Полный текст (4 103 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ بَيْنَهُمَا عرق يدره الْغَضَب أقى الْعِرْنَيْنِ لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ كَثَّ اللِّحْيَةِ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ضَلِيعَ الْفَمِ أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ عَرِيضَ الصَّدْرِ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يجرى كالخط عرى الْيَدَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَائِرَ أَوْ سَائِلَ شكّ بن سَعِيدٍ الأَطْرَافِ خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ قلعا يخطو تكيفا وَيَمْشِي هَوْنًا ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضَ الطَّرْفِ نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَ بِالسَّلامِ قَالَ قُلْتُ صِفْ لِي مَنْطِقَهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ طَوِيلَ السَّكْتِ
стр. 457
لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ يَفْتَتِحُ الْكَلامَ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَضْلٌ لَا فُضُولَ وَلا تَقْصِيرَ دَمْثٌ لَيْسَ بِالْجَافِي وَلا بِالْمُهِينِ يُعَظِّمُ النِّعْمَةِ وَإِنْ دَقَّتْ لَا يَذُمُّ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ وَلا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا فَإِذَا نُوزِعَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَيَفْتُرُ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ قَالَ الْحَسَنُ فَكَتَمَهَا الْحُسَيْنُ زَمَانًا ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ قَالَ الْحُسَيْنُ فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ نَفْسَهُ ثَلَاثَة أَجزَاء جُزْء لِلَّهِ وَجُزْءًا لأَهْلِهِ وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَزَّأَ جُزْءًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ وَلا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ
стр. 458
وَقَسْمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الديم فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَإِلا مَعَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ يُلائِمُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ وَيَقُولُ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ وَأَبْلِغُوا فِي حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا فَإِنَّ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا يُثَبِّتُ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلا ذَلِكَ وَلا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَلا يَفْتَرِقُونَ إِلا عَنْ ذواق وَيخرجُونَ أَذِلَّة قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ قَالَ كَانَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُنَفِّرُهُمْ وَيُكْرِمُ كَرِيمَ الْقَوْمِ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ وَيُحَذِّرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُظْهِرَ عَلَى أَحَدٍ بِسِرِّهِ وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ مُعْتَدِلَ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ لَا يَغْفَلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفَلُوا أَوْ يَمِيلُوا لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ وَلا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلا يُجَاوِزُهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أعمهم نصيحة
стр. 459
وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُؤَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجْلِسُ وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ لَا يُوَطِّنُ الأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا وَإِذَا جَلَس إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ انْتَهَى الْمَجْلِسُ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ لَا يَحْسِبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطَةٌ وَخِلْقَةٌ فَصَارَ لِلنَّاسِ أَبًا وَصَارُوا فِي الْحَقِّ عِنْدَهُ سَوَاءً مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا ترفع يه الأَصْوَاتُ وَلا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرُمُ وَلا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ وَيُؤْثِرُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَائِمَ الْبِشْرِ سَهْلَ الْخُلُقِ لَيِّنَ الْجَانِبِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ وَلا عَيَّابٍ وَلا مَزَّاحٍ يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يشتهى
стр. 460
وَلا يُؤْنَسُ مَعَهُ وَلا يُخَيِّبُ فِئَةً قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا وَلا يُعَيِّرُهُ وَلا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطَّيْرُ وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا وَلا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ مَنْ تَكَلَّمَ صَمَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ جُلُّ حَدِيثِهِ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِيهِمْ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَسْتَجْلِبُونَهُمْ وَيَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يَطْلُبُهَا فَارْفِدُوهُ وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مكافىء وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُورَهُ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ قَالَ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ عَلَى الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ وَالاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ فِي الصَّبْرِ فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ وَلا يَسْتَفِزُّهُ وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعَةٍ أَخْذِهِ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ لِيُتَنَاهَى عَنْهُ وَإِجْهَادِهِ الرَّأْيَ فِيمَا يُصْلِحُ أُمَّتَهُ وَالْقِيَامِ فِيمَا يجمع لَهُم فِيهِ
стр. 461
خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قَالَ أَبُو حَاتِم قد ذكر جمل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ ومبعثه وأيامه وهجرته إِلَى أَن قَبضه اللَّه إِلَى جنته ثمَّ إِنَّا ذاكرون بعده الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بأيامهم وجمل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أخبارهم ليَكُون ذَلِك طَرِيقا للمتأسين بهم إِذْ الْمُصْطَفى ﷺ أَمر بذلك الحَدِيث حَيْثُ قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وعضوا عَلَيْهَا بالنواجد وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ جعلنَا اللَّه وَإِيَّاكُم من المتبعين لسنته المبادرين إِلَى لُزُوم طَاعَته إِنَّه الفعال لما يُرِيد بكم آخر مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ ومبعثه ويتلوه كتاب الْخُلَفَاء إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى اسْتِخْلَاف أبي بكر بْن أبي قُحَافَة الصّديق ﵁ قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حبَان أَبُو أَحْمَد النميمي واسْمه عَبْد اللَّه ولقبه عَتيق وَاسم أبي قُحَافَة عُثْمَان بْن عَامر بْن عَمْرو بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بْن إلْيَاس بْن مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان وَأم أبي بكر أم الْخَيْر بنت صَخْر بْن عَامر بْن كَعْب أَخُو عَمْرو بن
