← Тараджим

Тараджим · id 579

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

المحبي

Полный текст (737 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لا تسْتُرِي قمراً بَدَا ... ليلُ المُحبِّ بغيرِ آخرْ وقوله من أخرى، أولها: سَلُوا الرَّكبَ عن سَلْمَى وأين بها شَطُّوا ... وهل خيَّمت بالجِزْع أم دارُها الشَّطُّ وهل عندها عِلْمٌ بما صنعَ النَّوَى ... وما جدَّد الشوقُ المُبرِّحُ والشَّحْطُ وهل نزَلتْ بالسَّفْحِ من أيْمَنِ اللِّوَى ... وغَرَّدها القُمْرِي وظَلُّلها الخَمْطُ وهل ذكَرتْ يوم الوَداعِ وأدْمُعِي ... بخدِّي حكاه الرَّسْمُ خَدَّده النَّقْطُ وهل بارِقٌ ما شِمْتُه أم تبسَّمتْ ... سُلَيْمَى فضاء الثَّغْرُ أو لمَع القُرْطُ رَدَاحٌ لها في كلِّ قلبٍ مُخَيَّمٌ ... وليس لمَفْتونٍ سوى حُبِّها قَطُّ أباح لها وَالِي الهَوى من قلوبِنا ... فمهما تَشا من ذي السُّوَيْداء تخْتَطُّ لها مَبْسَمٌ حُلْوٌ تَنظَّم دُرُّه ... على سِلْكِ مَرْجانٍ فضاءَ لنا السِّمْطُ كأن مُذابَ الشُّهْد في بَرَدِ اللَّمَى ... وفي ضِمْن هذا الألْعَسِ العَذْبِ إسْفَنْطُ تُسدِّد نحوي أسْهُماً من جُفونِها ... مُرَيَّشَةً حَبُّ القلوبِ لها لَقْطُ فتُصْمِي بها قَدّاً يميلُ به الصِّبا ... كغُصْنٍ أمالتْه الصَّبَا عندما تخْطُو وتضْفِر من ليلِ الجَعِيدِ ذَوائباً ... غدائر منها للنُّهَى الحَلُّ والرَّبْطُ عَقِيلةُ سِرْبٍ كالْمَها في الْتفاتِها ... تُعِير الظِّبا طَرْفاً وجِيداً إذا تَعْطُو من الأمْجريَّات اللَّواتِي سَبَيْنَنَا ... بشَرْطٍ من الحُسن البديع له شَرْطُ من الناعماتِ السُّمْرِ مَن عطَّر الحِمَى ... شَذاها إذا مَرّتْ به إثْرَها المِرْطُ فَدَيْتُ تجَنِّيها ولُطْفَ دَلالِها ... وإن راعَها مِنِّي بعَارِضِيَ الوَخْطُ أعَاذِلتي كُفِّي المَلامَ فليس لي ... على بُعْدِها صَبْرٌ ولو دُونَها الخَرْطُ ولم أدْرِ أن الحبَّ يقْدَح زَنْدَه ... لقلبِي وأن النار أوَّلها سِقْطُ سأركبُ مَتْنَ الصَّعْبِ في طُرْقِ وَصْلِها ... ولو أنها العَشْوا وسَيْرِي بها خَبْطُ وأغْشَى حِماها والمُهنَّدُ صاحِبي ... ولو أن في ذاك الحِمَى ينْبُت الخَطُّ وأرْوِي ظَمَا حَرَّي ببارِد رِيقِها ... وألْوِي عليها الزَّنْدَ لو مَسَّها الضَّغْطُ وأشكُو إليها ما لقِيتُ بحبِّها ... ومن فَرْطِ أشْواقي بها أدْمُعِي فُرْطُ وقوله من أخرى، مستهلها: مَغانِي الغوانِي لا عَدا الرَّبْعَ هَطَّالُ ... ولا زال مُخْضَلاَّ بكِ الشِّيحُ والضَّالُ ولا سجَعتْ وُرْقُ الحَمامِ على سِوَى ... غصُونك يا مَرْمىً به الغِيدُ نُزَّالُ سقاك وحَيَّاك وحَيَّى منازِلاً ... لقد كان لي فيهنَّ حَظٌّ وإقْبالُ أروحُ وأغْدُو بالكَثِيب ولي به ... رَداحٌ لها من آل يافِثَ أخْوالُ مُعَسَّلةُ الأنْيابِ أمَّا شَتِيتُها ... فدُرٌّ وأما رِيقُها فهو جِرْيالُ يجُولُ على تلك الَّلآلِي كأنه ... مُذابُ سَلِيل الشُّهْدِ أو هو سَلْسالُ حَمَى رِيقَها المعسولَ أبْيَضُ صارِمٌ ... من قَدِّها الممشوقِ أسْمَرُ عَسَّالُ تُعير الْمَها منها الْتفاتاً ونَظْرة ... وترْنو كما يرْنو إلى الخِشْفِ مِطْفالُ لها شَرْطُ حسنٍ فوق تُفَّاحِ خَدِّها ... ومِن فوق ذاك الشَّرْطِ مِسْكٌ هو الخالُ ورُمَّانتا نَهْدٍ على غُصن بَانةٍ ... به فَرْطُ حُبِّي إن تحقَّق عُذَّالُ

стр. 597

وتسْدِل من ليل الجَعِيدِ ذَوائباً ... يُجاذِبُ هاتيك الذَّوائبَ خَلْخالُ وتُقْعِدها عند النُّهوضِ رَوادِفٌ ... تَميل بغُصْنِ القَدِّ والقَدُّ مَيَّالُ فلا تهْجُرِيني إنَّ هَجْرِي ظُلامةٌ ... وجُرْحُ فؤادِي ماله اليومَ إدْمالُ عسى عَطْفةٌ يَحْيى بها مَيِّتُ الهوى ... رُبوعُ اصْطبارِي بعد بُعْدِك أطْلالُ ويغْفَى مُحِبٌّ دَأْبُه السُّهْدُ والبُكا ... كأن بعيْنيه المدامعَ أسْجالُ يبِيتُ على جَمْرِ الغَضا وهو فَرْشُه ... ويصْلَى بنار الحبِّ والحبُّ فَعَّالُ صِلينِي أنا الوافِي العهودَ على القِلَى ... وجَوْرُ الهوى عَدْلٌ ومَيْلٌ إذا مالُوا ولا الصَّبُّ إلاَّ ما يرى الصَّابَ شُهْدَه ... ويعلمُ أن الصبرَ حُلْوٌ إذا حالُوا فَدَيْتُ الجفا منها وإن كان ضَائِرِي ... وعشْقي سُلَيْمى لا محَالَة قَتّالُ أُكتِّم جُهْدِي حُبَّها وهو ناحِلِي ... ويفْضحني دمعٌ على الخدِّ سَيَّالُ أحِنُّ إلى سَلْمَى على قُرْبِ دارِها ... حَنِينَ فَقِيدِ الإلْفِ أضْناه بَلْبَالُ ويُنْشِد قلبي كلما ارْتاع للنَّوى ... وأضْناه تَذْكارٌ وحالتْ به حالُ أيا دارَها بالخَيْف إن مَزارَها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهْوالُ وكتب إلي هذه القصيدة، طالباً مراجعتي: قَوامٌ أنْبتَ الرُّمَّانَ نَهْدَا ... وغُصْنٌ ماسَ أم قَدٌّ تبدَّى وبَرْقٌ ما أرى أم دُرُّ ثَغْرٍ ... يُنظِّمه بديعُ الحسن عِقْدَا ووَجناتٌ على تُفَّاحِ خَدٍ ... متى أبْدَى لنا التفاحُ وَرْدَا وآسُ سَوالِفٍ ما خِلْتُ أم ذا ... صَفاءُ الخدِّ ظِلَّ الهُدْب مَدَّا ومالَكِ يا غَزالةُ من شَبِيهٍ ... سوى شِبْهِ الضُّحَى والبدرِ نِدَّا وأنك قد أعَرْتِ الظَّبْيَ جِيداً ... وعَيْناً والغصونَ الهِيفَ قَدَّا وما الحسنُ البديعُ وإن تَناهَى ... سوى مِن بعضِ مَعْناكِ اسْتمدَّا بمَن أَوْلاك مُلْكَ الحسن فينا ... وصيَّر كلَّ حُرٍ فيكِ عبدَا صِلِي حبلَ الودادِ بحبلِ وَعْدِي ... لقد جاوَزْتِ في التَّسْويفِ حَدَّا وما سَكَنِي سِوَى عَهْدِي قديماً ... وما أنا ناكِثٌ ما عِشْتُ عهدَا مُقِيمٌ بالعَقِيقِ وبالمُصَلَّى ... أُبَوَّأُ منهما بَاناً ورَنْدَا أُغازِلُ فيه أجْفانَ الغَوانِ ... وألثِم زينباً وأضُمُّ هِنْدَا وأرشُفُ من رُضابِ الغِيدِ رَاحاً ... تُعِيد لَهِيبَ ما أشكُوه بَرْدَا وأنْظِم من ثَناياها عقوداً ... كنَظْمِي مدحَ مولانا المُفَدَّى محمد الأمين ومَن تَسامَى ... شريفٌ قد علا كرماً ومَجْدَا من القومِ الذين بَنتْ مَعَدٌّ ... بهم فوق السِّماكِ ثَناً وحمدَا أعَزُّوا الدينَ بالسُّمْرِ العَوالِي ... وحازُوا الفَخْرَ شِيباناً ومُرْدَا وقادُوا العادِياتِ مُطَمَّهاتٍ ... على صَهَواتِها تحْمِلْنَ قَدَّا وَرِثْتَهمُ جمالَ الدين حقّاً ... عفافاً راسِخاً وتُقىً وزهدَا فضائلَ قد علَوْتَ بها الثُّرَيَّا ... وآداباً تبِعْتَ بهِنَّ جِدَّا بآراءٍ يَحارُ العقلُ فيها ... وأيُّ حِجاً يحُلُّ لهُنَّ عَقْدَا بِحلمٍ لا يُعادِلُه ثَبِيرٌ ... وفخرٍ ليس يُحْصَى أن يُعَدَّا وأخلاقٍ شَمائلُها شَمُولٌ ... يفُوح عَبِيرُها مِسْكاً ونَدَّا

стр. 598

تَوقَّدُ فِطْنةً وتسيلُ لُطْفاً ... جَمعْتَ بهنَّ يا مولايَ ضِدَّا ووَشَّيْتَ البديعَ بحُسْنِ نثرٍ ... كمُخْضَلِّ الربيعِ شَذاً وأنْدَى ودُرٍ أنت تَعْرِفُه كِبارٍ ... تُنظِّمه لِجيدِ الدهرِ عِقْدَا ذَكاءٌ لم يجُزْه إياسُ كَهْلاً ... وعَمْرٌو ما به يوما تَحَدَّى عظُمْتَ جَلالةً وعلَوْتَ قَدْراً ... فشاهدْنا الوقارَ لديْك أُحدَا أعُدُّك مصدرَ الأحكامِ فينا ... هُمامٌ مذ أجار عُلاك نَقْدَا وما للنَّقْدِ والذهبِ المُصفَّى ... لقد حقَّقْتَ في ذا النقدِ نَقْدَا أمولانا أتتْك عروسُ فكرٍ ... تمُدُّ لمُمْتطَى نعْلَيْك خَدَّا خَلَبْت شِغافَها بِنُعوتِ مجدٍ ... لذا أضْحَتْ لعَذْبِ لِقاكَ تَصْدَى لِيَهْنِ العرشَ رَبُّ العرشِ مَوْلىً ... به اتَّسقَتْ أمورُ الدين نُضدَا وتبْقَى صاعداً ذِرْواتِ عِزٍ ... بَنتْ أيدِي القضاءِ عليه سَدَّا نأَى غَمٌّ يؤرِّخ عامَ: م بلْ ... غنائمُ أنتَ مَعْناهنَّ قَصْدَا ولم تبْرح سِنيكَ ومن تَرَدَّى ... طِماعاً في لَحاقِك ما تَرَدَّى فراجعته بقولي: مُحِبٌّ في المَحبَّةِ ما تصدَّى ... لسُلْوانٍ وإن يكُ مات صَدَّا وهيْهات النجاةُ وما يُعانِي ... هَوىً أدْناه إن لم يُفْنِ أرْدَى أما وعيونِك الَّلاتي شَباها ... أبَى إلاَّ شِغافَ القلبِ غِمْدَا لأَنت مُنَى الحياةِ فإن تكُنْها ... فبعدَك للمُنَى سُحْقاً وبُعْدَا أيجمُل أن أُقضِّي فيك عمرِي ... وما عفَّرْتُ في مَمْشاك خَدَّا ولو أخْطرْتُ ذِكْرَك في خَيالِي ... خشِيتُ بأن يُؤثَّر فيك حِقْدَا فَدَيْتُكَ رَحْمةً لطريحِ عشقٍ ... إذا لم يقْضِ سُقْماً مات وَجْدَا تذكَّر عهدَه فصبَا وآلَى ... بغيرِك ما رعَى للحبِّ عَهْدَا إذا ما ليلهُ المُمتدُّ أرْخَى ... سَتائرَه طَواه أسىً وسُهْدَا يبِيتُ وفي الحَشا منه اشْتعالٌ ... إذا قدَحت رعودُ البَرْقِ زَنْدَا وليس له سميرٌ غيرَ مَدْحٍ ... يكون لصالحٍ شكراً وحَمْدَا فتىً قد ألْبَس العَلْياء بُرْداً ... ومثَّل شخصَه أدَباً ومجدَا له الفكرُ الذي إن شاء أنْشَا ... أفانِنَ الهوى وبها تحدَّى بدائعُ منه تُلْحَم بالمَزايا ... وبالسحرِ الحلالِ غدَتْ تُسَدَّى تعالى اللهُ قد أوْلاه طبعاً ... أغَضَّ من الرياضِ رُواً وأنْدَى وأنْبَتَ مِن أيادِيه ربيعاً ... يُنمِّق فيه رَيْحانا ووَرْدَا أنادِرةَ الزَّمان فَدَتْك رُوحِي ... ومَن لي أن تكون بها مُفَدَّى أتتْني منك خَودٌ من سَناها ... تمَنَّى البدرُ لو كان اسْتمدَّا رَبِيبةُ خِدْرِها في الصَّوْنِ تأْبَى ... يَدَيْ أملٍ إليها أن تُمَدَّا منَحْتَ بها الودادَ المَحْضَ خِلاً ... يرى لك وُدَّه فَرْضاً ورَدَّا وهاك ألُوكةً بثَناك تاهتْ ... وفاحتْ مَنْدِلاً رَطْباً ونَدَّا ولو وفَّيْتُ مَدْحَكَ بعضَ حَقٍ ... إذاً نظَّمْتُ فيك الشُّهْبَ عِقْدَا فعُذْراً إن أخْطارَ التَّنائِي ... بَنَتْ بيني وبين الفكرِ سَدَّا وهذي الأربعون بلغتُ منها ... أشُدّاً ساق لي خَطْباً أشَدَّا فلو كان الذي بي من سقامٍ ... على جبلٍ لأوْشَك أن يُهَدَّا وغيرُك لا أراك لدفْعِ ما بي ... فقد أعْيَى دَواه الدهرَ جُهْدَا

стр. 599

بَقِيتَ مُمَّتعاً في الفضلِ فَرْداً ... ولا لَقِيَتْ لك الأيامُ فَقْدَا وكتب إلي أيضاً: لا عَيْشَ إلاَّ في وِصالِكْ ... فامْنُنْ بطَيْفٍ من خَيالِكْ إن كان لي نَوْمٌ وإلاَّ ... ليس أبْعَدَ من مَنالِكْ يا هاجِرِي والهجرُ عَيْ ... نُ الوصلِ إن يكُ عن دَلالِكْ إلاَّ الملالَ فإنَّه ... حَتْفِي أجِرْنِي من مَلالِكْ يا مَن تمَلَّك مُهْجتِي ... لا تُفْنِها وارفُقْ بمالِكْ لا وَصْلَ أخطرُ لي سِوَى ... إخْطارِ تَذْكارِي ببالِكْ أنا في هَوانٍ من هَوا ... كَ ومن صُدودِك في مَهالِكْ تَلَفُ النفوسِ مُحقَّقٌ ... في بِيضِ سُودِك أو نِبالِكْ وكذا السِّهامُ فإنَّهُنَّ ... أخَذْنَ ذلك عن نِصالِكْ والحَتْفُ في سُمْرِ الْقَنا ... من مَيْلِ قَدِّك واعْتدالِكْ يا نُورَ إنْسانِ العيُو ... نِ تركْتَ حالِي فيك حَالِكْ نارُ الجوَى مِن وَجْنَتَيْ ... ك وذِي سُوَيْدايَ بِخَالِكْ وأرى الجمَال وإن تَنا ... هَى مُسْتعاراً من جمالِكْ هل من سبيلٍ لِلِّقا ... ضاقتْ عليَّ به المَسالِكْ يا بارداً من رِيقِه ... واحَرَّ قلبِي من زُلالِكْ أو يا مُحيَّاه الذي ... كالبدرِ سُقْمِي من هلالِكْ يا ذابلاً في الحُسْنِ بل ... سلطانَ أربابِ المَمالِكْ الشمسُ أقربث منك نَيْ ... لاً وهْي أبْعَدُ عن مِثالِكْ امْنُنْ عليَّ بنَظْرةٍ ... إنِّي وحقِّك فيك هالِكْ يا جَنَّتِي لا تُدْخِلَنِّ ... ي نارَ صَدِّك أنتَ مَالِكْ يا تاركِي شِبْهَ الخِلا ... لِ وما التَّجافِي من خِلالِكْ عَلِّلْ بوعدٍ كاذبٍ ... يحْلُو وأمْعِنْ في مِطالِكْ فإلى الشريفِ تَوجُّهِي ... وإليه أخْلُص من حِبالِكْ مَدْحِي محمداً الأمي ... نَ احْرَى وأوْلَى لي بذلِكْ الْبانِيَ الْمجدِ الأَثِي ... لِ على المَجَرَّةِ من هُنالِكْ صدرُ المَجالسِ قلبُها ... عينُ المَناصبِ والمَمالِكْ يا شمسَ أنْجُمِ كلِّ فَضْ ... لِ حين تطلُع في كَمالِكْ آياتُ فضلِك بَيِّنا ... تٌ في مَقالِك أو فِعالِكْ أمَّا القَرِيضُ فزهْرُ رَوْ ... ضٍ إن تُدَبِّجْ من مَقالِكْ وإذا تَنسَّم عن شَذاً ... كالمِسك يروِي عن خصالِكْ ورجالُ كلِّ فضيلةٍ ... قصُروا وليسوا من رجالِكْ مَن ذا المُناضلُ والمُنا ... ظِرُ في جِلادِك أو جِدالِكْ كذب الزمانُ بما ادَّعَى ... إن قال يُوجَد من مِثالِكْ كَرَمُ الطِّباعِ ولُطْفُها ... كلٌّ تَفيَّأَ في ظِلالِكْ وترى المَعالِي والمَكا ... رمَ أنْفقتْ من رأسِ مَالِكْ مولايَ إنِّي شاكرٌ ... لِمَزِيدِ فضلِك واحْتفالِكْ لا خِلَّ لي أصْبُو إليْ ... هِ سِوَى المَعالِي من خِلالِكْ لا زلتَ في أَوْجِ العلى ... والضِّدُّ في دَرْكِ المَهالِكْ مادام رَضْوَى راسِخاً ... يحْكي وَقارَك مِن جَلالِكْ فكتبت إليه جوابها قولي: ما بين مَيْلِكْ واعْتدالِكْ ... خَطَرُ الْتفاتِك أو دَلالِكْ فمَن السَّلِيمُ وكلُّنا ... منه توَرَّط في مَهالِكْ يا مُوتِراً قَوْسَ الحَوا ... جِبِ مَن لقلبي مِن نِبالِكْ أمْسِكْ فمَهْلَكُ مَن أرَدْ ... تَ يقِلُّ عن أدْنَى انْفعالِكْ

стр. 600

بأبِي لَواحِظُك التي ... أوْقَعْنَ قلبي في حِبالِكْ أتُرَى علمْتَ بحالتي ... فأخذْتنِي في جَنْبِ بَالِكْ لا والذي جعل ابْتدا ... عَ الجَوْرِ من أقْوَى اشْتغالِكْ كلُّ الخُطوبِ حسِبْتُها ... إلاَّ اجْتنابَك عن مَلالِكْ هل كنتَ يا ثَمِلَ الجُفُو ... نِ بعَثْتَ طَيْفاً من خَيالِكْ فيروزَ غَصَّانَ اللَّها ... ةِ دَواؤُه صافِي زُلالِكْ يا مَن تملَّك مُهْجتِي ... اللهَ في إتْلافِ مَالِكْ إن كنتُ أطمعُ في سِوا ... ك فلا بلغْتُ مُنَى مَنالِكْ مالي ولْلأُفُقِ المُضِي ... ءِ وعنه كافٍ من كمالِكْ فالشمس تطلُع من يَميِ ... نك والثُّرَيَّا من شِمالِكْ والبدرُ يُعْزَى للتَّما ... مِ إذا اسْتدار على مِثالِكْ أمَّا الهلالُ فما على ... مَن ظَنَّه إحْدَى نِعالِكْ وإذا تخيَّلتُ الرِّيا ... ضَ ذكَرتُ حسنَ رُوا خِصالِكْ فنسيمُها مهما سرَى ... مُتلطِّفاً أثَرُ اخْتيالِكْ وعَبِيرُها مِن شَمَّةٍ ... أهْدَيْتَها من مِسْكِ خَالِكْ هذا وثَمَّ إذا ذكر ... تُ حُلىً تجِلُّ وراءَ ذلكْ مِن أجْلها أنا شاعرٌ ... أجْرَى التغزُّلَ في جَمالِكْ ولأجْلِ مَدْحِي صالحاً ... يحْلو افْتتانِي في خِلالِكْ ذاك الذي أسْلُو بِعِشْ ... رتِه الحميدةِ عن وِصالِكْ مَولايَ أنت المُرْتجىَ ... للوُدِّ في حُسْنِ اقْتبالِكْ رجلُ المُروءَةِ أنت لا ... أحَدٌ وَحقِّك مِن رجالِكْ حُزْتَ المَعالِي قبل أن ... وُجِدت بَنُوها حَسْبَ حَالِكْ وملكْتَ كلَّ فضيلةٍ ... أفْدِيك من مَلكٍ ومالِكْ فيك المَكارمُ شِيمَةٌ ... والأرْيَحيَّةُ في فِعالِكْ فالطَّوْدُ يُلْفَى ذَرَّةً ... في جَنْبِ حِلْمِك واحْتمالِكْ والبحرُ بعضُ رَشاشِه ... بالطبعِ تُؤْثَرُ عن نَوالِكْ إنَّ الحَكِيميْن اللذيْ ... ن تظاهَرا فيما هُنالِكْ لو عاصَراك تنافَسا ... بأقَلِّ جَرْي في مَجالِكْ والبُحْتُرِيُّ أبو الفُتُوَّ ... ةِ لو تأمَّل في مَقالِكْ أتْحفْتنِي بقصيدةٍ ... غَرَّاءَ من بِدْعِ ارْتجالِكْ وبعثْتَ لي كلَّ المُنى ... فكفيْتنِي أدْنَى سُؤالِكْ قد كان جِيدِي عاطِلاً ... لكنْ حَلاَ بحُلَى احْتفالِكْ فإليْك رُوداً من بَنا ... تِ الفكر حَيْرَى في جَلالِكْ ترْتاحُ في مِرْطِ الثَّنا ... بصَباك زَهْواً أو شَمالِكْ واعْذِرْ فطبْعِي لا يُزي ... ل صَداهُ عنه سوى صِقالِكْ واسْلَمْ لبُغْيةِ آملٍ ... متفيِّىءٍ بذَرَى ظِلالِكْ فلأنتَ ظِلٌّ للمُنَى ... لا الْتاعَ قلبٌ من زَوالِكْ وأنشدني من نتفه قوله: ظَبْيٌ من التُّركِ له مُقلةٌ ... ضَيِّقةٌ تُمْعِن في قَتْلِي يبْخَل بالوصلِ على صَبَّه ... وضِيقَةُ العيْنِ من البُخلِ ملَّكتُه عيْني وأخْدمتهُ ... إنْسانَها لمَّا أبى وَصْلِي هذا كثير في الأشعار، منه قول ابن النبيه: يصُدُّ بطَرْفِه التُّرْكِيِّ عنِّي ... صدقْتُم إنَّ ضِيقَ العيْنِ بُخْلُ وقوله: بي ضَيِّقُ العيْنِ وإن أطْنَبُوا ... في الحَدَقِ النُّجْلِ وإن وَسَّعُوا وأصله قول البديع الهمذاني: أناديةَ الأعْرابِ أهْلَكِ إننَّي ... بناديةِ الأتْراكِ نِيطَتْ عَلائقِي

