← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر كما .. عن موسى بن عبد الله بن الحسن (١): أن أباه سأل سالم بن عبد الله: أن يحدثه بحديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأساً في إتيان النساء في أدبارهن. فقال سالم: كذب العبد، أو قال: أخطأ، إنما قال: لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن (٢). ثم رجعنا إلى تأويل قول الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة:٢٢٣]. فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل، وكان النسل موجوداً في الوطء في الفرج، ومعدوماً في الوطء في غيره، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل لا ما لا يكون عنه نسل، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعاً يذهبون إليه في هذا الباب. (شرح مشكل الآثار - ١٥/ ٤١٠ - ٤٣٤). قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة:٢٢٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي سعيد أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أتعزبها (٣)،

стр. 177

فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن وطء، المرأة في دبرها جائز، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وتأولوا هذه الآية على إباحة ذلك. وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا وطء، النساء في أدبارهن، ومنعوا من ذلك، وتأولوا هذه الآية على غير هذا التأويل. عن جابر، أن اليهود قالوا: من أتي امرأته في فرجها، من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (٢) قالوا: فإنما كان من قول اليهود، ماذكرنا، فأنزل الله ذلك، دفعاً لقولهم، وإباحة للوطء في الفرج من الدبر ومن القبل جميعاً. .. وقد روى آخرون هذا الحديث .. على ما ذكرنا وزاد فيه: (إذا كان ذلك في الفرج). عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين: (من أتى امرأته وهي مدبرة، جاء ولدها أحول) فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. فقال رسول الله ﷺ : (مقبلة ومدبرة، ما كان في الفرج) (٣) ففي توقيف النبي ﷺ إياهم في ذلك على الفرج، إعلام منه إياهم أن الدبر بخلاف ذلك وقد احتج أهل المقالة الأولى أيضاً لقولهم، بما .. عن محمد بن كعب القرظي (٤)

стр. 178

أنه كان لا يرى بأساً بإتيان النساء في أدبارهن، ويحتج في ذلك بقوله : ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] أي: من أزواجكم مثل ذلك، إن كنتم تشتهون ٠ قيل لهم: ومن يوافق محمد بن كعب على هذا التأويل؟ قد قال مخالفوه: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما قد أحل لكم من جماعهن في فروجهن). وهذا التأويل - عندنا- أولى من التأويل الأول، لموافقته لما جاء عن النبي ﷺ مما قد ذكرنا. (شرح معاني الآثار- ٣/ ٤٠ - ٤٦). الدراسة بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. والمبني على الآثار الواردة في سبب نزول هذه الآية. مرجحاً أن المراد بها إباحة إتيان المرأة على أي صفة كانت، ولكن في الموضع الذي يكون منه النسل دون غيره. وإليك بيان الأقوال الواردة في المراد بالآية: القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. أي: كيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. - وهذا قول: جمهور علماء الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين (١). - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] خص الإتيان بالموضع الذي يكون فيه الحرث والذي يكون منه الولد، وهو الفرج دون غيره (٢).

стр. 179

٢ - الرواية الواردة في سبب نزول الآية: فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: (كانت اليهود تقول: إذا أتي الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (١) فدل السبب الوارد في نزول الآية على أن المراد بها: إباحة إتيان المرأة على كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: إذا شئتم، ومتى شئتم، في أي وقت من أوقات الحل، يعني إذا لم تكن في زمن إحرام أو صوم أو نفاس أو حيض أو نحو ذلك. وهذا قول: ابن عباس- والضحاك. (٢) القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]،أي: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلاتعزلوا. - وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن المسيب (٣). ويرد هذا القول: أن العزل لا يدخل تحت (أنى)، لأن (أنى) حرف استفهام عن الحال والمحال، ولأن حال الجماع لا يختلف بذلك العزل. (٤) القول الرابع: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: حيث شئتم، وأين شئتم. وهو قول يوهم جواز الإتيان في الدبر. - وهذا القول: محكي عن ابن عمر - ومالك بن أنس ﵃. - ومن أدلة هذا القول:

стр. 180

١ - ماروي في سبب نزول هذه الآية: فعن عبد الله بن عمر ﵁: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فدلت الآية على جواز الإتيان في الدبر، لأن العموم يقتضي الإباحة. - وهذا القول ظاهر الفساد من وجوه عدة:- ١ - أن سالم بن عبد الله لمابلغه أن نافعاً تحدث بذلك عن بن عمر ﵁ قال: كذب العبد إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. كما أن ابن عباس ﵁، عند ما سمع هذا عن ابن عمر وهمه فيه، كما أنه قد روي عنه خلاف ذلك، وتكفيره لمن فعله، وهذا هو اللائق به ﵁. وأما مالك فقد تبرأ من ذلك، وقال إنما الحرث في موضع الزرع، كما أنكر أصحابه أن يكون هذا من قوله (٢). وبناء على هذا فإن السبب الوارد عن ابن عمر في الآية غير محتج به في المراد بها، ويبقي السبب الوراد عن جابر ﵁ هو السبب الصحيح الدال على المراد بالآية. ٢ - أن الآية دالة بلفظها على بطلان هذا القول، فإن الآية نبهت على أن محل الولد الفرج، بقوله جل ذكره (فأتوا حرثكم) فلا يجوز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه الولد، وعليه فلا يجوز حمل (أنى شئتم) على التخيير في المكان. (٣).

стр. 181

٣ - أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] غير دال على جواز الإتيان في الدبر، لأن الآية دالة على الإباحة المطلقة، غير دالة على موضع الإباحة ولا وقتها (١). ٤ - أن الله جل وعلا حرم وطء المرأة في الفرج حال الحيض، لأجل النجاسة العارضة، فقال جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. فالأولى بالتحريم، الوطء في الدبر، وذلك لأجل النجاسة اللازمة (٢). ٥ - قوله جل وعلا في إتيان الحائض: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] والمعني: فأتوهن من الجهة التي أمر الله وهي الفرج، لأنه هو المنهي عنه، والمأمور باعتزاله حال الحيض (٣)، فدلت الآية على أن إتيان المرأة يكون في الفرج دون الدبر. ٦ - تعدد الأحاديث الدالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها، ومنها: أ- عن علي بن طلق أن النبي ﷺ قال: " إن الله لا يستحي من الحق لاتأتوا النساء في أدبارهن" (٤).

стр. 182

ب- وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" (١). ج- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتي حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (٢) إلى ذلك من الأحاديث الدالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها. الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]: أي: كيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. وكان هذا القول راجحاً لأنه قول جمهور الأمة، ولأن سبب نزول الآية - الثابت عن جابر - دال عليه، فلا يكون المعنى المراد بالآية خارجاً عن هذا السبب، خاصة مع دلالة نص الآية عليه دون غيره. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 183

قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة:٢٢٨]. قال أبوجعفر الطحاوي: اختلف الناس في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت. فقال قوم: هي الحيض، وقال آخرون: هي الأطهار. فكان من حجة من ذهب إلى أنها الأطهار، قول رسول الله ﷺ لعمر، حين طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض: "مُرْهُ أن يراجعها، ثم يتركها حتى تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (١) قالوا: فلما أمره رسول الله ﷺ أن يطلقها في الطهر، وجعله العدة دونها، ونهاه أن يطلقها في الحيض، وأخرجه من أن يكون عدة، ثبت بذلك أن الأقراء هي الأطهار.

стр. 184

فكان من الحجة عليهم للآخرين، أن هذا الحديث قد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما ذكروا، وقد روي عنه ما هو أتم من ذلك. فروي عنه أن رسول الله ﷺ أمر عمر أن يأمره أن يراجعها ثم يمهلها، حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء وقال: "تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (١) فلما نهاه رسول الله ﷺ عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة، التي طلق فيها، حتى يكون طهر وحيضة أخرى بعدها، ثبت بذلك أنه لو كان أراد بقوله: (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء الأطهار) إذاً لجعل له أن يطلقها بعد طهرها من هذه الحيضة، ولا ينتظر ما بعدها، لأن ذلك طهر. فلما لم يبح له الطلاق في ذلك الطهر حتى يكون طهراً آخر بينه وبين ذلك الطهر حيضة، ثبت بذلك أن تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، إنما هي وقت ما تطلق النساء، وليس لأنها عدة تطلق لها النساء يجب بذلك أن تكون هي العدة التي تعتد بها النساء، لأن العدة مختلفة. منها: عدة المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشر. ومنها: عدة المطلقة ثلاثة قروء. ومنها: عدة الحامل أن تضع حملها. فكانت العدة إسماً واحداً، لمعان مختلفة. ولم يكن كل ما لزمه اسم (عدة) وجب أن يكون قرءاً. فكذلك لما لزم اسم الوقت الذي تطلق فيه النساء اسم عدة، لم يثبت له بذلك اسم القرء.