стр. 462
كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة بْن لؤَي بْن غَالب أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ اللَّخْمِيُّ بِعَسْقَلانَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بن عتبَة عَن بن عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ أَتَانِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي مَنْزِلِي عَشَاءً فَقَالَ لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ وَجَاءَهُ رَجُلٌ وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي سَمِعْتُ فُلانًا يَقُولُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْتُ فُلانًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ وَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا الْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رُعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ وَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَقُولَ فِيهِمُ الْيَوْمَ مَقَالَةً لَا يَعُونَهَا وَلا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا وَأَنْ يَطَّيَّرُوا بِهَا كُلَّ مَطِيرٍ وَلَكِنْ أَمْهِلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ فَتَخْلُصَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَتَقُولُ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعُونَ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا قَالَ عُمَرُ أَمَا وَاللَّهِ لأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مقَام أقومه بِالْمَدِينَةِ قَالَ بن عَبَّاسٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَجَّرْتُ لَمَّا حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجْرَةِ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ فَقُلْتُ وَهُوَ مقبل أما وَالله
стр. 463
لَيَقُولَنَّ الْيَوْمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ قَالَ فَغَضِبَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ وَأَيُّ مَقَالٍ يَقُولُ لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَلَمَّا ارْتَقَى عُمَرُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قَامَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعِيَهَا فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رجمنا بَعْدَهُ وَإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ فَيَقُولُ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلا وَإِنَّ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ إِذَا زَنَى وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوِ الاعْتِرَافُ ثُمَّ إِنَّا قَدْ كُنَّا نَقْرَأُ وَلا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فُلانًا مِنْكُمْ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا فَلا يَغْتَرَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّ بَيْعَةَ أَبى بكر كَانَت فلتة فد كَانَتْ كَذَلِكَ أَلا وَإِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَدَفَعَ عَنِ الإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ ضُرَّهَا وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِين توفى
стр. 464
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ وَتَخَلَّفَتْ عَنَّا الأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ فلقين رجلَيْنِ صالحينن مِنَ الأَنْصَارِ شَهِدَا بَدْرًا فَقَالا أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ قُلْنَا نُرِيد إخوننا هَؤُلاءِ الأَنْصَارَ قَالا فَارْجِعُوا فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَأَتَيْنَاهُمْ فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ قُلْتُ مَا شَأْنُهُ قَالُوا وَجِعَ فَقَامَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ الأَنْصَارَ وَكَتِيبَةَ الإِسْلامِ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ مِنَّا وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْكُمْ وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَيَحْضُنُونَا بِأَمْرٍ دُونَنَا وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهَا بَيْنَ يَدي أَبى بكر وَكنت أدارىء مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْضَ الْحَدِّ وَكَانَ أَوْقَرَ مِنِّي وَأَحْلَمَ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْكَلامَ قَالَ عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً قَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُهَا إِلا جَاءَ بِهَا أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا فِي بَدِيهَتِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ يَا معشر الْأَنْصَار
стр. 465
فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَب داراونسا وَلَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجراح فوَاللَّه ماكرهت مِمَّا قَالَ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ كُنْتُ لأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ مقَالَته قَامَ رجل من اأنصار فَقَالَ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَإِلا أَجَلُنَا الْحَرْبُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خُدْعَةٌ قَالَ مَعْمَرٌ فَقَالَ قَتَادَةُ قَالَ عُمَرُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَيْفَانِ فِي غَمْدٍ وَلَكِنْ مِنَّا الأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ قَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ بَيْننَا وَكثر اللَّغط حَتَّى شفقت الاخْتِلافَ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ قَالَ وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدًا قَالَ قُلْتُ قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا كَانَ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ
стр. 466
خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَإِمَّا إنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونَ فَسَادًا فَلا يَغُرَّنَّ امْرَأً يَقُولُ كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِي بَايَعَهُ بَعْدَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة أَن الرجلَيْن الَّذين لَقِيَاهُمَا مِنَ الأَنْصَارِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ وَالَّذِي قَالَ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أَبُو حَاتِم نظر الْمُسلمُونَ إِلَى أعظم أَرْكَان الدَّين وعماد الْإِسْلَام للْمُؤْمِنين فوجدوها الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولى أَبَا بكر إِقَامَتهَا فِي الْأَوْقَات المعلومات فَرضِي الْمُسلمُونَ للْمُسلمين مَا رَضِي لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَايعُوهُ طائعين فِي سَائِر الْأَركان وَبَايَعُوهُ فِي السِّرّ والإعلان فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي قَامَ عمر بْن الْخطاب على الْمِنْبَر فَتكلم قبل أبي بكر فَحَمدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثمَّ قَالَ أيهاالناس إِنِّي قد قلت لكم بالْأَمْس مقَالَة مَا كَانَت إِلَّا مني وَمَا وَجدتهَا فِي كتاب اللَّه وَلَا كَانَت
