← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أما تخصيصه ﷺ هذه المساجد الثلاثة بالذكر، فهو دليل على تفضيلها على سائر المساجد، وليس فيه دلالة على نفي الاعتكاف في غيرها، كما لا دلالة فيه على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرها، فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على التخصيص. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال جلست مع أبي هريرة، فسأله رجل عن الصائم إذا أصبح وهو جنب، فقال له أبو هريرة: فلا صيام له، فقال أبو بكر قد ذكرت ذلك لأبي عبد الرحمن بن الحارث، فذكر ذلك أبي لمروان بن الحكم (٢)

стр. 142

- وهو أمير المدينة -، فقال له مروان: لتأتين عائشة وأم سلمة زوجي. النبي ﷺ ، فلتسألهما عن هذا من أمر رسول الله ﵇، فإنه لا أحد أعلم بهذا من أمر رسول الله ﷺ من نسائه، قال: فخرج أبي، وخرجت معه حتى دخلنا على أم سلمة، فسألها عن ذلك، فقالت: قد كان رسول الله ﷺ يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: ثم خرجنا من عندها، فجلسنا على باب عائشة، فبعث إليها أبي، ذكوان (١)

стр. 143

مولاها، فسألها عن ذلك، فجاءه ذكوان، فقال: تقول لك: كأن رسول الله ﷺ يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فرجع أبي إلى مروان، فذكر ذلك له، فقال: إني عزمت عليك لتأتين أبا هريرة حتى تخبره بهذا، قال: فقال له أبي: يغفر الله لك أيها الأمير، بلغتك حديثاً عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بأمر فتجيئه، حتى إذا وجدت خلافه، أمرتني أن أُعِّرفه به، قال: فقال له مروان: عزمت عليك لتفعلن، فخرج مروان حاجاً أو معتمراً، فخرجنا معه، حتى إذا كنا بذي الحليفة (١) - ولأبي هريرة بها أرض هو فيها - قمنا إليه وأنا مع أبي، فقال له أبي: يا أبا هريرة، إني أخبرت الأمير أنك قلت: من أدرك الفجر وهو جنب، فلا صيام له، فأمرني أن أسأل أزواج النبي ﷺ عن ذلك، ففعلت، فحدثتني أم سلمة وعائشة أن رسول الله ﷺ كان يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فقال أبو هريرة: لا أدري، أخبرني بذلك الفضل بن عباس (٢) .. عن النبي ﵇. (٣) ففيما روينا من هذه الآثار ما ذكره أبو هريرة فيها عن الفضل بن عباس، عن رسول الله ﷺ في منعه من الصوم من أصبح جنباً، وفيها إخبار عائشة وأم سلمة مما يخالف ذلك في منعه.

стр. 144

فقال قائل: من أين اتسع لكم أن تميلوا في هذه إلى ما روته عائشة وأم سلمة عن النبي ﵇، وتتركوا ما رواه أبو هريرة، عن الفضل، عن رسول الله ﷺ مما يخالفه دون أن تصححوهما جميعاً، فتجعلون حديث عائشة وأم سلمة عنه ﵇ إخباراً منهما عن حكمه، كان في ذلك في نفسه، وتجعلون حيث الفضل عنه في حكم غيره من أمته، حتى لا يضاد واحد من هذين المعنيين المعنى الآخر منهما. فكان جوابنا له في ذلك: أنا قد وجدنا عنه ما قد دل على أن حكمه في نفسه، كان في ذلك، كحكم سائر أمته فيه، وذلك: عن عائشة أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنباً وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ :" وأنا أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى، وأعلمكم بما أتقي) (١) ولما وقفنا بذلك على استواء حكمه وحكم سائر أمته في ذلك، عقلنا أن ذينك المعنيين قد كانا حكمين لله تعالى، نسخ أحدهما الآخر، وكان ما في حديث الفضل منهما التغليظ، وما في حديث عائشة وأم سلمة التخفيف.

стр. 145

وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا أن النسخ بلا معصية لله تعالى رحمة من الله، ورد التغليظ إلى التخفيف، ولم يكن بحمد الله في شيء مما كان من أجله هذا النسخ معصية يكون معها التغليظ، فجعلنا النسخ في هذا الحكم كان من التغليظ إلى التخفيف، وكان في ذلك وجوب استعمال ما جاء في حديث عائشة وأم سلمة دون ما في حديث الفضل، مع أنا قد وجدنا كتاب الله قد أوجب ذلك، وهو قول الله تعالى فيه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] وكان في ذلك ما قد دل على إباحة إتيان النساء في الليل إلى طلوع الفجر، ولا يكون الاغتسال الذي يوجبه ذلك الإتيان إلا في النهار، وفي ذلك ما يبيح الصوم مع الجنابة، وفيه موافقة ما في حديث عائشة وأم سلمة عن رسول الله ﵇ فيه. (شرح مشكل الآثار - ٢/ ١٤ - ١٨) الدراسة استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. وما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال في هذه المسألة. وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة، مع بيان القول الراجح منها: الأقوال في حكم صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب: القول الأول: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فصومه صحيح. - وهذا قول: عامة أهل العلم - ومنهم: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن مسعود - وابن عمر - وأبو الدرداء - وأبوذر - وعائشة وأم سلمة ﵃. وبه قال: أبو حنيفة - ومالك - والشافعي - والثوري - والأوزاعي - وأبو عبيدة - وغيرهم. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الآية.