стр. 185

فهذه معارضة صحيحة، ولو أردنا أن نكثر منها، فنحتج بقول رسول الله ﷺ للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، (١) فنقول: الأقراء هي: الحيض على لسان رسول الله ﷺ لكان ذلك ما قد تعلق به بعض من تقدم ولكنا لا نفعل ذلك، لأن العرب قد تسمي الحيض قرءاً، وتسمي الطهر قرءاً، وتجمع الحيض والطهر فتسميها قرءاً وفي ذلك أيضاً حجة أخرى، أن عمر ضي الله عنه، هو الذي خاطبه رسول الله ﷺ بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" ولم يكن ذلك - عنده - دليلاً أن الأقراء الأطهار، إذ قد جعل الأقراء الحيض، فيما روي عنه. فإذا كان هذا عند عمر رضي الله تعالى عنه، وقد خاطبه رسول الله ﷺ به، لا دليل فيه على أن القرء الطهر، كان من بعده فيه أيضاً كذلك وكان مما احتج به الذين جعلوا الأقراء الأطهار أيضاً: عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها نقلت حفصة (٢) بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال ابن شهاب: (فذكرت ذلك لعمرة (٣)، فقالت: صدق عروة، قد جادلها في ذلك أناس، وقالوا: إن الله تعالى يقول ثلاثة قروء، فقالت عائشة: صدقتم، أتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار)

стр. 186

وعن نافع، أن معاوية (١) كتب إلى زيد بن ثابت (٢) يسأله، فكتب: (إنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة، فقد بانت منه) قال نافع: وكان ابن عمر يقوله. قالوا: فهذه أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، في ذلك، تدل على ما ذكرناه. قيل لهم: هذا لو لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فأما إذا اختلفوا فيه، فقال بعضهم ما ذكرتم. وقال آخرون منهم بخلاف ذلك، لم يجب بما ذكرتم لكم حجة فمما روي خلاف ما احتجوا به من هذه الآثار المذكورة عمن رويت عنه من أصحاب رسول الله ﷺ ، الدالة على أن الأقراء غير الأطهار عن علي بن أبي طالب، قال: زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وعن علقمة (٣) أن رجلاً طلق امرأته فحاضت حيضتين، فلما كانت الحيضة الثالثة ودخلت المغتسل، أتاها زوجها فقال: (قد راجعتك ثلاثاً) فارتفعا إلى عمر، فأجمع عمر، وعبد الله على أنه أحق بها، ما لم تحل لها الصلاة، فردها عمر عليه وعن عبد الله بن عمر، كان يقول: إذا طلق العبد امرأته اثنتين، فقد حرمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره، حرة كانت أو أمة، وعدة الحر ثلاث حيض، وعدة الأمة حيضتان.

стр. 187

قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن عمر ضي الله عنهما، وهو الذي روى عن رسول الله ﷺ قوله لعمر رضى الله عنه: (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) لم يدله ذلك على أن الأقراء الأطهار، إذا كان قد جعلها الحيض وعن مكحول (١) أن قدم المدينة: فذكر له سليمان بن يسار (٢) أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فرأت أول قطرة من دم حيضتها الثالثة، فلا رجعة عليها. قال: فسألت عن ذلك بالمدينة، فبلغني أن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل (٣) وأبا الدرداء (٤) ﵃، كانوا يجعلون له عليها الرجعة، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وعن ابن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب (٥)

стр. 188

أنه سمع زيد بن ثابت يقول: (الطلاق إلى الرجل، والعدة إلى المرأة، إن كان الرجل حراً، وكانت المرأة أمة، فثلاث تطليقات، والعدة: عدة الأمة حيضتان، وإن كان عبداً، وامرأته حرة، طلق طلاق العبد تطليقتين، واعتدت عدة الحرة ثلاث حيض). فلما جاء هذا الاختلاف عنهم، ثبت أنه لا يحتج في ذلك بقول أحد منهم، لأنه متى أحتج محتج في ذلك بقول بعضهم، احتج مخالف عليه بقول مثله، فارتفع ذلك كله أن يكون فيه حجة لأحد الفريقين على الفريق الآخر. وكان من حجة من جعل الأقراء الحيض على مخالفه، أن قال: فإذا كانت الأقراء الأطهار، فإذا طلق الرجل المرأة وهي طاهرة، فحاضت بعد ذلك بساعة، فحسب ذلك لها قرء مع قرءين متنابعين، كانت عدتها قرءين وبعض قرء، وإنما قال الله : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]. فكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار في ذلك أن قال: فقد قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] فكان ذلك على شهرين وبعض شهر، فكذلك جعلنا الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء. فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن الله قال في الأقراء ثلاثة قروء، ولم يقل في الحج ثلاثة أشهر، وإن قال في ذلك ثلاثة أشهر فأجمعوا أن ذلك على شهرين وبعض شهر، ثبت بذلك ما قال المخالف لنا، ولكنه إنما قال أشهرٌ، ولم يقل ثلاثة. فأما ما حصره بالثلاثة، فقد حصره بعدد معلوم، فلا يكون أقل من ذلك العدد، كما أنه لما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]. فحصر ذلك بالعدد، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد، فكذلك لما حصر الأقراء بالعدد، فقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد.