стр. 467
عهدا عده إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَكِنِّي قد كنت أرى أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ سيأمرنا بقول يكون آخِرنَا وَإِن اللَّه قد أبقى فِيكُم كِتَابه الَّذِي بِهِ هدى رَسُوله فَإِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هدَاكُمْ اللَّه لما كَانَ قد هدى بِهِ أَهله وَإِن اللَّه قد جمع أَمركُم على خَيركُمْ صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار فَقومُوا إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ فَبَايع النَّاس أَبَا بكر بيعَة الْعَامَّة بعد بيعَة السَّقِيفَة ثمَّ تكلم أَبُو بكر فَحَمدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيهَا النَّاس فَإِنِّي قد وليت عَلَيْكُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِن أَحْسَنت فَأَعِينُونِي وَإِن أَسَأْت فقوموني الصدْق أَمَانَة وَالْكذب خِيَانَة والضعيف فِيكُم قوى عِنْدِي حَتَّى أُرِيح عَلَيْهِ حَقه إِن شَاءَ اللَّه والقوى فِيكُم ضَعِيف عِنْدِي حَتَّى آخذ الْحق مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه لَا يدع قوم الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا ضَربهمْ بالبلاء وَلَا تشيع الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا عمهم اللَّه بالبلاء أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّه وَرَسُوله فَإِذا عصيت اللَّه وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم قومُوا إِلَى صَلَاتكُمْ يَرْحَمكُمْ اللَّه فَلَمَّا فرغ النَّاس من بيعَة أبي بكر وَهُوَ يَوْم الثُّلَاثَاء أَقبلُوا على جهازه ﷺ فَاخْتَلَفُوا فِي غسله فَقَالُوا وَالله مَا نَدْرِي أنجرد رَسُول اللَّهِ ﷺ من ثيابهكما نجرد مَوتَانا أَو نغسله وَعَلِيهِ ثِيَابه فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقى اللَّه عَلَيْهِم السبات حَتَّى مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وذقنه فِي صَدره
стр. 468
ثمَّ كَلمهمْ مُتَكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يدرى من هُوَ أَن اغسلوا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلِيهِ ثِيَابه فَقَامُوا فغسلوه وَعَلِيهِ قَمِيصه فأسنده على إِلَى صَدره فَكَانَ الْعَبَّاس وَالْفضل والقثم يقلبونه وَكَانَ أُسَامَة بْن زيد وشقران موليَاهُ يصبَّانِ عَلَيْهِ المَاء وعَلى يغسلهُ ويدلكه من وَرَائه لَا يفضى بِيَدِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُول بِأبي أَنْت وَأمي مَا أطيبك حَيا وَمَيتًا وَلم ير من رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْء مِمَّا يرى من الْمَيِّت ثمَّ كفن رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب بيض سحُولِيَّة لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة أدرج فِيهَا إدراجا ثمَّ دخل النَّاس يصلونَ عَلَيْهِ أرسالابدأ بِهِ الرِّجَال حَتَّى إِذا فرغغوا أَدخل النِّسَاء ثمَّ أَدخل الصّبيان ثمَّ أَدخل العبيد وَلم يؤم النَّاس على رَسُول اللَّهِ ﷺ أحد وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح يحْفر كحفر أهل مَكَّة وَكَانَ أَبُو طَلْحَة زيد بْن سهل يحْفر كحفر أهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد فَدَعَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب رجلَيْنِ فَقَالَ لأَحَدهمَا اذْهَبْ إِلَى أبي عُبَيْدَة وَقَالَ للْآخر اذْهَبْ إِلَى أبي طَلْحَة فَقَالَ اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك فَوجدَ صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة فجَاء بِهِ فلحد لرَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْمُسلمُونَ اخْتلفُوا فِي دَفنه فَقَائِل يَقُول ندفنه فِي مَسْجده وَقَائِل يَقُول ندفنه مَعَ أَصْحَابه فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت
стр. 469
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ يقبض فَرفع فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذِي توفّي عَلَيْهِ فحفر أَبُو طَلْحَة تَحْتَهُ ثمَّ دفن ﷺ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء حِين زاغت الشَّمْس وَنزل فِي قبر رَسُول اللَّهِ ﷺ على بْن أبي طَالب وَالْفضل بْن الْعَبَّاس وَقثم بْن الْعَبَّاس وشقران مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَطرح تَحْتَهُ قطيفة وَكَانَ آخِرهم عهدا بِهِ قثم بْن الْعَبَّاس وَكَانَ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة يَقُول لَا بل أَنا وَكَانَ يحْكى قصَّة ثمَّ قَامَ أَبُو بكر فِي النَّاس خَطِيبًا بعد خطبَته الأولى فَقَالَ الْحَمد لله حَمده وأومن بوحدانيته وَأَسْتَعِينهُ على أَمركُم كُله سره وعلانيته ونعوذ بِاللَّه مِمَّا يَأْتِي بِهِ اللَّيْل وَالنَّهَار وترتكب عَلَيْهِ السِّرّ والجهار وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه حَافِظًا ونصيرا وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا قُدَّام السَّاعَة فَمن أطاعه رشد وَمن عَصَاهُ هلك وشرد فَعَلَيْكُم أَيهَا النَّاس بتقوى اللَّه فَإِن أَكيس الْكيس التَّقْوَى وَإِن أَحمَق الْحمق الْفُجُور فاتبعوا كتاب اللَّه واقبلوا نصيحته وَاقْتَدوا بِسنة رَسُوله وخذوا شَرِيعَته فَإِن اللَّه يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السيآت وَهُوَ الْحَكِيم
стр. 470
الْعَلِيم وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ من بعد مَا قَنطُوا الْآيَة واحذروا االخطايا الَّتِي لكل بني آدم فِيهَا نصيب ة وتزودوا للآخرة فَإِن الْمصير إِلَيْهَا قريب وَلَكِن خَيركُمْ من اتبع طَاعَة اللَّه واجتنب مَعْصِيَته فاحذروا يَوْمًا لَا ينفع فِيهِ من حميم وَلَا شَفِيع وَلَا حميم يطاع وليعمل عَامل مَا اسْتَطَاعَ من عمل يقربهُ إِلَى ربه وَاعْمَلُوا من قبل أَن لَا تقدروا على الْعَمَل وَإِن اللَّه لَو شَاءَ خَلقكُم سدى وَلَكِن جعلكُمْ أَئِمَّة هدى فاتبعوا مَا أَمركُم الله بِهِ واجتنبواما نهاكم عَنهُ وَاعْمَلُوا الْخَيْر فَإِن قَلِيله كثير نَام مبارك وَاتَّقوا الله حق تُقَاته واحذروا ماحذركم فِي كِتَابه وتوقوا مَعْصِيَته خشيَة من عِقَابه فَلَيْسَ فِيهَا رَغْبَة لأحد واستعفوا عَمَّا حرم اللَّه وَأمر باجتنابه وَإِيَّاكُم والمحقرات فَإِنَّهَا تقرب إِلَى الموجبات وَاعْمَلُوا قبل أَن لَا تعملوا وتوبوا من الْخَطَايَا الَّتِي لَا يغسلهَا إِلَّا اللَّه برحمته وصلوا على نَبِيكُم كَمَا أَمركُم ربكُم ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن الَّذِي رَأَيْتُمْ مني لم يكن على حرص على ولايتكم وَلَكِنِّي خفت الْفِتْنَة وَالِاخْتِلَاف فَدخلت فِيهَا وهأنذا وَقد رَجَعَ الْأَمر إِلَى أحْسنه وَكفى اللَّه تِلْكَ الثائرة وَهَذَا أَمركُم إِلَيْكُم توَلّوا من أَحْبَبْتُم من النَّاس وَأَنا أُجِيبكُم على ذَلِك وأكون كأحدكم فَأَجَابَهُ النَّاس رَضِينَا بك قسما وحظا إِذْ أَنْت ثَانِي اثْنَيْنِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَالسَّلَام على مُحَمَّد وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك
стр. 471
ونستغفرك ونثني عَلَيْك وَلَا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يكفرك ثمَّ نزل واستقام لَهُ الْأَمر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَايَعَهُ النَّاس وَرَضوا بِهِ وسموه خَليفَة رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا شرذمة مَعَ عَليّ بْن أبي طَالب تخلفوا عَن بيعَته وَكَانَ أُسَامَة بْن زيد يَقُول أَمرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أغير صباحا على أهل أننى ثمَّ أَمر أَبُو بكر أَن يبعثوا بعث أُسَامَة بْن زيد فَقَالَ لَهُ النَّاس إِن الْعَرَب قد انتقضت عَلَيْك وَإنَّك لَا تصنع بتفرق الْمُسلمين عَنْك شَيْئا قَالَ وَالَّذِي نفس أبي بكر بِيَدِهِ لَو ظَنَنْت أَن السبَاع أكلتني بِهَذِهِ القية لأنفذت هَذَا الْبَعْث الَّذِي أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بإنفاذه ثمَّ قَالَ أَبُو بكر لأسامة إِن تخلف معي عمر بْن الْخطاب فافعل فَأذن لَهُ أُسَامَة فَتخلف عمر مَعَ أبي بكر وَمضى أُسَامَة حَتَّى أوطأهم ثمَّ رَجَعَ فَسمع بِهِ الْمُسلمُونَ فَخَرجُوا مسرورين بقدومه ولواءه مَعْقُود حَتَّى دخل الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل بَيته ولواءه مَعْقُود وَيُقَال إِنَّه لم يحل اللِّوَاء حَتَّى توفى وَوَضعه
стр. 472
فِي بَيته ثمَّ كتب أَبُو بكر الصّديق كتابا إِلَى معَاذ بْن جبل يُخبرهُ بِمَوْت رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَعثه مَعَ عمار بْن يَاسر وَقد كَانَ معَاذ أَتَى الْيمن فِينَا هُوَ ذَات لَيْلَة على فرَاشه إِذا هُوَ بهاتف يَهْتِف عِنْد رَأسه يَا معَاذ كَيفَ يهنئك الْعَيْش وَمُحَمّد فِي سَكَرَات الْمَوْت فَوقف فَزعًا مَا ظن إِلَّا أَن الْقِيَامَة قد قَامَت فَلَمَّا رأى السَّمَاء مصحية والنجوم ظَاهِرَة استعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ نُودي اللَّيْلَة الثَّانِيَة يَا معَاذ كَيفَ يهنئك الْعَيْش وَمُحَمّد بَين أطباق الثرى فَجعل معَاذ يَده على رَأسه وَجعل يتَرَدَّد فِي سِكَك صنعاء وينادي بِأَعْلَى صَوته يَا أهل الْيمن ذروني لَا حَاجَة لي فِي جواركم فَمَا شَرّ الْأَيَّام يَوْم جِئتُكُمْ وَفَارَقت رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج الشبَّان من الرِّجَال والعواتق من النِّسَاء وَقَالُوا يَا معَاذ مَا الَّذِي دهاك فَلم يلْتَفت إِلَيْهِم وأتى منزله وَشد على رَاحِلَته وَأخذ جرابا فِيهِ سويق وإداوة من مَاء ثمَّ قَالَ لَا أنزل عَن نَاقَتي هَذِه إِن شَاءَ اللَّه إِلَّا لوقت صَلَاة حَتَّى آتى الْمَدِينَة فَبينا هُوَ على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة إِذْ لقِيه عمار فَعرفهُ بالبعير قالاعلميامعاذ أَن مُحَمَّدًا قد ذاق الْمَوْت وَفَارق الدُّنْيَا فَقَالَ معَاذ يَا أَيهَا الْهَاتِف فِي هَذَا اللَّيْل القار من أَنْت يَرْحَمك اللَّه قَالَ أَنا عمار بْن يَاسر قَالَ وَأَيْنَ تُرِيدُ قَالَ هَذَا كتاب أبي بكر إِلَى معَاذ يُعلمهُ أَن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَفَارق الدُّنْيَا قَالَ معَاذ فَإلَى من المهتدى والمشتكى فَمن لِلْيَتَامَى والأرامل والضعفاء
стр. 473
ثمَّ سَار وَرجع عمار مَعَه وَجعل يَقُول نشدتك بِاللَّه كَيفَ أَصْحَاب مُحَمَّد قَالَ تَركتهم كغنم بِلَا رَاع قَالَ كَيفَ تركت الْمَدِينَة قَالَ تركتهَا وَهِي أضيق على أَهلهَا من الْخَاتم فَلَمَّا كَانَ قَرِيبا من الْمَدِينَة سَمِعت عجوزا وَهِي تذكر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهِي تبْكي فَقَالَت يَا عَبْد اللَّه لَو رَأَيْت ابْنَته فَاطِمَة وَهِي تبْكي وَتقول يَا أبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه يَا أبتاه انْقَطع عَنَّا أَخْبَار السَّمَاء وَلَا ينزل الْوَحْي إِلَيْنَا من عِنْد اللَّه أبدا فَدخل معَاذ الْمَدِينَة لَيْلًا وأتى بَاب عَائِشَة فدق عَلَيْهَا الْبَاب فَقَالَت من هَذَا الَّذِي يطْرق بِنَا لَيْلًا قَالَ أَنا معَاذ بْن جبل ففتحت الْبَاب فَقَالَ يَا عَائِشَة كَيفَ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْد شدَّة وَجَعه قَالَت يَا معَاذ لَو رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يصفار مرّة ويحمار أُخْرَى يرفع يدا وَيَضَع أُخْرَى لما هَنَّأَك الْعَيْش طول أَيَّام الدُّنْيَا فَبكى معَاذ حَتَّى خشِي أَن يكون الشَّيْطَان قد استفزه ثمَّ استعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وأتى أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ثمَّ ظهر طليحة فِي أَرض بني أَسد ومالت فَزَارَة فِيهَا عُيَيْنَة بْن حصن بْن بدر مرتدين عَن الْإِسْلَام وَبَايَعَهُ بَنو عَامر على مثل ذَلِك وتربصوا ينظرُونَ الْوَقْعَة بَين الْمُسلمين وَبَين بني أَسد وفزارة وَقد كَانَ أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذين بَعثهمْ على الصَّدقَات قد جمعُوا
стр. 474
مَا كَانَ على النَّاس مِنْهَا فَلَمَّا بَلغهُمْ وَفَاة رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَما عدي بْن حَاتِم فتمسك بِالْإِسْلَامِ وَبَقِي فِي يَده الصَّدقَات وَكَذَلِكَ الزبْرِقَان بْن بدر وَأما مَالك بْن نُوَيْرَة فَأرْسل مَا فِي يَده وَقَالَ لِقَوْمِهِ قد هلك هَذَا الرجل فشأنكم بأموالكم وَقد كَانَت طىء وَبَنُو سعد كلمهما عدي بْن حَاتِم والزبرقان بْن بدر فَقَالَا وهما كَانَا أحزم رَأيا وَأفضل فِي الْإِسْلَام رَغْبَة من مَالك بْن نُوَيْرَة لقومهما لَا تعجلوا فَإِنَّهُ لَيَكُونن لهَذَا الْأَمر قَائِم فَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك ألقاكم وَلم تبدلوا دينكُمْ وَلم تعزلوا أَمركُم وَإِن كَانَ الَّذِي تطلبون فلعمري إِن ذَلِك أَمْوَالكُم بِأَيْدِيكُمْ لَا يغلبنكم عَلَيْهَا أحد غَيْركُمْ وسكناهم بذلك حَتَّى أَتَاهُم خبر النَّاس واجتماعهم على أبي بكر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وبيعة الْمُسلمين إِيَّاه فبعثا مَا بِأَيْدِيهِم من الصَّدَقَة إِلَى أبي بكر فَلم يزل أَبُو بكر يعرف فضلهما على من سواهُمَا من الْمُسلمين وَجَاء الْعَبَّاس وَفَاطِمَة إِلَى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النَّبِي ﷺ وهما حِينَئِذٍ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خَيْبَر فَقَالَ لَهما أَبُو بكر إِنِّي سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل مُحَمَّد من هَذَا المَال وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يصنعه فِيهِ إِلَّا صَنعته فِيهِ فَهجرَته
стр. 475
