← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

للهِ أيامِي بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... حيثُ الهوَى طَوْعِي ومَن أهْوَى مَعِي لم أنْسَه والبَيْنُ ينْعَقُ بيْننا ... مُتصاعِدَ الزَّفَراتِ وهْو مُودِّعِي إن شَبَّ في قلبي الغَضا بفِراقِه ... فلقد ثَوَى بالْمُنْحَنَى من أضْلُعِي أتجَشَّم السُّلْوانَ عنه تكلُّفاً ... والطبعُ يغلِبُ شِيمةَ المتَطبّعِ وقوله من أخرى، أولها: بين العُذَيْبِ وبين بَرْقةِ ضاحِكِ ... غَرَّاءُ تبْسَم عن شَنِيبٍ ضاحِكِ في حبِّا للعاشقين مَصارِعٌ ... من هالِكٍ فيها ومن مُتهَالِكِ تسْطُو مَعاطِفُها وسُودُ لِحاظِها ... بِمُثقَّفٍ لَدْنٍ وأبْيضَ فاتِكِ لا تستطِبْ يوماً مَوارِدَ حبِّها ... ما هُنَّ للعُشَّاقِ غيرَ مَهالِكِ فتكَتْ بألْبابِ الرجالِ ولم تصِلْ ... بسِوَى فواتِن للقلوب فَواتِكِ يُرْدِيك ناظِرُها ويُغْضِي فاعْجَبَنْ ... من فاِسقٍ يحكي تعفُّفَ ناسِكِ هجَرتْ وما اتَّسعتْ مَسالِكُ هجرِها ... إلاّ وضاقتْ في الغرامِ مَسالِكِي ولقد أبِيتُ على القَتَادِ مُسهَّداً ... وتبِيتُ وَسْنَى في مِهادِ أرائِكِ لا تسْتعِرْ جَلَداً على هِجْرانِها ... إن كنتَ في دعوَى الغرامِ مُشارِكِي واتْرُكْ حديثَ المُعْرضِين عن الهوَى ... يا صاحبِي إن كنتَ لستَ بتاركِي وإذا دعاك لِبَيْعِ نفسِك سائمٌ ... في حبِّها يوماً فبِعْه وبارِكِ إن التي فتنتْك ليلةَ أشْرقتْ ... إشْراقَ شمسٍ في دُجُنَّةِ حالِكِ لا تصْطفِي خِلاً سوى كلِّ امْرِىءٍ ... صَبٍ لأسْتارِ التنسُّكِ هاتِكِ فاخلَعْ ثيابَ النُّسْكِ فيها واسْترِحْ ... من عَذْلِ لاَحٍ في الصَّبابةِ آفِكِ أو لا فدَعْ دعوى المَحبَّةِ واجتنِبْ ... نَهْجَ الغرامِ فلستَ فيه بسالِكِ وإذا بدَا منها المُحَيَّا فاسْتعِذْ ... من سافِرٍ لِدَمِ الأحبَّةِ سافِكِ كم من مُحِبٍ قد قَضَى في حبِّها ... وَجْداً عليه فكان أهْوَنَ هالِكِ ملكتْ نفوسَ أُلِي الغرامِ بأسْرِها ... هلاَّ اتَّقيْتِ اللهَ يا ابنةَ مَالِكِ حَسْبِي وُلوعاً في هواكِ ولَوْعةً ... إن تطْلُبِي قَتْلِي ظَفِرْتِ بذلكِ وله من نونية نبوية، أولها: تذكَّر بالحِمَى رَشَأً أغَنَّا ... وهاج له الهوى طَرباً فغَنَّى وحَنَّ فؤادُه شوقاً لِنَجْدٍ ... وأين الهندُ من نجدٍ وأنَّى وغنّتْ في فروعِ الأيْكِ وُرْقٌ ... فجاوَبَه بزَفْرتِه وأنَّا وطارحَها الغرامَ فحين رَنَّتْ ... له بتَنفُّسِ الصُّعَداءِ رَنَّا وأوْرَى لاعِجَ الأشواقِ منه ... بَرِيقٌ بالأبَيْرِقِ لاح وَهْنَا مُعَنى كلما هبَّتْ شَمالٌ ... تذكّر ذلك العيشَ المُهَنَّا إذا جَنَّ الظلامُ عليه أبْدَى ... من الوَجْدِ المُبرِّحِ ما أجَنَّا سقَى وادِي الغَضا دمعِي إذا ما ... تهلّل لا السَّحَابُ إذا ارْجَحَنَّا فكم لي في رُباه قَضِيبُ حُسْنٍ ... تفرَّد بالمَلاحةِ إذْ تَثَنَّى كَلِفْتُ به وما كُلِّفْتُ فَرْضاً ... فأوجَب طَرْفُه قَتْلِي وسَنَّا وأبْدَى حبَّه قلبي وأخْفَى ... فصرَّح بالهوى شَوْقاً وكَنَّا تفنن حسنُه في كلِّ معنىً ... فصار العشقُ لي بهَواه مَعْنَى بدا بَدْراً ولاح لنا هِلالاً ... وأشْرَق كوكباً واهْتَزَّ غُصْنَا وثنَّى قَدَّه الحسَنَ ارْتياحاً ... فهام القلبُ بالحسَنِ المُثَنَّى

стр. 562

ولو أن الفؤادَ على هَواهُ ... تمَنَّى كان غايةَ ما تَمَنَّى بكيْتُ دماً وحَنَّ إليه قلبِي ... فخضّب من دمِي كَفاً وحَنَّا ألا يا صاحبَيَّ ترفّقا بي ... فإن البَيْنَ أنْصَبنِي وعَنَّا ولم تُبْقِ النَّوَى لي غيرَ عَزْمٍ ... إذا حَفّتْ به المِحَنُ اطْمَأنَّا وأُقْسِم ما الهوى غَرَضِي ولكنْ ... أُعَلِّلُ بالهوى قلباً مُعَنَّى وأصْرِفُ بالتأنِّي صَرْفَ دهرِي ... وأعلمُ أن سيظْفَرُ مَن تأنّى وأدْفَعُ فادحاتِ الخَطْبِ عنِّي ... بتفْويضٍ إذا ما الخَطْبُ عَنَّا ولا واللهِ لا أرْجُو لِيُسْرِي ... وعُسْرِي غيرَ من أغْنَى وأقْنَى أخوه محمد يحيى غصن طيب النما، أشبه بأخيه من الماء بالما. فهو الرمح وأخوه سنانه، وكلاهما في حومة الأدب فارسٌ أطلق عنانه. وكان رحل إلى أبيه للهند، فأقام في كنفه يتأدب بآدابه، وكانت ملازمته من دابه. ولم يزل من كفايته في ظلٍ غير مقلص، ومن حفايته في موردٍ غير منغص. حتى غرب نجمه في إبان استنارته، وخسف بدره في بدء استدارته. فأضحى ناظر الأدب لفقده رمدا، وقلب الأماني لحينه متفجعاً كمدا. وقد ظفرت من شعره بما هو أغر من الصدغ المرسل، وأعذب من الرحيق السلسل. فدونك منه ما لا يجد خاطرك فيه تعسفا، غير أني أراك تكثر على قلته تأسفا: تذكّرتُ أيامَ الحَجِيجِ فأسْبَلَتْ ... جفوني دِماءً واستَجدّ بيَ الوَجْدُ وأيَّامَنا بالمَشْعَريْنِ التي مَضتْ ... وبالخَيْفِ إذْ حادِي الركاب بنا يحْدُو وقوله أيضاً: ألا يا زماناً طال فيه تباعُدي ... أما رحمةٌ تدْنُو بها وتجودُ لألْقَى الذي فارقتُ أُنْسِيَ مذ نأَى ... فها أنا مسلوبُ الفؤادِ فرِيدُ وقوله: ألا لا سقَا الله البعادَ وَجوْرَهُ ... فإن قليلاً منه عنك خطيرُ وواللهِ لو كان التَّباعُدُ ساعةً ... وأنت بعيدٌ إنه لكثيرُ وكتب إلى أخيه من قصيدة طويلة، أولها: أقِلْ أيُّهذا القلبُ عمَّا تُحاولُهْ ... فإنك مهما زِدْتَ زاد تَشاغُلُهْ دَعِ الدهرَ يفعلْ كيف شاء فقلَّما ... يرُوم امْرُؤٌ شيئاً وليس يُواصِلُهْ وما الدهرُ إلاَّ قُلَّبٌ في أمورِه ... فلا يغْترِرْ في الحالتيْن مُعامِلُهْ ويا طالَما طاب الزمانُ لِواجِدٍ ... فسَرَّ وقد ساءتْ لَدَيْه أوائلُهْ سقَى ورعَى اللهُ الحجازَ وأهلَه ... مُلِثّاً تعُمُّ الأرضَ سَقْياً هَواطِلُهْ فإن به داري ودارِي عَزِيزةٌ ... عليَّ ومهما أشْغَل القلبَ شاغِلُهْ ولكنَّ لي شوقاً إلى خُلَّتي التي ... متى ذُكِرتْ للقلبِ هاجتْ بَلابِلُهْ أبِيتُ ولي منها حَنِينٌ كأنني ... طَرِيحُ طِعانٍ قد أُصِيبَتْ مَقاتلُهْ هَوىً لكِ ما ألْقاه يا عَذْبةَ اللَّمَى ... وإلاّ فصَعْبٌ ما أتى اليوم حامِلُهْ أُكابِدُ فيك الشوقَ والشوقُ قاتِلي ... وأسألُ عمَّن لم يُجِبْ مَن يسائِلُهْ تَقِي اللهَ في قَتْلِ امْرِىءٍ طال سُقْمُه ... وإلاّ فإن الهجرَ لاشكَّ قاتلُهْ صِلِيه فقد طال الصُّطودُ فقلّما ... يعيش امْرُؤٌ والصدُّ ممَّا يقاتلُهْ حَزِينٌ لِمَا يْلقاه فيك من الجَوى ... فها هو مُضْنىً مُدْنَفُ الجسمِ ناحِلُهْ بلَى إن يكنْ لي من عليٍ وعَزْمِه ... مُعِينٌ فإنِّي كلَّ ما شئتُ نائِلُهْ فراجعه بقوله: إليك فقلبي لا تقَرُّ بَلابِلُهْ ... إذا ما شدَتْ فوق الغصونِ بلاَبلُهْ تُهيِّجُ لي ذِكْرَى حبيبٍ مُفارِقٍ ... زَرُودُ وحُزْوَي والعقيقُ مَنازلُهْ

стр. 563

سَقاهُنَّ صَوْبُ الدمعِ منِّي ووَبْلُهُ ... منازلَ لا صَوْبُ الغمامِ ووابِلُهْ يحُلُّ بها من لا أُصَرِّحُ باسْمِه ... غزالٌ على بُعْدِ المَزارِ أُغازِلُهْ تقسَّمه للحُسْنِ عَبْلٌ ودِقَّةٌ ... فَرَنَّ وِشاحاه وصُمَّتْ خَلاخِلُهْ وما أنا بالنَّاسِي لياليَ بالحِمَى ... تقضَّتْ ووِرْدُ العَيْشِ صَفْوٌ مَناهِلُهْ لياليَ لا ظَبْيُ الصَّرِيمِ مُصارِمٌ ... ولا ضاق ذَرْعاً بالصدودِ مُواصِلُهْ وكم عاذلٍ قلبي وقد لَجَّ في الهوى ... وما عادلٌ في شِرْعةِ الحبِّ عاذِلُهْ يلومون جَهْلاً بالغرامِ وإنما ... له وعليه بِرُّه وغَوائِلُهْ فاللهِ قلبٌ قد تمادَى صَبابةً ... على اللَّوْمِ لا تنْفكُّ تغْلِي مَراجلُهْ وبالحِلّةِ الفيْحاءِ من أبْرُقِ الحِمَى ... رَداحٌ حَماها من قَنا الخَطِّ ذابِلُهْ تمِيسُ كما ماس الرُّدَيْنِيُّ مائداً ... وتهْتزُّ عُجْباً مثلَما اهْتزَّ عاملُهْ مُهَفْهَفةُ الكَشْحَيْنِ طاويةُ الحَشَا ... فما مائدُ الغُصْنِ الرَّيِبِ ومائلُهْ تعلّقْتُها عَصْرَ الشَّبِيبةِ والصِّبا ... وما علِقتْ بي من زمانِي حَبائلُهْ حذِرْتُ عليها آجِلَ البُعْدِ والنَّوَى ... فعاجَلنِي من فادِحِ البَيْنِ عاجلُهْ إلى اللهِ يا أسْماءُ نفساً تقطَّعتْ ... عليكِ غراماً لا أزال أُزاوِلُهْ وخطبٍ بِعَادٍ كلَّما قلتُ هذه ... أواخِرُه كرَّتْ عليَّ أوائلُهْ لئن جار دهرٌ بالتفرُّقِ واعْتدَى ... وغال التَّدانِي من دَهَا البَيْنِ غائلُهْ فإنِّي لأرجُو نَيْلَ ما قد أمَلْتُه ... كما نال من يحيى الرَّغائبَ آمِلُهْ وخاطب أخاه أيضاً بقوله: وما شوقُ مَقْصوصِ الجناحيْن مُقْعَدٍ ... على الضَّيْمِ لم يقدِرْ على الطيرانِ بأكْثرَ من شوقِي إليك وإنما ... رَماني بهذا البُعْدِ عنك زَمانِي جمال الدين محمد بن أحمد الشاهد شاعر بيض وجه الصحائف بسواد نقسه، وكاتب أقام على فضله شاهداً كألف شاهدٍ من نفسه. فإذا أخذ القلم بيمينه، جاء من معدن الدر بثمينه. وكان في رونق حداثته، وملاحة نفاثته. حيث برد شبابه قشيب، ومسك ذوائبه لم يدر فيه كافور مشيب. حليف كأسٍ وأليف دن، وله التصابي شغلٌ والخلاعة ديدن. لا ينتقل من خمارٍ إلا إلى خمار، ولا يقلع عن هوى ذي عمامة إلا إلى هوى ذات خمار. حتى بدت الشعرات البيض، وأخذت تفرخ في العارض وتبيض. ولم يبق في إناء العمر إلا صبابة، يتدارك بها ما فات أيام لهو وصبابة. فأصبح شيخ سجادة ومحراب، بعد أن كان فتى دسكرةٍ وشراب. ومقتفى إنابة ودعا، بعد أن كان متروك إناءٍ للراح ووعا. قال السيد علي بن معصوم في سلافته: وبلغني أن الراح أورثت يده رعشة؛ لتعاطيه لها، فقلت: لا تحسَبوا الرَّاح أورثتْ يدَه ... من سُوئِها رَعْشةً لها اضْطَرابَا لكنه لا يزال يَلْمَسُها ... فالكَفُّ تهْتزُّ دائماً طَرَبَا ومما يقارب هذا قول الشهاب: أقولُ لِمُدْمِن الرَّاح الذي ارْتعشَتْ ... كَفّاه إذْ راح من ثَوْبِ التُّقَى عارِي كأن كفّك مَقْرورٌ برَعْشتِه ... وليس يصْلَى بغير الكأسِ من نارِ وأنا أقول: الأنسب أن ينشد بعد توبته ما اختلسته من قول البعض: لَعَمْرُكَ ما اهْتزَّتْ له الكفُّ رَعْشةً ... ولكنْ أرداتْ أن ينامَ خُمارُهُ على أنَّ فيها الكأسَ يرقُص فَرْحةً ... بذِكْرَى زمانٍ طاب فيها قَرارُهُ وقد ذكرت من شعره ما يشوق ويروق، وتحسده شمس الكأس وشمس الأفق في غروب وشروق. فمن ذلك ما راجع به السيد أحمد بن مسعود، وقد كتب إليه:

стр. 564

وشادِنٍ وافَى وكان خُلْسةً ... من بَعْدِ ما أرَّقني بمَطْلِهِ لمَّا بدا مُحْتجِباً بمِرْطِه ... كيْما يَنِمَّ ضَوْءُه لأهلِهِ قلتُ له البدرُ إذا الغَيْمُ غَشَى ... أنْوارَه ترجُو الورَى لِوَبْلِهِ فقال لي مُسْتضحِكاً يهْزأُ بي ... ما أحسنَ الشّاهِدَ في مَحَلِّهِ يا جمال العلم والأدب، والناس إليهما من كل حدب. أشرف على هذه الأبيات، وحل عاطلها بفوائد الصفات. وإن استدعيتنا إلى محلك ولا زال آهل، وكواكب أفقه بوجودك زاهرة ونجم أعدائك آفل. قلنا: ما أحسن الشاهد في محله، ولا بدع أن يرجع الفرع لأصله. والسلام. فأجابه بقوله: للهِ ما أبْدَتْ وماذا أبْدَعتْ ... من دُرِّ عِقْدٍ قد زَها مِن أهْلِهِ بَدِيهةٌ لواحدِ العصرِ ومَن ... حاز المَعالي نَاشِياً كأصْلِهِ نَظْمُ لآلٍ من مَلِيكٍ ماجِدٍ ... فاق الأُلَى هيْهات دَرْكُ مِثْلِهِ شرَّفني بقطعةٍ من نَظْمِه ... أحْلَى من الحِبِّ وَفَى بوَصْلِهِ أشار فيها أن يزُور منزلاً ... ما فيه إلاّ ما نَما من فضلِهِ ما هُوَ إلاّ روضةٌ أمْطرَها ... ما سَحَّ من هامِي مَطِيرِ وَبْلِهِ فإن يزُرْ شاهدَ معناه يقُلْ ... ما أحْسَن الشاهدَ في مَحَلِّهِ ثم أعقب تالأبيات بنثرٍ، قال فيه: ناظم درها، وناسج حبرها. وصلته الأبيات الشريفة، من الحضرة العالية المنيفة. فحير عقله ما حبر منشيها، وأدهش لبه ما دبج موشيها. فوالله لولا أن يقال غاليت، لكتبت تحت كل بيت: " فليعبدوا رب هذا البيت ". كيف لا ومفترع بكرها مفترع الأبكار البديعة النظام، الفائقة بتقديمها على من تقدمها من شعراء الجاهلية والإسلام. ليث بني هاشم الضراغم، واسطة عقد الأكارم ألي المكارم. وحين سرحت طرف الطرف في ميدان رياضها، ونشقت عنبر عبيرها من نشر غياضها. واكتحل ناظري بنير مدادها المرقوم، ورشف سمعي من رحيق معناها المختوم. أنشدت، ولا بدع فيما أوردت: فللهِ ما أدْرِي أزَهْرُ خَميلةٍ ... بطِرْسِك أم دُرٌّ يلُوح على نَحْرِ فإن كان زَهْراً فهْو صُنْعُ سَحابةٍ ... وإن كان دُرّاً فهْو من لُجَّةِ البحرِ وما لوح به سيدنا من زيارة العبد في الدار، التي هي وما فيها من بعض فضله المدرار. فلسان الحال، ينشد هذا المقال: قالوا يزورُك أحمدٌ وتزورُه ... قلتُ الفضائلُ لا تُفارِقُ مَنْزِلَهْ إن زارني فبفضْلِه أو زُرْتُه ... فلفضلِه والفضلُ في الحاليْن لَهْ أبو الفضل بن محمد العقاد ماذا أقول فيمن هو والفضل ابنٌ وأب، وقد تبلغ بالصنعة حتى فاق من درج ودب. لقبه عقاد وهو لمشكلات القريض حلال، فإذا تفوه أو كتب سحر لكن بسحرٍ حلال. دخل المغرب في عهد الملك المنصور، فنال حظوة يعترف لسان اليراعة عن حصر بواعثها بالقصور. فهو ممن غرب وأغرب، وأدب فهذب. وقابل تلك العصابة، بخاطرٍ قدح زند الإصابة، ورمى غرض الأماني فأصابه. فكتب اسمه في حسنات الأيام، كما كتب شعره في حسنات الأنام. فمن شعره الذي ناظر به نسيم الزهر في السحر، وباهى قضاء الوطر على الخطر. قوله من موشحٍ مدح به السلطان المذكور: ليت شِعْرِي هل أُروِّي ذا الظَّمَا ... من لَمَى ذاك الثُّغَيْرِ الألْعَسِ وترى عيْنايَ رَبَّاتِ الحِمَى ... باهياتٍ بقُدودٍ مُيَّسِ فقد طال بِعادِي والهوى ... ملَك القلب غراماً وأسَرْ هَدَّ من رُكْنِ اصْطِباري والقُوَى ... مُبْدِلاً أجفانَ عيني بالسَّهَرْ حين عَزَّ الوصل من وادِي طُوَى ... هَملتْ أدمعُ عينِي كالمطَرْ فعساكم أن تجودُوا كَرَماً ... بِلقاكم في سَودِ الحِندِسِ علّه يشفى كَلِيماً مُغْرَماً ... من جِراحاتِ العيونِ النُّعَّسِ كلَّما جَنَّ ظلامُ الغَسَقِ ... هَزَّني الشوقُ إليكم شَغَفَا

стр. 565

واعتراني مِن جَفاكم قَلَقِي ... وتذكَّرْتُ جِياداً والصَّفَا وتَناهتْ لَوْعتي من حُرَقِي ... كم أُعَزِّي الوجدَ بي والتَّلَفَا فانْعِمُوا لي ثم جُودُوا لي بما ... يُطْفِىءُ اليومَ لَهِيبَ الْقَبَسِ إنني أرْضَى رِضاكم مَغْنَماً ... لِبقا نَفْسِي ومَحْيَي نَفَسِي كنتُ قبلَ اليوم في زَهْوٍ وتِيهِ ... مَعْ أُحَيْبَابي بسَلْعٍ ألْعَبُ ومعي ظَبْيٌ بإحْدَى وجْنَتيْه ... مَشرِقُ الشمسِ وأخْرى مَغْرِبُ فرَماني بسهامٍ من يديْهِ ... قابِسُ البَيْنِ فقلبي مُتْعَبُ لستُ أرجُو لِلِقاهم سُلّماً ... غير مَدْحِي للإمام الأرْأَسِ أحمدُ المحمودُ حَقّاً مَن سَمَا ... الشريفُ بن الشريفِ الأكْيَسِ قلت: وقد حكى المقري، في نفح الطيب أنه ممن اجتمع بالحضرة المنصورية، أبو الفضل العقاد المكي المذكور، والشريف المدني، وهو رجل وافدٌ من أهل المدينة انتمى إلى الشرف، والشيخ إمام الدين الخليلي، الوافد على حضرته من بيت المقدس. فقال إمام الدين هذا للمنصور: يا أمير المؤمنين، إن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، شد أهلها إليك الرحال. أحمد بن محمد الأسدي الشبل بن الليث، والوبل ابن الغيث، والتيار ابن البحر، والصباح ابن الفجر. اشتمل بالمجد الصراح، ولطفت ذاته لطف الراح. ولما رأى أن المخالطة، لا تثمر إلا محض المغالطة. انعكف في زاوية العزلة، وتفرد في حجرةٍ والعز له. وقد ذكرت من شعره ما تعوذه بالسبع، وتعلم منه رقة الطبع. فمنه قوله: دَعِ المُدامَةَ يعلُو فوقها الحَبَبُ ... رُضابُه وثَناياه لنا أرَبُ نَزِّه فؤادَك من رَاحِ الكئُوسِ وخُذْ ... راحاً من الثَّغْر عنها يعجِز العِنَبُ شَتَّان بين حلالٍ طيِّبٍ وحَرا ... مٍ حامضٍ يزْدرِيه العقلُ والأدبُ إذا تَغَزَّلت في خمرٍ وفي قَدَحٍ ... فما مُرادِيَ إلا الثَّغْرُ والشَّنَبُ لِلّهِ دَرُّ مُدامٍ بِتُّ أَرْشُفُهَا ... مِنْ فِي غَزَالٍ إلى الأتْرَاكِ ينْتَسِبُ مُهَذَّبُ اللَّحْظِ زَنْجِيُّ السَّوالفِ لم ... تَحْوِ الذي قد حَوَاه العُجْمُ والعَربُ منها: قالت مَبَاسِمُهُ للبرقِ حينَ سَرَى ... لقد حكيْتَ ولكن فاتَكَ الشَّنَبُ وبِتُّ أَشْدُو على الغُصْنِ الرَّطِيب كذا ... بيْني وبينك يا وُرْقَ الحِمَى نَسَبُ يقولُ لمَّا رأى دمعِي جَرَى ذَهَباً ... يا مَطْلَباً ليسَ لي في غيرِهِ أرَبُ تَبَّتْ يَدَا عاذِلِي عمَّنْ أُعَوِّذُهُ ... بالناسِ من نافث أو غاسقٍ يَقِبُ إنَّ الْمُحَرَّم سُلْوَاني لِطَلْعَتِهِ ... فقُل لشَعْبَانَ عنِّي إنني رجبُ كيف السُّلُوُّ وعيْني كلّما نظَرتْ ... لَوامِعَ البرقِ قالتْ زالتِ الحُجُبُ قوله: إن المحرم.. إلى آخر البيت، زاد فيه المحرم على قول القائل: وشادنٍ مُبْتسِمٍ عن حَبَبْ ... مُوَرَّدِ الخدِّ مَلِيحِ الشَّنَبْ يلُومُني العاذِل في حُبِّه ... وما درَى شعبانُ أنِّي رجبْ والمراد من شبعان: العاذل؛ ومن رجب: الأصم؛ لأن العرب كانت تسمي المحرم: المؤتمر؛ وصفر: ناجرا؛ وربيع الأول خوانا؛ وربيع الآخر: بصانا؛ وجمادى الأولى: الحنين، وجمادى الآخرة: الرنة؛ ورجب: الأصم؛ وشعبان: العاذل؛ ورمضان: الناتق؛ وشوال: وعلا؛ وذا القعدة: هواعا؛ وذا الحجة: بركا. وعلى ذكر أسماء الشهور، فلنذكر أسماء الأيام. وقد نظمها بعضهم، فقال: أُؤمِّل أن أعِيش وأن يَوْمِي ... بأوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبَارِ أو التَّالِي دُبار فإنَّ فيها ... فمُؤُنِس أو عَرُوبة أو شِيَارِ ومن شعره قوله معارضاً قصيدة ابن المعتز التي أولها: سقَى المَطيرة ذات الظِّلِّ والشَّجَرِ ومستلهها قوله:

стр. 566

ما ماسَ بَانُ الحِمَى مِن نَسْمةِ السَّحَرِ ... إلاّ وقد أسْمَعْته طَيِّبَ الخَبَرِ باللهِ يا نَسْمةَ الأسْحارِ هل خَبَرٌ ... فإنني بالنَّبَا أَوْلَى من الشجرِ ليلِي بما طال لا آوِي إلى سَكَنٍ ... هذِي نجومُ السما تُنْبِيكِ عن سَهَرِي أباتُ أرْعَى السُّها في الليلِ مُكتئِباً ... وأدْمُعِي في الثرى ترْبُو على المطرِ أفْدِي الذين أذاقوني مَودَّتهم ... حتى إذا ما رأَوْني هائمَ الفِكَرِ ساروا بقَلْبِي وخَلَّونِي حَلِيفَ هوىً ... حَيْرانَ لا أهْتدِي وِرْداً من الصَّدَرِ واللهِ إنّ لهم في القلبِ مَنْزلةً ... ما حَلّها قبْلَهم شخصٌ من البشَرِ باللهِ يافَوْجُ صِفْنِي مُنْعِماً لهمُ ... واذْكُرْ لهم طِبْقَ ما شاهدتَ من خَبَرِ وقُل لهم قد غَدا في حُبِّكم شَبَحاً ... يكاد يخفَى على الرَّائيِنَ بالبصرِ لعلَّهم أن يرِقُّوا لي ويفْتكرُوا ... تلك الذِّمامَ التي في سالفِ العُمُرِ ويرْحَمُوا مُدْنَفاً صَبّاً بهم كَلِفاً ... أسيرَ حُبٍ لهم في عالَمِ الصِّغَرِ فاللهُ يُولِيهمُ عِزّاً ويحرُسهم ... مدَى الزمانِ من الأسْواءِ والغِيَرِ وله ملغزاً في اسم علي: أمَاتَ اصْطِبارِي حين أحيْى تولُّهِي ... رَشاً في رياضِ الحُسْنِ بالتِّيهِ يمْرَحُ ثلاثةُ أرْباعٍ لوَصْفِي هو اسمُه ... فيا ليته بالوصلِ لو كان يسمَحُ وله في يوم شديد الحر: ويومِ حَرٍ دَهانَا ... ما فيه طِيبُ هَواءِ قالوا نهارٌ قَوِيٌّ ... فقتلُ من غيرِ هاءِ وله: خَطُّ العِذارِ نَهانِي ... عن عِشْقِه حين دَبَّا واللَّحْظُ بالعشقِ يُغْرِي ... والسيفُ أصْدَقُ أنْبَا وله مضمنا: يا قلبُ غرَّك محبوبٌ كلِفْتَ به ... حتى طمِعتَ بوصلٍ دونَه الخَطَرُ وإن غُرِرتَ بمن تَهْوَى فلا عَجَبٌ ... ما أنت أولُ سارٍ غَرَّهُ قَمَرُ إبراهيم بن يوسف المهتار فرد الزمان في فنه، أطاعه الأدب إطاعة قنه. فحلق إلى الأوج بعد الحضيض، وحدق عن سر البلاغة جفنه الغضيض. إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها، أو الفصاحة فهو الذي نشأ في سفح عقيقها. فلو سمع طرفة شعره الرقيق، صار له كأبيه العبد الرقيق. إلا أن الأيام تلاعبت به تلاعب العابث، واستطالت عليه استطالة العائث. فحمل من عقوقها ما ليس ينكر، وأقل من عثراتها ما ليس يذكر. وهو أديبٌ كما وصفته، وشاعرٌ عرفت قدره فأنصفته. فمن مختاره الذي أطلعه مورقاً جنيا، وألمع به لأهل الأدب مشرقاً سنيا. قوله: أرِحْ فؤادِي من العذابِ ... بالرَّاح والخُرَّدِ العِذابِ وعاطِنِيها عروسَ دَنٍ ... كالنارِ والعَسْجَدِ المُذابِ مِن كَفِّ لَمْياءَ إن تَبدَّتْ ... تَوارتِ الشمسُ بالحِجابِ دَعْجاءُ بَلْجاءُ ذاتُ حُسْن ... لكلِّ أهلِ العقولِ سَابِي على رياض مُدَبَّجاتٍ ... حاكت سُداها يدُ السَّحابِ بها القَمارِي مُغرِّداتٍ ... على الأفانِين والرَّوابِي فبادِرِ الأُنْسَ يا نَدِيمِي ... وقُمْ إلى اللهوِ والتَّصابِي أعْطِ زمانَ الشبابِ حَظّاً ... فَلذّةُ العيشِ في الشّبَابِ واجْسُرْ ولا تيْأسَنَّ يوماً ... من رحمةِ اللهِ في الحسابِظ وقوله في صدر قصيدة: قِفْ بالمعاهدِ من مَيْثاءَ مَلْحوبِ ... شَرقِيِّ كاظِمةٍ فالْجِزْعِ فاللُّوبِ واسْتلْمِحِ البرقَ إذْ تبْدُو لَوامِعُه ... على النَّقا هل سقَى حَيَّ الأعاريبِ يا حبَّذا إذْ بدا يفْتَرُّ مُبْتسِماً ... أعْلَى الثَّنِيَّةِ من شُمِّ الشّناخِيبِ

стр. 567

والجَوُّ مُضْطرِمُ الأرْجاءِ تحسَبُه ... بُرْداً أُصِيبَ حواشِيه بأُلْهوبِ يا بارِقاً لاح وَهْناً من دِيارِهمُ ... كأنه حين يهْفُو قلبُ مَرعوبِ أذْكَرتنِي مَعهداً كُنَّا بِجِيرتِه ... نسْتقصِرُ الدهرَ من حُسْنٍ ومن طِيبِ لم أنْسَ بالتَّلَعات الجُونِ مَوقِفنا ... والحَيُّ ما بين تقْويضٍ وتطْنِيبِ وقد بَدا لِعيونِ الصَّحْبِ سِرْبُ ظِباً ... حَفّتْ بظَبْيٍ ببيضِ الهند مَحْجوبِ لم تبدُ تلك الدُّمَى إلا لسَفْكِ دمِي ... ولا العِذابُ اللَّمَى إلا لتعْذيبِي ومن خمرياته: قُمْ إلى بِنْتِ الكُرومِ ... واسْقِنِيها يا ندِيمي ما ترى الليلَ تولّى ... وانْطفَا ضوءُ النجومِ وأضاء الصبحُ ما بي ... ن تصارِيفِ الغُيومِ وبَدا الطَّلُّ على الأغْ ... صانِ كالعِقْدِ النَّظِيمِ وشَدَتْ قُمْرِيَّةُ الأيْ ... كِ على الغُصْنِ القَوِيمِ وسَرتْ رِيحُ الخُزَا ... مى من رُبَى ظَبْيِ الصَّرِيمِ فأدِرْها خمرةً تُنْ ... بي عن العصرِ القديمِ واسْقِنيها لتُزيلَ ال ... يومَ عن قلبي هُمومي هاتِها لي قهوةً من ... عهدِ لُقْمانَ الحكيمِ وامْلأِ الكاساتِ إنِّي ... في الصِّبا غيرُ مَلومِ أيها النفسُ تَصابَىْ ... ثم في العِصْيانِ هِيمي وعن الذُّلِّ تَوَلَّىْ ... وعلى العِزِّ أقِيمي واكْثرِي الذنب فرَبِّي ... غافرُ الذنبِ العظيمِ وله من قصيدة: أذْكى بقلي لاعِجَ الأشْجانِ ... بَرْقٌ أضاء على رُبَا نَعْمانِ أجرى مَدامعَ مُقْلَتِي أوْرَى زِنَا ... دَ صَبابتِي أشْجَى فؤادِي الْعانِي ما شاقَنِي إلاّ لأنَّ وَمِيضَه ... برُبَا الهوَى ومَعاهدِ الخِلاّنِ يا بَرْقُ جُدْ بالدَّمْعِ في أطْلالِهم ... عني فسَحُّ الدمعِ قد أعْيانِي لم أسألِ الأجفانَ سَقْيَ عُهودِهمْ ... إلاّ وجادت لي بأحمرَ قانِ وَاهاً لأيامِ العُذَيْبِ إذِ اللِّوَى ... وطني وسكانُ الحِمَى جِيرانِي إذْ كنتُ طَوْعاً للهوى واللهو في ... ظُلَلِ الشَّبيبةِ ساحبَ الأرْدانِ تُشْجِينيَ الوَرْقاءُ إن صاحت على ... تلك الغصونِ بنَغْمةِ الألحانِ ويشُوقُني بانُ النَّقا وحُلولُ وا ... دِيهِ وحسنُ الدارِ بالسُّكانِ وله، موجهاً بأسماء الأنغام: سلامُ اللهِ من صَبٍ مَشُوقِ ... جَريحِ القلبِ باكي المُقْلتيْنِ على مَن حَلَّ من قلبي السُويْدَا ... لِعزَّتِه وحلَّ سوادَ عَيْنِي نأَى بالصبرِ لَمَّا بان عنِّي ... وخلّفني سَهيرَ الفَرْقَدَيْنِ فليت الرَّكْبَ قد وقفُوا قليلاً ... على العُشَّاقِ يوم نَوَى الحَسيْني ومن غزلياته قوله: جفَت حِلالُ المَنامِ مُقْلتيَّهْ ... مُذ حَلَّ حبُّ الجمالِ مُهْجَتيَّهْ وأحْرَق القلبَ حَرُّ نَارِ جَوىً ... وخَدَّد الخدَّ حَرُّ دَمْعَتيَّهْ فما تغنَّى الحمامُ في غُصُنٍ ... إلاّ وسال الدِّما بوجْنَتيَّهْ ولا تذكَّرْتُ جِيرةً نزلُوا ... بالشِّعْبِ إلاّ نسِيتُ صِحَّتيَّهْ يا جِيرة الشِّعْبِ هل لِبُعْدِكمُ ... حَدٌّ يُرَى أم يُطيلُ مُدَّتيَّهْ نأيْتمُ والحشَا به حُرَقٌ ... فقطَّر الدمعَ فَرْطُ حُرْقَتيَّهْ فما نسِيتُ العهود بعدكمُ ... ولا تحوَّلْتُ عن مَحبَّتيَّهْ ولستُ أسْلوكمُ وحقِّكمُ ... هيْهاتَ زال الهوى بسَلْوَتيَّهْ

стр. 568

أنا الذي صِرتُ فيكمُ مَثيلاً ... لاقَيْتُهُ بالغَرام مُدَّعِيَّهْ ورُبَّ ليلٍ طرقْتُ حَيَّكمْ ... أزورُ في الحيِّ رَبْعَ مُنْيِتيَّهْ مَن يسحرُ الطّرْفَ حُسْنُ بَهجتِها ... إذا بدت بالجمالِ مُرتدِيَّهْ خُرْعُوبةٌ بالمَهَا لها شَبَهٌ ... رُعبوبةٌ بالظِّباءِ مُزْدرِيّهْ مَعشوقَةُ القَدِّ غادةٌ وأرَى ... ألحاظَها في النفوس مُعْتدِيَّهْ أتيْتُها والعيونُ راقدةٌ ... وأنْصُلُ القومِ غيرُ مُنْتضِيَّهْ لمَّا رأتْنِي رَبَّ الجَوَى عَلمت ... غَدَتْ لَثْنِي الوِسادِ مُتَّكِيَّهْ قالتْ أما خِفْتَ قومَنا فلقد ... خاطَرْتَ لمَّا قصدْتَ زَوْرَتِيَّهْ فقلت إنَّ المُحِبَّ مُهْجتُه ... للحَيْنِ في الحبِّ غيرُ مُتَّقِيَّهْ فبِتُّ في ليلتي أُسامِرُها ... وبُسْتُ فَاها النَّقِيَّ عَشْرَمِيَّهْ حتى بَدَا صُبْحُها فَفرَّقنا ... لا كان صبحٌ بدَأ بفُرْقَتِيَّهْ ومن مقطوعاته قوله: طِفْلٌ من العُرْبِ أحْوَى ... خِدْنُ الصِّبا والبَطالَهْ بَدا بوَجْهٍ كبدرٍ ... في جِيدِه الطَّوْقُ هَالَهْ وقوله مقتبساً في مليحٍ فقير الحال: تَصُدُّ وكم تَصدَّى منك كَفٌّ ... لِمَن لم يدْرِ قَدَّكَ يا مُفَدَّى وصَدُّك عن أُلِي أدبٍ وأمَّا ... مَن اسْتغْنَى فأنْتَ له تَصَدَّى وقوله: ألا لا تغْضبَنَّ لمَن تَعالَى ... ولا تُبْدِ الودادَ لِمَن جفاكَا ولا تَر للرِّجالِ عليك حَقّاً ... إذا هم لم يَرَوْا لك مثلَ ذَاكَا وقوله: كم ذا أُغَمِّضُ عيْني ثُمَّ أفتحُها ... والدهرُ ما زال والدنْيا بحَالتِهَا فليت شِعْرِيَ ما معنَى مَقالتِهمْ ... ما بيْن غَمْضةِ عَيْنٍ وانْتباهَتِهَا وقوله: وظَبْيٍ رَمانِي عن قِسِيِّ حَواجِبٍ ... بأسْهُمِ لَحْظٍ جَرْحُها في الهوى غُنْمُ على نَفْسِه فلْيَبْكِ مَن ضاع عُمْرُه ... وليس له منها نصيبٌ ولا سَهْمُ قد أكثر الشعراء تضمين هذا المصراع في هذا المعرض، والذي أخذ بنصيبه وسهمه القيراطي، حيث ضمنه في رياض دمشق، ومنها محلان، يقال لهما النصيب والسهم: دمشقُ بِوديها رِياضٌ نَواضِرٌ ... بها ينْجلِي عن قلبِ ناظرِها الْهَمُّ على نفسِه فلْيَبْكِ مَن ضَاع عُمْرُهُ ... وليس له منْها نصِيبٌ ولا سَهْمُ وله: أسألُ الرحمنَ ذا الفضْ ... لِ إلهَ العَرْشِ رَبِّي حُسْنَ نَظْمِ الأرَّجانِي ... ثم حَظَّ المُتنبِّي ومما رأيته بخطه، وقد نسبه إلى نفسه، قوله في تشبيه الحجر الأسود: الحجرُ الأسودُ شبَّهْتُه ... خَالاً بخَدِّ البيتِ زَاهٍ سَناهْ أو أنه بعضُ مَوالِي بني ال ... عباسِ بَوَّابٌ لِبَابِ الإلهْ وله في قناديل المطاف: تراءتْ قناديلُ المَطافِ لِناظِرِي ... على البُعْدِ والظَّلْماءُ ذاتُ تَناهِي كدائرةٍ من خالِصِ التِّبْرِ وَسْطها ... فَتِيتةُ مِسْكٍ وهْي بيتُ إلهِي وله في المنائر في ليالي رمضان: كأن المَنائِرَ إذْ أُسْرِجَتْ ... قَنادِيلُها في دَياجِي الظَّلامْ عَرائِسُ قامتْ عليها الحُلَى ... لتنْظُرَ بيتَ إلهِ الأنامْ إبراهيم بن محمد بن مشعل العبدلي السالمي أرق لطفاء الحجاز، وأوحد ذوي الإعجاز بالتطويل والإيجاز. له طبع نقيٌّ متقد، وشعر يختاره كل منتقٍ منتقد. تناهبت محاسنه الشوادي والحوادي، فحثت بها المدامة في الحانات والمطايا في البوادي. وقد أوردت له ما يستخف من الطرب القدود، ويغني عن الوردين ورد الرياض وورد الخدود. فمن ذلك قوله: لا أرَّق اللهُ مَن بالسُّقْمِ أرَّقنِي ... ولا شَفَى سُقْمَ لَحْظٍ منه أسْقَمنِي

стр. 569

ولا طَفى جَمْرَ خَدٍ منه مُلْتهِباً ... وإن يكنَ بالجفا والصدِّ أحْرقنِي وزاد في ضِيق خَصْرٍ منه ضِقْتُ به ... ذَرْعاً وأنْحَلَه إذ كان أنْحلنِي ولا عَدَا لُعْسَ هاتِيكَ الشِّفاهِ لَمىً ... وإن حَمى رَشْفها عنِّي وأعْطَشَنِي ولا اخْتفتْ من ثَناياه بَوَارِقُها ... وإن بكيْتُ لها بالعارضِ الهَتِن وشَدَّ أقْواسَ تلك الحاجِبيْن وإن ... غدت بنَبْلِ العيونِ النُّجْلِ ترشُقنِي ولم تزلْ شمسُ ذاك الحسنِ مُشْرِقةً ... في وجهِه لو بدمعِ العينِ شَرَّقنِي ودام أهْيَفُ ذاك القَدِّ في مَيَدٍ ... ولو أطار الحشا إذ صار كالغُصُنِ وضاعَف اللهُ ذاك الحسنَ أجْمَعَه ... ولو رماني بِضْعف الضُّرِّ في البدنِ أبْقاه في دَوْلةٍ بالحُسْن زاهرةٍ ... ولو جميلُ اصْطِبارِي في هَواه فَنِي وزاد ذاك المُحَيَّا بهجةً وسَناً ... وإن حَمى عن جفوني لَذَّةَ الوَسَنِ يا مَن جميعُ مَعانيه فُتِنْتُ بها ... لا أخْمَدَ اللهُ ما تُبْدِي من الفِتَنِ أحْسِنْ بوجهِك فالإحسانُ أجمعُه ... يليقُ لا غيرُهُ من وجهِك الحَسَنِ وله معارضاً قصيدة المهتار الهائية: كم مُهْجةٍ بالغرامِ مُنْسَبِيَّهْ ... وما لمِن يقتل الغرامُ دِيَّهْ فلْيَحْذرِ الحبَّ كلُّ مُحْترِشٍ ... به ففيه الحُتُوفُ مُنْطوِيَّهْ وفي رُبَا شِعْبِ عامرٍ رَشَأٌ ... له عيونٌ بالسِّحرِ مُمْتلِيَّهْ في حُسْنِه اليومَ صار مُنْتهِياً ... وعَشْقتِي فيه غير مُنْتهِيَّهْ كم شمس حُسْنٍ عليه مُشْرقةٌ ... منها بدورُ التّمامِ مُخْتفِيَّهْ إذا بدا مُقْبِلاً ولاح فقد ... جعلتُ منه الجَبِينَ قِبْلَتِيَّهْ لي مُهْجةٌ غَرَّها بِغُرَّتِه ... آهاً له عن صِيادِ غُرَّتِيَّهْ وما هَدانِي بصُبْح طَلْعتِه ... إلاّ بلَيْلِ الشُّعورِ ضلَّنِيَّهْ فحَبَّذا ذلك الضلالُ به ... لِمُهْجةٍ بالضلالِ مُهْتدِيَّهْ وأغْيدٍ ذُبْتُ من مَحبَّتِه ... ونفسُه بالجمالِ مُلْتهِيَّهْ مُحَسَّنِ الخلقِ أحْوَرٍ تَرِفٍ ... خِلْقتُه بالكمالِ مُسْتوٍيَّهْ للحسنِ في وَجْنتيْهِ كلٌّ حَلاَ ... مَاءٌ ونارٌ أحارَ فِكْرَتِيَّهْ فلم أنَلْ ماءَ وردِ وَجْنتهِ ... ومِن لَظاها أحْشايَ مُلْتظِيَّهْ لا تعجَبُوا إن فَنِيتُ فيه هوىً ... فذاتهُ للهلاكِ مُقْتضِيَّهْ ووَجْنةٍ بالجمالِ زاهرةٍ ... بنَرْجِسِ المُقْلتيْنِ مُحْتمِيَّهْ ورُبَّ خِدْرٍ طَرَقْتُ بَيْضتَه ... والليلُ ظَلْماه غيرُ مُنْجَلِيَّهْ وحَوْلَها من حُماتِها أُسدٌ على اضْطرابِ الحروبِ مُجْترِيَّهْ فانْتبهَتْ من لذيذِ نَوْمتِها ... تقول مَن ذا يحُلُّ غَرْزَتِيَّهْ فقلتُ صَبٌّ أذبْتِ مُهْجتَه ... بالحُسْنِ يابُغْيتي ومُنْيَتِيَّهْ قالت لقد رُمْتَ مَطلباً خَطِراً ... مِن دونه الموتُ يا مُتيَّمِيَّهْ أمَا رأيتَ الأسودَ رابِضةً ... أما رأيت السيوفَ مَنْتضِيَّهْ فقلتُ إن المحبَّ مُهْجتَهُ ... بالموتِ فيمن يحبُّ مُرْتضِيَّهْ وحبَّذا يا ابْنةَ الكرامِ إذا ... بلغْتُ في مُنْيتِي مَنِيَّتيَّهْ فيما حياةَ النفوسِ أنا مَن ... أعْشَقُ في الغانِياتِ مِيتَتيَّهْ فقالت الآنَ مَرحباً بفتىً ... قد عشِق الموتَ في مَحبَّتِيَّهْ وأرْشفتْني رَحِيقَ رِيقتِها ... والنْفسُ منِّي لذاك مُشْتهِيَّهْ

стр. 570

فرُحْتُ نَشْوانَ من مُقبَّلِها ... ورِيقِها ما ألَذَّ سَكْرَتِيَّهْ وفي ثَنايا نَقِيِّ مَبْسمِها ... شُهْدٌ عليه النفوسُ مُحتوِيَّهْ وما اجْتنَى الشُّهْدَ قَطُّ من بَرَدٍ ... غيْرِي فيَامَا ألَذَّ جَنْيَتِيَّهْ فعند ذا أنْعمتْ وما بخِلتْ ... ورُحْتُ أُثْنِي على مَحَبَّتيَّهْ ومن مقطعاته قوله: شمسُ الطِّلا بدري غدا ... لم يصْحُ من تعْليلِهَا فالرَّاح قتلة قتْلتِي ... وأنا قتيلُ قَتِيلِهَا ومثله قول الأديب محمد البوني: يا لَقَوْمِي إنِّي قتيلٌ ببدرٍ ... هو أضحَى قتيلَ شمسِ العُقارِ عَلِمَ اللهُ أنَّ قتْلِي حرامٌ ... فاشْغَلَنْهُ بها لتأخذَ ثارِي محمد بن أحمد البوني كوكب مجدٍ أضاء سناه، وحل بيتاً من الفخر ربه وبناه. بوجهٍ أضاء نوراً، فملأ القلب فرحة وسروراً. وسجيةٍ وارية الزناد، ذكر علاها عطر كل ناد. وله شعر في الرتبة العالية، يرخص عند مسك مداده الغالية. أثبتت منه ما يفوح فوحة الزهر عبقا، ويتمتع به من كان معتلقا بالشعر الرقيق ومستبقا. ما دام كأسُ المُحَيَّا باسمَ الشَّنَبِ ... فتَرْكُ لَثْمِي له من قِلَّةِ الأدبِ فاسْتجْلِها بنتَ كَرْمٍ مع ذوي كَرَمٍ ... مِن كَفِّ ساقٍ ببُرْدِ الحُسْن مُحْتجِبِ كالبدر يسْعَى بشمسِ الرَّاح في يدِه ... فاعْجَبْ لبدرٍ سعَى بالشمسِ للَّهَبِ إذا رَنا قلت خِشْفٌ في تَلفُّتِه ... وإن تثنَّى فغُصْنٌ ماسَ في الكُثُبِ مَن لي بها وهْي تُجْلَى في زُجاجتِها ... ومِن سَنَا مُؤْنسٍ باللهوِ والطَّرَبِ مَعْ رُفْقةٍ كالنجُومِ الزُّهْرِ ساطعةً ... حازُوا جميعَ النُّهَى والذَّوْقِ في العربِ والوُرْقُ تشْدو على الأغْصانِ قائلةً ... باكِرْ صَبُوحَك بالكاساتِ والنُّجُبِ وكتب إليه إبراهيم المهتار قصيدة، مستهلها: بقلبِيَ سيفَ اللَّواحِظِ سَنَّهْ ... وأفْرَضَ وَجْدِي وهَجْرِيَ سَنَّهْ فأجابه بقصيدة، أولها: أجبْتُك مولايَ من غيرِ مِنَّهْ ... فذَوْقُك قد خَصَّني الفضُ مِنَّهْ وإنِّي مُطِيعُك فيما أمرتَ ... به ووِدادِي كما تَعْهدَتَّهْ منها: عجبتُ لسحرِ عيونِ الظِّبا ... تصيدُ القساوِرَ من غَابِهِنَّهْ وهُنَّ الدُّمَى الخُرَّدُ الآنِساتُ ... ومَن لهمُ الشِّعْبَ أضْحَى مِظَنَّهْ فكم دون أخْدارِها مَهْلَكٌ ... وكم حولَه من جِيادٍ مُعَنَّهْ بِبيضِ الصِّفاح وسُمْرِ الرِّماحِ ... وصُفْرِ القِسيِّ وزُرْقِ الأسِنَّهْ فحيَّى حِمَى الشِّعْبِ من عامرٍ ... حياً هَمُّه سَقْيُ أطْلالِهِنَّهْ فثَمَّ الغَوانِي المِلاحِ الصِّباحِ ... يَرِنُّ الوِشاحُ بأعْطافِهِنَّهْ إذا مِسْنَ ما بين تلك الخُدورِ ... تُحاكِي الْقَنا لِينَ قامتِهِنَّهْ فطيرُ الحَشَا لم يزَلْ واجِباً ... عليهِنَّ إن لُحْنَ في حَيِّهنَّهْ ومن ثَمَّ أحْوَى بديعُ الجمالِ ... حوَى اللُّطْفُ والظُّرْفَ مِن بَيْنِهنَّهْ رَشاً خَصْرُه مُضْمَرٌ ناحِلٌ ... إذا قام والرِّدْفُ ما أرْجَحَنَّهْ فوَجْنتُه منذُ دَبَّ العِذارُ ... حكَتْ يا ذَوِي العِشْقِ ناراً وجَنَّهْ قوله: فطير الحشا قد غدا واجبا، أحسن فيه وأجاد. وطيور الواجب المتعارفة عند أرباب القوس والبندق أربعة عشر، وهي: الكركي، والشبيطر، والعنز، والسوغ، والمرزم، والغرنوق. وهذه الستة يقال لها: قصار السبق. والنسر، والعقاب، والإوز، والتم، واللغلغ، والأنيسة، والكوى. ويقال لها: طوال السبق. وإنما قيل لها طيور الواجب؛ لأن الرامي كان لا يطلق عليه لفظ الرامي، إلا بعد قتله هذه بأجمعها بالبندق وجوباً صناعياً.

