← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال أبو جعفر: فكان في هذه الروايات قراءة رسول الله ﷺ على الناس ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] عند حضه إياهم على صلة أرحامهم، لما رأى من أهلها من الجهد، والضر، والحاجة، فكان ذلك دليلاً أنه قرأها بالنصب بمعنى: (أتقوا الأرحام أن تقطعوها)، وكان ما حملها عليه من قرأها بالجر على تساؤلهم كان بينهم بالله تعالى والأرحام، ولم تكن تلاوة رسول j إياها على من تلاها عليه على التساؤل، وإنما كان على الحض على التواصل، وترك قطيعة الأرحام، وفي ذلك ما قد دل على أنه قرأها بالنصب لا بالجر. وكذلك روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها كذلك. فعن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يقول: كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] منصوبة، يقول: اتقوا الله والأرحام. وقد قرأها كذلك أكثر القراء فعن خلف بن هشام، قال: قرأ عاصم ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] نصب، ونافع كمثل، وأبو عمرو كمثل. (شرح مشكل الآثار -١/ ٢٢٥ - ٢٢٦) ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥].

стр. 72

حيث قال: قول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. وهذا الحرف مما قد اختلف القراء فيه، فقرأه بعضهم بالفتح، وممن قرأه كذلك عبد الله بن مسعود، فعن النخعي أن معقل من مقرن سأل ابن مسعود فقال: أمتي زنت، فقال: أجلدها خمسين، قال: إنها لم تحصن، فقال: أليست مسلمة؟ قال: بلى، قال: فإسلامها إحصانها. قال خلف: وكذلك يقرؤه الأعمش وعاصم وحمزة، وقرأه بعضهم بالضم: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥]. وممن قرأه كذلك عبد الله بن عباس. فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس:: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥]. يعني: (بالزواج). وممن قرأه كذلك نافع وأبو عمرو بن العلاء. (شرح مشكل الآثار ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٧).

стр. 73

المبحث السابع: منهجه في تفسير آيات العقائد يعد الإمام الطحاوي أحد أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة، وقد برز ذلك واضحاً في كتابه (العقيدة الطحاوية) الذي أوضح فيه معالم العقيدة الصحيحة عقيد أهل السنة والجماعة. وفي تفسيره هذا تعرض لبعض المسائل المتعلقة بالعقيدة، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا دُونَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨].

стр. 74

حيث قال: من يعمل الخير يقصد به إلى الله رجاء ثوابه، وإنجاز ما وعد عليه، ومن عمل شراً، فليس يقصد به إلى الله . وإن كان كل واحد من الخير ومن الشر فمن الله ، كما قال : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]. أي: فإن ذلك، كله من عند الله، فييسر أهل السعادة للخير فيعملونه، فيثيبهم، ويجازيهم عليه، وييسر أهل الشقاء للشر، فيعملونه، فيعاقبهم عليه، إلا أن يعفو عنهم فيما يجوز عفوه عن مثله، وهو ما خلا الشرك به. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ٤/ ٢٢٢). ٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. حيث قال: عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن كما لبث يوسف لأجبت الداعي). فتأملنا قول رسول الله ﷺ : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠].

стр. 75

فوجدنا إبراهيم ﵇ قد رأي من آيات الله في نفسه الآية التي لم ير مثلها، وهو إلقاء أعدائه إياه في النار، فلم تعمل فيه شيئاً لوحي الله إليها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت آية معجزة لم يُر مثلها قبلها ولا بعدها، فقال النبي ﵇ لينفي الشك عن إبراهيم عند قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. أي: إنا ولم نر من آيات الله الآية التي أريها إبراهيم في نفسه لا نشك، فإبراهيم مع رؤيته إياها في نفسه أحرى أن لا يشك، وأما قوله تعالى له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠] وقد حقق ذلك أن قوله كان: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. لم يكن على الشك منه، ولكن لما سوى ذلك من طلبه إجابة الله تعالى في مسألته إياه ذلك ليطمئن به قلبه، ويعلم بذلك علو منزلته عنده. (شرح مشكل الآثار - ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩)

стр. 76

المبحث الثامن: منهجه في تفسير آيات الأحكام الفقهية لقد كان للإمام الطحاوي عناية كبيرة بالأحكام الفقهية في تفسيره، ومنهجه في ذلك أنه يذكر الأقوال في الحكم الذي دلت عليه الآية، كما يذكر القائلين بها وأدلتهم، مع بيان القول الراجح وعلة ترجيحه. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:- ١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨].