فَاطِمَة وَلم تكَلمه حَتَّى مَاتَت ثمَّ جهز أَبُو بكر الْجَيْش لِيُقَاتل من كفر من الْعَرَب فَترك إِعْطَاء الصَّدقَات وارتد عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ عمر كَيفَ تقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقد سَمِعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على اللَّه فَقَالَ أَبُو بكر وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالَّذِي نفس أبي بكر بِيَدِهِ لَو مَنَعُونِي عقَالًا أَو عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لقاتلتهم عَلَيْهِ حَتَّى آخذها قَالَ عمر فَلَمَّا رَأَيْت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أَنه الْحق فَأمر أَبُو بكر على النَّاس خَالِد بْن الْوَلِيد وَأمر ثَابت بْن قيس بْن شماس على النَّاس الْأَنْصَار وَجمع أَمر النَّاس إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد ثمَّ أَمرهم أَن يَسِيرُوا وَسَار مَعَهم مشيعا حَتَّى نزل ذَا الْقِصَّة من الْمَدِينَة على بريد وأميال فَضرب مُعَسْكَره وعبأ جَيْشه ثمَّ تقدم إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد وَقَالَ إِذا عشيتم دَار من دور النَّاس فسمعتم أذانا للصَّلَاة فأمسكوا عَنْهَا حَتَّى تسألوهم مَا الَّذِي يعلمُونَ وَإِن لم تسمعوا الْأَذَان فَشُنُّوا الْغَارة واقتلوا وحرقوا ثمَّ أَمر خَالِد بْن الْوَلِيد أَن يصمد لطليحة وَهُوَ على
стр. 476
مَاء من مياه بني أَسد وَكَانَ طليحة يدعى النُّبُوَّة وينسج للنَّاس الأكاذيب والأباطيل وَيَزْعُم أَن جِبْرِيل يَأْتِيهِ وَكَانَ يَقُول للنَّاس أَيهَا النَّاس إِن اللَّه لَا يصنع بتعفير وُجُوهكُم وقبح أدباركم شَيْئا واذْكُرُوا اللَّه قعُودا وقياما وَجعل يعيب الصَّلَاة وَيَقُول إِن الصَّرِيح تَحت الرغوة وَكَانَ أول مَا ابتلى من النَّاس طليحة أَنه أَصْلَب هُوَ وَأَصْحَابه الْعَطش فِي منزلهم فِيهِ فَقَالَ طليحة فِيمَا شجع لَهُم من أباطيله اركبوا علالا يَعْنِي فرسا واضربوا أميالا تَجدوا قلالا فَفَعَلُوا فوجدوا مَاء فَافْتتنَ الْأَعْرَاب بِهِ ثمَّ قَالَ أَبُو بكر لخَالِد بْن الْوَلِيد لآتيك من نَاحيَة خَيْبَر إِن شَاءَ اللَّه فِيمَن بَقِي من الْمُسلمين وَأَرَادَ بذلك أَبُو بكر أَن يبلغ الْخَبَر النَّاس بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم ثمَّ ودع خَالِدا وَرجع إِلَى الْمَدِينَة وَمضى خَالِد بِالنَّاسِ وَكَانَت بَنو فَزَارَة وَأسد يَقُولُونَ وَالله لَا نُبَايِع أَبَا الفصيل يعنون أَبَا بكر وَكَانَت طىء على إسْلَامهَا لم تزل عَنهُ مَعَ عدي بْن حَاتِم ومكنف بْن زيد الْخَيل فَكَانَا يكالبانها ويقولان لبني فَزَارَة وَالله لَا نزال نقاتلكم إِن شَاءَ اللَّه فَلَمَّا قرب خَالِد بْن الْوَلِيد من الْقَوْم وَبعث عكاشة
стр. 477
بْن مُحصن وثابت بْن أقرم أَخا بني العجلان طَلِيعَة أَمَامه وَخرج طليحة بن خويلد المتنبىء وَأَخُوهُ سَلمَة بْن خويلد أَيْضا طَلِيعَة لمن وراءهما فَالْتَقَيَا عكاشة بْن مُحصن وثابت بْن أقرم فَانْفَرد طليحة بعكاشة وَسَلَمَة بْن خويلد بِثَابِت فَأَما سَلمَة فَلم يلبث ثَابتا أَن قَتله ثمَّ صرخَ طليحة وَقَالَ يَا سَلمَة أَعنِي على الرجل فَإِنَّهُ قاتلي فاكتنفا عكاشة حَتَّى قتلاه وكرا رَاجِعين إِلَى من وراءهما فَلَمَّا وصل خَالِد والمسلمون إِلَى ثَابت بْن أقرم وعكاشة بْن مُحصن وهما قتيلان عظم ذَلِك على الْمُسلمين وَرَاءَهُمْ ثمَّ مضى خَالِد حَتَّى نزل على طىء فِي خللهم سلمى فَضرب مُعَسْكَره وانضم إِلَيْهِ من كَانَ من الْمُسلمين فِي تِلْكَ الْقَبَائِل ثمَّ تهَيَّأ لِلْقِتَالِ وَسَار إِلَى طليحة وَهُوَ على مَائه والتقى مَعَه طليحة فِي سَبْعمِائة رجل من بني فَزَارَة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وطليحة متلفف فِي كسَاء لَهُ بِفنَاء بَيت لَهُ من شعر يتنبأ ويسجع فهز عُيَيْنَة بْن حصن الْحَرْب وَشد الْقِتَال ثمَّ كرّ على طليحة فَقَالَ هَل جَاءَك جِبْرِيل بعد قَالَ لَا فَرجع عُيَيْنَة وَقَاتل حَتَّى إِذا هزته الْحَرْب كرّ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَقَالَ لَا أَبَا لَك هَل جَاءَك جِبْرِيل بعد قَالَ نعم قَالَ فَمَاذَا قَالَ لَك قَالَ قَالَ لي إِن لَك
стр. 478
رحى كرحاه وحديثا لَا تنساه قَالَ عُيَيْنَة أَظن اللَّه أَنه قد علم أَنه سَيكون لَك حَدِيث لَا تنساه يَا بني فَزَارَة هَكَذَا فانصرفوا فَهَذَا وَالله كَذَّاب فَانْصَرف وانصرفت مَعَه فَزَارَة وَانْهَزَمَ النَّاس وَكَانَ طليحة قد أعد فرسا لَهُ عِنْده وهيأ بَعِيرًا لامْرَأَته النوار ثمَّ اجْتمعت إِلَيْهِ فَزَارَة وهم مبارزون فَقَالُوا مَا تَأْمُرنَا فَلَمَّا سمع مِنْهُم ذَلِك اسْتَوَى على فرسه وَحمل امْرَأَته على الْبَعِير ثمَّ نجا بهَا وَقَالَ لَهُم من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يفعل كَمَا فعلت وينجو بأَهْله فَلْيفْعَل ثمَّ سلك الحوشية حَتَّى لحق بِالشَّام وانصرفت فَزَارَة وَقتل مِنْهُم من قتل ثمَّ دخلت الْقَبَائِل فِي الْإِسْلَام على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل فَلَمَّا فرغ خَالِد من بيعتهم أوثق عُيَيْنَة بْن حصن وقرة بْن هُبَيْرَة بْن سَلمَة وَبعث بهما إِلَى أبي بكر فَلَمَّا قدما عَلَيْهِ قَالَ قُرَّة يَا خَليفَة رَسُول اللَّه إِنِّي كنت مُسلما وَإِن عِنْد عَمْرو بْن الْعَاصِ من إسلامي شَهَادَة قد مر بِي فأكرمته وقربته وَكَانَ عَمْرو بْن الْعَاصِ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِخَبَر الْأَعْرَاب وَذَلِكَ أَن عمرا كَانَ على عمان فَلَمَّا أقبل رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة مر بهوازن وَقد انتقضوا وَفِيهِمْ سيدهم قُرَّة بْن هُبَيْرَة فَنزل عَلَيْهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ فَنحر لَهُ وَأَقَرَّاهُ وأكرمه فَلَمَّا أَرَادَ عَمْرو الرحيل خلى بِهِ قُرَّة بْن هُبَيْرَة وَقَالَ يَا عَمْرو إِنَّكُم معشر قُرَيْش إِن أَنْتُم كففتم
стр. 479
عَن أَمْوَال النَّاس وتركتموها لَهُم يُرِيد الصَّدقَات فقمن أَن يسمع لكم النَّاس ويطيعوا فَإِن أَنْتُم ابيتم إِلَّا أَخذ أماولهم فَإِنِّي وَالله مَا أرى الْعَرَب مقرة بذلك لكم وَلَا صابرة عَلَيْهِ حَتَّى تنازعكم أَمركُم ويطلبوا مَا فِي أَيْدِيكُم فَقَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ أبالعرب تخوفنا موعدك أقسم اللَّه لأوطئنه عَلَيْك الْخَيل ثمَّ مضى عَمْرو حَتَّى قدم الْمَدِينَة على أبي بكر وَأخْبرهُ الْخَبَر قبل خُرُوج خَالِد إِلَيْهِم فَتَجَاوز أَبُو بكر عَن قُرَّة بْن هُبَيْرَة وعيينة بْن حصن وحقن لَهما دماءهما وَلما فرغ خَالِد بْن الْوَلِيد من بيعَة بني عَامر وَبني أَسد قَالَ إِن الْخَلِيفَة قد عهد إِلَى أَن أَسِير إِلَى أَرض بني غَانِم فَسَار حَتَّى نزل بأرضهم وَبث فِيهَا السَّرَايَا فَلم يلق بهَا جمعا وأتى بِمَالك بْن نُوَيْرَة فِي رَهْط من بني تَمِيم وَبنى خنظلة فَأمر بهم فَضربت أَعْنَاقهم وَتزَوج مَكَانَهُ أم تَمِيم امْرَأَة مَالك بْن نُوَيْرَة فَشهد أَبُو قَتَادَة لمَالِك بْن نُوَيْرَة بِالْإِسْلَامِ عِنْد أبي بكر ثمَّ رَجَعَ خَالِد يؤم الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا دخل الْمَسْجِد وَعَلِيهِ درع معتجرا بعمامة وَعَلِيهِ قبَاء عَلَيْهِ صدأ الْحَدِيد قد غرز فِي عمَامَته أسهما فَقَامَ إِلَيْهِ عمر بْن الْخطاب فَانْتزع الأسهم من رَأسه فحطمها ثمَّ قَالَ أقتلت امْرأ مُسلما مَالك بْن نُوَيْرَة ثمَّ تزوجت امْرَأَته وَالله لنرجمنك بأحجارك وخَالِد
стр. 480