стр. 189

وكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار أيضاً أن قال: لما كانت الهاء تثبت في عدد المذكر فيقال: (ثلاثة رجال) وتنتفي من عدد المؤنث، فيقال: (ثلاث نسوة)، فقال الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فأثبت الهاء، ثبت أنه أراد بذلك مذكراً، وهو الطهر لا الحيض. فكان من الحجة عليهم في ذلك أن الشيء إذا كان له إسمان، أحدهما مذكر والآخر مؤنث، فإن جمع المذكر أثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث أسقطت الهاء. من ذلك أنك تقول: (هذا ثوب، وهذه ملحفة)، فإن جمعت بالثوب قلت: (ثلاثة أثواب) وإن جمعت بالملحفة قلت: (ثلاث ملاحف) وكذلك (هذه دار، وهذا منزل) لشيء واحد. فكان الشيء قد يكون واحداً يسمى باسمين مختلفين أحدهما مذكر، والآخر مؤنث، فإذا جمع بالمذكر فُعِلَ فيه كما يُفْعَل في جمع المذكر فأثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث، فعل فيه كما يفعل في جمع المؤنث، فأسقطت الهاء فكذلك الحيضة والقرء، هما اسمان بمعنى واحد، وهوالحيضة فإن جمع بالحيضة، سقطت الهاء، فقيل: ثلاث حيض، وإن جمع بالقرء، ثبتت الهاء فقيل: (ثلاثة قروء) وذلك كله، اسمان لشيء واحد، فانتفى بذلك ما ذكرنا مما احتج به المخالف لنا. وأما وجه هذا الباب من طريق النظر، فإنّا قد رأينا الأَمَة جُعِل عليها في العدة، نصف ما يجعل على الحرة. فكانت الأمة إذا كانت ممن لا تحيض، كان عليها نصف عدة الحرة، إذا كانت ممن لا تحيض، وذلك شهر ونصف. فإذا كانت ممن تحيض، جعل عليها - باتفاقهم - حيضتان، وأريد بذلك نصف ما على الحرة، ولهذا قال عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ : (لو قدرت أن أجعلها حيضة ونصفاً، لفعلت). فلما كان ما على هذه الأمة هو الحيض لا الأطهار، وذلك نصف ما على الحرة، ثبت أن ما على الحرة أيضاً، هو من جنس ما على الأمة، وهو الحيض لا الأطهار.

стр. 190

فثبت بذلك قول الذين ذهبوا في القرء إلى أنها الحيض، وانتفي قول مخالفهم، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (١)، ومحمد (٢) ﵏. (شرح معاني الآثار - ٣/ ٥٩ - ٦٤) الدراسة بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد بـ (القرء) في الآية - والذي يجب على المطلقة أن تعتد به، وقد ذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلة كل قول. كما ردّ على من قال إن المراد بـ (القروء) الأطهار، مرجحاً قول من قال إن المراد بـ (القروء) الحيض. وقبل عرض كل قول وأدلته أبين أولاً: أن أهل العلم بلسان العرب وجمهور العلماء لم يختلفوا في أن (القرء) في اللغة يراد به الحيض، ويراد به الطهر. يقال (أقرأت المرأة) أي: حاضت. ومنه قول الشاعر: يارب ذي ضغن على فارض::: له قروء كقروء الحائض. (٣) ومعنى البيت، أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض، فدل البيت على أن القرء يأتي بمعنى الحيض. ويقال: (أقرأت المرأة) أي: طَهُرَتْ. ومنه قول الشاعر الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة::: تشد لأقصاها عزيم عزائكا. مورثة مالاً وفي الحي رفعة::: لما ضاع فيها من قروء نسائكا. (٤)

стр. 191

ومعنى البيت: أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغشى نساءه، فتضيع أقراؤهن، وإنما يضيع بالسفر زمان الطهر، لا زمان الحيض. فدل البيت على أن القرء يأتي بمعنى الطهر. فكلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالاً واحداً، وعليه فلا يكون الترجيح بالرجوع إلى الأصل اللغوي لهذه الكلمة، ومن هنا نشأ الخلاف في المراد بـ (القروء) في الآية. (١) الأقوال الواردة في المراد بـ (القروء) في الآية: القول الأول: أن المراد بـ (القرء) الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به هو (الطهر) فمتى دخلت المرأة في الحيضة الثالثة فلا سبيل للزوج عليها. - وهذا قول: الزهري - ومالك بن أنس - والشافعي - وأبي ثور (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء، أن تخرج عن العهدة، وكل واحد من الطهر والحيض يسمى بهذا الاسم، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير. إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة. وإذا كان الأمر كذلك كانت المرأة متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل، وكل ما كان كذلك لم يكن واجباً. فإذاً الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب، وذلك يقتضي أن يكون الاعتداد بمدة الحيض غير واجب، والاعتداد بمدة الأطهار واجب. - الرد على هذا الاستدلال:

стр. 192

أن ظاهر الآية يوجب الاعتداد بثلاثة قروء كاملة، وهذا يتحقق متى كان المراد بالقروء الحيض لا الأطهار. (١) ٢ - أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، دل على أنه جل وعلا أراد الطهر المذكر، ولو أراد الحيضة المؤنثة لاسقط التاء - وقال: (ثلاث قروء)، لأن التاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط في عدد المؤنث. (٢) - الرد على هذا الاستدال: أن لفظ (القرء) مذكر، ومسماه مؤنث وهو الحيضة، (فالتاء) جيء بها مراعاة للفظ المذكر، لا للمعنى المؤنث. (٣) ٣ - قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] فقوله تعالى: (لعدتهن) المراد: في عدّتهنّ، وفي ذلك إشارة إلى الطهر، فدل ذلك على أن العدة بالطهر، وقال: (أحصوا العدة) فأمر بالإحصاء عقب الطهر، فيكون المحصى بقية الطهر. - الرد على هذا الاستدلال: أ- أن (في) ظرف، (واللام) وإن كانت متصرفة على معان، فليس في أقسامها التي تتصرف عليها كونها ظرفاً. ب- أنه إن كان المعنى: (في عدتهن)، فإنه يجب أن تكون العدة موجودة حتى يطلقها فيها. كما لو قال قائل (طلقها في شهر رجب) لم يجز له ن يطلقها قبل أن يوجد من الشهر شيء. ج- أن الإحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض، لأن كل ذي عدد فالإحصاء يلحقه. وقد اعتُرض على هذا الرد: بأن الذي يلي الطلاق هو الطهر، وقد أُمِرنا بالإحصاء، فوجب أن ينصرف الأمر بالإحصاء إلى الطهر، لأن الأمر على الفور (٤) - الرد على هذا الاعتراض: أن الإحصاء إنما ينصرف إلى أشياء ذوي عدد، فأما أن ينصرف إلى شيء واحد قبل انضمام غيره إليه، فلا عبرة بإحصائه.

стр. 193

فإذاً لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في المستقبل من الأقراء متراخياً عن وقت الطلاق، وحينئذ لا يكون الطهر أولى به من الحيض إذا كان وصف الإحصاء يتناولهما جميعاً إذ لافرق بينهما. وعلى الأخذ بهذا الاستدلال، فإنه يلزم قائله أن يقول: إن المرأة لوحاضت عقب الطلاق مباشرة، أن تكون عدتها بالحيض لكون الإحصاء يلي الطلاق بدون تراخي عنه، والذي يلي الطلاق في هذه الحال الحيض فينبغي أن يكون هو العدة. (١) ٤ - أن الرسول ﷺ قد صرح بأن الطهر هو العدة مبيناً أن ذلك هو مراد الله جل وعلا من قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]. فعن ابن عمر ﵁: أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ ، عن ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : "مُرْه فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (٢). فهذا الحديث نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء، فكان هو الأولى أن يكون هو المراد بالقروء (٣). - الرد على هذا الاستدلال: أن (اللام) قد تدخل في ذلك لحال ماضية ومستقبلة كما في قول الرسول ﷺ : "صوموا لرؤيته" (٤)

стр. 194

يعنى لرؤية ماضية. وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]. يعنى: الآخرة - (فاللام) هنا للاستقبال والتراخي. فاحتمل ما في الحديث أن يكون إشارة إلى الحيضة الماضية، فيدل ذلك على أن العدة إنما هي الحيض. وجائز أن يريد حيضة مستقبلة، إذ هي معلوم كونها على مجرى العادة، فليس الطهر حينئذ بأولى بالإعتبار من الحيض، لأن الحيض في المستقبل، وإن لم يكن الحيض مذكوراً فجائز أن يراد به، إذ كان معلوماً، كما أن الطهر لم يذكر بعد الطلاق، وإنما ذكر قبله، ولكن لما كان معلوماً وجوده بعد الطلاق إذ طلقها فيه على مجرى العادة، جاز رجوع الكلام إليه وإرادته باللفظ. ومع ذلك فجائز أن تحيض بعد الطلاق بلا فصل. فليس إذاً في اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض. (١) وبعد عرض أدلة هذا القول، وبيان الرد عليها، يظهر لنا تناقض هذا القول وفساده. القول الثاني: أن المراد (بالقرء) الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به هو: (الحيض). فمتى لم تغتسل المرأة المطلقة من الحيضة الثالثة فزوجها أحق بها. - وهذا قول: الخلفاء الأربعة - ومعاذ بن جبل - وابن مسعود - وأبي موسى الأشعري - وأبي حنيفة - وأحمد بن حنبل - والأوزاعي - والثوري (٢). - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فدل ظاهر النص على وجوب تربص المطلقة ثلاثة قروء كاملة، فيكون المراد (بالقروء) في الآية: الحيض.

