← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣ - وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره) (١). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة:١٣٠] قال أبو جعفر الطحاوي: السفه قد يكون في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سفه فلان في ماله، سفه فلان في دينه، ومنه قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]. قال أبو جعفر: عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (٢)، قال: (سفه نفسه أهلكها وأوبقها (٣)، وقد يكون ذلك ممن معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه). وقال الكسائي (٤): (السفيه: الذي يعرف الحق وينحرف عنه عناداً، وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] قال: يقول: الذين عرفوا الأمر، وعندوا عنه). (شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) (وانظر: مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٨)

стр. 107

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بالسفه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أنه السفه في الدين، الذي هو الانصراف عن الحق إلى الضلال والذي يترتب عليه الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة. وذكر قول أبي عبيدة، مؤيداً به ما ذهب إليه. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]:- القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من سَفَّه نفسه. - ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من امتهن نفسه وظلمها وأهلكها بانصرافه عن سبيل الهداية إلى سبيل الضلال. - وإلى هذا القول ذهب: أبو عبيدة - ويونس النحوي - والأخفش- والزمخشري- وأبو حيان الأندلسي - وابن كثير. (١) قال أبو عبيدة: (معنى سفه نفسه: أهلك نفسه وأوبقها). (٢) وقال ابن كثير:: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره، بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، وهو في الآخرة من الصالحين). (٣) القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من جهل أمر نفسه. (٤) - ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بما ينفع نفسه وما يضرها. (٥) وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مخلوق، وإذا جهل أنه مخلوق جهل خالقه، وإذا جهل خالقه جهل أمره ونهيه. (٦)

стр. 108

ولكون معرفة النفس طريق إلى معرفة الخالق - قال جلّ وعلا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. - وإلى هذا القول ذهب الإمام الطبري - والزجاج - - والقاسمي - والسعدي. قال الزجاج: (والقول الجيد عندي في هذا: أن (سفه) في موضع (جهل)، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه - أي لم يفكر في نفسه). (١) الترجيح: كلا القولين مراد بالآية، وذلك لأن من أعرض عن طريق الهدى مبتغياً طريق الضلال فهو جاهل بحقيقة نفسه ظالم لها، حاكم على نفسه بالهلاك والخسران في الدنيا ويوم الدين. كما أن اللغة جاءت بهذا، يقال (سفه نفسه) أي: امتهنها واستخف بها. (٢) ويقال: (سفه فلان رأيه) أي جهله، وكان رأيه مضطرباً لا استقامة له. (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة:١٥٨] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن شهاب (٤)، قال: قال عروة (٥):

стр. 109

سألت عائشة ﵂، فقلت: أرأيت قوله الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] فقلت: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها عليه كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وإنها إنما أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية (١) التي كانوا يعبدون عند المُشلّل (٢)، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، أنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما. قال ابن شهاب: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٣)

стр. 110

بالذي حدثني عروة من ذلك عن عائشة، فقال أبو بكر: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يزعمون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة الطاغية كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطوف بين الصفا والمرة، قالوا: هل علينا يا رسول الله من حرج في أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية أنزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بالصفا والمروة. والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بين الصفا والمروة، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة مع الطواف بالبيت حين ذكره. (١).

стр. 111

وعن هشام (١) بن عروة عن أبيه عن عائشة أن مناة كانت على ساحل البحر وحولها الفروث (٢) والدماء يذبح بها المشركون، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنا إذا كنا أحرمنا في الجاهلية لم يحل لنا في ديننا أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]، قال عروة: أما أنا فما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: لِمَ يا ابن أختي؟ قال: لأن الله يقول: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]، قالت عائشة: لو كانت كما تقول، لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، قالت عائشة: وما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. (٣)

стр. 112

قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار أن السبب الذي فيه نزلت هذه الآية: هو لتحرج الأنصار من الطواف بين الصفا والمروة للسبب المذكور في هذا الحديث، وأن الله أنزل هذه الآية، فأعلمهم بها أن لا جناح عليهم في الطواف بينهما، فأعلمهم فيها أنهما من شعائر الله ، وقد ذكر شعائره في غيرها، قوله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقد كان في حديث هشام، عن عروة، عن عائشة من قولها: ولعمري ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. ومثل هذا لا يقال بالرأي، فعلقنا بذلك أنها لم تقله إلا توقيفاً، والتوقيف لا يكون إلا من رسول الله ﷺ . فقال قائل: أما ما حكيتموه عن عائشة من قولها لعروة: لو كانت كما تقول، لكانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وقد كان عبد الله بن عباس يقرؤها كذلك. وذكر عن عطاء (١) عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] (٢)

стр. 113

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الذي في حديث ابن عباس من التلاوة قد يجوز أن يكون معناه يرجع إلى ما في حديث عائشة منها، ويكون قوله : ﴿أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] في قراءة ابن عباس على الصلة، كما قال : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد:٢٩]. بمعنى: ليعلم أهل الكتاب أن يقدرون على شيء. وكما قال : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]، بمعنى: أنهم يرجعون. وكقوله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، بمعنى: ما منعك أن تسجد. فيكون مثل ذلك إن كانت القراءة كما روي عن ابن عباس فيها: (أن لا يطوف بهما) بمعنى: أن يطوف بهما على ما في قراءة غيره، وهي القراءة التي قامت بها الحجة التي تضمنتها مصاحفنا. وقد روي عن أنس بن مالك في تلاوة هذا الحرف مثل الذي روي فيه عن عائشة، كما عن عاصم (١) ٢) قال: (سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة؟ قال: كانتا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة:١٥٨]، وهما تطوع) (٢)