بْن الْوَلِيد لَا يكلمهُ وَلَا يظنّ إِلَّا أَن رأى أبي بكر على مثل رأى عمر حَتَّى دخل على أبي بكر فَأخْبرهُ الْخَبَر وَاعْتذر إِلَيْهِ أَنه لم يعلم فعذره أَبُو بكر وَتجَاوز عَنهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي حربه تِلْكَ فَخرج خَالِد من عِنْده وَعمر جَالس فِي الْمَسْجِد فَقَالَ هَلُمَّ إِلَى بن أم شملة فَعرف أَن أَبَا بكر قد رضى عَنهُ فَلم يكلمهُ فَقَامَ فَدخل بَيته ثمَّ مَاتَت فَاطِمَة بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ بعد أَبِيهَا بِسِتَّة أشهر فدفنها على لَيْلًا وَلم يُؤذن بِهِ أَبَا بكر وَلَا عمر وَكَانَ لعَلي جِهَة من النَّاس حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا توفيت فَاطِمَة انصرفت وُجُوه النَّاس عَن على فَلَمَّا رأى انصراف النَّاس ضرع على إِلَى مصالحة أبي بكر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا تأتنا مَعَك بِأحد وَكره أَن يَأْتِيهِ عمر لما علم من شدته فَقَالَ عمر لَا تأتهم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر وَالله لآتينهم وحدى وَمَا عَسى أَن يصنعوا بِي فَانْطَلق أَبُو بكر وَحده حَتَّى دخل على عَليّ وَقد جمع بني هَاشم عِنْده فَقَامَ عَليّ وَحمد اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أما بعد فَإِنَّهُ لم يمنعنا أَن نُبَايِعك إنكارا لفضيلتك وَلَا نفاسة عَلَيْك بِخَير سَاقه اللَّه إِلَيْك وَلَكنَّا كُنَّا نرى أَن لنا فِي هَذَا الْأَمر حَقًا
стр. 481
فاستبددت بِهِ علينا ثمَّ ذكر قرَابَته من رَسُول اللَّهِ ﷺ وحقهم وَلم يزل على يذكر ذَلِك حَتَّى بَكَى أَبُو بكر فَلَمَّا صمت على تشهد أَبُو بكر فَحَمدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَالله لقرابة رَسُول اللَّهِ ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَإِنِّي وَالله مَا أعلم فِي هَذِه الْأُمُور الَّتِي كَانَت بيني وَبَين عَليّ إِلَّا الْخَيْر وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذِه المَال قوتا وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا صنع فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا صَنعته إِن شَاءَ اللَّه ثمَّ قَالَ موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر أقبل على النَّاس ثمَّ عذر عليا بِبَعْض مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَامَ عَليّ فَعظم من حق أبي بكر وَذكر فضيلته وسابقته ثمَّ مضى إِلَى أبي بكر فَبَايعهُ وَأَقْبل النَّاس على عَليّ فَقَالُوا أصبت وأحسنت ثمَّ توفّي عَبْد اللَّه بْن أبي بكر الصّديق وكطان أَصَابَهُ سهم بِالطَّائِف مَعَ النَّبِي ﷺ رَمَاه بْن محجن ثمَّ دمل الْجرْح فَمَاتَ فِي شَوَّال بعد الظّهْر وَنزل حفرته عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر وَعمر بْن الْخطاب وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَدخل عمر على أبي بكر وَهُوَ آخذ بِلِسَانِهِ ينصنصه
стр. 482
فَقَالَ لَهُ عمر يَا خَليفَة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّه اللَّه فَقَالَ أَبُو بكر هَذَا أوردني الْمَوَارِد فَلَمَّا دخل شهر ذِي الْحجَّة حج عمر بْن الْخطاب سنة إِحْدَى عشرَة وَاشْترى مَوْلَاهُ أسلم فِي حجَّته تِلْكَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ وَجه أَبُو بكر خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى الْيَمَامَة وَكَانَ مُسَيْلمَة قد تنبأ بهَا فِي حَيَاة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أمره ضَعِيفا ثمَّ وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ وَرَجَعَ إِلَى قومه فَشهد رجال بْن عنفوة لأهل الْيَمَامَة أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد أشركه فِي الْأَمر فَعظم فتْنَة عَلَيْهِم وَخرج خَالِد بْن الْوَلِيد بالمهاجرين وَالْأَنْصَار حَتَّى إِذا دنا من الْيَمَامَة نزل وَاديا من أَوْدِيَتهمْ فَأصَاب فِي ذَلِك الْوَادي مجاعَة بْن مرَارَة فِي عشْرين رجلا مِنْهُم كَانُوا خَرجُوا يطْلبُونَ رجلا من بني تَمِيم وَكَانَ أصَاب لَهُم دَمًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يقدروا عَلَيْهِ فَبَاتُوا بذلك الْوَادي فَلم ينبههم إِلَّا خيل الْمُسلمين قد وقفت عَلَيْهِم فَقَالُوا من الْقَوْم فَقَالُوا بَنو حنيفَة قَالَ فَلَا أنعم لكم علينا ثمَّ نزلُوا فاستوثقوا مِنْهُم فَلَمَّا أصبح دعاهم خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ يَا بني حنيفَة مَا تَقولُونَ فَقَالُوا منا نبيء ومنكم نبىء فعرضهم
стр. 483
خَالِد على السَّيْف حَتَّى بَقِي سَارِيَة بْن عَامر ومجاعة بْن مرَارَة فَقَالَ لَهُ سَارِيَة يَا أَيهَا الرجل إِن كنت تُرِيدُ هَذِه الْقرْيَة فَاسْتَبق هَذَا الرجل وأوثق مجاعَة فِي الْحَدِيد وَدفعه إِلَى أم تَمِيم امْرَأَته وَقَالَ استوصي بِهِ خيرا وَضرب عنق سَارِيَة بْن عَامر ثمَّ سَار بِالْمُسْلِمين حَتَّى نزل على كثيب مشرف على الْيَمَامَة وَضرب مُعَسْكَره هُنَاكَ وَخرج أهل الْيَمَامَة مَعَ مُسَيْلمَة وتصاف النَّاس وَكَانَ خَالِد جَالِسا على سَرِيره ومجاعة مكبل عِنْده وَالنَّاس على مَصَافهمْ إِذْ رأى بارقة فِي بني حنيفَة فَقَالَ خَالِد أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين قد كفاكم اللَّه عَدوكُمْ وَاخْتلف الْقَوْم فكر مجاعَة إِلَيْهِ وَهُوَ مكبل فَقَالَ كلا وَالله إِنَّهَا الهندوانية خَشوا من تحطمها فأبرزوها للشمس لتلين لَهُم فَكَانَ كَمَا قَالَ فَلَمَّا التقى النَّاس كَانَ أول من خرج رجال بْن عنفوة فَقتل واقتتل الْمُسلمُونَ قتالاشديدا حَتَّى انهزم الْمُسلمُونَ وخلص أَصْحَاب مُسَيْلمَة إِلَى الرّحال ودخلوا فسطاط خَالِد بْن الْوَلِيد وَفِيه مجاعَة مكبلا عِنْد أم تَمِيم امْرَأَة خَالِد فَحمل عَلَيْهَا رجل بِالسَّيْفِ فَقَالَ مجاعَة أَنا لَهَا جَار فنعمت الْحرَّة عَلَيْكُم بِالرِّجَالِ فرحبلوا الْفسْطَاط بِالسَّيْفِ ثمَّ إِن الْمُسلمين تداعوا فَقَالَ ثَابت بْن قيس بن شماس
стр. 484
بئْسَمَا عودتم أَنفسكُم يَا معشر الْمُسلمين اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا يصنع هَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ ثمَّ أَخذ سَيْفه حَتَّى جالد بِهِ حَتَّى قتل وَرَأى زيد بْن الْخطاب انكشاف الْمُسلمين عَن رحالهم فَتقدم فقاتل حَتَّى قتل وَقَامَ الْبَراء بْن مَالك أَخُو أنس بْن مَالك وَكَانَ الْبَراء فِيمَا يُقَال إِذا حضر الْبَأْس أَخذه انتفاض حَتَّى يقْعد عَلَيْهِ الرِّجَال ثمَّ يَبُول فِي سراويله فَإِذا بَال صَار مثل السَّبع فَلَمَّا رأى مَا صنع الْمُسلمُونَ من الانكشاف وَمَا رأى من أهل الْيَمَامَة أَخذه الَّذِي كَانَ يَأْخُذهُ حَتَّى قعد عَلَيْهِ الرِّجَال فَلَمَّا بَال وثب فَقَالَ أَيْن يَا معشر الْمُسلمين أَنا الْبَراء بْن مَالك هلموا إِلَيّ فَاجْتمع عِنْده جمَاعَة من الْمُسلمين فقاتل الْقَوْم قتالا شَدِيدا حَتَّى خلصوا إِلَى مُحكم الْيَمَامَة وَهُوَ مُحكم بْن الطُّفَيْل فَلَمَّا بلغه الْقِتَال قَالَ يَا معشر بني حنيفَة الْآن وَالله تستحقب الكرائم غير رضيات وينكحن غير حظيات فَمَا كَانَ عنْدكُمْ من حسب فأخرجوه ثمَّ تقدم فقاتل قتالا شَدِيدا فَرَمَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر بِسَهْم فَوَضعه فِي نَحره فَقتله وزحف الْمُسلمُونَ حَتَّى ألجأوهم إِلَى الحديقة وفيهَا مُسَيْلمَة فَقَالَ الْبَراء بْن مَالك يَا معشر الْمُسلمين ارموني عَلَيْهِم فِي الحديقة فَقَالَ النَّاس لَا تفعل يَا برَاء فَقَالَ وَالله
стр. 485