стр. 77

حيث قال: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض، لا يجوز إلا بإصابته. واحتجوا في ذلك بقول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. وقالوا ذكر الله في كتابه المشعر الحرام، كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله ﷺ في سنته، فحكمها واحد، لا يجزئ الحج إلا بإصابتها. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما الوقوف بعرفة، فهو من صلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة، فليس كذلك. وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب لأن الله إنما ذكر الذكر، ولم يذكر (الوقوف)، وكل قد أجمع أنه لووقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام. فإذا كان (الذكر) المذكور في الكتاب، ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون ذلك (الذكر) فيه، الذي لم يذكر في الكتاب، أحرى أن لا يكون فرضاً. وقد ذكر الله تعالى أشياء في كتابه من الحج، ولم يرد بذكرها إيجابها، حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابتها في قول أحد من المسلمين. من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]. وكل قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفاء والمروة، أن حجه قد تم، وعليه دم مكان ما نزل من ذلك. فكذلك ذكر الله المشعر الحرام في كتابه ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزئ، للحج إلا باصابته. (شرح معاني الآثار -٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩).

стр. 78

٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] حيث قال: قال أصحابنا، وعثمان البتي، والحسن بن حيّ: دية الكافر مثل دية المسلم، واليهودي، والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي سواء. وقال مالك: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك. وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث الدية، ودية المجوسي ثمانمائة، والمرأة على النصف قال أبو جعفر: ومن وجهة النظر أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]. كما قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فذكر الدية في كل واحد منهما والكفارة.

стр. 79

واتفقوا على أن الكفارة فيهما واحدة، كذلك الدية، فتأول مالك على أن المقتولين في هذه الآية (مؤمنون)، لأنه قال في أول هذه الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢] ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾] النساء:٩٢] أي: إن كان ذلك المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق. والحجة عليه: أن الله تعالى قد قال في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ النساء:٩٢] فدل ذلك على أنه تعالى لم يعطفه على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢]؛ لأنه لو كان معطوفاً عليه، لأغنى ذلك عن وصفه بالإيمان. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾] النساء:٩٢] غير مضمر فيه (المؤمن) الذي تقدم ذكره؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾] النساء:٩٢] هو الذي يلي قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢] فإذ لم يكن ما يليه معطوفاً عليه، فما بعده أولى بذلك، فثبت أن دية المسلم والكافر سواء. (مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ١٥٥ - ١٥٧)

стр. 80

المبحث التاسع: منهجه في إيراد أسباب النزول إن معرفة أسباب النزول تزيل الإشكال عن كثير من الآيات، وتعين على فهم الآية وتفسيرها، لذا نجد المفسرين اهتموا بها، فصنفوا فيها المصنفات، وذكروها في تفاسيرهم. ولقد كان للإمام الطحاوي عناية بها، فنجده يذكر أسباب النزول لكثير من الآيات، ويلتزم غالباً الترجيح أو التوفيق بين تلك الأسباب إن كان للآية أكثر من رواية في سبب نزولها. - ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨].

стр. 81

حيث قال: عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ في صلاة الصبح حين رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا ولك الحمد" في الركعة الآخرة، ثم قال: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" يدعو على ناس من المنافقين، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وعن أنس أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج، فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم؟ " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. فتأملنا هذه الآثار وكشفناها لنقف على الأولى منها بما نزلت فيه هذه الآية من المعنيين المذكورين فيها، فاحتمل أن يكون نزولها في وقت واحد يراد بها السببان المذكوران في هذه الآثار، فوجدنا ذلك بعيداً في القلوب، لأن غزوة أحد كانت في سنة ثلاث، وفتح مكة كان في سنة ثمان، ودعاء النبي ﷺ كان لمن دعا له في صلاته قبل فتح مكة، فبعيد في القلوب أن يكون السببان اللذان قيل: إن هذه الآية نزلت في كل واحد منهما كان نزولها فيهما جميعاً. واحتمل أن يكون نزولها كان مرتين: مرة في السبب الذي ذكر عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، أن نزولها كان فيه، ومرة في السبب الذي ذكر أنس أن نزولها فيه، فدخل على ذلك ما نفاه، لأنه لو كان ذلك كذلك لكانت موجودة في القرآن في موضعين كما وجدت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] الأية في موضعين: أحدهما في سورة براءة] ٧٣]، والآخر في سورة التحريم] ٩]، ولما لم يكن ذلك كذلك في الآية المتلوة في هذه الآثار، بطل هذا الاحتمال أيضاً.