стр. 114

وكان ما في حديث أنس من ذكر الطواف بينهما أنه تطوع مما لم يذكره عن النبي ﷺ ، فقد يجوز أن يكون ذلك رأياً رآه، وقد خالفته عائشة في ذلك، فروت عن رسول الله ﷺ أنه سن الطواف بهما في الحج والعمرة جميعاً، وقالت هي: ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، فكان ذلك عندنا أولى من قول أنس لا سيما وفقهاء الأمصار عليه لا يختلفون فيه، ولم يقولوا ذلك كابراً عن كابر إلا بما وجب أن يقولوه به، وكان ما خالف ما هم عليه من ذلك مما لا معنى له، ولا يصلح القول به، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ١٠/ ٨٤ - ٩٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة:١٥٨]. قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: من ترك السعي في الحج والعمرة حتى رجع، فعليه دم، وهو قول الثوري (١)، والأوزاعي. (٢) قال مالك (٣): إذا ترك السعي حتى رجع، فإنه يرجع فيسعى. فإن كان قد أصاب، فعليه العمرة والهدي، وإن لم يترك إلا شوطاً واحداً، عاد وسعى.

стр. 115

وقال الشافعي: (١) وهو محرم كما كان حتى يرجع فيسعى، فإن كان معتمراً كان حراماً من كل شيء، وإن كان حاجاً قد حلق ورمى كان حراماً من النساء حتى يرجع، ولو ترك بعض شوط حراماً كان ذلك عن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة؟ قال: كانا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ﴿البقرة:١٥٨]. (٢) وعن ابن شهاب قال: قال عروة: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. قال: فقلت والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة. قالت عائشة: بئس ما قلت، إنه لو كان على ما تأولت كانت (ولا جناح عليه أن لا يطوف)، وإنما نزلت في شأن الأنصار حين تحرجوا من ذلك. قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. (٣) فأخبرت عائشة أن رسول الله ﷺ قد سن ذلك. وفي الآية: أنها من شعائر الله، والشعائر: هي العلامات لما دعا الله إليه، فصار كرمي الجمار، والذكر عند المشعر الحرام، فهما سواء في قيام الدم عنهما. فإن قيل: هلا جعلته كطواف يوم النحر. قيل: لأنه قد قرن بطوفا القدوم، فكان أشبه به منه بطواف الزيارة. (مختصر اختلاف العلماء - ٢/ ١٤٥ - ١٤٦) الدراسة ذكر الإمام الطحاوي سبب نزول الآية. ثم استدل بالآية والسبب الوارد في نزولها على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، ومن تركه فعليه دم.

стр. 116

ورد على من قال بأن السعي تطوع اعتماداً على قراءة ابن عباس ﵁. مرجحاً القول بأن السعي واجب في الحج والعمرة. وإليك. أولاً: بيان سبب نزول الآية: وردت روايات متعددة في سبب نزول الآية - وقد ذكر الإمام الطحاوي بعضاً منها - وكلها صحيحة ثابتة لا تعارض بينها، وهي تفيد بمجموعها: أن الآية نزلت في دفع التحرج من الطواف بين الصفا والمروة، لما كان من أمر الجاهلية. قال القاسمي: وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أن تحرج طوائف من السعي بين الصفا والمروة لأسباب متعددة، فنزلت في الكل. (١) ثانياً: القراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]: القراءة الأولى:- (أن يطوف) - وهذه قراءة: الجمهور. القراءة الثانية:- (أن يطاف) - وهذه قراءة: ابن عباس - وأبي السَّمال. القراءة الثالثة:- (أن لا يطوف) - وهذه قراءة: ابن عباس - وابن مسعود - وأُبيّ بن كعب - وأنس بن مالك - وعلي بن أبي طالب - وابن سيرين - وعطاء - وميمون. (٢) ثالثاً: الأقوال في المراد بـ ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾] البقرة:١٥٨]: القول الأول:- أن (الشعائر) جمع (شعيرة) وهو: الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه، ومن إشعار الله تعالى عباده أمر الصفا والمروة، وما عليهم من الطواف بهما. - وهذا قول: مجاهد. القول الثاني:- أن المراد بـ (شعائر الله) معالم الله الظاهرة للحواس، التي جعلها الله معلماً لطاعته، - وهذا قول: الجمهور - وهو الأولى. (٣)

стр. 117

قال الأصمعي: (الإشعار: الإعلام - والشعار: العلامة، ولا أرى مشاعر الحج إلا من هذا، لأنها علامات له). (١) رابعاً: الأقوال في حكم السعي بين الصفا والمروة: القول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة: (سنة)، إن فعله كان محسناً، وإن تركه لم يلزمه شيء. (٢) - وهذا قول: ابن عباس - وأبيّ بن كعب - وابن الزبير - وأنس بن مالك، ﵃ وابن سيرين - وعطاء - ومجاهد - وأحمد في رواية. (٣) - ومن أدلة هذا القول: أ- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ﴿البقرة:١٥٨]: فلما نفى جلّ وعلا الحرج والجناح عن فاعله، دل على عدم وجوبه. فرفع الإثم علامة المباح. - الرد على هذا الاستدلال من وجوه: ١ - ليس في قوله (فلا جناح) دليل على الإباحة دون الوجوب، لخروجه على السبب الذي بينته عائشة ﵂، وهو أن نفي الجناح عمن طاف بهما لإزالة ما في نفوسهم من أن الطواف بهما من شعائر الجاهلية. ٢ - ظاهر قوله (فلا جناح عليه) أنه لا إثم عليه. والذي يصدق عليه أن لا إثم في فعله يدخل تحته: الواجب، والمندوب، والمباح. ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد. فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي واجب أو ليس بواجب. لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية بأحدها، ولابد من الرجوع إلى دليل الآخر لبيان الخصوصية. (٤) ٣ - أنه لا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل، نفي الإثم عن التارك. ٤ - أنه لو كان المراد مطلق الإباحة، لنفي الإثم عن التارك، كما نفي عن الفاعل. (٥)

стр. 118

ب- قراءة: (أن لا يطوف بهما): وهذا وإن لم يكن قرآناً فلا ينحط عن رتبة الخبر فيكون تفسيراً للآية، دالاً على إباحة الطواف بين الصفا والمروة. (١) - الرد على هذا الاستدلال من وجوه: ١ - أن هذه قراءة شاذة، ولا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور. (٢) ٢ - وعلى أنها حجة، فلا حجة فيها على إباحة السعي بين الصفا والمروة. لأن (لا) التي مع (أن) صلة في الكلام، إذا تقدمها جحد في الكلام. وقد تقدمها جحد في الآية وهو قوله تعالى: ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. فيكون التقدير: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]. بمعنى: ما منعك أن تسجد إذا أمرتك. (٣) جـ- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿البقرة:١٥٨] فبين جلّ وعلا أن السعي تطوع وليس بواجب، فمن تركه فلا شيء عليه، عملاً بظاهر الآية. - الرد على هذا الاستدلال من وجوه: ١ - لا حجة لمن قال إن السعي مستحب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]. ولإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. (٤) ٢ - أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٥٨] لا يقتضي أن يكون المراد منه: التطوع بالسعي دون غيره، بل يجوز أن يكون المراد منه غير ذلك. وعليه فإن المراد بـ (خيراً) في الآية أحد الأمور التالية:- أ- أن يتطوع بجميع أنواع الطاعات. ب- أن يتطوع بعد الحج والعمرة الفرض مرة أخرى، فيكون طوافه تطوعاً. ج- أن يزيد في الطواف، فيطوف أكثر من الطواف الواجب، كأن يطوف ثمانية أو أكثر (٥)،

стр. 119

وقد رد هذا القول: بأن الزيادة في عدد أشواط الطواف، أمر مبتدع غير مشروع. وقد حذر النبي ﷺ من كل أمر مبتدع لم يرد فيه دليل من كتاب أو سنة (١)، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (٢) - وهذا القول هو الأولى لأمور: - أن الجملة عطفت بـ (الواو) دون الفاء، لئلا يكون الخير قاصراً على السعي. - ولأن (خيراً) نكرة في سياق الشرط فهي عامة. - ولأن الجملة تذييل للآية لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع خاص. وعليه فإن الآية عامة في الدعوة لأفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل. (٣) القول الثاني: أن السعي بين الصفا والمروة: (واجب) يجزئ تاركه فدية، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه، وإن عاد فحسن. - وهذا قول: الحسن البصري - وقتادة - والثوري - وأبي حنيفة - ومالك - وأحمد في رواية عنهما. (٤) - ومن أدلة هذا القول:- ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]. فالآية دلت على رفع الإثم عمن تطوف بهما، ورفع الإثم يدل على الإباحة لا على أنه ركن، ولكن فعل الرسول ﷺ جعله واجباً. فصار الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار يجزئ عنه الدم إذا تركه. (٥) ٢ - قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] دال على وجوب السعي بين الصفا والمروة.

стр. 120

ورد هذا الاستدلال: بأن شعائر الله منها الواجبة، ومنها المندوب إليها. (١) ٣ - قول عائشة ﵂: (ما تم حج امرئ قط إلا بالسعي) (٢) فيه إشارة إلى أنه واجب، وليس بفرض، لأنها وصفت الحج بدون السعي بالنقصان لا بالفساد، وفوت الواجب هو الذي يوجب النقصان، أما فوت الركن فيوجب الفساد والبطلان). (٣) القول الثالث: أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يتم الحج والعمرة إلا به. ولا يجزئ تاركه غير قضائه بعينه. - وهذا قول الجمهور، ومنهم: عائشة - وعروة ﵃ والشافعي - ومالك - وفقهاء الحرمين - وأحمد في رواية المذهب - وإسحاق - وأبي ثور - وداود الظاهري - وغيرهم. (٤) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. فشعائر الله هي: أعلام دين الله الظاهرة التي تعبد الله بها عباده. وقد أمر الله جلّ وعلا بتعظيم شعائره فقال:: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. فدل مجموع النصين على أن الصفا والمروة من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم لا يتم الحج والعمرة إلا به. (٥)

стр. 121

٢ - حديث حبيبة بنت أبي تجراه (١) ﵂ قالت: (دخلت مع نسوة قريش دار آل أبي الحسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى إني لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). (٢) فثبت بهذا الحديث أنه ﵊ سعى بين الصفا والمروة، وأمر أمته بالسعي بهما لأنه فرض من الله عليهم. وإذا ثبت أنه ﵊ سعى بين الصفا والمروة، فيجب علينا السعي بهما اتباعاً له، وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ولقوله ﵊: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". (٣) والأمر للوجوب، وعليه فالسعي فرض لا يتم الحج والعمرة إلا به.

