Полный текст (4 103 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
لرَسُول اللَّهِ ﷺ ككعب بن الْأَشْرَف فَذكرُوا سَلام بن أبي الْحقيق بِخَيْبَر فَاسْتَأْذنُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قَتله فَأذن لَهُم ونهاهم عَن قتل النِّسَاء والولدان فَخرج عبد الله بن عتِيك وَعبد الله بن أنيس ومسعود بن سِنَان وَأَبُو قَتَادَة بن ربعي بن بلدمة بن سَلمَة وخزاعي بن أسود حَلِيف لَهُم من أسلم حَتَّى قدمُوا خَيْبَر فَدَخَلُوا على سَلام بن أبي الْحقيق دَاره لَيْلًا وَلم يبْق فِي الدَّار بَيت إِلَّا أغلقوه ثمَّ صعدوا فِي دَرَجَة إِلَى علية لَهُ فَضربُوا عَلَيْهِ بَابه فَخرجت امْرَأَته وَقَالَت من أَنْتُم قَالُوا نفر من الْعَرَب أردنَا الْميرَة فَقَالَت هُوَ ذَاك فِي الْبَيْت فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وغلقوا الْبَاب عَلَيْهِم فَمَا دلهم عَلَيْهِ إِلَّا بياضه فِي ظلمَة الْبَيْت وَكَانَ أَبيض كَأَنَّهُ قبْطِي فَابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ
стр. 247
وتحامل عَلَيْهِ عبد الله بن أنيس فَوضع سَيْفه فِي بَطْنه وهتفت امْرَأَته وَخَرجُوا وَكَانَ عبد الله بن عتِيك أَمِير الْقَوْم وَكَانَ فِي بَصَره شَيْء فَسقط من الدرجَة فوثئت يَده وثأ شَدِيدا فَلَمَّا قدمُوا على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَخْبرُوهُ وَاخْتلفُوا فِي قَتله وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُم أَنه قَتله فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هاتوا سُيُوفكُمْ فَأَعْطوهُ فَنظر فَقَالَ سيف عبد الله بن أنيس هَذَا قَتله أرى فِيهِ أثر الطَّعَام
стр. 248
(السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عون الدماتى ثَنَا عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَن مَحْمُود بن لبيد عَن بن عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مِنْ فِيهِ قَالَ كُنْتُ رَجُلا مَجُوسِيًّا مِنْ أَهْلِ جي مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ وَكُنْتُ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ فَمَا زَالَ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ وَكُنْتُ قَدِ اجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قُطْنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً وَكَانَتْ لأَبِي ضَيْعَةٌ فِيهَا بَعْضُ الْعَمَلِ بَنَى أَبِي بُنْيَانًا لَهُ فِي دَارِهِ فَدَعَانِي فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَن ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ إِلَيْهَا فَاطْلَعْهَا وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ ثُمَّ قَالَ لِي وَلا تَحْتَبِسْ عَنِّي فَإنَّك ان احتسبت عَنِّي كُنْتَ أَهَمَّ عِنْدِي مِمَّا أَنَا فِيهِ فَخَرَجْتُ فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةِ
стр. 249
النَّصَارَى وَهُوَ يصلونَ فها فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يصنعون فو الله مَا زِلْتُ قَاعِدًا عِنْدَهُمْ وَأَعْجَبَنِي دِينُهُمْ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ صَلاتِهِمْ وَأَخَذَ بِقَلْبِي فَأَحْبَبْتُهُمْ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَطُّ وَكُنْتُ لَا أَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ ديننَا فو الله مَا بَرِحْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ حَاجَةَ أَبِي الَّتِي أَرْسَلَنِي إِلَيْهَا وَمَا رَجَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ بَعَثَ فِي الطَّلَبِ يَلْتَمِسُ لِي فَلَمْ يَجِدْ حَيْثُ أَرْسَلَنِي فَبَعَثَ رُسُلَهُ فَبَغَوْنِي بِكُلِّ مَكَانٍ حَتَّى جِئْتُهُ عَشِيًّا وَقَدْ قُلْتُ لِلنَّصَارَى حِينَ رَأَيْتُ مَا أَعْجَبَنِي مِنْ هَيْئَتِهِمْ أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ قَالُوا بِالشَّامِ فَلَمَّا أَتَيْتُ أَبِي فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكِ أَنْ لَا تَحْتَبِسَ عَلَيَّ فَقُلْتُ بَلَى وَإِنِّي مَرَرْتُ على كَنِيسَةِ النَّصَارَى فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ أَمْرِهِمْ وحستن صَلاتِهِمْ وَرَأَيْتُ دِينَهُمْ خَيْرًا قَالَ كَلا يَا بُنَيَّ إِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ لَا خَيْرَ فِيهِ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ فَقُلْتُ كَلا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ ديننَا قَالَ إِلَى النَّصَارَى وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ أَمْرَهُمْ وَقُلْتُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ أَذْهَبُ مَعَهُمْ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ فَأَرْسَلُوا إِلَى فَأرْسلت
стр. 250
إِلَيْهِمْ إِذَا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ فَأَخْبِرُونِي فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ جِئْتُهُمْ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ سَأَلْتُ عَن عَالِمِهِمْ فَقَالُوا صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ أَسْقُفُّهُمْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَقُلْتُ لَهُ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ أَخْدِمُكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ فَإِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي دِينِكَ قَالَ أَقِمْ فَمَكَثْتُ مَعَهُ فِي الْكَنِيسَةِ أَتَفَقَّهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَكَانَ رَجُلَ سوء فَاجر فِي دِينِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ الأَمْوَالَ اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَكُنْتُ أَبْغَضُهُ لِمَا أَرَى مِنْ فُجُورِهِ وَقَدْ جَمَعَ سَبْعَ قِلالِ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ فَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا رَجُلُ سَوْءٍ كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لنَفسِهِ وَلم يُعْطه الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا قَالُوا وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ قُلْتُ أَدُلُّكُمْ على كَنْزِه قَالُوا أَنْتَ وَذَاكَ فدللتهم عَلَيْهِ فأخرجوا قلالا مَمْلُوءَة ذَهَبا وورقا قَالَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا وَالله لَا نغنيه أَبَدًا فَصَلَبُوهُ على خَشَبَةٍ وَرَجَمُوهُ بالحجرة وجاؤا بِرَجُلٍ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ قَالَ فَيَقُولُ سلمَان يَا بن أَخِي مَا رَأَيْتُ رَجُلا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ زَهَادَةً فِي الدُّنْيَا وَلا أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ وَلا أَدْأَبُ لَيْلا وَلا نَهَارًا مِنْهُ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ قَالَ سَلْمَانُ فَأَقَمْتُ
стр. 251
مَعَهُ وَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا مَا عَلِمْتُ أَنِّي أَحْبَبْتُ شَيْئًا كَانَ قَبْلَهُ فَكُنْتُ مَعَهُ أَخْدِمُهُ وَأُصَلِّي مَعَهُ فِي الْكَنِيسَةِ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ يَا فُلانُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ وَمَا أَحْبَبْتُ حُبَّكَ شئا قَطُّ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَنْ ذَا الَّذِي تَأْمُرُنِي مُتَّبِعٌ أَمرك ومصدق حَدثَك قَالَ أَيْ بُنَيَّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا رجلا بالموصل قَالَ لَهُ فُلانٌ فَإِنِّي وَإِنَّهُ كُنَّا على أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الرَّأْيِ وَالدِّينِ وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَسَتَجِدُ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا كُنْتَ تَرَى مِنِّي فَأَمَّا النَّاسُ قَدْ بَدَّلُوا وَهَلَكُوا فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فَقَالَ أَقِمْ فَكُنْتُ مَعَهُ فِي كَنِيسَتِهِ فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ صَاحِبِي رَجُلا صَالِحًا فَكُنْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ يَا فلَان إِن فلَانا أوصانى إلك حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَإِلَى مَنْ تَأْمُرُنِي قَالَ أَيْ بُنَيَّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على أَمْرِنَا إِلا رَجُلا بَنَصِيبِينِ يُقَالُ لَهُ فُلانٌ فَالْحَقْ بِهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ على مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ فَمَكَثْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي إِلَى فُلانٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَيْكِ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي بعْدك قَالَ أَبى بُنَيَّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلا رَجُلا بِعَمُورِيَّةَ فِي أَرْضِ الرُّومِ
стр. 252
فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا تُرِيدُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ فَالْحَقْ بِهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فَقَالَ أَقِمْ فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ على مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَأَثَابَ لِي شَيْئًا حَتَّى اتَّخَذْتُ بَقَرَاتٍ وَغُنَيْمَةً ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي إِلَى فلانن صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَى فُلانٍ صَاحِبِ نَصِيبِينَ ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ نَصِيبِينَ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي قَالَ يَا بُنَيَّ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ فِي هَذِهِ الأَرْضِ أَحَدٌ على مَا كُنَّا عَلَيْهِ لكك قدد أظللك خُرُوجُ نَبِيٍّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ يُبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنَفِيَّةِ يَكُونُ مِنْهَا مُهَاجَرُهُ وَقَرَارُهُ إِلَى أَرْضٍ يَكُونُ بِهَا النَّخْلُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ نَعَتَهَا بِكَذَا وَكَذَا بِظَهْرِهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتَهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ثُمَّ مَاتَ فَمَرَّ بِي رَكْبٌ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلْتُهُمْ مَنْ هُمْ فَقَالُوا من الْعَرَب فسألتهم من بلاددهم فَأَخْبَرُونِي عَنْهَا فَقُلْتُ لَهُمْ أُعْطِيكُمْ بَقَرِي وَغَنَمِي هَذَا على أَنْ تَحْمِلُونِي حَتَّى تَقْدُمُوا أَرْضَكُمْ قَالُوا نَعَمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذا جاؤوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ فَأَقَمْتُ وَرَأَيْتُ بِهَا النَّخْلَ وَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ
стр. 253
الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ ثُمَّ خَرَجَ بِي حَتَّى قدم الْمَدِينَة فو الله مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ الْبَلَدُ فَمَكَثْتُ بِهَا أَعْمَلُ لَهُ فِي مَالِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَخَفِيَ عَلَيَّ أَمْرُهُ وَأَنَا فِي رِقِّي مَشْغُولٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَنَزَلَ فِي قُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بن عَوْف فو الله إِنِّي لفى ة رَأْسِ نَخْلَةٍ أَعْمَلُ لِصَاحِبِي فِيهَا وَصَاحِبِي تَحْتِي جَالِسٌ إِذْ أَقْبَلَ بن عَمٍّ لَهُ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ يَا فُلانُ قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ إِنَّهُمْ آنِفًا لَمُجْتَمِعُونَ يُقْبِلُونَ على رَجُلٍ بِقُبَاءَ قَدِمَ مِنْ مَكَّة يَزْعمُونَ أَنه نَبِي فو الله مَا هُوَ إِلا أَنْ قَالَهَا لَهُ أَخَذَتْنِي رَعْدَةٌ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَقَطْتُ على صَاحِبِي فَنَزَلْتُ سَرِيعًا فَقُلْتُ أَيْ سَيِّدي ماالذى تَقُولُ فَغَضِبَ مِمَّا رَأَى فِيَّ وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَنِي بِهَا ضَرْبَةً شَدِيدَة ثمَّ قَالَ مَا قَالَ مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ على عَمَلِكَ قُلْتُ لَا شَيْءَ سَمِعْتُ مِنْكَ شَيْئًا فَأَرَدْتُ أَنْ أعلمهُ فَسكت عَنهُ
стр. 254
ثُمَّ أَقْبَلْتُ على عَمَلِي فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جَمَعْتُ مَا كَانَ عِنْدِي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْتُ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّ مَعَكَ أَصْحَابًا لَكَ أَهْلَ حَاجَةٍ وَغُرْبَةٍ وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ وَضَعْتُهُ لِلصَّدَقَةِ مِنْ طَعَامٍ يَسِيرٍ فَجِئْتُكُمْ بِهِ وَهُوَ ذَا فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ كُلُوا وَأَمْسَكَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَةِ فُلانٍ ثُمَّ رَجَعْتُ فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ هَذَا شَيْءٌ كَانَ لِي وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكَ وَهُوَ هَدِيَّةٌ أُهْدِيهَا لَكَ كَرَامَةً لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ فَإِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا وَأَكَلَ مَعَهُمْ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَاتَانِ اثْنَتَانِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَمَكَثْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ مُرْتَدِيًا بِوَاحِدَةٍ وَمُتَّزِرًا بِالأُخْرَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ وَرَاءَهُ لأَنْظُرَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ وأثبته فَقَالَ بِرِدَائِهِ فَأَلْقَاهُ عَن ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَمَا وَصَفَهُ لِي صَاحِبِي فَأَكْبَبْتُ على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُقَبِّلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَبْكِي فَقَالَ تَحَوَّلْ عَنِّي فَتَحَوَّلْتُ عَنْهُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 255
وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي وَشَأْنِي وَحَدِيثِي فَأُعْجِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ أَسْلَمْتُ وَمَكَثْتُ مَمْلُوكًا حَتَّى مَضَى شَأْنُ بَدْرٍ وَشَأْنُ أُحُدٍ وَشَغَلَنِي الرِّقُّ فَلَمْ أَشْهَدْ مَجَامِعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِبْ نَفْسَكَ فَسَأَلْتُ صَاحِبِي الْكِتَابَةَ فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى كَاتَبَنِي على أَن أفى لَهُ ثَلَاثمِائَة نَخْلَةٍ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةَ وَرِقٍ وَتِلْكَ أَرْبَعَةُ آلافٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابه أَعِينُوا أَخَاكُمْ بِالنَّخْلِ فَأَعَانَنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ مِنْهُمْ مَنْ يُعْطِينِي الْعِشْرِينَ وَالثَّلاثِينَ وَالْعَشَرَةَ وَالْخَمْسَ وَالسِّتَّ وَالسَّبْعَ وَالثَّمَانِ وَالأَرْبَعَ وَالثَّلاثَ حَتَّى جَمَعْتُهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبْ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَضَعَهَا فَأْتِنِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَضَعُهَا لَكَ بِيَدِي فَقُمْتُ فِي تَفْقِيرِهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابُهُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْ شُرْبِهَا وَجَاءَ أَصْحَابِي كُلُّ رَجُلٍ بِمَا أَعَانَنِي مِنَ النَّخْلِ فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَخَرَجَ فَجَعَلْنَا نَحْمِلُ إِلَيْهِ النَّخْلَ فَيَضَعُهَا بِيَدِهِ فَمَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَبَقِيَتِ الدَّرَاهِمُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا سُلَيْمَان إِذَا سَمِعت بِشَيْءٍ قَدْ جَاءَنِي فَأْتِنِي أُغْنِيكَ بِمِثْلِ مَا بَقِيَ من مُكَاتَبَتك فَبينا
стр. 256
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سُلَيْمَان قَالَ قُلْتُ وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ مِنَ الْمَالِ قَالَ إِن الله سيؤديها عَنْك فو الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ وَزَنْتُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً حَقَّهُمْ جَمِيعًا وَعُتِقَ سَلْمَانُ وَغَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ وَمَا كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمَغَازِي قَالَ فِي أول هَذِه السّنة كَانَ فك سلمَان من الرّقّ وأداؤه بِمَا كُوتِبَ عَلَيْهِ
(- ثمَّ كَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع)
فِي الْمحرم خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ واستخلف على الْمَدِينَة
стр. 257