стр. 601

وأرضَكِ يا نُجْل العيونِ فإنني ... فُتِنْتُ بهذا الفاتِرِ المُتضايقِ السيد هاشم الأزواري سيدٌ عرقه طاهر، وفضله بين ظاهر. أبين من الكعبة للطائفين، وأظهر من المساجد للعاكفين. وهو أديب شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر. أوتي من البراعة أحسن كلم من عارضها سلم لها ومن لم يعترض لها سلم. وكان في الغالب أيام المجاورة سميري، ومحله مني خلدي وضميري، ونديمي، ومكانه بين عظمي وأديمي. فتمليت منه مغتنماً حظ اليوم والغد، في عهدٍ أنضر من روق التصابي في العيش الرغد. وقد أهدى لي من طرفه قصيدة فريدة، لم تحظ بمثلها دمية ولا خريدة. وها هي ألذ من معاطاة الأحباب، كأس المعاقرة طفا عليها الحباب: ما لقلبي عنك سَلْوهْ ... ولا ولا عن رَبْعِ سَلْوهْ منزلٌ يجمعُ ما بَيْ ... نِي وما بينك ضَحْوَهْ قد تسمَّى بانْتظامِ الشَّ ... مْلِ فيه دارَ نَدْوَهْ كم به ليلة أُنْسٍ ... لِيَ مَرَّتْ بك حُلْوَهْ قد جلاَ طَلْعتَها البَدْ ... رُ لنا أحْسَن جَلْوَهْ وأرانا لِطلاهَا ... بالنُّجومِ الزُّهْرِ زَهْوَهْ ونهارٍ ألْبسَ الأُفْ ... قَ من السِّنْجابِ فَرْوَهْ وبلُطْفِ فيك عن جَيْ ... بِ الْحَيا المُزَوَرِّ عُرْوَهْ قد أخذْناه اغْتصاباً ... من يدِ الدهر بقُوَّهْ ووصلْناه برَوْحٍ ... وبرَيْحان وقهوهْ وبتوْقيع سَماعٍ ... ما نَحَا مَعْبَدُ نَحْوَهْ ومُديرُ الشمسِ بَدْرٌ ... بحُلَى الظَّرْفِ مُنَوَّهْ أفْلَجُ الثَّغْرِ نَقِيُّ الْ ... خَدِّ ألْمى فيه حُوَّهْ يزدَرِي بالْحُسْن لُبْنَى ... والصِّفَاتِ الغُرِّ عَلْوَهْ ذُو لِحَاظٍ هي والسَّيْ ... فُ على حَدٍ وسَطْوَهْ وقَوَامٍ هوَ والرِّدْ ... فُ كغُصْنٍ فوقَ رَبْوَهْ وعَجِيب لَيِّن العِطْ ... فِ وفي أحْشَاه قَسْوَهْ ما رآه الطَّرفُ إلاَّ ... وزَنَى منه بشَهْوَهْ لا تَلُمْنِي يا ابْنَ وُدِّي ... إنْ بَدَتْ مِنيَ هَفْوَهْ حيثُ لي من نفحة الرَّيْ ... حانة الغَضَّةِ صَبْوَهْ ولعقْلِي من شَذَاهَا ... بطِلاَ الْحانةِ نَشْوَهْ وأنا بينَ حبيبٍ ... وأبَارِيقٍ وخَلْوَهْ طابَ لي الشُّرْبُ مساءً ... من أيادِيهِ وغُدْوَهْ مِثْلَما طابَ مَدِيحِي ... وسمَا أرْفَعَ ذِرْوَهْ بأمينِ الفضلِ مَوْلاَ ... نا الذي في الفضلِ قُدْوَهْ الشَّرِيفُ المُمْتَطِي مِن ... صَافِنِ الرِّفْعَةِ صَهْوَهْ والسَّرِيُّ الشهمُ مَن لا ... يَرْتَضِي الْهَقْعَةَ حَبْوَهْ طَيِّبُ الأصلِ كريمٌ ... مُنْتَقىً من خيرِ صَفْوَهْ أفصحُ الأمَّةِ لفظاً ... يَزْدَرِي كلَّ مُفَوَّهْ فَيْصَلٌ في الشرعِ لا يَخْ ... فَى عليه أمرُ دَعْوَهْ كيف لا وهْو أمينٌ ... لم يَخُنْ في أخْذِ رِشْوَهْ جَلّ ذاتاً وصِفاتاً ... وحَياءً ومُرُوَّهْ وسَمَا عن أن يُداني ... هِ امْرؤُ القَيْسِ وعُرْوَهْ بحرُ فضلٍ ونَوَالٍ ... وكمالاتٍ ونَخْوَهْ من يَرِدْه وهْو ظَامٍ ... يرْتوِي عِلْماً وجَدْوَهْ ومتى نَوْءُ سحابٍ ... ضَنَّ نسْتمْطِرُ نَوَّهْ فبِه جَدْبُ الأراضِي ... عاد بالخِصْبِ مُمَوَّهْ مَاجِدٌ سيفُ حِجاهُ ... قَطُّ ما فُلَّ بِنَبْوَهْ

стр. 602

كم عَوَيصٍ فتح المُغْ ... لَقَ منه الرَّأيُ عَنْوَهْ مِصْقَعٌ طِرْفُ ذَكاهُ ... ما له في البحثِ كَبْوَهْ أحْرَزَ السَّبْقَ وأوْشَى ... في حَشَا الحُسَّادِ جَذْوَهْ وغَدَا كلُّ أديبٍ ... عَجزاً يطلب عَفْوَهْ ذُو يَراعٍ لي به في ... رِقَّةِ الألْفاظِ أُسْوَهْ قد بَراهُ الشوقُ مِثْلِي ... وحَشاه انْشَقَّ جَفْوَهْ فخَطَا وهْو نحيفٌ ... ولذَك الخَطْوِ خُطْوَهْ كعَمِيدٍ يشْتِكي بالصَّ ... رِّ في الأطْراسِ شَجْوَهْ كلُّما أثبتَ عنه الْ ... فِكرُ لا يُمْكِن مَحْوَهْ يا ربيعَ الفضلِ يا مَن ... فضَل الناسَ فُتُوَّهْ نَظْمُك الشُّهْدَ مُصَفّىً ... وسِواهُ فيه رَغْوَهْ أنا ما بين مَصِيفٍ ... من مَعانِيه وشَتْوَهْ فلسُقْمِي فيه بُرْءٌ ... ولضَعْفِي منه قُوَّهْ وإلى عَلْياك وافَتْ ... من عَرُوسِ الفكر فَحْوَهْ فتحتْ من كل قلبٍ ... مُرْتجٍ للبَسْطِ فَجْوَهْ وكَسَا وَصْفُك طِيبَ الْ ... عَرْفِ منها أيّ كُسْوَهْ لِصَفا وَجْهِك تَسْعَى ... وهي لا تطْرُق مَرْوَهْ تنْقُل الأقْدام تِيهاً ... خُطْوةً من بعد خُطْوَهْ ذاتُ حُسْنٍ بك أضْحَتْ ... ولها بالحُسْنِ ثَرْوَهْ فاسْتمِعْها فهْي بِكْرٌ ... وأنِلها منك حُظْوَهْ واسْبِل السِّتْرَ متى إن ... شِمْتَ في التركيبِ حَشْوَهْ قد لَعَمْرِي يغْلَط النا ... قدُ للدُّرِّ بحَصْوَهْ واشْتِباهُ الجِنْسِ أمْرٌ ... واضحٌ من غيرِ فَتْوَهْ وابْقَ واسْلَمْ ما تغنَّى ... عَنْدَلِيبٌ بعد هَدْوَهْ أو مُحِبٌّ قال يوماً ... لحبيبٍ بعد قَصْوَهْ أنا أهواكَ ورَبِّي ... ما لقلبي عَنْك سَلْوَهْ فكتب إليه جوابها، قولي: لا تُمَنِّ القلبَ سَلْوَهْ ... فلقد جُسِّمْتُ صَبْوَهْ واحْترِزْ من أعْيُنٍ تَرْ ... قُبُ للأخْذَةِ هَفْوَهْ فهْي في بابلَ دَهْراً ... سُقِيَتْ بالسِّحرِ قهوهْ وطِلاً أوْضحَ من شَمْ ... سٍ تجلَّتْ وقتَ ضَحْوَهْ مِن وَلُوعٍ بالتَّثَنِّي ... فَتْكةٌ منه وخُطْوَهْ سَلَّ سيفَ اللَّحْظِ لمَّا ... رامَ أخْذَ القلبِ عَنْوَهْ راكباً في دَرَكِ العِزَّ ... ةِ للعِزَّةِ صَهْوَهْ أتُرَى يسْمح منه اللَّ ... حْظُ لِي حيناً بحُظْوَهْ يُمْكِن الأمْرُ إذا أمْ ... كَنَ تَهْوِيمٌ وغَفْوَهْ أين ماثَمَّةَ إلاَّ ... بُغْيَةٌ قُصْوَى ونَبْوَهْ .............. ... ................. علي بن عمر بن عثمان المزداكي من أفاضل العصر، يضيق عن معاليه نطاق الحصر. رأيته بالشام بعد عودي من الحجاز، فرأيت شخصاً حقيقة فضله لا يتطرقها المجاز. وقد خرج من وطنه قاصداً باب المراد، وله أمانٍ أرجو أن لا تفوته في الإصدار والإيراد. وهو على كل حالٍ لم يزل في الإجادة مترقيا، ولشوارد المعاني من مكامنها متلقيا. وقد أنشدني من شعره هذا المقطوع: رَوِّ رَوْضَ الكرومِ يا قَطْر نَيْسا ... نَ وخَلِّ الأصْداف منك خَوالِي قَطَراتٍ تصيرُ خَمْراً أتَرْضَى ... عَمْرَك اللهُ أن تَصِيرَ لآلِي وقد تناوله من بيت السيد علي بن معصوم، عربه من الفارسية، وهو: يا قَطْر نَيْسَان والكَرْمُ مُكَرَّمةٌ ... ففي الحَبابِ غِنىً عن لُؤْلُؤِ الصَّدَفِ ولي ما هو منه، ولا يبعد عنه:

стр. 603

ما عَزَّ شيءٌ في شِبْهِه بَدَلٌ ... عنه وللعُسْرِ فُرْجَة اليُسْرُ في غُنْيةٍ من يَرى الحَبَاب إذَا ... مَا عاقَه عائقٌ عن الدُّرِّ وأنشدته هذين البيتين، وكان أنشدنيهما السيد هاشم الأزواري لنفسه، فتعارف عليهما، وألزمني أن لا أثبتهما إلا له، وهما قوله يمدح السيد عمرو بن محمد بن بركات، في ليلة عيد، بعد وفاة الشريف زيد: يقولون مات الجُودُ في كلِّ بَلْدةٍ ... عجيبٌ ولم يُشْهَد له أبداً قَبْرُ فقلتُ لهم أحْيَى الذي مات في الورَى ... بأُمِّ القُرَ من بعد زَيْدٍ لنا عَمْرُو السيد سالم بن أحمد بن شيخان هو الختم الوارث لجده سيد الأنام، وبه أرجو من الله حسن الختام. فأما العلم فهو من خضع له كل عالم، وأما الصلاح فحسبه أنه من كل ما يشين سالم. نسبته إلى الشرف نسبةٌ أولى، ويده في المكارم يدٌ طولى. تعترف به الأبصار والأسماع، وإن جحدت عارضها الإجماع. طلع في سماء العلوم بدراً مشرقا، وسارت مناقبه مغربا ومشرقا فالعلى فرع علائه، والثنا وقفٌ على آلائه. ليس يخْتَصُّ مَدْحُه بلسانِي ... مَدْحُ شمسِ الضُّحَى بكلِّ مَكانِ وله تعاريف عدة، هي لأهل العرفان أجل عدة. وأشعارٌ على لسان أهل الطريقة، تجتنى منها ثمار الحقيقة. فمنها قوله، مصدراً ومعجزاً: حُوَيْدِي الجمالِ إلى سُوحِكمْ ... وهادِي الرِّحال إلى مَن أُحِب رَفيقُ الهوَى وفَرِيقُ النَّوَى ... يحبُّ الجمَال ويهْوَى الطَّرَبْ ويسْعَى إليكم على رأسِه ... بشَوقٍ وتَوْقٍ عظيمِ الخَبَبْ ويطْوِي الفَيافِي بعَزْمِ قَوِيٍ ... ويقْضِي لكم في الهوى ما وَجَبْ ويُنشِدُ في حَقِّكمْ جَهْرةً ... ألاَ إنني عبدُ عالِي الرُّتَبْ أتيْتُ إلى سُوحِه خاضِعاً ... بدَمْعٍ جَرَى وبقلبٍ وَجَبْ سلامٌ عليكم أُهَيْلَ الحِمَى ... أيَا مَن به قد بلغْنا الأرَبْ إذا ما وقفْنا بأبْوابِكمْ ... وزال اللُّغوبُ بها والنَّصَبْ أنِيلُوا الغِنَى وأبِيدُو العَنَا ... فذاك لَديْنا أجَلُّ القُرَبْ إليكم بكم سادتي جئْتُكم ... بحُسْنِ الرِّضا وبصِدْقِ الطَّلَبْ ولا لي شَفِيعٌ سوَى حُبِّكم ... فلا تُهْمِلُوا مَن أساء الأدبْ وقولُوا عفَا اللهُ عَمَّا مَضَى ... جزاءُ المُحِبِّ لنا أن يُحَبْ فأنتم وجودُ الوفَا والعَطا ... وليس التفضُّل منكم عَجَبْ ومن مقاطيعه قوله: تراءَى بَدِيعُ الحسنِ في صُنْعِ خَلْقِهِ ... جميلاً فظَنَّ المظْهَر النَّاظِرُ القَذِي وما هُوَ إلاَّ اللهُ بالصُّنْعِ بارِزٌ ... على صِيَغِ التَّخْليقِ في الظَّاهرِ الذيِ وقوله: رَمَى العبدُ سَهْمَ الوَهْمش من قَوْسِ حُكْمِهفأدْمَى خيالاً في مِنَصَّاتِه السَّبْعِ وليس إذا حقَّقْتَ رامٍ سِوَى الذي ... أتاك بطَيِّ النَّشْرِ في الطَّبْعِ والوَضْع وقوله: كُنْ مُمْسِكاً بالصومِ عن كلِّ السِّوَى ... واذْكُرْ بفِطْرِك مَن أتَى مَعْروفُهُ وبفاطرٍ عن رُؤْيةِ الأغْيارِ صُمْ ... مَن صامَ عند اللهِ طاب خَلُوفُهُ وقد أنعم الله علي برواية مؤلفاته، عن ابنه المعمر السيد السند عمر، أحياه الله وحياه، ونور الدنيا بطلعة محياه. في أملٍ لا يبرح يطيعه، والحادثات فيه لا تستطيعه. فلله هو من سريٍ متواضعٍ على علوه، ممدوحٍ بإيغال المدح وغلوه. ماء لطفه يكاد يتقطر، وخلقه تتخلق به النسمات وتتعطر. إلى وجهٍ بالوضاءة متجلل، يبرق برق العارض المتهلل. وردت مراراً داره العامرة، وحصلت على نعمه الدارة الغامرة. أستنجد دعاءه المبارك، وأستمنح اعتناءه في كل حالٍ أن يتدارك. وعندي له من الولاء فيه ما ينقص ولاء زيادٍ في النعمان، ومن الحب لبيته العمري ما ينشد قول الأول: أحبه حب قريش عثمان.

стр. 604

وهنا أذكر لي شيخين، وعلمين في العلم راسخين. أخذت عنهما، واستفدت منهما. وهما: الحسن بن علي العجمي، وأحمد بن محمد النحلي. كلٌ منهما في ذلك الأفق قمرٌ باهر السناء والسنا، وقصده أسنى قصدٍ توخاه المدح والثنا. هدايته متكلفةٌ بإحياء علوم الدين، وغرشاده يتولى منهاج العابدين. ودعاؤه بظهر الغيب عدة وعدد، وبره حالي الظعن والإقامة معتمل معتمد، ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أمد. وردت منهما حضرة الأنوار المفاضة، وجعلت قصدهما بحجة سفري طواف الإفاضة. فأرياني من الجد ما لو كان بظبة صارمٍ ما نبا له غرار، ومن البشر ما لو سال بصفحة البدر ما خيف عليه سرار. فلله هما قد خلصا للناقد، ورفلا في أزرٍ من الحمد طيبة المعاقد. وللعهد أنا لست أنساهما فأذكرهما، وإذا ذكرتهما فكلي ألسنةٌ تحمدهما وتشكرهما. وبهما أرجو من الله حسن المتاب، وأن أكون ممن تناول بيمينه الكتاب. أدباء المدينة المنورة لا برحت بحراسة الله من الأسواء مسورة السيد حسن بن شدقم الحسيني الحسن السمت، المستحسن الصمت. المرموق المعتنى والمعتلى، المعشوق المجتنى والمجتلى. تصدر من مركز السيادة في الرتبة المكينة، وبلغ في العلم رتبة أسلافه إلى أن ينتهوا إلى باب تلك المدينة. وكان قد دخل الهند في صباه، فأحبه بعض ملوكها وحباه، وعقد لسماع كلماته حباه. ثم أملكه كريمته فأردف تكريمه بتكريره، وأتبع توقيره بتوفيره. فاجتلى عرائس آماله في منصات نيلها، واستطلع أقمار سعده في نواشي ليلها. وكان من فعله الحسن ما قدره بحزمه، ودبره في تمشيه مآل حاله بقوة جزمه، إرساله في كل عام إلى بلده جملةً من المال، فاصطفيت له بها حدائق وقصورٌ على وفق ما جنح إليه ومال: ولما مات الملك أبو زوجه، وسقط قمر حياته من أوجه. انقلب بأهله إلى وطنه مصاحباً رفاهيةً زاهية، وأقام مدةً في عيشه بخويصة نفسه باهرةً باهية. إلا أن الرياسة التي فرخت في أم راسه، والمكانة التي شدت عراها بأمراسه. لم يجد عنهما عوضاً في وطنه، فانتهى إلى الهند شاكياً ضيق عطنه. فمن شعره ما قاله حين أنف من الإقامة في بلده: وليس غريباً مَن نأَى عن ديارِه ... إذا كان ذَا مالٍ ويُنْسَبُ للفضلِ وإني غريبٌ بين سُكانِ طَيْبةٍ ... وإن كنت ذا مالٍ وعلمٍ وفي أهْلِي وليس ذهابُ الرُّوح يوماً مَنِيَّةً ... ولكنْ ذهابُ الرُّوحِ في عَدَمِ الشِّكْلِ وهو من قول البستي: وإنِّي غريبٌ بين بُسْتَ وأهْلِها ... وإن كان فيها جيرَتِي وبها أهْلِي وما غُرْبةُ الإنسانِ في شُقَّةِ النَّوَى ... ولكنها واللهِ في عَدَمِ الشِّكْلِ ولابن معصوم في المعنى: وإنِّي غريبٌ بين قومي وجيرتِي ... وأهْلِيَ حتى ما كأنَّهُمُ أهلِي وليس غريبُ الدَّارِ مَن راح نائياً ... عن الأهلِ لكنْ مَن غدا نائِيَ الشِّكل فمن لي بخِلٍ في الزَّمانِ مُشاكلٍ ... ألُفُّ به من بعدِ طُولِ النَّوى شَمْلِي ومن شعر السيد حسن قوله: لابُدَّ للإنسانِ مِن صاحبٍ ... يُبْدِي له المَكْنونَ من سِرِّهِ فاصْحَبْ كريمَ الأصلِ ذا عِفَّةٍ ... تأمَنْ وإن عادَاك مِن شَرِّهِ ولده السيد محمد فرع دوحةٍ زكت مفارعها، وطابت بطيبة الطيبة مشارعها. له خبرٌ تتعطر به المجالس، ويتنادم عليه المنادم والمجالس. إلى ما تميز به من الشعر الرصين، الذي يباهي بتنميقه نقوش الصين. غرد به ساجع إطرائه وصدح، وأورى زناد البيان وقدح. فمنه قوله، مذيلاً بيت أبي دهبل مقتفياً للشريف المرتضى: وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَما ... أصاتَ المُنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا فأرَّج أرْجاءَ المُعَرَّف عَرْفُها ... وأضْوَى ضِياها الزِّبْرِقان المُعَظَّمَا وحَيَّي مُحيَّاها المُلَبُّون وانْتَشَوْا ... بنَشْرِ مُحيَّاها المُمَنَّع واللَّمَى ورَوَّض منها كل أرضٍ مَشَتْ بها ... تجُرُّ التَّصابي بين أتْرابِها الدُّمَى

стр. 605

هي الشمسُ إلاَّ أنَّ فاحِمَها الدُّجَى ... هي البدرُ لكنْ لا يزال مُتَمَّمَا تجُول مِياهُ الحُسْنِ في وَجَناتِها ... وتمْنَع سَلْسالَ الرُّضابِ أخَا الظَّمَا وتسلُب يَقْظانَ الفؤادِ رَشادَه ... وتكسُو رِداءَ الحُسْنِ جسماً مُنَعَّمَا مَهاةٌ يصِيدُ الأُسْدَ سَهْمُ لِحاظِها ... ومن عَجَبٍ صَيْدُ الغَزالةِ ضَيْغَمَا يُعلِّلني ذِكْرَ الحِمَى مُترنِّمٌ ... وما شَغَفِي لولا الغزالةُ بالحِمَى وأصْبُو لِنَجْدِيِّ الرِّياحِ تَعَلُّلاً ... ومَن فقَد الماءَ الطَّهُورَ تَيمَّمَا قال السيد المرتضى، في كتابه الدرر والغرر: ذاكرني بعض الأصدقاء بقول أبي دهبل: وأبْرَزْتُها.............. ... ..................الخ وسألني إجازة هذا البيت بأبياتٍ تنضم إليه، وأجعل الكناية فيه كأنها كناية عن إمرأةً لا عن ناقة، فقلت في الحال: فطيَّب رَيَّاها المَقامَ وضَوَّأتْ ... بإشْراقِها بين الحَطِيم وزَمْزَمَا فيا رَبِّ إن لَقّيْتَ وجهاً تحيَّةً ... فَحَيِّ وجُوهاً بالمَدينة سُهَّمَا تَجافَيْن عن مَسِّ الدِّهانِ وطالَما ... عَصَمْنَ عن الحِنَّاءِ كَفّاً ومِعْصِمَا وكم من جَلِيدٍ لا يُخامِرُه الهوى ... شَنَنَّ عليهِ الوَجْدَ حتى تَتَيَّمَا أهان لَهُنَّ النفسَ وهْي كريمةٌ ... وألقَى إليهنَّ الحديثَ المُكتَّمَا تسفَّهْتُ لمَّا أن مَرَرْتُ بدارِها ... وعُوجِلْتُ دُون الحِلْمِ أن أتحَلَّمَا فعُجْتَ تَقَرَّى دارِساً مُتنكِّراً ... وتسألُ مَصْروفاً عن النُّطْقِ أنْجَمَا ويومَ وقفْنا للوَداعِ وكلُّنا ... يَعُدُّ مُطِيعَ الشوقِ مَن كان أحْزَمَا نُصِرْتُ بقلبٍ لا يُعنَّف في الهَوى ... وعَيْنٍ متى اسْتَمْطَرْتَها قَطَّرتْ دَمَا قال السيد علي بن معصوم، في سلافته: وقلت أنا ناسجاً على هذا المنوال: وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَما ... أصاتَ المُنادِي بالصلاةِ فأعْتَمَا فَضَوَّأ أكْناف الحَجُونِ ضِياؤُها ... وأشْرَق بين المَأْزِمَيْنِ وزَمْزَمَا ولمَّا سَرتْ للرَّكْبِ نَفحةُ طِيبِها ... تغَنَّى بها حادِيهمُ وتَرَنَّمَا فتاةٌ هي الشمسُ المنيرةُ في الضحى ... ولكنَّها تَبْدُو إذا الليلُ أظْلَمَا تعلَّم منها الغُصْنُ لَفْتةَ قَدِّها ... وما كان أحْرَى الغُصْنَ أن يتعلَّمَا وأسْفَر عنها الصبحُ لمَّا تلّثمتْ ... ولو سفَرتْ للصُّبْحِ يوماً تَلثمَا إذا ما رَنَتْ لَحظاً وماستْ تأوُّداً ... فما ظَبْيةُ الْجَرْعا وما بَانةُ الحِمَى تَراءتْ على بُعْدٍ فكبَّر ذو التُّقَى ... ولاحتْ على قُرْبٍ فصلَّى وسلَّمَا وكم حَلَّتْ بالصَّدِّ قَتْلَ أخِي الهَوى ... وكان يُرَى قبلَ الصُّدودِ مُحَرَّمَا وظنَّتْ فؤادي خالياً فرمَتْ به ... هَوىً عاد دائِي منه أدْهَى وأعْظَمَا ولو أنها أبْقَتْ عليَّ أطَعْتُه ... ولكنها لم تُبْقِ لَحْماً ولا دَمَا قال: وأنشدني صاحبنا احمد الجوهري لنفسه: وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَما ... أصاتَ المُنادِي بالصلاةِ فأعْتَمَا فشاهدتُ مَن لو أبصر البدرُ وَجْهَها ... لَكان بها مُضْنىً وَلُوعاً ومُغْرَمَا ولو عرَضتْ رَكْبَ الحَجِيجِ تصدُّه ... لَلَبَّى لِمَا يَدْعُو هَواها وأحْرَمَا وعَرَّف بالكُثْبان مِن عَرَصاتِها ... وقال مِنىً لي دارُها حين يَمَّمَا فلا تعْذِلُوا في حُبِّ ظَمْياءَ إنها ... لها مَبْسَمٌ يشفى الفؤادَ مِن الظَّمَا