стр. 122

٣ - إجماع الجمهور على أن الطواف بالبيت لا تجزئ منه فدية ولا بدل، ولا يجزئ تاركه إلا العود لقضائه، وقياساً عليه كان نظيراً له: الطواف بالصفا والمروة، لا تجزئ منه فدية ولا بدل، ولا يجزئ تاركه إلا العود لقضائه، إذ كان كلاهما طوافين أحدهما بالبيت والآخر بالصفا والمروة. (١) الترجيح: والقول الصواب هو: أن الطواف بالصفا والمروة فرض واجب، وعلى من تركه ناسياً أو عامداً العود لقضائه لا يجزئه غير ذلك، استناداً لقوة الدليل، واحتياطاً لأمور الدين. (٢) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة:١٥٩] قال أبو جعفر الطحاوي: اللعن في كلام العرب هو الطرد والإبعاد - ومنه قول الله : ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. فكان لعنة الله إياهم: طردهم عنه، وإبعادهم منه. عن أبي عبيدة معمر بن المثني: (لعنهم الله) أي: أطردهم الله وأبعدهم، يقال: ذئب لعين، أي: مطرود، قال شَمَّاخ بن ضرار: ذَعرتُ به القطا ونفيتُ عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين. (٣)

стр. 123

(شرح مشكل الآثار - ٩/ ١٦٨) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٥٩] أي: طردهم عنه، وإبعادهم منه. وما ذكره الإمام الطحاوي في المراد بالآية هو قول: جمهور المفسرين. قال ابن فارس: (اللام والعين والنون - أصل صحيح، يدل على إبعاد وطرد. وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق عقوبته). (١) وهذه الآية نزلت: في شأن رؤساء اليهود ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف، حيث كانوا يخفون عن الناس ما أنزل الله جلّ وعلا في التوارة من بيان للحلال والحرام وبيان لأمر الرسول محمد ﷺ . وبهذا الكتمان للحق استحقوا لعنة الله والخلق أجمعين. (٢) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة:١٧٨] قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة:١٧٨]. فأعلمنا الله أن الذي كتب مما معناه فرض في قتلانا، فأمن عقوبة قاتليهم، هو القصاص بغير ذكر منه في هذه الآية مع ذلك غيره.

стр. 124

فعلمنا بذلك: أن الواجب على القاتل في قتله الذي قد دخل في هذه الآية هو القصاص لا ما سواه، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. فعلمنا بذلك: أن الواجب بالعفو المذكور في هذه الآية طارئ على القصاص المذكور وجوبه فيها، ومغير لحق القاتل الذي كان له من القصاص إلى ما سواه مما يتبع من هو عليه بمعروف، ويؤديه إليه بإحسان. وقد اختلف أهل العلم في ذلك العفو، ما هو؟ فقال أكثرهم، منهم: أبو حنيفة، (١) ومالك، والثوري في متبعيهم: إنه أن يعفو الذي له الدم عن الذي هو له عليه على شيء يشترط لنفسه عليه بدلاً من القصاص، فيتبعه به بمعروف، ويؤديه إليه الذي كان عليه القصاص بإحسان، وإن ذلك لا يكون إلا باجتماع الفريقين جميعاً عليه، وإن القاتل لو أبى ذلك لم يجبر عليه، ولم يؤخذ به. وقال الأوزاعي: إن للذي له الدم أن يأخذ الذي هو له عليه بالدية، شاء ذلك الذي هو له عليه أو أبى. وقال آخرون سواه: إن لولي الدم أن يأخذ الذي هو عليه بالدية شاء أو أبى، من جهة ذكر أنها توجب له ما قال من ذلك، وهي أنه قال: رأيت الله قد أوجب في القتل الخطأ الدية، وأوجب في القتل العمد ما هو أغلظ من الدية وهو القصاص، فإذا وجب على القاتل بالقتل العمد الذي كان منه القصاص، وهو أغلظ من الدية، فاختار الذي له الدم رد الأغلظ الذي وجب له على القاتل بقتله إلى الأيسر الذي كان يجب له لو كان الذي كان منه أيسر من القتل العمد الذي يوجب له القصاص، كان قد نزل عن بعض الواجب له إلى ما دونه، وهو الدية، فاستحق ذلك على الذي عليه القصاص شاء القاتل أو أبى.

стр. 125

وقال آخرون: إن العفو من الذي قال له القصاص توجب الدية له على الذي كان له عليه القصاص، شاء ذلك الذي له عليه القصاص أو أبى، وهو القول الذي ذكر المزني (١): أنه الأولى بالشافعي، بعقب حكايته عن الشافعي: أن الدم العمد لا يُملكُ به المال إلا بمشيئة المجنى عليه، إن كان حياً، وبمشيئة الورثة إن كان ميتاً. لا نعلم في تأويل العفو المذكور في هذه الآية قولاً غير هذه الأقوال التي ذكرنا، فتأملناها لنقف على الأولى منها بتأويل الآية إن شاء الله. فبدأنا بقول من قال: إن من عفا عن القصاص إلى الدية استحق الدية بذلك، لأن تارك لبعض حقه. طالبُ لبقيته. فوجدنا ما قال من ذلك فاسداً، لأن الله أوجب في القتل العمد غير الذي أوجب في القتل الخطأ، ولم يجعل واحداً منهما جزاءً من الآخر، ولما كان ذلك كذلك، عقلنا: أن من نزل عن المجعول له منهما، فقد نزل عن الذي أوجبه الله له إلى غيره، مما لم يوجبه له، فكان معقولاً: أن لا يجب ذلك له إلا برضا من كان له عليه الذي أوجبه الله له عليه، ولأنه لو كان بنزوله عن ما أوجبه الله له من القصاص يوجب له الدية الواجبة في القتل الخطأ، لوجبت له على من كانت تجب عليه، وهي العاقلة (٢)،

стр. 126

وفي إجماعهم على خلاف ذلك، وجوب بطلان هذا القول. ثم ثنينا بقول من قال: إن العفو يوجب له الدية على القاتل شاء أو أبى، فوجدنا رسول الله ﷺ قد روي عنه ما قد دفع ذلك مما قد ذكرناه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا في حديث (١) ذي النسعة (٢) من قوله لولي المقتول: (اعف عنه) - يعني قاتل وليه - فأبى، فقال له: (فخذ أرشاً)، (٣) فعقلنا بذلك: أن عفوه لا أرش معه لو عفا، لأنه قال له لما أباه: (فخذ أرشاً). وروي عن رسول الله ﷺ أيضاً في ذلك عن أبي شريح الخزاعي (٤)