عُثْمَان بن عَفَّان يُرِيد بني محَارب وَبني ثَعْلَبَة من غطفان حَتَّى نزل نخلا فلقي بهَا جَمِيعًا من غطفان فتقارب النَّاس وَلم يكن بَينهم حَرْب إِلَّا أَن النَّاس قد خَافَ بَعضهم من بعض حَتَّى صلى رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَاة الْخَوْف وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْغُزَاة غزَاة ذَات الرّقاع لن الْخَيل كَانَ فِيهَا سَواد وَبَيَاض فسميت الْغَزْوَة بِتِلْكَ الْخَيل ثمَّ انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ والمسلمون فَبينا جَابر إِذْ أَبْطَأَ عَلَيْهِ جمله فَقَالَ لحقه رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا جَابر قَالَ نعم قَالَ مَا شَأْنك قَالَ أَبْطَأَ عَليّ جملي فحجنه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِحْجَنِهِ وَقَالَ اركب فَقَالَ جَابر وَلَقَد رَأَيْتنِي أكفهعن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا جَابر تزوجت قلت نعم قَالَ بكرا أم ثَيِّبًا قلت بل ثَيِّبًا قَالَ أَفلا جَارِيَة تلاعبها وتلاعبك قلت إِن لي أَخَوَات فَأَحْبَبْت أَن أَتزوّج بِمن يجمعهن ويمشطهن وَتقوم عَلَيْهِنَّ قَالَ أما إِنَّك قادم فَإذْ قدمت فالكيس الْكيس ثمَّ قَالَ
стр. 258
أتبيع جملك فَقلت نعم فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بأوقية ثمَّ قدم الْمَدِينَة ﷺ قَالَ جَابر فَوَجَدته عِنْد بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ الْآن قدمت قلت نعم قَالَ فدع جملك وادخل الْمَسْجِد فصل رَكْعَتَيْنِ فَدخلت فَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَمر بِلَالًا أَن يزن لي أُوقِيَّة فوزن لي فأرجح فِي الْمِيزَان فَانْطَلَقت حَتَّى إِذا وليت فَقَالَ ادعوا لي جَابِرا قلت الْآن يرد على الْجمل وَلَيْسَ شَيْء أبْغض إِلَيّ مِنْهُ قَالَ خُذ جملك وَلَك ثمنه
стр. 259
(- ثمَّ كَانَت غَزْوَة دومة الجندل)
وَذَلِكَ أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ بلغه أَن جمعا تجمعُوا بهَا فغزاهم رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى بلغ دومة الجندل فَلم ير كيدا واستخلف على الْمَدِينَة سِبَاع بن عرفطة الْغِفَارِيّ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة
стр. 260
وَتوفيت أم سعد بن عبَادَة وَسعد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بدومة الجندل فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قبرها وَصلى عَلَيْهَا فَقَالَ سعد يَا رَسُول الله إِن أُمِّي أفتلتت نَفسهَا وَلم توص أفأقضي عَنْهَا قَالَ نعم وكسف الْقَمَر فِي جُمَادَى الْآخِرَة فَجعلت الْيَهُود يرمونه بِالشُّهُبِ ويضربون بالطاس وَيَقُولُونَ سحر الْقَمَر فصلى رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَاة الْكُسُوف وَبلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن قُريْشًا أَصَابَتْهُم شدَّة حَتَّى أكلُوا الرمة فَبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْء من الذَّهَب إِلَيْهِم مَعَ عَمْرو بن أُميَّة وَسَلَمَة بن أسلم بن حريش ثمَّ قدم على رَسُول اللَّهِ ﷺ وَفد من مزينة وَهُوَ أول وَفد قدم عَلَيْهِ فِي رَجَب وَفِيهِمْ بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ فِي رجال من مزينة فَقَالَ لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْتُم مهاجرون أَيْنَمَا كُنْتُم فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ ثمَّ قدم بعدهمْ ضمام بن ثَعْلَبَة بَعثه بَنو سعد بن بكر
стр. 261
فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَتَانَا رَسُولك فَزعم أَنَّك تزْعم أَن الله أرسلك قَالَ صدق قَالَ فَمن خلق السَّمَاء قَالَ الله قَالَ فَمن خلق السَّمَاء قَالَ الله قَالَ فَمن خلق الأَرْض قَالَ الله قَالَ فَمن نصب هَذِه الْجبَال قَالَ الله قَالَ فَمن جعل فِيهَا هَذِه الْمَنَافِع قَالَ الله آللَّهُ تَعَالَى أرسلك قَالَ نعم قَالَ فبالذي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَنصب الْجبَال وَجعل فِيهَا هَذِه الْمَنَافِع هُوَ الله الَّذِي أرسلك قَالَ نعم قَالَ وَزعم رَسُولك أَن علينا خمس صلوَات فِي يَوْمنَا وليلتنا قَالَ صدق قَالَ فبالذي أرسلك آللَّهُ أَمرك بِهَذَا قَالَ نعم قَالَ وَزعم رَسُولك أَن علينا صَوْم شهر رَمَضَان فِي سنتنا قَالَ صدق قَالَ فبالذي أرسلك آللَّهُ أَمرك بِهَذَا قَالَ نعم قَالَ
стр. 262
فوَاللَّه الَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أزيدن عَلَيْهِنَّ وَلَا أنقص مِنْهُنَّ شَيْئا فَلَمَّا قفا قَالَ النَّبِي ﷺ لَئِن صدق ليدخلن الْجنَّة فَأسلم ضمام وَرجع إِلَى قومه بِالْإِسْلَامِ ثمَّ غزا رَسُول اللَّهِ ﷺ غَزْوَة الْمُريْسِيع فِي شعْبَان قصد بني المصطلق من خُزَاعَة على مَاء لَهُم قريب من الْفَرْع فَقتل مِنْهُم رِجَالهمْ وسباهم وَكَانَ فِيمَن سبى جويرة بنت الْحَارِث بن أبي ضرار تزَوجهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجعل صَدَاقهَا أَرْبَعِينَ أَسِيرًا من قَومهَا
стр. 263
فِي هَذِه الْغَزْوَة سقط عقد عَائِشَة فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ على التماسه وَلَيْسوا على مَاء وَلَيْسَ مَعَهم مَاء فَنزلت آيَة التَّيَمُّم فَقَالَ أسيد بن حضير مَا هِيَ بِأول بركتكم يَا آل أبي بكر فبعثوا العير الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ فوجدوا العقد تَحْتَهُ وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَا نملة الطَّائِي بشيرا إِلَى الْمَدِينَة بِفَتْح الْمُريْسِيع
(ثمَّ غزا رَسُول اللَّهِ ﷺ غَزْوَة الخَنْدَق)
وَكَانَ من شَأْنهَا أَن النَّبِي ﷺ لما أجلى بني النَّضِير خرج نفر من الْيَهُود فيهم حييّ بن أَخطب النضري وهوذة بن قيس الوائلي وكنانة بن الرّبيع النضري فِي نر من بني النَّضِير وَبني وَائِل وحزبوا الْأَحْزَاب
стр. 264