стр. 82

واحتمل أن يكون نزلت قراناً لواحد من السببين المذكورين في هذه الآثار، والله أعلم بذلك السبب أيهما هو؟ ثم أنزلت بعد ذلك للسبب الآخر، لا على أنها قرآن لاحق لما نزل فيه من القرآن، ولكن على إعلام اله تعالى نبيه ﵇ بها أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمور إلى الله تعالى وحده، يتوب على من يشاء، ويعذب من يشاء، ولم نجد من الاحتمالات لما في هذه الآثار أحسن من هذا الاحتمال، فهو أولاها عندنا بما قيل في احتمال نزول الآية المتلوة فيها بها، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ٢/ ٣٩ - ٤٤)

стр. 83

المبحث العاشر: منهجه في بيان الناسخ والمنسوخ إن معرف الناسخ والمنسوخ من الأمور المهمة التي ينبغي لمن يتصدى لبيان كلام الله أن يعرفها، ولهذا أهتم به علماء المسلمين، فبحثوه في التفسير وعلوم القرآن وأصول الفقه وغيرها، لأن معرفته يترتب عليها ثبوت أو رفع حكم شرعي. ولذا كان للإمام الطحاوي عناية بهذا العلم في تفسيره حيث يذكر الآيات التي قيل بنسخها، ويبين صحة ذلك القول أو يرده. ومن الأمثلة على ذلك: - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢].

стр. 84

حيث قال: عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد، فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: "أرسلوا إلى أعلم رجلين فيكم"، فجاؤوه برجل أعور، يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال النبي ﷺ "أنتما أعلم من قبلكما؟ " فقالا: فقد نحلنا قومنا بذلك، فقال النبي ﷺ لهما: " أليس عندكم التوراة فيها حكم الله؟ "، فقالا: بلى، فقال النبي ﷺ : "فنشدتكما بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل المن والسلوى، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون ما تجدون في التوراة من شأن الرجم؟ " فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي ﷺ : "وهو ذلك"، فأمر به فرجم، ونزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢]. ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيار في أن يحكم بين اليهود إذا جاؤوه، وفي أن يعرض عنهم، فلا يحكم بينهم. فقال قوم: هذه آية محكمة، وكان ما ذكر في هذا الحديث من رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يرجمه، وقد كان له أن لا يرجمه لقول الله ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢]. أي: فلا تحكم بينهم.

стр. 85

وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهل العلم، وذكروا أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ورووا ما قالوا في ذلك. عن ابن عباس، قال: آيتان نسختا من هذه السورة، يعني سورة المائدة: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] فكان رسول الله ﷺ مخيراً إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩]. ـ قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم على كتابنا.

стр. 86

قال أبو جعفر: وكان حديث ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية المتلوة في حديثه، وكان حكم من بعد النبي ﷺ في ذلك من ولاة الأمور مثل الذي كان عليه النبي ﷺ منها في كل واحد من هذين القولين اللذين ذكرناهما، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكم بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراض عنهم، لأنهم إذا حكموا بينهم، شهد لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك، لأن من يقول: إنهم حكموا، وعليهم أن يحكموا به، يقول: قد أدوا المفترض عليهم في ذلك، ويقول الآخرون: قد حكموا بما لهم أن يحكموا به، وخرج الحكام بذلك عندهم من ترك مفترض إن كان عليهم فيه، وإذا أعرضوا عنهم وتركوا الحكم بينهم، فأحد الفريقين يقول: قد تركوا مفترضاً عليهم، والفريق الآخر يقول: قد تركوا ما لهم تركه، وكان ما يوجب النجاة لهم عند الفريقين جميعاً، أولى مما يوجب لهم النجاة عند أحد الفريقين، ولا يوجبه لهم عند الفريق الآخر. هذا لو لم تكن الآية منسوخة، فإذا وجب بحديث ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده، وحسن سياقته أن تكون منسوخة بالآية التي تلونا بعدها، كان الحكم بينهم أولى، وكان التمسك بها أحرى. (شرح مشكل الآثار - ١١/ ٤٣٥ - ٤٤١)

стр. 87

الفصل الثاني أقوال الطحاوي فى التفسير سورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن عائشة (١)،

стр. 88

قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر رسول الله ﷺ بمنبر، فوضع، ثم صلى، ووعد الناس يخرجون يوماً. فقالت عائشة: وخرج رسول ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فحمد الله تعالى، ثم قال: "إنكم شكوتم إلي جدب جنابكم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين، ملكٍ يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء" (١) قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث عن رسول ﷺ أنه قرأ في فاتحة الكتاب: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. لا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وعن أم سلمة (٢) قالت: كان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخرها، يعدها بأصابع إحدى يديه سبع آيات ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقرأ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ولم يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. (٣)