стр. 127

قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصيب بدم أو بخبل - يعني بالخبل الجراح - فوليه بالخيار بين إحدى ثلاث: بين أن يعفو، أو يقتص، أو يأخذ الدية، فإن أبى الرابعة، فخذوا على يديه، فإن قبل واحدة منهن، ثم عدا بعد ذلك، فله النار خالداً فيها مخلداً). (١) قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث: أن ولي المقتول بالخيار بين أن يعفو أو يقتص، أو يأخذ الدية، فكان معقولاً في ذلك أن عفوه لا أخذ دية معه، كما أن أخذه الدية لا عفو معه، ففسد بذلك هذا القول أيضاً. ثم ثلثنا بما قال الأوزاعي: من إيجابه للولي أخذ الدية من القاتل شاء أو أبى، بعد وقوفنا على ما في الآية التي تلونا، وهي أن الله إنما كتب علينا في قتلانا القصاص لا ما سواه، وكان معقولاً أن لا يتحول الحق الذي جعله الله له إلى ما سواه إلا برضا من يتحول عليه بذلك، ففسد بذلك هذا القول أيضاً. ولم يبق في هذا الباب غير القول الذي قد ذكرنا فيه عن الطائفة الأولى، وهو القصاص، وأن لا يتحول إلى ما سواه إلا برضا القاتل، ومن له الدم جميعاً بذلك، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -١٢/ ٤٢٣ - ٤٢٧) الدراسة بين الإمام الطحاوي مسألة هل يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود (٢) إلى الدية.

стр. 128

وذكر الأقوال في ذلك، مرجحاً القول باشتراط الرضا بدلالة الآية، وهي: أن القصاص هو الواجب في القتل العمد، وأن العفو المذكور في الآية طارئ على القصاص ومغير لحق القاتل الذي كان له من القصاص، فيشترط رضاه في الحكم به عليه. وإليك بيان الأقوال في هذه المسالة، وأدلة كل قول فيها: الأقوال في مسألة: هل يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية:- القول الأول: لا يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية. - وهذا قول: سعيد بن المسيب - وابن سيرين - وعطاء - ومجاهد - وأبي ثور - وابن المنذر وأحمد - وداود - وإسحاق - والشافعي - وأكثر فقهاء المدينة - وأصحاب مالك. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. فأوجب الله جلّ وعلا على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم، مطلقاً عن شرط الرضا. (٢) - ورد هذا الاستدلال: بأن العفو مشروط برضا القاتل إلا أنه تعالى ذكره لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة، لأن الظاهر من حال كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه، لأنه إذا قُتل لا يبقى له لا النفس ولا المال، أما إذا بذل المال ففيه إحياء النفس. فلما كان هذا الرضا حاصلاً في الأعم الأغلب، ترك ذكره مع اعتباره. (٣) ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فقال: (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُؤدى، وإما أن يُقاد). (٤)

стр. 129

وما رواه أبو شريح الكعبّي. قال: قال رسول الله ﷺ في خطبته يوم فتح مكة: (ألا إنكم معشر خزاعة، قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قُتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خيرتين، بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يَقتلوا). (١) فظاهر هذه الأحاديث أنه لا يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية. (٢) - ورد هذا الاستدلال: بأن هذه الأحاديث غير موجبة الاستدلال، لاحتمال أن يكون المراد بها: أن أخذ الدية لا يكون إلا برضى القاتل، وإنما أغفل ذكره لعلم المخاطبين به. كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] فلم يذكر الرضا، والمراد: فداء برضى الأسير، فاكتفى بالمحذوف عن ذكره لعلم المخاطبين عند ذكر المال، بأنه لا يجوز إلزامه إياه بغير رضاه، كذلك ما جاء في هذه الأحاديث. (٣) ٣ - أن في أداء الدية صيانة للنفس عن الهلاك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فلما كان عليه إحياء نفسه، وجب أن يحكم عليه بذلك إذا اختار الولي الدية. (٤) - ورد هذا الاستدلال: بأن على كل واحد أن يحي غيره إذا خاف عليه التلف، مثل أن يرى إنساناً يموت من الجوع فعليه إحياؤه بإطعامه وإن كثرت قيمته. وإذا كان على القاتل إعطاء المال لإحياء نفسه، فعلى الولي أيضاً إحياؤه إذا أمكنه ذلك.

стр. 130

فوجب بناء على هذا الأمر: إجبار الولي على أخذ المال إذا بذله القاتل. (١) وهذا يؤدي إلى بطلان القصاص، الذي أوجبه الله بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] لأنه إذا كان على كل واحد منهما إحياء نفس القاتل فعليهما التراضي على أخذ المال وإسقاط القود. وبناء على هذا الأمر - أيضاً -: يلزم القاتل إذا طلب الولي داره وجميع ماله وإن كثر، أن يعطيه إياه، لأنه لا يختلف فيمن يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير، فلما لم يلزمه إعطاء أكثر من الدية عند القائلين بهذه المقالة، كان بذلك انتقاض هذا الاعتلال وفساده. (٢) وعليه فإن غاية ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] غاية ما يدل عليه: أن يصير القاتل آثماً بالامتناع عن الدية، لا أن يملك الولي أخذها منه بغير رضاه. (٣) القول الثاني: يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية. - وهذا قول: النخعي - والأوزاعي - والثوري - ومالك - وأبي حنيفة - وأحمد في أحد قوليه. - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] فالذي أوجبه الله جل وعلا في هذه الآية هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص، فلا يجوز إلا برضى القاتل. (٤) ٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]