стр. 606

وأعْذَبُ من صَوْبِ الغَمامةِ مَرْشَفاً ... وأضْوَأُ مِن لَمْعِ البُروقِ تَبسُّمَا وأجْمَلُ من ليلى وسَلْمَى وعَزَّةٍ ... وسُعْدَى ولُبْنَى والرَّبابِ وكُلْثُمَا وكم مَلِكٍ في قَومهِ كان قاهراً ... فأضْحَى ذليلاً في هواها مُتَيَّمَا يَديِنُ بما تَهْوَى مُطِيعاً لأمْرِها ... وإن ظلمتْه لم يكُن مُتظلِّمَا تَظَلَّ الملوكُ الصِّيدُ تعثُر بالثَّرَى ... إذا قارَبُوا أو شاهَدُوا ذلك الحِمَى وممن ذيل عليها العارف بالله تعالى السيد حاتم بن الأهدل اليمني: وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَما ... أصاتَ المنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا وسَرَّحْتُ عينِي في رياضِ خُدودِها ... فشاهدْتُ رَوضاً كالربيعِ مُنَمْنَمَا سَقتْه مِياهُ الحُسْنِ فازْداد بَهْجةً ... وغادر قلبي بالحَطِيمِ مُحَطَّمَا حُسَيْنِيَّةٌ حَسْناءُ لَمْياءُ نَحْوَها ... تَ، جَّه قلبي بالغرامِ وأحْرَمَا سَعيْتُ إليها بالصَّفاءِ مُسلِّماً ... لِرُوحِي وقلبِي طاف سَبْعاً وزمْزَمَا غزالٌ يُعِيرُ الظَّبْيَ لَفْتةُ جِيدِها ... وعن قَدِّها المَيَّاسِ سَلْ بَانةَ الحِمَى فتاةٌ يُعيرُ الشمسَ بهجةُ وَجْهِها ... سَناها بغيرِ الحُسْنِ لن يتلَثَّمَا عَدَا خَصْرُها جِسْمِي سَقاماً وجَفْنُها ... تَعَدَّى على جَفْنِي وللنَّومِ حَرَّمَا إليها ثَنَتْ قلبي الثَّنايا صَبابةً ... فيا ما أُحَيْلى ذلك الثَّغْرَ واللَّمَى إذا حدَّثتْ فاحَ العَبِيرُ وأَظْهَرتْ ... برَمْزَتِها مِنِّي الحديثَ المُكَتَّمَأ وأما بيت أبي دهبل، المذيل عليه، فهو من قصيدة له يصف فيها ناقته، حدث به موسى بن يعقوب، قال: أنشدني أبو دهبل يوماً: ألاَ عَلِق القلبُ المُتَيَّمُ كُلْثُمَا ... لَجاجاً فلم يلْزَمْ من الحُبِّ مَلْزَمَا خرجْتُ بها من بَطْنِ مكةَ بعدَما ... أصاتَ المُنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا فما نام من رَاعٍ ولا ارْتَدَّ سامِرٌ ... من الحَيِّ حتى جاوزَتْ بي يَلَمْلَمَا ومَرَّتْ ببَطْنِ الليِّثِ تَهْوِي كأنها ... تُبادِرُ بالإدْلاجِ نَهْباً مُقسَّمَا وجازَتْ على البَزْواء والليلُ كاسِرٌ ... جَناحَيْن بالبَزْواء وَرْداً وأدْهَمَا فما ذَرَّ قَرْنُ الشمسِ حتى تبَيَّنتْ ... بِعُلْيَبَ نَخْلاً مُشْرِفاً أو مُخَيِّمَا ومَرَّتْ على أشْطانِ رَوْقَةَ بالضُّحَى ... فما حدَرتْ للماءِ عَيْناً ولا فَمَا وما شرِبَتْ حتى ثَنيْتُ زِمامَها ... وخِفْتُ عليها أن تُجَرَّ وتُكْلَمَا فقلتُ لها: قد نِلْتِ غيرَ ذَميمةٍ ... وأصْبح وادي البِرْكِ غَيْثاً مُدَيّمَا قال: فقلت: ما كنت إلا على الريح. فقال: يا ابن أخي، إن عمك كان إذا هم فعل، وهي العجاجة. هكذا رواه أبو الفرج الأصبهاني، في الجامع الكبير، وفي رواية البيت المذيل بعض تغيير كما رأيت، والروايات تختلف. السيد حسين بن علي بن حسن بن شدقم غصن بسق من روضة الفتوة، وأشبه أصله مجداً فحقق شواهد النبوة. ما شئت من فضلٍ سما باكتسابه، وفخرٍ ما زال يعلو بانتسابه. وجدٍ أطاعه أبيه وشامسه، وأدبٍ أنار به داجيه وطامسه. وهو ممن دخل الهند كجده، فعلا بها قدره فوق ما قدره بجده. وقد رأيت من شعره قطعتين، فأثبتهما له حسنتين. فالأولى قوله من قصيدة نبوية أولها: أقِيمَا على الجَرْعاءِ في دَوْمَتَيْ سَعْدِ ... وقُولاَ لحادِي العِيسِ عِيسَك لا تَحْدِي فإنَّ بذاكَ الحيِّ إلْفاً ألِفْتُهُ ... قديماً ولم أَبْلُغْ برُؤيَتِهِ قَصْدِي عسَى نَظْرةٌ منهُ أبُلُّ بها الصَّدَى ... ويسكُن ما ألْقَاه من لاَعِجِ الوَجْدِ

стр. 607

وإلاَّ فقُولاَ يا أُمَيَّةَ إنَّنَا ... تركْنَا قتيلاً من صُدُودِكَ بالهنْدِ يحِنُّ إلى مَغْنَاكِ بالطَّلْحِ والغَضَا ... ويصْبُو إلى تلك الأُثَيْلاَتِ والرَّنْدِ قِفَا ننْدُبِ الأطلالَ أطْلالَ عامرٍ ... ونبكي بها شَوْقاً لعلَّ البُكا يُجدِي إلى ذاتِ دَلٍ يُخْجِلُ البدرَ حُسْنُهَا ... مُرَنَّحَةِ الأعْطَافِ مَيَّاسَةِ القَدِّ سَقاها الْحَيَا ما كانَ أطْيَبَ يَوْمِنا ... بِمَوْرِدِها والحَيِّ وِرْداً على وِرْدِ وقد نَثَرَتْ أيْدِي الغَمامِ مَطَارِفاً ... كَسَتْها أدِيمَ الأرْضِ بُرْداً على بُرْدِ وقد رفَعَتْ فوق الْخُزُومِ سُرادِقاً ... من الشَّعْرِ والأضْيَافُ وَفْداً على وَفْدِ بَدَوْتُ لِحَيَّيْهَا وإلاّ فإنَّني ... مِنَ السَّاكنين المُدْنَ طِفْلاً على مَهْدِ ومِلْتُ إلى ماءِ البَشَامِ لأجْلِهَا ... وأعْرَضْتُ عن ماءٍ مُضَافاً إلى الْوَرْدِ وغادَرْتُ نَخْلاً بالمدينةِ يانِعاً ... ومِلْتُ إلى السَّرْحَاتِ من عارِضَيْ نَجْدِ وحَارَبْتُ أقْوَامي وصادقْتُ قَوْمَها ... وبالَغْتُ في صِدْقِ الوِدَادِ لهم جُهْدِي فلا إثْمَ لي في حُبِّهَا ولقومِها ... وإن يَكُ إن اللهَ يغفرُ للعَبْدِ ولا سِيَّما إن جئتُهُ مُتَوَسِّلاً ... بمُرْسَلِهِ خيرِ النَّبيِّينَ ذي المجدِ أبي القاسمِ المبعوثِ من آلِ هاشمٍ ... نَبِيَّاً لإرْشادِ الخلائقِ بالرُّشْدِ دَنَا فتدلَّى من مَلِيكٍ مُهَيْمِنٍ ... كما الْقابُ أوْ أَدْنَى من الواحدِ الفَرْدِ ألا يا رسولَ اللهِ يا أشرفَ الوَرَى ... ويا بَحْرَ فَضْلٍ سَيْبُهُ دائمُ المَدِّ لاَنْتَ الذي فُقْتَ النَّبِيِّينَ زُلْفَةً ... من اللهِ رَبِّ العرشِ مُسْتَوْجِبِ الحمدِ يُناجِيك عَبْدٌ من عَبِيدِكَ نَازِحٌ ... عن الدَّارِ والأوْطَانِ والأهْلِ والوُلْدِ ويسألُ قُرْباً من حِماكِ فَجُدْ له ... بقُرْبٍ فقُرْبُ الدَّارِ خيرٌ من البُعْدِ ليلْثِمَ أعْتاباً لمسْجِدِكَ الذي ... به الروْضَةُ الفَيْحَاءُ من جَنَّةِ الخُلْدِ فإنَّ له سَبْعاً وعشرين حِجَّةً ... غريبٌ بأرضِ الهِنْدِ يصْبُو إلى هندِ إذا الليلُ وَارَاني أَهِيمُ صَبابةً ... إلى طَيْبةَ الغَرَّاءِ طَيِّبَةِ النَّدِّ وأُسْبِلُ من عينَيَّ دَمْعاً كأنَّهُ ... عَقِيقٌ غَدا وادِي العَقِيقِ له خَدِّي سَمِيراه في لَيْلٍ غرامٌ وزَفْرَةٌ ... تُقَطِّعُ أفْلاَذَ الحشاشةِ كالرَّعْدِ عليك سلامُ اللهِ ما ذَرَّ شارِقٌ ... وما لاحَ في الخَضْرَاءِ من كوكبٍ يَهْدِي كذا الآلُ أصْحَابُ الكرامةِ حَيْدَرٌ ... وبِضْعَتُهُ الزَّهراءُ زاكيةُ المجدِ وسِبْطاك مَن حازا الفضائل كُلَّها ... وسَجَّادُهم والباقرُ الصادِقُ الوَعْدِ وكاظِمُهم ثم الرِّضا وجَوادُهم ... كذاك عليٌّ ذو المناقبِ والزُّهْدِ كذا العَسْكَرِيُّ الطُّهْرُ ذُو الفضْلِ والتُّقىوقائمهم غَوْثُ الورَى الحُجَّةُ المَهْدِي والقصيدة الثانية مطلعها: هوايَ لِرَبَّاتِ الخدُودِ العواتِقِ ... وخَيْلٍ جيادٍ صافِناتٍ سَوابِقِ وقَوْمٍ ظُهورُ العَادياتِ حُصونُهم ... ومِصْباحُهم لَمْعُ السيوفِ البَوارِقِ غَطاريفُ كم بَلَّ النَّجِيعُ ثِيابَهُمْ ... كُماةٌ غَداة الرَّوْع حامُو الحَقائِقِ أُسودٌ إذا ما زارهم ذُو تَهَوُّرٍ ... تَولَّى بقلبٍ بين جَنْبَيْهِ خافِقِ

стр. 608

بِضمَّ الْقَنا تَذْرِي جُسُومَ عِداتِها ... وتسْقِي ثَراها من دِماءِ المفارِقِ إذا أوْلجتْ نحوَ العَدُوِّ خُيولهمْ ... تبارَتْ ليوثُ الْغابِ شِبْه الخَرانِقِ تنازلُهم ما بين نَجْدٍ ويَثْرِبٍ ... جَنُوباً وشَاماً في رؤوسِ الشَّواهِقِ غُيوثٌ إذا حَلَّ النَّزِيلُ بأرْضِهم ... وإن أمَّها الْباغِي فهم كالصَّواعِقِ كِرامٌ يُجازُون الجميلَ بمثْلِه ... ويَرْعَونَ وُدّاً للْحَمِيم المُصَادِقِ مَنِيعُون إن لاَذَ المُخافُ بظلِّهم ... كَسَوْه بسِربالٍ من الأمْنِ فائِقِ وَدَدْتُهم إذ أشْبَهُوا بِفعالهم ... فِعال كريم طاهر الأصل صادقِ الخطيب عبد الله بن إلياس إمام المدينة وخطيبها، وعرفها الذي طاب وطيبها. أتهم في التحلي بشعار الإمامة وأنجد، وقام في حفل الفصاحة خطيباً يركع لإمامته ويسجد. وقد التحف الفضل برداً، وأصبح في الأدب علماً فرداً، مع خلقٍ جانبه لدن، وطبع حضرته جنة عدن. وهو إلى القلوب متحبب، وعما يسيء ويشين متجنب. وله نثرٌ ونظم، هذا تتضاءل له النجوم في أفقها، وهذا تتستر البدور حياءً منه في شفقها. فمن نظمه قوله في العروض: إن العَرُوضَ لَبَحْرٌ ... تعومُ فيه الخَواطِرْ وكلُّ منْ عام فيه ... دارتْ عليه الدَّوائرْ وبخط السيد محمد كبريت ما نصه: أنشدني إجازة لنفسِه سيدي العفيف عبد الله بن الخطيب إلياس، سلما من المكروه والباس: يا سيِّدي قُم لي ولا ... تَدَعِ الوقِيعة والعَتبْ كيْلا يُقال مُقَصِّرٌ ... فأكون فيه أنا السَّبَبْ فقلت وإن لم يبلغ الظالع شأو الضليع: لِمَ لا أقومُ لسيِّدِي ... مِن غيرِ أن أخْشَى العَتَبْ وهو الذي قامتْ له ... بثنائها عَلْيا الرُّتَبْ وقلت في المعنى، من بحر الخبب: أقُومُ على الرَّأسِ مَهْما بَدا ... جَمالُك لاجْتنابِ العَتَبْ ولِمْ لا أقومُ وأنت الذي ... لِعَلْياهُ قامتْ كِرامُ الرُّتَبْ ولبعضهم في المعنى: قِيامِي والعزيز لَدَيْكَ فَرْضٌ ... وتَرْكُ الفضلِ ما لاَ يسْتقيمُ فهل أحَدٌ له عَقْلٌ ولُبٌّ ... ومَعْرفةٌ يراك ولا يقُومُ وما ألطف قول بعضهم معتذراً عن عدم القيام: عِلَّةٌ سُمِّيَتْ ثمانين عاماً ... منَعتْني للأصدقاءِ القِيامَا فإذا عُمِّروا تمهَّد عُذْرِي ... عندهم بالذي ذكرتُ وقامَا وللشهاب المنصوري: ومَن ذهَبتْ بلُحْمتِه اللَّيالِي ... أيُمْكِنُ أن يكون له قِيامُ قيام الثوب، في كلام العامة: ما يقابل لحمته. وذكرت هنا، ما حكاه أرباب السير، عن الصاحب إسماعيل بن عباد، أنه لما كان ببغداد، قصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد لقضاء حقه، فتثاقل في القيام، وتحفز تحفزاً أراه به ضعف حركته، وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضبعه، وأقامه، وقال: نعين القاضي على حقوق إخوانه. فخجل القاضي، واعتذر إليه. وبخط السيد محمد كبريت: كتبت إلى سدته العلية، يعني الخطيب: يا أيُّها المولى الذي فاق الورَى ... بِبيَان مَنْطقِه البديعِ الزّينِ هاتِ افْتِنا في زيدٍ المخْفوضِ في ... ما قامَ إلاَّ زيدٍ المسْكِينِ فكتب مجيباً: يا مَن بِشَمْسِ عُلومه زال الكرَى ... فعَدا بمصْباحِ الهُدى كالعينِ إنِّي أقولُ جَوابُكم وبيَ الجَوى ... في فَرْدِ بَيْتٍ زان في العَيْنَيْنِ زيدٌ تُصُوِّرَ جَرُّه بإضافةٍ ... لْلآلِ وهْو العهدُ للإثْنَينِ حاكته أيادي الوداد بأنامل الإخلاص، وسبكتها في قوالب الاتحاد فما حاكتها سبائك الخلاص. إلى الحضرة التي يحق لي أن أحن إليها وأشتاق، ويليق بي أن أطير مع حمائم البطائق لأفد عليها لو أن ذلك مما يطاق. تهدلت أغصان دوحة رياسته، وتهللت جباه جلالته ونفاسته. حبٌ موثوقٌ بالعرى، وقلبٌ منبوذٌ بالعرا.

стр. 609

أأتَّخِذُ العراقَ هَوىً وداراً ... ومَن أهواهُ في أرضِ الشَّآمِ بيد أن له في سعة الفضل رجا، وفي اجتماع الشمل ما تحار فيه عقول ألي الحجى. ولا يزال يتذكر سويعاتٍ مرت ما كان أحلاها، وأويقات ليس في يده إلا أنه يتمناها. فيا ما كان أحسْنه زماناً ... ويا ما كان أطْيَبَه ويا مَا وبعد كل حالٍ فسلامة المولى هي منتهى الطلب، إذا كان في صحةٍ فما أنا إلا فيها أتقلب. غرس الدين بن محمد الخليلي إمام العصر بروضة النبي، والمقدم في حلبة البيان على رغم المخال والأبي. بلغ من الوجاهة مبلغاً تفرد فيه، وقالت له الأيام حسب أملك ويكفيه. ما شئت من جدٍ يعجز النجم عن لحاقه، وأدب لو بلغه البدر ما شين قط بمحاقه. اقتنص بشرك بديهته متمنعات الأوابد الشوارد، وفجر من بلاغته وبراعته حياضاً عذبة المناهل والموارد. وله تآليف سلك فيها الطريقة السوية، وجنح برأيه إلى أحسن الروية. وشعره إن لم يكن كقدره في أعلى الدرج، فهو من خير الأمور المأمون قائله من الحرج. فمنه قوله في مدح القهوة: دَعِ الصَّهباءَ واشرب صِرْفَ قِشْرِ ... مُشعْشَعةً تدور بكفِّ بَدْرِ وإن شئْتَ الشفا بادِر سَرِيعاً ... إلى حانٍ لها قد حان بَدْرِي فما الياقوتُ في لونٍ نَضِيرٍ ... وما لَوْنُ النُّضارِ ولونُ تِبْرِ دَعِ الفاروقَ إن رُمْتَ التَّداوِي ... وخُذْها فهْي للأسْقامِ تُبْرِي كأنَّ حَبابَها الْمَنظومَ عِقْدٌ ... من الياقوت يُجْلَى فوق نَحْرِ سأسْعَى نحوَ مَرْوَتِها أُلَبِّي ... ليصْفُو بالصَّفَا صَدْرِي ونَحْرِي نَدِمتُ نَدامةَ الكُسَعِي عليها ... لِما قد فات من أيَّامِ عُمْرِي سأُدْمِنُ شُرْبَها ما دمتُ حَيّاً ... ولا أصْغِي إلى زَيدٍ وعمرِو وأجْلُو عَيْنَ أغْيارِي وهَمِّي ... بصَافِيها سُحَيْراً قبل فَجْرِ هي الرَّاحُ المُرِيحُ لكلِّ رُوحٍ ... ولم تُمْزَج ولم تُوجَد بعَصْرِ وكلُّ مُخالفٍ فيها فإنِّي ... أُسَفِّهُ قولَه من أهلِ عَصْرِي فقُل إن قال ساقِيها المُفَدَّى ... جَباً يا مَرْحباً واشْكُرْ لشُكْرِ وخُذْها من يديْهِ في حُضورٍ ... مع السَّاقي المَليحِ بغير سُكْرِ فلا غَوْلٌ ولا تَأْثِيمَ فيها ... وليستْ مُزَّةً بل طعمَ تَمْرِ وإن غالَى المُحِبُّ وقال أشهد ... أُجِيبُ نَعم إذا ما كان تمرِي ولولا مِدْحَتِي للبُنِّ قَبْلاً ... لَعُدْتُ له بهَجْوٍ ثم هَجْرِ لِيُبْس طِباعِه وسَوادِ قلبٍ ... له فهْو الحَرِيُّ بكلِّ هُجْرِ ومن لطائفه قوله مخاطباً الوزير الأعظم مصطفى باشا، يحثه على إزالة الخصيان من المسجد النبوي: يا مصطَفى بالمصطَفى العَدْنَانِ ... وبآيِ قُرآنٍ عظيمِ الشَّانِ لا تجْعَلَنَّ على المدينةِ أسْوداً ... شيخاً على حَرَمِ النبِي العَدْنانِي وكذلك الحُبْشانُ أيضاً منهمُ ... فهُمُ همُ لا خيرَ في الحُبْشانِ بل جاء في خبَرٍ رَواه بعضُهم ... ها لفظُهُ لا خيرَ في السُّودَانِ قومٌ لهم طَبْعٌ شَدِيدٌ زَائدٌ ... لا يشْبعون من الحُطامِ الْفَانِي لولا المَخافةُ منكمُ لأتاكمُ ... شاكُونَ من هَمٍ ومن أحْزانِ وإذا أرَدْتُمْ أنَّكم تسْتيْقِنُوا ... أحْوالَهم من غيرِ ما بُهْتانِ فلْتسألوا حَنَفِي أفندي عنهمُ ... يُخْبِرْكُمُ عن خُلْسةِ الغِرْبانِ ما كلُّ ما يُدْرَى يُقالُ وأنتمُ ... أدْرَى بَطيْشِ السادةِ الخِصْيانِ يسْتنْزِلون لأَخْذِ ما قد جاءَ من ... صَدقاتِ خيرٍ للفقيرِ الْعَانِي فَيصيبُ أهل الفضلِ من صَدَقاتِكُمْ ... ما ساءَهم من أسْهُمِ الحِرْمانِ

стр. 610

فانْظُر لنا شَيْخاً نَقِيباً صَالِحاً ... مُسْتَنْزِهاً عن ذَا الحطامِ الْفانِي إن لم يَجُزْ إلا خَصِيّاً أسْوداً ... فاخْصُوا لنا شَيْخاً من البِيضانِ يا وَيْحَكم إن لم تُراعُوا حَقَّنا ... يومَ الحسابِ بحَضْرةِ الدَّيَّانِ يوماً تكونُوا مثْلَنا ما إنْ لكمْ ... في الناسِ من أمرٍ ومن سلطانِ هَذِي نصيحةُ غَرْسِكم في رَوضةٍ الْ ... هادِي إلى الإسلامِ والإيمانِ يدعُو لسُلْطانِ الورى ولمصطفَى ... سيفِ الإلهِ وعاضِدِ السلطانِ وذكر القاضي أحمد بن عيسى المرشدي، في تذكرته: ورد علينا في أثناء عام خمسٍ وأربعين وألف الشيخ الأوحد الأكمل غرس الدين المقدسي، الخطيب والإمام بالروضة المشرفة، على صاحبها الصلاة والسلام، ولو يوافه أهل مكة، فقال معرضا: علماءُ مكةَ جاوَزُوا الأفْلاَكا ... عِزَّاً وحُقَّ لهم لعَمْرِيَ ذَاكَا لولا الريِّاسةُ في رُءُوسِ نُفوسِهمْ ... كانوا وحقِّك كُلُّهم أمْلاكَا وقال أيضاً: جِيرانُ مكةَ جِيرانُ الإلهِ لِذَا ... لا يَعْبَأُون بمَن قد غاب أو حَضَرَا لولا الطَّبِيعةُ عاقَتْهم لَكان لهمإسْراءُ رُوحٍ بِسرِّ رُوحٍ بِسرِّ السِّرِّ قد ظَفِرَا فقال بعض السادة الأشراف، المتصل محتدهم الزاكي بالمغيرة عبد مناف، فخر الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السما، أكرم به نسباً ومنتمى، على طريق الجواب عن الأولين: للهِ دَرُّكَ من أديبٍ بارعٍ ... بذَكائِه ما يُعْجِزُ الإدْراكَا أحْسَنْتَ إذ أتْحَفْتنا ببَدائعٍ ... بَهَرتْ وإن جادتْ فدون مَداكَا فَجَهابِذُ البيتِ الحرامِ مُذِيعةٌ ... بِأرِيجِ مَدْحٍ من بَدِيِعِ ثَناكَا وهمُ الجَحاجِحُ والذين سَمَوْا بمَن ... خَرَم السَّما واسْتخْدم الأمْلاكَا لا غَرْوَ أن جَازُوا الأَثِيرَ بفضْلِهمْ ... وعَلَوا بحَقِّ جَوازِه الأفْلاكَا وعن الثانيين: يا مُفْلِقاً لم يزَلْ في كلِّ غامِضةٍ ... يُبْدِي بها فَلَقاً بالحقِّ قد ظَهَرَا وبَحْرَ عِلْمٍ تَحلَّى من فَرائِدِه ... جِيدُ البَلاغةِ عِقْداً يفْضَحُ الدُّرَرَا أتيْتَ حقّاً وعينُ الفضلِ شاهدةٌ ... وأنتَ إنْسانُها الرَّائِي بغير مِرَا لكنْ إليك اعتذاراً منهمُ فذَوُو الْ ... أفْضالِ يعْذِر مَن قد جاء مُعْتذِرَا لم يتركُوك لإهْمالٍ ومَنْقَصَةٍ ... لكن حَجَبْتَهم فالذنبُ منك يُرَى وأجابه أيضاً القاضي تاج الدين المالكي، بقوله: جيرانُ مكةَ غَرْس الدَّين أيْنَع في ... قُلوبِهم باسِقاً يهْدِي الهُدَى ثَمَرَا سَقَوْه من أنْهُرِ الإخْلاصِ صَافِيهَا ... فاخْضَلَّ يُطْلِع من أكْمامِها زَهَرَا ومن يكُن رَوْضُ غَرْسِ الدِّين مُهْجَتَهُ ... أسْرَى وفازَ بسِرِّ السِّرِّحين سَرَى به قد اتَّحَدُوا إذْ كان بَيْنَهمُ ... تَواصُلٌ مَعْنَوِيٌّ مِن ألَسْتُ جَرَى فحيثُ دارتْ كؤوسُ الاتِّحادِ على الْ ... أرْواحِ مَا اعْتَبَرُوا الأشْباحَ والصُّوَرَا فأجاب الغرس معتذراً: يا شَهْمَ مكةَ يا تاجَ الرُّءُوسِ بها ... يا عُنْصُرَ الفضلِ قد بَكَّتَّ مَن عَذَرَا يا حَبْرَ عِلْمٍ يزيدُ الطَّالِبين بها ... يا بَحْرَ فضلٍ به نَسْتخْرِجُ الدُّرَرَا يا رَبَّ حِذْقٍ غَدا رَبُّ البَيانِ له ... عَبْداً وألْقَى عَصا التَّسْليمِ مُفْتقِرَا يا ألْمَعِيّاً أضاءتْ من لَوامِعِهِ ... مَشارِقُ الذِّهْنِ بالذَّوْقِ الذي بَهَرَا يا لَوْذَعِيّاً بلا عِيٍ يُمازِجُه ... أعْيَى وأفْحَم كُلاً قال أو شَعَرَا