стр. 146

ففي هذه الآية الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لم فيها من إباحة الجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم بأن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر فإنه يصبح جنباً ولا يتأتى له الغسل إلا بعد الفجر، ومع ذلك حكم بصحة صومه بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] (١). ٢ - حديث يعلى بن عقبة قال: أصبحت جنباً وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته، فقال لي: أفطر، فأتيت مروان فسألته، وأخبرته بقول أبي هريرة فبعث عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة، فسألها، فقالت: كان النبي ﵇ يخرج لصلاة الفجر ورأسه يقطر من جماع، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان، فأخبره، فقال: ائت أبا هريرة، فأخبره، فأتاه، فقال: إني لم أسمعه من النبي ﷺ ، إنما حدثنيه الفضل، عن النبي ﵇ ". (٢) فدل هذا الحديث على: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فإن صومه صحيح. ٣ - أن الغسل شيء يجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار فيجب الغسل ولا يحرم عليه، بل يتم صومه إجماعاً، فكذلك إذا احتلم ليلاً، بل هو من باب أولى. (٣) القول الثاني: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فلا صوم له. - وهذا قول: أبي هريرة - والحسن بن صالح. وكان أبو هريرة يروي ذلك عن الرسول ﷺ ثم رجع عنه. (٤) - ومن أدلة هذا القول:-

стр. 147

استدل أصحاب هذا القول بالحديث المتقدم - حديث يعلي بن عقبة - من جهة أن ما ذكرته عائشة ﵂ هو مما أختص به النبي ﷺ ، وأما ما ذكره أبو هريرة فهو حكم غيره من أمته. (١) - وقد رد هذا الاستدلال من وجوه: ١ - أن حمل قول عائشة ﵂ على الخصوصية لا يصح، وذلك لأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. بل ورد صريحاً ما يدل على عدم الخصوصية (٢)، وهو: ما ورد عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة ﵂: أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ : " وأنا أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: " والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى، وأعلمكم بما أتقي ". (٣) فدل هذا الحديث على: أن حكم الرسول ﷺ في ذلك كحكم سائر أمته فيه (٤). ٢ - أن قول أبي هريرة ﵁ يحمل على أحد الأمور التالية: أ - يحمل على من أدركه الفجر مجامعاً وبقي على ذلك بعد طلوع الفجر عالماً بذلك.

стр. 148

ب - يحمل على أنه قول منسوخ بالآية، وبقول عائشة ﵂، وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع والأكل والشراب محرماً في الليل بعد النوم، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه. (١) وإلى دعوى النسخ، ذهب: ابن المنذر - والخطابي - وابن دقيق العيد - وابن حجر - وغيرهم. (٢). ورد هذا الاحتمال: بأن من ادعى النسخ لا تاريخ معه يثبت صحة ذلك. (٣) ج - يحمل على أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر. فلو خالف ذلك جاز، ولذلك فعله الرسول ﷺ لبيان الجواز. (٤) وهذا الاحتمال هو الأقرب، جمعاً بين الأقوال. وحديث عائشة أولى بالاعتماد، لأنها أعلم بمثل هذا من غيرها، ولأن قولها هو الموافق لظاهر القرآن. القول الثالث: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب، وكان عالماً بجنابته: فلا صوم له. - وهذا قول: عروة بن الزبير - وعطاء - وطاووس - والنخعي. (٥) القول الرابع: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فإنه يتم صومه ويقضي. - وهذا قول: الحسن البصري - وسالم بن عبد الله. (٦) الترجيح: والراجح هو القول بصحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، لظاهر الأدلة المتقدمة. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المسألة. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة:١٩٥]

стр. 149

قال أبو جعفر الطحاوي: عن أسلم أبو عمران (١)، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر (٢)، وعلى أهل الشام رجل، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم، حتى دخل فيه، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه: سبحان الله، ألقى بيده الي التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري (٣)،

стр. 150

صاحب رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، إنما أنزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا لبعضنا بعض سراً من رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها، وأصلحنا منها ما قد ضاع، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما قد هممنا به، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله تعالى. (١) ففي هذا الحديث أن التهلكة المذكورة في هذه الآية هي التهلكة في الدين وكان معنى ذلك: أن من بلغت حاله من ترك الغزو الامتناع من النفقة في سبيل الله، كما قد كانت الأنصار عليه، ثم همت بخلافه، هلاك. ومثله ما قد روي عن رسول الله ﷺ ، كما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال:" إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم " (٢). وكان ذلك على الهلاك في الدين لا فيما سواه.