стр. 571

ومن مقاطيعه قوله: أنْحَلَ اللهُ خَصْرَ ذاتِ المِثالِ ... فهْي واللهِ لا ترِقُّ لحالِي وأراني ألْحاظَها في انْكسارٍ ... ولَظَى جَمْرِ خدِّها في اشْتعالِ وأصلُه قول ابن الرومي: أنْحَلتْني حبيبتي ... أنْحَلَ اللهُ خَصْرَهَا كسَرتْني جفُونُها ... ضاعَف اللهُ كَسْرَهَا ومثله قول إبراهيم بن مشعل: أضْعَفَ الجسمَ فاتِنِي ... ضاعَف اللهُ حُسْنَهُ سَقَمِي من جُفونِه ... لا عدا السُّقْمُ جَفْنَهُ وقوله: لا طفا اللهُ جَمْرَ خَدِّ حبيبٍ ... قد كَوانِي بهَجْرِه والصُّدودِ وحَماه من عارِض وأراني ... سُقْمَ عيْنيْه دائماً في مَزِيدِ فخر الدين أبو بكر بن محمد الخاتوني أديبٌ منطبع السليقة، متكافىء الخلق والخليقة. قلد الطروس فخراً بكلمه، وحشر الصواب بين بنانه وقلمه. وجرى طلقاً في ميدان القريض، فدلت على سبقه كلمة الكلمة بالتصريح والتعريض. وقد رأيت له قطعاً فذة، منازعها مستلذة. فمنها قوله في غربية المكية، وقد هام بها هيمان المعتمد بالرميكية. رُبَّ سَمْراءَ كالمُثقَّفِ لَمَّا ... خطَرتْ في الغلائلِ السُّنْدُسِيَّهْ غادةٌ تسلُبُ العقولَ ولا بِدْ ... عَ وأعمالُ طَرْفِها سِحْريَّهْ جُبِلتْ ذاتُها من المَنْدَلِ الرَّطْ ... ب ففاقتْ على الرِّياض الزَّكِيَّهْ مالَها في الغُصونِ نِدٌّ وليس النَّ ... دُّ إلاَّ من ذاتِها المِسْكِيَّهْ منها: هي للقلبِ مُنْيةٌ ولكم مِن ... صَدِّها الصَّبُّ ذاقَ طعمَ المَنِيَّهْ ذاتُ لَحْظٍ وَسْنانَ يَفْعل ما لمْ ... يفعلِ السيفُ في قلوبِ الرَّعِيَّهْ ومُحَيّاً مِن دونِه يخْسَف البَدْ ... رُ إذا لاح في الليالي البَهِيَّهْ حَوَتِ الحُسْنَ كلَّه فهْي ممَّا ... أبْدَعَ اللهُ صُنْعَه في البَرِيَّهْ شَبَّهوها عند التلفُّتِ بالظَّبْ ... يِ وهيْهات ما هُما بالسَّوِيَّهْ كلُّ شيءٍ يخْفَى إذا ما تبدَّتْ ... وهْي كالشمسِ لا تزال مُضِيَّهْ ليت شِعْرِي وأيُّ شمسٍ بشرقٍ ... لك تبْقَى إذا بدتْ غَرْبِيَّهْ وله يرثي السيد أحمد بن مسعود، لما بلغه خبرُ موتِه: على فَقْدِ بدر التِّمِّ أحمدَ لْتَجُدْ ... لعُظْمِ الأسَى من كلِّ نَدْبٍ شُئونُهُ وإلاَّ فمن يا ليت شِعْرِيَ بعدَه ... إذا هي لم تسمحْ تسِحُّ جُفونُهُ فتىً كان والأيامُ للجَدْبِ كُلَّحٌ ... إذا أمَّه العافِي أضاءَ جَبِينُهُ فتُبْصِرُ بدراً منه قد تمَّ حسنُه ... وتنْشَق روضاً قد تناهَتْ فُنونُهُ تجود وإن أوْدَى الزمانُ يَسارُه ... بما قد حَوَتْ من كلّ وَفْرٍ يَمِينُهُ فقُل للذي قد جَدَّ في طَلَبِ النَّدَى ... رُوَيْدَك إن الجودَ سارتْ ظُعونُهُ وقد غاب من أُفْقِ الكمالِ مُنِيرُه ... كما غار من بحرِ النَّوالِ مَعِينُهُ وأصبح وجهُ المجدِ للحُزْن كالِحاً ... كأنْ لم تكن من قبلُ قرَّتْ عيونُهُ سأبْكيه والآدابُ أجمعُها معي ... بدمعٍ تَوَدُّ السُّحْبُ يوماً تكونُهُ ولِمْ لا عليه الفخرُ يبْكي تأسُّفاً ... وقد حُقَّ منه البَيْنُ وهْو خَدِينُهُ فذاك الذي عن مِثْلِه يقْبُح العَزَا ... ويحسُن إلاَّ مِن هواه سكونُهُ عليه من الله التحيَّةُ ما وفَتْ ... بفُرْقتِه من كلِّ حَيِّ مَنونُهُ ورحمتُه ما حَنَّ أوْ ناحَ وَالِهٌ ... نأَى عنه من بعدِ التَّدانِي قَرِينُهُ وله في الفوارة: ألا مِلْ إلى روضٍ به بِرْكَةٌ زَهَتْ ... بفَوَّارةٍ فيها كفَصٍ من الْمَاسِ إذا ما أتاها زائرٌ قام ماؤُها ... فأجْلَسَه منها على العَيْنِ والرَّاسِ

стр. 572

علي بن القاسم بن نعمة الله المعروف بالمنلا وجده الرابع من آبائه الشيخ ظهير الدين، علامة شيراز في زمانه، وسر التحقيق الذي أظهره الدهر بعد كتمانه. وعلي هذا فرعٌ من فروع دوحته، بان فضله من حين جيئته وروحته. فظهر أوان الظهور وساد، وشاد من دعائم مجده المؤثل ما شاد. بهمةٍ إلى صرف العلى مصروفة، وشيمةٍ بإسداء المعروف معروفة. وأما فضله فالبراعة ميدان مجاله، والنباهة محل رويته وارتجاله. وله شعر سهل طريقه وساغ، فانساغ مع الرقة ألطف مساغ. فمنه قوله، مضمنا: ولمَّا أتتْني من جَنابِك نَفْحةٌ ... تضَوَّع من أنْفاسِها المسكُ والنَّدُّ وقفْتُ فأتْبعْتُ الرسولَ مُسائِلاً ... وأنْشدْتُه بيتاً هو العَلَمُ الفَرْدُ وحدَّثْتني يا سعدُ عنها فزِدْتني ... شُجوناً فزِدْنِي من شجُونِك يا سعدُ والبيت المضمن للعباس بن الأحنف، وبعده: هَواها هَوىً لم يعرِف القلبُ غيرَه ... فليس له قَبْلٌ وليس له بَعْدُ وله، وكتبه في صدر كتاب: أناخَ بسُوحِي جيشُ همٍ وإبْطالِ ... وأضحَى قَرِينَ القلب من بعدِ تَرْحالِ وما فَلَّ ذاك الجيشَ غيرُ صَحِيفةٍ ... تجِلُّ لَعَمْرِي عن شَبِيهٍ وأمْثالِ أتَتْ تسلُب الألبابَ طُرّاً كأنها ... رَبيبةُ خِدْرٍ ذاتُ سِمْطٍ وخَلْخالِ أتَتْ من خَليلٍ قثربه غاية المُنى ... ومنظرُه الأَسْنى غدا جُلَّ آمالي فلا زال مَحْفوظاً عن الحُزْنِ والأسَى ... ولا زال مَحْفوفاً بعِزّ وإجْلالِ ولده أحمد هو في هذه الأخلاف، يذكر بما يذكر به كبار الأسلاف. من تقوى تعمر بها ظاهره، ومن صيانةٍ تجملت بها مظاهره. وقد رأيته بمكة المعظمة، وفرائد آدابه بليت الزمان منظمة. وهو من النعمة في ظلٍ رطيب المطارح، ومن الكرامة في حمىً رحيب المسارح. فتناولت من مناظيمه قطعاً كحدائق الجنان، فدونك منها ما يتمتع به الطرف والجنان. فمنها قوله، من قصيدة أولها: يا أخِلاَّئي بجَرْعاءِ الحِمَى ... ما لِصافِي وُدِّنا عاد أُجاجَا وليالٍ بِمنىً قَضَّيْتُها ... مَعْ نَدِيمٍ لم يكنْ في الحب دَاجَا ومِليح كاملٍ في حُسْنِه ... يفضَح الأقمارَ حُسْناً وانْبِلاجَا فسعَى في شَتِّنا دهرٌ بَنَى ... بيْننا من فادِح البَيْن رِتاجَا فتنَاءَوْا وتبدَّلْتُ بهم ... فِتْنةً حادتْ عن الحقِّ اعْوِجاجَا وقوله من أخرى: سقى اللهُ رَبْعاً بالأجارعِ من هندِ ... وحَيَّى الحْيَا وادِي الأراكةِ والرَّنْدِ مَغانٍ بها كان الزَّمانُ مُساعدِي ... بأفْنانِ بِشْرٍ من أسِرَّتِه يُبْدِي ورِيمٍ إذا ما لاح ضوءُ جَبينِه ... بفَرْعٍ حكَى لَيل التَّباعُدِ من هنْدِ أرَانا مُحَيّاً كالغزالةِ في الضحى ... أو البدرِ في بُرْجِ التَّكامُلِ والسَّعْدِ له مُقْلةٌ وَسْناءُ ترشق أسْهُماً ... تُصِيب الحشَا قبلَ الجوارِحِ والجِلْدِ وثَغْرٌ إذَا ما ضاءَ في جُنْحِ دامِسٍ ... توهَّمْتَ دُرّاً قد تنضَّد في عِقْدِ يُدير به ظَلْماً كأنَّ مَذاقَهُ ... جَنَى الطَّلْعِ أو صِرْفُ السُّلافِ أو الشُّهْدِ وتالِعُ جيدٍ ما الغزالةُ إن عَطَتْ ... بمُنْعرجِ الجَرْعاءِ طالبةَ الوِرْدِ وصَعْدَةُ قَدٍ إن تُقل غُصُن النَّقَا ... يقول لها هيْهات ما ذاك من نِدِّي ورِدْفٌ تَشكَّى الخَصْرُ أعْباءَ ثُقْلِهِ ... فنَاء به حتى تضاءَلَ عن جُهْدِ فلله هاتيك الليالي التي خَلَتْ ... وعُوِّضْتُ عنها بالقَطِيعة والبُعْدِ وأصبحتُ والأحشاءُ يذْكُو لَهِيبُها ... ألِيفَ النوى حِلْفَ الجوى دائمَ السُّهْدِ

стр. 573

أروح وأغْدُو واجِداً بين أضْلُعِي ... لَهِيبَ جَوىً لم يخْلُ حِيناً من الوَقْدِ أعَضُّ بَنانِي حسرةً وتأسُّفاً ... وأنْدُب عصراً لم أبِتْ خالياًَ وحْدِي وأُرْسِلُ دَمْعاً كالغمَامِ إذا هَمَى ... فهيْهات أن يُغْني التأسُّفُ أو يُجْدِي إلى الله أشْكُو جَوْرَ دهرٍ إذا عَدَا ... على المرء حَاجَاه بألْسِنَةِ لُدِّ وقائلةٍ والعيْشُ يُزعِجُه النَّوَى ... وعَبْرتُها كالطَّلِّ يسقط في الوَرْدِ لبئس المُنَى أن تقطعَ البِيدَ بالسُّرَى ... وترْحلَ عن وادِ المُحصَّبِ للهِنْدِ فقلتُ لها ما القَصْدُ واللهِ مُنْيَةً ... ولا نَيْلَ سُؤالٍ من عَرُوضٍ ومن نَقْدِ ولكنْ لأقُضِي شُكْرَ سالِفِ نِعْمةٍ ... مُشيَّدةِ الأرْكانِ بالأَبِ والجَدِّ لأكْرَمِ مَوْلىً ألْبَستْ يدُه الوَرى ... مَطارِفَ نَعْماءٍ تجِلُّ عن الحَدِّ ومن شعره قوله مجيباً لصاحب السلافة، عن أبيات كتبها إليه، لغرضً عرض: أبا حسنٍ لا زال سَعْدُك غالباً ... وجَدُّكَ مَسْعوداً ونَجْمُك ثاقِبَا ولا زالتِ العَلْياءُ تُجْنَى ثِمارُها ... لَديْك وتَحْوِي في المَعالي الأطايِبَا أتاني قَرِيضٌ منك قد جرَّ ذيلَه ... على الأطْلَسِ الأعْلَى وفاق الكَواكبَا يُشِير إلى خِلٍ تغيَّر وُدُّهُ ... وأصبح من بعدِ التَّحابِي مُحارِبَا أبَى اللهُ أن يَثْنِي عِنانَ وِدادِه ... ولو مَطَرتْ سُحْبُ الغوادِي قَواضِبَا ولكنه يا مَفْخَرَ العربِ امْرُؤٌ ... يُجرَّع من هذا الزمانِ مَصائِبَا فجرَّد عَزْماً للتَّجافِي عن الورى ... وأصبح مُنْحازاً عن الخلقِ جانِبَا فصبراً لهذا الدهرِ إنَّ صُروفَه ... لَعَمْرُكَ تُبْدِي من قضاها عجائِبَا سيصْفو شرابٌ مَرَّ دهراً مُكدَّراً ... ويرضَى مُحِبٌّ ظلَّ حِيناً مُغاضِبَا فإن ضميرِي لا يزال مُنازِعِي ... بأنَّك تَرْقَى في المَعالي مَراتِبَا مَراتِبُ تسْمُو للسِّماكَيْن رِفْعةً ... تقُود بها خَيْلَ الفخار جَنائِبَا فذلك عندي عن تَقيٍ مُكَرَّمٍ ... صَدُوقٍ إذا ما قال لم يُلْفَ كاذِبَا وما زلتُ أرْعَى قولَه في مَواطنٍ ... فألْفيْتُه ثَبْتَ المَقالةِ صائِبَا ودُمْ رَاقِياً للمجدِ أرْفعَ رُتْبةٍ ... تُبيدُ الأعادي أو تُنيِل الرَّغائِبَا أحمد بن أبي القاسم الخلي من أولى الناس للمجد تفصيلا، وأحقهم للترجيح تكميلاً وتفضيلا. لم ترفع عن أحسن من محاسنه النقب، ولم تتشرف بأفضل من مآثره الحقب. ولقد منيت به في إحدى ثلاثة منى، وحصلت منه على ما كنت أتوقعه من أمنيةٍ ومنى. في هنيئة أقصر من رجعة طرف، وأخصر من كتابة حرف. فرأيت فاضلاً ألقى دلوه في بحر الأدب فنزفه، ومد إلى غصنه الفينان فقطفه. وأنشدني من شعره ما تحسد اتساقه الثغور، وتغزله شهب السماء فتغور. فمنه قوله من قصيدة: حَيَّى الْحَيَا مَراتِعاً بنَجْدِ ... قد طاب فيها صَدَرِي ووِرْدِي مَراتعاً كنتُ سميراً للدُّمَى ... بها وتِرْبَ ناهِدات النَّهْدِ من كلِّ هَيْفاءِ القَوام غادةٍ ... يبْسَم فَاها عن لآلِي عِقْدِ إذا انْثنَى بالدَّلِّ لَدْنُ قَدِّها ... فأين منه عَذَباتُ الرَّنْدِ ثقيلةُ الرِّدْفِ هضِيمةُ الحشا ... يحْكيهما تجلُّدِي ووَجْدِي ضعيفةُ الخَصْرِ ولكن فِعْلُه ... في القلبِ أبْلانِي بضَعْفِ الجُهْدِ كثيرةُ الخُلْفِ فما لِصَبِّها ... مَطْلُ وَعِيدٍ ونَجازُ وَعْدِ

стр. 574

مَيَّالةُ العِطْفِ لغيرِ عاشقٍ ... مَلُولةُ الإلْفِ لغيرِ الصَّدِّ رَيَّانةُ الجسمِ يظَلُّ شارِقاً ... دُمْلُجُها مِنها بماءِ الزَّنْدِ لها مُحَيّاً كالصباحِ أبْلَجٌ ... من فوقهِ ليلٌ أثِيثٌ جَعْدُ وناظرٌ أجْرَى دموعَ ناظرِي ... وَقْفاً على عامِلِ ذاك القَدِّ وحاجبٌ حجب عن جَفْنِي الكَرى ... كأنه مُوَكَّلٌ بالسَّرْدِ شكَوْتُ ما ألْقَى لِقاسِي قَدِّها ... هيهْات هل تعْطِف من صَلْدِ يا قلْبَها إن كنتَ صخراً إنني ال ... خَنْساءُ فارْحَمْ لَوْعتِي وسُهْدِي وقوله من قصيدة نبوية، مطلعها: مَن لصَبٍ في الحبِّ أفْنَى زمانَهْ ... وهو إلْفُ اسْتكانةٍ وزَمانَهْ قد بَراهُ الهوى فصار خيالاً ... لو أتَى عائدٌ لضَلَّ مكانَهْ لَذّ ذُلُّ الهوى وهو حُرٌّ ... فهْو يهوَى الهَوى ويهْوَى هَوانَهْ كلَّما هبَّتِ الصَّبا هام شوقاً ... لزَرُودٍ وهيَّجَتْ أشْجانَهْ يا رعَى اللهُ عصرَ أُنْسٍ تقضَّى ... بربُاها وما قضَيْتُ لُبانَهْ وسقَى صَيِّبُ الغمامِ ثَراها ... لا دموعِي ودِيمَةٌ هَتَّانَهْ أنا أخْشَى من دمعِ عيني عليها ... قد رأيتمُ يوم النَّوَى طُوفانَهْ يا خليلِي إذا أتيْتَ إليها ... وتراءَتْ تلك القِبابُ المُصانَهْ قِفْ بها ساعةً وسَلْ عن فؤادي ... سَاكِنِيها لعل تعرِفُ شَانَهْ أخذُوه يومَ الوَداعِ الأُحَيْبا ... بُ كأنَّ الفؤادَ عندي أمانَهْ تركُوني جسماً ولا قلبَ فيه ... ما حَياتي واللهِ إلاَّ مَجانَهْ يا عَذ ُولِي إليك عنِّي فلا قلْ ... ب أَراه فأرْتجِي سُلْوانَهْ أجنُونٌ أصاب عاذِليَ الغِمْ ... رَ وإلاَّ مثلي أضاع جَنانَهْ ما درَى أن عَذْلَه يُضْرِمَ الوَجْ ... دَ أجَلْ لو درَى لألْوَى عِنانَهْ أتُراه من بعد أن شِبْتُ في الْحُبِّ ... وأصبحتُ في الهوى تُرْجُمانَهْ ينتهي في صَرْف قلبي الأما ... ني فالأماني بُروقُها خَ، انَهْ كيف صَرْفُ الفؤاد قُلْ لي وهذا ... حُسْنُ ليلَى عَمَّ الوجودَ فزَانَهْ لو رآها رأى الذي يبْهر العقْ ... لَ وينْسَى الرَّائِي به أحْزانَهْ إنّ داعِي جمالِها قام يدعو ... مُوضِحاً للصِّبابها بُرْهانَهْ جَلَّ مَن صاغَها طريقاً إلى الرُّشْ ... دِ وأُنْمُوذَجاً يُرينا جِنانَهْ نُزْهةٌ للعيون ننْظُرُ فيها ... قمراً مُشرِقاً على خُوطِ بَانَهْ وجَبِيناً يحْكِي الهلالَ وفَرْعاً ... مثلَ لَيْلِي إذا انثنَتْ غَضْبانَهْ وعيوناً لا شكَّ عندي هي الدُّن ... يا أراها قَتَّالةً فَتَّانَهْ وثَنايَا كأنَّهُنَّ الَّلآلِي ... ورُضاباً أظنُّه خمْرَ حَانَهْ طالما أخمدَتْ به وَهَجَ القلْ ... بِ المُعَنَّى وأطْفأتْ نِيرانَهْ وأتتْني من غيرِ سابقِ وَعْدٍ ... تتهادَى كأنَّها نَشْوانَهْ فامْتزجْنا من العِناقِ وبِتْنَا ... في سرابيلِ عِفَّةٍ وصِيانَهْ نتَعاطَى من الحديثِ كؤُوساً ... هيَ أشْهَى من أكْؤُسٍ مَلآنَهْ ثم قالتْ خُذْ في مَدائِحِ طه ... عَيْنِ هذا الوجودِ بل إنْسانَهْ وله من موشح مستبدع، مستهله: حتَّى متَى هذا الرَّشا الأكْحَلْ ... بَاهِي الجَبِينْ غيري يَفِي وها أنا أُهْمَلْ ... الله يُعِينْ ما حِيلتِي قد زاد بي البَلْبَالْ ومُهْجتِي تقطَّعتْ أوْصالْ

стр. 575

وعَبْرتِي كالعارِضَ الهَطالْ قد شَتَّتا نَوْمِ وقد أبْطلْ ... حَوْلِي المتينْ مَن مُنصِفِي منه وما أعملْ ... يا مسلمينْ هَويتُه حلوَ اللَّمَى أرْعَنْ شَتِيتُه كاللؤلُؤِ المُثْمَنْ فليْته يُبيحُنِي مِن أنْ وَاحَسْرتَا إن كُنتُ لا أحْملْ ... مَن ذَا المُعينْ وينْطفي في القلبِ ما أشْعَلْ ... وَجْدِي سِنِينْ أصْمَى الْحَشا بطَرْفِه النَّبَّالْ وأدْهشَا لُبِّي وعقلي زالْ ولو يَشا ما صِرتُ في ذا الحالْ تفَّتتا قلبي بما حَمَلْ ... أنتَ الضَّمِينْ يا مُتْلفِي ظُلْماً وقد أجْمَلْ ... حَلَّ اليمِينْ ما بَراحٌ عن حُبِّه كَلاَّ ولا سَراحٌ عن عِشْقِه أصْلاَ إلاَّ امْتداحُ خير الورَى أصْلاَ من قد أتَى من ربِّنا مُرْسَلْ ... للعالَمينْ المُقْتفِي والسيِّدُ الأكْمَلْ ... طه الأمينْ وله من آخر: يا مَن لقتْلِي ظُلْماً أحَلاَّ ... والقلبَ حَلاَّ مَن لدمِ المسلمِ اسْتحلاَّ ... ما قَطُّ حَلاَّ جَفاك طَعْمَ المَنونِ حَلاَّ ... والصبرَ حَلاَّ لم يحْكِكَ الظَّبْيُ لو تجلَّى ... فأنتَ أحْلَى يا مُنْيةَ القلبِ كم تدورُ على هَلاكِي وكن تجورُ هذا من الدَّلِّ أم غرورُ جرَّدْتَ من مُقْلتيْكَ نَصْلاَ ... ورُشْتَ نَبْلاَ أثْخَنْتَ لمَّا أمِنْتَ عَقْلاَ ... نَهْباً وقَتْلاَ اللهَ في عاشقٍ غريبِ ... مُضْنىً كئيبِ أضْحَى من النَّوْحِ والنَّحيبِ ... كعَنْدَلِيبِ فارجِعْ إلى اللهِ من قريبِ ... وكُنْ مُجيبي وامْنَح المُسْتهامَ وَصْلاَ ... فالقلبُ يَصْلَى حُمِّلْتُ ما لا يُطاقُ أصْلاَ ... عَقْلاً ونَقْلاَ يا كاملَ الْحُسْنِ والجمالِ يا بارعَ الغَنْجِ والدَّلالِ يا فاضحَ الغُصْنِ والغزالِ أنت من النَّيِّريْن أعْلَى ... سَناً وأغْلَى وجْهُك للبدرِ لو تجلَّى ... به تَمَلَّى أضعْتَ عُمْرَ الشَّجِيِّ قَصْدَا ... هَجْراً وصَدَّا لم تَرْعَ لي يا مَلُولُ وُدَّا ... وخُنْتَ عَهْدَا وسِرْتَ تسْطُو عليَّ عَمْداً ... لم تَخْشَ حَدَّا حَلَفتَ من قبل ذاك أنْ لاَ ... تُسِيءَ فِعْلاَ نَسِيتَ لي ذِمَّةً وإلاَّ ... فاعْطِفْ وإلاَّ أخوه محمد هو لروضه شقيق، ومثله بالمدح حقيق. مشحوذ سنان البيان، مصقول أطراف البنان. وأنا وإن لم أتمل برؤية جماله، فقد استمليت طرفاً من خبر فضله وكماله. وقد أهدى إلي تحفاً من أشعاره الغضة، فأخذت من راحها بالمصة ومن تفاحها بالعضة. فمما جردته منها قوله: باللهِ يا ريحُ هُزِّي غُصْنَ قامتِه ... وحاذِرِي العارِضَ النَّمَّامَ في السَّحَرِ وشَوِّشِي رَوْضَ خَدَّيْه على عَجَلٍ ... ثم انْتَحِي نحو ذاك المَبْسَمِ العَطِرِ وضَمِّخِي الكونَ من رَيَّاه وانْتهِزِي ... لي فُرْصةً بين ذاك الوِرْدِ والصَّدَرِ وعانقِي قَدَّه الزَّاهِي فمما لِشَجٍ ... إلاَّكِ شافيةٌ قد جاء في الخَبَرِ وحدِّثيه بأنِّي في هَواه لَقىً ... قد حالفتْنِي يدُ الأسْقامِ والغِيَرِ مُبَلْبَلُ البالِ أرْعَى النجمَ مُكْتئِباً ... نَحِيلَ جسمٍ صَرِيعَ الدَّالِّ والحَوَرِ