стр. 611

يا رَبَّ ظَرْفٍ ولُطْفٍ كَسَّرا خَطَأً ... أغْصانَ غَرْسِي على بُعْدِ وما شَعَرَا هل تَرْفِيَنَّ الذي أخْلَقْتَ من حُلَلِي ... أو تقْبَلَنَّ الذي يأْتِيكَ مُعْتذِرَا فأجابه القاضي بقوله: كَلَّلْتَ إكْلِيلَ تاجِي بالثَّنَا دُرَرَا ... لمَّا بعثْتَ بِعقْدِ المدحِ مُعْتذِرَا مُضمّخاً طِيبَ شُكْرٍ عَرْفُ نَفْحتهِ ... كرَوضِ غَرْسِكَ حَيَّتْه الصَّبَا سَحَرَا غَرْسٌ روَى حين رَوَّى الفضلُ مَنْبِته ... للسَّمْعِ نَوَّارُه عن طِيبهِ خَبَرَا غَرْسٌ من المَبْدإ الفَيَّاضِ قد سُقِيَتْ ... أعْراقُه فسَمَا يهْدِي الهُدَى ثَمَرَا إنِّي عَقَدْتُ وقد عَرَّضْتَ مُعْترِضاً ... لِعِرْضِ قومٍ ثناهُم لم يزَلْ عَطِرَا هذا إلى ما هُوَ الأحْرَى بنَا وبهِ ... إذا اقْتَفيْنا طريقَ القَوْمِ والأثَرَا فخِرْقَةُ الفَقْرِ إن لم يُوفِ لاَبِسُها ... بشَرْطِها نَبَذَتْه كاسِياً بِعَرَا عَوْداً لبَدْءٍ فمِمَّ الاعْتذارُ ولم ... تُقِرَّ إذْ قلتَ بَكَّتَّ الذي عَذَرَا وقلتَ في حَقِّ مَن جَازَى وعَرَّض لم ... يشعُروا أغْصانُ غَرْسِي مُخطِياً كَسَرَا قد حَصْحَصَ الحقُّ فاعلمْ أنَّما كُسِرتْ ... أغْصانُ غَرْسِ الذي أخْطَا وما شَعَرَا أقْرِرْ بذنْبِك ثم اطْلُبْ تَجاوُزَهمْ ... عنه فَجحْدُكَ ذنبٌ غيرَ ما غَبَرَا قضى بما جَرَتِ الأقْلامُ منك بما ... جَرَى به القلمُ المَحْتومُ حين جَرَى يَكْبُو الجَوادُ ومَن يَعْثرْ يُقَلْ كَرَماً ... فنسألُ اللهَ غُفْرانَاً لمن عَثَرَا وقال المرشدي أيضاً: كان غرس الدين كتب إلى مولانا القاضي تاج الدين أبياتاً، ذكرني فيها مجرداً عن الناصب والجازم، بأن قال: وأحمدُ المُرْشِدِي في ذاك قد حَضَرا ثم اعتذر مني، فكتبت إليه ستة أبيات، وأردت أكملها، فأكملها السيد أحمد بن مسعود ستةً أخرى، وبعثها إليه، وهي: غَرَسْنا لغَرْسِ الدين في قلبنا الوُدَّا ... فأطْلَع من أكْمامِ أفواهِنا الوَرْدا فعطَّر لمَّا أن جَنَتْه يدُ الوَفَا ... وضَاعَ فأذْكَى عَرْفُه العَنْبَرَ الوَرْدَا سَقَيْناه من عَذْبِ التَّصافِي زُلالَه ... وما كَدَّرتْ مِنَّا له جَفْوَةٌ وُدَّا رعَى اللهُ مَن يَرْعَى أخاه إذا هَفَا ... ويوُسِعُه مِن أن يُقابِلَه حَمْدَا وذلك غَرْسُ الدِّين لا زال بَاسِقاً ... برَوْضةِ مَن يسْقِي غَرائِسَهُ المَيْدَا ويذكُر عَهْداً أحْكَمَتْ في قُلوبِنَا ... أَوَاخِيه أيْدِي الوُدِّ أكْرِمْ به عَهْدَا إمامٌ سَمَا فوق السِّماكِ بأَخْمَصٍ ... وجاوَزه حتى شَئَا الأيْنَ والحَدَّا وناظِمُ أشْتاتِ العلومِ بنَثْرِه ... فيَنْظِمه في جِيدِ أهلِ الحِجَى عِقْدَا وكاشِفُ ليلِ الجَهْلِ من صُبْحِ عِلْمِه ... بشمسٍ فتكْسُوه أشِعَّتُها بُرْدَا أتيْتَ بفَضْلٍ فاسْتحقَّيْتَ شاهداً ... لأحمدَ فاسْتَوْلَيْتَ عنِّي به مجدَا وأظْهَرْتَ بالإفْضالِ ما كنت مُضْمِراً ... فكنتَ به أحْرَى وكنتَ به أجْدَى ولا عَجَبٌ سَبْقُ الجِيادِ لأنها ... مُعَوَّدةٌ بالسَّبْقِ إن كُلِّفَتْ شَدَّا فأجابهما بقوله: أقول وقد غَلَّبْتُ خيرَكما جَدَّا ... وقاعدةُ التغْليبِ معروفةٌ جِدَّا حَمَدْتُ إلهي أن غَرَسْتَ لنا الوُدَّا ... أيا أحْمدُ السَّامِي سِمَاكَ السَّما حَمْدَا فأيْنَعَ غَرْسِي بعد ما كان ذَاوِياً ... وأطْلَع عن أكْمامِه الزَّهْرَ والوَرْدَا

стр. 612

وإن دامتِ السُّقْيا له مِن وِصالِكُمْ ... سيُثْمِر في رَوضِ الرَّسولِ لكم وُدَّا هنيئاً لغَرْسٍ صار أحمدُ ساقياً ... له من عُيونِ الوُدِّ كأسَ الصَّفا وِرْدَا فظَلَّ يُراعِي عَهْدَه في مَغِيبهِ ... ويبْنِي له في بيتِ مَحْتِدِه عِقْدَا وذكَّره عَهْداً أَواخِيه أَحْكمتْ ... يَدُ الوُدِّ في أرْواحِنا العَقْدَ والشَّدَّا فعُذْراً لأنِّي قادمٌ وتَراهُمُ ... يقُولون في الأمْثالِ والحقُّ لا يُعْدَى لِكلِّ غَرِيبٍ قادِمٍ دَهْشَةُ اللِّقا ... بها يَدْرَأُ الحُذَّاقُ عن رَبِّها الحَدَّا وهَبْنا تَجاوَزْنَا الحدودَ ألَسْتُمُ ... تُقِيلون مَن أخْطَا ومَن قد جَنَى عَمْدَا إذا لم تكونُوا هكذا فتخلّقُوا ... بأخْلاقِ مَوْلىً يملِك الغَيَّ والرُشْدَا لَعَمْرِيَ لو كنتُ البليغَ خِطابُهُ ... وأخْطَبَ مِن قُسِّ الإِيادِيِّ مَن عُدَّا ورُمْتُ بأن أُحْصِي فضائل أحْمَدٍ ... لما اسْتوْعبتْ نفسِي فضائِلَه عَدَّا هو ابنُ الرَّسولِ المُصْطَفى وذَوِي الصَّفَابني حَسَنِ الحُسْنَى الذين سَمَوْا مَجْدَا لهم حُرْمةٌ يَعْنُو لها كلُّ مُسْلمٍ ... بها أخَذ المولى عليْنا لهم عَهْدَا فللهِ آدابٌ بغيرِ تَطبُّعٍ ... ولكنّ مِن سِرِّ الرَّسولِ بها مُدَّا وأدَّبني ربي له منه قِسْمَةٌ ... بفَرْضٍ وبالتَّعْصِيبِ من إرْثِه مدَّا وللهِ شِعْرٌ جاوَز الشعر رِقَّةً ... وجاوَز للشِّعْرَى العَبُورِ بما أبْدَى ولا عَجَبٌ من ذاك عندي ورَبُّه ... بعِزَّتِه قد جاوَز الأيْنَ والحَدَّا وناظمُ عِقْدِ المَكْرُماتِ بكفِّه ... وينْثُره جُوداً فيُحْيِي به فَقْدَا وقد كان منك الفضلُ قِدْماً ومَقْدَماً ... بسابِقةٍ تسْتوجِب السَّعْيَ والوُدَّا فأظْهَرْتُ بالأبْياتِ ما كان مُدْغَماً ... ويمَّمْتُ بالإخْفاء بيتاً حَوَى عَوْدَا فشِمْتُ به تاجاً على الرأسِ مُشْرِقاً ... فعانَقْتُه حُبّاً وهِمْتُ به وجْدَا وداخَلنِي منه حَياءٌ ودَهشَةٌ ... لِمَا كان من وَهمٍ فأوْرَثنا حِقْدَا وقابلْتُه بالرُّحْبِ والبِشْرِ فَرْحَةً ... ولم نَرَ منه حين حان اللِّقَا صَدَّا ولا عَجَبٌ سَبْقُ الجِادِ فإنها ... مُعَوِّدةٌ بالسَّبْقِ ما كُلِّفَتْ شَدَّا ولَسْتُ بحمِصيٍ كما قال باهِتٌ ... ولكنْ خَلِيليٌّ اسْتَهْدَى وجَدِّي من الآباءِ فيما رُوِى أبو ... سعيدٍ هو الخُدْرِيُّ أكْرِمْ به جَدَّا وذاك من الأنصارِ أنْصارِ جَدِّكُمْ ... رسولٌ به نِلْنَا عُلاَ الجَدِّ والجِدَّا عليه صلاةُ اللهِ ثم سلامُه ... وآلٍ وصَحْبٍ والمُحِبُّ لهم جِدَّا أَجِدِّكَ هذا القَدْحُ فيمَن يُحِبُّكمْ ... ويَحْمَدُكم مَدْحاً ويمْدَحُكم حَمْدَا وما أصْلَتتْ كَفَّاكَ يا مُصْلِتاً على الْ ... أعادِي سَيْفاً بَاتِراً ماضِياً حَدَّا فحسْبيَ عِلْمُ اللهِ واللهُ عُدَّتِيوذِمَّةُ خَيْرِ الرُّسْلِ تكْفِي مَن اسْتَعْدَى ومن شعره قوله، من أبيات كتبها في صدر رسالة، إلى يوسف العسيلي القدسي: يا مَن إليه تشَوُّقِي وتَشَوُّقِي ... قلبي يُحَدِّثني بأنَّك مُتْلِفِي هل قد عَرفْتَ بأنَّني لك مُصْطَفٍ ... رُوحِي فِداكَ عَرَفْتَ أم لم تَعْرِفِ ولقد أقول لِلاَئِمي في حُبِّكمْ ... أيُلامُ مَن يهْوَى الجمالَ اليُوسُفِي

стр. 613

إن جئْتني مِصْراً فقد أسعَفْتَني ... يا خَيْبَةَ المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ ما حَبَّني بالصِّدقِ شَخْصٌ غيرَكم ... حَقّاً وكيف يُحِبُّ مَن لم يَعْرِفِ أوْفُوا لوَعدِي سُرْعةً من فضلِكمْ ... كَرَماً فإنِّي ذلك الخِلُّ الوَفِي لو قد وَهبْتُ مُبَشِّرِي بقُدومِكمْ ... رُوحِي وحَقِّ جَمالكم لم أُنْصِفِ ولقد كَلِفْتُ بحُبِّ أصْلِكمُ لِذا ... كَلَفي بكم خُلُقٌ بغيرِ تَكَلُّفِ ومن مقطعاته قوله: مَن يطلُبِ الإنْصافَ في عصرِنا ... فذاك من حُمْقٍ به مُنْكَشِفْ كيف وعَيْنُ الشرْعِ مَقْلُوعَة ... وشَمْسُه في أُفْقِه تَنْكَسِفْ مثله لعبد البر الفيومي: مَن رَام في ذا العصرِ إنْصافَهُ ... والشَّرْع من حُكَّامِه لم يُصِبْ قُضَاتُه قد قلَعُوا عَيْنَه ... فشَرُّهم من نَقْصِهم مُنْتصِبْ وقوله: إذا رأيتَ وَلِيّاً ... مُغْرىً بِحرْصٍ وبُخْلِ فليس ذاك وَلِيّاً ... للرَّبِّ بل عَبْدُ جَهْلِ وقوله: إني لأَعْجَبُ مِمَّا ... صار الزَّمانُ إلَيْهِ إذْ ما بكيْتُ لدهرٍ ... إلاَّ بكيْتُ عَليْهِ هذا كالاختصار لقول ابن المعتز: عَجَباً للزَّمانِ في حَالتَيْهِ ... وبَلاءٍ دُفِعْتُ منه إلَيْهِ رُبَّ يَوْمٍ بَكيْتُ منه فلمَّا ... صِرْتُ في غيرهِ بَكَيْتُ علَيْهِ السيد محمد بن عبد الله الهشير بكبريت مفرد قائمٌ بجمع، وله خبرٌ حلية فمٍ وسمع. أكثر من الرحلة والانتقال، وتحمل بنحلة أهل الحال الأعباء الثقال. طالباً نشيدة حقٍ يعقلها، وصيقلاً يفتح عن مرآته الصدئة ويصقلها. ثم رجع إلى وطنه واقام بها معتزلا، وقد تبوأ من رياسة العلم محلاً ومنزلا. وألف تآليف أحسن فيها ما شا، وأتى فيها من الغرائب بما مازج سلافة طربٍ وانتشا. فتنبه له حزبٌ رموه بشرر الانتقاد، وزعموا أنه قد أساء الاعتقاد. ونسبوا إليه كلماتٍ هو من اعتقاد ظاهرها بري، وأنا ما أتحققه إلا من كل سوءٍ عري. ومثل هذا فيه لا يقدح، فما زالت الأشراف تهجى وتمدح. وداعية ذلك ما قاله ابن معصوم، من أنه لم يكن له في سائر العلوم، رسوخ قدم معلوم. قال: وأخبرني الوالد بسماعه عنه، أن أستاذه خالف في تعليمه النظام، فنقله من الأجرومية إلى الكشاف، وأبدله النشاف من الارتشاف. انتهى. قلت: وهو في الأدب ممن سلم له أهله، وله شعرٌ يعرف منه منطبع القول وسهله. فمنه قوله: هَبُوا أنَّ ذاك الحسنَ عَنِّي مُحَجَّبٌ ... أليس بِرَيَّاهُ سَرَتْ نَسْمةُ الصَّبَا إذا رُمْتَ أن تُبْدِي مَصُوناتِ خِدْرِهِ ... فحدِّثْ بذاك الحيِّ عن ذلك الخِبَا وقوله: أرى مُطالَعَتي في الكُتْبِ ما نفَعتْ ... لعل وجهَك يُغْنِينِي عن الكُتُبِ فمن رأَى وَجْهَك الباهِي وطَلْعتَهُ ... فإنَّه في غِنىً عن كلٍ مُكْتَتَبِ وقوله: وإذا جلستَ إلى الرجالِ وأشْرقتْ ... في جَوِّ باطِنك المَعاني الشُّرَّدُ فاحْذَرْ مُناظَرةَ الجَهُولِ فرُبما ... تَغْتاظُ أنت ويسْتفيد فيحسُدُ وقوله مضمنا: ما لي ولِلْمَجْدِ والأيَّامُ عابِسةٌ ... والخَطُّ طُولَ الدهرِ في عَتَبِ ما أصْعَب الشَّيْءَ تَرْجُوه فَتُحْرَمُه ... لاسِيَّما بعد طولِ الجُهْدِ والتَّعَبِ وقوله: يُنازِعني شَوْقِي إلى الهنْدِ تارةً ... وأُخْرَى لأرْضِ الرُّومِ والشَّوْقُ لا يُجْدِي وما الهندُ من قَصْدِي ولكنْ بِسُوحِها ... رأَى قَصدَه فيها الفؤادُ من الوَجْدِ وقوله: يا مَن يُؤمِّل راحةً من دهرهِ ... صَبْراً على ما رُمْتَ من أمْرٍ عَسِرْ فكُنِ اسْمَ فعلٍ لا يُؤثِّر عامِلٌ ... فيه وإلاَّ فالضَّمِيرَ المُسْتترْ وقوله: يا لائِمي في حُبِّ مَنْ ... عَزَّتْ عليَّ رُبُوعُهُ

стр. 614

خَفِّضْ عليك وخَلِّنِي ... أحْلَى الهوَى مَمْنُوعُهُ وقوله: كم من يَدٍ قبَّلْتُها ... ولو اسْتطعْتُ قَطَْعتُها وَكم من يدٍ قبَّلْتُها لِتَقِيَّةٍ ... وكان مُرادِي قَطْعَها لو أُمَكَّنُ وقوله مضمناً: يا من يقول بأنَّ طَع ... مَ لَمَى الحَبائِبِ لم يَرُقْ وغَدا يُعنِّف في الهوى ... دَع عنك تَعنِيفي وذُقْ وقوله، مورياً في المولى عشاقي: قد قلتُ للمجدِ مَن تَهوى تُواصِلُه ... فكلُّنا لك ذو وَجدٍ وأشْواقِ فقال لي بِلسانٍ غيرِ مُعتذِرٍ ... لا أشْتَهِي أن أُوافى غير عُشَّاقِي وقوله: ليست على الحُرِّ الكريمِ مَشَقَّةٌ ... بأضَرّ من أن لا يَرَى أمثالَهُ ذاك الغريبُ وإن يكُنْ في أهلِه ... وَارَحْمتاهُ له لِمَا قد نَالَهُ وقوله مَن قال لا في حاجةٍ ... مَطلوبةٍ فما ظَلَمْ وإنما الظالمُ مَن ... يقول لاَ بعد نَعَمْ وأنشد لنفسه في رحلته مضمنا: فارقْتُ مكةَ والأشواقُ تجْذِبُنِي ... لها ويمَّمْتُ طه مَعْدِنَ الكَرَمِ فهل دَرَى البَيْتُ أنِّي بعد فُرْقَتِه ... ما سِرْتُ من حَرَمٍ إلاَّ إلى حَرَمِ وسبقه إليه العمادي، في قوله: فارقتُ طَيْبةَ مَشغُوفاً بطَيِّبِها ... وجئتُ مكةَ في وَجْدٍ وفي ألَمِ فهل درَى البيتُ أنِّي بعدَ رُؤْيتِه ... ما سِرْتُ من حَرَمٍ إلاَّ إلى حَرَمِ وله يفتخر: نشأتُ بفضلِ اللهِ في ظِلِّ دَوْحَةٍ ... سَمَتْ بنَبيٍ كنتُ من بعضِ عِتْرَتِهْ فإن شئْتُ في سَفْحِ العَوالِي وإن أشَا ... بدارِ الذي طابتْ وطالَتْ بِهْجْرتِهْ فهاتيكَ دارٌ للحبيبِ وهذه ... بها مَنْزَهِي يا صاحِ من حل حُجْرَتِهْ وقال في تفضيل العالية: أراك تُغالِي في العَوالِي وفي قُبَا ... وأنت على وَهْمِ الخيالِ تُعَوِّلُ إلى كَمْ تُرَى تَهْوَى الذي أنت سائرٌ ... إلى غيرهِ إذْ أنت عنه تحوَّلُ فكُن سائراً في لاَ مُقامَ فإنما ... تَقلَّب في شَأْنٍ لشَأْنٍ وتَرْحَلُ العالية: أرضٌ ذات رياض فائقة. قال في الوفا: هي من المدينة ما كان في جهة قبلتها من قباء وغيرها، على ميل فأكثر، وأقصاها عمارة على ثلاثة أميال وأربعة إلى ثمانية أو ستة، على الخلاف في ذلك. اننتهى. ووجه التسمية جلي؛ لأن السيول تنحدر من تلك النواحي العالية، إلى سوافل المدينة، فعلى ذلك يقال: نزلنا من العوالي إلى المدينة، وطلعنا إلى العوالي. وله في مدحها قطعٌ كثيرة غير هذه، فمنها قوله: فَضْلُ العَوالِي بَيِّنٌ ولأهْلِها ... فضلٌ قديمٌ نُورُه يَتهلَّلُ مَن لم يقُل إنَّ الفضيلةَ طَنَّبَتْ ... أرْضَ العَوالِي وهْو حَقٌّ يُقْبَلُ إنِّي قَضَيْتُ بفضْلِها وأقولُ في ... وَادِي قبَا الفضلُ الذي لا يُجْهَلُ وقوله: إذا كنتُ في أرضِ العَوالِي تشوَّفَتْ ... لأرضِ قُبَا نَفْسِي وفيها المُؤمَّلُ ولو كنتُ فيها قالت النفسُ ليت لي ... بأرض العَوالي يا خليلِيَ مَنْزِلُ فيا ليتَ أنِّي كنتُ شَخْصيْن فيهما ... وما ليْتَ في التَّحْقِيق إلاَّ تَعَلُّلُ وله من أبيات، قالها بالروم، يتشوق إلى معاهده: ما أطْيَبَ الأيامَ فيها تَنْقضِي ... والعَيْنُ قد قرَّتْ بوصلِ حَبِيبهَا ما العيشُ إلاَّ في حِمَاهَا ليت لي ... مَأْوىً ولو في سَفْحِها ورَحِيبهَا وله في الشام: وما الشَّام إلاَّ في البلادِ كشَامَةٍ ... وأقْمارُ وَادِيه الشَّمِيم تِمامُ فحَيَّى مُحيَّاها الإلهُ وزَانَه ... ولا زالَ بَرْقُ الحُسْنِ فيه يُشَامُ ومن روائعه قوله: الحمدُ للهِ على ما أرَى ... من ضَيْعَتِي ما بين هذا الوَرَى

стр. 615

صَيَّرني الدهرُ إلى حالةٍ ... يَرْثِي لها الشَّامِتُ مِمَّا يَرَى بُدِّلْتُ من بعد الرَّخَا شِدَّةً ... وبعد خُبْزِ البيتِ خُبْزَ الشِّرَا وبعد سُكْنَى منزلٍ مُبْهجٍ ... سكنْتُ بيْتاً من بيوتِ الكِرَا ولو تحقَّقتُ الذي نالَنِي ... لارْتفَع الشَّكُّ وزَال المِرَا أحمد بن عبد الله بن أبي اللطف البري البر الوصول، الزاكي الفروع والأصول. إذا قام على أريكة منبر، شهد ببلاغته العالم من فاجر ومن بر. فلو رآه سحبان لا ستحيى من أن يقول أما بعد، أو سمع ابن نباتة خطبه قال: هذا سعدٌ لم ينله بنو سعد. مع خطٍ يحسن ويروق، ولفظٍ تومض في حبره للمعنى الأصيل بروق. وهو عالي الإسناد ولا نظير له في العوالي، وأدبه مما تحلت به العصر القريبة وخلت عن مثله العصر الخوالي. وقد أوردت من شعره ما يتأرج في الآفاق شذىً طيبه، وتجتلى في ذروة الثناء بلاغة خطيبه. فمنه قوله من قصيدة أولها: قامتْ تُرِيكَ البدر إذ تخْطُرُ ... عَذْراءُ مَن هام بها يُعْذَرُ بديعةُ الأوصافِ عُذْرِيَّةٌ ... يَغار منها الظَّبْيُ والجُؤْذُرُ أَخالُ ذاك الخال في خَدِّها ... فَتِيتَ مِسْكٍ شَابهُ عَنْبَرُ إذا تبدَّتْ وَدَّ بدرُ الدُّجَى ... لو كان بالسُّحْبِ إذاً يُسْتَرُ عادت بها أعْيادُ عَصْرِ الصِّبا ... عَصْراً به تَفْتخرُ الأعْصُرُ أيَّامَ كان الأُنْسُ في قَبْضتِي ... يُصْغِي لما أنْهَى وما آمُرُ وكنتُ في اللَّذَّاتِ مُسْتَرْسِلاً ... والعَيْشُ غَضٌّ غُصْنُه أخْضَرُ أجُرُّ ذَيْلَ اللَّهْوِ لا أرْعَوِي ... ظَنّاً بأن الغُصْنَ لا يُهْصَرُ فلم أُفِقْ مذ كنتُ في عشْقتِي ... إنِّي على العُرْف بها المُنْكَرُ حتى أناخَ الشَّيْبُ في لِمَّتِي ... والشيبُ ضيفُ صار يُسْتَنْكَرُ فقلتُ للنفسِ أَلا فارْعَوِي ... فقد أنَاخَ الصَّارِخُ المُنْذِرُ وكان القاضي تاج الدين المالكي، توجه إلى المدينة، في سنة أربع وخمسين وألف، فمدح أهلها بهذه الأبيات: يا ساكِني طَيْبةَ فَخْراً فقدْ ... طابتْ فروعٌ منكمُ والأصولْ وآيةُ الأنْصارِ فيكم سَرَتْ ... كأنما المقصودُ منها الشُّمُولْ تُصْفُونَ مَحْضَ الوُدِّ مَن جاءكم ... فما عسى مادحُكم أن يقولْ ولْيَهْنِكُمْ ما قد خُصِصْتُم به ... فيا لَها خصيصة لا تزُولْ جاوَرْتُمُ المختارَ خيرَ الورَى ... وفُزْتُمُ في سُوحِه بالحُلولْ فأجابه البري بقوله: أعْظِم بأهل الركْنِ مِن سادةٍ ... في مَوْقِع العَلْياءِ جَرُّوا الذُّيولْ جِيرانِ بيتِ اللهِ مَن قَدْرُهمْ ... تَحارُ في دَرْك مَداه العُقولْ بمكَّة حَلُّوا فحَلَّوا بها ... جِيدَ المَعالِي حِلْيَةً لا تزُولْ مَن مثْلُهم والفضلُ حقّاً لهم ... ومنهمُ التاجُ إمامُ النُّقول رئيسُ هذا العصرِ مِن جِلَّةٍ ... سَمادِعٍ غُرٍ كِرامٍ فحُولْ أخْلاقُه كالرَّوْضِ مِن لُطْفِها ... ولُطْفُها تخجلُ منه الشَّمُولْ أكْرِمْ به إذْ قال مِن أجْلِنا ... طابتْ فروعٌ منكمُ والأُصولْ وآيةُ الأنْصارِ فيكم سَرَتْ ... لكنَّني بالإذْنِ منكم أقولْ يا نُخْبةَ الأنْصارِ منكُم لنا ... حتى شهِدْتُم وَصْفكُم لا يحُولْ وأنتمُ جِيرانُ ذاك الحِمَى ... والآن أنْتُمْ في جِوارِ الرَّسولْ جمعتُمُ فضلاً إلى فَضْلِكمْ ... فَسُدْتُمُ الناسَ وحَقّ المَقولْ فاللهُ ربُ العرشِ سبحانه ... يُولِيكمُ الحُسْنَى وحُسْنَ القَبُولْ

