٌ وتزورُه ... قلتُ الفضائلُ لا تُفارِقُ مَنْزِلَهْ إن زارني فبفضْلِه أو زُرْتُه ... فلفضلِه والفضلُ في الحاليْن لَهْ أبو الفضل بن محمد العقاد ماذا أقول فيمن هو والفضل ابنٌ وأب، وقد تبلغ بالصنعة حتى فاق من درج ودب. لقبه عقاد وهو لمشكلات القريض حلال، فإذا تفوه أو كتب سحر لكن بسحرٍ حلال. دخل المغرب في عهد الملك المنصور، فنال حظوة يعترف لسان اليراعة عن حصر بواعثها بالقصور. فهو ممن غرب وأغرب، وأدب فهذب. وقابل تلك العصابة، بخاطرٍ قدح زند الإصابة، ورمى غرض الأماني فأصابه. فكتب اسمه في حسنات الأيام، كما كتب شعره في حسنات الأنام. فمن شعره الذي ناظر به نسيم الزهر في السحر، وباهى قضاء الوطر على الخطر. قوله من موشحٍ مدح به السلطان المذكور: ليت شِعْرِي هل أُروِّي ذا الظَّمَا ... من لَمَى ذاك الثُّغَيْرِ الألْعَسِ وترى عيْنايَ رَبَّاتِ الحِمَى ... باهياتٍ بقُدودٍ مُيَّسِ فقد طال بِعادِي والهوى ... ملَك القلب غراماً وأسَرْ هَدَّ من رُكْنِ اصْطِباري والقُوَى ... مُبْدِلاً أجفانَ عيني بالسَّهَرْ حين عَزَّ الوصل من وادِي طُوَى ... هَملتْ أدمعُ عينِي كالمطَرْ فعساكم أن تجودُوا كَرَماً ... بِلقاكم في سَودِ الحِندِسِ علّه يشفى كَلِيماً مُغْرَماً ... من جِراحاتِ العيونِ النُّعَّسِ كلَّما جَنَّ ظلامُ الغَسَقِ ... هَزَّني الشوقُ إليكم شَغَفَا

стр. 565

واعتراني مِن جَفاكم قَلَقِي ... وتذكَّرْتُ جِياداً والصَّفَا وتَناهتْ لَوْعتي من حُرَقِي ... كم أُعَزِّي الوجدَ بي والتَّلَفَا فانْعِمُوا لي ثم جُودُوا لي بما ... يُطْفِىءُ اليومَ لَهِيبَ الْقَبَسِ إنني أرْضَى رِضاكم مَغْنَماً ... لِبقا نَفْسِي ومَحْيَي نَفَسِي كنتُ قبلَ اليوم في زَهْوٍ وتِيهِ ... مَعْ أُحَيْبَابي بسَلْعٍ ألْعَبُ ومعي ظَبْيٌ بإحْدَى وجْنَتيْه ... مَشرِقُ الشمسِ وأخْرى مَغْرِبُ فرَماني بسهامٍ من يديْهِ ... قابِسُ البَيْنِ فقلبي مُتْعَبُ لستُ أرجُو لِلِقاهم سُلّماً ... غير مَدْحِي للإمام الأرْأَسِ أحمدُ المحمودُ حَقّاً مَن سَمَا ... الشريفُ بن الشريفِ الأكْيَسِ قلت: وقد حكى المقري، في نفح الطيب أنه ممن اجتمع بالحضرة المنصورية، أبو الفضل العقاد المكي المذكور، والشريف المدني، وهو رجل وافدٌ من أهل المدينة انتمى إلى الشرف، والشيخ إمام الدين الخليلي، الوافد على حضرته من بيت المقدس. فقال إمام الدين هذا للمنصور: يا أمير المؤمنين، إن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، شد أهلها إليك الرحال. أحمد بن محمد الأسدي الشبل بن الليث، والوبل ابن الغيث، والتيار ابن البحر، والصباح ابن الفجر. اشتمل بالمجد الصراح، ولطفت ذاته لطف الراح. ولما رأى أن المخالطة، لا تثمر إلا محض المغالطة. انعكف في زاوية العزلة، وتفرد في حجرةٍ والعز له. وقد ذكرت من شعره ما تعوذه بالسبع، وتعلم منه رقة الطبع. فمنه قوله: دَعِ المُدامَةَ يعلُو فوقها الحَبَبُ ... رُضابُه وثَناياه لنا أرَبُ نَزِّه فؤادَك من رَاحِ الكئُوسِ وخُذْ ... راحاً من الثَّغْر عنها يعجِز العِنَبُ شَتَّان بين حلالٍ طيِّبٍ وحَرا ... مٍ حامضٍ يزْدرِيه العقلُ والأدبُ إذا تَغَزَّلت في خمرٍ وفي قَدَحٍ ... فما مُرادِيَ إلا الثَّغْرُ والشَّنَبُ لِلّهِ دَرُّ مُدامٍ بِتُّ أَرْشُفُهَا ... مِنْ فِي غَزَالٍ إلى الأتْرَاكِ ينْتَسِبُ مُهَذَّبُ اللَّحْظِ زَنْجِيُّ السَّوالفِ لم ... تَحْوِ الذي قد حَوَاه العُجْمُ والعَربُ منها: قالت مَبَاسِمُهُ للبرقِ حينَ سَرَى ... لقد حكيْتَ ولكن فاتَكَ الشَّنَبُ وبِتُّ أَشْدُو على الغُصْنِ الرَّطِيب كذا ... بيْني وبينك يا وُرْقَ الحِمَى نَسَبُ يقولُ لمَّا رأى دمعِي جَرَى ذَهَباً ... يا مَطْلَباً ليسَ لي في غيرِهِ أرَبُ تَبَّتْ يَدَا عاذِلِي عمَّنْ أُعَوِّذُهُ ... بالناسِ من نافث أو غاسقٍ يَقِبُ إنَّ الْمُحَرَّم سُلْوَاني لِطَلْعَتِهِ ... فقُل لشَعْبَانَ عنِّي إنني رجبُ كيف السُّلُوُّ وعيْني كلّما نظَرتْ ... لَوامِعَ البرقِ قالتْ زالتِ الحُجُبُ قوله: إن المحرم.. إلى آخر البيت، زاد فيه المحرم على قول القائل: وشادنٍ مُبْتسِمٍ عن حَبَبْ ... مُوَرَّدِ الخدِّ مَلِيحِ الشَّنَبْ يلُومُني العاذِل في حُبِّه ... وما درَى شعبانُ أنِّي رجبْ والمراد من شبعان: العاذل؛ ومن رجب: الأصم؛ لأن العرب كانت تسمي المحرم: المؤتمر؛ وصفر: ناجرا؛ وربيع الأول خوانا؛ وربيع الآخر: بصانا؛ وجمادى الأولى: الحنين، وجمادى الآخرة: الرنة؛ ورجب: الأصم؛ وشعبان: العاذل؛ ورمضان: الناتق؛ وشوال: وعلا؛ وذا القعدة: هواعا؛ وذا الحجة: بركا. وعلى ذكر أسماء الشهور، فلنذكر أسماء الأيام. وقد نظمها بعضهم، فقال: أُؤمِّل أن أعِيش وأن يَوْمِي ... بأوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبَارِ أو التَّالِي دُبار فإنَّ فيها ... فمُؤُنِس أو عَرُوبة أو شِيَارِ ومن شعره قوله معارضاً قصيدة ابن المعتز التي أولها: سقَى المَطيرة ذات الظِّلِّ والشَّجَرِ ومستلهها قوله:
следующие страницы →