стр. 195

لأن من يقول إن المراد بالقرء: الطهر، يجوِّز أن تعتد المطلقة بطهرين وبعض طهر، لأنه إذا طلقلها حال الطهر اعتدت عنده بقية ذلك الطهر قرءاً، ثم قرءين بعده كاملين. وفي هذا مخالفة لظاهر نص الآية. وأما إذا قلنا إن المراد بالقروء الحيض، فإن المطلقة تعتد ثلاث حيض كاملة وفي ذلك موافقة لظاهر نص الآية (١) ٢ - أن الغرض الأول من العدة: هو استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام، دون الطهر، ويدل على ذلك: أ- أن الاستبراء من الأمة بالحيضة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة". (٢) فأمر بالاستبراء بالحيض، فكذلك العدة ينبغي أن تكون بالحيض. ب- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فالمراد بقوله: (ماخلق الله في أرحامهن) هو: الحيض. فحرم كتمان ما يأيتهن من الحيض، لأنه هو الذي يستبرأ به الرحم، وبكتمانه تحدث مفاسد كثيرة. ج- أن الطهر مقارن للحبل، فدل ذلك على أن الاستبراء لا يقع بما يقارنه، وإنما يقع بما ينافيه وهو الحيض، فيكون دلالة على براءة رحمها من الحبل، فوجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر. (٣) ٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] فدلت الآية على أن العدة تعتبر بالحيض دون الطهر.

стр. 196

أ- لأن الله جل وعلا نقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، فدل على أن الأصل هو الحيض. ب- ولأن الأشهر لما شرعت بدلاً عن الأقراء، والبدل يعتبر بتمامه - حيث أن الأشهر لا بد من إتمامها - وجب أيضاً أن يكون الإتمام والكمال معتبراً في المبدل، فيجب أن يكون المبدل هو الحيض، لأنه هو الذي يكمل دون الطهر الذي لا يكمل. (١) ج- ولأن اسم المقرء غير منتف عن الحيض بحال، وقد ينتفي عن الطهر، لأن الطهر موجود في الآيسة والصغيرة، ومع ذلك فلم تُعتبرا من ذوات الأقراء. فدل ذلك على أن اسم القرء مجاز في الطهر، حقيقة في الحيض. (٢) ٤ - قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، فدلت الآية على أن العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، والمستقبل بعد الطلاق إنما هو الحيض. فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه، وإنما تستقبل الحيض بعد طهرها الذي طلقت فيه (٣) ٥ - ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة ثنتان، وقرؤها حيضتان". (٤) وهذا الحديث وإن كان مورده من طريق الآحاد، فقد أتفق أهل العلم على قبوله، والأخذ به في عدة الأمة فأوجب ذلك صحته.

стр. 197

فنص الحديث على أن عدة الأمة حيضتان، وذلك خلافاً لقول من قال إن (القرء) هو: الطهر، لأنهم يزعمون أن عدتها طهران، ولا يكملون لها حيضتين. وإذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض، وعليه يكون المراد (بالقرء) في الآية: الحيض دون الطهر. (١) الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بـ (القروء) في الآية: (الحيض)، وذلك لما يلي: ١ - قوة أدلة هذا القول مما يتعين معه الأخذ بها. ٢ - أن هذا القول هو قول معظم الصحابة والتابعين. ٣ - أن القرء في اللغة وإن كان مشتركاً بين الطهر والحيض، إلا أنه في الشرع غلب استعماله في الحيض، كما ورد في قول الرسول ﷺ بشأن المستحاضة:"تدع الصلاة أيام أقرائها" (٢)، ولم يجيء في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله على المعهود من خطاب الرسول ﷺ متعين، لأن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله جل وعلا، والقرآن تنزل بلغة قومه، فإذا ورد اللفظ المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمل سائر كلامه عليه، إذ لم يثبت إرادة المعنى الآخر في شيء من كلامه البته. ٤ - أن في هذا القول احتياطاً وتغليباً لجانب الحرمة، لأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وقد قال الرسول ﷺ : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". (٣) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 198