стр. 616

حتى تُوافُوا القَصْدَ في نِعْمةٍ ... تَتْرَى وعمرٍ في سُرورٍ يَطُولْ ودولةُ الأفْضالِ تَسْمُو بكمْ ... وتَزْدِهِي طَوْراً وطَوْراً تصُولْ ما غَرَّدت وَرقاءُ في روضةٍ ... غَنَّا وغنَّت حين طاب الدُّخولْ ومن لطيف ما وقع له مع القاضي تاج الدين المذكور، أنه رأى في المنام في العام المذكور، الذي زار فيه تاج الدين، كأنه في مجلس درسه بالروضة الشريفة، وإذا بالتاج داخل من باب السلام، وهو قاصدٌ الحضرة النبوية، فلما قضى الوطر من التحية والزيارة، جاء إلى المجلس وقعد، فأنشد البري بيتين بديهاً، وهما: أمَوْلايَ تاجَ الدِّين لا زِلْتَ ذا عُلاً ... على الْهامِ والأوْهامُ ليست لِذٍي فِطَنْ إذا كُنتُمُ في مجلسٍ كان أهلُه ... بأجْمَعِهم خُرْساً وأنت لك اللَّسَنْ ثم انتبه وقد حفظهما، ثم لم تكن إلا نحو عشرة أيام من هذه الرؤيا، حتى وصل التاج، وكان دخوله المسجد الشريف من باب السلام، والبري في مجلس درسه، على الصفة التي كانت في الرؤيا. ثم لم يلبث أن جاء إلى المجلس، فتلقاه، وجلس في الموضع الذي جلس فيه، وأشار باستمرار القراءة، فأنشده البري البيتين، ثم أخبره بالرؤيا، فقضى العجب، واستبشر، ثم بعد قيامه من المجلس أنشده معتذرا ومتشكرا: لئن كان قَدْرِي مِثْلَما قلتَ عندما ... تَواضَعْتَ إذ أطْبَقْت كُتْبَكَ في الْوَسَنْ فقد صحَّ بالأحْرَى اتِّصافُك بالذي ... وَصَفْتَ به المملوكَ من ظَنِّكَ الْحَسَنْ لأني وإن أحْرَزْتُ ذلك إنني ... لَدَيْك أخو صَمْتٍ وأنت لَكَ اللَّسَنْ إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري هو للفضل خليل، ومقامه كمقام أبيه جليل. فهما من خيار الخيار، وبهما باهت مدينة النبي المختار. وكان أبوه سقى الله عهده، ووطأ في الفردوس مهده، علم علمٍ وفضل، وموطن رأيٍ أسد وقولٍ فصل. فلم يختر دار القرار، حتى وافاه توفية الصلحاء الأبرار. فطلع في جبهة الدهر غرة، يملأ عين بني الفضل قرة. وقعد مقعده بين كتاب الله يتلى، وحديث رسوله يروى. تؤثره الرتب على غيره، وتتباهى المعالي بحسن سيره. ونظراءه بنباهته تعترف، وكأنه بحرٌ منه الألباب تغترف. ثم عند لأمرٍ دعاه إلى الرحلة، فشد إلى جهة الروم رحله. ولا مطمح إلا منةٌ من الله تصوب، وعنايةٌ يسترد بها حق مغصوب. فورد دمشق، وأقام بها قليلا، ثم دخل الروم فنال بها حظاً جليلا. وأدرك أمانيه على العجل، وبرىء الدهر عنده مما كان فيه من الوجل. ثم قدم دمشق فهوت إليه القلوب مقبسةً من سناه، وتنافست الألسنة في إحراز مدحه وثناه. وكنت ممن أسرع إليه، وأوقفت أملي في الاستفادة عليه. فلزمته لزوم الظل للشبح، وأخذت عنه طرفاً من الطرف والسبح. سمعت القول الذاهب مذهب الطيف الوارد، وذقت الأرى الذائب خلال الجامد، من برد المفتر البارد. ثم رحل على مصر إلى دياره، وألقى بها بعد هنيئةٍ عصا تسياره. في حظٍ قد اكتمل، واطلاعٍ على أخاير الذخائر اشتمل. لكنه لم يستدرك ما فاته، حتى قدر الله تعالى وفاته. فلا برحت سحب الرحمة تحيي قبره وتجوده، حتى تتروى من ثراه تهائمه ونجوده. وقد أثبت من شعره بدائع تقتنى، وروائع بها على حسن الأسلوب يعتنى. فمن ذلك قوله من قصيدة، أولها: زارتْ على غَفْلةٍ من غيرِ مِيعادِ ... جَيْداءُ تسحبُ تِيهاً خيرَ أبْرَادِ كالشمسِ إن وضَحتْ والبدرِ إن لَمَحَتْ ... والوَرْدِ إن سمَحتْ في خَدِّها نَادِي حَوْراءُ ما حلَّلتْ لي نَظْرةً حَرُمَتْ ... لكنْ أذابتْ بَحرِّ الهَجْرِ أكْبادِي يا وَيْحَ قلبي بها كم ذاق مِن حُرَقٍ ... حتى لقد شَيَّبَتْ بالْبُعْدِ أفْوادِي أبْكِي وأكتُم دمعي كاتماً لأَسىً ... نِيرانُه في الْحَشَا آلَتْ لإِيقَادِ يا صاحِبَيَّ إذا ما رُمْتُما سَكَنِي ... عُوجَا قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوَادِي أو رُمْتُما شَرْحَ حالِي في الهَوى فلقد ... غُذِيتُ دَرَّ الهوى من قبْل مِيلادِي

стр. 617

وصَادِحُ الْبَيْنِ إن يَخْفَى فلا عَجَبٌ ... صَوادِحُ البَيْنِ وَهْناً شَجْوُها بَادِي يا ضَرَّةَ الشمسِ يا مَن لا شَبِيه لها ... حُبِّيكِ أعْذَبُ من عَذْبٍ إلى صَادِي فإن يكنْ عَزَّ وَصْلٌ أو بَخِلْتِ به ... فعَلِلينا ولو طَيْفاً بِمِيعادِ وقوله، مشطراً ومعجزاً قصيدة البهاء زهير، المنسوبة لابن الفارض: غيرِي على السُّلْوانِ قادِرْ ... إن رام هِجْرانَ الْجَآذِرْ وأنَا الْوَفِيُّ بعَهْدِهِ ... وسِوايَ في العُشَّاقِ غَادِرْ لي في الغَرامِ سَرِيرةٌ ... أكْنَنْتُها وَسْطَ الضَّمائِرْ ومحبّةٌ أسْررتُها ... واللهُ أعلم بالسرائِرْ ومُشَبّهٍ بالغُصْنِ قَلَّ ... تَصَبُّرِي إذْ قيلَ نَافِرْ قَدِّي وقلبُك في الهوى ... بِي لا يزالُ عليه طائِرْ حُلْوُ الحديثِ وإنها ... لَمَحاسِنٌ تَسْبِي النَّواظِرْ حالٍ يَمُرُّوإنها ... لَحَلاوةٌ شَقَّتْ مَرائِرْ أشْكُو وأشكُر فِعْلَهُ ... بُعْداً ولَمَّا يَدْنُ زَائِرْ حالان لي أرْضاهُما ... فاعْجَبْ لشاكٍ منه شاكرْ لا تُنْكرِوا خَفَقانَ قَلْ ... بي إن بَدَا بدرُ الدَّاجِرْ كَلاَّ ولا تشْتِيتَ لُبِّ ... ي والحبيبُ لَدَيَّ حاضِرْ ما القلبُ إلاّ دارَهُ ... فلذاك بالأشواقِ عامِرْ ورُبُوعُه فلأجلِ ذا ... ضُرِبتْ له فيها البَشائِرْ يا تاركِي في حُبِّه ... كهلالِ شَكٍ في المَناظِرْ ومُصيِّري بين الورَى ... مَثَلاً من الأمثالِ سائِرْ أبَداً حديثِي ليس بالْ ... مَتْرُوكِ عند ذَوِي البصَائِرْ كَلاَّ وشَرْعِي ليس بالْ ... مَنْسوخِ إلاَّ في الدفاتِرْ يا ليلُ مالَك آخِرٌ ... فتظَلُّ تَرْقُبْه النَّواظِرْ لا فيك وَصْلُ مُعَذِّبِي ... يُرْجَى ولا للشوقِ آخِرْ يا ليلُ طُلْ يا شَوْقُ دُمْ ... إنِّي إلى المحبوبِ سائِرْ يا ليلُ أقْصِرْ أو فطُلْ ... إنِّي على الحاليْن صابِرْ لي فيك أجْرُ مُجاهدٍ ... أضْحَى لجيشِ الحبِّ ناصِرْ وثوابُ غازٍ فاتِكٍ ... إنْ صَحَّ أنَّ الليلَ كافِرْ طَرْفِي وطَرْفُ النَّجْمِ في ... بَاهِي جمالِك ظَلَّ حائِرْ والقلبُ والعَيْنانِ في ... كَ كِلاهُما سَاهٍ وساهِرْ يَهْنِيك بَدْرُك حاضرٌ ... مَالَتْ لبَهْجتِه الخَواطِرْ قد لاح بَدْرُك مُشْرِقاً ... يا ليتَ بَدْرِي كان حَاضِرْ حتى يَبيِن لناظرِي ... مَن منهما بَاهٍ وبَاهِرْ ويشيعَ بين مَعاشِرِي ... مَن منهما زَاهٍ وزاهِرْ بَدْرِي أرقُّ محاسِناً ... إذْ حُسْنُه للعقلِ سَاحِرْ كالليلِ أرْسَلَ شَعْرَه ... والفَرْقُ مثل الصبح ظاهِرْ ملكَ الجمالَ بأسْرِهِ ... كُلُّ المِلاحِ له عَساكِرْ سلطانُ حُسْنٍ قد سَما ... بحُسام ألْحاظٍ فَواتِرْ لا السُّمْرُ تَذْكَر عِنْدَها ... كَلاَّ ولا البِيضُ البَواتِرْ قد نُفِّذتْ بين الوَرى ... منه النَّواهِي والأوَامِرْ ما مَخْلَصٌ من فَتْكِهِ ... بظُبَا اللَّواحِظِ والنَّواظِر إلاّ امْتداحَ مُحَمَّدٍ ... خيرِ الأوائلِ والأواخِر وله مشطراً ومعجزاً نونية ابن سناء الملك: من ذا الذي مِن مُقْلَتيْه يَقِينِي ... فهي التي بسِهامِها تُصْمِينِي

стр. 618

يا مَن يظنُّ الشِّرْك في حُبِّي له ... هذا الذي أخْلَصْتُ فيه يَقيِنِي رِيمٌ له فِعْل الرُّماةِ وإنما ... يُصْمِي فؤادَ المدنَفِ المحزُونِ في القلب مَوْقِعُ سَهْمِه لكنه ... يَرمِي بقَوْسَيْ حاجبٍ وعُيونِ يَبْرى نِبالاً من فُتور لِحَاظِهِ ... ويريشُها بالهُدْبِ للتَّمْكِينِ ويُحيلُها بَارِي النُّفوس بحُكْمِهِ ... في القلبِ حَالةَ رَمْيها تَبْرِينِي يمشي فيدعوه القَضيبُ سَرَقْتَنِي ... قَدِّي فملْتَ ولا كَمَيْلِ غصُونِ وإذا بَدَا فالبدرُ قال ظَلَمْتَنِي ... وإذا رَنا قال الغَزالُ عُيُونِي ألِفُ ابنُ مُقْلَةَ في الكتابةِ قَدُّهُ ... حاشَا فَعاذِلُه سَمَا باللِّينِ والثَّغْرُ مِيمٌ كلُّنا صَادٍ له ... والصُّدْغُ مثلُ الواوِ في التَّحْسِينِ وعلى الْجَبِينِ بِشَعْرِه سِينٌ بَدَتْ ... سلَب العُقولَ بطُرَّةٍ وجَبِينِ قد أدْرَكتْ في الحُسْنِ غايتَه لذا ... حارَ ابنُ مُقْلَةَ عند تلك السِّينِ والْعَيْنُ مثلُ العَيْنِ لكنْ هذه ... نَجْلاءُ فاقتْ عيْنَ حُورِ العِينِ ولئن تبدَّتْ تلك مَن هي هذه ... كُحِلتْ بحُسْنِ وَقاحةٍ ومُجُونِ سبحان مَن خلقَ العيونَ بقَوْلِ كُنْ ... فبدَتْ لسَلْبِ نُفوسِنا في الحِيْنِ وتبادَرت أمْرَ الإله مُطِيعَةً ... فتكوَّنتْ في أحْسَنِ التَّكْوينِ سُودٌ رُقودٌ ما كُحِلْنَ ولا بها ... وَسَنٌ فَيَدْعوها لِفعْلِ سُكُونِ زُرْقٌ شُهِرْنَ وما ألَمَّ بِجَفْنِها ... نَوْمٌ ولكنْ قَصْدُها تَسْبينِي يا لَلرِّجالِ ويا لَها مِن فِتْنةٍ ... كم أَوْقَفَتْنِي في مَواقِفَ هُونِ حتى شَهِدْتُ بَديِعَ حِكْمةِ خالقٍ ... في وَضْعِ ذاك النَّقْطِ فَوْقَ النُّونِ في ثَغْرِه شُهْدٌ وتحت شِفاهِهِ ... بَرَدٌ أكادُ أُذِيبُه بأنِينِي وعلى الثَّنايا الدُّرُّ وَاشَغَفِي بها ... خَمْرٌ جَرَتْ من لُؤْلُؤٍ مَكْنُونِ كم قيل إن شِئْتَ الدُّجَى فغَدائِري ... فاقتْ على حَلَكِ اللَّيالِي الْجُونِ وإذا طلبْتَ البدرَ فانْظُر طَلْعتِي ... وإذا أرَدْتَ الصُّبْحَ فهْو جَبِينِي وإذا أرَدْتَ الرَّوْضَ فهْو بوَجْنَتِي ... مُتَنضِّدٌ مُتناسِبُ التَّكْوينِ يزْهُو بأبْيَضِه وأحْمَرِه لِذَا ... كم فيه من وَرْدٍ ومن نَسْرِينِ أنا لا أُرِيدُ تَنَزُّهاً في روضةٍ ... حازتْ جميعَ الحُسْنِ بالتَّعْيينِ بل إن بَدَا حِبِّي فحالِي أنني ... نَظَرِي إلى وَجْنَاتِه يكْفينِي لاقَيْتُه يوماً فقال أَما تَرَى ... ظَبْيَ الْفَلاَ قد زاد في التَّفْنِينِ والشَّمْسَ ظلَّتْ أن تُحاكِي فاسْتَمِعْ ... ما قد جرى منهم لقد ظَلَمُونِي طمِع الغزالُ بأن يُعارِضَ مُقْلَتِي ... حاشَا وكلاَّ أن يكون قَرِيني والغُصْنُ ظَنَّ بأن قَدِّي مِثْلُه ... والبردُ أيضاً رامَ أن يَحْكِينِي فأجَبْتُ إن فَعَلاَ فقد فُضِحا ولا ... يَصِلان منك لِظَاهِرٍ وكَمِينِ كَلاَّ فغَفْراً للذي فَعلا فلا ... يُؤْذِيك فِعْلُهما ولا يُؤْذِيني فافْتَرَّ مُبْتسِماً وأوْعَد باللِّقا ... وَهْناً فقَرَّتْ باللقاءِ عُيُونِي وثَنَى لنا عِطْفاً وجاد بوَصْلِهِ ... يوماً ولا ثِقَةً بوَعْدِ ضَنِينِ اللهُ أكبرُ مِن قَساوةِ قَلْبِه ... أنَّى يَميلُ لِمُدْنَفٍ مِسْكِينِ

стр. 619

يقْسُو فلا عَطْفٌ يُميِلُ غَصُونَهُ ... مع ما يُرَى في عِطْفِه مِن لِينِ علَّمْتُه بابَ المُضافِ تفاؤُلاً ... بوِصاله وطَمِعْتُ أن يُدْنيني فغَدَا يُعامِلني بضِدٍ مُذْ بدا ... ورَقِيبُه يُغْرِيه بالتَّنْوِينِ وله في الغزل: تَعطَّفْ بِمُضْنىً عليلِ المَقالْ ... ودَعْ عنك هذا الْجَفَا والمِطالْ أَما قد عَلِمْتَ بأني امْرُؤٌ ... أُحِبُّ الجميلَ وأهْوَى الجمالْ وأغْشَى المَغانِي إذا ما حَوَتْ ... لَطِيفَ البَنانِ حَلِيفَ الدَّلاَلْ بسَهْمِ اللِّحاظِ إذا ما رَنَا ... أصاب فؤادِيَ دُون النِّصالْ ووَرْدِيِّ خَدٍ إذا لاح لا ... هَمَى الطَّرْفُ منِّي بمثْلِ الّلآلْ ووجهٍ يُبِيدُ سَناهُ البدورَ ... إذا ما تَبدَّى بجُنْحِ اللَّيَالْ فصُبْحُ الجَبِينِ وليلُ الشُّعورِ ... بهذا الهُدَى وبهذا الضَّلاَلْ وجسمٍ حكَى الماءَ في رِقَّةٍ ... عليه من الثَّغْرِ مِثْل الظِّلالْ فخُذ ما صَفا لك مِن وُدِّهِ ... ولا تخْشَ عَاراً ولا أن يُقالْ فما كُلُّ وَقْتٍ يُبِيحُ الزَّمانُ ... لِقَدٍ عَاطِلٍ هُوَ بالحُسْنِ حَالْ ولا الدهرُ في كلِّ ساعاتِه ... يُغِيثُ الفقيرَ ببَذْلِ النَّوَالْ وإن لاح فاجْتَلِ أنْوارَهُ ... فما كلُّ يومٍ يلُوح الهِلاَلْ ولا تُمْهِلَنْ لَذَّةً أمْكَنتْ ... وباكِرْ صَبُوحَك قبَل الزَّوالْ ولهذا الشيخ ولدٌ اسمه: أحمد نبيلٌ نبيه، قائمٌ في وقتنا مقام جده وأبيه. وكنت قبل دخولي الحجاز سمعت بفضله، وبلوغه في المعالي مرتبة أصله. فسجدت لله شكراً، وما زلت أجدد له ذكراً. وأنا أشوق إليه من المحب إلى حبيبه، وأحن إليه من حنين المريض إلى طبيبه. حتى لمحته بالمدينة لمحةً كشرب الطائر الوجل، أو قبسة القابس العجل. لم تزل بها علة، ولا تروت بها غلة. وقد بلغني أنه الآن هو المشار إليه ثمة بالبنان، الحائز قصب السبق في ميدان البيان. أشرقت في سماء المجد مطالعه، ولم تتهيأ إلا لتحصيل الكمال مطامعه. فالله يعيذه من عين كماله، ويجعل أمامه مطاياه إلى آماله. ولم يبلغني له شعرٌ أنمق به الكتاب وأوشيه، وإذا بلغني لم آل من أني أذهبه به وأحشيه. إبراهيم بن محمد بن أبي الحرم فاضلٌ بلغ من المعالي مرتقاها، وله معارف تستقبلها النفوس بالقبول وتتلقاها. فمناطق الشكر له فصيحة اللسان، ومواهب الله تعالى به معهودة الإحسان. لم يزل في عيشٍ موشاةٍ حواشيه بسوابغ الكرم، وهو في ظلال حرمة نبيه آمنٌ من حرام الحرم. إلى أن انتقل إلى الدار الآخرة، فلا زالت تحيي قبره سحابة الرحمة الزاخرة. وقد أوردت له من درره ما ألف نظمه بالشذر في عنق فتاة رود، فإذ نظرت رأيت أي سوالفٍ وخدود، عنت بين اللوى فزرود. فمن ذلك قوله فيمن لبس بياضاً: لَمَّا بَدَا مُبْيَضّا ... والقلبُ مُشْتاقاً إلَيْهِ ناديتُ هذا قاتلِي ... والرَّايةُ الْبَيْضَا عليْهِ وقوله: صَادَفْتُه يجْلُو فَماً حَشْوُهُ ... شُهْدٌ ودُرٌّ وعَقِيقُ المُدامْ وقلتُ يا مولايَ هل مَشْرَبٌ ... مِن رِيقِك العَذْبِ لِحَرِّ الغَرامْ فقال جَوْرٌ منك أنت الذي ... تُدْعَى بإبراهيمَ طولَ الدَّوامْ والنارُ بَرْداً وسلاماً غَدَتْ ... عليك ماذا الحَرُّ قلتُ السَّلامْ وقوله: جاء يسْعَى إلى الصلاةِ مَلِيحٌ ... يُخْجِلُ البدرَ في لَيالِي السُّعُودِ فتمنَّيْتُ أنَّ وَجْهِيَ أرْضٌ ... حين أوْمَا بَوجْهِه للسُّجودِ قلت: ذكرت هنا ما يحكى عن بعض الظرفاء، أنه مر بغلامٍ جميل، فعثرت فرسٌ في طينٍ، أصاب وجه الغلام منه نزرٌ، فقال الظريف: " يا ليتني كنت تراباً "، فسمعه بعض المارين، فقال للغلام: ما يقول هذا؟

стр. 620

فقال: " ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ". وقال السيد محمد كبريت، في كتابه نصر من الله وفتح قريب، في معرض كلامٍ: جرت عادة الفعال لما يريد في خلقه، أن كل بلدةٍ في الغالب تكون عوناً لغريبها، حتى على ساكنها، وعلى الخصوص المدينة المنورة. وكان المرحوم العلامة الشيخ إبراهيم بن أبي الحرم يقول: ليس من الرأي تعظيم الوارد إلى هذه الدار، إلا بحسب ما يقتضيه الحال، فإنه بتعظيمه يطأ غيره، ثم يتمرد على معظمه، فيطأه كذلك، وتكون إساءته عليه أكثر، وعلى الخصوص من لفظته القرى، وألف النوال والقرى، وقد اتفق لي شيءٌ من ذلك فكتب إلي بعض أصحابي في خصوص هذا المعنى: يا أهْلَ طَيْبةَ لا زالتْ شمَائلُكم ... بلُطْفِها في الوَرى مَأْمونَة الْعَتَبِ لكنْ رِعايتُكم للغُرْبِ تحْمِلُهمْ ... على تَجاوُزِهمْ لِلْحَدِّ في الأدبِ فكان الجواب عن ذلك بلسان الحال: مَوْلايَ إنَّ صُروفَ الدهرِ قد حَكَمتْ ... وأعْوَزَتْ أن يَذِلَّ الرأسُ للذَّنَبِ كم مِن مُقَبِّلِ كَفٍ لو تمكَّن مِن ... قَطْعٍ لها كان مِمَّن فازَ بالأرَبِ الأمير أبو بكر بن علي الأحسائي أمير كلام، وصاحب نفثات أقلام. نما في منبت النجابة، ودعا الأمل فأجابه. تحرسه عينٌ من الله واقية، وتحفظه آثارٌ أبد الآباد باقية. وله علمٌ وعقل، وضبطٌ لشوارد الفنون ونقل. إلى مفخرةٍ يتوشح بردائها، ومأثرةٍ يترشح لابتدائها. وقد فاز من الأدب بأوفر حصة، وغدت سمته به صفةً مختصة. وله شعر تتأرج في روض المعارف زهراته، وتجتني من أغصان السطور ثمراته. فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الشريف زيد بن محسن: عَزَّتْ بِعِزِّ مَقامِك العَلْيَاءُ ... وعليك فَضّتْ عِقْدَها الْجَوزَاءُ فالبدرُ كأسٌ والشموسُ عُقارُها ... فاشْرَبْ بكأسٍ شمسُه الصَّهْباءُ وحَبابُها نُجُمُ السَّما فكأنَّها ... ذاتٌ وذاك بشكْلِه الأسْماءُ وأتْك بِكراً قبَل فَضِّ خِتامِها ... يقْتادُها رَاوُوقُها وذُكاءُ خضعْت لعِزِّك فاسْتقِمْ في عَرْشِها ... يا ظاهراً لا يعْتريِه خَفاءُ وانْصُبْ لِوَاءَ الحمد مُنْتَشِرَ الثَّنَا ... قد ضُوِّعتْ بعَبِيرِه الأرْجاءُ يسْعَى بظلِّ أمَانِهِ بين الورَى ... ذُو البَأْسِ والأمْجادُ والضُّعَفاءُ فالدهرُ سَيْفُك فاتَّخِذْه مُجَرّداً ... مُتوشّحاً بالنصرِ وهْو رِدَاءُ وعُلاكَ قد شهِد العَدُوُّ بفضْلِه ... والفضلُ ما شهدتْ به الأعْدَاءُ وحِمَاكَ أَمْنُ الْخائفين تَؤُمُّه ... ششمُّ الأُنوفِ القادةُ الأكْفاءُ ولقد حَظِيتَ من الإلهِ بنَظْرةٍ ... أرْدَتْ مُريد الكَيْدِ وهْو هَباءُ وحُبِيتَ منه بما تقاعَسُ دُونَه ... هِمَمُ الملوكِ الصِّيدِ والعُظَماءُ فالله أظْهَرَ ذا الْجَنابَ بِنَصِّه ... فالخلقُ أرضٌ والشريفُ سَماءُ لو قيل لي مَن ذا أرَدْتَ أجَبْتُهمْ ... أوَ غَيْرَ زَيْدٍ تَمْدَحُ الشعَراءُ وإذا أُدِير حديثه في مَحْفَلٍ ... فلِمَسْمعِي مِن طِيبِ ذاك غذاءُ مَلِكٌ إذا وعَد الجميلَ وَفَى به ... وإذا تَوَعَّدَ شأنُه الإغْضاءُ فبِسَعْدِه أهْدَى الزمانُ إلى الورَى ... كأساً هَنِيّاً ليس فيه عَناءُ فالله يُبْقِي مُلْكَه السَّامي الذي ... قد كَلَّلَتْه بنُورِها الزَّهْراءُ وكتب إلى الشيخ الإمام عيسى بن محمد الجعفري الثعالبي، نزيل مكة، مادحاً بقوله: يا مَن سَما فوقَ السِّماكِ مَقامُهُ ... ولقد يَراك الكلُّ أنتَ إمامُهُ حُزْتَ الفضائلَ والكمالَ بأَسْرِهِ ... وعَلَوْتَ قَدْراً فيك تمَّ نِظامُهُ لو قيل مَن حازَ العلومَ جميعَها ... لأقول أنت المِسْكُ فيه خِتامُهُ