стр. 576

كأنَّ عَيْنِيَ لا تَهْدِي بها رَمَدٌ ... وأن أهْدَابَها قُدَّتْ من الإِبَرِ لعل مَسْراكِ يُطفِي ما تضَمَّنَه ... قلبٌ تَقَّسم بين الوَجْدِ والفِكَرِ للهِ أنْتِ فكم طَوَّقْتِنِي مِنَناً ... سَحْبانُ في وَصْفِها يُعْزَى إلى الحَصَرِ لأشْكُرنَّكِ ما غَنَّتْ مُطوَّقةٌ ... على الغصونِ بذاتِ الضَّالِ والسَّمُرِ وما سرَى البَرْقُ وَهْناً من ديارِهمُ ... وما هَمَى العارِضُ الرَّجَّافُ بالمطرِ وقد عارض بها أبيات الطغرائي، التي أولها: بالله يا ريحُ إن مُكِّنْتِ ثانيةٍ ... من صُدْغِه فأقِيمِي فيه واسْتَتِرِي وقوله: ولقد ذكرتُك والنجومُ سَواهِمٌ ... والجَوُّ من نَقْعِ السَّلاهِبِ مُظلِمُ والْحَرْبُ تُسْعر بالحرُوب كُماتها ... والبِيضُ تُنْثَر والعَوالِي تُنْظَمُ وكأنما خُضْرُ الدُّروعِ مَجَرَّةٌ ... وسَنَأ المَغافرِ في سَنَاها أنْجُمُ فغدَوْتُ أقْتحِمُ المَعامِعَ إذْ حَكَتْ ... مَعْنىً لحسنِك أبْلَجاً يتبسَّمُ هذا الأسلوب استعمله الشعراء كثيراً. قال مجنون ليلى: ذكرتُك والحَجِيجُ له ضَجِيجٌ ... بمكةَ والقلوبُ لها وَجِيبُ مصعب بن زرارة: ولقد ذكرتُكِ والمَنِيَّةُ بيْننا ... تحت الخَوافِقِ والقلوبُ خَوافِقُ الوزير أبو الحسن بن القبطرنة: ذكرتُ سُلَيْمَى وحَرُّ الوَغَى ... بقلبِيَ ساعةَ فارقْتُهَا وأبصرتُ بين القَنا قَدَّها ... وقد مِلْنَ نَحْوِي فقبَّلْتُهَا أبو طالب الرقي: ولقد ذكرتُكِ والظلامُ كأنه ... يومُ النَّوَى وفؤادُ مَن لم يَعْشَقِ عطية السلمي: ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ تنُوشُنِي ... عند الإمامِ وساعدِي مَغْلُولُ ولقد ذكرتُك والذي أنا عبدُه ... والسيفُ بين ذُؤابتي مَسْلُولُ أبو حيان: ولقد ذكرتُكِ والبحرُ الخِضَمُّ طَغَتْ ... أمْواجُه والورى منه على حَذَرِ مثله لابن رشيق: ولقد ذكرتُكِ في السفينةِ والرَّدَى ... مثتوقَّعٌ بِتلاطُمِ الأمْواجِ وعلَتْ لأصحابِ السفينةِ ضَجَّةٌ ... وأنا وذِكْرُكِ في ألَذِّ تَناجِي الصفي الحلي: ولقد ذكرتُكِ والجَماجِمُ وُقَّعٌ ... تحت السَّنابِكِ والأكُفُّ تطِيرُ والْهَامُ في أُفُقِ العَجَاجةِ حُوَّمٌ ... فكأنَّها فوق النُّسُورِ نُسورُ فظَنَنْتُ أني في مجالسِ لَذَّتِي ... والرَّاحُ تُجْلَى والكؤوسُ تدُورُ وقال أيضاً: ولقد ذكرتُكِ والعَجاجُ كأنه ... مَطْلُ الغَنِيِّ وسوءُ عَيْشِ المُعْسِرِ فظننْتُ أني في صَباحٍ مُسْفِرٍ ... من ضَوْءِ وجهِك أو سَناءٍ مُقْمِرِ الطغرائي، وما أرق قوله: إنِّي لأَذْكرُكم وقد بلَغ الظَّمَا ... منِّي فأشْرَقُ بالزُّلالِ الباردِ وأقولُ ليت أحِبَّتِي عايَنْتُهمْ ... قبل المَماتِ ولو بيومٍ واحدِ أبو عطاء السندي الحماسي: ذكرتُكِ والخَطِّيُّ يخطِر بَيْنَنا ... وقد نهِلتْ مِنَّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ مثله: وإني جُلْتُ في جيشِ الأعادِي ... برُمْحِي وهْو في فكرِ يجُولُ مجير الدين بن تميم: ولقد ذكرتك حين أنْكَرَتِ الظُّبا ... أغْمَادَها وتعارفَتْ في الْهامِ والنَّبْلُ من خَلَلِ الغُبارِ كأنه ... مُنْهَلُّ قَطْرٍ من فُروجِ غَمامِ فاسْتَصْغرَتْ عيْنايَ أفْواجَ العِدَى ... والموتُ خَلْفِي تارةً وأمَامِي ابن مطروح: ذكرتُكم والعَوالِي في الطُّلَى تَرِدُ ... في مَوْقفٍ فيه يَنْسَى الوالدَ الوَلَدُ وما نسيْتُكِ والأرْواحُ سائِلةٌ ... على السيوفِ ونارُ الحربِ تَتَّقِدُ وقال أيضاً:

стр. 577

ولقد ذكرتكِ والصَّوارِمُ لُمَّعٌ ... من حَوْلِنا والسَّمْهَرِيَّةُ شُرَّعُ وعلى مُكافحةِ السيوفِ ففي الْحَشَا ... شَوْقٌ إليكِ تَضِيقُ عنه الأضْلُعُ ومن الصِّبا وهَلُمَّ جَرّاً شِيمَتِي ... حْفْظُ العهودِ فكيف عنها أرْجِعُ عبد الله بن حسين بن محمد بن أحمد بن مبارك بن طرفة السالمي ابن طرفة طرفة طرف، لم يهجر منه للبراعة طرف. فهو الشاعر الظريف، الحائز من الكمال التالد والطريف. تجمل بأهداب الآداب، تجمل الأجفان بالأهداب. فأقلامه تصوغ الدراري، وقراطيسه يضوع منها الداري. بعباراتٍ عنبريةٍ، وإشارات عبيرية. فدونك منها أزهار رياضٍ بعرفِ النشق تتنسم، ولآلىء ثغورٍ عن ماء الحياة تتبسم. فمنها ما كتبه إلى أحمد الخلي المذكور آنفاً: مَن لقلبٍ دائمِ الحَزَنِ ... ليس يخْلُو الدهرَ من شَجَنِ ضاق ذَرْعاً بالهمومِ فهل ... ماجدٌ يُنْجِي من المِحَنِ يشْتكي الدهرَ عَلَّ عسَى ... يلْتجِي منه إلى سَكَنِ قد أضاعَ الوقتَ في نَفَرٍ ... كالرِّياضِ الخُضْرِ في الدِّمَنِ ظاهراً راقُوا وقد خَبُثُوا ... باطناً فَعْماً مِن الإحَنِ وغَنُوا بالمالِ عن أدَبٍ ... وبهم فَقْرٌ إلى الرَّسَنِ وغَدَوا عارِين من حَسَبٍ ... واكْتَسَوا بالقُبْحِ والدَّرَنِ فأنا ما بين أظْهُرِهمْ ... كغريبِ الدَّارِ والوَطَنِ صابرٌ عَلَّ الزمانَ يفِي ... بصديقٍ قَطُّ لم يَخُنِ وهْو في ظَنِّي ابنُ قاسم لا ... خَيَّبَ المَوْلَى به ظِنَنِي أحمدُ المحمودُ سيِّدُنا ... مالكُ الأفْضالِ والمِنَنِ من تسامَى أن يُحِيطَ به ... وَصْفُ مِنْطِيقٍ من اللَّسَنِ فاضلٌ لم يَأْلُ مجتهداً ... في طِلابِ المجدِ ليس يَنِي فاق في فضلٍ أُبُوَّتَهُ ... وجَرى منهم على السَّنَنِ وهمُ أبناءُ مَحْمَدةٍ ... فِعْلُهم يَرْوِي عن الحسَنِ شهدتْ في ذا فضائلهُ ... وعرَفْنا العِرقَ بالغُصُنِ يا شهابَ الدين صِخْ لفتىً ... وُدُّه باقٍ على الزَّمَنِ ليس يرجُو منك غيرَ وَفاً ... فاشْتَرِ عَبْداً بلا ثَمنِ بيننا في وُدِّنا نسَبٌ ... ليس يخْفَى ذا على فَطِنِ واحْتكِمْ ما شئتَ فيه على ... وَفْقِ ما ترضَى له تكُنِ وابْقَ واسلَمْ ما تفَنَّن في ... سَحَرٍ طيرٌ على غُصُنِ وأتبعه بنثرٍ صورته: يا سيدي الأعلى، وكنزي وشهابي الأسنى، وروضتي الغنا. دام علاك، وهدم بناء عداك. ولا زلت مأمون الغوائل، معتمد الوسائل، يوسفي الصباحة، حاتمي السماحة. فلكي التأثير، قمري التصوير. إبراهيمي الوفا، محمدي الأخلاق والصفا. أنت راءُ الرِّضا وعينُ العطايَا ... أنت تاءُ التقى وصادُ الصَّلاحِ أنت واوُ الوفا ومِيمُ المَعالِي ... أنت كافُ الكمالِ سينُ السَّماحِ الموجب لتسطير هذه الخدمة علمكم بأنه لابد للإنسان من خلٍ يسكن إليه، فيشكو إليه حزنه، وينتصر به على من ظلمه، ويتوصل به إلى ما يشق عليه بلوغه بمفرده. والمملوك قد تقرب إليك، وعول عليك، ورضي بك مالكاً فهل ترضى به مملوكاً، وتأخذ منه بذلك وثائق وصكوكا. يراك كالشيخ إجلالاً، وكالوالد إكراماً، والولد حنواً وإشفاقاً. ويلتمس منك ثلاثة أمور، وأنت الآمر بذلك لا المأمور: أولها؛ حفظ الود في الغيبة والحضور. ثانيها؛ عدم سماع كلام الواشي والغيور. ثالثها: رفع سجف الحشمة وطي بساط الكلف في القبض والسرور. هذا ما أحاط به علمك، فرب أخٍ لم تلده أمك. فكتب إليه مجيبا: ذكَّر الماضِي من الزمَنِ ... خَفَقانُ البارقِ الْيَمَنِي فَهمتْ من مُقْلتِي دِيَمٌ ... نِيْلُها أشْفقتُ يُغْرِقنِي

стр. 578

يا نُزولَ الصَّفْحِ من إضَمٍ ... بُعْدُكم أفْنَى قُوَى بَدَنِي حَبَّذا أيَّامُنا وبكم ... كانت الأقْدارُ تُسعِدُنِي حيث وجهُ الدهرِ مُنْبَلِجٌ ... وخيولُ اللهوِ ليس تَنِي وسَرابيلُ الصِّبا قُشُبٌ ... لم تُمزِّقْها يَدُ المِحَنِ ليت شِعْرِي والرَّجا طَمَعٌ ... بكم الأيامُ تجمعُنِي يا ديارَ الأُنْسِ جادَك مِن ... فَيْضِ دمعي هامِلُ المُزْنِ إن أكُنْ قد بِنْتُ لا بِرِضاً ... ففؤادي عنكِ لم يَبِنِ آهِ كم من ليلةٍ سلفَتْ ... فيك محفوظاً من الحَزَنِ ليس يُنْسيني تذكُّرَها ... غيرُ مَدْحِ المِصْقَعِ اللَّسِنِ فاضلُ العصرِ الذي يدُه ... حلَّتِ الأجْيادَ بالمِنَنِ مَن به الآدابُ قد فخرتْ ... وبدَتْ في منظرٍ حسَنِ يُدْرِك الأشْيا بفِطْنتِه ... وذَكاهُ وهْي لم تكنِ فِكْرُه كم حَلَّ مُشكِلةً ... وقَفتْ عنها ذَوُو الفِطَنِ عُمْدتِي في كلِّ نازلةٍ ... جَرَّدتْ نَ؛ ْوِي ظُبَا الفِتَنِ يا عَفيفِ الدِّين عبدُ هوىً ... بك لم يغدُرْ ولم يخُنِ قُمْتَ تدْعوه بمُفْرَدةٍ ... أصْبحتْ كالقُرْطِ في الأُذُنِ فاخْتبرْنِي يا أبا حسَنٍ ... تَرَنِي المْخبورَ بالحسَنِ وتقبَّلْ مِدْحةً برزَتْ ... مِن شَحٍ ناءٍ عن الشَّجَنِ جمُدتْ أفكارُه زمَناً ... فَرُمِي بالعِيِّ واللَّكَنِ رفَض الأشْعارَ عنه فلو ... وَزَنُوا الأمْوالَ لم يَزِنِ دُمْتَ سَمّاً للْعِدَى سنَداً ... لِيَ يا أطْرُوفةَ الزَّمنِ لو دَعانِي من غيرِ أرْضك داعٍ ... لغَرامٍ لكنتُ غيرَ مُلَبِّي وأما أنت أيها الأخ الشقيق. والصديق الشفيق. سمعاً لأمرك الواجبة إطاعته المفروضة إجابته، الممتنعة مخالفته، المستحيلة مجانبته. لو قيل تِيهاً قِفْ على جمرِ الغَضا ... لوقفْتُ ممتثِلاً ولم أتوَقَّفِ كيف وقد دعوتني إلى شيءٍ أتمنى حصوله، وأترقب وصوله. وكنت أرى نيله كالمستحيل للسائل، وطالما قلت: أين الثريا من يد المتناول. فظهر لي قيام الحظ بعد قعوده، وتبدل نحوسه الملازمة بسعوده. وطفقت أسحب ذيل الإعجاب مرحا، وتزايد بي السرور حتى بكيت فرحا. يا قلبُ قَرَّ فمن تُحِبُّ ... أتى على وَفْقِ المُرادِ فثق مني بخلوص ودٍ لا يشوبه غش الانفصام، حتى تفارق بعد العمر الطبيعي أرواحنا الأجسام. ألْقِنِي في لَظىً فإن غيَّرتْنِي ... فتيقَّنْ أني لستُ بالياقُوتِ والله المسئول أن يجعل عيون الحاسدين عنا نائمة، ويزرقنا والمسلمين حسن الخاتمة. وكتب إليه، وقد وعده بمشترى تمرٍ له: يا مالكَ الفضلِ ويا خِلَّ الأدبْ ... ويا كريمَ الأصلِ يا فخرَ العَرَبْ طال اشْتياقِي فاستمعْ مَقالِي ... لخضْمِ تمْرٍ كالزُّلالِ حالِي شبَّهتْهُ لم أعْدُ في تشْبيهِه ... طريقةَ القَصْدِ لَدَى مُرِيِدِهِ مَخازنٌ من العَقِيقِ نبتَتْ ... أقفْالُها من النُّضارِ جُعِلَتْ أو أُنْمُلاتٌ للغَوانِي طُلِيَتْ ... بالزَّعْفرانِ أعْجَبتْ وَفَتنتْ وأكُؤُساً من النضارِ الصَّافِي ... تشْربُها وخِلُّك المُصافِي كأنه خُلْقُك في حَلاوتِهْ ... ولفظُك الباهرُ في بَراعتِهْ يا حُسْنَه حين يُرَى في أَدَمِهْ ... يُوجِدُ شَخْصَ الجوعِ بعد عَدَمِهْ أحبَبْتُه حُبَّ الصغيرِ أُمّهْ ... ولا عجِيب حُبُّ ابنِ العَمَّهْ فانْعَمْ به دُمْتَ مدَى الدهورِ ... تسحبُ ذيلَ الانْسِ والحُبورِ

стр. 579

إلى مَعاليك العُلى ينْتسِبُ ... ومِن أياديك النَّدَى يُنْتَخَبُ نمِيلُ في مَطْلبِنَا علَيْكَا ... وتلتقِي آمالُنا لَدَيْكَا فكتب إليه: يا عُمْدتي في الصَّحْبِ والخِلاَّنِ ... وعدَّتِي إذا عَدا زَمانِي وطِبَّ دائي ودواءَ جُرْحِي ... وعينَ أعْيانِ ورُوْحَ رُوحِي وصَارِمِي الصَّارِمَ للأعداءِ ... وسَطْوتِي عند لِقَا الهَيْجاءِ يا مَنْهَلَ الفضلِ ويُنْبوعَ الأدَبْ ... وبَحْره المُلْقِي إليْنا بالعَجَبْ إليك ما كنتُ به وَعَدْتُ ... وإن أكُنْ أبْطأتُ ما أخْطَأْتُ فالعُذْرُ يا مولايَ ما رأيْتَا ... فكُن لعُذْرِي قابِلاً بقيتَا وهاكَها كوَجْنَةِ الحِسانِ ... في اللَّوْنِ أو كحُمْرةِ الدِّنانِ كأنه صِيغَ من العَقِيقِ ... وطَعْمُه كرِيقَةِ المَعْشُوقِ إذا شقَقْنا الظَّرْفَ عنه يبْدُو ... بَيْضٌ من النُّضارِ فيه نَدُّ من ذاقه عافَ مَذَاقَ الشُّهْدِ ... والضِّدُّ يبْدُو فضلُه بالضِّدِّ فكُلْ هَنيّاً يا شقيقَ رُوحِي ... وعِشْ مُعَمَّراً كعُمْرِ نُوحِ السيد محمد بن حيدر بن علي فرعٌ من أشرف نبعة، نمت في أشرف بقعة. فهو في بيت الشرف شمسٌ ذات إشراق، وفي روض الأدب غصنٌ تتفكه منه بثمار وتتفيأ بأوراق. فوجه أدبه سافر، وحظه من البراعة وافر. إذا جرى في مضمارٍ قصر مجاريه، وإذا برى أقلامه فلا أحد يباريه. مع ما خصه الله من شمائل، أرق من الشمول وألطف من الشمال، وخلائق أشهى من طيب الوصال، وأوقع من موافقة الآمال. وقد اجتمعت به فرعت عيني منه في مرعىً خصيب، واستطلعت نفسي منه مطلعاً له من الحسن أوفر نصيب. فشاهدت من نباهته ولطف رويته وبداهته، ما تملك قلبي، واستأثر في أن يخلب خلبي ويسلب لبي. وحباني من أشعاره بكل مقصدٍ نامي الغراس، وكل مخيلةٍ خامرت العقل لأنها جاءت من أكرم بيت راس. فمن ذلك قوله: نسيمٌ سرَى عن شِيحِ نَجْدٍ ورَنْدِهِ ... وبَرْقٌ شَرِى من غَوْرِ نَجْدٍ ونَجْدِهِ فذلك مُورٍ نارَ شَوْقِي بزَنْدِهِ ... وهذا مُثيِرٌ حَرَّ وَجْدِي ببَرْدِهِ وأذْكَرنِي صَوْبُ الغمامِ مَدامِعِي ... لتَجْرِي وذكرُ الشيء يجْري بنِدِّهِ ولولا الهَوى إن كنتَ تعلمُ ما الهوى ... لما زلْزلتْ قلبي زَماجِرُ رَعْدِهِ ووُدِّي لظَبْيٍ بالصَّرِيمةِ راتِعٍ ... وفي بعض أفْعالِي وَفَيْتُ بوُدِّهِ فيُنْبِتُ دمعي كلَّ بَقْلٍ برَوْضِه ... ويحْرِق مَرْعاه زَفِيرِي بوَقْدِهِ أُحِبُّ عَذُولِي حين ينْطِق باسْمِه ... وأُبْغِضُ مَرْآهُ وَفاءً بعَهْدِهِ وأُظْهِر من خَوْفِ الوُشاةِ سُلُوَّه ... وإن كان لي قلبٌ يُنادِي بضِدِّهِ وأقصِد بُعْدِي يَقْظةً عن مَزارِهِ ... وإن لم أُحِبَّ النومَ إلاَّ لِقَصْدِهِ ويلْهجُ نُطْقِي بالعُذَيْبِ وحاجِرٍ ... ويعْدِل عن ذِكْرِي حِماهُ بجُهْدِهِ وفي كلِّ عُضْوٍ لي لسانٌ مُوَلَّعٌ ... بذِكْراه في قلبِ المَزارِ وبُعْدِهِ فهذا وَفائي في الهوى بحُقُوقِه ... فهل أرْتجِي منه الوفاءَ بوَعْدِهِ وكم بالرُّبَى صَبٌّ صَبا بالذي سَبَا ... فؤادي ولم يمْنُنْ عليَّ برَدِّهِ من العُرْبِ طَفْلٌ دأْبُه اللهوُ عابِثٌ ... بطفْلِ سوادِ العينِ في مَهْدِهِ سُهْدِهِ وَهبْتُ له رُوحِي وأعلمُ أنه ... يصُدُّ لكي أحْظَى بلَفْتَةِ جِيدِهِ ونَيْلُ رِضاه مُنْتهَى ما أَرومُه ... وما عاشقٌ من لم يقِفْ عند حَدِّهِ

стр. 580

أقول هو المَوْلَى المُطاعُ مُمَنِّياً ... لنفسِي بأني عند رُتْبةِ عَبْدِهِ ووِرْدُ اللَّمَى المَعْسولِ عَزَّ وطالَما ... حَلاَ بفِمي طعماً تَخيُّلُ وِرْدِهِ وإن كنتُ في روضٍ تحَاشيْتُ أن أرى ... جَنَى وَرْدِهِ للإحْترامِ لخَدِّهِ وإن مال غُصْنٌ فيه أغْضَيْتُ هَيْبةً ... كفِعْلِي إذا ما ماس مائسُ قَدِّهِ وأقْطَعُ أن الروضَ إذْ كان فيه ما ... يُشهابِهُه يسْمو بطالِعِ سَعْدِهِ وذُلُّ الهوى عِزُّ الكريمِ وإن غَدَا ... مَلِيكاً جليلَ القدرِ ما بين جُنْدِهِ هو الحبُّ إن رُمْتَ المَخاضَ ببَحْرِه ... وإلاَّ دَعِ التَّيَّارَ واقْنَعْ بثَمْدِهِ وله معارضا: قُلْ للْمَلِيحة في الخِمارِ الأسْودِ قُلْ للمليحةِ في القِناعِ العُصْفُرِي ... يا شمسُ ها شَفَقُ الشروقِ فأسْفِرِي ولكِ الأمانُ من اللِّحاظِ إذا ارْتَمَتْ ... إن الشُّعاعَ يصُدُّ طَرْفَ المُبْصِرِ أوَما اكْتفيِت بوَرْدِ خدِّك رَوْضةً ... عن رَوْضِ وَرْدِيِّ اللِّباسِ المُزْهِرِ هذا القِناعُ سَما بفَرْقِك مَفْخَراً ... عن مِغْفَرٍ قد ضَمَّ هَامَةَ قَيْصَرِ وخَطرْتِ في مَوْشيَّةٍ ذهَبِيَّةٍ ... قد جانسَتْكِ بلَوْنِها في المَنْظَرِ وبديعُ حُسنِكِ قد تناسَب عندما ... راعَى نَظِيراً في المُحَيَّا الأنْضَرِ أرأيتِ حين خطَرْتِ في رَمْلِ الحِمَى ... ما بين بَانِ لِوَى الكَثِيبِ الأعْفَرِ فتأوَّدتْ أغْصانُه وتستَّرتْ ... بالأيْكِ من خَجَلٍ ولاتَ تسَتُّرِ كم أصْيَدٍ ملكَتْ يميِنُك رِقَّهُ ... فأتى إليك بذِلَّة المُسْتأْسِرِ مافي الحِمَى إلاّ مَوالِي طاعةٍ ... فتملَّكِي أو دَبِّرِي أو حَرِّرِي وله: جادتْ غَوادِي المُزْنِ رَبْوةَ لَعْلَعِ ... بهَواطلٍ تهْمِي بذاك المَرْبَعِ واخْضَرَّ رَوْضُ جَنابِها وتأرَّجتْ ... حُلَلُ النَُّّسِيمِ بنَشْرِه المُتضوِّعِ يا طِيبَ أوقاتٍ مضتْ بربُوعِها ... والشَّمْلُ مُلْتئِمٌ بها لم يُصْدَعِ حيثُ الزمانُ مُسالِمٌ ما راعَنا ... بِبعادِ خِلٍ أو فِراقِ مُوَدِّعِ وصُروفُه في غَفْلةٍ وصَفاةُ طِي ... بِ وِصالِنا بخُطوبِه لم تُقرَعِ يا سادةً بسِوَى عُقودِ عُلاهمُ ... ما نُظِّمتْ دُرَرُ الفَخارِ بمَجْمَعِ وبغيرِ أُفْقِ مديحهِم ما أشْرقَتْ ... شمسُ البلاغةِ بالسَّنَا المُتقشِّعِ إني لأعْجَزُ أن أَبُثَّكمُ من الْ ... أشواقِ ما ضُمَّتْ عليه أضْلُعِي قلبي من الصبرِ الجميلِ لبُعْدِكمْ ... أضْحَى خَلاءً كالديارِ البَلْقَعِ حَلَّ السُّهادُ بجَفْنِ عَيْني قاطِناً ... مُذْ سار عنه ظُعْنُ نَوْمِي المُزْمِعِ ولقد رَقمْتُ سطورَ طِرْسِ رسالتي ... وتكاد تمْحوها هَوامِي الأدْمُعِ وبعثْتُها لتفوزَ في تقْبيلِها ... أقْدامَكم بذَرَى المَحَلِّ الأرْفَعِ في طيِّها نَشْرُ الثَّناءِ يحُفُّه ... إهْداءُ مِسْكِيِّ السَّلامِ الأضْوَعِ وَافتْ تُهنِّيكم بُلوغَ مُناكمُ ... بزيارةِ الدَّاعِي الشفيعِ إذا دَعَا وبما حَوَيْتُم من جَزِيلِ الأجْرِ إذْ ... شمِلْتكمُ بركاتُ ذاك المَضْجَعِ دام الهناءُ لكم ودام لنا الهَنَا ... بكمُ ودُمْتمْ في النَّعيِمِ المُمْرِعِ وله من قصيدة، أولها: رِقِّي لِصَبِّكِ يا سعادُ ودارِكِي ... وَلْهانَ يندُب رسمَ دَارِسِ دَارِكِ