أفعل فَاحْتمل حَتَّى أشرف على الْجِدَار فاقتحم فَقَاتلهُمْ حَتَّى فتحهَا اللَّه للْمُسلمين وَدخل عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ وَقتل مُسَيْلمَة اشْترك وَحشِي بْن حَرْب مولى جُبَير بْن مطعم وَرجل من الْأَنْصَار فِي قَتله فَرَمَاهُ وَحشِي بحربته وضربه الْأنْصَارِيّ بِسَيْفِهِ فَكَانَ وَحشِي يَقُول رَبك أعلم أَيّنَا قَتله قلت خير النَّاس وَشر النَّاس فَلَمَّا فرغ الْمُسلمُونَ من مُسَيْلمَة وأتى خَالِدا الْخَبَر فَخرج بمجاعة فِي الْحَدِيد يرسف مَعَه ليدله على مُسَيْلمَة وَكَانَ يكْشف الْقَتْلَى حَتَّى مر بمحكم بْن الطُّفَيْل وَكَانَ رجلا جسيما وسيما فَقَالَ خَالِد هَذَا صَاحبكُم فَقَالَ مجاعَة لَا هَذَا وَالله خير مِنْهُ وَأكْرم هَذَا مُحكم الْيَمَامَة ثمَّ دخلُوا الحديقة وَقَلْبًا الْقَتْلَى فَإِذا رويجل أصيفر أخينس فَقَالَ مجاعَة انه وَالله مَا جَاءَك إِلَّا سرعَان النَّاس فِي الْحُصُون قَالَ وَيلك مَا تَقول قَالَ وَالله إِن ذَلِك لحق فَهَلُمَّ أصالحك على قومِي فَصَالحه خَالِد بْن الْوَلِيد على الصَّفْرَاء والبيضاء وَالْحَلقَة وَنصف السَّبي ثمَّ قَالَ لمجاعة امْضِ إِلَى الْقَوْم فاعرض مَا صنعت فَانْطَلق إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ للنِّسَاء البسن الْحَدِيد ثمَّ أشرفن على الْحُصُون ثمَّ انْتهى إِلَى خَالِد قَالَ إِنَّهُم لم يرْضوا على مصالحتك عَلَيْهِ وَلَكِن إِن شِئْت شَيْئا صنعت وَعرضت على الْقَوْم قَالَ مَا هُوَ قَالَ تَأْخُذ ربع السَّبي ربعا قَالَ خَالِد
стр. 486
قد فعلت قَالَ قد صالحتك فَلَمَّا فرغا دخلُوا الْحصن فَإِذا لَيْسَ رجل وَاحِد رماهم إِلَّا النِّسَاء وَالصبيان فَقَالَ خَالِد لمجاعة خدعتني قَالَ قومِي ثمَّ بعث أَبُو بكر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد بسلمة بْن سَلامَة بْن وقش يَأْمُرهُ أَن لَا يستبقي من بني حنيفَة رجلا قد أنبت فَأَتَاهُ سَلمَة وَقد فرغ خَالِد من الصُّلْح ثمَّ إِن خَالِدا قد بعث وَفْدًا من بني حنيفَة إِلَى أبي بكر فقدموا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو بكر وَيحكم مَا هَذَا الرجل الَّذِي استنزل مِنْكُم مَا استنزل قالزا يَا خَليفَة رَسُول اللَّه قد كَانَ الَّذِي بلغك وكاتن امْرأ لم يُبَارك اللَّه لَهُ وَلَا لعشيرته فِيهِ قَالَ أَبُو بكر على ذَلِك مَا دعَاكُمْ إِلَيْهِ قَالُوا كَانَ يَقُول يَا ضفدع نقي نقي لَا الشَّرَاب تمنعين وَلَا المَاء تكدرين لنا نصف الأَرْض ولقريش نصف الأَرْض وَلَكِن قُريْشًا قوم يعتدون فَقَالَ أَبُو بكر سُبْحَانَ اللَّه سُبْحَانَ اللَّه فَلَمَّا فرغ خَالِد من الصُّلْح نزل وَاديا من أَوديَة الْيَمَامَة فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعد
стр. 487
إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل من بني حنيفَة يُقَال لَهُ سَلمَة بْن عُمَيْر فَقَالَ لمجاعة اسْتَأْذن لي على الْأَمِير فَإِن لي إِلَيْهِ حَاجَة فَأتى عَلَيْهِ مجاعَة ثمَّ قَالَ مجاعَة إِنِّي وَالله لَا أعرف الشَّرّ فِي وَجهه ثمَّ نظر فَإِذا هُوَ مُشْتَمل على السَّيْف فَقَالَ مَا لَك لعنك اللَّه أردْت أَن تستأصل بني حنيفَة وَالله لَئِن قتلته مَا ترك فِي بني حنيفَة صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا قتل فَانْقَلَبَ الرجل وَمَعَهُ سَيْفه فَوَقع فِي حَائِط من حَوَائِط الْيَمَامَة وَحبس بِهِ الْمُسلمُونَ فَدَخَلُوا خلف الْحَائِط فَقتل وَكَانَ من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم الْيَمَامَة من قُرَيْش مِمَّن يحضرنا ذكرهم أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وشجاع بْن وهب بْن ربيعَة وَمَالك بْن عَمْرو وَيزِيد بْن قيس وَصَفوَان بْن أُميَّة بْن عَمْرو وَأَخُوهُ مَالك بْن أُميَّة والطفيل بْن عَمْرو الدوسي وَجبير بْن مَالك وَأمه بُحَيْنَة وة يزِيد بن أَوْس وحيى بْن حَارِثَة والوليد بْن عَبْد شمس بْن الْمُغيرَة وَحَكِيم بْن حزَام بْن أبي وهب وَزيد بْن الْخطاب بْن نفَيْل وَعبد اللَّه بْن عَمْرو بْن بجرة وَعبد اللَّه بْن الْحَارِث بْن قيس وَأَبُو قيس بْن الْحَارِث وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عبد الْعُزَّى وَعبد الله
стр. 488
بْن سهل بْن عَمْرو وسليط بْن سليط بْن عَمْرو وَعَمْرو بْن أَوْس بْن سعد بْن أبي سرح وَرَبِيعَة بْن أبي خَرشَة ومنقذ بْن عَمْرو بْن عَطِيَّة وَعبد اللَّه بْن الْحَارِث بْن رحضة وَاسْتشْهدَ من الْأَنْصَار يَوْم الْيَمَامَة ثَابت بْن قيس بْن شماس وَعباد بْن بضر بْن وقش وَرَافِع بْن سهل وَعبد اللَّه بْن عتِيك وحاجب بْن زيد وَسَهل بْن عدي وَمَالك بْن أَوْس ومعن موليان لَهُم وفروة بْن الْعَبَّاس وكليب بْن تَمِيم وعامر بْن ثَابت وَبشر بْن عَبْد اللَّه وَعبد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول وَعبد اللَّه بْن عتْبَان وثابت بْن هزال وَأسيد بْن يَرْبُوع وَأَوْس بْن ورقة وَسعد بْن حَارِثَة بْن لوذان وَسماك بْن خَرشَة أَبُو دُجَانَة وَسعد بْن حمَار وَعقبَة بْن عَامر بْن نابي وضمرة بْن عِيَاض وَعبد اللَّه بْن أنيس ومسعود بْن سِنَان وحبِيب بْن زيد وَأَبُو حَبَّة بْن غزيَّة بْن عَمْرو وَعمارَة بْن حزم بن زيد
стр. 489
وَيزِيد بْن ثَابت بْن الضَّحَّاك بْن زيد رمى بِسَهْم فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وثابت بْن خَالِد بْن عَمْرو بْن خنساء وفروة بْن النُّعْمَان بْن الْحَارِث وعائذ بْن ماعص الزرقي وحبِيب بْن عَمْرو بْن مُحصن ثمَّ انْصَرف خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْمُسْلِمين حَتَّى قدم الْمَدِينَة على أبي بكر وارتدت ربيعَة بِالْبَحْرَيْنِ فِيمَن ارْتَدَّ من العربإلا الْجَارُود بْن عَمْرو بْن خنش بْن مُعلى فَإِنَّهُ ثَبت على الْإِسْلَام فِيمَن تبعه من قومه وَقَالَت ربيعَة بَعْضهَا لبَعض نرد الْملك إِلَى الْمُنْذر بْن سَاوَى وَكَانَ الْمُنْذر ملكهم فِي حَيَاة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فَأسلم الْمُنْذر وَأقَام الْعَلَاء بهَا إِلَى أَن قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ فَملك ربيعَة الْمُنْذر بْن النُّعْمَان بْن الْمُنْذر بْن سَاوَى وَجمع جمعهم على الارتداد فَلَمَّا بلغ أَبَا بكر خبرهم بعث إِلَيْهِم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ وَأمره بثمامة بْن أَثَال الْحَنَفِيّ وَكَانَ قد أسلم ثُمَامَة وَأسلم بَنو سحيم مَعَه فَلَمَّا مر الْعَلَاء بثمامة بْن أَثَال مَعَه من اتبعهُ من قومه من بني سحيم وسارت ربيعَة إِلَيْهِم فحاصروهم بجواثا
стр. 490
حصن بِالْبَحْرَيْنِ وَأصَاب الْمُسلمُونَ شَهدا شَدِيدا من الْجُوع حَتَّى كَادُوا أَن يهْلكُوا فَخرج عَبْد اللَّه بْن حذف لَيْلَة من اللَّيَالِي يتجسس أخبارهم وَيَجِيء الْمُسلمين بالْخبر فَأتى الْحصن واحتال فِي دُخُوله فَوَجَدَهُمْ سكارى فَرجع فَأخْبر الْمُسلمين أَن الْقَوْم سكارى لَا عناء بهم فبيتهم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين وقاتلوهم قتالا شَدِيدا حَتَّى فتح اللَّه على الْمُسلمين حصنهمْ وَقسم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ الْغَنِيمَة بِالْبَحْرَيْنِ وَجمع بهَا صَلَاة الْجُمُعَة وَخرج الْأسود بْن كَعْب الْعَنسِي فِي كِنْدَة فَبَاعَ النَّاس وَالْمُهَاجِر بْن أبي أُميَّة أميرها وَسمعت كِنْدَة بذلك واتفقت أَيْضا مَعَ من اتبع الْأسود على نَصره وَكَانَ على حَضرمَوْت زِيَاد بْن لبيد البياضي فَلَمَّا رأى ذَلِك مِنْهُم بَيتهمْ بِاللَّيْلِ وَقتل مِنْهُم أَرْبَعَة من الْمُلُوك فِي محاجرهم جمدا ومحوصا ومشرحا وأبضعة ثمَّ كتب المُهَاجر بْن أبي أُميَّة إِلَى أبي بكر يُخبرهُ بانتقاض النَّاس ويستم مِنْهُ فَبعث أَبُو بكر عِكْرِمَة بْن أبي جهل فِي حُبَيْش مَعَه إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت قِطْعَة من كِنْدَة ثبتَتْ على الْإِسْلَام مَعَ زِيَاد بْن لبيد وَقطعَة مَعَ المُهَاجر بْن أبي أُميَّة وَزِيَاد