стр. 131

وعن عمرو بن يثربي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه) (١) فدلت الآية وهذا الحديث على أنه متى لم يرض المسلم بإعطاء المال ولم تطب به نفسه فماله محظور على كل أحد. (٢) الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لقوة الدليل، وعدم المعارض. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠] قال أبو جعفر الطحاوي: قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] فكان ذلك منه قبل أن تفرض المواريث في التركات، ثم فرضها فيها بعد ذلك، فنسخ الوصية للوارث على لسان نبيه ﷺ بقوله: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) (٣)، وإن كان ذلك لم يرو إلا من جهة واحدة وهي عن أبي أمامة (٤) عن النبي ﷺ بذلك. غير أن أهل العلم قد قبلوا ذلك، واحتجوا به، فغني بذلك عن طلب الأسانيد فيه.

стр. 132

(شرح مشكل الآثار - ٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن الأمر بالوصية للوارث في هذه الآية منسوخ بقول الرسول ﷺ : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (١). ويبقى حكم الآية في الأمر بالوصية - ثابتاً لمن لا يرث من القرابة. وإليك أولاً: بيان الأقوال في مسألة: هل الآية منسوخة أم محكمة؟ القول الأول: أن الآية محكمة، ظاهرها: العموم في كل قريب. ومعناها: الخصوص في كل قريب لا يرث (٢) والمخصص لها حديث: " لا وصية لوارث ". القول الثاني: أن الآية منسوخة. ثانياً: الأقوال في المنسوخ من الآية: ١ - جميع ما في الآية من إيجاب الوصية منسوخ. - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وجابر بن زيد - وسعيد بن جبير - وعكرمه ومجاهد. ٢ - المنسوخ من الآية هو: الوصية لمن يرث. - وهذا قول: ابن عباس - والضحاك - والحسن - وأبي العالية - وقتادة (٣). ثالثاً: الأقوال في الناسخ للآية: ١ - الناسخ للآية هو: آية المواريث (٤) وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] ٢ - الناسخ للآية هو: الحديث الذي رواه أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (٥) ". الترجيح: والراجح هو القول بأن الآية محكمة. وبيان ذلك من وجوه:

стр. 133

I- أن القول بأن الآية منسوخة بآية المواريث مردود بأمور: ١ - أنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية حتى تكون ناسخة لها. ٢ - ن ظاهر آية الوصية وسياقها ينافي القول بالنسخ، فإن لله تعالى إذا شرع للناس حكماً وفي علمه أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن، فإنه لا يؤكده بمثل ما أكد به أمر الوصية في هذه الآية. من كون (كُتَب) وكونه: (حقاً على المتقين). وتوعده لمن بدله (١) بقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة:١٨١] ٣ - ليس في إيجاب الميراث للورثة بآية المواريث ما ينفي جواز الوصية لهم، لإمكان اجتماع الحقان للورثة. بالطريقين، وإنما ينسخ الشيء ما ينافيه، والله تعالى جعل الميراث بعد الوصية بقوله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] فجعل الإرث بعد الوصية مطلقة من غير فصل بين القريب والبعيد، فما الذي يمنع أن يعطى الوارث نصيبه من الوصية، ثم يعطى الميراث بعدها. (٢) * - أن القول بأن حديث أبي أمامة ناسخ للآية مردود بأمور: ١ - أن هذا الحديث المروي عن أبي أمامة حديث آحادي، وخبر الآحاد ظني الثبوت، والظني لا يقوى على نسخ القطعي الذي هو الآية الكريمة. ٢ - أن الحديث ليس على إطلاقه حتى ينسخ الآية، لأن من الفقهاء من أجاز الوصية في حدود الثلث مطلقا (٣). كما أنه لا ينفي الوصية للأقربين الذين لا يرثون. فغاية ما في الحديث تخصيص العموم الوارد في الآية. (٤) وبهذا تبين أن القول الصواب هو: أن الآية محكمة، وأن آية المواريث غير ناسخة لها، بل مؤكدة لحكمها. كما أن الحديث غير ناسخ لها، بل مخصص لعمومها. وإلى هذا القول ذهب: جمهور المفسرين.

стр. 134

قال الطبري: وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، إذ كان غير مستحيل اجتماع حكم هذه الآية وحكم آية المواريث في حال واحدة على صحة، بغير مدافعة حكم إحداهما حكم الأخرى. (١) وقال مكي بن أبي طالب: فحكم القرآن جار أبداً على ظاهره إلا ما بينته السنة وخصصته أو الإجماع أو القرآن، فلا يقال في شئ خصصته السنة وبينته إنه منسوخ، إنما يقع لنسخ في الحكم الذي زال بكليته (٢). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 135

قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: إنه يكبر في طريق الأضحى، ويجهر في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر. وقال مالك، والأوزاعي: يكبر في خروجه إلي المصلى في العيدين جميعاً. وقال مالك: يكبر في المصلى إلي أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع التكبير، ولا يكبر إذا رجع. وقال الشافعي: يجب إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى المصلى حتى يخرج الإمام، وفي موضوع آخر: حتى يفتتح الإمام الصلاة. قال أبو جعفر: ومن كبر يوم الفطر تأول فيه قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وروي عن زيد بن أسلم (١): أنه تأول ذلك على تكبير يوم الفطر. وعن ابن عمر (٢): (أنه كان يوم الفطر، ويوم الأضحى، يكبر ويرفع بذلك صوته، حتى يخرج إلى المصلى).