стр. 621

كم صُنْتَ مِن بكْرِ العلومِ خَرائداً ... عن غيرِ كُفْءٍ لم يجبْ إكْرامُهُ فاعلمْ بأنِّي غيرُ كُفْءٍ لائقٍ ... إن لم يكنْ ذا الفضلُ منك تمامُهُ ثم أتبعه بنثرٍ، صورته: لما أضاء نور المحبة في قناديل القلوب، صفت مرآة الحقيقة فظهر المطلوب. فاتضحت الرسوم الطامسة، وبانت الطرق الدارسة. فاكتحلت عين القريحة، فسالت في نهر النطق، فأثمرت بالمسطور، وهو المقدور. وأما المقام فهو أعلى من ذلك وأجل، وليس يدري ذلك إلا من وهل. وأما العبد فهو مقرٌّ أنه قد قصرت به الركائب عن بلوغ ذلك، وأعاقته عقبات الأسباب عن سلوك هذه المسالك. لكن حيث إن ثياب الستر من فضلكم على أمثاله مسبولة، فيرجو أن يهيىء الله له في ضمن الامتثال مطلوبه ومأموله. فأجابه بقوله: لِلّهِ دَرُّك يا فريد مَحامِدٍ ... أربَى على البدرِ التّمامِ تمامُهُ قد صُغتَ من سِرِّ البراعةِ مُفْرَداً ... فاق الفرائدَ نَثْرُه ونظامُهُ وكَسَوْتَه من جَزْلِ لفظِك سابِغاً ... وُشِيتْ بكلِّ لَطيفةٍ أكْمامُهُ وجَلَوتَه يخْتالُ تِيهاً آمِناً ... مِن أن يُشابَه في الوجودِ قَوامُهُ أعْرَبْتَ فيه عن اعْتقادٍ خالصٍ ... ومَكِين وُدٍ أُحْكِمتْ أحْكامهُ وصَبَوْت ذا شُكْرٍ بِبثِّ قصيدةٍ ... وبفَصِّ خاتمه العَلِي أسْوامُهُ أهْلاً به فَرْداً أتى من مُفْرَدٍ ... وحَبَا به ضيفاً يجلُّ مقامُهُ حَتْما عليَّ ولازماً تبْجِيلُه ... فَوْراً وحَقّاً واجباً إكْرامهُ لكنْ على قَدْري فلستُ بكُفءِ مَن ... وَطِئتْ على هامِ العلَى أقْدامهُ وإليكَها عَذْرَا على مَهَلٍ أتَتْ ... خَجْلَى لمْحتدِك العزيز مَرامُه فاصْفَحْ بفضلِك عن صَحِيفةِ نَقْصِها ... فالفضلُ مُؤتمٌّ وأنت إمامُهُ واسْحَبْ رداءَ المجدِ غير مُدافعٍ ... فلأنتَ عُنْصُرُه وأنت خِتامهُ ثم أتبعه بنثر، صورته: هذه دام جدك في صعود، ومجدك في سعود عجرفةٌ أبرزها فاتر الفكر الأعرج، وقاصر الذهن البهرج. تتعثر في مروط الخجل والوجل، وتتعارض لما بها من الخطأ والخطل. أتت سوح حضرتك الرحراحة الأرجا، وأملت أن تفوز من كمال صفحك عن زيفها بتحقق الرجا. فقابل إقبالها بالقبول والإغضا، وألحظها غير مأمورٍ بعين التقريب والرضا. فإنك مأوى الفضل ومخيمه، ومفتتحه ومختتمه. ولولا نافذ أمرك المطاع، وواجب تعظيمك المتمكن في الأفئدة والأسماع؛ لما تراءى لراءٍ عجرها ولا بجرها، ولا بان لسامع خبرها ولا مخبرها. ولكن عند الأكابر تلتمس وجوه المعاذير، ولدى أعيان الأفاضل يرتجى الصفح عن التقصير. والسلام. أحمد بن محمد مكي فاضلٌ توقد ذكاه، وتألق شهابه وذكاه. فبزغ واضح الغرة والجبين، ورفع عمود الصبح المبين. وكسي نصاحة الفصاحة، وتفتق عن رونق البشر والصباحة. فلله براعةً ملك، وطريق إجادةٍ سلك. قرت بها عيون أودائه، وملئت غيظاً صدور أعدائه. وكان للقلوب فيه ظنٌّ جميل، وللمعالي رجاءٌ وتاميل. إلا أن الأيام لم تفسح له مدى، فاقتطفت زهرة حياته في باكورتها يد الردى. وقد أثبت من بواكير طبعه المطبوع، ما يدل على نبله دلالة الماء على نظافة الينبوع. فمن ذلك هذه الأبيات، كتب بها إلى الأستاذ زين العابدين الصديقي: لُؤْلُؤُ الثَّغْرِ المُنَضَّدْ ... فيه جِريْالٌ مُبَرَّدْ بَسمَتْ عنه ثَنايَا ... رَشأٍ أحْوَى وأغْيَدْ أم رياضٌ عِقْدُ دُرِّ الْ ... مُزْنِ فيها قد تَبدَّدْ أم نجومٌ مُزْهِراتٌ ... مِن سَناها النُّورُ يُوقَدْ أم نَسِيمُ الصبح أبْدَى ... طَيِّب النَّشْرِ من الوَرْد لا ولكنْ ذا قَرِيضٌ ... لإمامٍ قد تفَرَّدْ سيِّدٍ حَبْرٍ هُمامٍ ... أوْحَدٍ من نَسْلِ أَوْحَدْ مَن له حَالٌ وقَالٌ ... بِهِما الساداتُ تشْهدْ

стр. 622

وله في المجدِ شَأْوٌ ... دونه النجمُ وفَرْقَدْ نَجْلُ أقْطابٍ كِرامٍ ... لهمُ غاياتُ سُؤْدَدْ كم كراماتٍ شهِدْنَا ... مالَها حَصْرٌ ولا عَدّ يعجِزُ الواصفُ عنها ... منهمُ جاءتْ بلا حَد مَلأَتْ شرقاً وغرباً ... وبدَتْ في كلِّ مَشْهَدْ عَبِقَ الكونَ ثَناهُم ... كعَبِيرِ المِسْكِ والنَّدّ وحكى لي صاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله، قال: كنت بالمدينة نظمت قصيدةً في الغزل، فلامني عليها بعض الناس، وبلغ ابن مكي ذلك، فأتى إلى منزلي ليروحني، فلم يجدني، فكتب: أتيتُك من شوقِي إليك مُسَلِّماً ... وقد صار قلبي في وِدادِك ذا شُغْلِ فمِن سُوءِ حَظِّي ما تَمَلَّيْتُ ساعةً ... بمَرْآكَ يا رَبَّ الفصَاحةِ والنُّبْلِ فلا عَتْبَ لي إلاَّ عليه فإنه ... على نَيْلِ ما أهْواه في الدهرِ ذُو بُخْلِ فيا مَن له طبعٌ أرَقُّ من الصَّبا ... لقد ساءَني ما قد لَقِيتَ من العَذْلِ فلا تسْتمِعْ قولاً لِواشٍ وناصِحٍ ... ولا تَرْعَوِي عن حُبِّ ذِي الأعْيُنِ النُّجْلِ فما أنتَ في حُبِّ الْجَآذِرِ أوَّلاً ... أشَاعَ الهوى أسْرارَه يا أخا الفَضْلِ بِذا قد قضَى شَرْعُ الغَرامِ بأهْلِه ... فنصْبرُ في حُكْمِ الغرامِ على القَتْلِ إذا ما رَنَا مَن يُشْبِهُ الظَّبْيَ لَفْتَةً ... ومَاسَ كغُصْنٍ فوق دِعْصٍ من الرَّمْلِ وأظْهَر وَرْداً في شَقائِقِ خَدِّه ... وسار يجُرُّ الذَّيْلَ تِيهاً على مَهْلِ وفاح شَذَا مِسْكٍ على الْخَالِ عَمَّهُ ... مَحاسِنُ أوْصافٍ تَجِلُّ عن المِثْلِ وأبْسَمَ عن دُرٍ تنظَّم في طُلىً ... ألَذُّ وأحْلَى رَشْفُها من جَنَى النَّحْلِ فأيُّ فُؤادٍ ليس يصْبُو لِحُسْنِه ... ويشْتاق من ذاك الغَزالِ إلى الوَصْلِ ألا أيُّها العُذَّالُ إنَّ بَنِي الهَوى ... رَأُوا اللَّوْمَ في حُبِّ الحِسانِ من الجهلِ ففي مَعْرَكِ الأحْداقِ والمُهَج انْظُروا ... ولُومُوا ولِجُّوا بعد ذلك في العَذْلِ تَبارَك مَن حَبَّ الجمالَ وأهْلَه ... ومَن خلَق الإنْسانَ في أحْسَن الشَّكْلِ إليك أخا الأفْضالِ سارتْ شَقائقٌ ... مُداعِبَةٌ تَرُوْيِك بالجِدِّ والهَزْلِ فكُن فاتِحاً بابَ الرِّضَا لقبولها ... وأصْلِحْ مَعانيها من القولِ والفِعْلِ ودُمْتَ قَرِيرَ العَيْنِ في حِفْظِ ربِّنا ... ونَسْمعُ ما تَرْوِي ونكتُب ما تُمْلِي فكتب إليه مجيباً: يا أحمداً حاز المَكارمَ كُلَّها ... ويا فاضلاً مِن دونِه كُلُّ ذِي فَضْلِ ويا ماجداً يسْمُو على كلِّ ماجدٍ ... ويا مَن غدَا في الفَضْلِ مُمْتنِعَ المِثْلِ ويا نَجْلَ مَكِّيِّ الهُمامِ الذي له ... فضائلُ إنْ أعْدَدْتُها فهْي كالوَبْلِ على كلِّ حالٍ لستُ أُحْصِي ثَناكُما ... ولكنَّ بعضَ القولِ يكفي عن الكُلِّ بنفسِي أُفَدِّي منك لَفْظاً كلُؤْلُؤٍ ... وشِعْراً رقيقاً صار ذِكْراه لي نَقْلِي بعثْتَ بِخَوْدٍ يُخْجل البدرَ حُسْنُها ... عَقِيلةَ أتْرابٍ بها صِرْتُ ذا شُغْلِ سُلافِيَّةُ الألْفاظِ شَمْسيَّةُ السَّنَا ... مُدامِيَّةُ الأَلْمَى لحالش الشَجِي تُمْلِي فأفْرشْتُها خَدِّي وأوْسَدْتها يَدِي ... وصيَّرْتُها مِنِّي بمنزلةِ الخِلِّ وبِتُّ أُعاطِيها ثَنايَ مُعظِّما ... عليْك وجادتْ عند ذلك بالوَصْلِ وقبَّلْتُها ألْفاً وضِعْفَها ... فحيَّاك ربُّ العرشِ يا زَاكِيَ الأصْلِ

стр. 623

ذكرتُ بها عهدَ الصَّبابةِ والهوى ... وكنتُ تَناسيْتُ المَحبَّةَ بالفِعْلِ زَهَتْ بك يا قُسَّ الفصاحةِ طَيْبَةٌ ... فدُمْتُ قَرِيرَ العيْنِ مُجْتمِعَ الشَّمْلِ وقد زُرْتَ عَبْداً صادقاً في وِدادِهِ ... وشأنُ المَوالِي هكذا يا مُنَى السُّؤْلِ ولكنْ على حَظّي العِتابُ فإنه ... على جَمْعِ شَمْلِي بالأحِبَّةِ ذُو بُخْلِ وأعْلَمتْنِي أن قد شَفِقْتَ عليَّ مِن ... مَقالةِ عُذَّالٍ وليسوا ذَوِي عَدْلِ أبُثُّك حَالِي يا أخا الوُدِّ والوفا ... وَدَهْرِيَ أشْكُو وهْو منِّيَ في حِلِّ رَمانِي زماني بالصَّبابة والهوى ... وذلك تقْديرُ الذي جَلَّ عن مِثْلِ وقد كان ظنِّي الوصلُ مِن فَاتِنِي الذي ... تحكَّم في بعضِي هَواه وفي كُلِّي فعامَلنِي من غَيْرِ ذنبٍ بهَجْرِه ... فيا سيِّدي هل يستحقُّ الجَفَا مِثْلِي فمِن أجْلِ ذا قد ضاق صَدْرِيَ منهمُ ... ولم أتَجَرَّعْ بعدَ ذا غُصَصَ العَذْلِ على أنني لا أرْتضي الذُّلَّ في الهوى ... وإن كان أَوْلَى لي التَّحَمُّلُ للِذُّلِّ ولكنْ أمَرْتَ العبدَ يصْبِرُ للْقضَا ... فصَبْراً على أحْكامِ ذي الأعْيُنِ النُّجْلِ ودُمْ راقياً أَوْجَ الفضائلِ باقياً ... وتخْدُمك العَلْياءُ في الجِدِّ والهَزْلِ ومما وقفت عليه، معزواً إليه قوله: إيَّاك والبَغْيَ لا تَرْضَى به أبداً ... واتْرُكْ هوَى النفسِ تنْجُو مِن بَلا عَادِ وكُن بنفسِك مشْغولاً تُهذِّبُها ... فالنفسُ أعْدَى عَدُوٍ ذاتُ إفْسادِ ولا تكُنْ بمَساوِي الناسِ مُشْتغِلاً ... وراقِبِ الناسَ في خافٍ وفي بَادِي قد قال واصفُهم حَقّاً أخُو فِطَنٍ ... ممَّن يُجِيد فَصِيحَ النُّطْقِ بالضَّادِ الناسُ أحْلامُهم شَتَّى وإن جُبِلوا ... على تَشابُهِ أرْواحٍ وأجْسادِ للخيرِ والشَّرِّ أهلٌ وُكِّلُوا بهما ... كلٌّ له مِن دَواعِي نَفْسِه هَادِي وقوله: في طَيْبةَ كان لنا صاحبٌ ... تظنُّه النفسُ شَقِيقاً لَهَا مَنَحْتُه صَفْوةَ الإخَأ ... وخِلتُه يمنَحُ أمْثالَهَا فقابَل الوُدَّ بهَجْرٍ بلا ... دَاعٍ له تُوِب فَتْح اللَّهَا وكم عُقُودٍ للْوفَا بيْننا ... أطاع شانِينَا وقد حَلَّهَا فقلتُ يا نفسُ دَعِيهِ فذَا ... مثلُ الذي نقضَتْ غَزْلَهَا أحمد بن محمد علي المدرس لقيته بدمشق في خدمة قاضي القدس المولى خليل أجل من ولي القضا، وأعظم من ينقضي الدهر وليس لمدحه انقضا. وله عنده المنزلة المجلاة بالإنعام، والرتبة المشمولة بالإكرام بين الخاص والعام وكنت أعشق هذا الفاضل على السماع، فصغر الخبر الخبر به عند الاجتماع وطالما اقتطفت من أزاهر بستانه فاكهةً جنية، فتناولت الآن من صنعة بنانه تحفاً عن الإطراء في مدحها غنية. وهو كما بلغني قد بلغ مبلغ الرجال، وهو في سن الأطفال، وتميز بين أقرانه بالمزية التي تستدعى لها الاعتناء والاحتفال. بجدٍ لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وجهدٍ لم يخل دقيقة ولا جليلةً إلا استقصاها. وقد فرحت به فرحةً أنستني كل فرحة، وباعدت بيني وبين كل مساءة وترحة. ثم اجتمعت به في القاهرة، فأشرقت علي بها فضائله الزاهرة. وتحققت من وده حالاً لم يلحقها انتقال، ولم يشنها اختلال، وتألفاً هو الفعل لم يدخله من شوائب النقص اعتلال. فالله يجعل تلك من الأحوال اللازمة، ويعصم هذا من الحروف الجازمة. فمما تناولت من شعره قوله: قَرِّبي الراحَ من حِمانَا وُدورِي ... بين غِيدٍ بها حِسَانٍ بُدورِ قَرِّبيها فهْي الدواءُ لِما قد ... حلَّ من دَائها بجسْمي الأسيرِ

стр. 624

قَرِّبيها وخَلِّ عنك أُناساً ... حَرَّمُوها يا مُهْجةَ المسْرورِ قَرِّبيها كالتِّبْرِ صفراءَ لَوْناً ... كاسُها كاللُّجيْنِ من بِلُّورِ منها: خمرة تترك الشحيحَ جَواداً ... باحْتِساها كحاتِم المشْهورِ وقوله: عَذهِّب بما شئْتَ أيُّها القمرْ ... إلاَّ الْجَفاء والصُّدودَ يا عُمَرْ مَن قد حَوى الماء في الخدودِ كذا ... نار بأحْشَاي حين تسْتعِرْ رُمْتُ سَلْوَى هواك يا أمَلِي ... من أين للقلبِ عنك مُصْطَبرْ أنت الذي كالسِّهامِ لَحْظُك قد ... رَمَى حَشايَ وما له وَتَرْ بِنْتُ عن الرُّوح يا سِرَاجُ ضَنىً ... كأنني يا مَلِيكُ مُحْتَضَرْ نَهَى عن الحبِّ عاذِلِي سَفَهاً ... فقلتُ ذا العَذْلُ يا فتى غَرَرْ إنَّ حبيبي كالغُصْنِ قامتُه ... له ثَنَايا كأنها دُرَرْ بدرٌ كمثْلِ المُدامِ رِيقتُه ... والقلبُ قاسٍ كأنه حَجَرْ يَسْبى البَرايَا بنثورِ طَلْعتِه ... وليس للخَصْرِ يَلْتقِي أثَرْ بَلْبَلَ قلبي دَلالُه أبداً ... وذاكَ شرطٌ في العِشقِ مُعْتَبَرْ كلَّمني طَرْفُهُ ومُقلتُه ... لذاكَ أصْمَى الحَشَا بها حَوَرْ له كعَيْنٍ عَيْنٌ وحاجِبُه ... نُونٌ وَفَاهُ مِيمٌ سَيَنْتَظِرْ نعيمُ دُنْيَايَ حُسْنُ صُورَتِهِ ... فوَصْفُها صَاحِ ليس يَنْحَصِرْ يَحارُ كُلٌّ في وَصْفِ خِلْقتِه ... وكم لَدَيْهِ محاسِنٌ أُخَرْ وقوله ملتزماً واوين في أول البيت وآخره: ووَادٍ به قد كان بالصَّحْبِ جَمْعُنا ... ولكنَّهم للقلب بالْبُعْدِ قد كَوَوْا ووَقَّد نارِي هَجْرُهم وبِعادُهم ... وللجسمِ منِّي يا خليليَ قد شوَوْا ووَاحَسْرةَ العُذَّالِ إنّي أعُدُّهمْ ... كلاباً فمنهم لا أُبالِي إذا عَوَوْا ووَرْقاءِ دَوْحٍ قد أثارتْ تَشَوُّقِي ... تقوم بأحْشايَ وقلبِيَ قد ثَوَوْا وَوْرِديَّةِ الخدَّيْنِ مَعْسولةِ اللَّمى ... وعُشَّاقُها للسُّقْم مَن صَدِّها حَوَوْا ووَسْناءِ طَرْفٍ كالغُصونِ اهْتزازها ... أسانيدُ عِلْم السِّحرِ عن طَرْفِها رَوَوْا ووَجْنتها يحْكِي دموعي احْمِرارُها ... ورَضْوَى مع الأرْدافِ منها قد اسْتَوَوْا وَاوات أصْداغٍ لها كعقاربٍ ... وكم لَسعتْ قوماً على حُبِّها انْطَوَوْا ووَالخَصْرِ منها ما تبدَّلْتُ غيرها ... ولم أَكُ من قومٍ لسُلْوانها نَوَوْا ووُدِّي لها من قبل آدم ثابِتٌ ... ولستُ كأقْوام إلى غيرها هَوَوْا وقد اقتفى أثر ابن زقاعة، في قوله: ووَرْدِيِّ خَدٍ نَرْجِسيِّ لَواحِظٍ ... مَشايخُ علم السِّحْرِ عن لَحْظِه رَوَوْا ووضاوَاتُ صُدْغَيْهِ حَكيْن عقارِباً ... من المسكِ فوق الجُلَّنارِ قد الءتوَوْا ووَجْنتُهُ الحمرا تلوحُ كجمرةٍ ... عليها قلوبُ العاشِقين قد انكَوَوْا ووُدِّي له باقٍ ولستُ بسامعٍ ... لقَوْلِ حَسُودٍ والعواذِلُ قد عَوَوْا ووَاللهِ لا أسْلو ولو صرْتُ رِمَّةً ... وكيف وأحْشايَ على حبِّه انطْوَوْا الباب السابع في غرائب نبهاء مصر في غرائب نبهاء مصر، لا زالت محروسةً عن طوارق كل همٍ وأصر. وهي أم الدنيا الولود، وكوكبها السعد الأكبر فلذا قوى بها طالع المولود. تبرجت تبرج العقيلة دون ساتر، فأوقفت الناظر دون محاسنها وهو باهتٌ حائر. فإن كان الهرمان نهدين في صدرها، فإن الخليج والعهد به منطقة في خصرها.

стр. 625

كل قطرٍ يشتاقها فهو يتمنى لو صدق فيها الخبر العيان، وكم هواءٍ صار لها رمالاً فهو إذا مر خط في رمل الكثبان. وناهيك ببلدةٍ فضلها الله ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها. وأسعد مطالع أنوائها، فاهتزت وربت مساقط أندائها. إن بارت تجارةٌ فإليها تجلب، أو عزت نفيسةٌ فمنها تطلب. فلذا ترغب النفوس في جوارها، وتنفسح الآراء بين أنجادها وأغوارها. وقد جمعت ما ولد سام وحام، واشتد بها الالتحام والازدحام. واحتوت الآن على جل أبناء يافث، من كل صنديد في عقد الملمات نافث. فهي كرسي الأمراء والأعيان، وقرارة السادات الذين يكل عن حصر معاليهم نطاق البيان. وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبثة عن أصالة الحلوم. إلى الأبنية المحاذية للأفلاك، والمراقي التي كاد أهلها يسمعون تسبيح الأملاك. وفيها المقاصر والقصور، والمقاعد التي عليها الحسن مقصور. ومن محاسنها الزاهرة المناهج، البرك التي استوعبت رونق المباهج. وخصوصاً إذا وفاها النيل حقها، ورأيت المناظر حولها وقد أحكمت نسقها. فهناك تقول: ما أبهجها، ويقول القائل: ماأحقها. انْظُر إلى بِرَكٍ في مصرٍ اتَّسَقَتْ ... بها المناظرُ كالأهْداب للْبَصَرِ كأنما هي والأبْصارُ تَرْمُقُها ... كواكبٌ قد أدارُوها على القَمَرِ وبالجملة فهي بالنيل تجر على البلاد الذيل والردن، ولها بذلك المزية التي ما نالها مدينةٌ من المدن. وأحسن محاسنه عشياته المذهبات، التي لم تزل لأحزان القلوب مذهبات. فمن رآه مال طرباً من غير مميل، وعرف سر قوله: ومما يزدهيني ضحك البدر في وجه النيل. إلى غير ذلك من المعاهد والغيطان، والفرج التي تنسي الغريب الأوطان. ومن عرف مقادير الأشيا، ونازل الأطلال والأحيا، عرف أن هذه البلدة واحدة بسيط الأرض، وحساب خيراتها الدارة لا ينفد إلى يوم الحساب والعرض. وقد خرج منها واحدٌ بعد واحد، شهرة فضله كالشمس لا تنكر ولا تجحد. فكأنه النير الأظهر، أو الجامع الأزهر. خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة. فمنهم: شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي أول من عددت، وأجل من أعددت. أقول فيه لا مبالغاً، ولست لأداء بعض حقه بالغا: لأن تطاول السماء وتفرع، وتشبر البسيطة وتذرع، وتزاحم أفلاك الكواكب بالمناكب، ويتعرض لإحصاء القطرات الهوامل، بالأنامل، ويدرك جوهر الشمس، باللمس، وتعارض زخرة البحر، بالنحر، أسهل من أن تحصى صفاته، أو أن تقرع لفكرٍ صفاته. وهو الذي سار ذكره في العالم وانتشر، وخرج في إحاطته بالعلوم عن حد البشر. وناهيك بمن لم يخل زماناً من فائدة، ولا مكاناً من عائدة. وقد طال عمره، وما خمد جمره. فهو كلما أسن، شحذ مرهف طبعه وسن. مع سلامة نفسه في كل حالاته، وتوفر أمانيه من أسباب التحصيل وآلاته. وقد جمع من الكتب ما لا يدخل في ديوان حاسب، مع الاستعداد الذاتي الذي يأبى أن يكون باكتساب كاسب. فسرد آيات الفضائل وتلاها، وعن اقتناص شوارد الفنون ما تلاها. وسلمت مباحث فضله عن المعارضة والجدل، وكان الثناء له وحده فإن ذكر غيره فكالرابع المعهود في البدل. وصنف التصانيف التي تشهد بكل فضل، وحسبك منها عناية القاضي فإنها خيرٌ من شاهدي عدل. وأما الأدب فقد امتزج بلحمه ودمه، وكان به وجوده بعد أن أشرف على عدمه. فهو بدونه كالجسد بلا روح، واللفظ دون مشروح. أو كالروض لا يجاد، والعاتق بلا نجاد. فإذا شمر في البلاغة ساعده، نضا عن ساقه لخدمته ابن ساعدة. فأما منشآته فلا يتصور عن الإتقان خروجها، وأما أشعاره فقد حرست بالشهب بروجها. فإن ألم بها ماردٌ فاسترق، أتبعه طارقٌ فاحترق. وآثاره كما عرفت طويلة الذيل، تعرف مقدارها شواهد الليل. صقلتها تلك الفكرة المطيعة، وهي وإن كانت كثيرةً فصديقةٌ للطبيعة. فهو في الإنشا فعل الأفاعيل، وأهمل الصادين: إبراهيم، وإسماعيل. وهما إماما الصناعة، وهماما البراعة واليراعة. بهما فخر من نطق بالضاد، وبسببهما حسدت الحروف الصاد. وله كتاب الريحانة الذي ذيلت عليه، واقتبست نور الهدى بتوجه رغبتي إليه.