стр. 151

ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله ﷺ في المراد بهذه الآية عندهم مما لم يذكروا فيه أن نزولها كان فيه، كما ذكره أبو أيوب في حديثه الذي ذكرناه عنه. فوجدنا عن قيس (١)، قال: قال رجل لعمر - وقُتل خاله -: يا أمير المؤمنين، إن قوماً يزعمون أن خالي ممن ألقى بيده إلى التهلكة، قال: بل هو من الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. قال أبو جعفر: ولم يذكر في هذا الحديث السبب الذي قيل لخاله من أجله ما قيل، غير أنا قد أحطنا علماً أنه من أسباب القتال في سبيل الله. ووجدنا عن أبي إسحاق (٢): أن رجلاً قال للبراء (٣): أحمل على الكتيبة في ألف بالسيف من التهلكة؟ قال: لا، إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، ثم يلقي بيديه، يقول: لا يغفر لي وعن ابن عباس: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾] البقرة:١٩٥] قال: أنفقوا في سبيل الله، ولا تمسكوا النفقة في سبيل الله، فتهلكوا قال أبو جعفر: يريد أنه ينفق في سبيل الله من قليل المال كما ينفق من كثيره، على التحذير منه إياه أن يترك ذلك، فيدخل في الوعيد الذي قد ذكرنا وقال حذيفة (٤)

стр. 152

في تأويل هذه الآية: (في النفقة) وعن ابن عباس، في قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: (لا يقولن أحدكم: إني هالك، لا أجد شيئاً، إن لم يجد إلا مِشْقصِاً (١) فليجاهد به في سبيل الله . فكل هؤلاء الذين روينا عنهم هذه الآثار يخبرون: أن التهلكة المذكورة في الآية التي تلونا ليست في لقاء العدو بالقتال الذي ليس مع من لقيهم من الطاعة ما لا يؤمن عليه منهم قتلهم إياه، وأنه في فعله ذلك غير مذموم فيه. فقال قائل: كيف تقبلون هذا، وقد رويتم في تأويل هذه الآية خلافه؟ فذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري (٢)، أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده يستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلىعمرو بن العاص (٣)، وهو على جند من الأجناد، فأرسل إليه عمرو، فرده، وقال له عمرو: إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].

стр. 153

قال: فهذا عمرو بن العاص قد جعل لقاء العدو بمثل ما طلب ذلك الرجل لقاءهم عليه من التهلكة. وكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الذي كان من عمرو ليس فيه إخبار عن السبب الذي فيه نزلت الآية، وحديث أبي أيوب فيه الإخبار عن السبب الذي فيه نزلت، وفي خبر أبي أيوب التوقيف على السبب الذي فيه نزلت، وهم فلم يعلموا نزولها، ولا السبب الذي أريد بنزولها فيه، إلا من رسول الله ﷺ بتلاوته إياها عليهم، وبإخباره إياهم السبب الذي نزلت فيه. وعمرو بن العاص قد يحتمل أن يكون ما قاله مما في حديثه الذي رويناه عنه كان ما تأولها عليه مما هو له واسع، إذ كانت محتملة لما تأولها عليه، ولو وقف على ما كان من رسول الله ﷺ مما يخالف ذلك لتمسك به، ولرد تأويله إليه، ولم يقل في تأوليها خلافه، والذي يكون ممن يطلب في قتال العدو، وتأول في حديث عمرو هذا مما يطلب به النكاية في العدو، وصاحبه محمود عليه، والله أعلم، الذي أراده عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الذي رويناه عنه في هذا الباب، حتى تلا من أجله الآية التي تلاها، وهي: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤]، وهي أجل المراتب وأعلاها. وقد كان من جعفر بن أبي طالب (١) يوم مؤتة مثل ذلك.

стр. 154

كما عن يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير (١)، عن أبيه، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة، قال: شهد مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃، فرأيت جعفراً حين لاحمه القتال، اقتحم على فرس له شقراء، ثم عقرها، وقاتل القوم حتى قتل، فكان أول رجل عَقَر في سبيل الله يومئذ. قال أبو جعفر: وذلك كان منه بحضرة من بقي من الأمراء الذين كانوا معه، وهو بحضرة عبد الله بن رواحة (٢)، وبحضرة من خلفه في القتال، وهو خالد بن الوليد (٣) الذي حمده رسول الله ﷺ ، وسماه لذلك: سيف الله، وبحضرة من كان سواهما من المسلمين ذلك منه، ولم ينكروه عليه. ومما نحيط علماً به: أنه قد تناهى إلى رسول الله ﷺ من فعله، فلم ينكره عليه، ولم ينه المسلمين عن مثله، فدل ذلك على أن هذا الفعل من أجلّ الأفعال، وأن الثواب عليه من أعظم الثواب من الله ، وأن تأويل الآية التي تلوناها كما رويناه، عن أبي أيوب في تأويلها لا كما سواه مما يخالف ذلك. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٩٩ - ١٠٨)

стр. 155

بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في المراد (بالتهلكة) في الآية، مرجحاً أن المراد بها: ترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله والركون إلى الدنيا، اعتماداً على ما روي عن أبي أيوب الأنصاري في سبب نزول الآية. وإليك بيان الأقوال في المراد (بالتهلكة) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]:- - القول الأول: أن المراد بالتهلكة: ترك النفقة في سبيل الله. - فعن أبي جبيرة بن الضحاك ﵁ قال: كان الأنصار يتصدقون ويعطون ما شاء الله، فأصابتهم سنة، (١) فأمسكوا فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. (٢) - وهذا قول: ابن عباس - وحذيفة بن اليمان - والحسن - ومقاتل - وعطاء - وعكرمة ومجاهد - والضحاك - وجمهور الناس. (٣) - القول الثاني: أن المراد بالتهلكة: ترك الجهاد في سبيل الله.، والركون إلى الدنيا.

