← Тараджим

Тараджим · id 5816

الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (4 103 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

من أقل تِلْكَ الْآبَار مَاء فَطلب فَلم يُوجد إِلَى السَّاعَة وغزا بْن عَامر فِي هَذِه السّنة جور فافتتحها وَأصَاب بهَا غَنَائِم كَثِيرَة وافتتح الكاريان والفنسجان من دارابجرد وَلم يَكُونَا أدخلافى علم عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ ثمَّ افْتتح بْن عَامر أردشير خرة عنْوَة فَقتل وسبى وهرب يزدجرد فَاتبعهُ بْن عَامر مجاشع بْن مَسْعُود السّلمِيّ حَتَّى نزل على السيرجان وَبعث رَاشد بْن عَمْرو الجديدي فَفتح هُرْمُز وَوجه بْن عَامر زِيَاد بْن الرّبيع الْحَارِثِيّ إِلَى سجستان فَافْتتحَ زالق وناشروذ ثمَّ بعث زِيَاد بْن الرّبيع إِبْرَاهِيم بْن بسام مولى بني لَيْث حَتَّى حاصر مَدِينَة زرنج فَصَالَحُوهُ على ألف وصيف

стр. 562

مَعَ كل وصيف جَام من ذهب وَمَات مَسْعُود بْن الرّبيع وَكَانَ من أهل بدر وَمَات الْحصين بْن الْحَارِث بْن الْمطلب بْن عَبْد منَاف أَخُو الطُّفَيْل بْن الْحَارِث ثمَّ حج عُثْمَان بِالنَّاسِ وَصلى بمنى أَرْبعا وَفِي السّنة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثِينَ فتحت أرمينية الْآخِرَة وأميرها حبيب بْن مسلمة الفِهري وَذَلِكَ أَن عُثْمَان كتب إِلَى حبيب بْن مسلمة أَن سر من الشَّام فِي جَيش إِلَى أرمينية فَمضى حبيب بْن مسلمة من نَاحيَة درب الْحَدث فَافْتتحَ خلاط وسراج ووادي المطامير وَمَات أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب وَهُوَ بن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة ثمَّ خرج بْن عَامر إِلَى خُرَاسَان وعَلى مقدمته الْأَحْنَف بْن قيس فلقي أهل هراة فَهَزَمَهُمْ وافتتح أبر شهر صلحا وَقد قيل عنْوَة ثمَّ افْتتح طوس وَمَا حولهَا ثمَّ صَالح أهل سرخس على مائَة ألف وَخمسين ألفا

стр. 563

وَبعث أَبُو عَامر الْأسود بْن كُلْثُوم الْعَدْوى إِلَى بيهق فافتتحها وَقتل بهَا وَبعث أهل مرو يطْلبُونَ الصُّلْح فَصَالحهُمْ بْن عَامر على ألفي ألف ومائتي ألف وَكَانَ الَّذِي صَالحه ماهويه بْن أوزمهر مرزبان مرو ثمَّ بعث بْن عَامر الْأَحْنَف بْن قيس إِلَى مرو الروذ والفارياب والطالقان وافتتح طخارستان وَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة عشر نفسا ثمَّ خرج الْأَحْنَف إِلَى بَلخ فَصَالَحُوهُ على أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم ثمَّ أَتَى خوارزم فَلم يطقها فَرجع وَبعث بْن عَامر خُلَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن زُهَيْر الْحَنَفِيّ إِلَى باذغيس وهراة فافتتحها ثمَّ ارْتَدُّوا بعد وغزا عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح أَرض الرّوم فِي نَاحيَة المصيصة وغنم ثمَّ رَجَعَ وَحج بِالنَّاسِ عُثْمَان وَفِي السّنة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بْن عَفَّان وَمَات عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَهُوَ بن خمس

стр. 564

وَسبعين سنة وَمَات الْعَبَّاس بْن عبد الْمطلب وَهُوَ بن خمس وَثَمَانِينَ سنة لِأَن الْعَبَّاس ولد قبل الْفِيل بِثَلَاثَة سِنِين وَمَات عَبْد اللَّه بْن زيد بْن عَبْد ربه الَّذِي أرى النداء وَمَات أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ زيد بْن سهل وغزا مُعَاوِيَة غَزْوَة مضيق الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَعَهُ امْرَأَته عَاتِكَة بنت قرظة بْن عَبْد عَمْرو بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف وَقد قيل إِن اسْمهَا فَاخِتَة وفيهَا غزا سعيد بْن الْعَاصِ طبرستان وَفِي السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى الْمَدِينَة وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بْن عَفَّان وَدفن بِالبَقِيعِ وغزا مُعَاوِيَة ملطية وقرطبة من أَرض الرّوم وَجمع قَارن جمعا كثيرا بباذغيس وهراة وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَقَامَ

стр. 565

بِأَمْر النَّاس عَبْد اللَّه بْن خازم السّلمِيّ فلقي قَارن وَهزمَ أَصْحَابه وَأَصَابُوا سبيا كثيرا ثمَّ بعث بْن عَامر عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة بْن حبيب إِلَى سجستان فَصَالحه صَاحب زرنج فَأَقَامَ عَبْد الرَّحْمَن بهَا وتحرك أهل إفريقية فزحف إِلَيْهِم عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح فَكَانَت إفريقية الثَّانِيَة وغزا مُعَاوِيَة حصن الْمَرْأَة من بِلَاد الرّوم من نَاحيَة ملطية وَحج بِالنَّاسِ عُثْمَان وَفِي السّنة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ مسطح بْن أَثَاثَة من أهل بدر وغزا عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي صرح الصواري من أَرض مصر وَقَاتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين وعدوهم جَمِيعًا كَانُوا فِي الْبَحْر فَالْتَقوا فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا من غير رمى بِالسَّهْمِ وَلَا طعن بِالرُّمْحِ إِنَّمَا كَانَ الضَّرْب بِالسَّيْفِ أَو الطعْن بالخنجر حَتَّى قتل من أَرض الرّوم خلق كثير وَهزمَ اللَّه الرّوم منكوبين وَانْصَرف الْمُسلمُونَ غَانِمِينَ وَمَات

стр. 566

عبَادَة بن الصَّامِت بالرملة وهوالن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَمَات عَاقل بْن البكير من بني سعد بْن اللَّيْث من أهل بدر وَمَات أَبُو عبس بْن جبر بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ من أهل بدر وَحج عُثْمَان بِالنَّاسِ وَفِي السّنة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثِينَ خرج جمَاعَة من أهل مصر إِلَى عُثْمَان يَشكونَ بْن أبي سرح ويتكلمون مِنْهُ فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان كتابا وهدده فِيهِ فَأبى بن أبي السَّرْح أَن يقبل من عُثْمَان وَضرب بعض من أَتَاهُ من قبل عُثْمَان متظلما وَقتل رجلا من المتظلمة فَخرج من أهل مصر سَبْعمِائة رجل فيهم أَرْبَعَة من الرؤساء عَبْد الرَّحْمَن بْن عديس الْبلوى وَعَمْرو بْن الْحمق الْخُزَاعِيّ وكنانة بْن بشر بْن عتاب الْكِنْدِيّ وسودان بْن حمْرَان الْمرَادِي فَسَارُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة ونزلوا مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ وَشَكوا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فِي مَوَاقِيت الصَّلَاة مَا صنع بهم بْن أبي سرح فَقَامَ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه إِلَى عُثْمَان بْن عَفَّان وَكَلمه الْكَلَام الشَّديد وَأرْسلت إِلَيْهِ عَائِشَة قدم عَلَيْك أَصْحَاب مُحَمَّد وسألوك

стр. 567

عزل هَذَا الرجل فأبيت ذَلِك بِوَاحِدَة وَهَذَا قد قتل مِنْهُم رجلا فأنصفهم من عاملك وَكَانَ عُثْمَان يحب قومه ثمَّ دخل عَلَيْهِ عَليّ بْن أبي طَالب فَقَالَ سألوك رجلا مَكَان رجل وَقد ادعوا قبله دَمًا فاعزله عَنْهُم واقض بَينهم فَإِن وَجب عَلَيْهِ حق فأنصفهم مِنْهُ فَقَالَ لَهُم عُثْمَان اخْتَارُوا رجلا أوليه عَلَيْكُم مَكَانَهُ فَأَشَارَ النَّاس عَلَيْهِ بِمُحَمد بْن أبي بكر فَقَالُوا لعُثْمَان اسْتعْمل علينا مُحَمَّد بْن أبي بكر فَكتب عَهده وولاه مصر فَخرج مُحَمَّد بْن أبي بكر واليا على مصر بعهده وَمَعَهُ عدَّة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ينظرُونَ فِيمَا بَين أهل مصر وَبَين بْن أبي سرح فَلَمَّا بلغُوا مسيرَة ثَلَاثَة لَيَال من الْمَدِينَة إِذا هم بِغُلَام أسود على بعير لَهُ يخبط الْبَعِير خبطا كَأَنَّهُ رجل يطْلب أَو يطْلب فَقَالُوا لَهُ مَا قصتك وَمَا شَأْنك كَأَنَّك هارب أَو طَالب قَالَ أَنا غُلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وجهني إِلَى عَامل مصر قَالُوا هَذَا عَامله مَعنا قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَمضى فَأخْبر مُحَمَّد بْن أبي بكر بأَمْره فَبعث فِي طلبه أَقْوَامًا فَردُّوهُ فَلَمَّا جاؤوا بِهِ قَالَ لَهُ مُحَمَّد غُلَام من أَنْت فَأقبل مرّة يَقُول أَنا غُلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمرَّة يَقُول أَنا غُلَام مَرْوَان فَعرفهُ رجل مِنْهُم أَنه لعُثْمَان فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن أبي بكر لمن أرْسلت قَالَ إِلَى عَامل مصر قَالَ بِمَاذَا قَالَ برسالة قَالَ أَمَعَك كتاب قَالَ