стр. 491
ابْن أبي لبيد بِالْحَرْبِ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحصار نزل إِلَيْهِم الْأَشْعَث بْن قيس وسألهم الْأمان على دَمه وَأَهله وَمَاله وَحَتَّى يقدموه على أبي بكر فَيرى فِيهِ رَأْيه وَأَن يفتح النُّجَيْر فَفَعَلُوا ذَلِك وَفتح النُّجَيْر واستنزلوا من فِيهِ من الْمُلُوك وَضربت أَعْنَاقهم واستوثقوا من الْأَشْعَث بْن قيس وبعثوا بِهِ إِلَى أبي بكر مَعَ السَّبي وَقتل الْأسود بْن كَعْب الْعَنسِي فِي بَيته فَلَمَّا قدم الْأَشْعَث على أبي بكر قَالَ أَبُو بكر فَمَا تَأْمُرنِي أَن أصنع فِيك فَإنَّك فعلت مَا علمت قَالَ الْأَشْعَث تمن على وتفكني من الْحَدِيد وَتَزَوَّجنِي أختك فَإِنِّي قد راجعت وَأسْلمت قَالَ أَبُو بكر قد فعلت فَزَوجهُ أُخْته فَرْوَة بنت أبي قُحَافَة ثمَّ قدم أهل الْبَحْرين على أبي بكر يفتدون سباياهم أَرْبَعمِائَة فَخَطب أَبُو بكر النَّاس فَقَالَ أَيهَا النَّاس ردوا على النَّاس سباياهم لَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يغيب عَنهُ مِنْهُم أحد ثمَّ جَاءَ جَابر بْن عَبْد اللَّه أَبَا بكر فَقَالَ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ إِن جَاءَنَا مَال من الْبَحْرين أعطيناك هَكَذَا وَهَكَذَا فحرز لَهُ أَبُو بكر هَكَذَا خَمْسمِائَة دِرْهَم فَأعْطَاهُ من مَال الْبَحْرين ألفا وَخَمْسمِائة دِرْهَم ثمَّ اعْتَمر أَبُو بكر فِي رَجَب وَخرج هُوَ وَعبد الرَّحْمَن بْن صَبِيحَة على راحلتين واستخلف على
стр. 492
الْمَدِينَة عمر بْن الْخطاب وقدما مَكَّة ضحوة وَخرج مِنْهَا قبل اللَّيْل وَمَات أَبُو مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وَتزَوج عمر بْن الْخطاب عَاتِكَة بنت زيد بْن عَمْرو بْن نفَيْل ثمَّ خرج أَبُو بكر سنة اثْنَتَيْ عشرَة واستخلف على الْمَدِينَة عُثْمَان بْن عَفَّان وَخرج لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة وَأحرم من ذِي الحليفة وَقدم مَكَّة لسبع خلون من ذِي الْحجَّة وَكَانَ قد سَاق مَعَه عشر بدنات فخطبهم قبل التَّرويَة بِيَوْم فِي مَسْجِد الْحَرَام وَأمرهمْ بتقوى اللَّه ونهاهم عَن مَعْصِيَته وَعظم عَلَيْهِم حرمه الْإِسْلَام وَأمرهمْ بِالْقَصْدِ فِي مَسِيرهمْ والترفق وتلا عَلَيْهِم آيَات من الْقُرْآن ثمَّ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُصَلِّي الظّهْر بمنى غَدا فَلْيفْعَل ثمَّ حج لَهُم وَنحر الْبدن وَرمى الْجمار مَاشِيا ذَاهِبًا وجائيًا وَمَات أَبُو الْعَاصِ بْن الرّبيع فِي ذِي الْحجَّة وَكَانَ يُسمى جرو الْبَطْحَاء وَأوصى إِلَى الزبير بْن الْعَوام فزوج الزبير ابْنَته عَليّ بْن أبي طَالب ثمَّ قفل أَبُو بكر من الْحَج إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا كتب إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد يُرِيد الْعرَاق وَقد قيل إِنَّه قد قدم الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق فَلَمَّا بلغ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى قريات من السوَاد يُقَال لَهُنَّ بانقياء باروسما وأليبس صَالح أَهلهَا وَكَانَ الَّذِي صَالحه عَلَيْهَا بن صلوبا
стр. 493
فَقبل مِنْهُم الْجِزْيَة وَكتب لَهُ كتابا بِسم الله الرَّحْمَن الرخحيم هَذَا كتاب من خَالِد بْن الْوَلِيد لِابْنِ صلوبا السوادي ومنزله بشاطىء الْفُرَات أَنَّك آمن بِأَمَان اللَّه مِمَّن حقن دَمه بِإِعْطَاء الْجِزْيَة وَقد أَعْطَيْت عَن نَفسك وَمن كَانَ فِي قريتك ألف دِرْهَم فقبلناها وَرَضي من معي من الْمُسلمين بهَا عَنْك فلك ذمَّة اللَّه وَذمَّة مُحَمَّد ﷺ وذمم الْمُسلمين على ذَلِك وَشهد هِشَام بْن الْوَلِيد ثمَّ أقبل خَالِد حَتَّى نزل الْحيرَة وَكَانَ عَلَيْهَا قبيصَة بْن إِيَاس بْن حَيَّة الطَّائِي أَمِير الكسرى فَخرج إِلَيْهِ بأشرافهم فَقَالَ لَهُم خَالِد أدعوكم إِلَى اللَّه وَإِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجبتم إِلَيْهِ فَأنْتم من الْمُسلمين لكم مَا لَهُم وَعَلَيْكُم مَا عَلَيْهِم وَإِن أَبَيْتُم فالجزية فَإِن أَبَيْتُم الْجِزْيَة فقد أتيتكم بِأَقْوَام أحرص على الْمَوْت مِنْكُم على الْحَيَاة جاهدناكم حَتَّى يحكم اللَّه بَيْننَا وَبَيْنكُم فَقَالَ لَهُ قبيصَة بْن إِيَاس مَا لنا بحربك من حَاجَة بل نُقِيم على ديننَا ونعطيك الْجِزْيَة فَصَالحهُمْ على تسعين ألف دِرْهَم كل سنة فَكَانَت أول جِزْيَة وَقعت بالعراق هَذِه وَالَّتِي صَالح عَلَيْهَا بن صلوبا وَبعث أَبُو بكر بعد قفوله من الْحَج الْجنُود إِلَى الشَّام فَبعث عَمْرو
стр. 494
بْن الْعَاصِ إِلَى فلسطين فَأخذ طَرِيق المعرقة على أَيْلَة وَبعث يزِيد بن أَبى سُفْيَان وَعبيدَة بْن الْجراح وشرحبيل بْن حَسَنَة إِلَى الشَّام وَأمرهمْ أَن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشَّام وَبعث خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ على ربع من الأرباع فَلم يزل عمر بْن الْخطاب بِأبي بكر حَتَّى عَزله وَأمر مَكَانَهُ بن أبي سُفْيَان وَخرج أَبُو بكر مَعَ يزِيد بْن أبي سُفْيَان يوصيه وَيزِيد رَاكب قَالَ أيه الْأَمِير إِمَّا أَن تركب وَإِمَّا أَن أنزل فَقَالَ مَا أَنْت بنازل وَلَا أَنا بِرَاكِب أليست خطاي هَذِه فِي سَبِيل اللَّه ثمَّ قَالَ يَا يزِيد إِنَّكُم ستقدمون بلادًا فَإِذا أكلْتُم الطَّعَام فسموا اللَّه على أَولهَا واحمدوه على آخرهَا وستجدون قوما حبسوا أنفسهم فِي الصوامع فدعوهم وَمَا حبسوا أنفسهم وستجدون أَقْوَامًا قد اتخذ الشَّيْطَان على رؤوسهم مقاعد يَعْنِي الشمامسة فاضربوا تِلْكَ الْأَعْنَاق وَلَا تقتلن كَبِيرا هرمًا وَلَا امْرَأَة وَلَا وليدًا وَلَا تعقرن بَهِيمَة إِلَّا لنفع وَلَا تخربن عمرانًا وَلَا تقطعن بحرًا إِلَّا لنفع وَلَا تغل
стр. 495
وَلَا تغدر وَلَا تخن وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لقوى عَزِيز أقرئك السَّلَام وأستودعك اللَّه ثمَّ انْصَرف أَبُو بكر وَمضى يزِيد بن أَبى سُفْيَان وَتَبعهُ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة وَأَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح فَردا فَردا وَنزل عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي قصره بغمر العربات وَنزل الرّوم بثنية جلق بِأَعْلَى فلسطين فِي سبعين ألفا عَلَيْهِم تذارق أَخُو هِرقل لِأَبِيهِ وَأمه فَكتب عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى أبي بكر يذكر لَهُ أَمر الرّوم ويستمده فَكتب أَبُو بكر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُوَ يَأْمُرهُ أَن يمد أهل الشَّام فِيمَن مَعَه من أهل الْقُوَّة ويستخلف على ضعفة النَّاس رجلا مِنْهُم فَلَمَّا أَتَاهُ كتاب أبي بكر قَالَ خَالِد هَذَا عمل الأعيسر بن أم شملة يَعْنِي عمر بْن الْخطاب حسدني أَن يكون فتح الْعرَاق على يَدي فَسَار خَالِد بِأَهْل الْقُوَّة من النَّاس ورد الضُّعَفَاء وَالنِّسَاء إِلَى الْمَدِينَة وَأمر عَلَيْهِم عُمَيْر بْن سعد الْأنْصَارِيّ واستخلف على من أسلم بالعراق من ربيعَة
следующие страницы →