стр. 89

وعن ابن أبي حصين (١) عن جدته أم حصين (٢) أنها صلت خلف النبي ﷺ ، فقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. حتى إذا بلغ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قال: (آمين) (٣). قال أبو جعفر: وهذا الحديث من أحسن ما روي في هذا الباب. وعن أنس بن مالك (٤) قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (٥). قال أبو جعفر: فكانت هذه الآثار قد تكافأت في (ملك) و (مالك) فلم يكن بعضها أولى من بعض، فطلبنا الوجه في ذلك مما رواه غير من ذكرنا عن رسول ﷺ . فوجدنا. عن سفيان (٦)

стр. 90

عن الأعمش (١) عن أبي صالح (٢). عن أبي هريرة (٣) عن النبي ﷺ أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (٤) ووجدنا ابن فضيل (٥) قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : أنه قرأ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (٦) فاختلف سفيان وابن فضيل، عن الأعمش في هذا الحرف، فرواه كل واحد منهما عنه كما ذكرناه عنه في هذا الباب ثم نظرنا فيما روي عن أبي هريرة، كيف قرأ هذا الحرف بعد النبي ﷺ لنقف به على الصحيح مما قد روي فيه عنه، عن النبي ﷺ . فوجدنا عن أبي هريرة: أنه كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. فقوي في القلوب ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بما روي عنه أنه قرأه بعده: (مالِكِ) لا (مَلِكِ).

стр. 91

ثم نظرنا إلى ما روي في ذلك عن أبي بكر (١) وعمر (٢) ﵁ عنهما مما قرآ به هذا الحرف بعد االنبي ﷺ ، فلم نجد عن أبي بكر شيئاً في ذلك. ووجدنا عن علقمة (٣) والأسود (٤) أنهما كانا يقرآن: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].، وكانا يحدثان أن عمر كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. فقوي في القلوب أن الصحيح عن عمر في ذلك (مالِك) لا (مَلِك). ثم نظرنا في قراءة القراء من بعدهم لذلك الحرف، كيف كانت؟ فوجدنا .. عن الأعمش أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] الفاتحة:٤]. ووجدنا عن عاصم (٥): أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] الفاتحة:٤].

стр. 92

ثم رجعنا إلى ماقرأ هذا الحرف عليه غير عاصم، فوجدنا حمزة بن حبيب (١) قد قرأه: (ملكِ يوم الدين) [الفاتحة:٤]. وأما نافع (٢) فكان يقرؤها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. أيضا قال أبو عبيد (٣) ونحن نختار هذه القراءة أيضا، فذكر كلاماً فيه، ولأن (مَلِكاً) فيه ما ليس في (مالِكِ)، لأنه قد يكون (مالكاً) غير (ملكٍ)، ولا يكون (مَلِكاً) إلا (مالكاً)، ولم يختلفوا في قراءة:: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]. أنه كذلك لا ماسواه.

стр. 93

ووجدنا بعض من يحتج لمن قرأها (مالِكِ) يحتج بقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. وكان أولى ما قرأت عليه عندنا - والله أعلم- أن يرجع فيما سمى الله به نفسه إلى ما سمى الله به نفسه، فقد سمى الله نفسه في كتابه بما قد تلوناه في: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]. وبما ذكره في سورة الحشر من قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]. وبما ذكره في سورة الجمعة في قوله ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة:١]، فكان ما سمى به نفسه مما قد تلوناه في هذه الآيات أولى ما رد إليه الحرف المختلف فيه الذي قد ذكرناه من (مالكِ) ومن (ملِكٍ) إلى (مَلِكِ) لا إلى (مالكٍ)، وبالله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ١٤/ ٥ - ٢٤) الدراسة بين الإمام الطحاوي عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. قراءة (مالِك) و (مَلِكِ) الواردة في الآية، مع ذكر من قرأبهما، وبعض أوجه ترجيح كلاً من القراءتين، وموافقته لمن رجح قراءة (مَلِكِ يوم الدين): وإليك أولاً: بيان القراءات الواردة في الآية: القراءة الأولى: (مَلِكِ): بفتح الميم، وكسر اللام والكاف. - وهي قراءة: ابن عباس - وابن عمر - وأبي الدرداء ﵃. وقراءة: نافع - وابن كثير - وأبي عمرو - وابن عامر - وحمزة. (١) القراءة الثانية: (مَالِكِ): بفتح الميم، وزيادة ألف بعد الميم، وكسر اللام والكاف. - وهي قراءة: أبي بكر - وعمر - وعثمان - وعلي - وأبن مسعود - وأبي بن كعب.