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]. قال أبو جعفر الطحاوي: في المراهق هل يحلها للأول: قال أصحابنا، والأوزاعي، والشافعي: إذا كان يجامع مثله، فجامعها فإنه يحلها لزوجها الأول. وقال مالك: لا يحلها، لأن وطء الصبي ليس بوطء، والوطء الذي يحل ما يجب فيه الحدود. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] وقد فعلت. وأيضاً فإن جماعه يحرم البنت كجماع الكبير، فكذلك التحليل. (مختصر اختلاف العلماء - ٢/ ٣٢٥) الدراسة استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على: أن المطلقة البائنة متى تزوجها المراهق غير البالغ ثم طلقها، فإنه يحلها لزوجها الأول. - وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة: - القول الأول: لا يحل المطلقة البائنة جماع من لم يكن بالغاً. - وهذا قول: مالك - والحسن - وأبي عبيد القاسم بن سلام. (١) - القول الثاني: يحل المطلقة البائنة جماع من لم يكن بالغاً. - وهذا قول: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] من غير فصل بين زوج وزوج. ٢ - ولأن جماع الصبي غير البالغ يتعلق به أحكام النكاح من المهر، والتحريم كجماع البالغ العاقل. (٢)

стр. 199

الترجيح: والقول الراجح هو أن المطلقة البائنة يحلها جماع من لم يكن بالغاً، لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] أنه عام في كل زوج قادر على الجماع، من غير تخصيص لبالغ دون غيره. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة:٢٣١ - ٢٣٢]

стр. 200

قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢١٠] وهن إذا بلغن أجلهن، انقطعت الأسباب بينهن وبين مطلقيهن، فاستحال أن يمسكوهن بعد ذلك، وقد بين الله تعالى ذلك في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢] [البقرة:٢٣٢] فدل ذلك أنهن بعد انقضاء آجالهن حلال لمن يريد تزويجهن، وكان ذلك دليلاً أن مراده تعالى في الآية الأخرى بذكره بلوغ الأجل أنه قرب بلوغ الأجل لا حقيقة بلوغه. (شرح مشكل الآثار -٢/ ٩٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد (ببلوغ الأجل) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣١] هو قرب بلوغ الأجل لا حقيقة بلوغه. وهذا هو قول: جمهور العلماء، وهو القول الصحيح. وذلك لأن الأجل المذكور هو العدة، وبلوغه هو انقضاؤها، ولا خيار في الراجعة والإمساك بعد انقضاء العدة. فالمراد بالبلوغ: مقاربته، دون انقضائه. وقد دل سبب النزول على أن هذا هو المراد: فعن السدي: أنها نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين، أو ثلاثة راجعها، ثم طلقها ففعل ذلك بها، حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: وَلَا ﴿تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١] (١). فدل سبب نزول الآية على أن المراد ببلوغ الأجل: قرب بلوغه، لا حقيقة بلوغه. ونظائر هذا كثيرة في القرآن واللغة. من ذلك:

стр. 201

قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] والمعنى: إذا أردتم الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة. وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] والمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله. وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] ليس المراد أن يكون العدل بعد القول، ولكن يكون قبله، فيلزمه ألا يقول إلا عدلاً. وكما يقول المسافر: (بلغت بلد كذا) - ومراده مقاربته، لا حقيقة بلوغه. فعلى هذا كان المراد (ببلوغ الأجل) في الآية الأولى: مقاربته، لا وجود نهايته. وأما في الآية الثانية فالمراد (ببلوغ الأجل): وجود نهايته، لأن المعنى يقتضي ذلك، فابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة، ولا يتصور قبل ذلك. فكان ذكر (بلوغ الأجل) حقيقة في الآية الثانية، مجاز في الآية الأولى. (١) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 202

قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن زيد بن وهب (١)، قال: سمعت أبا ذر (٢) يقول: (لأن أحلف عشراً إن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف يميناً واحدة إنه ليس هو وذلك لشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، بعثني رسول الله ﷺ إلى أم ابن صياد، فقال: " سلها كم حملت به " فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهراً، فأتيته، فأخبرته) (٣)