стр. 581

جُودِي عليه في المَنامِ بزَوْرةٍ ... إن لم تجُودِي يَقْظةً بوِصالِكِ هيهات يغْشَى النومُ جَفْنَ مُتيَّمٍ ... عُقِدتْ عُرَى آمالهِ بحِبالِكِ ما زال ذِكْرُك دائراً في بَالِهِ ... أتُراه يخْطِر ذِكْرُه في بَالِكِ اللهُ حَسْبُكِ كم تصُول بمُهْجتِي ... جَفْناكِ بالعَضْبِ الجُرازِ الفاتِكِ وتهُزُّ قامتُك القَويمةُ ذَابِلاً ... يسْطُو بطَعْنٍ في الْحَشَا مُتدارِكِ أو ما قنِعْتِ وبعضُ ما بي مُقْنِعٌ ... بِنَحِيلِ جسمِي والفؤادِ الهالِكِ يا رَبَّةَ الخِدْرِ التي تَهْفُو له ... في الحبِّ أفئدةٌ تنالُ منالَكِ هَلاَّ رحْمتِ وليس عندك رَحْمةٌ ... صَرْعَى هواكِ بنَظْرةٍ لجمالِكِ مالي ومالك كلَّما جذَب الهوى ... قلبي إليك صَدَدْتِ يا ابْنةَ مالِكِ حتَّى مَ أمْلِكُ كَتْمَ حبِّك في الحشَا ... وهُمولُ دمعي ليس بالمُتمالِكِ وإلى مَ ألهجُ بالعُذَيْبِ وبَارِقٍ ... وأغُضُّ طَرْفِي عند ذِكْرِ دِيارِكِ أنتِ المُرادُ برَغْمِ كلِّ مُعارِضٍ ... قَولاً صحيحاً لستُ فيه بآفِكِ قسَماً بمَنْظرِك الجميلِ وطَرْفِك الْ ... غَنِجِ الكَحِيلِ وسَلسَبِيلِ رُضابِكِ وبَوَرْدِ وَجْنتِك النَّضيرِ وبدرِ طَلْ ... عتِك المُنِيرِ بلَيْلِ فَرْعٍ حَالِكِ وبِدُرِّ مَبْسَمِكِ النَّظيمِ وكَشْحِكِ التَّ ... رِفِ الهَضِيمِ ومُسْتقيمِ قَوامِكِ وبذِمَّةِ العهدِ القديمِ وحُرْمةِ الْ ... وَدِّ المُقيمِ بقلبِيَ المُغْرَى بِكِ إني على عهدِ الغرامِ وشاهِدي ... ما تشْهديِنَ من السَّقامِ النَّاهِكِ قلبي بِحفظِ الوُدِّ قد عَوَّدْتُه ... فلِمَا تقرَّر فيه ليس بتارِكِ وله في الغزل: آهِ يا عبدَ الهوى ما أحْمَلَكْ ... هكذا يحكُم فاصْبِرْ مَن مَلَكْ وَيْكَ يا قلبُ تكلَّفْ جَلَداً ... رُبَّ قلبٍ رَقَّ عِشْقاً فهَلَكْ كيف لي فيك ومَن ينْفعُنِي ... آهِ لا بل فِيَّ قُلْ لي كيف لَكْ يا فؤادي لك عقلٌ عَاذِرٌ ... كنت صعباً والهوى قد ذَلَّلَكْ هَبْكَ في الدهرِ أرِيباً حازِماً ... أنا أدْرِي بالدَّهَا مَن خَتَلَكْ إنَّما غَرَّتْك أحْداقُ المَهَا ... نصرَ اللهُ بها مَن خَذَلَكْ يا عَذُولِي العشقُ داءٌ مُعْضِلٌ ... بالذي عافاكَ خَفِّفْ عَذَلَكْ الهوى رُشْدِي فدَعْ نُصْحَك لي ... فلقد أضْللْتَ فيه سُبُلَكْ لم تزلْ منذ زمانٍ جاهداً ... هل رأيتَ السمعَ يوماً قَبِلَكْ يا شقيقَ البدرِ يا تِرْبَ الْمَهَا ... مَن كَساك النُّورَ أو مَن كَحَّلَكْ إن يكُنْ يُشْبِهُك البدرُ سَناً ... فعلى مثلِك ما دار الفَلَكْ مَن بأشْراكِك قَسْراً صادَنِي ... أنتَ فاعْذِرْ عارِفاً ما سألَكْ إن تقُلْ إنِّي مَلِيكٌ في الهوى ... جارَ في الحُكْمِ أقُلْ أنَّي مَلَكْ قلتُ دَبِّرْنِي فإنِّي هالِكٌ ... قال من دَبَّر عَبْداً ما مَلَكْ وَيْحَ مَن كُلُّ مُناه وَصْلُه ... أيُّ وَادٍ في الأماني قد سَلَكْ أخذَ الرُّوحَ ووَلَّى بَرِماً ... أخْذُ رُوحِي لم يُهوِّنْ مَلَلَكْ يا أخا الصَّهْباءِ في رِقَّتِه ... مَن على قَسْوةِ صَلْدٍ جَبَلَكْ كان لي قلبٌ فأفْناه الجوَى ... أعْظَمَ اللهُ لِيَ الأجْرَ ولَكْ وله: لولا مُحَيَّاكَ الجميلُ المَصُونْ ... ما كنتُ أُجْرِي من عيوني عُيُونْ

стр. 582

ولا عَرفتُ السُّقمَ لولا الهوى ... ولا تَبارِيحَ الجوَى والشُّجونْ كم وقفَةٍ لي في طُلولِ الحِمَى ... رَوَّى ثَراهَا صَوْبُ دَمْعِي الهَتُونْ يا ربْعُ خَبِّرْ لا جَفاك الْحَيَا ... وَلْهانَ لا يعرِفُ غَمْضَ الجُفونْ هل كنتَ مَغْنىً للغزالِ الذي ... إليه أصْبُو والتَّصابي فُنُونْ وأشْرقتْ فيك شُمُوسُ الضُّحَى ... من فوقِ قاماتٍ تفُوق الغُصونْ مِن كلِّ غَيْداءَ إذا أسْفَرتْ ... يجْلُو مُحيَّاها ظلامَ الدُّجونْ سُيوفُ لَحْظيْها إذا جُرِّدتْ ... تُغْمَد من أحْشائِنا في جُفونْ وعَامِلُ الْقامةِ تسْطُو به ... فينا إذا ماسَتْ بأيْدِ المَنُونْ والشَّامةُ السَّوداءُ في خَدِّها ... تُعَلِّمُ الصَّبَّ فنونَ الجُنونْ مَنِيعةُ الحُجْبِ فَنيْلُ اللِّقا ... منها بَعِيدٌ عن مَرامِي الظُّنونْ حَسْبُكَ لَوْماً يا عَذُولِي اتَّئِدْ ... إنِّي لِعَهْدِي في الهوى لا أخُونْ لا تطْلُبِ السُّلْوانَ من وَامِقٍ ... فذاك شيءٌ أبداً لا يكونْ فدَعْ سُكارَى كأسِ خمرِ الهوى ... يا صاحِ في سَكْرَتهِمْ يعْمَهُونْ ظَنُّوا اتِّباعِي للهوى ضَلَّةً ... وهم لرُشْدِي فيه لا يعلمونْ أما ووَجْدِي يا أُهَيْلَ اللِّوَى ... وعهدِيَ الباقي وسِرِّي المَصُونْ وما لهم من مَنْزِلٍ عامرٍ ... بسَفْحِ قلبي هُمْ به نازِلُونْ وطِيبِ أوْقاتٍ مَضَتْ بالحِمَى ... لَفَقْدِها تَذْرِي الدموعَ العُيونْ لقد أطَعْتُ الحبَّ في حُكْمِه ... ومِلْتُ عن طُرْقِ الأُلَى يَعْذِلُونْ بذَلْتُ فيه مُهْجتِي طَائِعاً ... وبَذْلُها في الحبِّ عندي يَهُونْ ومن نتفه ومقاطيعه، قوله مصدراً ومعجزاً: لمَّا سرقْتُ بناظرِي مِن لَحْظِهِ ... خُلَساً من اللَّحظاتِ بالآماقِ وجَنَيْتُ حَدّاً إذْ جَنيْتُ برَوْضِهِ ... وَرْداً حَمَتْه صَوارِمُ الأحْداقِ قطَع الكرَى عن ناظِرِي مُتعمِّداً ... فوصَلْتُه بالمَدْمَعِ المُهْرَاقِ كيْلا يقولَ الناسُ إنَّك سارِقٌ ... والقَطْعُ حَدُّ جِنايةِ السُّرَّاقِ وقوله مصدراً أيضاً: ولمَّا رَقمْتُ الطِّرْسَ أشْفَق ناظرِي ... ومانَعَ من سَبْقِ الكتابِ إلى الوَصْلِ وقال لِيَ احْكُمْ أنتَ بالحقِّ بيْننا ... وقال لِخَطِّي سوف أمْحُوكَ بالهَطْلِ كِلانا سَوادٌ في بَياضٍ فما الذي ... يَميِزُكَ والأهْدابُ في مَوْضِعِ الشَّكْلِ وهل ما أُقاسِي من سُهادٍ ومَدْمَعٍ ... خُصِصْتُ به حتى تُشاهِدَهم قَبْلِي وقوله: وحقِّك يا كُلَّ المَرامِ أنا الذي ... جعلتُ له حِصْنَ اليَقينِ مُقامَا لأنك قد عَوَّدْتَه لُطْفَك الذي ... إذا زار لم يطْرُق كَراهُ لِمَامَا ولم يَكُ مَنْسِيّاً لديْك بِحالةٍ ... ولا منك يخْشَى غَفْلةً وسَآمَا فكم آيةٍ أظْهَرْتَها إثْرَ آيةٍ ... أيَعْمَى لها ذُو اللُّبِّ أو يَتَعَامَى ومَن كان ذا أرضٍ سقى بِذْرَها الْحَيَا ... فقد حاز مَحْصولَ الزُّروعِ وسامَا ومن يَكُ في مَهْدِ العِنايةِ وَادِعاً ... يَزْدْ عند تَحرِيك الخُطوبِ مَنامَا وقوله: وكأنما الثَّغْرُ الشَّهِيُّ رُضابُه ... ضِمْنَ الشِّفاهِ مع الوِشامِ الأخضَرِ دُرٌّ نَضِيدٌ ضِمْنَ حُقِّ زَبَرْجَدٍ ... وله غِطاءٌ من عَقِيقٍ أحْمَرِ وقوله: وباكيةٍ إذ وَدَّعْتنِي وقد بَدتْ ... بوَجْهٍ لهَتْكِي في المَحبَّةِ سافِرِ

стр. 583

جرى دمعُها لمَّا تألَّق نُورُهُ ... كذا البَرْقُ إذ يَسْرِي دليلُ المَواطِرِ هو الروضُ فيه نَرْجِسُ اللَّحْظِ ناثِرٌ ... على وَرْدِ خَدٍ دُرَّ طَلٍ مُباكِرِ وقوله: فتاةٌ لاطفَتْنِي بابْتسامِ ... ونال كلامَها قلبي الكَسِيرُ بَدا من ثَغْرِها دُرٌّ نَظِيمٌ ... ومن ألْفاظِها دُرٌّ نَثِيرُ فراعيْتُ النَّظيرَ دَمْعِي ... ولكن ذاك ليس له نَظِيرُ وقوله: بنُورِ مُحَيَّاك الجميلِ إذا انْجَلَى ... ونَوْرِ لأَلآءِ ثَغْرِك البارِدِ الظَّلْمِ أعُثْمانُ ذَا النُّورَيْنِ رِفْقاً بمَن غَدَا ... شهيدَ الْهوَى يشْكُو إليك من الظُّلْمِ وقوله في التنباك: أُحِبُّ الشُّرْبَ للتُّنْباكِ طَبْعاً ... وأُذْكِي نارَه أبَداً عليْهِ فلي قلبٌ حَرِيقُ جَوىً ووَجْدٍ ... وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ وكانت المقادير جمعت بيننا في الطائف، بين روضٍ وغدير، فتمتعت بمؤانسته، واغتنمت أوقات مجالسته، وكتبت إليه في أثناء ذلك: يا رَوْنَق المُنْتسَبِ الشَّرِيفِ ... أفْدِيكَ بالتَّالِدِ والطَّرِيفِ شُكْراً لأيَّامي هذه التي ... فُزْتُ بها في ظِلِّكَ الوَرِيفِ أسمعُ من لفظِك ما يبْهَر مَن ... ينْطِق بالأسْماءِ والحروفِ من كلِّ زَهْراءَ لآَلِي لَفْظِها ... تُغْنِي عن العُقودِ والشُّنُوفِ وأجْتلِي من خَطِّك الرَّوْضَ الذي ... أبْدَعْتَ فيه صَنْعةَ التَّفْوِيفِ طابتْ مَجانِيهِ فأثْمارُ المُنَى ... في سُوحِه دَانيِةُ القُطوفِ دُمْتَ تُحلِّي الدهرَ فخراً وأنا ... وَصَّافُ حُسْنِ طَبْعِك المَوصُوفِ فراجعني بقوله: يا شمْسَ أُفْقِ الأدبِ المَوْصوفِ ... ويا فَرِيدَ عِقْدِه المَرْصُوفِ ويا جمالَ النَّسَبِ السامِي إلى ... عبدِ مَنافٍ بالسَّنا المُنِيفِ يا مَن حَبانِي مِن صَفاءِ وِرْدِهِ ... رَوْنَقَ ذاك الجَوْهرِ اللَّطِيفِ ومَن سَقانِي من نميرِ فضلهِ ... سُلافَ كَرْمِ رَوْضِه المَسْلُوفِ ومَن أراني مِن خِصالِ ذاتهِ ... مَحاسِناً زادَتْ على الألوفِ يا مُهْدياً إليَّ من أشْعارِه ... تاجَ عُلاً تَمَّ به تَشْرِيفِي إن زماناً بك قد جادَ لنا ... جَدَّد جُودَ حاتمِ المعروفِ أحْسَن إحْساناً نسينا عنده ... ما مَرَّ من سُلُوكِه المأْلوفِ قد كان ما مضَى من العمرِ سُدىً ... لا يُشْتَرى بالثمنِ الطَّفيفِ حتَّى حَبانا بك سَعْدٌ طالِعٌ ... يزْهُو بنَجْمِ مَجدِك الشَّرِيفِ فعاد باقِي العُمْرِ عَيْشَ خالدٍ ... في جَنَّةٍ دانِيَةِ القُطوفِ فاسْلَمْ ودُمْ دامتْ مَعالِيك تُرَى ... أوْصافُها للسَّمْعِ كالشُّنوفِ وبلغني من بعض السادة، أنه أنشأ محاكمة بين الغنى والفقر، فكتبت إليه أطلبها منه: بلغني خبر المحاكمة، التي أنشأها السيد مقامة، وأفاد بها أن لا أحد يساوي مقامه. فعرفت أنه أتى بالعجب العجاب، واستأثر بما هنالك من الإغراب والإعجاب. جرياً على ما يعهد من طبعه المهذب، وفكره الذي ينشىء الوشي المذهب. فكم لفظة منه بحر الفكر، أمثال هذا الجوهر البكر. فأطلع الكلام دراً، وبيان البنان سحراً. وصير بطون المهارق بوارق، وما بين مدب الأقلام خوارق. من قوافٍ تنير حنادس الأفهام، وتتلاعب بالأفكار تلاعب السحر بالأوهام. وفقرٍ أبهى من الغنى بعد الفقر، وأشهى من الوطن غب مقاساة وحشة القفر. فلله تلك البديهة النبيهة، والفكرة النزيهة. حيث أتت بمستبينة الإعجاز، مميزة للحق على الحقيقة والمجاز. فأنستْ بمحاسنها آثار المتقدم، وصيرت المجترى على مثلها كالمتندم. فلعل السيد يمتع بها طرفي وسمعي، ويجمع بسببها شمل فكري وطبعي.

стр. 584

فأغنى بها عن نديمٍ ومدامة، وأغدو من منادمتها في السلامة بلا ندامة. هذا وشوقي إلى ذلك المنظر البهج، واجتلاء بدائع منطقة اللهج، شوق القارظي إلى سكون وسكنى، والقيسي إلى لبونٍ ولبنى. واعتلاقي بوصفه الجميل، اعتلاق قفا نبك بالملك الضليل. وكيف لي بخلسةٍ أشد عليها يد الضنين، وتنسيني هذا التأوه والأنين. فإني من حين الاجتماع، والتلذذ بذلك الخطاب والاستماع، هجرت غيره من القول والإصغا، وجعلتهما في جانبٍ من الإزراء والإلغا. فحالي فيه كما قلت، وعن نهج وده ما حلت: يا سيِّداً من حين فارقتُه ... ما راقَنِي مَرْأىً ولا مَسْمَعُ لا تحْرِمَنِّي نَظْرةً أمْكنَتْ ... فليس لي في غيرِها مَطْمَعُ فكتب إلي مجيباً: مولايَ قد قلَّدْتني مِنَّةً ... يسْتغرِقُ الشكرَ حَياها العَمِيمْ أهْديْتَ لي نثْراً من الدُّرِّ بل ... من الدَّرارِي الزُّهْر طَيَّ الرَّمِيمْ بل نَفْحةً قُدْسِيَّةً عَطَّرتْ ... بِطيبِ أخلاقِك نَشْرَ النَّسِيمْ تمنْع أن يُعْكَس تَشْبِيه مَن ... يُشبِّه العِطْر بخُلْقٍ كريمْ لا بل قد اهْدَيْتَ لي في العُلاَ ... هِدايةً للمَنْهَجِ المُسْتقيِمْ تفْتح عَيْنَ القلبِ حتى يَرَى ... تبلُّجَ الدهرِ بلَيْلٍ بَهِيمْ واللهِ لا أمْلِكُ شُكْراً لها ... إلاَّ عُبودِيَّةَ قلبٍ سَلِيمْ يا مولانا الذي شرف مولاه بما أتحفه، وشفاه بطب الفضل من داء الجهل وقد أنحفه. ومدحه حتى فضله وقدمه، فشجعه حتى ثبت في معارك الأدب قدمه، وفهمه آداب السلوك وعلمه، حتى حق له أن يشهر لدى ملوك الكلام قلمه، وينشر في مواكبهم علمه. أقدم أولاً عذري في مقابلة الدر بالمدر، وحمل التمر بل الحشف إلى هجر، وجلب الدر بل الصدف إلى البحرين، وإهداء تبركات المساجد إلى أهل الحرمين. ثم ما ذكره مولانا عظم الله مقامه، من طلب ما أنشأته على لسان الغنى والفقر شبه مقامة. فإن المخلص بنى في ذلك وهدم، حتى كاد يحلم الأدم، ويعيد ما أخرجه للوجود إلى العدم، خوفاً من الإتيان بما يوجب عند أهل المعرفة إلى الخجل والندم. وإلى وقت وصول الرقيم، والفكر في تيه الحيرة مقيم. أيبرزه في قالب التمام، أم يستر الأدب ستر الشمس المنكسفة بالغمام؟ وما قرأته منه على بعض المخاديم الكرام، فقد نزلته منزلة أضغاث أحلام، عند الانتباه من المنام. لكن بعد أن أسعفه الطالع الميمون بإقبالكم، وأنار هلاله المشبه بالعرجون من شمس كمالكم. فقد جزم المخلص برفعه بعد خفضه، وإبرامه غب نقضه، وضم بعضه إلى بعضه. حتى يقوم شخصاً كاملاً، ويليق بأن يكون لديكم على قدم الخدمة ماثلاً. وبسَعْدِكم تلك المَخائِلُ تَرْتقِي ... بتكامُلٍ حتى تعود شمائِلاَ بشرط أن أصل أولاً إلى خدمتكم الواجبة وجوب الفرض، وأنهيه إلى نظركم الكريم بطريق العرض. ونبلغ مع التحلي بتهذيبكم، أمل التملي بكم. فوحق ورد ودكم الصافي من الأكدار، إن شوقي مع قرب الدار: كشَوْقِ ظامٍ بالحِبْالِ مُوثَقِ ... لماءِ مُزْنٍ باردٍ مُصَفِّقِ وأقول: بل هو شَوْقٌ باللِّقاء يَرْتَقِي ... يزْدادُ أن لا نَلْتقِي أو نلْتَقِي ونسأل الله أن ينيلنا تواتر التردد لديكم، كما أنالنا تظافر التودد إليكم. وأن يمتع جيد الدهر بعقد مجدكم الثمين، ويحرس حمى وجودكم الذي تهوى إليه الأفئدة كما تهوى إلى الحرم الأمين. وبعث إلي بالمحاكمة، وهاهي مثبتة منقولة من خطه: الحمد لله الحكيم القادر على الإطلاق، الباسط المقدر للأرزاق. الذي جعل الفقر والغنى آيتين من أبدع آياته، وغايتين في الحكمة من أبدع غاياته. يتفكر فيهما ذو الفطنة والاعتبار فيتلو: " ربنا ما خلقت هذا باطلاً "، ويجري إليهما العبد على جياد الأقدار حالياً بزينة العقل أو عاطلاً. فيسعد من يرشد للتسليم إيماناً وتصديقاً، ويبعد من ينشد وهو المليم: هذا الذي تركَ الأوْهَام حائرةً ... وصَيَّر العالِمَ النِّحْريرَ زِنْدِيقَا

стр. 585

والصلاة والسلام على نبيه المبعوث بالإسلام، محمد الهادي للخلائق إلى أقوم الطرائق، وأكرم الخلائق، ﷺ ، وعلى آله وصحبه الأغنياء بالله الفقراء إليه. وبعد: فقد وقفت على مقامة أنشأها بعض المتأخرين الأفاضل الأعاظم، ووشاها بدرر الفوائءءد هديةً لكل ناثرٍ وناظم. ابتدعها على لسان الفقر والغنى كالمفاخر بينهما والمفاضل، وأودعها من الحجج التي يفلح بمثلها المناظر والمناضل. فمد بها في العلوم باعه الأطول، وأمد الفهوم بمصداق كم ترك الأول. قاصداً بذلك رياضة العقول، في رياض المقول. وتبريض اللسان، بوقائع شآبيب البيان. وتعريض الإحسان، للقانع بالأثر عن العيان. فأيد فيها الفقر على الغنى، وشيد له في الفخر على البنا. وجعله سابق الحلبة مجليا، وأتلاه بالغنى بعد لأيٍ مصليا. حتى أقر له بالتقدم تسليما، وأخلص لوداده بعد التندم على عناده قلباً سليما. هذا وإن كان الفقر عند أبناء الدنا، ملياً باكتساب العنا، خلياً عن أسباب الغنى، حفياً في اقتضاب المنى، كفياً في سد أبواب الهنا. وبينه وبين النفوس، ما بين تغلب وبكرٍ غب غداة البسوس. وقد أوقع فيها من المكروه والمساءة، ما لم يوقعه قيسٌ بابني بدرٍ يوم الهباءة. وحطمها ولا تحطيم الإبل المجفلة، جيوش لقيطٍ يوم جبلة. ووسمها بالعار الباقي على الزمان، كما وسم به لبيدٌ الربيع بن زياد في مجلس النعمان. ونفورها عنه ولا نفور الغادة الفتية عن مقاربة الشيب، والشنشنة الأخزمية من مقارنة العيب. وبعدها عنه بعد العزائم اليقينية عن شبهات الريب، والكثائف الجسمانية عن إدراك محجبات الغيب. هذا وعقال العقول في تقييد صعاب النفوس محلول، وحسام الفكر المصقول عن قطع أعصاب الأهواء مغلول. والناسُ أكْيَسُ من أن يمدحُوا رجلاً ... ما لم يَرَوْا عنده آثارَ إحْسانِ فلا جرم كاد ينعقد الإجماع، كما لا يخفى على ذي نظر وسماع، على بغض الفقر وذمه، وقصده بالصد وأمه، وتواتر الدعاء بالهبل والثكل على أمه. ومَن يجعْلِ المعروفَ من دون عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَن لم يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ فكان ما اختاره ﵀ من هذا الصنيع، معدوداً في فن المغايرة من البديع. وفيه تسلية لنفس البائس الفقير، وتقوية لقلب الآيس الحقي. وإعانةٌ للمبتلى بهذا الداء العضال، وإبانةٌ للغرض إن نشط للنضال. لكن حقيقة الحال أن هذا الفاضل لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين، وخيار الصلحاء العابدين. ومعلومٌ أن غالبهم قد اختار التقشف الموصوف، وشيد بناء التزهد المرصوف. وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه، حتى قطع مسافتها وما بل بحرٌ صوفة. كانوا جمال زمانِهم فتصدَّعُوا ... فكأنما لبس الزمانُ الصُّوفَا فبنى رحمه الله تعالى على مقتضى طريقتهم، وفضل الفقر إذ كان مرتضى حقيقتهم. وهو الحق الذي لا ريب فيه، والإنصاف الذي يرتضيه الأريب ويصطفيه. ولا يعارضه في مراده، مفاد: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ". فإن من راد نفسه على حلول هذه الساحة، وخشي أن يغرق عند تلاطم الأمواج وإن كان متقناً للسباحة، لا يلزمه أن قال بالتحريم وعدم الإباحة. وأحْزَمُ الناسِ مَن لو مات من ظَمَأٍ ... لم يقربِ الوِرْدَ حتى يعرِفَ الصَّدرَا وأما أرباب العصمة، فهم البريئون من كل وصمة. فإنهم شاهدوا حظهم الأشرف الأسمى، فلم يثبتوا لما دونه رسماً ولا إسما. وقصروا نظرهم على الخالد الباقي، وأنفوا أن تطأ أقدامهم الأرض وهم في أعلى المراقي، ومن ورد البحر استقل السواقي. ولما تأملت تلك المقامة، بوأ الله منشيها دار المقامة. رأيت مبنى الأفضلية فيها على أن جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف، وأكثر مقيلاً في ظلها الوارف. وأقدر على إبراز الصواب، عند السؤال والجواب. لا على إقامة الدليل والبرهان بالأفضلية، وجعل السابق في هذا الرهان صاحب الأولية. على أن هذا الميدان مجرى العوالي ومجرى السوابق، وفيه تزدحم كتائب فرسان الحقائق، وتلتحم مناكب النظارة من الخلائق. إذ الناس لعدم خلوهم من أحد الوصفين، ينقسمون إلى صنفين، وينتظمون في صفين. وكلٌ يحتج لصاحبه بالصفات الواقعية المرضية، لا المجازية الفرضية.