стр. 568

لَا ففتشوه فَلم يَجدوا مَعَه كتابا وكتان مَعَه إداوة قد يَبِسَتْ وفيهَا شَيْء يتقلقل فحركوه ليخرج فَلم يخرج فشقوا الْإِدَاوَة فَإِذا فِيهَا كتاب من عُثْمَان إِلَى بْن أبي سرح فَجمع مُحَمَّد بْن أبي بكر من كَانَ مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم ثمَّ فك الْكتاب بحضرتهم فَإِذا فِيهِ إِذا أَتَاك مُحَمَّد بْن أبي بكر وَفُلَان وَفُلَان فاحتل لقتلهم وأبطل كِتَابه وقر على عَمَلك واحبس من يَجِيء إِلَى يتظلم مِنْك حَتَّى يَأْتِيك رَأْيِي فِي ذَلِك إِن شَاءَ اللَّه فَلَمَّا قرؤوا الْكتاب فزعوا وأزمعوا وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة وَختم مُحَمَّد بْن أبي بكر الْكتاب بخواتم جمَاعَة من الْمُهَاجِرين مَعَه وَدفع الْكتاب إِلَى رجل مِنْهُم وَانْصَرفُوا إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قدموها جمع مُحَمَّد بْن أبي بكر عليا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وسعدا وَكَانَ بهَا من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ فك الْكتاب بحضرتهم عَلَيْهِ خَوَاتِم من مَعَه من الْمُهَاجِرين وَأخْبرهمْ بِقصَّة الْغُلَام فَلم يبْق أحد من الْمَدِينَة إِلَّا حنق على عُثْمَان وَقَامَ أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَحقُوا بمنازلهم مَا مِنْهُم أحد إِلَّا هُوَ مُغْتَم وَكَانَت هُذَيْل وَبَنُو زهرَة فِي قلوبها مَا فِيهَا على عُثْمَان لحَال بْن مَسْعُود وَكَانَت بَنو مَخْزُوم قد حنقت على عُثْمَان لحَال عمار بْن يَاسر وَكَانَت بَنو غفار وأحلافها

стр. 569

وَمن غضب لأبي ذَر فِي قُلُوبهم مَا فِيهَا وأجلب عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن أبي بكر من بني تيم وأعانه على ذَلِك طَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَعَائِشَة فَلَمَّا رأى ذَلِك على وَصَحَّ عِنْده الْكتاب بعث إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وعمار وَنَفر من أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ كلهم بدريون ثمَّ جَاءَ مَعَهم حَتَّى دخل على عُثْمَان وَمَعَهُ الْكتاب والغلام وَالْبَعِير فَقَالَ لَهُ هَذَا الْغُلَام غلامك قَالَ نعم قَالَ وَالْبَعِير بعيرك قَالَ نعم قَالَ فَأَنت كتبت هَذَا الْكتاب قَالَ لَا وَحلف بِاللَّه أَنه مَا كتب هَذَا الْكتاب وَلَا أَمر بِهِ فَقَالَ لَهُ على فالخاتم خاتمك قَالَ نعم قَالَ على فَكيف يخرج غلامك على بعيرك بِكِتَاب عَلَيْهِ خاتمك لَا تعلم بِهِ فَحلف عُثْمَان بِاللَّه مَا كتبت هَذَا الْكتاب وَلَا أمرت بِهِ وَلَا وجهت هَذَا الْغُلَام قطّ إِلَى مصر وَأما الْخط فعرفوا أَنه خطّ مَرْوَان فَلَمَّا شكوا فِي أَمر عُثْمَان سَأَلُوهُ أَن يدْفع إِلَيْهِم مَرْوَان فَأبى وَكَانَ مَرْوَان عِنْده فِي الدَّار وَكَانَ خشِي عَلَيْهِ الْقَتْل فَخرج من عِنْده عَليّ وَأَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلمُوا أَن عُثْمَان لَا يحلف بَاطِلا ثمَّ قَالُوا لَا نسكت إِلَّا أَن يدْفع إِلَيْنَا مَرْوَان حَتَّى نبحث ونتعرف مِنْهُ ذَلِك الْكتاب وَكَيف يُؤمر بقتل رجل من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْر حق فَإِن يَك عُثْمَان كتب ذَلِك عزلناه وَإِن يَك مَرْوَان كتبه على لِسَان عُثْمَان نَظرنَا

стр. 570

مَا يكون فِي أَمر مَرْوَان ولزموا بُيُوتهم وَفَشَا الْخَبَر فِي الْمُسلمين من أَمر الْكتاب وفقد أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ عَن عُثْمَان وَخرج من الْكُوفَة عدي بْن حَاتِم الطَّائِي وَالْأَشْتَر مَالك بْن الْحَارِث النَّخعِيّ فِي مِائَتي رجل وَخرج من الْبَصْرَة حَكِيم بْن جبلة الْعَبْدي فِي مائَة رجل حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة يُرِيدُونَ خلع عُثْمَان وحوصر عُثْمَان قبل هِلَال ذِي الْقعدَة بليلة وضيق عَلَيْهِ المصريون والبصريون وَأهل الْكُوفَة بِكُل حِيلَة وَلم يَدعُوهُ يخرج وَلَا يدْخل إِلَيْهِ أحد إِلَّا أَن يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فَيَقُول الصَّلَاة وَقد منعُوا الْمُؤَذّن أَن يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَكَانَ إِذا جَاءَ وَقت الصَّلَاة بعث أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَرُبمَا أَمر بْن عَبَّاس بذلك فَصَعدَ يَوْمًا عُثْمَان على السَّطْح فَسمع بعض النَّاس يَقُول ابْتَغوا إِلَى قَتله سَبِيلا فَقَالَ وَالله مَا أحل اللَّه وَلَا رَسُوله قَتْلَى سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِسْلَام أَو زنا بعد إِحْصَان أَو قتل نفس بِغَيْر نفس وَمَا فعلت من ذَلِك شَيْئا ثمَّ قَالَ لَا أخلف رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أمته بإراقة محجمة دم حَتَّى أَلْقَاهُ يَا معشر أَصْحَاب رَسُول الله

стр. 571

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحبكم إِلَى من كف عَنَّا لِسَانه وسلاحه ثمَّ أشرف غليهم فَقَالَ أفيكم على قَالُوا لَا قَالَ أفيكم سعد قَالُوا لَا فَقَالَ أذكركم بِاللَّه هَل تعلمُونَ أَن رومة لم يكن يشرب مِنْهَا أحد إِلَّا بِشَيْء فاتبعتها من مَالِي وجعلتها للغني وَالْفَقِير وَابْن السَّبِيل فَقَالُوا نعم قَالَ فاسقوني مِنْهَا ثمَّ قَالَ أَلا أحد يبلغ عليا فيسقينا مَاء فَبَلع ذَلِك عليا فَبعث إِلَيْهِ بِثَلَاث قرب مَمْلُوءَة فَمَا كَادَت تصل إِلَيْهِ حَتَّى خرج فِي سَببهَا عدَّة من بني هَاشم وَبني أُميَّة حَتَّى وصل المَاء إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ عُثْمَان وَالله لَو كنت فِي أقْصَى دَاري مَا طلبُوا غيرى وَلَو كنت أَدْنَاهُم مَا جازوني إِلَى غيرى سنجتمع نَحن وهم عِنْد اللَّه وسترون بعدِي أمورا تتمنون أَنِّي عِشْت فيهم ضعف أَمْرِي وَالله مَا أَرغب فِي إمارتهم وَلَوْلَا قَول رَسُول اللَّهِ ﷺ لي إِذا ألبسك اللَّه قَمِيصًا وأرادوك على خلعه فَلَا تخلعه لحبست فِي بَيْتِي وتركتكم وإمارتكم وَوَاللَّه لَو فعلت مَا تركوني وَإِنَّهُم قد خدعوا وغروا وَالله لَو أقتل لمت لقد كبر سني ورق عظمي وجاوزت أَسْنَان أهل بَيْتِي وهم على هَذَا لَا يُرِيدُونَ اللَّهُمَّ فشتت

стр. 572

أَمرهم وَخَالف بَين كلمتهم وانتقم لي مِنْهُم واطلبهم لي طلبا حثيثا وَقد اسْتُجِيبَ دعاءه فِي كل ذَلِك ثمَّ أَمر عُثْمَان بْن عَفَّان عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس على الْحَج فحج بِالنَّاسِ فَأمره وَبعث إِلَى الأشتر فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا أشتر مَا يُرِيد النَّاس قَالَ ثَلَاث لَيْسَ من إِحْدَاهُنَّ بُد إِمَّا أَن تخلع أَمرهم وَتقول هَذَا أَمركُم فَاخْتَارُوا لَهُ من شِئْتُم وَإِمَّا أَن تقص من نَفسك فَإِن أبيتهما فالقوم قاتلوك قَالَ عُثْمَان أما أَن أَخْلَع لَهُم أَمرهم فَمَا كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللَّه وَالله لِأَن أقدم فَتضْرب عنقِي أحب إِلَيّ من أَن أَخْلَع أمة مُحَمَّد ﷺ بَعْضهَا على بعض وَأما أَن أقص من نَفسِي فوَاللَّه لقد علمْتُم أَنِّي لم آتٍ شَيْئا يجب على الْقصاص فِيهِ وَأما أَن تقتلوني فوَاللَّه إِن تقتلوني لَا تتحابون بعدِي وَلَا تقتلون بعدِي عدوا جَمِيعًا ولتختلفن حَتَّى تصيروا هَكَذَا يقوم لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ الْآيَة ثمَّ أرسل إِلَى