стр. 156

الدراسة - فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا بيننا معشر الأنصار، خَفياً من رسول الله ﷺ : إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله الخبر من السماء: ﴿أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد) (١) - وهذا قول: أبي أيوب الأنصاري ﵁. (٢) - القول الثالث: أن المراد بالتهلكة: ترك التوبة من المعاصي. - فعن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. قال: هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله له. (٣) - وهذا قول: البراء بن عازب - والنعمان بن بشير - وعبيدة السلماني - ومحمد بن سيرين. (٤) - القول الرابع: أن المراد بالتهلكة: الخروج في سبيل الله بغير نفقة ولا قوة.

стр. 157

- فعن زيد بن أسلم ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: (إذا لم يكن عندك ما تنفق، فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوة، فتلقي بيديك إلى التهلكة). - وهذا قول: زيد بن أسلم. (١) - القول الخامس: أن المراد بالتهلكة: التقحم في القتال من غير نكاية في العدو. - فعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الاسود الزهري، أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده يستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، وهو على جند من الأجناد، فأرسل إليه عمرو، فرده، وقال له عمرو: إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. (٢) - وهذا قول: عمرو بن العاص - وأبي القاسم البلخي. (٣) الترجيح: والقول الراجح هو: أن جميع الأقوال المتقدمة يصح إرادتها بالآية. لأن وقوع الفعل (تلقوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد إلى التهلكة. كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الوارد في الآية. (٤) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 158

قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة:١٩٦]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن سالم بن عبد الله (١) أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج) (٢)

стр. 159

فقال قائل: ممن كره القران والتمتع، لمن استحبهما: اعتللتم علينا بقول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. في إباحة المتعة، وليس ذلك كذلك. وإنما تأويل هذه الآية، ما روي عن عبد الله بن الزبير. (١) عن إسحاق بن سويد، (٢) قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول: (يا أيها الناس، ألا إنه والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجاً، فيحبسه عدو، أو مرض، أو أمر يعذر به، حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف به سبعاً، ويسعى بين الصفا والمروة، ويتمتع بحله إلى العام المقبل، فيحج ويهدي). قالوا: فهذا تأويل هذه الآية. قيل لهم: لئن وجب أن يكون تأويلها كذلك لقول ابن الزبير، فإن تأوليها أحرى أن لا يكون كذلك، لما رويناه عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه من بعده، مثل عمر، وعلي ﵄، ومن ذكرنا معهما فيما تقدم من هذا الباب ..

стр. 160

قال أبو جعفر: فهذا من ذكرنا من أصحاب رسول الله ﷺ ، قد صرف تأويل قول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] إلى خلاف ما صرف إليه عبد الله بن الزبير، وهو أصح التأويلين عندنا، والله أعلم، لأن في الآية ما يدل على فساد تأويل ابن الزبير، لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] والصيام في الحج، لا يكون بعد فوت الحج، ولكنه قبل فوته. ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] فكان الله إنما جعل المتعة، وأوجب فيها ما أوجب على من فعلها إذا لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. وقد أجمعت الأمة أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام، أو غير حاضري المسجد، ففاته الحج، أن حكمه في ذلك وحكم غيره سواء، وأن حاله بحضور أهله المسجد الحرام، لا يخالف حاله ببعدهم عن المسجد الحرام. فثبت بذلك أن المتعة التي ذكرها الله في هذه الآية، هي التي يفترق فيها من كان أهله بحضرة المسجد الحرام، ومن كان أهله بغير حضرة المسجد الحرام، وذلك في التمتع بالعمرة إلى الحج التي كرهها مخالفنا. (شرح معاني الآثار - ٢/ ١٤٢ - ١٥٧). الدراسة بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في المراد بالتمتع في الآية، ورجح أن المراد بالتمتع هو: تمتع من خلي سبيله، دون تمتع المحصر، وذلك بدلالة الآية والسنة. وإليك بيان الأقوال في المراد (بالتمتع) في الآية: - القول الأول: أن الآية فيمن خلي سبيله.

стр. 161

وصفة هذا التمتع: أن يهل الحاج بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، وذلك إذا كان مسكنه خارجاً عن الحرم، ثم يأتي حتى يصل البيت، فيطوف لعمرته، ويسعى ويحلق في تلك الأشهر بعينها، ثم يحل بمكة، ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه، وفي تلك الأشهر بعينها، من غير أن ينصرف إلى بلده. - وهذا قول: الجمهور، وقد رجحه الإمام الطحاوي. - ودليل هذا القول: قوله جل وعلا في الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فثبت بذلك أن المتعة التي ذكرها الله في هذه الآية هي التي يفترق فيها من كان أهله بحضرة المسجد الحرام، ومن كان أهله بغير حضرة المسجد الحرام، وهي المتعة الواردة في حق من خلي سبيله، لأن الأمة قد أجمعت على أن من فاته الحج بالإحصار، أن حكمه في ذلك وحكم غيره سواء، وأن حاله لا يختلف سواء كان أهله بحضرة المسجد الحرام أو بغير حضرة المسجد الحرام. - القول الثاني: أن الآية في المحصورين. وصفة هذا التمتع: أن يحصر الحاج حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت ويحل بعمرة، ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل، ثم يحج ويهدي. - وهذا قول: عبد الله بن الزبير - وابن مسعود - وإبراهيم النخعي - وسعيد بن جبير، وقد رجحه الإمام الطبري. (١) - ودليل هذا القول: قوله جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]: فثبت بذلك أن التمتع المذكور في هذه الآية هو تمتع المحصر، لأن الآية جاءت في مخاطبة المحصر دون غيره. - القول الثالث: أن الآية في المحصر، وغيره ممن خلي سبيله. - وهذا قول: ابن عباس ﵁ وإليه ذهب: الإمام أبو جعفر النحاس - وأبو حيان الأندلسي.