стр. 94

وقراءة: عاصم - والكسائي - وخلف - ويعقوب. (١) القراءة الثالثة: (مَلِكُ): بفتح الميم، وكسر اللام، وضم الكاف. - وهي قراءة: عائشة - سعد بن أبي وقاص - ومورق العجلي ﵃ (٢) ثانياً: أوجه ترجيح كلاً من القراءتين. - أ- أوجه ترجيح قراءة: (مَلِكِ يوم الدين): ١ - أن لفظة (مَلِكِ) أعم من لفظة (مالك) إذا كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. (٣) قال الطبري: (وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي: التأويل الأول، وهي قراءة من قرأ (مَلِكِ) بمعنى: المُلك، لأن في الإقرار له بالانفراد بالملك، إيجاباً لانفراده بالمِلْكِ، وفضيلة زيادة الملك على المَالك، إذ كان معلوماً أن لامَلِك إلا وهو مالكُ، وقد يكون المالك لاملكاً.) (٤). وقد ذكر الإمام الطحاوي هذا الوجه في الترجيح نقلاً عن أبي عبيد القاسم بن سلام. ٢ - أن الله تعالى قد أخبر عباده في الآية التي قبل هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة:٢ - ٣]. قد أخبرهم بأنه مالك جميع العالمين، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فقراءة (مالك) تكرار وإعادة لما قد وصف الله به نفسه في الآية المتقدمة. أما قراءة (مَلِكِ) فليس فيها تكرار للمعنى المتقدم، إذ أن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين. (٥).

стр. 95

قال أبو علي الفارسي في رد هذا الوجه: (ولا حجة في هذا، لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص، كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] فالخالق يعم، وذكر المصور لما في ذلك من التنبيه على الصنعة ووجوه الحكمة) (١) ٣ - أن (مَلِكِ) أبلغ في الوصف والمدح من (مالك)، وذلك لعموم تصرفه فيمن حوته مملكته، وقصر تصرف المالك على ملكه، فالمَلك يفيد الامر وسعة المقدرة (٢) ٤ - أن (مَلِكِ) أوفق لألفاظ القرآن، حيث وصف الله به نفسه في عموم كتابه. مثال ذلك: قوله جل ذكره: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤]. وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾] الناس:٢] وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾] الحشر:٢٣]. وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فقد وصف الله جل وعلا ذاته بأنه الملك يوم القيامة والقرآن يعضد بعضه بعضاً، وتتناسب معانيه (٣). وقد ذكر إلامام الطحاوي هذا الوجه في الترجيح لقراءة: (مَلِكِ يوم الدين). ٥ - أن (مَلِكِ) قراءة أهل الحرمين، وهم أولى الناس بأن يقرأوا القرآن غضاً طرياً كما أنزل، وقراؤهم هم الأعلون رواية وفصاحة. (٤) ٦ - أن قراءة (مَلِكِ يوم الدين) لا تقتضي حذفاً، بخلاف قرءة (مالك). قال ابن جزي: (وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه: ٣ - أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى، (مالك) تقتضيه، لأن تقديرها: (مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين). والحذف على خلاف الأصل.

стр. 96

وأما قراءة الجماعة فإضافة (ملك) إلى (يوم الدين). فهي على طريقة الإتساع، وأجرى الظرف مجرى المفعول به. والمعنى على الظرفية، أي المَلِكَ في يوم الدين) ٧ - أن قراءة (مَلِكِ) وهي أول القرآن. توافق قوله (ملك الناس) وهي آخر القرآن (١). - وقد اختار هذه القراءة (مَلِكِ يوم الدين): أبوعبيد، وأبو العباس المبرد، وأبو جعفر النحاس، وأبو جعفر الطبري، ومحمود الزمخشري، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي. - ب- أوجه ترجيح قراءة (مَالِكِ يوم الدين): ١ - أن (مالك) أبلغ في المدح من (مَلِكِ)، لأنه قد يكون ملكاً على من لا يملك، كما يقال: (ملك العرب) وإن كان لا يملكهم، ولا يكون (مالكاً) إلا على من يملك (٢). قال أبو حاتم: (إن (مالكاً) أبلغ في مدح الخالق من (ملك) والفرق بينهما: أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكاً، كان ملكاً) (٣) ٢ - أن (المَلك) داخل تحت (المالك) (٤) والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. وقد ذكر الإمام الطحاوي هذا الوجه حجة لمن قرأ (مالك يوم الدين). ٣ - أن المالكية سبب لإطلاق التصرف، والملكية ليست كذلك (٥). (فالمالك) هو من اتصف بصفة الملك، التي من آثارها أن يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات (٦). ٤ - أن (مالك) أمدح لحسن إضافته إلى من لا تحسن إضافة (ملك) إليه. نحو: مالك الجن والإنس والطير والملائكة والسماء والأرض والسحاب. فـ (مالك) أجمع وأوسع لشموله العقلاء وغيرهم.