стр. 573

عَبْد اللَّه بْن سَلام فَجَاءَهُ فَقَالَ الْكَفّ الْكَفّ ثمَّ جَاءَهُ زيد بْن ثَابت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْأَنْصَار بِالْبَابِ فَقَالَ عُثْمَان إِن شاؤوا أَن يَكُونُوا أنصار اللَّه مِنْكُم وَإِلَّا فَلَا ثمَّ جَاءَهُ عَبْد اللَّه بْن الزبير فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اخْرُج فَقَاتلهُمْ فَإِن مَعَك من قد نصر اللَّه بِأَقَلّ مِنْهُم فَلم يعرج على قَول بْن الزبير ثمَّ قَالَ ائْتُونِي بِرَجُل مِنْهُم أَقرَأ عَلَيْهِ كتاب اللَّه فَأتوهُ بصعصعة بْن صوحان وَكَانَ شَابًّا فَقَالَ مَا وجدْتُم أحدا تَأْتُونِي بِهِ غير هَذَا الشَّاب فَتكلم صعصعة بِكَلَام فَقَالَ عُثْمَان أذن للَّذين يقتلُون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصرهم لقدير فَلَمَّا اشْتَدَّ بعثمان الْأَمر أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة وَقَالَ إِنِّي رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فَقَالَ لي يَا عُثْمَان إِنَّك تفطر عندنَا اللَّيْلَة ثمَّ قَالَ على لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن اذْهَبَا بسيفكما حَتَّى تقفا على بَاب عُثْمَان وَلَا تدعا أحدا يصل إِلَيْهِ وَبعث الزبير ابْنه وَبعث طَلْحَة ابْنه وَبعث عدَّة من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْنَاءَهُم يمْنَعُونَ النَّاس أَن يدخلُوا على عُثْمَان ورماه النَّاس بِالسِّهَامِ حَتَّى خضب الْحسن بالدماء وتخضب مُحَمَّد بن

стр. 574

طَلْحَة وشج قنبر مولى على ثمَّ أَخذ مُحَمَّد بْن أبي بكر بيد جمَاعَة وتسور الْحَائِط من غير أَن يعلم بِهِ أحد من دَار رجل من الْأَنْصَار حَتَّى دخلُوا على عُثْمَان وَهُوَ قَاعد والمصحف فِي حجره وَمَعَهُ امْرَأَته وَالنَّاس فَوق السَّطْح لَا يعلم أحد بدخولهم فَقَالَ عُثْمَان لمُحَمد بْن أبي بكر وَالله لَو رآك أَبوك لساءه مَكَانك مني فَرجع مُحَمَّد وَتقدم إِلَيْهِ سودان بْن رُومَان الْمرَادِي وَمَعَهُ مشقص فوجأه حَتَّى قَتله وَهُوَ صَائِم ثمَّ خَرجُوا هاربين من حَيْثُ دخلُوا وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة لثمان عشرَة لَيْلَة مَضَت من ذِي الْحجَّة وَكَانَ تَمام حصاره خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَكَانَت امْرَأَته تَقول إِن شِئْتُم قَتَلْتُمُوهُ وَإِن شِئْتُم تَرَكْتُمُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ يخْتم الْقُرْآن كل لَيْلَة فِي رَكْعَة ثمَّ صعدت إِلَى النَّاس تخبرهم وهمر النَّاس عَلَيْهِ فَدَخَلُوا وَأول من دخل عَلَيْهِ الْحسن وَالْحُسَيْن فزعين وهما لَا يعلمَانِ بالكائنة وَكَانَا مشغولين على الْبَاب ينصرَانِهِ ويمنعان النَّاس عَنهُ فَلَمَّا دخلُوا وجدوا عُثْمَان مذبوحا فانكبوا عَلَيْهِ يَبْكُونَ وَدخل النَّاس فوجا فوجا

стр. 575

وَبلغ الْخَبَر عَليّ بْن أبي طَالب وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وسعدا فَخَرجُوا مذهلين كَادَت عُقُولهمْ تذْهب لعظم الْخَبَر الَّذِي أَتَاهُم حَتَّى دخلُوا على عُثْمَان فوجدوه مقتولا واسترجعوا وَقَالَ عَليّ لابْنَيْهِ كَيفَ قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ وأنتما على الْبَاب قَالَا لم نعلم قَالَ فَرفع يَده وَلَطم الْحسن وَضرب صدر الْحُسَيْن وَشتم مُحَمَّد بْن طَلْحَة وَعبد اللَّه بْن الزبير ثمَّ خرج وَهُوَ غَضْبَان يسترجع فَلَقِيَهُ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فَقَالَ مَا لَك يَا أَبَا الْحُسَيْن فَقَالَ عَليّ يقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ رجل من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ من غير أَن تقوم عَلَيْهِ بَيِّنَة وَلَا حجَّة فَقَالَ لَهُ طَلْحَة لَو دَفعه مَرْوَان إِلَيْهِم لم يقتلوه فَقَالَ على لَو خرج مَرْوَان إِلَيْكُم لقتلتموه قبل أَن يثبت عَلَيْهِ حُكُومَة ثمَّ أَتَى على منزله يسترجع فاشتغل النَّاس بَعضهم بِبَعْض وفزعوا وَلم يتوهموا بِأَن هَذِه الكائنة تكون ثمَّ حمل على سَرِيره بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَصلى عَلَيْهِ جُبَير بْن مطعم ودلته فِي قَبره نائلة بنت الفرافصة وَأم الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة بن حصن بن بدر الْفَزارِيّ وَدفن لَيْلَة السبت لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ذِي الْحجَّة وَكَانَت خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثنى عشر يَوْمًا وَقتل يَوْم قتل عُثْمَان من قُرَيْش عَبْد اللَّه بْن وهب بْن زَمعَة الْأَسدي وَعبد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْعَوام والمغيرة بْن الْأَخْنَس بْن شريق الثَّقَفِيّ

стр. 576

وَقتل مَعَهم غُلَام لعُثْمَان أسود أَرْبَعَة أنفس وَكَانَ عُمَّال عُثْمَان حِين قتل على الْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز وعَلى الْكُوفَة سعد بْن أبي وَقاص وعَلى الشَّام مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان وعَلى مصر مُحَمَّد بْن أبي حُذَيْفَة وعَلى مَكَّة عَبْد اللَّه بْن الْحَضْرَمِيّ وعَلى الطَّائِف الْقَاسِم بْن ربيعَة الثَّقَفِيّ وعَلى صنعاء يعلى بْن مُنَبّه وعَلى الْجند عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة اسْتِخْلَاف عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ بْن عَبْد الْمطلب بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن قصي بْن كلاب بْن مرّة بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بْن إلْيَاس بْن مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان أَبُو الْحسن الْهَاشِمِي وَأمه فَاطِمَة بنت أَسد بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف وهَاشِم أَخُو هِشَام وَمن زعم أَنه أَسد بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف فقد وهم أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيل

стр. 577

عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأُعْطيَن الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا عَلِيٌّ فَأعْطَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَاتِم لما كَانَ من أَمر من عُثْمَان مَا كَانَ قعد عَليّ فِي بَيته وَأَتَاهُ النَّاس يهرعون إِلَيْهِ كلهم يَقُولُونَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ دَاره وَقَالُوا نُبَايِعك فَإِنَّهُ لَا بُد من أَمِير وَأَنت أَحَق فَقَالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك إِلَيْكُم إِنَّمَا ذَلِك لأهل بدر فَمن رَضِي بِهِ أهل بدر فَهُوَ خَليفَة فَلم يبْق أحد من أهل بدر إِلَّا أَتَى عليا يطْلبُونَ الْبيعَة وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِم فجَاء الأشتر مَالك بْن الْحَارِث النَّخعِيّ إِلَى عَليّ فَقَالَ لَهُ مَا يمنعك أَن تجيب هَؤُلَاءِ إِلَى الْبيعَة فَقَالَ لَا أفعل إِلَّا عَن ملإ وشورى وَجَاء أهل مصر فَقَالُوا ابْسُطْ يدك نُبَايِعك فوَاللَّه لقد قتل عُثْمَان وَكَانَ قَتله لله رضى فَقَالَ عَليّ كَذبْتُمْ وَالله مَا كَانَ قَتله لله رضى لقد قَتَلْتُمُوهُ بِلَا قَود وَلَا أحد وَلَا غَيره وهرب مَرْوَان