стр. 162

الترجيح: والراجح هو القول الثالث، بدلالة قول جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فهذا الحكم الوارد في الآية ثابت للمحصر وغيره، فكذلك ينبغي أن يكون التمتع المذكور في الآية ثابت للمحصر وغيره. وبدلالة قول الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]: فالمراد بالآية: أي: إذا كنتم في حال أمن وسعة من أول الأمر، أو كان حاصلاً لكم بعد الإحصار، فتمتعوا بالعمرة إلى الحج. فظاهر الآية دال على أنها عامة في المحصر وغيره، فوجب حمل الآية علىلقول بالعموم، لعدم المانع من ذلك، وثبوت حكم التمتع للمحصر وغيره. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة:١٩٧] قال أبو جعفر الطحاوي: أن الأشياء قد تجمع في شيء واحد، وأحكامها في أنفسها مختلفة، من ذلك قول الله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. فجمع الله هذه الأشياء في آية واحدة، ونهى عنها نهياً واحداً، وكانت مختلفة في أحكام ما نهى عنها فيه، لأن الرفث هو الجماع، وهو يفسد الحج، وما سوى الرفث من الفسوق والجدال لا يفسد الحج. (شرح مشكل الآثار - ٧/ ٤١٤)

стр. 163

بين الإمام الطحاوي أن المراد بـ (الرفث) المنهي عنه في الحج هو: الجماع. وإليك بيان الأقوال في المراد بالرفث في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾:- - القول الأول: أن المراد بالرفث في الآية: هو الجماع خاصة دون غيره - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وابن مسعود - وعطاء بن أبي رباح - وعطاء بن يسار - وعكرمة - ومجاهد - وقتادة - والنخعي - والزهري - وغيرهم. وإليه ذهب الإمام أبو جعفر الطحاوي. - ودليل هذا القول: أن كلمة (الرفث) جاءت في موضع آخر من كتاب الله تعالى، وأريد بها الجماع (١) وذلك في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]. - القول الثاني: أن المراد بالرفث في الآية: هو الإفحاش للمرأة في الكلام فيما يتعلق بالجماع. وذلك بأن يقول الرجل لامرأته: إذاحللنا فعلت بك كذا وكذا، صراحة لا يكني عن ذلك. - وهذا قول: ابن عباس - وقتادة. (٢) - ودليل هذا القول: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، فليقل إني صائم). (٣) ومعلوم أن الرفث في هذا الحديث لا يحتمل إلا الإفحاش في القول، فكذلك الرفث في الآية ينبغي أن يحمل على الإفحاش في القول دون غيره. - القول الثالث: أن المراد بالرفث في الآية: هو كل ما يتعلق بالجماع، فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع. - وهذا قول: ابن عباس - والحسن - والطبري. (٤)

стр. 164

الدراسة - الترجيح: والراجح هو القول الثالث بدلالة اللغة، فإن الرفث في اللغة: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من أهله. (١) فيجب حمل الآية على هذا المعنى العام. إذ لم يرد دليل يخص بعضه دون سائره. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة:١٩٨]. قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض، لا يجوز إلا بإصابته. واحتجوا في ذلك بقول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. وقالوا: ذكر الله في كتابه المشعر الحرام، كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله ﷺ في سنته، فحكمها واحد، لا يجزئ الحج إلا بإصابتها. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما الوقوف بعرفة، فهو من صلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة، فليس كذلك. وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب لأن الله إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام. فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب، ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون ذلك الذكر فيه، الذي لم يذكر في الكتاب، أحرى أن لا يكون فرضاً.

стр. 165

وقد ذكر الله تعالى أشياء في كتابه من الحج، ولم يرد بذكرها إيجابها، حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابتها في قول أحد من المسلمين. من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وكل قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة، أن حجه قد تم، وعليه دم مكان ما نزل من ذلك. فكذلك ذكر الله المشعر الحرام في كتابه، ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابته. (شرح معاني الآثار - ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. غير دال على فرضية الوقوف بالمزدلفة، وإليك بيان هذه المسألة: فأقول وبالله التوفيق: لم يختلف أهل العلم في أن المراد بالمشعر الحرام المذكور في الآية هو: المزدلفة. ولكن اختلفوا في مسألة: هل الآية دالة على فرضية الوقوف بالمزدلفة؟ وذلك على قولين: - القول الأول: أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يصح الحج إلا به. ومن تركه كان عليه الهدي، والحج من السنة التي بعدها. - وهذا قول: عكرمة - والحسن البصري - والأوزاعي - والنخعي - والشعبي - والشافعي. - ومن أدلة هذا القول: ١ - قول تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. فظاهر الآية يقتضي فرضية الوقوف بالمزدلفة. - وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآية ليس فيها دلالة على ما ذكروا، لأن الله جل وعلا أمر في هذه الآية بالذكر عند المشعر الحرام، ولم يأمر بالوقوف عند المشعر الحرام. كما أن جمهور الأمة قد اتفقوا على أن الذكر عند المشعر الحرام غير فرض، فتركه لا يوجب نقصاً في الحج.