стр. 626

وما أنا بالنسبة لما أبدعه، ولما جئت به مما كان الأحرى بي أن لا أدعه، إلا كمن جارى الحصان بالأتان، وواجه الغزالة بالذبالة، وقارع الحسام بالعصا، وبارى الدر بالحصا. ذاك لا يستحسنه الإدراك، حتى تصاد الشهب بالشباك، وتتقدم الفكة على السماك. ولقد وصف كتابه بما أغناني عن وصفه، وهذه حالي معه إذا أردت التطرية أتيت ببدائع رصفه: فهذه ذخائر من خبايا الزوايا، فيما في الرجال من البقايا تنفس الدهر به عن نفحةٍ عنبرية، وهبت بها أنفاسٌ نديةٌ ندية، تنفس الروض في الأسحار، بأفواه العبير عن ثغور النور والأزهار. من كل شذرةٍ تهزأ بقلائد العقيان، وكل زهرةٍ لها من السطور أفنان. وكل فريدة يقر لها بالنفاسة الجميع، وكل منقبةٍ إذا وعى ذكرها السامع وعبق قيل: أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ومما اقتضاني أن أثبته في وصفه، ما قاله البرهان الباعوني الشامي، في حق لسان الدين بن الخطيب والتنويه بقدره السامي، وقد رأى كتابه الريحانة، وهو به أشبه، وما أظن تقاربهما خفي أو اشتبه: صاحب كتاب الريحانة، آيةٌ من آيات الله سبحانه. لوجه أدبه طلاقة، وللسانه ذلاقة، وللقلوب به علاقة، وفي خطه غلاقة. قلت: وأي غلاقه يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته. فليتأمل الناظر إليه، والمقبل عليه، ما فيه من الجواهر، والنجوم الزواهر، بل الآيات البواهر. وليسبح الله تعجباً من قدرته جل وعلا، ومذاهبه التي عذب ماؤها النمير وحلا. وليقل عند تأمل دره النظيم، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". انتهى. وله ديوان شعر وقفت عليه بخطه، فأثبته بخطي، ولم يمكني على ما في من الملال التجافي عنه والتخطي. ويكفيك من شعرٍ لو سمعه النابغة ما نبغ، أو ابن صفوان لم يبلغ من صفاء وقته ما بلغ. ولو جاراه الجعدي لاعترف بالخرس، أو الأسدي لانصرف عن صفة الفرس. وأنا الآن قد قصرت النظر على آثاره، من نظامه ونثاره، وحسبي ذلك من منحة الحظ وإيثاره. فما على من بلغ من التملي بآدابه أربا، أن ينبت جسمه بعد أن يصير تراباً أدبا. وأسأل الله أن يجعله ممن فاز بالنجاة، ويهيىء له من خزائن فيوضاته رحمته المرتجاة. وهنا أورد من نثره العالي ما جمع الحسن أجمع، وأتبعه من شعره الغالي بما لم تر أجود منه ولا تسمع. فمن فصوله القصار، قوله: إن ساعداً زينته بسوار المنائح، يمرى لك ضروع الثناء والمدائح. ولك وارف ظلال، تقيل فيها الآمال. بها الألسن تقر، والأعين والقلوب تقر. كم موقد نارٍ بها احترق، ومحسن سبح اللجج فيها غرق. قال لي خليع: قبيحٌ مؤاجر، أحسن من مليحٍ خلف الستائر. شتان بين درهم النقد، ودينار الوعد. شجاعة الملوك صبرٌ وثبات، وشجاعة الجند إقدام وثبات. الكيس يفتح الكيس. في إغماض العين وإغماد اللسان عقاب العقلا، وبلسان السوط والسيف عقاب السفها. لكل قلبٍ هوى، كما أن لكل داءٍ دوا. فما اعتلال نسيم الصبا، إلا الحب زهور الربى. إذا خلت قلوب الأكياس، خلت من السرور قلوب الأكياس. لو هم الفلك الدوار برفعة ماجدٍ في الأبد، ما قدم الثور في منازله على الأسد. من باع الجزع بالاصطبار، فله على الزمن الخيار. ما سمي الزمن زمناً؛ إلا لأنه يقول لك اقعد. هدايا الأنام تجارة، وقبولها منهم خسارة. المعروف والصنيعة، عند الحر وديعة. ربما كان أمر من الدا، روائح العقاقير وشرب الدوا، وطول جلوس العواد الثقلا. قومٌ بلا روح في الصور والملابس، كالصور المنقوشة في الكنائس. قد يحتجب الحر لقلة اليسار، كما احتجب البدر عند السرار. إذا كان أعدى عدوك بين جنبيك، فصبرك عليه إحدى شجاعتيك. اللبيب أدبه، فضته وذهبه. إذا كانت الأراجيف ملاقيح الفتن، فانطلاق الألسن نتاج المحن. لو كان هذا الوجود أصلاً ما ولد العدم، ومن يشابه أبه فما ظلم. الحر لا يجازي كل من أسا، والأسد لا يفترس النسا. الدنيا بإقبالها، والدولة بأقيالها. ما كل وقتٍ يسعف بما تحب، فإذا أردت لبون فاحتلب. بين القواد والرقباء لاح بعض إحسان، فعرفت أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان. من أبطأ رجاؤه، أسرع عناؤه. ومن الخلف داؤه، فالترك دواؤه.

стр. 627

وكتب مقرظاً على كتاب مدين القوصوني في الطب، الذي سماه قاموس الأطباء: ما طرزت حلل الثنا، ورنقت رياض البراعة بثمراتٍ غضة الجنا، إلا لتكون لباساً لأبكار المحامد، ومرعاً لأفكار شاكرٍ وحامد. فالحمد لمولى الحمد على ما أنعم من اللغات والبيان، وأحسن تبلقينها لأطفال الأرواح في مكاتب الأبدان. وألهمها استخراج در المعاني من أصداف الحروف، لتنظم منها في الصدور، وتعلق في الآذان أبهى عقودٍ وشنوف. وأزكى صلاةٍ وسلامٍ على أفصح من نطق بالضاد، فروى من عين فصاحته كل صاد. وشفى بطلب هدايته مريض كل قلب، وهدى بمفردات حكمته كل ذي جهل مركب. وعلى آله وأصحابه مدائن العلم والحكم، ورؤساء أطباء الأبدان والأديان من سائر الأمم. لاسيما الأربعة الذين ترياقهم العتيق، وفاروقهم حافظ صحة مزاج الدين بكل ماضي الشفرتين رقيق. ما دامت الدنيا دار الشفا، وصح مزاج الدهر من الأمراض واشتفى. هذا، وإن أخي شقيق الروح وقرة العين، وصفوة الحياة ومن كفاية محبته علي فرض عين، لما أتحفني في قدومي للقاهرة بكتابه قاموس الأطباء وجدته الدرة الفاخرة، والروضة التي تفتحت فيها عيون أنواره الزاهية الزاهرة. ظناً منه أني شعيب مدينته، وما أنا إلا سلمان بيته، بل اشعب موائد كرمه ومنته. فإذا هو بردٌ محبر، وروضٌ وعقد كله جوهر. وكتابٌ جميعه مفردات، ولغةٌ لو رآها الجوهري قال: هيهات العقيق هيهات. أو الخليل بعينه، فداه بعينه. أو جار الله لقال هذا هو الفائق، أو ابن البيطار ود لو طابقه مطابقة النعل بالنعل لما فيه من الدقائق. أو صاحب القاموس لقال: هذا المجد، الذي ارتضع در العربية ما بين تهامة ونجد. فلله در مصنفه فقد أرانا في الرجال بقايا، وفي الزوايا خبايا. وأنار فكره ظلمة الجهل وقد وقد، وروى ظمآن الفكر فيما ورد ورد، وحقق ما قيل: من دق الباب ولج ومن جد وجد. وقد قلت فيه ارتجالاً: دهرٌ يجودُ بمثْلِهِ ... أنْعِم به دَهْراً وَفِي رَوَّى بكأسِ عَلومِه ... وخِتامُه مِسْكٌ وفِي وكتب إلى بعض إخوانه وقد توعك: كفاك الله ما تخْشَى وغَطّى ... عليك بظلِّ نِعْمتِه الظلِيلِ أعز الله أنصار فياض الكرم والحسب، وحمى بعزته معالم العلوم والأدب. وأبقاه محروساً من هجوم الخطوب، محفوظاً بسور منيع من إحاطة القلوب. وأصوات حرس الدعاء مرفوعة، وسدته بحجاب الصنائع ممنوعة. والدهر وإن كان ذا غير، ومن تفكر اعتبر، فكيف يتسلط عليه بآلامه، وهو لا يتسلط على آيادي إكرامه. فإن هم به ونعمته متتابعة عليه، صدق قولهم: اتق شر من أحسنت إليه. أتُهْدِي له الأيامُ سُقْماً وإنما ... مَساعِيه في أعْناقِهِنَّ قَلائِدُ على أنه إن اعتل فقد اعتل المجد والكمال، وإن مرض فقد مرضت الأماني والآمال، بل القلوب والأرواح، فإذا دعونا له دعونا لأنفسنا بالصلاح. ورب مريضٍ لا يعاد، وإن كان لا يحرم الأجر مريض الفؤاد. ولا أقول كما قيل: يا ليت عِلَّتُه بي غيرَ أنَّ له ... أجْرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مَأْجُورِ ولا كما قيل: وَفَيْناك لو نُعْطَى الهوَى فيك والمُنَى ... لكانتْ بك الشَّكوى وكان لك الأجْرُ وقد سمعتُ بفَصْدِه للْبَاسَلِيق، وأنه قد بكى دماً عرقه العريق. فهاك اعْتلالُك يبْكِي دَماً ... وتَضْحكُ في جِسْمِك العافيَهْ وكان قيل: عرق الصحة له في كل منبت شعرةٍ عينٌ باكية، تبكي بمدامع العرق على فراق العافية. وإن ببكاء عرق الصحة أضحك الله ثغور مسرته، كما ضحكت تباشير الهنا بصحته. وهنأ الله الوجود، بسلامة الكرم والجود. فلا زال كوكب سعده طالعاً في سماء الإقبال، فإن لكل زمانٍ غرةٌ وهلال. ومن فصلٍ له كتبه لبعض المغاربة يداعبه، وكان يقول بالظباء: مذهب مولاي تقديم الذكور على الإناث، وتطليق حور الجنان بالثلاث؛ لأن الرجل خيرٌ من المرأة بالاتفاق، فلذا تخلف عن الخلاق، وتقدم حيث الشقاق. كما قلت له أولاً: أديبٌ مَالَ عن حُبِّ الغَوانِي ... وبالأحْداثِ أصبح ذا اكْتراثِ وقال اخْتارَ ذا أهلُ المَعانِي ... فغلَّبَتِ الذُّكورَ على الإناثِ

стр. 628

وما سواه على خلاف القياس، ولا يخلو مثله عن لبسٍ والتباس. ومما خالف أهل المعاني، قول الأديب الأصفهاني: وأيْرانِ تحت لِحافٍ خَطَرْ والتغليب بابٌ واسع الموارد فلينظر الأديب في موارده، وليتسع في مصائده وأوابده. وكتب إليه الأديب يوسف المغربي، سؤالاً أدبياً، وهو: أيها الأخ الشفيق الشقيق، والرفيق الرقيق. والإمام الهمام، الهادي لسائله الأفهام، إذا اختلت في مهامه الأوهام. إنني أشكل علي قول أبي منصور الثعالبي، في اليتيمة: اتفق لي في أيام الصبا معنىً بديع، حسبت أني لم أسبق إليه، وهو: قلبِيَ وَجْداً مُشْتعِلْ ... وبالهمُومِ مُشْتغِلْ وقد كَسَتْنِي في الهَوى ... مَلبِسَ الصَّبِّ الغَزِلْ إنْسانةٌ فتَّانةٌ ... بدرُ الدُّجَى منها خَجِلْ إذا زَنَتْ عيْنِي بها ... فبالدُّموعِ تغْتَسِلْ هل استعارته لنظر الحبيب الزنا، مما يعد في الأدب معنىً حسنا، أو هو مما تجاوز الحد، فاستحق بالزنا الحد؟ فكتبت إليه مجيباً: أيها الأخ، قرة العين، وبدر هالة المجلس الذي هو لها زين. إنه من المعاني القبيحة، المورثة للفضيحة. وقد سبقه إليه ابن هندو في قوله: يقولون لي ما بالُ عَيْنِك مُذ رأتْ ... مَحاسِنَ هذا الظَّبْيِ أدْمُعُها هُطْلُ فقلتُ زَنَتْ عيني بطَلْعةِ وجهِه ... فكان لها مِن صَوْبِ أدْمُعِها غُسْلُ وهو معنىً قبيح، واستعارةٌ بشعة، ألا يرى ما قيل في الذم: أيها المُنْكِحُ بالعَيْ ... نِ جَوارِي الأصْدقاءِ وقول صر در، في قصيدته المشهورة وإن كان معنىً آخر: يا عينُ مِثْلُ قَذاكِ رُؤْيةُ مَعْشَرٍ ... عارٌ على دُنْياهُمُ والدِّينِ نَجَسُ العُيونِ فمُذ رأتْهُمْ مُقْلتِي ... طَهَّرْتُها فَنَزَحْتُ ماءَ عُيُونِي وكيف يتأتى لهؤلاء ما قالوه، بعد قول يزيد بن معاوية في شعره المشهور: وكيف ترى ليلَى بعَينٍ تَرى بها ... سِواهَا وما طَهَّرْتَها بالمَدامِعِ أُجِلّك يا ليلَى عن العَين إِنما ... أراكِ بقلبٍ خاشعٍ لك خاضِعِ ومنه أخذ العفيف التلمساني قوله: قالوا أتبكي من بِقَلْبِك دَارُهُ ... جَهِل العَواذِلُ دارُه بِجَمِيعِي لم أبْكِه لكنْ لِرُؤْيةِ وَجهِه ... طَهَّرْتُ أجفانِي بفَيْضِ دُموعِي وقال ابن رشيق، في كتابه البدائع: قال أبو علي الفارسي: ليس العجب من توارد الثعالبي مع ابن هندو، وإنما العجب من قوله: لم أقدر أني سبقت إليه، وأبو الطيب يقول في الحمى: إذا ما فارَقَتْنِي غَسَّلتْنِي ... كأنا عاكِفانِ على حَرامِ وهل هذا إلا ذاك بعينه، وأبو الطيب أحسن لفظاً، وأصح معنىً؛ لذكره ذكراً وأنثى يقع الزنا بينهما، خلاف ما ذكراه. وفي نقله تقرير تركناه، خوف الملل والسآمة. وهذا ما سنح للخاطر، والسلام. قلت: ومن النقد على الثعالبي في هذه الأبيات أيضاً قوله: إنسانة؛ فإنها عاميةٌ مولدة، وإن أورده صاحب القاموس وتشكك فيه، والإنسان يقال للذكر والأنثى، كذا قاله الشهاب في حاشية التفسير. وأما رجلة فقد ورد في شعر العرب، قال الشاعر: كلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتبِطاً ... غيرَ جيرانِي بني جَبَلَهْ خَرَّقُوا جَيْبَ فَتاتهم ... لم يُبالُوا حُرْمة الرَّجُلَهْ كذا في الكامل. وكتب إلى هذا المغربي يستدعيه: ولما نَزَلْنَا منْزِلاً طلَّه النَّدَى ... أنِيقاً وبُستاناً من النَّوْرِ حَالِيَا أَجَدّ لنا طِيبُ المَكانِ وحُسْنهُ ... مُنىً فتمَنَّيْنا فكنتَ الأمانِيَا فيا غاية الأماني، وسلوة الحزين العاني. قد دعانا الربيع بلسان النسيم، وصاحت القماري هلموا إلى النعيم المقيم. وعيون الأزهار شاخصةٌ إلى الطريق، وقلوب الأغصان واقفةٌ لانتظار الرفيق الرقيق. فبالله عليك إلا جعلت يومنا بك عيداً، وجددت لنا وللجديدين بك سروراً جديداً. وكتب على قول الشاعر، في وصف حمام:

стр. 629

للهِ يومٌ بحَمّامٍ نَعِمْتُ بهِ ... والماءُ من حَوْضِه ما بَيْننا جَارِ كأنَّه فوق مِسْقَاةِ الرُّخَامِ ضُحىً ... ماءٌ يسيِلُ على أثْوابِ قَصَّارِ بأن قائله عيب فيه، حتى قال بعضهم: وشاعرٍ أُوقِد الطَّبْعُ الذَّكِيُّ له ... فكاد يحْرِقه مِن فَرْطِ لأَلاَءِ أقام يُعْمِلُ أيَّاماً رَوِيَّتَه ... وشَبَّهَ الماءَ بعد الجَهْدِ بالْماءِ ثم قال: وقد يوجه بأن هذا الشاعر شبه الرخام في الحمام بشقة قصار بيضاء، جرى عليها الماء، ولم يرد تشبيه الماء، ولكن ما ذكر في الطرفين جاء بارداً، فأشار الشاعر إلى برودته بما ذكر. قلت: وقوله: شبه الماء إلخ قد تلاعبت به الشعراء، وتظرفوا فيه، ونقلوه إلى معانٍ لطيفة، فمنهم الشهاب الحجازي، حيث قال: أقول شَبِّهْ لنا جِيدَ الرَّشَا تَرَفاً ... يا مُعْمِلَ الفِكْرِ في نظمٍ وإنْشاءِ فظَلَّ يُعْمِل أيَّاماً قَرِيحَتَهُ ... وشَبَّهَ الماءَ بعد الجهْدِ بالماءِ ومنهم الصلاح الصفدي، حيث قال: أقول شَبِّهْ لنا كأساً إذا مَزَجَ السَّ ... اقِي طِلاهَا اهْتَدَى في لَيْلِهِ السَّارِي فظَلَّ يُجْهِدُ أيَّاماً قَرِيحَتَهُ ... وشَبَّهَ النارَ بعد الجَهْدِ بالنَّارِ وله: أتى الحبيبُ بوَجْهٍِ جَلَّ خالقُهُ ... لَمَّا بَراه بلُطْفٍ فِتْنةَ الرَّائِي فَلاح شَخْصُ عَذُولِي فوقَ وَجْنَتِهِ ... فقلتُ شَبِّهْهُ لي في فَرْطِ لأْلاَءِ فظَلَّ يُجْهِد أيَّاماً قَرِيحَتَهُ ... وفَسَّر الماءَ بعد الجَهْدِ بالْماءِ ومن نوادره ما ذكره في آخر كتابه الخبايا، قال: واتفق في عهدنا، أن قاضياً في بلاد الروم أخطأ في ثبوت شهر رمضان والعيد، خطأ ما مثله من مثله ببعيد. فضج الناس واستغاثوا من حياته بمماته، ولم يسترح أحدٌ في ذلك الوقت غير الملائكة الكاتبين لحسناته. إذ كسر طوق الهلال من جيد الدهر، ونقص من شهرٍ ما زاد في شهر. وسرق العيد، واختلس برده الجديد. كأن العيدَ أموالُ اليتَامى فقتل جبين الهلال من غير غرة، وسلخ ذلك الشهر سلخاً بلعن من غره. فلما اسودت الشمس كمداً بالكسوف، وتوارى القمر خلف مجنها خوف الحتوف، قال العيد: الله أكبر، على من طغى وتجبر. وجاء شوال باكيا، ورفع رقعةً للمليك شاكيا: قِصَّتي قد أتتْ إماماً هُمامَا ... تشْتكي الظُّلْمَ حين صرتُ مُضامَا رُقعةٌ في يدِ المَلِيك طَواهَا ... ليَراها المليكُ في العزِّ دَامَا أنا شَوَّالُك الفقيرُ الذي قد ... خُصَّ بالعِيدِ والصَّلاةِ دَوَامَا بعد شهرِ الصيامِ قد زُرْتُ قوماً ... جائعاً أبْتغِي بهم إكْرامَا ولِيَ العِيدُ حُلَّةٌ وهِلالِي ... لِيَ طَوقٌ من فوق جِيدٍ تَسامَى رمضانُ اعْتدَى عليَّ وأمْسَى ... غاضِباً ذاك لا يخافُ مَلامَا أخْتشِي ذَبْحَةً بنَصْلِ هِلالٍ ... ثم سَلْخاً له وتَرْكِي المُقامَا لا تُضَيِّع حَقِّي بشاهدِ زُورٍ ... هو أعْمَى بَصِيرةٍ أو تَعامَى جَبْهةَ الشَّاهِدِ اكْوِهَا فهْو وَسْمٌ ... لِكَذُوبٍ عن زُورِهِ ما تَحامَى إن كَيَّ الخُسوفِ للشمسِ ظُلْمٌ ... وكذا الدهرُ لم يزَلْ ظَلاَّمَا وكتب لرئيسٍ كان يمزح باليد: سيدي إن كان فيه دعابة؛ فراية مجده لم تر إلا في يمين عرابة. وإن فرط منه للمحافظة باللطام، فلطمه لطمة ابن جدعان ويفتقر لطم كفٍ يفيض بالإحسان والإنعام. ابن جدعان، هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، سيد قريش في الجاهلية، وفي داره حلف الفضول المشهور في السير. وكان قد أسرف في جوده لما كبر فأخذت بنو تيم على يده، ومنعوه أن يعطي من ماله شيئاً، فكان يقول لمن أتاه: ادن مني. فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب القصاص مني أو يرضيك رهطي.

стр. 630

فترضيه بنو تيم بما يريد، وفي ذلك يقول عبد الله بن قيس الرقيات: والذي إن أشار نحْوَك لَطْماً ... تَبِع اللَّطْمَ نائِلٌ وعَطاءُ ونحو هذا ما يحكى عن بعض الأسخياء من الأمراء، أنه أفرط في الجود، فحجر عليه أهله، ومنعوه من أن يعطى شيئاً، فأنفذ إليه بعض الشعراء قصيدةً، فكتب إليه أن اذهب إلى القاضي، وادع علي بعشرين ألف درهم من جهة قرض، فأعترف لك، فإذا حبست وصلتك الدراهم من أهلي، فإنهم لا يدعوني أنام في الحبس. ففعل ذلك، وأخذ الدراهم منهم. ومن شعره المنتخب من ديوانه قوله من مقصورته النبوية، التي مطلعها: أيا شقيقَ الرَّوْضِ حَيَّاه الْحَيَا ... فاحْمَرَّ وردُ خَدِّه من الْحَيَا لأنتَ تِرْبُ الغُصْنِ نَشْوانَ إذا ... أدارت السُّحْبُ له خَمْرَ النَّدَى وامْتلأتْ كاسُ الشَّقِيقِ سُحْرَةً ... فاحْمَرَّ من خَجْلَتِه خَدُّ الطِّلاَ منها ف الغزل: شِفاءٌ وَجْدِي لَثْمُ خالِ خَدِّه ... والْحَبَّةُ السَّوْداءُ للدَّاءِ شِفَا يتْركُنِي تَرْكَ الظلِيمِ ظَلْمُه ... وهذه شِيمةُ آرامِ الْفَلاَ تعلَّمتْ منه الليالي غَدْرَها ... فأنْجَزتْ باليأْسِ مِيعادَ الرَّجَا ومن وصف السحاب في الروض: غَمائمٌ لُعْسُ الشِّفاهِ ابْتسَمتْ ... عن ثَغْرِ بارِقٍ إذا الثَّغْرُ بَكَا تفُكُّ مِن مَحْلٍ وجَدْبٍ أسْرَهُ ... وتنْثُرُ الدُّرَّ على هامِ الرُّبَى يسُوقها الرعدُ بصوتٍ مُذْهَبٍ ... من بَرْقِه وهْي بَطِيَّاتُ الخُطَا ومن وصف المهمه: لا يَلِجُ الطَّيْفُ إليه فَرَقاً ... وفيه ليستْ تهتدي كُدْرُ القَطَا بالتُّرْسِ تسْرِي الشمسُ فوق أُفْقِهِ ... والصُّبْحُ يلْقاه بعَضْبٍ مُنْتضَى ومن وصف المجرة: مَجَرَّةٌ في شَفَقٍ كأنها ... والزهرُ فيها ذاتُ مَنْظرٍ زَهَا نَهْرٌ به كَفُّ الشَّمالِ نثَرتْ ... وَرْداً ونَسْرِيناً جَنِيّاً قُطِفَا منها: على أغَرِّ أدْهَمٍ قد طلَعتْ ... مِن وجهِه في ظُلْمةِ الليل ذُكَا غُرَّتُه من تحت هُدْبِ شَعْرِهِ ... طُرَّةُ صُبْحٍ تحت أذْيالِ الدُّجَا من قول ابن نباتة في الغزل: قلتُ وقد أبْدَى جَبِيناً واضحاً ... وفوقه لَيْلَ دَلالٍ قد دَجَا أفْدِي الذي جَبِينُه وشَعْرُهُ ... طُرَّةُ صُبْحٍ تحت أذْيالِ الدُّجَى أدْهَمَ قيِّدِ كُلِّ وَحْشٍ شارِدٍ ... قبَّلَه الليلُ فكُلُّه لَمَى معنىً متداول، قال المتنبي: نَيْلُ المُنَى وحُكْمُ نَفْسِ المُرْسِلِ وعُقْلَةُ الظَّبْيِ وحَتْفُ المُثْقَلِ كأنه من عِلْمِه بالمَقْتَلِ عَلَّمه بُقْراطث فَصْدَ الأكْحَلِ وقد ألم المتنبي فيه بقول الطائي: كَواعِبُ أتْرابٌ لِغَيْداءَ أصْبحتْ ... وليس لها في الحُسْنِ شِكْلٌ ولا تِرْبُ لها مَنْطِقٌ قَيْدُ النَّواظِرِ لم يزَلْ ... يرُوحُ ويَغْدُو في خَفَارتِه الحُبُّ وأول من استأثر هذا المعنى امرؤا القيس في قوله: وقد أغْتدِي والطيرُ في وُكُناتِها ... بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ منها: نجائِبُ قد طفِقَتْ أخْفافُها ... في الرَّملِ تُبْدِي لي ضمائرَ الثَّرَى منها في المديح: قد سترَ الجمالُ حُسْنَ وَجْهِهِ ... صَوْناً لأبْكارِ العُقول والنُّهَى من قول الرستمي: بُدورٌ زَهَتْهُنَّ المَحاسِنُ أن يُرَى ... لَهُنَّ نِقابٌ فالوُجوهُ سَوافِرُ والرستمي أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة: ولما تنازَعْنَا الحديثَ وأسْفَرَتْ ... وُجوهٌ زَهاهَا الحُسْنُ أن تَتَقنَّعَا وهذا أحد التواجيه لبيت المعري: ويا أَسِيرةَ حِجْلَيْها أرى سَفَهاً ... حَمْلَ الحُلِيِّ بمَن أعْيَى على النَّظَرِ