стр. 578

فَطلب فَلم يقدر عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى ذَلِك عَليّ مِنْهُم خرج إِلَى الْمَسْجِد وَصعد الْمِنْبَر وَحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس رَضِيتُمْ مني أَن أكون عَلَيْكُم أَمِيرا فَكَانَ أول من صعد إِلَيْهِ الْمِنْبَر طَلْحَة فَبَايعهُ بِيَدِهِ وَكَانَ إِصْبَع طَلْحَة شلاء فَرَآهُ أَعْرَابِي يُبَايع فَقَالَ يَد شلاء وَأمر لَا يتم فتطير عَليّ مِنْهَا وَقَالَ مَا أخلفه أَن يكون كَذَلِك ثمَّ بَايعه الزبير وَسعد وَأَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ بلغ عليا أَن سَعْدا وَابْن عمر وَمُحَمّد بْن مسلمة يذكرُونَ هَنَات فَقَامَ عَليّ خَطِيبًا فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم بايعتموني على مَا بايعتم عَلَيْهِ أَصْحَابِي فَإِذا بايعتموني فَلَا خِيَار لكم عَليّ وعَلى الإِمَام الاسْتقَامَة وعَلى الرّعية التَّسْلِيم وَهَذِه بيعَة عَامَّة فَمن ردهَا رغب عَن دين الْمُسلمين وَاتبع غير سبيلهم وَلم تكن بيعَته إيَّايَ فلتة وَلَيْسَ أَمْرِي وأمركم وَاحِدًا أُرِيد اللَّه وتريدونني لأنفسكم وأيم اللَّه لأنصحن الْخصم ولأنصفن الْمَظْلُوم وَقد أَكثر النَّاس فِي قتل عُثْمَان فَمنهمْ من قد زعم أَنه قتل ظَالِما وَمِنْهُم من قد زعم أَنه قتل مَظْلُوما وَكَانَ الْإِكْثَار فِي ذَلِك على طَلْحَة وَالزُّبَيْر قَالَت قُرَيْش أَيهَا الرّجلَانِ إنَّكُمَا قد وقعتما فِي ألسن النَّاس فِي أَمر عُثْمَان فِيمَا وقعتما فِيهِ فَقَامَ طَلْحَة فِي النَّاس فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس مَا قُلْنَا

стр. 579

فِي عُثْمَان أمس إِلَّا نقُول لكم فِيهِ الْيَوْم مثله أَنه خلف الدُّنْيَا بِالتَّوْبَةِ وَمَال عَلَيْهِ قوم فَقَتَلُوهُ وَأمره إِلَى اللَّه ثمَّ قَامَ الزبير فَحَمدَ اتلله وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن اللَّه اخْتَار من كل شَيْء شَيْئا وَاخْتَارَ من النَّاس مُحَمَّدًا ﷺ أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدَّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ وَاخْتَارَ من الشُّهُور رَمَضَان وَأنزل فِيهِ الْقُرْآن وَفرض فِيهِ الصّيام وَاخْتَارَ من الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة فَجعله عيدا لأهل الْإِسْلَام وَاخْتَارَ من الْبلدَانِ هذَيْن الْحَرَمَيْنِ مَكَّة وَالْمَدينَة فَجعل بِمَكَّة الْبَيْت الْحَرَام وَجعل بِالْمَدِينَةِ حرم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجعل مَا بَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَاخْتَارَ من الشورى التَّسْلِيم كَمَا اخْتَار هَذِه الْأَشْيَاء فأذهبت الشورى بالهوى وَالتَّسْلِيم بِالشَّكِّ وَقد تشاورنا فرضينا عليا وَأما إِن قتل عُثْمَان فَأمره إِلَى اللَّه فَلَمَّا رأى عَليّ اخْتِلَاف النَّاس فِي قتل عُثْمَان صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس أَقبلُوا عَليّ بأسماعكم وأبصاركم إِن النَّاس بَين حق وباطل فلئن عي أَمر الْبَاطِل لقديما مَا فعل وَإِن يكن الْحق قد غَابَ فَلَعَلَّ وَإِنِّي أَخَاف أَن أكون أَنا وَأَنْتُم قد أَصْبَحْنَا فِي فتْنَة وَمَا علينا فِيهَا إِلَّا الِاجْتِهَاد النَّاس اثْنَان وَثَلَاثَة لَا سادس لَهُم ملك

стр. 580

طَار بجناحيه أَو نَبِي أَخذ اللَّه بِيَدِهِ أَو عَامل مُجْتَهد أَو مُؤَمل يَرْجُو أَو مقصر فِي النَّار وَإِن اللَّه أدب هَذِه الْأمة بأدبين بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط لَا هوادة عِنْد السُّلْطَان فيهمَا فاستتروا وَاسْتَغْفرُوا اللَّه فأصلحوا ذَات بَيْنكُم ثمَّ نزل وَعمد إِلَى بَيت المَال وَأخرج مَا فِيهِ وفرقه على الْمُسلمين ثمَّ بعث إِلَى سعد بْن أبي وَقاص وَعبد اللَّه بْن عمر وَمُحَمّد بْن مسلمة فَقَالَ لقد بَلغنِي عَنْكُم هَنَات فَقَالَ سعد صدقُوا لَا أُبَايِعك وَلَا أخرج مَعَك حَيْثُ تخرج حَتَّى تُعْطِينِي سَيْفا يعرف الْمُؤمن من الْكَافِر وَقَالَ لَهُ بْن عمر أنْشدك اللَّه وَالرحم أَن تحملنِي على مَا لَا أعرف وَالله لَا أبايع حَتَّى يجْتَمع الْمُسلمُونَ على من جمعهم اللَّه عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمرنِي إِذا اخْتلف أَصْحَابه أَلا أَدخل فِيمَا بَينهم وَأَن أضْرب بسيفي صَخْر أحد فَإِذا انْقَطع أقعد فِي بَيْتِي حَتَّى يأتيني يَد خاطئة أَو منية قاضية وَقد فعلت ذَلِك ثمَّ دَعَا عَليّ أُسَامَة بْن زيد وأراده على الْبيعَة فَقَالَ أُسَامَة أما الْبيعَة فإنني أُبَايِعك أَنْت أحب النَّاس إِلَيّ وآثرهم عِنْدِي وَأما الْقِتَال فانى عَاهَدت

стр. 581

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن لَا أقَاتل رجلا يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَلَمَّا رَآهُمْ عَليّ مُخْتَلفين قَالَ أَخْرجُونِي من هَذِه الْبيعَة واختاروا لأنفسكم من أَحْبَبْتُم فَسَكَتُوا وَقَامُوا وَخَرجُوا فَدخل عَلَيْهِ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة فَقَالَ يَا أَمِير المؤمين إِنِّي مشير عَلَيْك بخلال ثَلَاث فافعل أَيهَا شِئْت فَقَالَ مَا هِيَ يَا أَعور فَقَالَ إِنِّي أرى من النَّاس بعض التثاقل فِيك فَأرى أَن تَأتي بِحمْل ظهر فتركبه وتركض فِي الأَرْض هَارِبا من النَّاس فَإِنَّهُم إِذا رَأَوْا ذَلِك مِنْك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ثمَّ ركضوا فِي أثرك حَتَّى يدركوك حَيْثُ مَا كنت ويقلدوك هَذَا الْأَمر على اجْتِمَاع مِنْهُم شِئْت أَو أَبيت فَإِن لم تفعل هَذَا فَأقر مُعَاوِيَة على الشَّام كُله واكتب إِلَيْهِ كتابا بذلك تذكر فِيهِ من شرفه وَشرف آبَائِهِ وأعلمه أَنَّك سَتَكُون لَهُ خيرا من عمر وَعُثْمَان واردد عَمْرو بْن الْعَاصِ على مصر وَاذْكُر فِي كتابك شرفه وَقدمه فَإِنَّهُ رجل يَقع الذّكر مِنْهُ موقعا فَإِذا ثَبت الْأَمر أَذِنت لَهما حِينَئِذٍ فِي الْقدوم عَلَيْك تستخبرهما عَن الْبِلَاد وَالنَّاس ثمَّ تبْعَث بعاملين وتقرهما عنْدك فَإِن أَبيت فَاخْرُج من هَذِه الْبِلَاد فَإِنَّهَا لَيست بِبِلَاد كرَاع وَسلَاح فَقَالَ عَليّ أما مَا ذكرت من فراري من النَّاس فطيف أفر مِنْهُم وَقد بايعوني وَمَا أَمر مُعَاوِيَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ فَلَا يسألني اللَّه عَن إقرارهما سَاعَة وَاحِدَة فِي سلطاني وَمَا كنت متخذ المضلين عضدا وَأما خروجي من هَذِه الْبِلَاد إِلَى غَيرهَا فَإِنِّي نَاظر فِي ذَلِك فَخرج من عِنْده الْمُغيرَة ثمَّ عَاد وَهُوَ عازم على الْخُرُوج إِلَى الشَّام واللحوق بِمُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ

стр. 582

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَشرت عَلَيْك بالْأَمْس فِي رَأْيِي بِمُعَاوِيَة وَعَمْرو إِن الرَّأْي أَن تعاجلهم بالنزع فقد عرف السَّامع من غَيره وتستقبل أَمرك ثمَّ خرج من عِنْده فَلَقِيَهُ بن عَبَّاس خَارِجا وَهُوَ دَاخل فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ قَالَ رَأَيْت الْمُغيرَة خَارِجا من عنْدك فيمَ جَاءَك قَالَ جَاءَنِي أمس بِرَأْي وَالْيَوْم برأى وَأخْبرهُ بالرأيين فَقَالَ بن عَبَّاس أما أمس فقد نصحك وَأما الْيَوْم فقد غشك قَالَ فَمَا الرَّأْي قَالَ بن عَبَّاس كَانَ الرَّأْي قبل الْيَوْم قَالَ على على ذَلِك قَالَ كَانَ الرَّأْي أَن تخرج إِلَى مَكَّة حَتَّى تدْخلهَا دَارا من دورها وتغلق عَلَيْك بابك فَإِن النَّاس لم يَكُونُوا ليدعوك وَإِن قُريْشًا كَانَت تضرب الصعب والذلول فِي طَلَبك لِأَنَّهَا لَا تَجِد غَيْرك فَأَما الْيَوْم فَإِن بني أُميَّة يستحسنون الطّلب بِدَم صَاحبهمْ ويشبهون على النَّاس بِأَن يلزموك شُعْبَة من أمره ويلطخونك من ذَلِك بِبَعْض اللطخ فهم على بالنهوض إِلَى الشَّام ليزور أَهلهَا وَينظر مَا رأى مُعَاوِيَة وَمَا هُوَ صانع فَجَاءَهُ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فقا لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَقمت بِهَذِهِ الْبِلَاد لِأَنَّهَا الدرْع الحصينة ومهاجرة للنَّبِي ﷺ وَبهَا قَبره ومنبره ومادة الْإِسْلَام