стр. 166

فكيف نقول بفرضية أمر لم يرد له ذكر في الآية. (١) ٢ - حديث عروة بن مضرس الطائي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟، فقال رسول الله ﷺ : (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه). (٢) - وقد رد هذا الاستدلال: بأن الحديث غير دال على فرضية الوقوف بالمزدلفة، وذلك لأن الحاج لو بات بالمزدلفة ولم يذكر الله تعالى، ولم يشهد الصلاة فيها، فإن حجه صحيح. والمبيت ليس من ضرورة ذكر الله بها فكان أولى بالحكم. فيتعين حمل الحديث على مجرد الإيجاب لا الفرضية. (٣) ٣ - أن في الحج وقوفان: وقوف بعرفة، ووقوف بالمزدلفة، وقد ذكرا في القرآن والسنة، واتفقنا على فرضية أحدهما، فيجب القول بفرضية الآخر. كما أن الركوع والسجود لما ذكرا معنا كان لهما حكم واحد وهو فرضيتهما في الصلاة. - وقد رد هذا الاستدلال من وجوه: أ- أن هذا القول يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن والسنة فرضاً، وهذا لم يقل به أحد. ب- أنه لا يلزم من فرضية أمر، فرضية مشاكله وملازمه. جـ- أن الله جل وعلا لم يذكر الوقوف بالمزدلفة، وإنما ذكر الذكر بالمزدلفة، والذكر ليس بمفروض عند الجميع، فالوقوف الذي لم يذكر أولى منه بهذا الحكم.

стр. 167

- القول الثاني: أن الوقوف بالمزدلفة واجب، ومن تركه فحجه صحيح، وعليه دم. - وهذا قول: جمهور أهل العلم. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة، من أدرك عرفة، فقد أدرك الحج). (٢) فظاهر الحديث يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة هو الركن دون غيره. ولو كان الوقوف بالمزدلفة ركناً لم يكن الوقوف بعرفة كل الحج بل بعضه، ولم يكن مدركاً للحج بدونه، ولكن الحديث دل على خلاف ذلك. ٢ - أن ترك الوقوف بالمزدلفة جائز لعذر، ولو كان فرضاً لما جاز تركه مطلقاً، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، بل واجب. الترجيح: والراجح هو القول بأن الوقوف بالمزدلفة واجب، وذلك لأن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولا دليل على ذلك. (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة:٢٠٣].

стр. 168

قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الرحمن الديلي، (١) قال: (رأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفات، فأقبل أناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج، فقال: "الحج يوم عرفة، من أدرك جمعاً قبل صلاة الصبح، فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، ثم أردف خلفه رجلاً ينادي بذلك) (٢) فسأل سائل، فقال: ما معنى قوله : ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣].، والمتأخر فقد استوفى الأيام التي أمره الله بالمقام فيها بمنى، ومن كانت هذه سبيله لم يجز أن يقال: فلا إثم عليه فيما فعل، كما لا يجوز أن يقال: لا إثم على من صلى صلاة الظهر، ولا على من صلى الصلوات الخمس كلها، وإنما يجوز أن يقال: لا إثم على من قصر عن شيء أمر به، ورخص له مع ذلك ترك بعضه أو ترك كله. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك، لأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، فكان المقيم إلى النفر الآخر تاركاً لرخصة الله ، فيرفع الله عنه الإثم في ذلك لقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار - ٨/ ٤٣٨ - ٤٤٠).

стр. 169

الدراسة أجاب الإمام الطحاوي عن إشكال يرد على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وهذا الإشكال هو: كيف ينفي الله جل وعلا الإثم عمن أتم المناسك، وأكمل أيام منى ثلاثة أيام، مع أن مثل هذا هو في مقام من يستحق الثواب وليس في مقام من ينفى عنه العقاب؟ أجاب الإمام الطحاوي عن ذلك، ببيان أن المتأخر لما كان تاركاً لرخصة الله في جواز التعجل، رفع الله عنه الإثم في ذلك. - وقد أجاب المفسرون عن هذا الإشكال الوارد على الآية بالأجوبة التالية: ١ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] نفي عام، وتبرئة مطلقة، وعليه فالمراد بالآية: أن من تعجل في يومين فمغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر فمغفور له لا إثم عليه. - وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن مسعود - وأبي ذر ﵃. (١) - وهذا القول مؤيد بحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه). (٢) ٢ - أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]: أن الله جل وعلا لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، فلما كان هذا الاحتمال قائماً. أزال الله تعالى هذه الشبهة، وبين أن لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل، ولم يجر على موجب الرخصة، إذ لا إثم عليه في الأمرين جميعاً.