حَتَّى قدمُوا على قُرَيْش مَكَّة ودعوهم إِلَى حَرْب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا إِنَّا سنكون مَعكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نستأصله وَمن مَعَه فَقَالَت لَهُم قُرَيْش يَا معشر الْيَهُود إِنَّكُم أهل الْكتاب وَالْعلم بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِف فِيهِ نَحن وَمُحَمّد أفديننا خير أم دينه قَالُوا بل دينكُمْ وَأَنْتُم أولى بِالْحَقِّ مِنْهُ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِك لقريش نشطوا لما دعوهم إِلَيْهِ من حَرْب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْمعُوا لذَلِك واتعدوا لَهُ ثمَّ خَرجُوا حَتَّى جاؤوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إِلَى حَرْب رَسُول اللَّهِ ﷺ وأخبروهم أَن قُريْشًا قد تابعوهم على ذَلِك وَأَجْمعُوا مَعَهم على ذَلِك وَخرجت قُرَيْش وقائدها أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَخرجت غطفان وقائدها عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ وَكَانَ قَائِد أَشْجَع مَسْعُود بن رخيلة فَلَمَّا سمع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأمرهم اسْتَشَارَ الْمُسلمين
стр. 265
فَأَشَارَ عَلَيْهِ سلمَان بِضَرْب الخَنْدَق على الْمَدِينَة وَهِي أول غزَاة غَزَاهَا سلمَان مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخَنْدَق على الْمَدِينَة فِيمَا بَين المذاد إِلَى نَاحيَة راتج وَأَقْبَلت قُرَيْش حَيّ نزلت بمجتمع الأسيال من رومة فِي عشرَة آلَاف رجل من أحابيشهم وَمن تَابعهمْ من أهل كنَانَة وَأهل تهَامَة وَأَقْبَلت غطفان حَتَّى نزلُوا بذنب نقمى إِلَى جَانب أحد وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ واستخلف على الْمَدِينَة بْن أم مَكْتُوم وَذَلِكَ فِي شهر شَوَّال حَتَّى جعل سلعا وَرَاء ظَهره وَالْخَنْدَق بَينه وَبَين الْقَوْم وَهُوَ فِي ثَلَاث آلَاف من الْمُسلمين وَخرج حييّ
стр. 266
بن أَخطب حَتَّى أَتَى كَعْب بن أَسد صَاحب بني قُرَيْظَة فَلم يزل يفتله حَتَّى بَايعه على ذَلِك ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ يعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة وَعبد الله بن رَوَاحَة وخوات بن جُبَير يستخبرون خبر كَعْب بن أَسد أهم على وَفَاء أم لَا فَمَضَوْا إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَا عهد بَيْننَا وَبَين مُحَمَّد ثمَّ رجعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فأخبروه فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بحذاء المسركين بضعا وَعشْرين
стр. 267
لَيْلَة ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم فَقَالَ الزبير أَنا ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ إِن لكل نَبِي حواريا وَإِن حوارِي الزبير وَلم يكن بَينهم حَرْب إِلَّا الرَّمْي بِالنَّبلِ غير أَن فوارس من قُرَيْش مِنْهُم عَمْرو بن عبد ود بن أبي قيس أَخُو بني عَامر وَعِكْرِمَة بن أبي جهل المَخْزُومِي وهبيرة بن أبي وهب المَخْزُومِي وَضِرَار بن الْخطاب بن مرادس الْمحَاربي قد تهيئوا لِلْقِتَالِ وتلبسوا وَخَرجُوا على خيلهم ومروا بمنازل كنَانَة ثمَّ أَقبلُوا بخيلهم حَتَّى وقفُوا على الخَنْدَق فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا وَالله إِن هَذِه المكيدة مَا كَانَت الْعَرَب تكيدها ثمَّ أَتَوا مَكَانا من الخَنْدَق ضيقا فَضربُوا خيلهم فَاقْتَحَمت مِنْهُ وجالت فِي السبخة بَين الخَنْدَق وسلع فَلَمَّا رَآهُمْ الْمُسلمُونَ خرج عَليّ بن أبي طَالب فِي نفر من الْمُسلمين حَتَّى أَخذ عَلَيْهِم الْموضع الَّذِي مِنْهُ اقتحموا وَأَقْبَلت الفوارس تعنق نحوهم وَكَانَ عَمْرو بن عبد ود فَارس قُرَيْش وَقد كَانَ
стр. 268
قَاتل يَوْم بدر وَلم يشهدد أحدا فَخرج عَام الخَنْدَق معلما ليرى مشهده فَلَمَّا وقف هُوَ وخيله قَالَ عَليّ بن أبي طَالب يَا عَمْرو إِنِّي أَدْعُوك إِلَى البرَاز قَالَ وَلم يَا بن أخى فو الله مَا أحب أَن أَقْتلك قَالَ عَليّ لكني وَالله أحب أَن أَقْتلك فحمى عَمْرو عِنْد ذَلِك واقتحم عَن فرسه وعقره ثمَّ أقبل إِلَى عَليّ فتنازلا وتجاولا إِلَى أَن قَتله عَليّ وَخرجت خيله منهزمة من الخَنْدَق وَحبس رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَذَلِكَ بعد أَن كفوا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَكَفَى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَلم يقتل من الْمُسلمين غير سِتَّة نفر كَعْب بن زيد الدنباني وَرمي سعد بن معَاذ بِسَهْم فَقطع أكحله وَعبد الله بن سهل وَأنس بن أَوْس
стр. 269
بن عتِيك والطفيل بن النُّعْمَان بن خنساء وثعلبة بن غنمة وَقتل من الْمُشْركين جمَاعَة ثمَّ إِن نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أسلمت وغن قومِي لَا يعلمُونَ بِإِسْلَامِي فمرني بِمَا شِئْت فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ غنما أَنْت فِينَا رجل وَاحِد فخذل عَنَّا فَإِن الْحَرْب خدعة فَخرج نعيم حَتَّى أَتَى بني قُرَيْظَة وَكَانَ لَهُم نديما فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ يَا معشر قُرَيْظَة إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ ودي لكم وخاصة مَا بيني وَبَيْنكُم قَالُوا صدقت قَالَ فَإِن قُريْشًا وغَطَفَان قد جاؤوا لِحَرْب مُحَمَّد وَإِنَّهُم لَيْسُوا كهيئتكم الْبَلَد بلدكم لَا تقدرون على أَن تتحولوا عَنهُ وَإِن قُريْشًا وغَطَفَان إِن وجدوا فرْصَة أشهروها وَإِن كَانَ غير ذَلِك هربوا وخلوا بَيْنكُم وَبَين الرجل ببلدكم فَلَا تقاتلوا مَعَ الْقَوْم حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُم رهنا من أَشْرَافهم يكونُونَ بِأَيْدِيكُمْ على أَن يقاتلوا مَعَ الْقَوْم
стр. 270