стр. 136

قال أبو جعفر: ويحتمل قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥]: تعظيم الله تعالى: بالأفعال وبالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] وقد روى شعبة (١) مولى ابن عباس (٢)، قال: (كنت أقود ابن عباس إلى المصلى، فيسمع الناس يكبرون، فيقول ما شأن الناس؟ أكبر الإمام؟ فأقول: لا، فيقول: أمجانين الناس!). فأنكر ابن عباس التكبير في الطريق إلى المصلى، وهو يدل على أن المراد عنده هو: التكبير الذي يكبره الإمام في الخطبة، مما يصح أن يكبره الناس معه. وقد روي عن علي (٣): (أنه ركب بغلته يوم الأضحى، فلم يزل يكبر). وروي عن أبي قتادة (٤): (أنه كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلى). قال أبو جعفر: القياس أن يكبر في العيدين جميعاً، لأن صلاة العيدين لا تختلفان في التكبير والخطبة بعدهما وسائر سننهما، كذلك في سنة التكبير في الخروج إليهما.

стр. 137

(مختصر اختلاف العلماء - ١/ ٣٧٦ - ٣٧٨). الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بـ (التكبير) في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] يحتمل ثلاثة أقوال: ١ - أنه التكبير يوم الفطر. ٢ - أنه التكبير الذي يكبره الإمام في خطبته. ٣ - أنه تعظيم الله تعالى بالأقوال وبالأفعال. وإليك بيان هذه الأقوال مع بيان القول الراجح منها: القول الأول: أن المراد بالتكبير في الآية هو: أنه التكبير يوم الفطر. - وهذا قول: جمهور المفسرين ومنهم: زيد بن أسلم، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، ﵃. قال الطبري: (والتكبير الذي حضهم الله على تعظيمه به: التكبير يوم الفطر) (١). فيكون تكبير الإمام في خطبته داخلاً في ذلك. قال أبو بكر الجصاص: (التعظيم المذكور في هذه الآية ينبغي أن يكون متعلقاً بإكمال عدة رمضان، وأولى الأشياء به إظهار لفظ التكبير. ثم جائز أن يكون تكبيراً يفعله الإنسان في نفسه عند رؤية هلال شوال، وجائز أن يكون المراد به التكبير المفعول في الخروج الي المصلى، وجائز أن يراد به تكبيرات صلاة العيد. وجائز أن يراد به التكبير الذي يكبره الإمام في خطبته. وكل ذلك يحتمله اللفظ ولا دلالة فيه على بعض دون بعض. فأيها فعل المؤمن فقد قضى عهدة الآية وفعل مقتضاها) (٢). القول الثاني: أن المراد بالتكبير في الآية هو: تعظيم الله تعالى في كل وقت وحين اعتقاداً وقولاً وعملاً (٣). فلا يختص هذا الثناء والتعظيم بلفظ "التكبير"، بل يعظم الله تعالى ويثني عليه بما شاء من ألفاظ الثناء والتعظيم (٤).

стр. 138

الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالتكبير في الآية هو: التكبير يوم الفطر، وذلك بدلالة سياق الآية: فإن الآية واردة في صيام شهر رمضان (١). وأما القول بأن المراد بالتكبير في الآية هو: التعظيم لله شكراً على ما وفق على هذه الطاعة. فالجواب عليه: أن هذا التعظيم لله تعالى واجب في جميع الأوقات، ومع كل الطاعات، فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات ومع جميع الطاعات. (٢) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة:١٨٧] قال أبو جعفر الطحاوي: قوله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فعمم المساجد كلها بذلك.

стр. 139

وكان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، أما مساجد الجماعات التي تقام فيها الجمعات، وإما هي وما سواها من المساجد التي لها الأئمة والمؤذنون على ما قاله أهل العلم في ذلك. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ٧/ ٢٠٥). الدراسة استدل الإمام الطحاوي بقوله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] على جواز الاعتكاف في سائر المساجد أخذاً بظاهر الآية وعمومها. وإليك بيان الأقوال في حكم الإعتكاف في سائر المساجد: القول الأول: أن الاعتكاف جائز في كل مسجد. - وهذا قول: سعيد بن جبير - وأبي قلابة - وإبراهيم النخعي - والثوري. وهو قول: أبي حنيفة - والشافعي- وأحمد - وأحد قولي مالك. - ودليل هذا القول: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعمم المساجد كلها (١). القول الثاني: أن الاعتكاف لا يجوز إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة. - وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن مسعود - وعروة بن الزبير ﵃، والزهري وهو أحد قولي مالك. - ودليل هذا القول: أن الإشارة في الآية ترجع إلى المساجد التي تقام فيها الجمعة دون غيرها. ولكي لا يضطر المعتكف للخروج من معتكفه لحضور الجمعة في مسجد آخر (٢). القول الثالث: أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة. - وقد روي هذا القول عن: حذيفة بن اليمان - وسعيد بن المسيب - وعطاء. - ودليل هذا القول: ١ - ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي عليه ﷺ يقول:

стр. 140

" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " (١) وما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " (٢). فهذا يدل على اعتبار اختصاص هذه المساجد الثلاثة بالفضيلة دون غيرها. (٣) ٢ - ما روي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : " لا إعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، ومسجد بيت المقدس .. " (٤). فدل هذا الحديث على أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة. الترجيح: والراجح هو القول بأن الاعتكاف جائز في سائر المساجد. وذلك لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ. ومن خصصها بالمساجد التي تقام فيها الجمعة، لا دليل على ما ذهب إليه. كما أن صلاة الجمعة تجوز في سائر المساجد فكذلك يجوز الاعتكاف فيها. ومن خصصها بالمساجد الثلاثة، فإن ما استدل به مما رواه حذيفة بن اليمان، حديث مُتكلم في سنده ومتنه، والصحيح فيه: أنه موقوف على حذيفة بن اليمان.