стр. 583

فَإِن استقامت لَك الْعَرَب كنت فِيهَا كمن كَانَ وَإِن تشعب عَلَيْك قوم رميتهم بأعدائهم وَإِن ألجئت حِينَئِذٍ إِلَى الْمسير سرت وَقد أعذرت فَقَالَ عَليّ إِن الرِّجَال وَالْأَمْوَال بالعراق وَلنْ يصيبنا إِلَّا مَا كتب اللَّه لنا ثمَّ أَخذ بِمَا أَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وعزم على الْمقَام بِالْمَدِينَةِ وَبعث الْعمَّال على الْأَمْصَار فَبعث عُثْمَان بْن حنيف على الْبَصْرَة أَمِيرا وَعمارَة بْن حسان بْن شهَاب على الْكُوفَة وَعبيد اللَّه بْن عَبَّاس على الْيمن وَقيس بْن سعد على مصر وَسَهل بْن حنيف على الشَّام فَأَما سهل بْن حنيف فَإِنَّهُ خرج حَتَّى إِذا كَانَ بتبوك لقِيه خيل من أهل الشَّام فَقَالُوا لَهُ من أَنْت قَالَ أَمِير قَالُوا على أَي شَيْء قَالَ على الشَّام قَالُوا إِن كَانَ عُثْمَان بَعثك فحي هلا بك وَإِن كَانَ بَعثك غَيره فَارْجِع قَالَ مَا سَمِعْتُمْ بِالَّذِي كَانَ قَالُوا بلَى وَلَكِن ارْجع إِلَى بلدك فَرجع إِلَى عَليّ وَإِذا الْقَوْم أَصْحَاب وَأما قيس بْن سعد فَإِنَّهُ انْتهى إِلَى أَيْلَة فَلَقِيَهُ طلائع فَقَالُوا لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا من الْأَصْحَاب الَّذين قتلوا وشردوا من الْبِلَاد فَأَنا أطلب مَدِينَة آوي إِلَيْهَا فَقَالُوا من أَنْت قَالَ أَنا قيس بْن سعد بْن عبَادَة فَقَالُوا امْضِ بِنَا فَمضى قيس حَتَّى دخل مصر وَأظْهر لَهُم حَاله وَأخْبرهمْ أَنه ولي على مصر فافترق عَلَيْهِ أهل مصر فرقا فرقة

стр. 584

دخلت فِي الْجَمَاعَة وبايعت وَفرْقَة أَمْسَكت واعتزلت وَفرْقَة قَالَت إِن قيد من قَتله عُثْمَان فَنحْن مَعَه وَإِلَّا فلافكتب قيس بْن سعد بِجَمِيعِ مَا رأى من أهل مصر إِلَى عَليّ وَأما عبيد اللَّه بْن عَبَّاس فَإِنَّهُ خرج مُنْطَلقًا إِلَى الْيمن لم يعانده أحد وَلم يصده عَنْهَا صَاد حَتَّى دَخلهَا فضبطها لعَلي وَأما عمَارَة بْن حسان بْن شهَاب فَإِنَّهُ أقبل عَامِدًا إِلَى الْكُوفَة حَتَّى إِذا كَانَ بزبالة لقِيه طليحة بْن خويلد الْأَسدي وَهُوَ خَارج إِلَى الْمَدِينَة يطْلب دم عُثْمَان فَقَالَ طليحة من أَنْت قَالَ أَنا عمَارَة بْن حسان بْن شهَاب قَالَ مَا جَاءَ بك قَالَ بعثت إِلَى الْكُوفَة أَمِيرا قَالَ وَمن بَعثك قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ قَالَ الْحق بطيتك فَإِن الْقَوْم لَا يُرِيدُونَ بأميرهم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بَدَلا فَرجع عمَارَة إِلَى عَليّ وَأخْبرهُ الْخَبَر وَأقَام طليحة بزبالة وَأما عُثْمَان بْن حنيف فَإِنَّهُ مضى يُرِيد الْبَصْرَة وَعَلَيْهَا عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز وَبلغ أهل الْبَصْرَة قتل عُثْمَان فَقَامَ بْن عَامر فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب وَقَالَ إِن خليفتكم قتل مَظْلُوما وبيعته فِي أَعْنَاقكُم ونصرته مَيتا كنصرته حَيا وَالْيَوْم مَا كَانَ أمس وَقد بَايع النَّاس عليا وَنحن طالبون بِدَم عُثْمَان فأعدوا للحرب عدتهَا فَقَالَ لَهُ حَارِثَة بْن قدامَة يَا بن عَامر إِنَّك لم تملكنا عنْوَة وَقد قتل عُثْمَان بِحَضْرَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَبَايع النَّاس عليا فَإِن أقرك أطعناك وَإِن عزلك عصيناك فَقَالَ بن عَامر موعدك الصُّبْح فَلَمَّا أَمْسَى تهَيَّأ لِلْخُرُوجِ وهيأ مراكبه

стр. 585

وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَاتخذ اللَّيْل جملا يُرِيد الْمَدِينَة واستخلف عَبْد اللَّه بْن عَامر الْحَضْرَمِيّ على الْبَصْرَة فَأصْبح النَّاس يتشاورون فِي بن عَامر وأخبروا بِخُرُوجِهِ فَلَمَّا قدم بن عَامر الْمَدِينَة أَتَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقَالَا لَهُ لَا مرْحَبًا بك وَلَا أَهلا تركت الْعرَاق وَالْأَمْوَال وأتيت الْمَدِينَة خوفًا من عَليّ ووليتها غَيْرك واتخذت اللَّيْل جملا فَهَلا أَقمت حَتَّى يكون لَك بالعراق فِئَة قَالَ بْن عَامر فَأَما إِذا قلتما هَذَا فلكما عَليّ مائَة ألف سيف وَمَا أردتما من المَال ثمَّ أَتَت أم كُلْثُوم بنت عَليّ أَبَاهَا وَتَحْت عمر بْن الْخطاب فَقَالَت لَهُ إِن عَبْد اللَّه بْن عمر رجل صَالح وَأَنا أتكفل مَا يَجِيء مِنْهُ لَك فَلَمَّا كَانَ من قدوم بن عَامر الْمَدِينَة جَاءَ بن إِلَيْهَا فَقَالَ يَا أُمَّاهُ نك قد كفلت فِي وَأَنا أُرِيد الْخُرُوج إِلَى الْعمرَة السَّاعَة وَلست بداخل فِي شَيْء يكرههُ أَبوك غير أَنِّي مُمْسك حَتَّى يجْتَمع النَّاس فَإِن شِئْت فأذني وَإِن شِئْت فابعثيني إِلَى أَبِيك قَالَت لَا بل اذْهَبْ فِي حفظ الله وَتَحْت كنفه وَانْطَلق بن عمر مُعْتَمِرًا فَلَمَّا أصبح النَّاس أَتَوا عليا فَقَالُوا قد حدث البارحة حدث هُوَ أَشد من طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة قَالَ عَليّ وَمَا ذَاك قَالُوا خرج بن عمر إِلَى الشَّام فَأتى على السُّوق وَجعل يعد طلابا ليرد بن عمر فَسمِعت

стр. 586

أم كُلْثُوم بذلك فركبت بغلتها حَتَّى أَتَت أَبَاهَا فَقَالَت إِن الْأَمر على غير مَا بلغك وحدثته بِمَا ذكر لَهَا بْن عمر فطابت نفس عَليّ بذلك فَمَا انصرفوا من السُّوق حَتَّى جَاءَهُم بعض القدام من الْعمرَة وَأَخْبرُوهُ أَنهم رَأَوْا بن عمر وَآخر مَعَه على حِمَارَيْنِ محرمين بكساءين ثمَّ كتب عَليّ غلى مُعَاوِيَة يسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد بلغك مَا كَانَ من مصاب عُثْمَان وَمَا اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ من بيعتي فَادْخُلْ فِي السَّلَام كَمَا دخل النَّاس وَإِلَّا فَأذن بِحَرب كَمَا يُؤذن أهل الْفرْقَة وَالسَّلَام وَبعث كِتَابه مَعَ سُبْرَة الْجُهَنِيّ وَالربيع بْن سُبْرَة فَلَمَّا قدم سُبْرَة بِكِتَاب عَليّ وَدفعه إِلَى مُعَاوِيَة جعل يتَرَدَّد فِي الْجَواب مُدَّة فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ دَعَا مُعَاوِيَة رجلا من عبس يدعى قبيصَة فَدفع إِلَيْهِ طومارا مَخْتُومًا عنوانه من مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب وَقَالَ لَهُ إِذا دخلت الْمَدِينَة فاقبض على أَسْفَل الطومار وأبرزه وأوصاه بِمَا يَقُول ويعثه مَعَ سُبْرَة رَسُول عَليّ فَقدما الْمَدِينَة فَرفع الْعَبْسِي الطومار كَمَا أَمر مُعَاوِيَة فَخرج النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ وَعَلمُوا حِينَئِذٍ أَن مُعَاوِيَة معترض معاند فَلَمَّا دخلا على عَليّ دفع إِلَيْهِ الْعَبْسِي الطومار ففض عَن خَاتمه فَلم يجد فِي جَوْفه شَيْئا فَقَالَ لسبرة مَا وَرَاءَك قَالَ تركت قوما لَا يرضون إِلَّا بالقود وَقد تركت سِتِّينَ ألف شيخ يَبْكُونَ تَحت قَمِيص عُثْمَان