حَتَّى تناجزوه فَقَالُوا قد أَشرت بِرَأْي ونصح ثمَّ خرج نعيم حَتَّى أَتَى قُريْشًا وَأَبا سُفْيَان فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ ودي لكم قد رَأَيْت أَن حَقًا عَليّ أَن أبلغكموه وأنصح لكم عَليّ قَالُوا نَفْعل قَالَ إِن معشر الْيَهُود قد ندموا على مَا صَنَعُوا فِيمَا بَينهم وَبَين مُحَمَّد وَقد أرْسلُوا إِلَيْهِ أَنا قد ندمنا على مَا فعلنَا فَهَل يرضيك منا أَن نَأْخُذ من القبيلتين من قُرَيْش وغَطَفَان رجَالًا من أشرافم فَتضْرب أَعْنَاقهم ثمَّ نَكُون مَعَك على من بَقِي مِنْهُم فَأرْسل إِلَيْهِم أَن نعم فَإِن بعث إِلَيْكُم الْيَهُود يَلْتَمِسُونَ رهنا فَلَا تدفعوا إِلَيْهِم ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى غطفان فَقَالَ يَا معشر غطفان إِنَّكُم أُصَلِّي وعشيرتي وَأحب النَّاس إِلَيّ وَلَا أَرَاكُم تتهموني قَالُوا صدقت قَالَ فاكتموا عَليّ قَالُوا نَفْعل فَقَالَ لم مثل مَا قَالَ لقريش فِي شَأْن بني قُرَيْظَة وحذرهم مثل الَّذِي حذرهم فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة السبت أرسل أَبُو سُفْيَان عِكْرِمَة بن
стр. 271
أبي جهل فِي نفر مَعَه من رُؤُوس غطفان إِلَى بني قُرَيْظَة فَقَالُوا لسنا بدار مقَام قد هلك الكراع والحافر فاغدوا لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِز مُحَمَّدًا ونفرغ مِمَّا بَيْننَا وَبَينه فأرسلوا أَن غَدا السبت وَهُوَ يَوْم لَا نعمل فِيهِ ولسنا مَعَ ذَلِك بِالَّذِي نُقَاتِل مَعكُمْ حَتَّى تعطونا رهنا من أشرافكم يكونُونَ عندنَا حَتَّى نُنَاجِز مُحَمَّدًا فَإنَّا نخشى الْحَرْب إِن اشتدت أَن تتشمروا إِلَى بِلَادكُمْ وتتركونا فَلَمَّا رَجَعَ عِكْرِمَة إِلَى قُرَيْش وغَطَفَان بِمَا قَالَت بَنو قُرَيْظَة قَالُوا وَالله إِن الَّذِي جَاءَكُم بِهِ نعيم بن مَسْعُود لحق فأرسلوا إِلَى بني قُرَيْظَة أَنا وَالله لَا ندفع إِلَيْكُم رجلا وَاحِدًا فَإِن كُنْتُم تُرِيدُونَ الْقِتَال فاخرجوا وقاتلوا فَقَالَت بَنو قُرَيْظَة إِن الَّذِي ذكر لنا نعيم لحق مَا يُرِيد الْقَوْم إِلَّا أَن يقاتلوا فَإِن رَأَوْا فرْصَة انتهزوها وَإِن كَانَ غير ذَلِك انشمروا إِلَى بِلَادهمْ وخلوا بَيْنكُم وَبَين الرجل فأرسلوا إِلَى قُرَيْش وغَطَفَان أَنا وَالله لَا نُقَاتِل مَعكُمْ حَتَّى تعطونا رهنا وَبعث الله على الْمُشْركين ريحًا تطرح آنيتهم وبكفأ قدورهم فِي يَوْم شَدِيد الْبرد
стр. 272
فَلَمَّا انْتهى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا اخْتلف من أَمرهم دَعَا حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ اذْهَبْ فَادْخُلْ بَين الْقَوْم وَانْظُر مَا يَقُولُونَ وَلَا تحدثن شَيْئا حَتَّى تَأتِينِي وَذَلِكَ لَيْلًا فَدخل حُذَيْفَة فِي النَّاس وَقَامَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَقَالَ يَا معشر قُرَيْش لينْظر كل امْرِئ من جليس قَالَ حُذَيْفَة وَأخذت رجلا إِلَى جَنْبي وَقلت لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا فلَان بن فلَان ثمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَان يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم وَالله مَا أَصْبَحْتُم بدار مقَام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بَنو قُرَيْظَة وبلغنا عَنْهُم الَّذِي نكره ولقينا من هَذِه الرّيح مَا ترَوْنَ وَالله مَا يسْتَمْسك لنا بِنَاء وَلَا تطمئِن لنا قدور فارتحلوا فَإِنِّي مرتحل ثمَّ قَامَ إِلَى جمله وَهُوَ مَعْقُول فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ ضربه فَوَثَبَ بِهِ على ثَلَاث فَلَمَّا أطلق عقاله إِلَّا وَهُوَ قَائِم ثمَّ قَالَ حُذَيْفَة وَلَولَا عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيّ أَلا تحدث شَيْئا حَتَّى تأتني بقتْله بسهمى فَرجع حذبفة إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأخْبرهُ الْخَبَر فَسمِعت غطفان بِمَا صنعت قُرَيْش فانشمروا رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ وَرجع رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة هُوَ والمسلمون وَوَضَعُوا السِّلَاح
стр. 273
(غَزْوَة بني قُرَيْظَة)
فَلَمَّا كَانَت الظّهْر أَتَى جِبْرِيل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ قد وضعتم السِّلَاح وَأَن الْمَلَائِكَة لم تضع سلاحها بعد إِن الله يَأْمُرك بِالْمَسِيرِ إِلَى بني قُرَيْظَة فَأذن مُؤذن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَخرج رَسُول الله صالى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل لِوَاءُهُ عَليّ بْن أبي طَالب فَلَمَّا بلغ الصورين قَالَ هَل مر بكم أحد قَالُوا نعم مر بِنَا دحْيَة الكلبى على بلغَة بَيْضَاء فَقَالَ رَسُول ﷺ ذَاك جِبْرِيل فَسَار رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى نزل على بِئْر لبني قُرَيْظَة فِي نَاحيَة أَمْوَالهم وتلاحق بِهِ النَّاس وأتى رجال بعد عشَاء الْآخِرَة وَلم يصلوا الْعَصْر لقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَحَاصَرَهُمْ
стр. 274
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خمْسا وَعشْرين لَيْلَة حَتَّى جهدهمْ الْحصار وَقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب وَقد كَانَ حَيّ بن أَخطب قد دخل مَعَ بني قُرَيْظَة فِي حصنهمْ حِين رجعت قُرَيْش وغَطَفَان وَفَاء لكعب بن أَسد فَلَمَّا تيقنوا أَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غير منصرف عَنْهُم حَتَّى يناجزهم بعثوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ
стр. 275