стр. 586

فأحببت أن أجول في هذا المجال، ولو بالمحال، وأنسج على هذا المنوال، على وهن القدرة وضعف المجال، وقصور عامل الفضل على التسلط على هذه المحال. اعترافاً مني بالتقصير، وإسعافاً بطلب المسامحة لباعي القصير. ومَن يَعْصِ أطْراف الزِّجاج فإنَّه ... يُطِيع العَوالِي رُكِّبتْ كُلَّ لَهْذَمِ فبنيت هذا المقصد على وضعٍ غريب، وترتيب يهش له الأديب والأريب، وأسلوبٍ يأخذه الطبع السليم عن قريب. وجعلت المفاخرة بينهما على حقائق الأوصاف، وذكرت ما يقال من الطرفين بنهاية الإنصاف. ثم أنهيت المخاصمة إلى التراضي بالمحاكمة، فحكمت بينهما مناط التكليف، ورباط الفضل الذي اختص به النوع الشريف. فحكم حكماً يقضي منه الفريقان مآربهم، ويعلم كل الناس مشربهم " كلٌّ في فلكٍ يسبحون "، و " كل حزبٍ بما لديهم فرحون ". والحق واضح الغرر والأحجال لقومٍ يعرفون، و " ماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ". حدث الغزل الرقيق، عن المديح الأنيق، عن السؤال الجميل، عن النوال الجزيل، عن الخاطر المطاع، عن كريم الطباع، قال: حضرت مجلساً من المجالس السرية، التي لم تزل تعقد بحضرة النفوس البشرية. وقد حضر وزيرها العقل، وحاجبها الحلم، وقائدها الفهم، وقاضيها العلم، وخازنها الحفظ، ومنشيها الفكر، وشاعرها الخيال، ونديمها الوهم. ومثلت للخدمة أعوانها المتظاهرة، وهي المدارك الخمسة الظاهرة. وانتظمت في مراتبها سائر القوى، وغاب بحمد الله عدوها الهوى. واتفق أن حضر المجلس الغنى والفقر، وهما الضدان المتناقضان، بل العدوان المتباغضان، والجوادان المتعارضان، بل القرنان المتناهضان. إلا أن النادي جمع بينهما، وقرب على سبيل الاتفاق بينهما. وخاض القوم في مجانح الحديث، من سوانح القديم والحديث. فأراد بعض من حضر، طراد جياد البحث والنظر. فتلطف بظرفه، ولحظ الغنى بطرف طرفه. وقال: إني أحفظ بيتين، ورد الأول منهما على روايتين. يبتني عليهما حكمٌ وأحكام، إذا تقرر مفادهما بإحكام. وأنشد: ولو أنِّي وَلِيتُ أميرَ جيشٍ ... لما قاتلتُ إلاَّ بالسؤالِ لأن الناسَ ينْهزِمون منه ... وقد ثَبَتُوا لأطْرافِ العَوالِي ثم قال: والرواية الأخرى، يعرفها من هو بإحراز شرفها أحرى. قال كريم الطباع، الراوي لهذه الأسجاع: فابتدر الغنى لجوابه، وقد استخرج دقيق التعريض من جرابه، فقال: إن بعض من أسعده الجد بخدمتي، وأيده الجد بعزمتي، وسدده المجد بهمتي. أنشده هذين البيتين بعض ندمائه، وجلاهما كالنيرين في سمائه. فتفطن ذلك الرئيس، لمعنىً فيهما نفيس. وأعاد إنشادهما في الحال، وقد وضع النوال موضع السؤال. فأظهر شمائل همته العلية، في دلائل عباراته الجلية. وسدد سهم الإصابة بساعد الكرم، فكنت قوسه ووتره ورمى مقاتل الفقر وما ظلم. فأرداه ووتره، وألبس البيتين حلى الملوك بعد أن كانا في أسمال صعلوك. حتى أشرق معناهما بالضياء المستفاد من شمسي، وأغدق معناهما بالأنواء الهاطلة من سماء يومي وأمسي. قال: ثم تنبه إلى أن هذا الكلام، من بليغ الكلام. وأنه بغى والبغي مرتعه وخيم، وأظهر دعوى الفضل، " وفوق كل ذي علمٍ عليم ". فكف من غربه، ورجع عن شرقه وغربه. واسترجع وسكت، وأطرق إلى الأرض ونكت. لكنه قال في أثناء ذلك: ما أراني أضللت المسالك، وأنا ما قلت وإن فخرت وطلت لعنان الحق مالك. وليس بملومٍ من نطق بالحق وصدع، وإن شق قلب المعاند وصدع، والحق أحق أن يتبع. وما المرءُ إلاَّ حيث يجعل نفسَه ... وإنِّي لها فوق السِّماكيْن جاعلُ قال الراوي: فاستشاط الفقر من الغيظ، وتلظت أنفاسه أحر من سموم القيظ. وأنف من الذل والاستكانة، إذ أنزله الغنى إلى هذه المكانة. وأنشد وقد أشعل نار الحمية تسعيرها: ونفْسَك أكْرِمْ عن أمورٍ كثيرةٍ ... فمالك نفسٌ بعدها تسْتعيرُهَا ثم انبرى للمقاومة مسترسلاً، بعد أن تضرع إلى الله تعالى متوسلاً، وقال متمثلاً: إحْدى ليالِيكِ فهِيسي هِيسِي ... لا تنْعَمِي الليلةَ بالتَّعْرِيسِ إلا أنه خاطب خطاب من قيد الحلم ألفاظه، وسدد العلم إيقاظه. فقال: أيها الغني لقد صرحت وما كنيت، وعجلت وما تأنيت، فبرحت إذ تجنيت.

стр. 587

وليتك حين صددت عن الإنصاف وأبيت، لم تعمر بيتاً بخراب بيت. أخبرني عن هذا الرئيس، الذي ملأت أنت له الكيس. فزعمت أنه إنما صار لما ذكرت قائلاً، من حيث كان في ظلك قائلاً. فلو كان ظامىء العود من مياه الكرم التي جرت فيه، جاف العنقود عن حلب سلاف البلاغة التي رشفت من فيه. أتراه كان يقول ما قال، ويتحمل ما يستلزمه نطقه من الأثقال؟ أو تراه لو كان مربوطاً بأشراكي، ومخروطاً في أسلاكي، محوطاً بأفلاكي. ثم كان ممن تشتق أفعال الكرم من مصدر طبعه، وتشق قسي الهمم من غروس نبعه. ألم يكن ينطق بما به نطق ويرشد إلى ما إليه أرشد، حين أنشد البيتين من أنشد. فلا تجهل علوم الأخلاق وأنت خبيرها، فما الجودُ من فقرِ الرِّجالِ ولا الغنَى ... ولكنه خِيمُ الرِّجالِ وخِيرُهَا وأما إزراؤك على الصعاليك، لتزيد بذلك في معاليك. فكفاهم فخراً في الدين، قول علم المهتدين: " رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره "، وما أشبه هذا مما طرق سمعك غير مرة. وأما باعتبار الدنيا، ورتبتها الدنيا. فإن فيهم من علا بالأوصاف قدره، وغلا للأضياف قدره، حتى أشرق من أفق الشعر بدره. ولكنَّ صُعْلوُكاً صحيفةُ وجهِه ... كضَوءِ شهابِ القَابِسِ المُتنوِّرِ إلى آخر الأبيات، المعلومة في الروايات. فيا أيها الغني، هلا إذ نطقت، تحملت ما أطقت. ورفعت نفسك من حيث لم تخفض سواك، وجلوت ثغرك بغير هذا السواك. فإن الشريف الكريم، ينقص قدراً بالتعدي على الشريف الكريم، وولع الخمر بالعقول رماها بالتنجيس وبالتحريم. قال: فنظر إليه الغني شزرا، وأعاره لحظاً نزرا. وخاطبه مخاطبة متحكم، ولاطفه ملاطفة متهكم، فقال: عذراً أيها المسكين، ورفقاً أيها المستكين، فما أنا بلغت عظمك السكين، ولست الذي أنزل شكلك هذا البيت من التسكين. إنما قلت في وفيك، ما كلانا به حقيق، ونسبت إلي وإليك، ما انعقد عليه الإجماع بالتحقيق. فاستمع مني بعض أوصافك، واردد جماح أنفتك بلجام إنصافك. وإن لم تصدق الناس ما أقول، فبرئت مني ذمة المعقول: ألست حائك شقق الهون والإذلال، وموشيها بوشي الكدية والسؤال، ومفصل أوصالها بمقراض الضجر والملال، وخائط تفاصيلها بخيوط الإلحاح الطوال، ومقدرها على قامات الرجال؟ فمفرغها عليهم للزينة والجمال! فاستجل فيهم هذا الوصف الشنيع، واستمل منهم شكر هذا الصنيع. واعفني من عتابك، فإني أربأ بنفسي عن خطابك. وإن حمى عزي المنيع المحرم، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم. ثم إنك مع ذا أردت جلاء العين فزدت قذىً، وأنزلت معالي الهدى في مغاني الهذا. وتكلمت في حضرتي بشريف الآثار، كلام من يظن أنه فيها ذو استثيار، وأنت تعلم أني فارس نقعها المثار. واستشهدت ببعض الأشعار، فأشهدت أن لمعانيها في ذهنك أشعار، وكلٌ عارفٌ بأني لا أركب في مضمارها الفرس المعار، ولا أقنع في معرفة أسرارها بالدثار دون الشعار. وإن كنت تستطيع معي صبرا، فسأنبئك بما لم تحط به خبرا. حسبي وإياك صيتاً وذكرا، أن الله سماني خيرا وسماك شرا، " إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً ". وجعلني من نعمه التي ذكر بها عباده كثرا، " وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ". بل يشمل سيد البشر هذا المعنى، " ووجدك عائلاً فأغنى ". وإن من دلائل فخري وسعدي، وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي. وجعلك من المحن التي تسكب عندها العبرات، ولا تقال في حزونها العثرات، " ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات ". وإن شئت خفضتك طبقةً أخرى، ورويت لك " كاد الفقر أن يكون كفرا "، وما جرى هذا المجرى. فأنت المبعد عن طاعة الخالق، لما تنزل بالخلائق، من الكرب والمضائق، وهي القواطع والعوائق. وأنا الذي أيسر لهم سني البضاعات، المتوقف عليها كثيرٌ من الطاعات. فلولا وجودي، ووجود جودي، لم يظفروا بثواب الزكوات والصدقات، وصلة الأرحام بالنفقات. ومن أعظم هذا المرام، حج بيت الله الحرام. وهل يستوي الإيسار والإفلاس، والله لم يدع إلى بيته سوى المياسير من الناس!

стр. 588

وتعلم كثرة دعاء الأنبياء، والمقتدين بهم من الأولياء، بالاستعاذة من جوارك، والاستقالة من عثارك، والتضرع إلى الله في محو آثارك. وأما الشعراء فقد هاموا بهجوك في كل واد، وقاموا بذمك على رؤوس الأشهاد. وأمروا للهرب منك بالتغرب في البلاد، ومقاساة الأين في ذلك والسهاد، حتى رأيتُ المُقامَ على الاقْتصادِ ... قُنوعاً به ذِلَّةٌ في العبادِ وحسبك بيتٌ سار مسير الأمثال في الورى، فسِرْ في بلادِ اللهِ والْتَمِسِ الغِنَى ... تَعِشْ ذا يَسارٍ أو تموتَ فتُعْذَرا وقال من أنف من قدرك الحقير: دَعِيني للغنى أسْعَى فإنِّي ... رأيتُ الناسَ شَرُّهم الفقيرُ ولو عقلت ما فاخرت الأقران، وقد نظموك والكفر في قران. ما أحْسَنَ الدين والدنيا إذا اجْتمعا ... وأقْبَحَ الكفرَ والإفْلاسَ بالرَّجُلِ وصعاليك اليهود، على هذا البيت من الشهود. ولولا ذم الإطرا وخوف الملام، وأن يقول بعض الفقراء مادح نفسك يقريك السلام؛ لأوردت عليك ما نظموه في من المدائح، وصيرت لك در الفرائد من أخلاف القرائح. وكيف لا وأنا علتهم الغائية في نظم مدائحهم المحبرة، ونعوتهم المحررة، وأغزالهم الرائقة، وتخيلاتهم الفائقة. وهل الممدوح إذا مثل المادح لديه، إلا المعهود الذي أقدره على إطلاق يديه. فخذ إليك غيضاً من فيض، ولمعةً من روض. وإن أردت زيادة الخوض، ملأت بهذا السجل لك الحوض. حتى تقول قطني، فقد ملأت بطني. قال الراوي: فاستجاش الفقر وازبأر، وزمجر وزأر، واستوفز وأثأر، وقال: كلا لا مفر " إلى ربك يومئذٍ المستقر ". الآن حمي الوطيس، والتف الخميس بالخميس. وتكلمت القلوب بألسنةٍ أحد من الصفاح، بل تكلمت ألسنة العذبات الحمر بأفواه الجراح. مَن صدَّ عن نِيرانِها ... فأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ أيها الغني، أمثلي تذلل صعابه البرى، ويركب أعجاز الإبل وإن طال السرى. أقسمت بمن جعلني في خلقه آية، ورفع لي على الطاغين أشهر راية، وجعلني لمحق الباغين أشأم من ابن داية؛ لتسمعن مني ما يدعك تقرع بأنامل الندم الثنايا، وأنا ابن جلا وطلاع الثنايا. أيها الناعم في لباس العجب والتيه، والزاعم أنه مولى الفضل ومؤتيه، والنازع إلى أخلاق اللؤم والرداة، والمنازع رب الكبرياء رداه. لقد افتريت في وصفي ووصفك بمينك، وأبصرت القذاة في عيني ولم تبصر الجذع في عينك. وصدفت عن مناهج الحق ومشارعه، وحرفت الكلم عن مواضعه. ولو أنك شداد بن عاد، ثم متعك الله تعالى بإرم ذات العماد، وفرعون ذو الأوتاد، ثم نجوت من اليم بمن معك من الأجناد، وكليب بن ريبعة ولم يقدر عليك جساسٌ في الحمى، وأبرهة ولم ترمك طيرٌ أبابيل من السما، وزهير بن جذيمة ولم تأخذك يد خالد من قريب، وأبو جهل بن هشام ولم تسحب إلى القليب؛ لأنفت لك من هذا العجب والاستطالة، وضجرت منك إذ أطلت هذه الإطالة. لكن لا بدع في ذلك فإنك منبع الطغيان، بنص القرآن: " إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى "، " أن كان ذا مالٍ وبنين، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ". وإن الذي جمع مالاً وعدده، وحسب أن ماله أخلده، منك استمد مدده، وبك أعد في الكفر عدده. وقد قالت أكابر قريش حين لفحتها ريحك العقيم: " لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم ". وقد علم مفضلك أو مساويك، إن لم يعمه حبك عن مساويك، أن الخلق بك يخسرون ولا يفلحون، وأنك من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. فكم قد اقتضى غي أهوائك، وعي أدوائك، وسكر شرابك، ومسكر سرابك أن يقطع السارق، ويقمع المارق، ويروع الخائن، ويصفع المائن، ويدفع الغاصب القاسط، ويتبع المحاسب المغالط. وأن يدنس بياض الأعراض، بسواد دنايا الأغراض، ويتحكم في صحاح العقول عضال الأمراض، من الأطماع الحقيقة بالإهمال والإعراض. ويفصح الحريص بالجريض، عند الحث على الجود والتحريض. وأن يرتكب الحازم، متون المآثم. يطيب الظنون، ويقدم السالك في المفاوز والمهالك على ريب المنون. وكم أوقعت فتنتك بين المرء وأبيه، وخليله وأخيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم لا ينجيه.

стр. 589

ولعلك تقول: إن من ذكرت، وشنعت عليهم وأنكرت، منك هربوا فلاذوا بسابغ ظلي، وفي حماك أجدبوا فاستسقوا وبلي وطلي، فأنت الذي حملتهم على أن يرتكبوا ما ارتكبوا، حتى حادوا عن القصد ونكبوا، فعوقبوا ونكبوا. كلا، إن خرط القتاد، دوون هذا الإيراد. فمن المعلوم أن كثيراً ممن ظهرت غواياتهم، وبعدت في الفساد غاياتهم، قد يرضى لنفسه بسمة القباحة، مع كوني لم أطرق له ساحة. وإنما يقصد الزيادة من كيلك، أو التقويم لأودك عند ميلك، فتعشى عين بصيرته في ليلك. وأما من سواهم، وقليلٌ ما هم، فلو كان قصده بأفعاله الشنيعة، إفلاته من حوزتي المنيعة، لكنت تراه يكتفي بالطفيف الذي يبعده عني، ولا يتآكد مصاعد التمني والتعني. دليلُك أن الفقرَ خيرٌ من الغنَى ... وأن قليلَ المالِ خيرٌ من المُثْرِي لقاؤُك شخصاً قد عصى الله للِغنَى ... ولستَ ترى شخصاً عصى اللهَ للفقرِ ويؤكد هذه الأحكاك الجليلة، ما أثبتته الأدلة العقلية والنقلية، أن جمع الأموال، من وجوه الحلال، يكاد يدخل في المحال. أما تعلم أن من قابلني بالرضا، والتسليم للقضا. وكف نظره عن الطماح، وعامل هواه بالزجر لا بالسماح. ظفر بكنز القناعة، وطفر عن وهاد الذل والخناعة. وهجر كد الطلب ووباله، وفرغ بطاعة مولاه خاطره وباله. وتمسك بأوثق الوسائل، لتحصيل العلوم والفضائل. واستحق أن ينشد لسان افتخاره: غيرِي يُغيِّره فِعالُ الجافِي ... ويحُول عن شِيَمِ الكريم الوافِي ويرشد عند اختياره: إن الغَنِيَّ هو الغنيُّ بنفْسِه ... ولَوَ انَّه عارِي المَناكبِ حَافِي وأما من أبغضك وأحبني، ورفضك وقربني، وأبعدك وأنت قائمٌ في خدمته كبعض عبيده، وطردك وأنت باسطٌ ذراعيك بوصيده، فإنه رجل الدنيا وواحدها، وطالب الأخرى فواجدها. وحسبك بإبراهيم بن أدهم بعد نزوله من أعلى القصور، وعمرو بن عبيد وجلالة قدره عند المنصور. دع أهل هذه الطبقة وما حووه من المفاخر، واتل: " لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ". أليس قد ورد عنه صادق النبا، بأنه قد نشز عنك ونبا، وقد عرض عليه أن تصير معه جبال تهامة فضة وذهبا؟؟ ثم من العجب زعمك أنك العزيز وأنا الذليل، وأني الحقير وأنت الجليل. ولو كنت تساوي عفطة عنز أو قلامة حافر، لما متع الله تعالى بك الفاسق والكافر. وإن زعمت أن لك الفضل والنعمة، لأن مصاحبك يعد من ألي النعمة؛ فإن معك من المحن والأكدار، وهموم الخوف من طوارق الأقدار، وتوقي سوء السمعة في هذه الدار، ما لا ينقطع ولا ينتفي، ولا يستتر ولا يختفي. وَازنْتُ بين مَلِيحِها وقبيحِها ... فإذا الملاحةُ بالقباحةِ لا تفي وأني يهنأ بعي مستطاب، من يعلم أن حلالك حسابٌ وحرامك عقاب. وكيف يتحمل منك الإفضال والإنعام، من يسمع " يدخل فقراء هذه الأمة الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام ". فدونكها غارةً شعواء، تخبط في عجاجها خبط العشواء، وداهيةً دهياء، تحقق عندك أنك الداء العياء. تمنع الحدث الغر أن يصول، والهرم المجرب أن يقول: يا ليْتني فيها جَذَعْ ... أخُبُّ فيها وأضَعْ وتقرر في العقول، مفاد المثل المنقول: ما طارَ طيرٌ وارْتفَعْ ... إلاَّ كما طارَ وَقَعْ قد أصدرتها صيانة المروءة الشرعية، وحياطة حقوق النفس المرعية؛ لا بوادر القوة الغضبية، ونوادر النخوة والحمية. لتفيدك موعظةً حسنة، وتتلو: لا تستوي السيئة والحسنة. وتنشد البيت الدائر على الألسنة: الخيرُ يَبْقَى وإن طال الزَّمانُ بهِ ... والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ قال راوي الحديث: فما أتم الفقر مقاله، ورمى عن ظهره أثقاله؛ أقبل الغني على رأس المجلس وصدره، وشمس المحفل وبدره. وقال: أيها النفس الشريفة، مد الله تعالى بك ظلال العقل الوريفة، إن حال هذا الجاهل طريفة أي طريفه. لقد جهل الجهل المركب، وركب في غير سرجه هذا المركب. وقصد إذ شوه وجه جمالي، وأود غصن كمالي، أن ينشد حرٌّ كريم، أو ذو أدب قويم: كضَرائرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لوجْهِها ... حَسَداً وبُغْضاً إنه لَذَمِيمُ

стр. 590

فيدخل بفحوى العموم في جملة أقراني، ويصعد بهذا المفهوم إلى أوج قراني. وهيهات هيهات، أين الثريا من يد المتناول، ومتى قال السها يا شمس أنت خفية، وقال الدجى يا صبح لونك حائل. ولو انثالت من جيوش الكلام هذه الجحافل، في أحقر الأندية والمحافل، لميز في الحال بين البطل الشجاع، والخنع اليراع، وأسقط سقط المتاع، عن رتبة سكاب الذي لا يعار ولا يباع. فكيف بهذا المجلس الذي انتشرت عليه غمائم الأدب والفضل، وشرت منه بوارق صوارم القول الفصل، وارتعدت بصواعق الجد فرائض الهزل، وهمرت سيول النفع والضر في شعاب التولية والعزل. وإني سأحبس عن القول عناني، ولا آخذ إلا فيما عناني، حتى تنحسم أباطيل الأماني، وتمحي عن صحائف الخواطر وساوس ماني، وأجازي بالشكر من عرف قدري فأسماني. قال: فبادر الفقر قائلاً: رب إني دعوت هذا الخصم للرشاد ليلاً ونهارا، ونصحته بالبيان المستفاد سراً وجهارا، فلم يزده دعائي إلا فرارا، وإصرارا على الجور واستكبارا. ثم لم يكتف بذلك حتى أخذ يمكر بي مكراً كبارا، ويتقرب للحضرة السلطانية استظهارا علي واستنصارا، ويظن أن سينال بذلك لديها إيثارا. كلا والله، تلك حضرةٌ شوط الباطل فيها قصير، وهي للحق وأهله نعمت النصير، ولا يتميز عندها للمتربع فوق السرير، على الجاثي على الحصير، وقد وقف الكلام بمنتهاه وغايته وصار إلى مصير. ثم أقبل على العقل، وقال: يا مولانا الوزير، أنت المدبر والمشير، والحاكم على كل مأمور وأمير. وأنت لسان الملك الناطق بلا اعتراض، ويده المتصرفة في سائر الأغراض، وطبيب أحكامه الشافي من كل الأمراض، ولك الأمر " فاقض ما أنت قاض ". قال كريم الطباع، الراوي لهذه الأسجاع: فلما سمع العقل ما قالاه، ورآى أنهما ألزماه الحكومة وإن عثر ما أقالاه، لبث هنيئةً ينتظر الإذن في الكلام، ويحرر من القول ما يخرجه عن الملام. إجلالا للحضرة السلطانية وتبجيلا، وعملا بما قيل: إن الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلاَ حتى حصلت له الإشارة، ووصلت نتائج أفكاره المستشارة. فاستعاذ من الشيطان الرجيم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن الحكومة معيار الذمم، ومحك الهمم. وميزان الفضل والمعرفة، وميدان الأفكار المتصرفة. وممر أنهار البلاغة والفصاحة، ومقر أطواد الرصانة والرجاجة، ومصرع جنوب المودة والصداقة، لكن في معارك ذوي الجهل والحماقة والحق يأبى الجمع بين النقيضين، والعقل يحرص على الإصلاح بين البغيضين. والتوفيق عزير، وخير القول الجامع الوجيز. وبحر المدح والقدح لا تفنى عجائبهم ومَن ذا الذي تُرْضَى سَجاياهُ كُلُّها ... كفَى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ مَعايِبُهْ ومن هنا أيها الفقر والغني ينبغي أن تعلما أنكما أدخلتماني في أضيق من سم الخياط، وكلفتماني المرور على جهنم فوق الصراط، وأشق المسالك الشرعية باب الاحتياط. وأنا أستعين الله تعالى وأستهديه، وأسأله أن يوفقكما لقبول ما أبديه. فقد أجبت السؤال وأطعت، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت. أما أنت أيها الغنى؛ فإنك المحمود المذموم، الميمون المشئوم؛ المحبوب المبغوض، المطلوب المرفوض؛ النافع الضار، المقيم الفار، المنبه الغار. وأما أنت أيها الفقر، فإنك العدو الصديق، المسعف الرفيق؛ المشقي المسعد، المهبط المصعد؛ الممرض المعافى، المعرض الوافي، المخل الكافي، الناقص الوافي. وأنا أفصل لكما هذين الإجمالين، وأرفع التناقض بين الاحتمالين، حتى تنزهاني عن الجهل والمين، وتنقلبا بحقائق الأمور عالمين. اعلما أن الله لم يخلق شيئاً عبثا ولعبا، " ولا يظلم ربك أحداً " أولاه راحةً أو تعبا. وجميع نعمه ونقمه، منتظمةٌ في أسلاك حكمه. وكل ما أودعه في عالم الكون والفساد، ذريعةٌ للعباد إلى كسب الفوز في المعاد. وملاك نتيجة كل قضية، ما يهدي الله إلى اختياره حضرة النفس الإنسانية. وقد أحلكما الله تعالى بين عباده في مواقع، يجوزها الشرع ولا يدافع، من أوفاها حقها ظفر بالعمل النافع، ومنقصر جوزي بعذابٍ واقع، ماله من دافع. فيكون الغنى منحةً استوجبها المطيع فحواها، أو مصلحةً لا يصلح العبد سواها. أو محنةً للاختبار والابتلا، أو فتنةً للاستدراج والإملا.