стр. 141

أما تخصيصه ﷺ هذه المساجد الثلاثة بالذكر، فهو دليل على تفضيلها على سائر المساجد، وليس فيه دلالة على نفي الاعتكاف في غيرها، كما لا دلالة فيه على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرها، فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على التخصيص. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال جلست مع أبي هريرة، فسأله رجل عن الصائم إذا أصبح وهو جنب، فقال له أبو هريرة: فلا صيام له، فقال أبو بكر قد ذكرت ذلك لأبي عبد الرحمن بن الحارث، فذكر ذلك أبي لمروان بن الحكم (٢)

стр. 142

- وهو أمير المدينة -، فقال له مروان: لتأتين عائشة وأم سلمة زوجي. النبي ﷺ ، فلتسألهما عن هذا من أمر رسول الله ﵇، فإنه لا أحد أعلم بهذا من أمر رسول الله ﷺ من نسائه، قال: فخرج أبي، وخرجت معه حتى دخلنا على أم سلمة، فسألها عن ذلك، فقالت: قد كان رسول الله ﷺ يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: ثم خرجنا من عندها، فجلسنا على باب عائشة، فبعث إليها أبي، ذكوان (١)

стр. 143

مولاها، فسألها عن ذلك، فجاءه ذكوان، فقال: تقول لك: كأن رسول الله ﷺ يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فرجع أبي إلى مروان، فذكر ذلك له، فقال: إني عزمت عليك لتأتين أبا هريرة حتى تخبره بهذا، قال: فقال له أبي: يغفر الله لك أيها الأمير، بلغتك حديثاً عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بأمر فتجيئه، حتى إذا وجدت خلافه، أمرتني أن أُعِّرفه به، قال: فقال له مروان: عزمت عليك لتفعلن، فخرج مروان حاجاً أو معتمراً، فخرجنا معه، حتى إذا كنا بذي الحليفة (١) - ولأبي هريرة بها أرض هو فيها - قمنا إليه وأنا مع أبي، فقال له أبي: يا أبا هريرة، إني أخبرت الأمير أنك قلت: من أدرك الفجر وهو جنب، فلا صيام له، فأمرني أن أسأل أزواج النبي ﷺ عن ذلك، ففعلت، فحدثتني أم سلمة وعائشة أن رسول الله ﷺ كان يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فقال أبو هريرة: لا أدري، أخبرني بذلك الفضل بن عباس (٢) .. عن النبي ﵇. (٣) ففيما روينا من هذه الآثار ما ذكره أبو هريرة فيها عن الفضل بن عباس، عن رسول الله ﷺ في منعه من الصوم من أصبح جنباً، وفيها إخبار عائشة وأم سلمة مما يخالف ذلك في منعه.

стр. 144

فقال قائل: من أين اتسع لكم أن تميلوا في هذه إلى ما روته عائشة وأم سلمة عن النبي ﵇، وتتركوا ما رواه أبو هريرة، عن الفضل، عن رسول الله ﷺ مما يخالفه دون أن تصححوهما جميعاً، فتجعلون حديث عائشة وأم سلمة عنه ﵇ إخباراً منهما عن حكمه، كان في ذلك في نفسه، وتجعلون حيث الفضل عنه في حكم غيره من أمته، حتى لا يضاد واحد من هذين المعنيين المعنى الآخر منهما. فكان جوابنا له في ذلك: أنا قد وجدنا عنه ما قد دل على أن حكمه في نفسه، كان في ذلك، كحكم سائر أمته فيه، وذلك: عن عائشة أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنباً وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ :" وأنا أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى، وأعلمكم بما أتقي) (١) ولما وقفنا بذلك على استواء حكمه وحكم سائر أمته في ذلك، عقلنا أن ذينك المعنيين قد كانا حكمين لله تعالى، نسخ أحدهما الآخر، وكان ما في حديث الفضل منهما التغليظ، وما في حديث عائشة وأم سلمة التخفيف.

стр. 145

وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا أن النسخ بلا معصية لله تعالى رحمة من الله، ورد التغليظ إلى التخفيف، ولم يكن بحمد الله في شيء مما كان من أجله هذا النسخ معصية يكون معها التغليظ، فجعلنا النسخ في هذا الحكم كان من التغليظ إلى التخفيف، وكان في ذلك وجوب استعمال ما جاء في حديث عائشة وأم سلمة دون ما في حديث الفضل، مع أنا قد وجدنا كتاب الله قد أوجب ذلك، وهو قول الله تعالى فيه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] وكان في ذلك ما قد دل على إباحة إتيان النساء في الليل إلى طلوع الفجر، ولا يكون الاغتسال الذي يوجبه ذلك الإتيان إلا في النهار، وفي ذلك ما يبيح الصوم مع الجنابة، وفيه موافقة ما في حديث عائشة وأم سلمة عن رسول الله ﵇ فيه. (شرح مشكل الآثار - ٢/ ١٤ - ١٨) الدراسة استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. وما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال في هذه المسألة. وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة، مع بيان القول الراجح منها: الأقوال في حكم صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب: القول الأول: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فصومه صحيح. - وهذا قول: عامة أهل العلم - ومنهم: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن مسعود - وابن عمر - وأبو الدرداء - وأبوذر - وعائشة وأم سلمة ﵃. وبه قال: أبو حنيفة - ومالك - والشافعي - والثوري - والأوزاعي - وأبو عبيدة - وغيرهم. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الآية.
следующие страницы →