أبْعث إِلَيْنَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر أَخا بني عَمْرو بن عَوْف لنستشيره فَأرْسلهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسم إِلَيْهِم فَقَالُوا ياأبا لبَابَة أَتَرَى أَن ننزل على حكم مُحَمَّد قَالَ نعم وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَقَالُوا ننزل على حكم سعد بن معَاذ فَقَالَ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم انزلوا على حكمه
ثمَّ إِن ثَعْلَبَة بن سعية وَأسد بن سعية وَأسد بن عبيد أَسْلمُوا فمنعوا دِيَارهمْ وأمواله فَلَمَّا أَصْبحُوا نزلُوا على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْأَوْس يَا رَسُول الله إِنَّهُم موالينا دون الْخُرُوج فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلا ترْضونَ أَن يحكم
стр. 276
فِيكُم رجل مِنْكُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَاك إِلَى سعد بن معَاذ وَكَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ حِين أَصَابَهُ السهْم أجعلوه فِي خيمة قريب منى حَتَّى أَعُود فَلَمَّا حكمه رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بني قُرَيْظَة أَتَاهُ قومه فاحتملوه على حمَار ثمَّ أَقبلُوا بِهِ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهم يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرو إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا ولاك مواليك لتحسن فيهم فَلَمَّا أَكْثرُوا عَلَيْهِ قَالَ قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لاثم فَلَمَّا جَاءَ سعد قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قومُوا إِلَى سيدكم فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا ياأبا عَمْرو إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد ولاك الحكم قَالَ سعد عَلَيْكُم عهد الله وميثاقه إِن الحكم فِيكُم مَا حكمت قَالُوا نعم قَالَ وعَلى من كَانَ هَهُنَا فِي هَذِه النَّاحِيَة الَّتِي فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ معرض عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ إجلالا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَعَمْ فَقَالَ سعد فَإِنِّي أحكم فيهم بِأَن تقتل الرِّجَال وتقسم الْأَمْوَال وتسبى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لسعد لقد حكمت
стр. 277
فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة فحبسهم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي دَار ثمَّ قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا خرج إِلَى سوق الْمَدِينَة فحفر حفرا ثمَّ بعث إِلَيْهِم وَأمر بضر أَعْنَاقهم وَهُوَ مَا بَين سِتّمائَة إِلَى تِسْعمائَة فَلم يزل ذَلِك دأبهم حَتَّى فرغ مِنْهُم فيهم حَيّ بن أَخطب وَكَعب بن أسعد.
ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قسم أَمْوَال بني قُرَيْظَة ونساءهم وأبناءهم على الْمُسلمين فَكَانَ مَعَ الْمُسلمين سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا فَأعْطى الْفَارِس ثَلَاثَة أسْهم للْفرس سَهْمَان ولصاحبه سهم وللراجل الَّذِي لَيْسَ لَهُ فرس سهم وَأخرج مِنْهَا ﷺ الْخمس وَقد قيل إِنَّه اصْطفى لنَفسِهِ رَيْحَانَة بنت عَمْرو بن خنافة إِحْدَى نسَاء بني عَمْرو ابْن قُرَيْظَة
ثمَّ مَاتَ سعد بن معَاذ فَأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغسْلِهِ فَغسله أسيد بن حضير وَسَلَمَة بن سَلامَة بن وقش ثمَّ وضع فِي أَكْفَانه
стр. 278
على سَرِيره فَقَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد ابْن معَاذ وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَام جَنَازَة سعد حَتَّى صلى عَلَيْهِ وَنزل فِي حفرته أَرْبَعَة نفر الْحَارِث بن أَوْس وَأسيد بن حضير وَسَلَمَة بْن سَلامَة بْن وقش وَأَبُو نائلة مَالك بن سَلامَة
ثمَّ بني رَسُول اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَب ابْنة جحش فَلَمَّا أصبح دَعَا الْقَوْم فأصبوا من الطَّعَام خَرجُوا وَنَفر مِنْهُم عِنْد النَّبِي ﷺ فَأَطَالُوا الْقعُود وَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج حَتَّى جَاءَ عتبَة حجرَة عَائِشَة ثمَّ رَجَعَ وَنزلت آيَة الْحجاب وغذا سالتموهن مَتَاعا فسئلوهن من ورآء حجاب
(ثمَّ كَانَت سَرِيَّة عبد الله بن أنيس)
إِلَى خَالِد بن سُفْيَان بن خَالِد بن ملهم الْهُذلِيّ ثمَّ اللحياني بعرنة فصادفه بِبَطن عُرَنَة وَمَعَهُ أحابيش فَقتله وَحمل رَأسه إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ ركب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْحجَّة إِلَى الغابة فَسقط عَن فرسه فجحش شقَّه الْأَيْمن فَخرج فصلى بهم جَالِسا فَقَالَ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا كبر فكبروا وَإِذا ركع فركعوا
стр. 279
وَإِذا سجد فاسجدوا وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ وَفِي ذى الْحجَّة دفعت دافة من عَامر بن صعصعة فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يبْقى عنْدكُمْ من ضَحَايَاكُمْ بعد ثَلَاثَة شَيْء أَرَادَ بِهِ ﷺ أَن يُوسع ذُو السعَة عَمَّن لَا سَعَة عِنْده ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ كلوا وَادخرُوا بعد ثَلَاث
(السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة)
أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَعْشَرٍ بِحَرَّانَ ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ أُسِرَ فَكَانَ النَّبِي ﷺ يعودهُ يَقُول
стр. 280
مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ فَيَقُولُ إِن تقتل لَا تمن وَإِن نمن عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تَرُدَّ الْمَالَ تُعْطَ قَالَ فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُحِبُّونَ الْفِدَاءَ وَيَقُولُونَ مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ النبيى ﷺ حَسُنَ إِسْلامُ صَاحِبِكُمْ