стр. 97

أما (ملك) فلا يحسن إضافته إلا إلى الملائكة والإنس والجن. (١) ٥ - أن في (مَالِكِ) حرفاً زائداً على قراءة (مَلِكِ) فكانت قراءته أكثر ثواباً. وذلك لأن لقارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات. فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (٢). قال أبو حيان: (ولزيادته في البناء، والعرب تعظم بالزيادة في البناء) (٣). ٦ - أن الإنقياد والخضوع في المالكية، أكمل منه في الملكية، بيان ذلك: أن الملك ملك للرعية، والمالك مالك للعبيد. والعبد مملوك فهو أقل حالاً من الرعية، كما أنه لا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه، كما أن عليه خدمة المالك، وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه. والرعية على خلاف كل هذا. فثبت بذلك أن الإنقياد والخضوع في المالكية أعلى منه في الملكية (٤). - وقد اختار هذه القراءة (مَالِكِ يوم الدين): أبو حاتم السجستاني، وأبو عبيدة، وأبو بكر ابن العربي - الترجيح: قراءة (مَالِكِ يوم الدين) و (مَلِكِ يوم الدين) كلاهما قراءة صحيحة، ثبت عن الرسول ﷺ القراءة بهما، وأخطأ من رجح إحداهما على الأخرى.

стр. 98

وهكذا كل ما ثبت عن الرسول ﷺ من القراءات لا يفضل بعضها على بعض فالكل منزل من عند الله، إذا كل قراءة منها مع الأخرى، بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علماً وعملاً (١). قال ابن كثير: وقد رجح كلاً من القراءتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة (٢). وقد ذهب إلى هذا القول: أبو المظفر السمعاني، وابن كثير، وابن عطية، والقرطبي، والقاسمي. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي من ترجيح لقراءة (مَلِكِ يوم الدين) هو خلاف القول الأولى، إذ الأولى الأخذ بالقراءتين جميعاً بدون ترجيح لإحداهما على الأخرى. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦]. قال أبو جعفر الطحاوي: ورأينا الدعاء له بالهداية دعاء قد يكون على واحد من وجهين: أحدهما: الدلالة على الأشياء المحمودة. ومن ذلك قوله الله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. .. والآخر: الثبوت على الأمور المحمودة. ومن ذلك قول الله : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. (شرح مشكل الآثار - ١٠/ ١٨١ - ١٨٢)

стр. 99

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بالهداية في الآية: هدية الدلالة والإرشاد إلى الأمور المحمودة. وهذا القول هو قول أئمة أهل اللغة، كما هو قول جمهور المفسرين. وإليك أولاً: بيان معنى الهداية في اللغة: الهداية في اللغة تكون بمعنى: الدلالة والإرشاد. قال الفيروز آبادي: الهُدى بضم الهاء وفتح الدال: الرشاد والدلالة (١). وقال ابن فارس: الهاء والدال والحرف المعتل: أصلان، أحدهما: التقدم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف. فالأول كقولهم: (هديته الطريق هداية)، أي: تقدمته لأرشده. وكل متقدم لذلك هاد. (والهادية): العصا، لأنها تتقدم ممسكها كأنها ترشده (٢). وقال الأصمعي: هداه يهديه في الدين هُدى، وهداه يهديه هداية: إذا دله على الطريق (٣). وقال أبو جعفر النحاس: وأصل هَدَى: أرشد، والمعنى: أرشدنا إلى الصراط المستقيم (٤). ثانياً: بيان أقوال المفسرين في المراد (بالهداية) في قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. القول الأول: أن المراد بـ (اهدنا) أي: دلنا وأرشدنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم. قال ابن كثير: (والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق) (٥). وقال القرطبي: (المعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه) (٦). القول الثاني: أن المراد: بـ (اهدنا): الثبات والزيادة. قال أبو المظفر السمعاني: (ذلك بمعنى طلب مزيد الهداية. ويكون بمعنى سؤال للتثبيت، (اهدنا) بمعنى: ثبتنا، كما يقال للقائم: (قم حتى أعود إليك)، أي: اثبت قائماً) (٧).