стр. 587

فَقَالَ عَليّ أمني يطْلبُونَ دم عُثْمَان ثمَّ كتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ على الْكُوفَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الْأَشْعَرِيّ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد بلغك مَا كَانَ من مصاب عُثْمَان وَمَا اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ من بيعتي فَادْخُلْ فِيمَا دخل فِيهِ النَّاس وَرغب أهل ملكك فِي السّمع وَالطَّاعَة واكتب إِلَيّ بِمَا كَانَ مِنْك وَمِنْهُم إِن شَاءَ اللَّه وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَبعث الْكتاب مَعَ معبد الْأَسْلَمِيّ فَلَمَّا قدم معبد الْكُوفَة دَعَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ النَّاس إِلَى طَاعَة عَليّ فَأَجَابُوهُ طائعين وَكتب إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ من عَبْد اللَّه بْن قيس سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فقد قَرَأت كتابك ودعوت من قبلي الْمُسلمين فَسَمِعُوا وأطاعوا وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَدفع كِتَابه إِلَى معبد وَكَانَت عَائِشَة خرجت معتمرة فَلَمَّا قَضَت عمرتها نزلت على بَاب الْمَسْجِد وَاجْتمعَ إِلَيْهَا النَّاس فَقَالَت أَيهَا النَّاس إِن الغوغاء من أهل الْأَمْصَار وَعبيد أهل الْمَدِينَة اجْتَمعُوا على هَذَا الرجل الْمَقْتُول بالْأَمْس ظلما وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَد الْحَرَام وسفكوا الدَّم الْحَرَام فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَامر هَا أَنا ذَا أول طَالب بدمه فَكَانَ أول من انتدب لذَلِك وَلما كثر الِاخْتِلَاف بِالْمَدِينَةِ اسْتَأْذن طَلْحَة وَالزُّبَيْر عليا فِي الْعمرَة

стр. 588

فَقَالَ لَهما مَا الْعمرَة تريدان وَقد قلت لَكمَا قبل بيعتكما لي أيكما شَاءَ بايعته فأبيتما إِلَّا بيعتي وَقد أَذِنت لَكمَا فاذهبا راشدين فَخَرَجَا إِلَى مَكَّة وتبعهما عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز فَلَمَّا لحقهما قَالَ لَهما ارتحلا فقد بلغتما حاجتكما فَاجْتمعُوا مَعَ عَائِشَة بِمَكَّة وَبهَا جمَاعَة من بني أُميَّة ثمَّ جمع مُعَاوِيَة أهل الشَّام على محاربة عَليّ والطلب بالقود من الدَّم عُثْمَان واحتال فِي قيس بْن سعد بْن عبَادَة وَكَانَ واليا على مصر وَكتب إِلَى عَليّ كتابا يمرغ فِيهِ مُعَاوِيَة فَلَمَّا قَرَأَ عَليّ الْكتاب عزل قيسا وَولي عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن أبي بكر وَخرج قسطنطين بْن هِرقل بالمراكب يُرِيد الْمُسلمين فَسلط اللَّه عَلَيْهِم ريحًا قاصفا فغرقهم وَنَجَا قسطنطين بْن هِرقل حَتَّى انْتهى إِلَى سقلية فصنعت الرّوم حَماما فَلَمَّا دَخَلُوهُ قَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا لَهُ قتلت رجالنا ثمَّ حج بِالنَّاسِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أمره عَليّ على الْحَج فَلَمَّا انْصَرف أجمع طَلْحَة وَالزُّبَيْر على الْمسير بعائشة فَقَالَ طَلْحَة مَا لنا أَمر أبلغ فِي استمالة النَّاس إِلَيْنَا من شخوص بْن عمر مَعنا وَكَانَ من أمره فِي عُثْمَان وخلافه لَهُ على مَا يُعلمهُ من يُعلمهُ فَأَتَاهُ طَلْحَة

стр. 589

فَقَالَ يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن إِن عَائِشَة قصدت الْإِصْلَاح بَين النَّاس فاشخص مَعنا فَإِن لنا بك أُسْوَة فَقَالَ بْن عمر أتخدعونني لتخرجوني كَمَا تخرج الأرنب من جحرها إِن النَّاس إِنَّمَا يخدعون بالوصيف والوصيفة وَالدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَلست من أُولَئِكَ قد تركت هَذَا الْأَمر عيَانًا وَأَنا أدعى إِلَيْهِ فِي عَافِيَة فَاطْلُبُوا لأمركم غيرى فَقَالَ طَلْحَة يُغني اللَّه عَنْك وَقدم يعلى بْن أُميَّة من الْيمن وَقد كَانَ عَاملا عَلَيْهَا بأربعمائة من الْإِبِل فَدَعَاهُمْ إِلَى الحملان فَقَالَ لَهُ الزبير دَعْنَا من إبلك هَذِه وَلَكِن أقرضنا من هَذَا المَال فَأعْطَاهُ سِتِّينَ ألف دِينَار وَأعْطى طَلْحَة أَرْبَعِينَ ألف دِينَار فتجهزوا وأعطوا من خف مَعَهم فَلَمَّا دخلت السّنة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ تشاوروا فِي مَسِيرهمْ فَقَالَ الزبير عَلَيْكُم بِالشَّام بهَا الْأَمْوَال وَالرِّجَال وَقَالَ بْن عَامر الْبَصْرَة فَإِن غلبتهم عَلَيْهَا فلكم الشَّام إِن مُعَاوِيَة قد سبقكم إِلَى الشَّام وَهُوَ بن عَم عُثْمَان وَإِن الْبَصْرَة لي بهَا صنائع ولأهلها فِي طَلْحَة هوى وَكَانَت عَائِشَة تَقول نقصد الْمَدِينَة فَقَالُوا لَهَا

стр. 590

يَا أم الْمُؤمنِينَ دعِي الْمَدِينَة فَإِن من مَعَك لَا يقرنون لتِلْك الغوغاء واشخصي مَعنا إِلَى الْبَصْرَة فَإِن أصلح اللَّه هَذَا الْأَمر كَانَ الَّذِي نُرِيد وَإِلَّا فقد بلغنَا وَيقْضى اللَّه فِيهِ مَا أحب وكلموا حَفْصَة ابْنة عمر أَن تخرج مَعَهم فَقَالَت رَأْيِي تبع لرَأى عَائِشَة فَأَتَاهَا عَبْد اللَّه بْن عمر فناشدها اللَّه أَن تخرج فَقَعَدت وَبعث إِلَى عَائِشَة أَن أخي حَال بيني وَبَين الْخُرُوج فَقَالَت يغْفر اللَّه لِابْنِ عمر ثمَّ نَادَى منادى طَلْحَة وَالزُّبَيْر من كَانَ عِنْده مركب وجهاز وَإِلَّا فَهَذَا جهاز ومركب فحملوا على سِتّمائَة نَاقَة سوى من كَانَ لَهُ مركب وَكَانُوا نَحْو ألف نفس وتجهزوا بِالْمَالِ وشيعهم نسَاء النَّبِي ﷺ وَكَانَ كُلهنَّ بِمَكَّة حاجات إِلَّا أم سَلمَة فَإِنَّهَا سَارَتْ إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا بلغُوا ذَات عرق ودعت أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وبكين وَبكى النَّاس فَمَا رَأَوْا بكاء أَكثر من ذَلِك الْيَوْم وسمى يَوْم النحيب وجعلن يدعونَ على قتلة عُثْمَان الَّذين سَفَكُوا فِي حرم رَسُول اللَّهِ ﷺ الدَّم الْحَرَام ثمَّ انصرفن وَمَضَت عَائِشَة وَهِي تَقول اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي لَا أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح فَأصْلح بَينهم وَبعثت أم الْفضل حِين خرجت عَائِشَة وَمن مَعهَا من مَكَّة إِلَى عَليّ رجلا من جُهَيْنَة قَالَت اقْتُل فِي كل مرحلة بَعِيرًا وعَلى ثمنه