стр. 631

فوقَف الحُسْنُ عليه حائِراً ... مُتيَّماً وَلْهانَ في ذاك الْبَهَا تَهْوَى الصَّبَا شَمائلَ اللُّطْفِ به ... فلا تُداوِي سُقْمَها أيْدِي الأُسَا إلاّ إذا ما لَمَستْ ضَرِيحَه ... فكم سَقامٍ من تُرابِه اشْتفَى سَرَى إلى السَّبْعِ الطِّباقِ جسمُه ... في صُحْبةِ الرُّوحِ الأمينِ ورَقَى إن قطَع الأفْلاكَ سُرْعَةً فلا ... بُعْدَ فإن ذاتَه شمسُ الضُّحَى حَوافِرُ البُراقِ مِن آثارِها ... قد ظهرَتْ فيه أهِلَّةُ السَّمَا يُغْنِي عن المدحِ رَفِيعُ قَدْرِهِ ... فيُمْدَح المدحُ به وما دَرَى كلُّ لِباسٍ للمديح قاصِرٌ ... عنه يُحَلَّ رَحْلُه دون المَدَى سال لُعابُ الشمسِ ممَّا تشْتهِي ... لَذِيذَ هاتِيك المَعاني إذْ حَلاَ وقد استعمل ابن سناء الملك هذا، في قوله يهجو الشمس: أنتِ عَجُوزٌ لِمْ تَبَهْرَجْتِ لِي ... وقد بَدا منك لُعابٌ يَسِيلْ فصاحةٌ ما الشِّعر منها بالغٌ ... ببَحْرِه قطرةَ وَصْفِ ذِي صَفَا لذلك قد قَطَّعَه الناسُ وقد ... دارتْ به دَوائرُ القومِ الأُلَى وما أحسن قوله في وصف المقصورة: بين يَدَيْها ابنُ دُرَيدٍ حاجِبٌ ... وألِفاتُ شِعْرِه مِثْلُ الْعَصَا ذَيْلُ الدُّجَى بِعَرْفِها مُمَسَّكٌ ... مُضَمِّخٌ خَلُوقُها بُرْدَ الضُحَى ومن همزيته النبوية، التي أولها: ما سُلَيْمَى ما هندُ ما أسْماءُ ... أنتَ مَعنىً وكلُّها أسْماءُ وهْو حِزْبِي ووِرْدُ كُلِّ لسانٍ ... ولَكم أخْصَبَتْ به الشَّهْباءُ ذاك حِزْبُ البحر الذي لا يُلاقِي ... من يُدِمْ ذِكْرَه عَناً وبَلاءُ منها: وجَدُوه دُرّاً يَتِيماً تَرَبَّى ... لم يُدْنِّسْهُ عُنْصُرٌ وهَبَاءُ الهباء: الأجزاء التي تؤلف منها العناصر، كما في الفتوحات. ذاك كَيْلا يكونَ مَنٌّ عَلَيْهِ ... لأُصولٍ له إليْها اعْتِزاءُ في حديث الراهب بحيرى، لما سأل أبا طالب: ما هذا منك؟ قال: ابني. قال: هذا لا ينبغي أن يكون أبوه حياً. فيه إشارةٌ إلى أن اليتم كمالٌ في حقه، وقد بين بأن الحكمة فيه أن لا يجب عليه طاعةٌ لغير الله، ولا يكون عليه ولايةٌ ولا منةٌ لغيره، ولا يتوجه عليه حقٌّ لمخلوق، ولا نسب لقطيعةٍ ولا عقوق. كذا في شرح تائية السبكي، لابن الهيتمي. منها: خُلُقٌ للصَّبَا شَقِيقٌ فمِنْها ... نَصْرُه والعِدَى لَها النَّكْباءُ مُذْ أظَلَّ الزَّمانَ منه وُجودٌ ... حسَدتْه الأزْمانُ والآناءُ وعليه إذا غارَ من عينِ شَمْسٍ ... ظَلَّلتْه سَحابةٌ وَطْفاءُ وبه زَهْرةُ الحياةِ رَبِيعٌ ... مُذ أظلَّت مَوْلُودَه الخَضْراءُ وغدَتْ أرضُه سماءً بفَخْرٍ ... فهْي خَضْراءُ ثُمَّ لا غَبْراءُ وله الأرضُ مَسْجِدٌ فجميعُ ... مَن عليها له به الاقْتِداءُ وسُطورُ الصلاةِ حُجَّةِ دِينٍ ... وبخَتْمِ النُّبُوَّةِ الإمْضاءُ وبه شُرَّفَتْ فكانت طَهُوراً ... وتساوَى البُلْدانُ والصَّحْراءُ منها: وله الضَّبُّ ناطِقٌ باعْترافٍ ... ومن السَّعْدِ تنْطِقُ العَجْماءُ مع ذَأ سَفَّه النِّفاقُ أُناساً ... ما لِضَبٍ من حِقْدِهم نافِقاءُ ليس فيهم سِوَى أَعِنَّةِ خَيْلٍ ... وقَنَا الخَطِّ في الوغَى سُفَهاءُ ومِراضُ القلوب قد قَصَدْتهم ... سُمْرُهُ حين حَمَّتِ الهَيْجاءُ ما سَقاهم إلاّ كُئوسَ المَنايَا ... ربَّ داءٍ له المماتُ دَواءُ هم ثِفالٌ إذا رَحَى الحرب دارتْ ... وبنادِيهمُ همُ الأرْجاءُ

стр. 632

تُغْمَدُ البِيضُ في طُلاهمْ بفَتْكٍ ... مُضَرٌ لُقِّبَتْ به الْحَمراءُ هذا من الأسرار العجيبة في اللغة العربية، وهو الإشارة إلى حال اللفظ أو جهة وصفه، كقول ابن الرومي: غارتْ عليهنَّ الثُّدِيُّ ... هناك مِن مسِّ الغَلائِلْ وإذا لبِسْنَ خَلاخِلاً ... كَذَّبْن أسماءَ الخلاخِلْ وقال الشريف الرضي: وغَيَّر ألْوانَ الْقَنَا طولُ طَعْنهمْفبالحُمْرِ تُدْعَى اليومَ لا بالْقنَا السُّمْرِ وقال: سُمِّيتِ الغَبْراءُ في عَهْدِهمْ ... حَمْراءَ من طُولِ قِطارِ الدَّمِ وقال الغزي: حيثُ القناةُ تُرَى قَناةً كاسْمِها ... من نَضْحِ عَيْنِ الطَّعْنَة الرَّشَّاشِ وقال ابن حازم: جعلُوا الْقَنا أقْلامَهم وطُرُوسَهمْ ... مُهَجَ العِدَى ومِدَادهنَّ دِماءَهَا وأظُنَّ أن الأقْدَمِين لِذا رَأَوْا ... أن يجعلوا خَطِّيَّةً أسْماءَهَا وقال المتنبي في الدنيا: شِيَمُ الْغانياتِ فيها فما أدْرِي ... لِذا أنَّث اسمها النَّاسُ أوْ لاَ وقال الشاب الظريف: أدُورُ لتَقْبِيلِ الثَّنايَا ولم أزَلْ ... أجُودُ بنَفْسِي للنَّدامَى وأنْفاسِي وأكْسُوا أكُفَّ الشُّهْبِ ثَوْباً مُذَهَّباً ... فمِن أجْلِ هذا لَقّبُونِيَ بالْكاسِ وقال الخفاجي: ما السِرُّ سِرٌّ إذا أظْهَرْتَه لِفَتىً ... سِواكَ والسِّرُّ لِلإخْفاءِ قد صُنِعَا منها تتمة: قد مَحاهمُ وطهَّر الأرْضَ منها ... ومع السَّيْلِ لا يَقَرُّ الغُثاءُ وبُطونُ الطَّيرِ أمْسَتْ قُبوراً ... لِلْعدى إذ تُمزَّق الأشْلاءُ ما سمِعْنا بالقبْرِ سار اشْتياقاً ... لِيُوارِي سَوْآتِ مَن قد أسَاءُوا رُبَّ من كان زِئْبَقاً فَرَّاراً ... صار عَبْداً لِرِقِّه اسْتعساءُ لم يَقِلْ والظِّلالُ صارتْ مِهاداً ... فَوْقَه الآلُ بُرْدَةٌ سِيَراءُ منها: هو نُورٌ فما لَه قَطُّ ظِلٌّ ... لاَحَ لولا بُرودُه والرِّداءُ إن نَفَى ظُلْمةً عَياءُ جَمالٍ ... فبِظِلٍ له يَعِزُّ البقاءُ صِينَ عن أن يُجَرَّ في التُّرْبِ ذَيْلٌ ... مِن ظِلالٍ له كما الأفْياءُ فَرَشَ الناسُ ظِلَّهم واحْتَذَوْهُ ... عندما قام للنّهارِ اسْتِواءُ كيف يبْدُو ظِلٌّ لِشَمْسٍ تَعالَتْ ... واسْتوَى الإسْتواءُ والإرْتقاءُ أتُراه يُصانُ عَن حَرِّ جَوٍ ... إذْ أظَلَّتْه سُحْبُه والْعَماءُ أمْ عليه تَغارُ مِن عَيْنِ شَمْسٍ ... مُدَّ مِن دونها عليه الْغِطاءُ لم تَرَ العَيْنُ مِثْلَه فلهذا ... يَنْمَحِي ظِلُّه إذا الناسُ فَاءُوا لَبِسَ الظِّلُّ مِن نَواهُ حِداداً ... فظِلالُ الورَى لِذَا سَوْداءُ من هذا يعلم قدرته على الكلام وتصرفه، وبالجملة فلم أر أحداً مثله أطاعته ألفاظ الكلام وأحرفه. وقد استعمل الظل في معنىً غير ما نظمه هنا من رباعية له: ما جُرَّ لِظلِّ أحْمَدَ أذْيالُ ... في الأرضِ كَرامةً كما قد قَالُوا هَذا عَجَبٌ ويا لَه مِن عَجَبٍ ... والناسُ بِظلِّه جميعاً قالُوا لَيْلةٌ أنْجَبتْ وقد حَمَلْته ... وبهذا ما أنْجَبتْ سَوْداءُ جَنَّةٌ كلُّ بُقْعةٍ حَلَّ فيها ... ليس فيها لَغْوٌ ولا شَحْناءُ وأهالِي الجنانِ ليس ينامُو ... ن لذا كان نَوْمُه الإغْفاءُ يَقِظُ القلبِ فالجفونُ هُجودٌ ... ومَحارِيبُ حاجِبَيْه قُباءُ فُوهُ لم ينْفَتِحْ بغير سَدادٍ ... لا تَمَطٍ له ولا ثَوْباءُ الثوباء: التثاؤب. قال ابن حجر في شرح الهمزية: جاء أن النبي ﷺ حفظ من التثاؤب، بل جاء أن كل نبيٍ كذلك.

стр. 633

وذكر المترجم، في شرحه على الشفاء، عند قوله: ومن دلائل نبوته أن الذباب كان لا يقع على ما ظهر من جسده الشريف، ولا يقع على ثيابه، ما ملخصه: وهذا مما قاله ابن سبع أيضاً، إلا أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا. وهذا مما أكرمه الله تعالى به؛ لأنه طهره من جميع الأقذار. وقد نظم هذا في رباعية، وهي: مِن أكْرَم مُرْسَل عظيم جَلاَّ ... لم تَدْنُ ذُبابةٌ إذا ما حَلاَّ هذا عَجَبٌ ولم يذُقْ ذو نَظَرٍ ... في الموجُوداتِ مِن حُلاه أحْلَى قال: وتظرف بعض الأعاجم ومراده به الملا جامي فقال: محمد رسول الله ليس فيه حرفٌ منقوط؛ لأن النقط يشبه الذباب، فصين اسمه ونعته عن النقط. ونظمه فقال: لقد ذُبَّ الذُّبابُ فليس يَعْلُو ... رسولَ اللهِ محموداً مُحَمَّدْ ونَقْطُ الحَرْفِ يُشْبِهُه بشكْلٍ ... لذاك الخطُّ عنه قد تجَرَّدْ صَمَّمُوا آراءَهم على الفَتْك فيهِ ... فتَوارَتْ لخَوْفِه الآراءُ ورأَوا نَفْيَه لِحَيٍ سِواهُمْ ... ولكم أثْبَتَ المِراءَ انتِفاءُ لم يُصِبْ نَصْبُهم مَكائدَ شَرٍ ... وتَساوَى التَّحْذِيرُ والإغْراءُ نَبْحُ كلبٍ بلَيْلةِ التِّمِّ بَدْراً ... لم يُفِدْه إلاَّ الْعَنَا والعُواءُ منها: ولِغَيْظٍ على سُراقةَ عَضَّتْ ... سُوقَ نَهْدٍ من تحتِه الدَّهْناءُ وعلى أمِّ مَعْبَدٍ نَالَ حتى ... بعُلاهَا تحدَّث الأحْياءُ ورَفِيعَ العِمادِ أصْبَح لمَّا ... أنْ حَوَى قَدْرَه الرَّفيعَ الْجَفاءُ وبيُمْنٍ منه له الشَّاةُ دَرَّتْ ... وهْي للهِ دَرُّها عَجْفاءُ وطَعامٌ لجابرٍ إذْ أتاه ... وبخَفْضِ الإضافةِ النَّعْماءُ كطعامِ الجِنانِ من غيرِ قَطْعٍ ... لجميعِ الأنامِ فيه اكْتفاءُ وله في وصف تلك الذات، التي وصفها أشهى اللذات، من قصيدة طويلة: تملَّك حَبَّاتِ القلوبِ لأجل ذا ... دَعاهُ حَبِيباً كلُّ صَبٍ مُتَيَّمِ ويوسُف لم يظْفَرْ بمَسْحةِ حُسْنِه ... على أنه رَبُّ الجمالِ المُكرَّمِ يقال: عليه مسحةٌ من كذا، أي أثر. قال: على وَجْهِ مَيٍ مَسْحةٌ مِن مَلاحةٍ وفي الحديث: " عليه مسحةٌ من ملكٍ "، وهي تعبيرٌ بليغ، وهو خاصٌ بالمدح. فأين النِّساءُ القاطِعاتُ أَكُفَّها ... وشَقُّ ابن مُزْنٍ صَدْرَه شَقَّ مُغْرَمِ ودُرٌّ يَتِيمٌ لم يُهَذِّبْه كافِلٌ ... وآدابُه ليست إلى الناس تَنْتمِي يقول أنا الأمِّيُّ في اللَّوحِ ناظِرٌ ... وفي مَكْتَبِ الأرْواحِ رَبِّي مُعَلِّمِي منها: إذا لاح في مَوْضُونَةِ السَّرْدِ خِلْتَهُ ... خِضَمّاً تَرَدَّى بالغَدِير المُنَسَّم أأعْداءُه خُشْبٌ مُسَنَّدةٌ ولم ... تَحِنَّ حَنِينَ الجِذْعَ حين التَّألُّمِ أم الصَّخْرُ إنَّ الصَّخْرَ سَلَّم إذْ بَدا ... وما سَلَّمتْ تسْليمَ أخْرسَ أعْجَمِ منها: فسَلْ يوم بَدْر حين لاحَتْ نُجومُه ... وشمسٌ بغَيْرِ النَّقْع لم تتثَلَّمِ بكُلِّ كَمِيٍ كان في بَطْنِ أُمِّه ... تعلَّم أن يُغْذَى ويُرْوَى من الدَّمِ لم أسمع في هذا المعنى أبدع من قول أبي بكر الإشبيلي المعروف بالأبيض، في تهنئة بمولود: أصاخَتِ الخيلُ آذاناً لِصَرْختِهِ ... واهْتَزَّ كلُّ هِزَبْرِ عندما عَطَسَا تعشَّقَ الدِّرْعَ مُذْ شُدَّتْ لَفائفُهُ ... وأبْغَضَ المهْدَ لمّا أبْصَرَ الْفَرَسَا تعلّمَ الرَّكْضَ أيَّامَ المخاضِ بِهِ ... فما امْتطَى الخَيْلَ إلاّ وهْو قد فَرُسَا وله من أخرى مستهلها: يا ليْتنِي ثانٍ لِحادٍ حَداكْ ... ورابعُ الكَهْفِ لِكَهْفٍ حَواكْ

стр. 634

وليت نَوْءَ الطَّرْفِ في رَوْضةٍ ... أنتَ بها رَغْماً لِنَوْءِ السِّماكِ أسْقِي بها مَثْواكَ يا مُنْيتِي ... هل تُسْكَبُ العَبَراتُ إلا هُناكْ يا ابْنَ الذبِيحَيْن وقد فُدِّيَا ... ليت جميعَ الخلْقِ كانوا فِدَاكْ فما اسْتحقّ العَنْبَرُ الرّطبُ أن ... يُحرَق إلا حين حاكى ثَراكْ ليت وُجوهاً لأعادِيكَ لو ... أمْسَتْ نِعالاً حَاجِباها شِرضاكْ لم تَحْكِكَ السُّحْبُ ولا البَحْرُ في ... جُودٍ ولا فاز بما في لُهاكْ فالبَرْقُ لم يَلْمعْ ولكنَّه ... يضْحَكُ من وَابِلِ غَيْثٍ حَكاكْ وله: أيُغْلَبُ من له الأَمْلاكُ جُنْدٌ ... ورَبُّ العَرْشِ قد أمْسَى مُعِينَا وقَبْلَ جُيوشِه هُزِمَتْ قلوبٌ ... برُعْبٍ خِلْتَه سَبَق المَنُونَا ولو ثَبَتُوا لَفَرَّ الْهامُ منهمْ ... وأرْوَاحٌ لهم كانتْ كَمِينَا وله: لِرَسُولِ الإلهِ أعْلَى مَقامٍ ... ليس يَدْرِي به جميعُ الْكَلامِ وله هِمَّةٌ وعَزْمٌ رفيعٌ ... جَلَّ عن أن يُرْتَضَى بمِلْكِ الحُطامِ فلذا لم يكُنْ له مِيراثٌ ... غيرَ شَرْعٍ وغيرَ عِلْمٍ سَامِي لو تكون الدُّنْيا له مِيراثاً ... مِثْلَ ما كان في جميعِ الأنامِ ما حَواهَا الصِّدِّيقُ في عَصَباتٍ ... وذَوِي الفَرْضِ من أُلِي الأرْحامِ وهْو حَيٌّ في قَبْرِه ورسولٌ ... لم يُوَرِّثْ حَيّاً ذَوُو الأحْلامِ فَدَكٌ قد قضَتْ عليْنا بهذا ... وحديثُ العَبَّاسِ والأعْلامِ فادْرِ هذا فإنه جَوْهَرٌ قد ... حَفِظتْه خَزائنُ الأفْهامِ لا يَغُرَّنَّك الذي قال قومٌ ... حين ضَلُّوا في مَهْمَهِ الأوْهامِ ومن أخرى: فالجِذْعُ حَنَّ وأنَّ مِن جَزَعٍ ... لِفِراقِ طه بَعْدَما خَطَبَا وغَدا غِراساً في الجِنانِ له ... ثَمَرٌ يَطِيبُ بِمَنْهَلٍ عَذُبَا والمُشرِكون قَسَتْ قلوبُهُم ... فطَغَوْا ولم يُصْغُوا لخيرٍ نَبَا فغَدَوْا وهم خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ ... ستَراهمُ لِجَهَنَّمٍ حَطَبَا وله: لِوَالِدَيْ طه مَقامٌ عَلاَ ... في جَنَّةِ الخُلْدِ ودارِ الثَّوَابْ وقَطْرةٌ من فَضَلاتٍ له ... في الجَوْفِ تُنْجِي مِن ألِيمٍ العقابْ فكيف أرْحامٌ له قد غَدَتْ ... حامِلةً تَصْلَى بنارِ العذابْ وله: رُواةُ حَدِيثِ المصطفَى قد دعَا لهمْ ... بنَضْرةِ وَجْهٍ في المَسَرَّةِ لا تُحَدّ وإنِّيَ قِدْماً خادمٌ لحديثِهِ ... يَرَاعِي بمِحرابٍ الطُّرُوسْ له سَجَدْ فحَاشاهُ أن يَرْضَى بذِلَّةِ عَبْدِهِ ... ويهْدِمَ بُنْياناً عليه قد اعْتَمَدْ إليه اسْتِنادِي في جميعِ مَقاصِدِي ... وما خاب مَن كان الرسولُ له سَنَدْ وله في قصة عامرٍ مع النبي ﷺ وأربد: يا خُلَّبَ الْبَرْقِ الذي ... كالنَّصْلِ قد قطَع العَلائِقْ وَافَيْتَ أرْبَدَ بالرَّدَى ... للهِ دَرُّك أيّ بَارِقْ ما ذاك أوَّلَ شائِمٍ ... لِلْبَرْقِ أرْدَتْهُ الصَّواعِقْ وله: بِمَسِّ أقْدامِ النَّبِيِّ قد حَوَتْ ... طَيْبَةُ فخراً حَلَّ في أرْجائِهَا أَخَالُها مذ فَنِيَتْ بحُبِّهِ ... صَانَتْه لِلْغَيْرةِ في أحْشائِهَا وله مضمناً: وقالوا حَلَتْ بئرٌ بِرِيقِ مُحمَّدٍ ... وكم عاد صَخْرٌ بعد ما مَسَّه رَطْبَا ولو نال ماءُ البحرِ من فِيهِ قَطْرةً ... لأصْبَحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِه عَذْبَا لمجنون ليلى:

стр. 635

ولو تفلَتْ في البحرِ والبحرُ مالحٌ ... لأصبحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِها عَذْبَا وله: ما زَلْزَلَةٌ لها سقوطُ الإِيوانْ ... إذْ حان قُدُومُ فَخْرِ نوعِ الإنْسانْ إلاّ لِمَسَرَّةٍ تَهُزُّ الأكْوانْ ... إذْ بَشَّرها به اخْتِلاجُ الأعْيانْ وله: طه كَمُلَتْ صِفاتُه والخلُقُ ... مُذْ زُيِّن في الوجودِ له النَّسَقُ بحرٌ عَذُبَتْ مَوارِدُ الشُّرْبِ به ... لولاه لَما اسْتُخْرِج منه العَلَقُ وله: نِيرانُ فارسَ انْطَفَتْ لمّا بَدَتْ ... بُشْرَى النُّبُوَّةِ ساطِعاً بُرْهانُهَا سجَدتْ لِنِيرانِ المَجُوسِ عِصابةٌ ... سجَدتْ لأنْوارِ الهُدَى نِيرانُهَا وله: لَعَمْرُكَ جَبْهَةُ خيرِ الورَى ... جِراحَتُها آيةٌ للبشَرْ أرانا لها اللهُ حتى نَرَى ... بها كيف كان انْشِقاقُ القَمَرْ وله: قَصَرْتُ مَدائِحِي والقَصْرُ مِنِّي ... على طه وما لِلْقَصْرِ مَدُّ إذا كان الثَّناءُ له جميلاً ... هو الْحَمْدُ الذي في العُرْفِ حَدُّوا ولم يُرَ منه أجْمَلُ طَرْف عَيْنٍ ... فليس بِلائِقٍ لِسِوَاه حَمْدُ وله: خَلِيليَّ مُرَّا بِي على طَيْبَةَ التي ... بها مَضْجَعُ المُختارِ طه المُقَرَّبُ يفُوق ذَكِيَّ المِسْكِ عَرْفُ تُرابِها ... فمِن شَمْسِه نادأك صَلِّ عَلَى النَّبِي ألَمْ تَرَ أنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقاً ... وَجَدْتُ بها طِيباً وإن لم تَطَيَّبِ وله: لَعَمْرُكَ ما قلبُ النَّبِيِّ غَفَا ولاَ ... عيونٌ له في ظُلْمةِ الليلِ رَاقِدَهْ تَهجَّدتِ الأجْفانُ في ظُلْمةِ الدُّجى ... فبانتْ بِمحْرابِ الحَواجِبِ ساجِدَهْ وله في وصف الصحابة مضمناً: يُكبِّرُون إذا خاضُوا بُحُورَ رَدىً ... وما لَهُمْ عن حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ حياض: جمع حوض، وحياض الموت: المنية، استعارة منه، والتهليل: الانهزام والتكذيب، قال: أمْضَى وأعْنَى في اللِّقاءِ لَقِيتَهُ ... وأقَلُّ تَهْلِيلاً إذا ما أُحْجِمَا ومن لطائف المتأخرين: هَلُمَّ لوَصْلِ حَمَّامٍ بديعٍ ... يفُوق رُخامُه زَهْرَ الرِّياضِ لِبُعْدِك ماؤُه ما طاب قَلْباً ... وأمْسَى من فِراقِك في الْحِياضِ ومن تفاريق قصائده قوله: على النَّهْرِ دِرْعٌ من نَسِيمٍ حَبابُهُ ... له حَلَقٌ لمَّا رَمى وَبْلُه نَبْلاَ تكِلُّ سيوفُ الهندِ في لَحْظِ مُنْيَتِي ... فتعْذُب والتَّعْذِيبُ في السيفِ إن كَلاَّ منها: إذا طالَبْتنِي بالحُتُوفِ عَزائِمي ... أُماطِلُها حتى أُلاقِي لها أهْلاَ فيقْضِي اصْطِبارِي كلَّ دَيْنٍ على المُنَى ... قضاءَ مَلِيٍ لم يكنْ يعرفُ المَطْلاَ وإن صِرْتُ حِلْسَ الدَّارِ رِزْقِي يزُورُني ... فأصْطاد ما تَهْوَى الأمانِي من المِقْلاَ وقوله من قصيدة أولها: بِتُّ أرْعَى النجومَ والإلْفُ رَاقِدْ ... هل سميرُ الشِّهابِ غيرُ الفَراقِدْ منها: كلُّ زَرْعٍ زَرَعْتُه في شبابِي ... فله مِنْجَلُ انْحِنائِيَ حَاصِدْ أنا في الأرْضِ ضاربٌ كلَّ كَسْبٍ ... مِثْلَ ضَرْبٍ لِواحدِ في وَاحِدْ منها: وبجِيدِ الأيامِ عند تَصابٍ ... ليس غير الكُؤُوسِ فيها فَرائِدْ وقوله: وسَفْرِ مُنىً جازتْ بعَزْمِي ومالَها ... قناطرُ إلاَّ العِيسَ في أبْحُرِ الآلِ عَبَرْتُ بها دَاراً مُحِيلاً رُسُومُه ... ألَحَّ عليه كُلُّ أسْحَمَ هَطَّالِ إلى كعبةٍ أمْسَتْ تُزارُ ولم تَزُرْ ... يطُوف رجائي حولَها مُنْذُ أحْوالِ أقُول لها لمَّا تبَّدى لناظِرِي ... تَمِيسُ عُلاهُ لي مَلابِسِ إجْلالِ
следующие страницы →