стр. 100

قال ابن جزي: (ذلك طلب للثبات على الهدى إلى الموت، أو الزيادة منه، فإن الإرتقاء في المقامات لانهاية له) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من قال بهذا القول: (ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه: دعاء الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦] فإنه إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شره في الدنيا ولا في الآخرة. لكن الذنوب هي من لوزم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة .. ، ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى؟ وأن المراد بسؤال الهدى: الثبات، أو مزيد الهداية. بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك) (٢). فشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن المراد بالهداية في الآية: الدلالة والإرشاد، لأن العبد وإن كان من المؤمنيين فإنه عن الدلالة إلى كل خير ليس من المستغنين. في كل وقت وحين. القول الثالث: أن المراد (اهدنا): جميع الأقوال المتقدمة. إذ أن هذه الأقوال اختلفت باختلاف أنظار قائليها إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مراداً بالآية، إذ لا تنافي بينها، فهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد (٣). قال ابن عطية: (والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد) (٤). الترجيح: القول الثالث هو القول الراجح في المراد بالهداية في الآية.

стр. 101

فالأولى أن يقال: إن المراد بـ (اهدنا): أي: ثبتنا على ما نحن عليه مهتدون، وزدنا هدناً فيما نحن فيه مقصرون، وأرشدنا إلى ما نحن به جاهلون (١). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 102

سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة:٧٨]. قال أبو جعفر الطحاوي: قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]. أي: إلا تلاوة، فلم يحمد ذلك منهم، كما حمد أهل الاستنباط على الاستنباط. (شرح مشكل الآثار- ١٥/ ٣١٦) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة من غيرفهم لمعناه. وهذا كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: في تلاوته (١). وسميت التلاوة. (أماني) لأمور: أ- أن الإشتقاق من (مني) إذا قدر، لأن المتمني: يقدر في نفسه ما يتمناه، وكذلك القارئ: يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. (٢) ب- ولأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمناها، وإذا مر بآية عذاب تمنى أن يوَّقاه (٣).

стр. 103

ج- ولأن التلاوة المجردة من المعرفة تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمناها على الظن والتخمين (١) - وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، وأبو عبيدة، والكسائي، والزجاج، والفراء. - وحجة أصحاب هذا القول: ١ - أن حمل الآية على هذا القول أليق بطريقة الاستثناء إذا الأصل في الاستثناء: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه (٢)، فإذا حملنا الآية على ذلك كان له نوع تعلق بما قبله، فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لايتمكنون من التدبر والتأمل. وإذا حمل على أن المراد (الأكاذيب، أو التمني والتقدير) كان الاستثناء فيه نادراً. ٢ - أن قوله تعالى في هذا الآية: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، يؤيد هذا القول. وذلك أن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن، فيكون قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] تكراراً لما سبق. بخلاف ما لوحملنا معنى الآية على التلاوة فإنه لا يكون في المتأخر تكرار للمتقدم. واعترض على هذا الاحتجاج: بأن الظن غير التمني والتقدير. وعليه فلا يلزم من القول بهذا المعنى التكرار (٣). - وقد رد هذا القول: بأنه لا يتناسب مع ما وصفهم الله جل وعلا به في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا مما فيها (٤). القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا كذباً (٥)

стр. 104

والمعنى: إلا أكاذيب مختلقة مفتعلة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد (١). تقول العرب: (أنت تَمْتني هذا القول)، أي: تختلقه. فالتمني: هو الكذب، تفعل من (مَنَى يَمْني) إذا قدَّر، لأن الكاذب يُقدَّر في نفسه الحديث ثم يقوله (٢). كما أن (التمني) تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك في الغالب يكون عن تخمين وظن، لذلك كان التمني كالمبدأ للكذب، فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني (٣). - وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد. وهو اختيار: الفراء، وأبو جعفر الطبري. - وحجة هذا القول: قوله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]. فأخبر جل وعلا أنهم يتمنون مايتمنون من الأكاذيب ظناً منهم لا يقينًا. ولو كان معنى ذلك: أنهم (يتلونه) لم يكونوا ظانين. وكذلك لو كان معناه (يشتهونه). لأن الذي يتلوه، إذا تدبره علمه، ولا يستحق بتركه التدبر لما قرأه، أن يقال عنه: إنه ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكاً في نفس ما يتلوه. ولم يكن اليهود شاكين في التوارة أنها من عند الله. وكذا المتمني فإنه في حال تمنية موجود ما يتمناه، فغير جائز أن يقال: هو شاك فيما يتمناه. فصح بذلك هذا القول وانتفى ماعداه (٤). القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: يتمنون على الله الباطل، وما ليس لهم (٥). وعلى هذا القول: تكون (إلا) بمعنى (لكن) استثناء منقطع.