стр. 591

وَهَذِه مائَة دِينَار وَكِسْوَة وكتبت مَعَه أما بعد فَإِن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة خَرجُوا من مَكَّة يُرِيدُونَ الْبَصْرَة فَقدم الْمَدِينَة وَأعْطى عليا الْكتاب فدعى على مُحَمَّد بْن أبي بكر فَقَالَ لَهُ أَلا ترى إِلَى أختك خرجت مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقَالَ مُحَمَّد بْن أبي بكر إِن اللَّه مَعَك وَلنْ يخذلك وَالنَّاس ناصروك ثمَّ قَامَ عَليّ فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس تهيؤا لِلْخُرُوجِ إِلَى قتال أهل الْفرْقَة فَإِنِّي سَائِر إِن شَاءَ اللَّه إِن اللَّه بعث رَسُولا صَادِقا بِكِتَاب نَاطِق وَأمر وَاضح لَا يهْلك عَنهُ إِلَّا هَالك وَإِن فِي سُلْطَان اللَّه عصمَة أَمركُم فَأَعْطوهُ طاعتكم وَقد قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها انهضوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذين يُرِيدُونَ تَفْرِيق جماعتكم لَعَلَّ اللَّه يصلح بكم ذَات الْبَين وَبعث على الْحُسَيْن بْن عَليّ وعمار بْن يَاسر إِلَى الْكُوفَة لاستنفارهم فَلَمَّا قدمُوا الْكُوفَة قَامَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي النَّاس وَكَانَ واليا عَلَيْهَا وَأخْبرهمْ بقدوم الْحسن واستنفاره إيَّاهُم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 592

على إصْلَاح الْبَين وَقدم زيد بْن صوحان من عِنْد عَائِشَة مَعَه كِتَابَانِ من عَائِشَة إِلَى أبي مُوسَى وَالِي الْكُوفَة وَإِذا فِي كل كتاب مِنْهُمَا بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الْأَشْعَرِيّ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد كَانَ من قتل عُثْمَان مَا قد علمت وَقد خرجت مصلحَة بَين النَّاس فَمر من قبلك بالقرار فِي مَنَازِلهمْ وَالرِّضَا بالعافية حَتَّى يَأْتِيهم مَا يحبونَ من صَلَاح أَمر الْمُسلمين فَإِن قتلة عُثْمَان فارقوا الْجَمَاعَة وَأَحلُّوا بِأَنْفسِهِم الْبَوَار فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَيْنِ وثب عمار بْن يَاسر فَقَالَ أمرت عَائِشَة بِأَمْر وأمرنا بِغَيْرِهِ أمرت أَن تقر فِي بَيتهَا وأمرنا أَن نُقَاتِل حَتَّى لَا تكون فتْنَة فَهُوَ ذَا تَأْمُرنَا بِمَا أمرت وَركبت مَا أمرنَا بِهِ ثمَّ قَالَ هَذَا بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ فاخرجوا إِلَيْهِ ثمَّ انْظُرُوا فِي الْحق وَمن الْحق مَعَه ثمَّ قَامَ الْحسن بْن عَليّ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أجِيبُوا دَعْوَة أميركم وسيروا إِلَى إخْوَانكُمْ لَعَلَّ اللَّه يصلح بَيْنكُم ثمَّ قَامَ هِنْد بْن عَمْرو البَجلِيّ فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد دَعَانَا وَأرْسل إِلَيْنَا ابْنة فاتبعوا قَوْله وانتهوا إِلَى أمره فَقَامَ حجر بْن عدي الْكِنْدِيّ فَقَالَ أَيهَا النَّاس أجِيبُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ وانفروا خفافًا وثقالا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ قَالَ الْحسن

стр. 593

أَيهَا النَّاس إِنِّي غاد فَمن شَاءَ مِنْكُم فَليخْرجْ معي على الظّهْر وَمن شَاءَ فَليخْرجْ فِي المَاء فَأَجَابُوهُ وَخرج مَعَه تِسْعَة آلَاف نفس بَعضهم على الْبر وَبَعْضهمْ على المَاء وَسَارُوا حَتَّى بلغُوا ذَا قار وَخرج عَليّ من الْمَدِينَة مَعَه سِتّمائَة رجل وَخلف على الْمَدِينَة سهل بْن حنيف فَالتقى هُوَ وَابْنه الْحسن مَعَ من خرج مَعَه من الْكُوفَة بِذِي قار فَخَرجُوا جَمِيعًا إِلَى الْبَصْرَة وَلم يدْخل على الْكُوفَة وَكتب إِلَى الْمَدِينَة إِلَى سهل بْن حنيف أَن يقدم عَلَيْهِ ويولي على الْمَدِينَة أَبَا حسن الْمَازِني والتقى مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة بالجلحاء على فرسخين من الْبَصْرَة وَذَلِكَ لخمس خلون من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ على كثيرا مَا يَقُول يَا عجب كل الْعجب من جُمَادَى وَرَجَب فَكَانَ من أَمرهم مَا كَانَ وَقتل بن جرموز الزبير ثمَّ أَتَى عليا يُخبرهُ فَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول قَاتل بن صَفِيَّة بالنَّار فَقَالَ بن جرموز إِن قتلنَا مَعكُمْ فَنحْن فِي النَّار وَإِن قاتلناكم فَنحْن فِي النَّار ثمَّ بعج بَطْنه بِسَيْفِهِ فَقتل نَفسه وَأما طَلْحَة فَرَمَاهُ مَرْوَان بْن الحكم بِسَهْم من وَرَائه فأثبته فِيهِ وَقَتله وَحمله إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا

стр. 594

فقبر طَلْحَة بِالْبَصْرَةِ وَقتل الزبير بوادى السبَاع وَكَانَ كعهب بْن سور قد علق الْمُصحف فِي عُنُقه ثمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ فيذكرهم وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ فيذكرهم حَتَّى قتل وَكَانَ عَليّ يُنَادي مناديه لَا تقتل مُدبرا وَلَا تذفف على جريح وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن طرح السِّلَاح فَهُوَ آمن وَلم يقتل بعد آن وَاحِدًا فَلَمَّا اطْمَأَن النَّاس بعث عَليّ بعائشة مَعَ نسَاء من أهل الْعرَاق إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بِالْبَصْرَةِ خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة وَولي على الْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَولي الْوُلَاة فِي الْبلدَانِ وَكتب إِلَى المدن بالقرار وَالطَّاعَة ثمَّ إِن أَبَا مُسلم الْخَولَانِيّ قَالَ لمعاوية على مَا تقَاتل عليا وَهُوَ بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ وَله من الْقدَم والسابقة مَا لَيْسَ لَك وَإِنَّمَا أَنْت رجل من الطُّلَقَاء فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أجل وَالله مَا نُقَاتِل عليا وَأَنا لست أدعى فِي الْإِسْلَام مثل الَّذِي لَهُ وَلَكِن أقاتله على دم أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان وَأَنا أطلبه بدمه فَقَالَ أَبُو مُسلم إِنِّي

стр. 595

أستخرل لَك عَن ذَلِك فَركب رَاحِلَته وانتهي إِلَى الْكُوفَة ثمَّ نزل عَن رَاحِلَته وأتى عليا مَاشِيا وَالنَّاس عِنْده وَلَا يعرفهُ أحد فَقَالَ من قتل عُثْمَان فَقَالَ عَليّ اللَّه قتل عُثْمَان وَأما مَعَه فَخرج أَبُو مُسلم وَلم يتَكَلَّم وَمضى حَتَّى انْتهى إِلَى رَاحِلَته فركبها وَلحق بِالشَّام فانتهي إِلَى مُعَاوِيَة وَهُوَ يثقل فَقيل لَهُ هَذَا أَبُو مُسلم قد جَاءَ فعانقه مُعَاوِيَة وَسَأَلَهُ عَن سَفَره وَخَافَ أَن يكون قد جَاءَ بِشَيْء مِمَّا يكره فَقَالَ أَبُو مُسلم وَالله لتقاتلن عليا أَو لنقاتلنه فَإِنَّهُ قد أقرّ بقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان فَقَامَ مُعَاوِيَة فَرحا وَصعد الْمِنْبَر وَاجْتمعَ إِلَيْهِ النَّاس وَحمد اللَّه وأثني عَلَيْهِ وَقَامَ أَبُو مُسلم خَطِيبًا وحرض النَّاس على قتال عَليّ فصح خُرُوج أهل الشَّام قاطبة على عَليّ وطلبهم إِيَّاه بِدَم عُثْمَان ثمَّ إِن حجر بْن الأدبر قدم على عَليّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْجَمَاعَة وَالْعدَد وَالْمَال مَعَ الْأَشْعَث بْن قيس بآذربيجان فَابْعَثْ إِلَيْهِ فليقدم فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْأَشْعَث بْن قيس أما بعد فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فأقدم وأحمل مَا غللت من المَال فَكتب إِلَيْهِ الْأَشْعَث بْن قيس أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك بِأَن أقدم عَلَيْك وأحمل مَا غللت من مَال الله