стр. 591

ويكون الفقر نقمةً طبق الاستحقاق المسطور، أو نعمةً لتنزيه النفوس الشريفة عن متاع الغرور. ويشارك الغنى في الابتلاء والاختبار، والمصلحة التي يعلمها الحكيم المختار. فحق المحبو بالغنى أن لا يألو جهداً، في أن يوالي شكراً وحمدا. وأن يتوصل به لاكتساب الأخرى، ويتصرف فيه بما هو الأولى والأحرى. ويتخرج من عهدة النوافل والحقوق، ويتحرج عن وصمة التغافل والعقوق. ويستعيذ بالله من إملائه وفتنته، ويحذر أن تغلب الغفلة على فطنته. وإياه ثم إياه، أن يشغله عن مولاه. وتحت هذا الإجمال تفصيلٌ طويل، الويل لمن أضرب عنه والعويل. وحق الممنو بالفقر أن يأخذ بالرضا والتسليم، ويقابل حكم الحكيم بقلبٍ سليم. ويكشره على آلائه، حيث اختصه بشعار أنبيائه وأوليائه. وينيب إلى باريه بالتوبة، ويستعيذ به من شؤم الإثم والحوبة. ويعتاض بعز القناعة والكفاف، ويرتاض على الزهد والعفاف. ويعتصم بحبل التقى، ويحذر من التخلص بالشفا من الشقا. ولا ييأس من روح الفرج، وإن عز في الضيق المخرج. ولا يدع التلطف في الحيلة، لتكلف المظاهر الجميلة. فهذه السنن المتبعة، مقنعة في الخرج من عهدة المواقع الأربعة. إذا علم هذا وتقرر، وثبت لديكما وتحرر، فاعلما أن كل واحدٍ منكما جاور من هذه صفاته، وحاور من لا تصدع بالجهل صفاته. فهو في معرك المفاخرة فارس الصفين، والحائز للقسم المحمود من الوصفين. وإلا فهو المتسم بالوصف الأخير، الحري وإن قدم بالتأخير. ثم إن أبيتما، إلا التمييز في الصفات بينكما، فأنت أيها الغني كالسيف الصقيل، يضيء حده في أعناق المعتدين والمهتدين، والجواد الأصيل يصلح حده لقطع السبل ولإعزاز الدين. فلك الفخر الذي يزاحم الكواكب بالمناكب، لكن بعد النظر إلى الضارب والراكب. وأنت أيها الفقر كالبحر الأجاج، يجري فيه الفلك مواخر، ويستخرج منه الدر الفاخر. والقفر العجاج، ينجو سالكه من طلب أعدائه، ويرجو عند انتهاء السير لقاء أودائه. فأنت الحائز للمفاخر، لكن باعتبار العواقب والأواخر. ثم إني أقول ولا أخشى ملامة، إن الفقر أدل على منهج الاستقامة، وأقرب إلى ساحل السلامة. وإن كان الغنى إذا كشف عن صاحبه الرين، ووفق على عزة التوفيق لأحمد الاختيارين، فهو الظافر بسعادة الدارين. وبهذا التأصيل الوثيق، والتفصيل المطابق للتحقيق، يرتفع التناقض بين ما أوردتماه من الحجج، وقلتماه عند الخوض في تلك اللجج. فتأملاه بعين البصيرة، وتناولاه بيدٍ غير قصيرة. وعلى كل حال فأنا الممتحن المبتلى بكما، والمرآة المجلى فيها شكلكما. ولم يكفكما تكليفي المشاق منفردين، حتى جئتماني مجتمعين، وحملتماني ما لو عرض على الجبال لأبين. وأنا أسأل الله تعالى أن يمنح حكمي القبول، ويوفق بينكما بالإصلاح وهيهات أن تتفق الدبور والقبول. قال راوي الحديث: فلما سمع الغنى والفقر ما جلاه العقل من الدلائل، وعلما أنه لم يبق مقالاً لقائل، ولا مصالاً لصائل، قاما حامدين للحكومة راضيين، وانطلقا لشأنهما كالسيفين الماضيين. وتفرق أرباب المجلس وكلٌّ يقول: هذا هو الحكم العدل، والمنطق الفصل، ولواهب العقل جزيل الحمد والمنة والفضل. محمد بن أحمد حكيم الملك بضم الميم وسكون اللام جواد لا يشق غباره، وكامل خلص من الزيف عياره. سرح في فنون العلم وسام، واجتلى وجوه خطاياه وهي نضرة وسام. وهو من بيت رياسةٍ وجلالة، وقومٍ لم يرثوا المجد عن كلالة. وكان لسلفه عند ملوك الهند آل تيمور، محلٌّ بندى أكفهم معمور، ومنزل بفائض عوارفهم مغمور. ولما ورد جده مكة المشرفة، قصد آل الحسن السادة، فأحلوه المحل الذي ينبيه أعين الحسادة. وولد صاحب الترجمة بمكة، فنشأ في بيت مجدٍ علا قدره، ورضع من ضرع ذلك المحتد فلله دره. فجمع بين تليد المجد وطريفه، وقال من ظل الرعاية في فسيحه ووريفه. قال ابن معصوم: ولم يزل متبعا تلك الدار، محمود الإيراد والإصدار. مع تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقى التي لا تنفصم، وحلوله لديه بالمكانة التي ما حلها ابن دؤاد عند المعتصم. حتى حصل عليه من الشريف أحمد بن عبد المطلب ما حصل، لما انحل عقد ولاية الشريف محسن منها وانفصل. فكان ممن نهب الشريف داره وماله، وقطع من الأمان أمانيه وآماله.

стр. 592

فالتجأ إلى بعض الأشراف، فأمنه على نفسه بعد مشاهدة الوقوف على الهلاك والإشراف. ثم سار مختفيا إلى اليمن، واستمر حتى قتل ابن عبد المطلب، فلم ير من شريف مكة السيد مسعود ما كان يأمله قبل، فتوجه إلى الهند فألقى بها عصاه، إلى أن بلغ من العمر أقصاه. انتهى. ومن شعره الذي أخذ بكل معنى، وتعطر بمشام ذكره كل مغنى. قوله: صَوادِحُ الْبانِ وَهْناً شَجْوُها بادِي ... فمن مُعِينُ فتىً في فَتِّ أكْبادِ صَبٌّ إذا غنَّتِ الورْقاءُ أرَّقهُ ... تَذْكيرُها نَغَمات الشادِنِ الشادِي فبات يرعُف من جَفْنيْهِ تحسَبُه ... يُرَجْرِج المَدْمَعَ الوَكَّافَ بالجادِي جافِي المضاجعِ إلْفُ السُّهْدِ ساوَرَه ... سَمُّ الأساوِدِ أو أنْيابُ آسادِ له إذا الليل وَارَاهُ نَشِيجُ شَجٍ ... وجَذْوةٌ في حَشاهُ ذاتُ إيقادِ سُمَّارُه حين يُضْنيه تَوَحُّشُه ... فيَشْرَئِبُّ إلى تأْسِيسِ عُوَّادِ وَجْدٌ وهَمٌّ وأشْجانٌ وبَرْحُ جَوىً ... ولَوعةٌ تتلظَّى والأسى سَادِي أضْناهُ تفْريقُ شَمْلٍ ظَلَّ مُجتمِعاً ... وضَنَّ بالعَوْدِ دَهْرٌ خَطْبُه عادِي فالعمرُ ما بين ضَنٍ ينْقضِي وضَنىً ... والدهرُ ما بين إيعادٍ وإبْعادِ لا وَصْلَ سَلْمَى وذاتِ الخالِ يرْقُبُه ... ولا يُؤمِّل من سُعْدَى لإسْعادِ أضْنَى فؤاديَ واسْتَوْهَى قُوَى خلَدِي ... أقْوَى مَلاعبَ بين الهُضْبِ والوادِي عَفَّتْ مَحاسنُها الأيامُ فانْدَرستْ ... واسْتبْدلَتْ وَحْشةً من أُنْسِها البادِي وعاث صَرْفُ الليالي في مَعالِمها ... فما يُجيبُ الصَّدَى فيها سِوَى الصَّادِي دَوارِجُ المَوْرِ مارتْ في مَعاهدِها ... فغادرَتْها عَفَا السَّاحاتِ والنادِي وصَوَّحتْ بالبِلَى أطْلالُها وخَلَتْ ... رِحابُها الفِيحُ من هَيْدٍ ومِن هادِي كأنها لم تكنْ يوماً لِبيضِ مَهاً ... مَراتِعاً قد خلَتْ فيهنَّ من هادِ ولم تظَلَّ مَغانيها بغانيةٍ ... تُغْنِي إذا ما رَدَى من بَدْرِها رَادِي ولا تثَنَّتْ بها لَمْياءُ ساحِبةً ... ذَيْلَ النعيم دَلالاً بين أنْدادِ فارقْتُها وكأنِّي لم أظَلَّ بها ... في ظِلِّ عَيْشٍ يُجلِّي عُذْرَ حَسَّادِ أجْنِي قُطوفَ فُكاهاتٍ مُحاضرةً ... طَوْراً وطوراً أُناغِي رُتْبة الهادِي هَيْفاءُ يُزْرِي إذا ماسَتْ تمايُلُها ... بأمْلَدٍ من غصونِ الْبانِ مَيَّادِ بجانبِ الجيدِ يَهْوِي القُرْطُ مُرْتعِداً ... مَهْواهُ جِدُّ سَحِيقٍ فوق أكْتادِ شِفاهُها بين حُقِّ الدُّرِّ قد خَزنتْ ... ذخيرةَ النَّحَلِ مَمْزُوجاً بها الجْادِي إذا نَضَتْ عن مُحَيَّاها النَّقابَ صَبَا ... مُسْتهْتَراً كلُّ سَجَّادٍ وعَبَّادِ وإن تجلَّتْ ففيما قد جَلَتْه دُجىً ... لنا به في الدَّآدِي أيُّما هادِي وَمِيضُ بَرْقِ ثَناياها إذا ابتسمتْ ... بعَأرضِ الدَّمْعِ مِن مَهْجورِها حَادِي وناظِرانِ لها يَرْتَدُّ طَرفُهما ... مهما رَنَتْ عن قتيلٍ ما له وَادِي وصُبْحُ غُرّتِها في ليلِ طُرَّتِها ... يَوْمايَ من وصلِها أو هجرِها العادِي تلك الربوعُ التي كانت مَلاعبُها ... أخْنَى عليها الذي أخْنَى على عادِ إلى مَلاعب غِزْلانِ الصَّرِيمِ بها ... يَحِنُّ قلبي المُعَنَّى ما شدَا شَادِي بُعْداً لدهرٍ رماني بالفِراقِ بها ... ولا سَقَى كَنفيْه الرّائحُ الغادِي

стр. 593

عَمْرِي لئن عظُمتْ تلك القَوادِحُ من ... خُطوبِه وتعدَّتْ حَدَّ تَعْدادِ لقد نسِيتُ وأنْسَتني بَوائقُه ... تلك التي دَهْدَهتْ أصْلاً وأطْوادِ مَصارِعٌ لِبَني الزَّهْرا وأحمد قد ... أذْكَرْنَ فَخّاً ومَن أرْدَى به الهادي لفَقْدِهم وعلى المَطْلولِ من دَمهِم ... تبكي السماء بمُزْنٍ رائحٍ غادِي وشَقَّ جَيْبَ الغمامِ البَرْقُ من حَزَنٍ ... عليهمُ لا على أبْناءِ عَبَّادِ كانوا كعِقْدٍ بجيدِ الدهرِ مُذْ فَرطَتْ ... من ذاك وَاسِطةٌ أوْدَى بتَبْدادِ وهو المَليكُ الذي للمُلْكِ كان حِمىً ... مُذْ ماسَ من بُرْدِه في خَزِّ أبْرادِ كانت لجيرانِ ببيتِ اللهِ دولتُه ... مِهادَ أمْنٍ بِسَرْحِ الخيفِ ذَوَّادِ وكان طَوْداً لِدَسْتِ المُلْكِ مُحْتبياً ... ولاقْتناصِ المَعالي أيَّ نَهّادِ ثَوَى بصَنْعا فيا للهِ ما اشْتملَتْ ... عليه من مجدهِ في ضِيقِ ألْحادِ فقد حَوَيْتِ به صَنْعاءُ من شَرَفٍ ... كما حَوَتْ صَعْدةٌ بالسيِّد الهادِي فحبَّذا أنتِ يا صَنْعاءُ من بلدٍ ... ولا تغَشَّى زياداً وَكْفُ رَعَّادِ مُصابُه كان رُزْءاً لا يُوازِنُه ... رُزْءٌ ومِفْتاحَ أرْزاءٍ وأسْبادِ وكان رَأْساً على الأشْرافِ منذ هوَى ... تتابَعُوا بعده عن شِبْهِ مِيعادِ لَهْفَ المُضافِ إذا ما أزْمَةٌ أزَمتْ ... من قطبِ نائبةٍ للمَتْنِ هَدَّادِ لَهْفَ المُضافِ إذا ما أقْلحتْ سَنَةٌ ... يَضِنُّ في مَحْلِها الطَّائيُّ بالزَّادِ لَهْفَ المُضافِ إذا كَرُّ الجِيادِ لدَى ... حَرّ الجِلادِ أثار النَّقْعَ بالوادِي لَهْفَ المُضافِ إذا ما يُسْتباحُ حِمىً ... لفَقْدِ حَامٍ بِورْدِ الكَرِّ عَوَّادِ لَهْفَ المُضافِ إذا جُلَّى به نزلَتْ ... ولم يَجِدْ كاشِفاً منها بمِرْصادِ لَهْفَ المُضافِ إذا نادَى الصَّرِيخُ ولم ... يجِدْ له مصرخاً كالغيثِ للصَّادِي لَهْفَ المُضافِ إذا الدهرُ العَسُوفُ سَطَا ... بضَيْمِ جارٍ لنُزْلِ العِزِّ مُعْتادِ بل لهفَ كُلِّ ذوِي الآمالِ قاطبةً ... عليهمُ خيرُ مُرْتادٍ لِمُرْتادِ كانتْ بهم تَزْدهِي في السِّلْمِ أنْدِيةٌ ... وفي الوغَى كُلُّ قَدَّادٍ ومُنْآدِ على الأرائِك أقْمارٌ تُضِيءُ ومِن ... تحت التَّرائِك آسادٌ لمستادِ تشكُو عِداهم إذا شاكِي السِّلاح بَدَا ... شَكَّ القَنَا ما ضَفَا من نَسْجِ أبْرادِ إلى النُّحورِ وما تحوِي الصدورُ وما ... وَارَتْه في جُنْحِها ظُلماتُ أجْسادِ جَنَى جَنىً قلقاً تحْوِي جَآجِئُها ... ممّا يُقَصِّد فيها كلُّ قَصَّادِ بَأدُوا فباد من الدنيا بأجْمعِها ... مَن كان فكَّاكَ أصْفادٍ بإصْفادِ وقد ذَوتْ زَهْرةُ الدنيا لِفَقْدِهمُ ... وأُلبِستْ بعدهم أثْوابَ إحْدادِ واجْتُثَّ غَرْسُ الأماني من فَجِيعتهم ... وأنْشَد الدهرُ تقْنيطاً لِرُوَّادِ يا ضيفُ أقفْرَ بيتُ المَكْرُماتِ فخُذْ ... في جَمْعِ رَحْلِك واجمعْ فَضْلَة الزَّادِ يا قلبُ لا تبْتئِسْ من هَوْلِ مَصْرَعِهمْ ... وعَزِّ نفسَك في بُؤْسٍ وأنْكادِ بمَن غدا خَلَفاً يا حبَّذَا خَلَفٌ ... في المُلْكِ عن خيرِ آباءٍ وأجدادِ بحائزٍ إرْثَهم حاوٍ مَفاخِرَهم ... كما حَوى الألْفُ من آحادِ أعْدادِ وذاك زيدٌ أدام اللهُ دولتَه ... وزاده منه تأييداً بإمدادِ

стр. 594

سمَا به النَّسَبُ الوَضَّاحُ حيث غدا ... طَرِيفُه جامعاً أشْتاتَ أتْلادِ لقد حوَى من رَفِيعاتِ المَكارمِ ما ... يكْفِي لمَفْخرِ أجْدادٍ وأحْفادِ أليس قد نالَ مُلْكاً في شَبِيبتِه ... ما ناله مًن سعَى أعْمارَ آبادِ أليس في وَهَجِ الهَيْجا مَواقِفُه ... مَشْكورةً بين أعداءٍ وأضْدادِ أليس أسْبَحَ في التَّنْعيمِ سابِحَه ... لُجَّ المَنايا ليُحْيِي فَلَّ أجْنادِ أليس يومَ العَطا تحْكِي أنامِلُه ... خُلْجانَ بحرٍ بفَيْضٍ التِّبْرِ مَدَّادِ أليس قد لاحَ في تَأْسِيسِ دولتِه ... من جَدِّه المصطفى رمزٌ بإرْشادِ دامتْ مَعالِيه والنُّعْمَى بذاك له ... يَصُونُها وهْو مَلْحوظٌ بإسْعادِ ما لاح بَرْقٌ وما غَنَّتْ على فَنَنٍ ... صَوادِحُ الْبلانِ وَهْنا شَجْوُها بادِي قوله: أليس قد لاح في تأسيس دولته، يشير به إلى ما وقع للشريف زيد، فإنه لما ورد الأمر السلطاني بولايته الحرمين، وكان إذ ذاك بالمدينة المنورة، قصد زياة النبي ﷺ ، فأراد الخدم أن يفتحوا الباب، فوجدوه مفتوحاً، وكانوا قد أغلقوه من قبل، فعلم الناس أنه إشارةٌ إلى الفتح. ومن لطائفه قوله من كتاب: سقى الدمعُ مَغْنَى الوَابِليَّةِ بالحِمَى ... سَواجِمَ تُغْنِي جانِبَيْه عن الوَبْلِ ولا برِحتْ عيني تنُوبُ عن الْحَيَا ... بدمعٍ على تلك المَناهلِ مُنْهَلِّ مَغاني الغوانِي والشَّبيبةِ والصِّبا ... ومَأْوَى المَوالِي والعشيرةِ والأهلِ سَقاها الْحَيا من أرْبُعٍ وطُلولِ ... حكَتْ دَنَفِي من بعدهم ونُحولِي سَقا صَوْبُ الْحَيا دِمَناً ... بجَرْعاءِ اللِّوَى دُرْسَا وزاد مَحلَّكِ المَأْنُو ... سَ يا دار الهوَى أُنْسَا لئِن درَستْ رُبوعُك فالْ ... هَوى العُذْرِيُّ ما دَرسَا إنما المحافظة على الرسوم والآداب، والملاحظة للعوائد المألوفة في افتتاح الخطاب، لمن يملك أمره إذا اعتن ذكر زينب والرباب، ولم تحكم عقال عقله يد النوى والاغتراب. وليست لمن كلما لاح بارقٌ ببرقة ثهمد، فكأنه أخو جنة مما يقوم ويقعد. تتقاذفه أمواج الأحزان، وتترامى به طوائح الهواجس إلى كل مكان. فهو وإن كان فيما ترى العين قاطناً بحيٍ من الأحياء، يَوْماً بحُزْوَى ويوما بالعَقِيقِ وبالْ ... غُوَيرِ يوماً ويوما بالخُلَيْصاءِ لا يأتلي مقسم العزمات، منفصم عرى العزيمات. لا يقر قراره، ولا يرجى اصطباره. إن روح القلب بذكر المنحنى أقام الحنين حنايا ضلوعه، أو استروح روح الفرج من ذكر الخيف بمنىً أو مضت بوارق زفراته تحدو بعارض دموعه. مَن تمنَّى مالاً وحُسْنَ مآلٍ ... فمُنايَ مِنىً وأقْصَى مُرادِي فيا له من قلبٍ لا يهدأ خفوقه ولا تني لامعةً بروقه، ولا يبرح من شمول الأحزان صبوحه وغبوقه. يساور هموماً فما مساورة ضئيلةٍ من الرقش، ويناجي أحزاناً لو لابس بعضها الصخر الأصم لانهش، ويركب من أخطار الوحشة أهوالاً دونها ركوب النعش. يحن إلى مواضع إيناسه، ويرتاح إلى مواضع غزلان صريمه وكناسه، ويندب أيام يستثمر الطرب من أفنان أغراسه. أيامَ كنتُ من اللُّغوبِ مُراحَا أيامَ لا الواشِي يَعُدُّ ضَلالةً ... وَلَهِي عليه ولا العَذُولُ يُؤنِّبُ أيَّامَ ليلَى تُرينِي الشمسَ طَلْعتُها ... بعد الغروبِ بدَتْ في أُفْقِ أزْرارِ أيامَ شَرْخُ شبابِي رَوضةٌ أُنُفٌ ... ما رِيع منه برَوْعِ الشَّيْبِ رَيْعانُ أيامَ غُصْنِيَ لَدْنٌ من نَضارتِه ... أصْبُو إلى غيرِ جاراتِ وحاراتي ثم انْقضَتْ تلكَ السِّنُون وأهْلُها لم يَبْقَ منها لِمُشتاقٍ إذا ذكَرا ... إلاَّ لَواعِجُ وَجْدٍ تبعثُ الفِكَرَا

стр. 595

ولم يُبْقِ منِّي الشوقُ إلاَّ تفكُّرِي ... فلو شئتُ أن أبكي بكيْتُ تفكُّرَا لم أكن على مفارقة الأحباب جلداً فأقول وهي جلدي، وإنما هي تجلدي، مما حملت من النوائب على كتدي، وفتت صروف البين المشتت من أفلاذ كبدي. جرَّبتُ من صَرْفْ دهرِي كلَّ نائبةٍ ... أمَرَّ من فُرْقةِ الأحْبابِ لم أجِدِ فِراقاً قضَى أن لا تَأسِّيَ بعدما ... مَضَى مُنْجِداً صبرِي وأوْغَلْتُ مُتْهِمَا خليليَّ إن لم تُسْعِداني على البُكا ... فلا أنْتُما منِّي ولا أنا منكُمَا وحَسَّنْتُما لي سَلْوةً وتناسِياً ... ولم تذكُرا كيف السبيلُ إليهمَا حفيده صالح بن إبراهيم الحكيم روح الروح وثمرة الفؤاد، ومحله من الفضل محل السويداء من القلب والإنسان من السواد. وقد من الله تعالى في الحرم الشريف بلقائه، وكنت قبل ذلك أستروح نسيم الود من تلقائه. فاتخذته ثمة نجياً، وعاطيته ريحان الصداقة جنياً. أستشعر من جهته نفس العافية، وأتمسح منه باليد الشافية. فهو للقلب نجيٌّ وللروح سمير، ويكاد يؤكل بالمنى ويشرب بالضمير. يفاوح أرجه أزاهير الأدواح، ويبعث نسيمه طيب الحياة للأرواح. إلى طلعةٍ نورها في فلك القبول شارق، وطبيعةٍ إذا ذقت جناها وشمت سناها تذكرت ما بين العذيب وبارق. وله محاضرةٌ هي غرام كل صبٍ متيم، ومعاضدةٌ إذا مرضت حاجةٌ كان لها ابن مريم. وأما طبه فلو عالج الدهر لأمن في نفسه النقم، أو داوى الحياة لما طاف بها السقم. وقد تناولت من أشعاره ما هو شفاءٌ للصدور، وخفرٌ في وجوه البدور. فمن ذلك قوله من قصيدة: يا مخجِلَ البِيضِ البَواتِرْ ... بالسُّودِ من تلك النَّواظِرْ الفاتكاتِ القاتِلاتِ الذُّ ... بِّلِ الوُطْفِ الفَواتِرْ عَجبَاً لها تُمْسِي الأُسو ... د وهُنَّ أجْفانُ الجآذِرْ غازَلْتُ منها مُقْلةً ... غزلَتْ وحاكتْ كلَّ باتِرْ يرْنو بها الرَّشَأُ الأغَنُّ ... الأحْورُ الخِشْفُ المُنافِرْ ظَبْيٌ حَشايَ كِناسُه ... ومَقَرُّه حيث السَّرائِرْ قمرَ العقولَ بحُسْنِه ... أفْدِيه من قَمَرٍ وقامِرْ لَمَعتْ بَوارِقُ ثَغْرِه ... فانْهَلَّ مِن جَفْنَيَّ ماطِرْ بمَباسمٍ قد نُظِّمتْ ... في سِلْكِ مَرْجانٍ جَواهِرْ وبدا صباحُ جَبِينِه ... فانْجاب لي ليلُ الضِّفائِرْ واهْتزَّ غصنُ قَوامِه ... وغدا الفؤادُ عليه طائرْ والرِّدْفُ أخفَى خَصْرَه ... فلذا عليه الكَشْحُ دائرْ يا قلبُ مالك سَلْوةٌ ... كلاَّ ولا للوجدِ آخرْ عذَل العَذُولُ ومُذ رأَى ... بَاهِي المُحَيَّا عاد عاذِرْ أجْرَيْتُ وُقْفَ مَدامعِي ... وإلى لِقاهُ الطَّرْفُ ناظرْ وكذا نَجِيعُ نُضارِها ... بتصَعُّدِ الأنْفاسِ قاطِرْ هجرَ الحبيبُ وليْته ... لو كان للهِجْران هاجرْ أبْكِي فيضحكُ هازئاً ... ولسائلِ العَبَرات ناهِرْ يا رَبَّةَ الحُسْنِ الذي ... بجمَالِه بهرَ النَّواظِرْ رِقِّي لرِقٍ طَرْفُه ... يرعَى السُّها والطَّرْفُ ساهرْ ما شام بارِقَ لَعْلَعٍ ... إلاَّ غدا هامٍ وهامِرْ حيثُ الظِّباءُ سَوانِحٌ ... غِيدٌ حَبائلُها الغدَائرْ من كلِّ رُودٍ كَحَّلتْ ... بالسِّحرِ هاتيك المَحاجرْ سلَبتْ فؤادي غادةٌ ... مِنْهنَّ تلعب بالخواطِرْ أفْدِي مُحيَّاها الذي ... صُبْحُ الجَبِين عليه سافِرْ سدَلتْ عليه جَعِيدَها ... والليلُ للإصْباحِ ساترْ