стр. 105

والمعنى: لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أشياء باطلة لن تحصل لهم كتمنيهم أن يعفو الله عنهم ويرحهم ولايؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء سيشفعون لهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة (١). فقوله جل ذكره: ﴿أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] مأخوذ من التمني الذي هو تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون. وهذا مستعمل في كلام العرب، يقولون للذي يقول ما لاحقيقة له وهو يحبه (هذا مُنَّي - وهذه أُمْنِيةَ) (٢). - وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، والحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع. واختار هذا القول: أبو مسلم الأصفهاني: حيث قال: (وحمله على تمني القلب أولى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] أي: تمنيهم (٣). الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح إرادتها من الآية. لأن هذه المعاني جاءت في اللغة وليس بعضها أولى من بعض. قال ابن فارس: (منى) الميم والنون والحرف المعتل أصل واحد صحيح، يدل على تقدير شيء ونفاذ القضاء به). (٤) وقال الرازي: (الأماني) جميع أمنية، ولها معان مشتركة في أصل واحد) (٥). وقال البيضاوي: (إلا أماني) استثناء منقطع. (والأماني):جمع أمنية، وهي في الأصل: ما يقدره الإنسان في نفسه من (منى): إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب، وعلى ما يُتمنى، وعلى ما يقرأ. والمعنى: ١ - ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليداً من المحرفين. ٢ - أو مواعيد فارغة سمعوها منهم، من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة.

стр. 106

٣ - وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره) (١). وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة:١٣٠] قال أبو جعفر الطحاوي: السفه قد يكون في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سفه فلان في ماله، سفه فلان في دينه، ومنه قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]. قال أبو جعفر: عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (٢)، قال: (سفه نفسه أهلكها وأوبقها (٣)، وقد يكون ذلك ممن معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه). وقال الكسائي (٤): (السفيه: الذي يعرف الحق وينحرف عنه عناداً، وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] قال: يقول: الذين عرفوا الأمر، وعندوا عنه). (شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) (وانظر: مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٨)

стр. 107

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بالسفه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أنه السفه في الدين، الذي هو الانصراف عن الحق إلى الضلال والذي يترتب عليه الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة. وذكر قول أبي عبيدة، مؤيداً به ما ذهب إليه. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]:- القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من سَفَّه نفسه. - ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من امتهن نفسه وظلمها وأهلكها بانصرافه عن سبيل الهداية إلى سبيل الضلال. - وإلى هذا القول ذهب: أبو عبيدة - ويونس النحوي - والأخفش- والزمخشري- وأبو حيان الأندلسي - وابن كثير. (١) قال أبو عبيدة: (معنى سفه نفسه: أهلك نفسه وأوبقها). (٢) وقال ابن كثير:: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره، بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، وهو في الآخرة من الصالحين). (٣) القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من جهل أمر نفسه. (٤) - ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بما ينفع نفسه وما يضرها. (٥) وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مخلوق، وإذا جهل أنه مخلوق جهل خالقه، وإذا جهل خالقه جهل أمره ونهيه. (٦)

стр. 108

ولكون معرفة النفس طريق إلى معرفة الخالق - قال جلّ وعلا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. - وإلى هذا القول ذهب الإمام الطبري - والزجاج - - والقاسمي - والسعدي. قال الزجاج: (والقول الجيد عندي في هذا: أن (سفه) في موضع (جهل)، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه - أي لم يفكر في نفسه). (١) الترجيح: كلا القولين مراد بالآية، وذلك لأن من أعرض عن طريق الهدى مبتغياً طريق الضلال فهو جاهل بحقيقة نفسه ظالم لها، حاكم على نفسه بالهلاك والخسران في الدنيا ويوم الدين. كما أن اللغة جاءت بهذا، يقال (سفه نفسه) أي: امتهنها واستخف بها. (٢) ويقال: (سفه فلان رأيه) أي جهله، وكان رأيه مضطرباً لا استقامة له. (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة:١٥٨] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن شهاب (٤)، قال: قال عروة (٥):

стр. 109

سألت عائشة ﵂، فقلت: أرأيت قوله الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] فقلت: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها عليه كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وإنها إنما أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية (١) التي كانوا يعبدون عند المُشلّل (٢)، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، أنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما. قال ابن شهاب: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٣)

стр. 110

بالذي حدثني عروة من ذلك عن عائشة، فقال أبو بكر: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يزعمون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة الطاغية كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطوف بين الصفا والمرة، قالوا: هل علينا يا رسول الله من حرج في أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية أنزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بالصفا والمروة. والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بين الصفا والمروة، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة مع الطواف بالبيت حين ذكره. (١).
следующие страницы →