стр. 596

فَمَا أَنْت وَذَاكَ وَالسَّلَام ثمَّ قَالَ الْأَشْعَث وَالله لأدعنه بِحَال مضيعة ولأفسدن عَلَيْهِ الْكُوفَة ثمَّ ارتحل من أذربيجان وَهُوَ يُرِيد مُعَاوِيَة وَبلغ ذَلِك عليا وشق عَلَيْهِ خُرُوجه إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ حجر بْن الأدبر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ابعثني إِلَى الْأَشْعَث بن قيس فَأَنا أعرف بِهِ وأرفق وَإِن هُوَ خوشن لم يجب أحدا قَالَ لَهُ عَليّ سر إِلَيْهِ فَسَار حجر إِلَيْهِ فأدركه بشهرزور فَقَالَ لَهُ حجر يَا أَبَا مُحَمَّد أنْشدك اللَّه أَن تَأتي مُعَاوِيَة وَتَدَع بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْأَشْعَث أوما سَمِعت كِتَابه إِلَيّ فَقَالَ حجر إِنَّك إِن أتيت مُعَاوِيَة أَقبلنَا جَمِيعًا إِلَى الشَّام وأنشدك اللَّه أَلا نظرت إِلَى أَيْتَام قَوْمك وأياماهم فانى لَا آمن أَن يفتضحوا غَدا قَالَ فَمَا تُرِيدُ يَا حجر قَالَ تنحدر معي إِلَى الْكُوفَة فَإنَّك شيخ الْعَرَب وسيدها والمطاع فِي قَوْمك وسيصير إِلَيْك الْأَمر فَلم يزل بِهِ حجر حَتَّى قَالَ ليصرفوا صُدُور الركائب إِلَى الْكُوفَة فَتقدم على عَليّ فسر عَليّ بمجيئه فَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا بِأبي مُحَمَّد عَليّ عجلته فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم عتاب ثمَّ أَقَامَ مَعَ على بِالْكُوفَةِ وَحج بِالنَّاسِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس بِأَمْر عَليّ ولاه فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ بْن أَبى طَالب أما بعد فَإِن اللَّه اصطفي مُحَمَّدًا ﷺ بِعِلْمِهِ وَجعله الْأمين على وحيه وَالرَّسُول إِلَى

стр. 597

خلقه وَاخْتَارَ لَهُ من الْمُسلمين أعوانًا فَكَانُوا فِي مَنَازِلهمْ عِنْده على قدر فضائلهم فِي الْإِسْلَام كَانَ أفضلهم فِي الْإِسْلَام وأنصحهم لله وَلِرَسُولِهِ الْخَلِيفَة بعده وَخَلِيفَة خَلِيفَته الْمَظْلُوم الْمَقْتُول ﵀ عَلَيْهِم وَقد ذكر لي أَنَّك تَنْتفِي من دَمه فَإِن كنت صَادِقا فأمكنا مِمَّن قَتله حَتَّى نَقْتُلهُ بِهِ وَنحن أسْرع إِلَيْك إِجَابَة وأطوعهم طَاعَة وإى فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك وَلَا لأحد من أَصْحَابك عندنَا إِلَّا السَّيْف وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لنطلبن قتلة عُثْمَان فِي الْجبَال والرمال حَتَّى يقتلهُمْ اللَّه أَو تلْحق أَرْوَاحنَا بعثمان وَالسَّلَام فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان أما بعد فَإِن أَخا خولان قدم عَليّ بِكِتَاب مِنْك يذكر فِيهِ مُحَمَّد ﷺ وَمَا أنعم اللَّه عَلَيْهِ من الْهدى وَالْحَمْد لله على ذَلِك وَأما مَا ذكرت من ذكر الْخُلَفَاء فلعمري إِن مقامهم فِي الْإِسْلَام كَانَ عَظِيما وَإِن الْمُصَاب بهم لجرح عَظِيم فِي الْإِسْلَام وَأما مَا ذكرت من قتلة عُثْمَان فَإِنِّي قد نظرت فِي هَذَا الْأَمر فَلم يسعني دفعهم إِلَيْك وَقد كَانَ أَبوك أَتَانِي حِين ولى النَّاس أَبَا بكر فَقَالَ لي يَا عَليّ أَنْت أَحَق النَّاس بِهَذَا الْأَمر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وهات يدك حَتَّى أُبَايِعك

стр. 598

فَلم أفعل مَخَافَة الْفرْقَة فِي الْإِسْلَام فأبوك أعرف بحقي مِنْك فَإِن كنت تعرف من حَقي مَا كَانَ يعرفهُ أَبوك فقد قصدت رشدك وَإِن لم تفعل فسيغني اللَّه عَنْك وَالسَّلَام فَلَمَّا قَرَأَ مُعَاوِيَة الْكتاب تهَيَّأ هُوَ وَمن مَعَه على الْمسير إِلَى عَليّ ثمَّ سَار يُرِيد الْعرَاق وَسَار عَليّ من الْعرَاق وَصلى الظّهْر بَين القنطرة واالجسر رَكْعَتَيْنِ وَبعث على مقدمته شُرَيْح بْن هَانِئ وَزِيَاد بْن النَّضر بْن مَالك أَمر أَحدهمَا أَن يَأْخُذ على شط دجلة وَالْآخر على شط الْفُرَات مَعَهُمَا أَكثر من عشرَة آلَاف نفس واستخلف على الْكُوفَة أَبَا مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ثمَّ أَخذ على طَرِيق الْفُرَات وَجعل يَقُول إِذا سمعتموني أَقُول قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا أَقُول وَإِذا لم أقل قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّمَا الْحَرْب خدعة فَالتقى عَليّ وَأهل الشَّام بصفين لسبع بَقينَ من الْمحرم فَقَامَ عَليّ خَطِيبًا فِي النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لَا يبرم مَا نقض وَإِن أبرم أمرا لم ينْقضه الناقضون مَعَ أَن الله وَله الْحَمد لَو شَاءَ لم يخْتَلف اثْنَان من خلقه وَلَا تنازعت الْأمة فِي شَيْء من أمره وَلَا جحد الْمَفْضُول ذَا الْفضل فَضله وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَقد ساقتنا وَهَؤُلَاء الْمَقَادِير حَتَّى جمعت بَيْننَا فِي هَذَا الْمَكَان فَنحْن من رَبنَا بمنظر ومستمع وَلَو

стр. 599

شَاءَ اللَّه لجعل الانتقام وَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِير حَتَّى يتَبَيَّن أهل الْبَاطِل وَيعلم أهل الْحق أَيْن مصيره وَلكنه جعل الدُّنْيَا دَار الْأَعْمَال وَجعل الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار ليجزى الَّذين اساءوا الْآيَة أَلا إِنَّكُم تلقونَ عَدوكُمْ غَدا فأطيلوا اللَّيْلَة الْقيام وَأَكْثرُوا فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَسَلُوهُ النَّصْر وَعَلَيْكُم بالجد والحزم وَكُونُوا صَادِقين ثمَّ قعد فَوَثَبَ النَّاس إِلَى سيوفهم يهيؤنها وَإِلَى رماحهم يثقفونها وَإِلَى نبالهم يريشونها ثمَّ جعل عَليّ مقدمته شُرَيْح بْن هَانِئ الْحَارِثِيّ وَالْأَشْتَر وعَلى الميمنة الْأَشْعَث بْن قيس وعَلى الميسرة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وعَلى الرجالة عَبْد اللَّه بن بديل بْن وَرْقَاء وعَلى السَّاقَة زِيَاد بن النَّضر وعَلى ميمنة الرجالة سُلَيْمَان بْن صرد الْخُزَاعِيّ ثمَّ قَامَ مُعَاوِيَة خَطِيبًا فِي أهل الشَّام وَاجْتمعَ النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي دنا فِي علوه وَعلا فِي دنوه وَظهر وبطن فارتفع فَوق كل منظر أَولا وآخرًا وظاهرًا وَبَاطنا يقْضِي فيفصل وَيقدر فَيغْفر وَيفْعل مَا يَشَاء وَإِذا أَرَادَ أمرا أَمْضَاهُ وَإِذا عزم على أَمر قَضَاهُ لَا يؤامر أحدا فِيمَا يملك وَلَا يسئل عَمَّا يفعل وهم يسئلون وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على مَا أحببنا وكرهنا ثمَّ كَانَت من قَضَاء اللَّه أَن ساقتنا الْمَقَادِير إِلَى

стр. 600

هَذِه الرقعة من الأَرْض ولقت بَيْننَا وَبَين أهل الْعرَاق فَنحْن من اللَّه بمنظر ومستمع وَقد قَالَ اللَّه وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا الْآيَة فانظروا يَا لأهل الشَّام فَإِنَّمَا تلقونَ غَدا الْعَدو فكونوا على إِحْدَى ثَلَاث خلال إِمَّا قوما تطلبون مَا عِنْد اللَّه بقتالكم قوما بغوا عَلَيْكُم وَإِمَّا قوما تكلبون بِدَم الْخَلِيفَة عُثْمَان فَإِنَّهُ خليفتكم وصهر نَبِيكُم وَإِمَّا قوما تدفعون عَن نِسَائِكُم وذراريكم وَعَلَيْكُم بتقوى اللَّه وَالصَّبْر الْجَمِيل نسْأَل اللَّه لنا وَلكم النَّصْر وَأَن يفرغ علينا وَعَلَيْكُم الصَّبْر وَأَن يفتح بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ خير الفاتحين فَأَجَابَهُ أهل الشَّام طب نفسا نموت مَعَك ونحيى مَعَك ثمَّ جعل مُعَاوِيَة أَبَا الْأَعْوَر عَمْرو بْن سُفْيَان السّلمِيّ على مقدمته وحبِيب بْن مسلمة الفِهري على ميمنته وَبسر بْن أَرْطَأَة على ميسرته وَمُسلم بْن عقبَة على رجالة الْعَسْكَر فَلَمَّا كَانَ الْغَد اقْتَتَلُوا قتالا شَدِيدا فحجز بَينهم اللَّيْل حَتَّى قَاتلُوا ثَلَاثَة أَيَّام فَقتل من أَصْحَاب على بالمبارزة هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص ة عمار بْن يَاسر وَعبد اللَّه بْن بديل بْن وَرْقَاء وعمار بْن حَنْظَلَة الْكِنْدِيّ وَبشر بْن زُهَيْر وَمَالك بن كَعْب العامري وطالب بن كُلْثُوم الْهَمدَانِي والمرتفع
следующие страницы →