стр. 596

لا تسْتُرِي قمراً بَدَا ... ليلُ المُحبِّ بغيرِ آخرْ وقوله من أخرى، أولها: سَلُوا الرَّكبَ عن سَلْمَى وأين بها شَطُّوا ... وهل خيَّمت بالجِزْع أم دارُها الشَّطُّ وهل عندها عِلْمٌ بما صنعَ النَّوَى ... وما جدَّد الشوقُ المُبرِّحُ والشَّحْطُ وهل نزَلتْ بالسَّفْحِ من أيْمَنِ اللِّوَى ... وغَرَّدها القُمْرِي وظَلُّلها الخَمْطُ وهل ذكَرتْ يوم الوَداعِ وأدْمُعِي ... بخدِّي حكاه الرَّسْمُ خَدَّده النَّقْطُ وهل بارِقٌ ما شِمْتُه أم تبسَّمتْ ... سُلَيْمَى فضاء الثَّغْرُ أو لمَع القُرْطُ رَدَاحٌ لها في كلِّ قلبٍ مُخَيَّمٌ ... وليس لمَفْتونٍ سوى حُبِّها قَطُّ أباح لها وَالِي الهَوى من قلوبِنا ... فمهما تَشا من ذي السُّوَيْداء تخْتَطُّ لها مَبْسَمٌ حُلْوٌ تَنظَّم دُرُّه ... على سِلْكِ مَرْجانٍ فضاءَ لنا السِّمْطُ كأن مُذابَ الشُّهْد في بَرَدِ اللَّمَى ... وفي ضِمْن هذا الألْعَسِ العَذْبِ إسْفَنْطُ تُسدِّد نحوي أسْهُماً من جُفونِها ... مُرَيَّشَةً حَبُّ القلوبِ لها لَقْطُ فتُصْمِي بها قَدّاً يميلُ به الصِّبا ... كغُصْنٍ أمالتْه الصَّبَا عندما تخْطُو وتضْفِر من ليلِ الجَعِيدِ ذَوائباً ... غدائر منها للنُّهَى الحَلُّ والرَّبْطُ عَقِيلةُ سِرْبٍ كالْمَها في الْتفاتِها ... تُعِير الظِّبا طَرْفاً وجِيداً إذا تَعْطُو من الأمْجريَّات اللَّواتِي سَبَيْنَنَا ... بشَرْطٍ من الحُسن البديع له شَرْطُ من الناعماتِ السُّمْرِ مَن عطَّر الحِمَى ... شَذاها إذا مَرّتْ به إثْرَها المِرْطُ فَدَيْتُ تجَنِّيها ولُطْفَ دَلالِها ... وإن راعَها مِنِّي بعَارِضِيَ الوَخْطُ أعَاذِلتي كُفِّي المَلامَ فليس لي ... على بُعْدِها صَبْرٌ ولو دُونَها الخَرْطُ ولم أدْرِ أن الحبَّ يقْدَح زَنْدَه ... لقلبِي وأن النار أوَّلها سِقْطُ سأركبُ مَتْنَ الصَّعْبِ في طُرْقِ وَصْلِها ... ولو أنها العَشْوا وسَيْرِي بها خَبْطُ وأغْشَى حِماها والمُهنَّدُ صاحِبي ... ولو أن في ذاك الحِمَى ينْبُت الخَطُّ وأرْوِي ظَمَا حَرَّي ببارِد رِيقِها ... وألْوِي عليها الزَّنْدَ لو مَسَّها الضَّغْطُ وأشكُو إليها ما لقِيتُ بحبِّها ... ومن فَرْطِ أشْواقي بها أدْمُعِي فُرْطُ وقوله من أخرى، مستهلها: مَغانِي الغوانِي لا عَدا الرَّبْعَ هَطَّالُ ... ولا زال مُخْضَلاَّ بكِ الشِّيحُ والضَّالُ ولا سجَعتْ وُرْقُ الحَمامِ على سِوَى ... غصُونك يا مَرْمىً به الغِيدُ نُزَّالُ سقاك وحَيَّاك وحَيَّى منازِلاً ... لقد كان لي فيهنَّ حَظٌّ وإقْبالُ أروحُ وأغْدُو بالكَثِيب ولي به ... رَداحٌ لها من آل يافِثَ أخْوالُ مُعَسَّلةُ الأنْيابِ أمَّا شَتِيتُها ... فدُرٌّ وأما رِيقُها فهو جِرْيالُ يجُولُ على تلك الَّلآلِي كأنه ... مُذابُ سَلِيل الشُّهْدِ أو هو سَلْسالُ حَمَى رِيقَها المعسولَ أبْيَضُ صارِمٌ ... من قَدِّها الممشوقِ أسْمَرُ عَسَّالُ تُعير الْمَها منها الْتفاتاً ونَظْرة ... وترْنو كما يرْنو إلى الخِشْفِ مِطْفالُ لها شَرْطُ حسنٍ فوق تُفَّاحِ خَدِّها ... ومِن فوق ذاك الشَّرْطِ مِسْكٌ هو الخالُ ورُمَّانتا نَهْدٍ على غُصن بَانةٍ ... به فَرْطُ حُبِّي إن تحقَّق عُذَّالُ

стр. 597

وتسْدِل من ليل الجَعِيدِ ذَوائباً ... يُجاذِبُ هاتيك الذَّوائبَ خَلْخالُ وتُقْعِدها عند النُّهوضِ رَوادِفٌ ... تَميل بغُصْنِ القَدِّ والقَدُّ مَيَّالُ فلا تهْجُرِيني إنَّ هَجْرِي ظُلامةٌ ... وجُرْحُ فؤادِي ماله اليومَ إدْمالُ عسى عَطْفةٌ يَحْيى بها مَيِّتُ الهوى ... رُبوعُ اصْطبارِي بعد بُعْدِك أطْلالُ ويغْفَى مُحِبٌّ دَأْبُه السُّهْدُ والبُكا ... كأن بعيْنيه المدامعَ أسْجالُ يبِيتُ على جَمْرِ الغَضا وهو فَرْشُه ... ويصْلَى بنار الحبِّ والحبُّ فَعَّالُ صِلينِي أنا الوافِي العهودَ على القِلَى ... وجَوْرُ الهوى عَدْلٌ ومَيْلٌ إذا مالُوا ولا الصَّبُّ إلاَّ ما يرى الصَّابَ شُهْدَه ... ويعلمُ أن الصبرَ حُلْوٌ إذا حالُوا فَدَيْتُ الجفا منها وإن كان ضَائِرِي ... وعشْقي سُلَيْمى لا محَالَة قَتّالُ أُكتِّم جُهْدِي حُبَّها وهو ناحِلِي ... ويفْضحني دمعٌ على الخدِّ سَيَّالُ أحِنُّ إلى سَلْمَى على قُرْبِ دارِها ... حَنِينَ فَقِيدِ الإلْفِ أضْناه بَلْبَالُ ويُنْشِد قلبي كلما ارْتاع للنَّوى ... وأضْناه تَذْكارٌ وحالتْ به حالُ أيا دارَها بالخَيْف إن مَزارَها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهْوالُ وكتب إلي هذه القصيدة، طالباً مراجعتي: قَوامٌ أنْبتَ الرُّمَّانَ نَهْدَا ... وغُصْنٌ ماسَ أم قَدٌّ تبدَّى وبَرْقٌ ما أرى أم دُرُّ ثَغْرٍ ... يُنظِّمه بديعُ الحسن عِقْدَا ووَجناتٌ على تُفَّاحِ خَدٍ ... متى أبْدَى لنا التفاحُ وَرْدَا وآسُ سَوالِفٍ ما خِلْتُ أم ذا ... صَفاءُ الخدِّ ظِلَّ الهُدْب مَدَّا ومالَكِ يا غَزالةُ من شَبِيهٍ ... سوى شِبْهِ الضُّحَى والبدرِ نِدَّا وأنك قد أعَرْتِ الظَّبْيَ جِيداً ... وعَيْناً والغصونَ الهِيفَ قَدَّا وما الحسنُ البديعُ وإن تَناهَى ... سوى مِن بعضِ مَعْناكِ اسْتمدَّا بمَن أَوْلاك مُلْكَ الحسن فينا ... وصيَّر كلَّ حُرٍ فيكِ عبدَا صِلِي حبلَ الودادِ بحبلِ وَعْدِي ... لقد جاوَزْتِ في التَّسْويفِ حَدَّا وما سَكَنِي سِوَى عَهْدِي قديماً ... وما أنا ناكِثٌ ما عِشْتُ عهدَا مُقِيمٌ بالعَقِيقِ وبالمُصَلَّى ... أُبَوَّأُ منهما بَاناً ورَنْدَا أُغازِلُ فيه أجْفانَ الغَوانِ ... وألثِم زينباً وأضُمُّ هِنْدَا وأرشُفُ من رُضابِ الغِيدِ رَاحاً ... تُعِيد لَهِيبَ ما أشكُوه بَرْدَا وأنْظِم من ثَناياها عقوداً ... كنَظْمِي مدحَ مولانا المُفَدَّى محمد الأمين ومَن تَسامَى ... شريفٌ قد علا كرماً ومَجْدَا من القومِ الذين بَنتْ مَعَدٌّ ... بهم فوق السِّماكِ ثَناً وحمدَا أعَزُّوا الدينَ بالسُّمْرِ العَوالِي ... وحازُوا الفَخْرَ شِيباناً ومُرْدَا وقادُوا العادِياتِ مُطَمَّهاتٍ ... على صَهَواتِها تحْمِلْنَ قَدَّا وَرِثْتَهمُ جمالَ الدين حقّاً ... عفافاً راسِخاً وتُقىً وزهدَا فضائلَ قد علَوْتَ بها الثُّرَيَّا ... وآداباً تبِعْتَ بهِنَّ جِدَّا بآراءٍ يَحارُ العقلُ فيها ... وأيُّ حِجاً يحُلُّ لهُنَّ عَقْدَا بِحلمٍ لا يُعادِلُه ثَبِيرٌ ... وفخرٍ ليس يُحْصَى أن يُعَدَّا وأخلاقٍ شَمائلُها شَمُولٌ ... يفُوح عَبِيرُها مِسْكاً ونَدَّا

стр. 598

تَوقَّدُ فِطْنةً وتسيلُ لُطْفاً ... جَمعْتَ بهنَّ يا مولايَ ضِدَّا ووَشَّيْتَ البديعَ بحُسْنِ نثرٍ ... كمُخْضَلِّ الربيعِ شَذاً وأنْدَى ودُرٍ أنت تَعْرِفُه كِبارٍ ... تُنظِّمه لِجيدِ الدهرِ عِقْدَا ذَكاءٌ لم يجُزْه إياسُ كَهْلاً ... وعَمْرٌو ما به يوما تَحَدَّى عظُمْتَ جَلالةً وعلَوْتَ قَدْراً ... فشاهدْنا الوقارَ لديْك أُحدَا أعُدُّك مصدرَ الأحكامِ فينا ... هُمامٌ مذ أجار عُلاك نَقْدَا وما للنَّقْدِ والذهبِ المُصفَّى ... لقد حقَّقْتَ في ذا النقدِ نَقْدَا أمولانا أتتْك عروسُ فكرٍ ... تمُدُّ لمُمْتطَى نعْلَيْك خَدَّا خَلَبْت شِغافَها بِنُعوتِ مجدٍ ... لذا أضْحَتْ لعَذْبِ لِقاكَ تَصْدَى لِيَهْنِ العرشَ رَبُّ العرشِ مَوْلىً ... به اتَّسقَتْ أمورُ الدين نُضدَا وتبْقَى صاعداً ذِرْواتِ عِزٍ ... بَنتْ أيدِي القضاءِ عليه سَدَّا نأَى غَمٌّ يؤرِّخ عامَ: م بلْ ... غنائمُ أنتَ مَعْناهنَّ قَصْدَا ولم تبْرح سِنيكَ ومن تَرَدَّى ... طِماعاً في لَحاقِك ما تَرَدَّى فراجعته بقولي: مُحِبٌّ في المَحبَّةِ ما تصدَّى ... لسُلْوانٍ وإن يكُ مات صَدَّا وهيْهات النجاةُ وما يُعانِي ... هَوىً أدْناه إن لم يُفْنِ أرْدَى أما وعيونِك الَّلاتي شَباها ... أبَى إلاَّ شِغافَ القلبِ غِمْدَا لأَنت مُنَى الحياةِ فإن تكُنْها ... فبعدَك للمُنَى سُحْقاً وبُعْدَا أيجمُل أن أُقضِّي فيك عمرِي ... وما عفَّرْتُ في مَمْشاك خَدَّا ولو أخْطرْتُ ذِكْرَك في خَيالِي ... خشِيتُ بأن يُؤثَّر فيك حِقْدَا فَدَيْتُكَ رَحْمةً لطريحِ عشقٍ ... إذا لم يقْضِ سُقْماً مات وَجْدَا تذكَّر عهدَه فصبَا وآلَى ... بغيرِك ما رعَى للحبِّ عَهْدَا إذا ما ليلهُ المُمتدُّ أرْخَى ... سَتائرَه طَواه أسىً وسُهْدَا يبِيتُ وفي الحَشا منه اشْتعالٌ ... إذا قدَحت رعودُ البَرْقِ زَنْدَا وليس له سميرٌ غيرَ مَدْحٍ ... يكون لصالحٍ شكراً وحَمْدَا فتىً قد ألْبَس العَلْياء بُرْداً ... ومثَّل شخصَه أدَباً ومجدَا له الفكرُ الذي إن شاء أنْشَا ... أفانِنَ الهوى وبها تحدَّى بدائعُ منه تُلْحَم بالمَزايا ... وبالسحرِ الحلالِ غدَتْ تُسَدَّى تعالى اللهُ قد أوْلاه طبعاً ... أغَضَّ من الرياضِ رُواً وأنْدَى وأنْبَتَ مِن أيادِيه ربيعاً ... يُنمِّق فيه رَيْحانا ووَرْدَا أنادِرةَ الزَّمان فَدَتْك رُوحِي ... ومَن لي أن تكون بها مُفَدَّى أتتْني منك خَودٌ من سَناها ... تمَنَّى البدرُ لو كان اسْتمدَّا رَبِيبةُ خِدْرِها في الصَّوْنِ تأْبَى ... يَدَيْ أملٍ إليها أن تُمَدَّا منَحْتَ بها الودادَ المَحْضَ خِلاً ... يرى لك وُدَّه فَرْضاً ورَدَّا وهاك ألُوكةً بثَناك تاهتْ ... وفاحتْ مَنْدِلاً رَطْباً ونَدَّا ولو وفَّيْتُ مَدْحَكَ بعضَ حَقٍ ... إذاً نظَّمْتُ فيك الشُّهْبَ عِقْدَا فعُذْراً إن أخْطارَ التَّنائِي ... بَنَتْ بيني وبين الفكرِ سَدَّا وهذي الأربعون بلغتُ منها ... أشُدّاً ساق لي خَطْباً أشَدَّا فلو كان الذي بي من سقامٍ ... على جبلٍ لأوْشَك أن يُهَدَّا وغيرُك لا أراك لدفْعِ ما بي ... فقد أعْيَى دَواه الدهرَ جُهْدَا

стр. 599

بَقِيتَ مُمَّتعاً في الفضلِ فَرْداً ... ولا لَقِيَتْ لك الأيامُ فَقْدَا وكتب إلي أيضاً: لا عَيْشَ إلاَّ في وِصالِكْ ... فامْنُنْ بطَيْفٍ من خَيالِكْ إن كان لي نَوْمٌ وإلاَّ ... ليس أبْعَدَ من مَنالِكْ يا هاجِرِي والهجرُ عَيْ ... نُ الوصلِ إن يكُ عن دَلالِكْ إلاَّ الملالَ فإنَّه ... حَتْفِي أجِرْنِي من مَلالِكْ يا مَن تمَلَّك مُهْجتِي ... لا تُفْنِها وارفُقْ بمالِكْ لا وَصْلَ أخطرُ لي سِوَى ... إخْطارِ تَذْكارِي ببالِكْ أنا في هَوانٍ من هَوا ... كَ ومن صُدودِك في مَهالِكْ تَلَفُ النفوسِ مُحقَّقٌ ... في بِيضِ سُودِك أو نِبالِكْ وكذا السِّهامُ فإنَّهُنَّ ... أخَذْنَ ذلك عن نِصالِكْ والحَتْفُ في سُمْرِ الْقَنا ... من مَيْلِ قَدِّك واعْتدالِكْ يا نُورَ إنْسانِ العيُو ... نِ تركْتَ حالِي فيك حَالِكْ نارُ الجوَى مِن وَجْنَتَيْ ... ك وذِي سُوَيْدايَ بِخَالِكْ وأرى الجمَال وإن تَنا ... هَى مُسْتعاراً من جمالِكْ هل من سبيلٍ لِلِّقا ... ضاقتْ عليَّ به المَسالِكْ يا بارداً من رِيقِه ... واحَرَّ قلبِي من زُلالِكْ أو يا مُحيَّاه الذي ... كالبدرِ سُقْمِي من هلالِكْ يا ذابلاً في الحُسْنِ بل ... سلطانَ أربابِ المَمالِكْ الشمسُ أقربث منك نَيْ ... لاً وهْي أبْعَدُ عن مِثالِكْ امْنُنْ عليَّ بنَظْرةٍ ... إنِّي وحقِّك فيك هالِكْ يا جَنَّتِي لا تُدْخِلَنِّ ... ي نارَ صَدِّك أنتَ مَالِكْ يا تاركِي شِبْهَ الخِلا ... لِ وما التَّجافِي من خِلالِكْ عَلِّلْ بوعدٍ كاذبٍ ... يحْلُو وأمْعِنْ في مِطالِكْ فإلى الشريفِ تَوجُّهِي ... وإليه أخْلُص من حِبالِكْ مَدْحِي محمداً الأمي ... نَ احْرَى وأوْلَى لي بذلِكْ الْبانِيَ الْمجدِ الأَثِي ... لِ على المَجَرَّةِ من هُنالِكْ صدرُ المَجالسِ قلبُها ... عينُ المَناصبِ والمَمالِكْ يا شمسَ أنْجُمِ كلِّ فَضْ ... لِ حين تطلُع في كَمالِكْ آياتُ فضلِك بَيِّنا ... تٌ في مَقالِك أو فِعالِكْ أمَّا القَرِيضُ فزهْرُ رَوْ ... ضٍ إن تُدَبِّجْ من مَقالِكْ وإذا تَنسَّم عن شَذاً ... كالمِسك يروِي عن خصالِكْ ورجالُ كلِّ فضيلةٍ ... قصُروا وليسوا من رجالِكْ مَن ذا المُناضلُ والمُنا ... ظِرُ في جِلادِك أو جِدالِكْ كذب الزمانُ بما ادَّعَى ... إن قال يُوجَد من مِثالِكْ كَرَمُ الطِّباعِ ولُطْفُها ... كلٌّ تَفيَّأَ في ظِلالِكْ وترى المَعالِي والمَكا ... رمَ أنْفقتْ من رأسِ مَالِكْ مولايَ إنِّي شاكرٌ ... لِمَزِيدِ فضلِك واحْتفالِكْ لا خِلَّ لي أصْبُو إليْ ... هِ سِوَى المَعالِي من خِلالِكْ لا زلتَ في أَوْجِ العلى ... والضِّدُّ في دَرْكِ المَهالِكْ مادام رَضْوَى راسِخاً ... يحْكي وَقارَك مِن جَلالِكْ فكتبت إليه جوابها قولي: ما بين مَيْلِكْ واعْتدالِكْ ... خَطَرُ الْتفاتِك أو دَلالِكْ فمَن السَّلِيمُ وكلُّنا ... منه توَرَّط في مَهالِكْ يا مُوتِراً قَوْسَ الحَوا ... جِبِ مَن لقلبي مِن نِبالِكْ أمْسِكْ فمَهْلَكُ مَن أرَدْ ... تَ يقِلُّ عن أدْنَى انْفعالِكْ

стр. 600

بأبِي لَواحِظُك التي ... أوْقَعْنَ قلبي في حِبالِكْ أتُرَى علمْتَ بحالتي ... فأخذْتنِي في جَنْبِ بَالِكْ لا والذي جعل ابْتدا ... عَ الجَوْرِ من أقْوَى اشْتغالِكْ كلُّ الخُطوبِ حسِبْتُها ... إلاَّ اجْتنابَك عن مَلالِكْ هل كنتَ يا ثَمِلَ الجُفُو ... نِ بعَثْتَ طَيْفاً من خَيالِكْ فيروزَ غَصَّانَ اللَّها ... ةِ دَواؤُه صافِي زُلالِكْ يا مَن تملَّك مُهْجتِي ... اللهَ في إتْلافِ مَالِكْ إن كنتُ أطمعُ في سِوا ... ك فلا بلغْتُ مُنَى مَنالِكْ مالي ولْلأُفُقِ المُضِي ... ءِ وعنه كافٍ من كمالِكْ فالشمس تطلُع من يَميِ ... نك والثُّرَيَّا من شِمالِكْ والبدرُ يُعْزَى للتَّما ... مِ إذا اسْتدار على مِثالِكْ أمَّا الهلالُ فما على ... مَن ظَنَّه إحْدَى نِعالِكْ وإذا تخيَّلتُ الرِّيا ... ضَ ذكَرتُ حسنَ رُوا خِصالِكْ فنسيمُها مهما سرَى ... مُتلطِّفاً أثَرُ اخْتيالِكْ وعَبِيرُها مِن شَمَّةٍ ... أهْدَيْتَها من مِسْكِ خَالِكْ هذا وثَمَّ إذا ذكر ... تُ حُلىً تجِلُّ وراءَ ذلكْ مِن أجْلها أنا شاعرٌ ... أجْرَى التغزُّلَ في جَمالِكْ ولأجْلِ مَدْحِي صالحاً ... يحْلو افْتتانِي في خِلالِكْ ذاك الذي أسْلُو بِعِشْ ... رتِه الحميدةِ عن وِصالِكْ مَولايَ أنت المُرْتجىَ ... للوُدِّ في حُسْنِ اقْتبالِكْ رجلُ المُروءَةِ أنت لا ... أحَدٌ وَحقِّك مِن رجالِكْ حُزْتَ المَعالِي قبل أن ... وُجِدت بَنُوها حَسْبَ حَالِكْ وملكْتَ كلَّ فضيلةٍ ... أفْدِيك من مَلكٍ ومالِكْ فيك المَكارمُ شِيمَةٌ ... والأرْيَحيَّةُ في فِعالِكْ فالطَّوْدُ يُلْفَى ذَرَّةً ... في جَنْبِ حِلْمِك واحْتمالِكْ والبحرُ بعضُ رَشاشِه ... بالطبعِ تُؤْثَرُ عن نَوالِكْ إنَّ الحَكِيميْن اللذيْ ... ن تظاهَرا فيما هُنالِكْ لو عاصَراك تنافَسا ... بأقَلِّ جَرْي في مَجالِكْ والبُحْتُرِيُّ أبو الفُتُوَّ ... ةِ لو تأمَّل في مَقالِكْ أتْحفْتنِي بقصيدةٍ ... غَرَّاءَ من بِدْعِ ارْتجالِكْ وبعثْتَ لي كلَّ المُنى ... فكفيْتنِي أدْنَى سُؤالِكْ قد كان جِيدِي عاطِلاً ... لكنْ حَلاَ بحُلَى احْتفالِكْ فإليْك رُوداً من بَنا ... تِ الفكر حَيْرَى في جَلالِكْ ترْتاحُ في مِرْطِ الثَّنا ... بصَباك زَهْواً أو شَمالِكْ واعْذِرْ فطبْعِي لا يُزي ... ل صَداهُ عنه سوى صِقالِكْ واسْلَمْ لبُغْيةِ آملٍ ... متفيِّىءٍ بذَرَى ظِلالِكْ فلأنتَ ظِلٌّ للمُنَى ... لا الْتاعَ قلبٌ من زَوالِكْ وأنشدني من نتفه قوله: ظَبْيٌ من التُّركِ له مُقلةٌ ... ضَيِّقةٌ تُمْعِن في قَتْلِي يبْخَل بالوصلِ على صَبَّه ... وضِيقَةُ العيْنِ من البُخلِ ملَّكتُه عيْني وأخْدمتهُ ... إنْسانَها لمَّا أبى وَصْلِي هذا كثير في الأشعار، منه قول ابن النبيه: يصُدُّ بطَرْفِه التُّرْكِيِّ عنِّي ... صدقْتُم إنَّ ضِيقَ العيْنِ بُخْلُ وقوله: بي ضَيِّقُ العيْنِ وإن أطْنَبُوا ... في الحَدَقِ النُّجْلِ وإن وَسَّعُوا وأصله قول البديع الهمذاني: أناديةَ الأعْرابِ أهْلَكِ إننَّي ... بناديةِ الأتْراكِ نِيطَتْ عَلائقِي
следующие страницы →