قَالَ فِي أول هَذِه السّنة بعث رَسُول ﷺ مُحَمَّد ابْن مسلمة إِلَى القرطاء فَأخذ ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ فَأمر بِهِ فَربط بِسَارِيَة من سواري الْمَسْجِد فَخرج إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا عنْدك يَا ثُمَامَة فَقَالَ عِنْدِي يَا مُحَمَّد خير إِن تقتلني تقتل ذَا دم وَإِن تنعم تنعم على شَاكر وَإِن كنت تُرِيدُ المَال فسل تعط مِنْهُ مَا شِئْت فَتَركه يَا ثُمَامَة قَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَتَركه النَّبِي ﷺ حَتَّى كَانَ بعد الْغَد فَقَالَ لَهُ مَا عنْدك يَا ثُمَامَة فَقَالَ عِنْدِي مَا قلت لَك فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أطْلقُوا ثُمَامَة فَأطلق فَانْطَلق إِلَى نخل قريب من الْمَسْجِد فاغتسل ثمَّ دخل فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه
стр. 281
إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ ﷺ يَا مُحَمَّد مَا كَانَ على الأَرْض وَجه أبْغض إِلَيّ من وَجهك فقد أصبح وَجهك أحب الْوُجُوه كلهَا إِلَيّ وَالله مَا كَانَ من دين أبْغض إِلَيّ من دينك فقد أصبح دينك أحب الدَّين كُله إِلَيّ وَالله مَا كَانَ من بلد أبْغض إِلَى من بلدط فقدأصبح الْيَوْم بلدك أحب الْبِلَاد إِلَيّ وَإِن خيلك أخذتني وَأَنا أُرِيد الْعمرَة فَمَا ترى فبشره رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأمره أَن يعْتَمر فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ لَهُ قَائِل صبوت قَالَ لَا وَلَكِنِّي أسلمت مَعَ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ ﷺ
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عكاشة بن مُحصن الْأَسدي سَرِيَّة الْغَمْر فَنَذر بِهِ الْقَوْم فَهَرَبُوا فَنزل على مِيَاههمْ وَبعث الطَّلَائِع فأصبوا عينا فدلهم على مَا شيتهم فساقوا مائتى بَعِيرًا إِلَى الْمَدِينَة
ثمَّ كسفت الشَّمْس فصلى رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَاة
стр. 282
الْكُسُوف وَقَالَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رأيتموهما فصلوا
وَبعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح إِلَى ذِي الْقِصَّة وَهِي بِلَاد بني ثَعْلَبَة وأنمار فصلوا الْمغرب وَخرج أَبُو عُبَيْدَة فِي أَرْبَعِينَ رجلا فَسَارُوا ليلتهم حَتَّى أَتَوا ذَا الْقِصَّة عِنْد الصُّبْح فَأَغَارُوا عَلَيْهِم وهربوا فِي الْجبَال ثمَّ قدمُوا الْمَدِينَة فَخمس رَسُول اللَّهِ ﷺ الْغَنِيمَة وَقسم مَا بَقِي على أَصْحَابه
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ مُحَمَّد بْن مسلمة إِلَى ذِي الْقِصَّة فِي عشرَة أنفس فَخرج مائَة من الْمُشْركين فكمنوا فَلَمَّا نَام الْمُسلمُونَ خَرجُوا عَلَيْهِم فَقَتَلُوهُمْ وانفلت مُحَمَّد بن مسلمة جريحا وَحده ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ زيد بْن حَارِثَة إِلَى نبى سليم بالجموم
стр. 283
فَأصَاب نعما وساء وأسراء ثمَّ سبق رَسُول اللَّهِ ﷺ بَين الْخَيل فَكَانَ أول سباق بِالْمَدِينَةِ ثمَّ سبق فِي الْخُف فَكَانَت العضباء لَا تسبق فجَاء أَعْرَابِي على قعُود لَهُ فسبقه فشق ذَلِك على الْمُسلمين فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حق على الله أَن لَا يرْتَفع شَيْء فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ زيد بن حَارِثَة سَرِيَّة إِلَى الطّرف إِلَى بني ثَعْلَبَة فِي خَمْسَة رجلا فتحس الْأَعْرَاب أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ سَار إِلَيْهِم فَانْهَزَمُوا وَأصَاب الْمُسلمُونَ عشْرين بَعِيرًا من نعمهم وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ أَيْضا زيد بن حَارِثَة إِلَى الْعيص فَأسر جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَاسْتَجَارَ بِزَيْنَب بنت
стр. 284
النَّبِيَّ ﷺ فَأَجَارَتْهُ
ثمَّ بعث رَسُول ﷺ زيدا أَيْضا إِلَى حسمى فَرجع مِنْهَا بنعم وَسبي
ثمَّ تزوج عمر بن الْخطاب جميلَة بنت ثَابت بن أبي الأقلح وَهِي أُخْت عَاصِم بْن ثَابت بْن أبي الأقلح فولد لَهُ مِنْهَا عَاصِم بن عمر فَطلقهَا عمر فَتزَوج بهَا بعده زيد بن حَارِثَة فولد لَهُ عبد الرَّحْمَن بن زيد فَهُوَ أَخُو عَاصِم ابْن عمر لأمه
ثمَّ كَانَت سَرِيَّة على بنأبى طَالب ﵁ إِلَى فدك فِي مائَة رجل إِلَى حَيّ من بني سعد بن بكر
ثمَّ كَانَت سَرِيَّة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى دومة الجندل فعممه النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ إِن أطاعوا الله فَتزَوج ابْنة ملكهم فَأسلم الْقَوْم فَتزَوج عبد الرَّحْمَن تماضر بنت الْأصْبع وَكَانَ أَبوهَا ملكهم
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فِي ثَلَاثَة أنفس لينْظر إِلَى خَيْبَر وَمَا عَلَيْهَا أَهلهَا فَمضى وجاؤا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بالْخبر
стр. 285
ثمَّ أجدب النَّاس جدبا شَدِيدا فِي أول شهر رَمَضَان فَخرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي بهم فصلى رَكْعَتَيْنِ وجهر بِالْقِرَاءَةِ ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة وحول رِدَاءَهُ
ثمَّ بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ زيد بن حَارِثَة سَرِيَّة إِلَى أم قرى فسبى سَلمَة بن الْأَكْوَع وَزيد بن حَارِثَة بنت مَالك بن حُذَيْفَة وجدهَا فِي بَيت من بيوتها وَأمّهَا أم قرفة وَهِي فَاطِمَة بنت ربيعَة بن بدر
ثمَّ خرج رَسُول اله ﷺ إِلَى بني لحيان حَتَّى بلغ أمج وَبَين أمج وَعُسْفَان بلد لَهُم يُقَال لَهُ ساية فَوَجَدَهُمْ قد حذروا وتمنعوا فِي رُؤْس الْجبَال فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله لعيه وَسلم أَنه قد
следующие страницы →