стр. 170

- وإلى هذا القول ذهب: الإمام الطحاوي - والإمام أبو المظفر السمعاني. (١) - وهذا القول مؤيد بقول الرسول ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه). (٢) ٣ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] جاء للدلالة على أن التعجل والتأخر، مخير فيهما، وبيان أن كلا الأمرين مباح لا حرج فيه. إذ أن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من جعل المتعجل آثماً، ومنهم من جعل المتأخر آثماً، فورد القرآن بنفي الإثم عنهم جميعاً. - وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والحسن - وعكرمة. (٣) ٤ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] المرا د منه: أنه لا إثم عليه، إن اتقى الله جل وعلا فيما بقي من عمره. وهذا قول: ابن عباس - وقتادة - وأبي العالية. (٤) الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح أن تكون جواباً عن الإشكال الوارد على الآية، وبياناً للمراد بها، وليس بعضها أولى بالترجيح من بعض. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 171

قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة:٢٢٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) وعن أبي سعيد: (٢) أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أثْفَرَها، (٣) فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (٤) ففي هذين الحديثين ما قد ذكر قوم أنهم استدلوا به على الإباحة لهذا المعنى المذكور فيها. فتأملنا ما روي في ذلك من غير هذين الحديثين، فوجدنا عن جابر بن عبد الله: (٥)

стр. 172

أن اليهود قالوا: من أتى امرأته في فرجها من دبرها خرج ولده أحول. فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) فكان ما في هذه الآثار مما يدفع ذلك. ووجدنا عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة مدبرة جاء ولدها أحول، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : (مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج من قبلها لا إلى ما سواه). (٢) فعادت هذه الآثار في الحظر لوطء النساء في أدبارهن لا إلى الإباحة لذلك. وقد ذكر قوم أن الآية كان نزولها في غير هذا المعنى، وذكر في ذلك: عن ابن عباس أنه قال: جاء عمر ﵁ إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: (وما أهلكك)؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] " أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة " (٣) فكان في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية غير السبب الذي ذكر فيما تقدم مما ذكرناه وفيما تقدم منا في هذا الباب، وكان فيه المنع من وطء النساء في أدبارهن، كالمنع من وطئهن في حيضهن.

стр. 173

فكان في هذا الحديث إنما دار على ابن عباس، فنظرنا: هل روي عن ابن عباس ما يخالفه أم لا؟ فوجدنا ابن عباس، يقول: إن ناساً من حمير أتوا رسول الله ﷺ يسألونه عن النساء، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ﴿البقرة:٢٢٣]. فقال رسول الله ﷺ : (ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج). (١) ففي هذا الحديث: أن سبب نزول هذه الآية في خلاف السبب المذكور نزولها فيه لما سبقت روايتنا له عن ابن عباس في هذا الباب، والمنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن ووجدنا عن زائدة بن عمير الطائي، (٢) قال: (سألت ابن عباس عن العزل، فقال: قد أكثرتم، فإن كان رسول الله ﷺ قال فيه شيئاً، فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه ﷺ ، فأنا أقول فيه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، فإن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا، أي ذلك فعلتم فلا بأس). (٣) فهذا ابن عباس قد حمل تأويل الآية على خلاف ما روي عنه مما ذكر أن نزولها كان فيه. ثم نظرنا: هل روي في نزولها شيء عن غير ابن عباس، وعن غير من ذكرنا في هذا الباب سواه؟ فوجدنا .. عن كعب بن علقمة (٤)،

стр. 174

عن أبي النضر (١): أنه أخبره أنه قال لنافع (٢) - مولى عبد الله بن عمر - إنه قد أكثر عليك القول: أنك تقول عن ابن عمر- أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع: كذبوا علي، ولكني سأخبرك كيف كن الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يوماً، وأنا عنده حتى بلغ قوله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] قال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قال: قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهُنّ مثل الذي نريد، فإذا هُنّ قد كرهن وأعظمن ذلك، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] (٣). فكان في هذا الحديث عن ابن عمر أن نزول هذه الآية كان للمعنى المذكور نزولها فيه، لا لما سوى ذلك من إباحته لوطء، النساء في أدبارهن.

стр. 175

فقال قائل: فقد روي عن ابن عمر إباحته، وذكر عن أبي الحُباب سعيد بن يسار (١): (أنه سأل ابن عمر عنه - يعني وطء النساء في أدبارهن - فقال: لا بأس به) (٢). فكان جوابنا له: أنه قد روي عن ابن عمر من ناحية سعيد بن يسار ما يخالف هذا كما عن سعيد بن يسار بي الحباب، قال: (قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أحمض لهن. قال: وما التحميض؟ (٣) فذكرت الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!). (٤). فهذا ابن عمر قد روي عنه ضد ما ذكرت، وإذا كان ذلك كذلك، كان كأنه لم يرو عنه فيه. ولقد قال ميمون بن مهران (٥) في ذلك .. . - وذكر له عن نافع ما حكي عنه من إباحة وطء النساء في أدبارهن، فقال:- إنما قال ذلك نافع بعدما كبر، وذهب عقله.

стр. 176

وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر كما .. عن موسى بن عبد الله بن الحسن (١): أن أباه سأل سالم بن عبد الله: أن يحدثه بحديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأساً في إتيان النساء في أدبارهن. فقال سالم: كذب العبد، أو قال: أخطأ، إنما قال: لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن (٢). ثم رجعنا إلى تأويل قول الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة:٢٢٣]. فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل، وكان النسل موجوداً في الوطء في الفرج، ومعدوماً في الوطء في غيره، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل لا ما لا يكون عنه نسل، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعاً يذهبون إليه في هذا الباب. (شرح مشكل الآثار - ١٥/ ٤١٠ - ٤٣٤). قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة:٢٢٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي سعيد أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أتعزبها (٣)،

стр. 177

فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن وطء، المرأة في دبرها جائز، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وتأولوا هذه الآية على إباحة ذلك. وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا وطء، النساء في أدبارهن، ومنعوا من ذلك، وتأولوا هذه الآية على غير هذا التأويل. عن جابر، أن اليهود قالوا: من أتي امرأته في فرجها، من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (٢) قالوا: فإنما كان من قول اليهود، ماذكرنا، فأنزل الله ذلك، دفعاً لقولهم، وإباحة للوطء في الفرج من الدبر ومن القبل جميعاً. .. وقد روى آخرون هذا الحديث .. على ما ذكرنا وزاد فيه: (إذا كان ذلك في الفرج). عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين: (من أتى امرأته وهي مدبرة، جاء ولدها أحول) فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. فقال رسول الله ﷺ : (مقبلة ومدبرة، ما كان في الفرج) (٣) ففي توقيف النبي ﷺ إياهم في ذلك على الفرج، إعلام منه إياهم أن الدبر بخلاف ذلك وقد احتج أهل المقالة الأولى أيضاً لقولهم، بما .. عن محمد بن كعب القرظي (٤)

стр. 178

أنه كان لا يرى بأساً بإتيان النساء في أدبارهن، ويحتج في ذلك بقوله : ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] أي: من أزواجكم مثل ذلك، إن كنتم تشتهون ٠ قيل لهم: ومن يوافق محمد بن كعب على هذا التأويل؟ قد قال مخالفوه: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما قد أحل لكم من جماعهن في فروجهن). وهذا التأويل - عندنا- أولى من التأويل الأول، لموافقته لما جاء عن النبي ﷺ مما قد ذكرنا. (شرح معاني الآثار- ٣/ ٤٠ - ٤٦). الدراسة بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. والمبني على الآثار الواردة في سبب نزول هذه الآية. مرجحاً أن المراد بها إباحة إتيان المرأة على أي صفة كانت، ولكن في الموضع الذي يكون منه النسل دون غيره. وإليك بيان الأقوال الواردة في المراد بالآية: القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. أي: كيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. - وهذا قول: جمهور علماء الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين (١). - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] خص الإتيان بالموضع الذي يكون فيه الحرث والذي يكون منه الولد، وهو الفرج دون غيره (٢).

стр. 179

٢ - الرواية الواردة في سبب نزول الآية: فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: (كانت اليهود تقول: إذا أتي الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) فدل السبب الوارد في نزول الآية على أن المراد بها: إباحة إتيان المرأة على كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: إذا شئتم، ومتى شئتم، في أي وقت من أوقات الحل، يعني إذا لم تكن في زمن إحرام أو صوم أو نفاس أو حيض أو نحو ذلك. وهذا قول: ابن عباس- والضحاك. (٢) القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]،أي: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلاتعزلوا. - وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن المسيب (٣). ويرد هذا القول: أن العزل لا يدخل تحت (أنى)، لأن (أنى) حرف استفهام عن الحال والمحال، ولأن حال الجماع لا يختلف بذلك العزل. (٤) القول الرابع: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: حيث شئتم، وأين شئتم. وهو قول يوهم جواز الإتيان في الدبر. - وهذا القول: محكي عن ابن عمر - ومالك بن أنس ﵃. - ومن أدلة هذا القول:

стр. 180

١ - ماروي في سبب نزول هذه الآية: فعن عبد الله بن عمر ﵁: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فدلت الآية على جواز الإتيان في الدبر، لأن العموم يقتضي الإباحة. - وهذا القول ظاهر الفساد من وجوه عدة:- ١ - أن سالم بن عبد الله لمابلغه أن نافعاً تحدث بذلك عن بن عمر ﵁ قال: كذب العبد إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. كما أن ابن عباس ﵁، عند ما سمع هذا عن ابن عمر وهمه فيه، كما أنه قد روي عنه خلاف ذلك، وتكفيره لمن فعله، وهذا هو اللائق به ﵁. وأما مالك فقد تبرأ من ذلك، وقال إنما الحرث في موضع الزرع، كما أنكر أصحابه أن يكون هذا من قوله (٢). وبناء على هذا فإن السبب الوارد عن ابن عمر في الآية غير محتج به في المراد بها، ويبقي السبب الوراد عن جابر ﵁ هو السبب الصحيح الدال على المراد بالآية. ٢ - أن الآية دالة بلفظها على بطلان هذا القول، فإن الآية نبهت على أن محل الولد الفرج، بقوله جل ذكره (فأتوا حرثكم) فلا يجوز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه الولد، وعليه فلا يجوز حمل (أنى شئتم) على التخيير في المكان. (٣).
следующие страницы →