стр. 203

فكان في هذا إخبار أبي ذر رسول الله ﷺ ، عن أم ابن صياد أنها حملت به اثني عشر شهراً، فلم يكن من رسول الله ﷺ دفع لذلك، ولو كان محالاً لأنكره عليها، ودفعه من قولها، وفي ذلك ما قد دل أن الحمل قد يكون أكثر من تسعة أشهر على ما قد قاله فقهاء الأمصار في ذلك من أهل المدينة وأهل الكوفة وممن سواهم من فقهاء أهل الأمصار سوى هذين المصرين، وإن كانوا يختلفون في مقدار أكثر المدة في ذلك، فتقول طائفة منهم: إنه سنتان لا أكثر منهما، وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنفية والثوري وسائر أصحاب أبي حنيفة. وطائفة منهم تقول: هو أربع سنين لا أكثر منها، وممن كان يقول ذلك منهم كثير من قدماء أهل الحجاز، وبه يقول الشافعي. وطائفة منهم تقول: إنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه من الزمان، منهم مالك بن أنس. واحتجنا عند اختلافهم هذا إلى طلب الأولى مما قالوه من هذه الأقاويل. فوجدنا الله قد قال في كتابه العزيز: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] فكان في ذلك جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهراً، فلا يجوز أن يخرجا ولا واحد منهما عنها. وإذا لم يكن في هذا الباب غير هذه الثلاثة الأقاويل اللاتي ذكرنا، فكان في قولين منها الخروج عن الشهور إلى ما هو أكثر منها، انتفى هذان القولان، إذ كان كتاب الله قد دفعهما، ولم يبق إلا القول الآخر الذي لم يخرج به قائلوه عن الثلاثين شهراً التي جعلها الله مدة للحمل وللفصال جميعاً، وهو الحولان، فكان هو الأولى مما قيل في هذا الباب. فقال قائل: فإذا جعلتم الحمل والفصال ثلاثين شهراً لا أكثر منها، فكم تكون مدة الفصال من هذه الثلاثين شهراً.

стр. 204

فكان جوابنا له بتوفيق الله : أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة في تسعة أشهر، كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهراً، وإذا وضعت لسبعة أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن ابن عباس لم يخرج الحمل والفصال من الثلاثين شهراً، وفي ذلك ما قد دل على أن الحمل كان عنده لا يخرج عن الثلاثين شهراً، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الحمل حولين، كان الباقي من الثلاثين شهراً ستة أشهر، فكان ذلك مما قد سأل عنه بعض من سأل، فقال: أفيجوز أن يكون الفصال ستة أشهر، وأبدان الصبيان لا تقوم بها؟ لأنهم يحتاجون من الرضاع إلى مدة هي أكثر منها. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون المولودون بعد مضي تلك الستة الأشهر يرجعون إلى لطيف الغذاء، فيكون ذلك عيشاً لهم وغنى لهم عن الرضاع.

стр. 205

غير أنا تأملنا ما في كتاب الله من ذكر الحمل والفصال، فوجدنا منه الآية التي قد تلوناها فيما تقدم منا في هذا الباب، ووجدنا منه قول الله : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] فجعل الفصال في هذه الآية من المدة عامين. ووجدنا من قوله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فكان في هاتين الآيتين الأخيرتين إثبات الحولين للفصال، فاحتمل عندنا - والله أعلم - أن يكون الله جعل الحمل والفصال ثلاثين شهراً لا أكثر منها، على ما في الآية الأولى مما قد يحتمل أن يكون مدة الفصال فيها قد ترجع إلى ستة أشهر، ثم زاد الله في مدة الفصال تمام الحولين بالآيتين الأخيرتين، فرد حكم الفصال إلى جهته من الثلاثين شهراً وعلى تتمة الحولين على ما في الآيتين الأخريين، وبقي مدة الحمل على ما في الآية الأولى، فلم يخرجه من الثلاثين شهراً، وأخرج مدة الفصال من الثلاثين شهراً إلى ما أخرجها إليه بالآيتين الأخريين، والله أعلم بمراده في ذلك، وبما كان منه فيه. والدليل على صحة ما قد ذكرناه المراعاة بالرضاع حولين، وقد قال ذلك من أصحاب رسول الله ﷺ غير واحد، منهم ابن عباس ﵁ قال أبو جعفر: فهذا ابن عباس قد قصد إلى الرضاع بالحولين، فدل ذلك أنهما له عنده مدة، وأكثر فقهاء الأمصار على ذلك. فكان في ذلك ما قد دل على التأويل الذي تأولناه في الثلاث الآيات التي تلوناها في هذا الباب.

стр. 206

وقال قائل: قد ذكرت في مدة الحمل في هذا الباب ما ذكرته من نقل أبي ذر إلى النبي ﷺ ، عن أم ابن صياد أنها حملت به اثني عشر شهراً، وأن النبي ﷺ لم ينكر ذلك، وجعلت ذلك حجة على من نفى أن يكون الحمل كان مخصوصاً في حمل أمه به في هذه المدة ليكون آية للعالمين لما ذكر فيه من أنه الدجال. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه إنما يكون هذا الاحتمال يرجوا أنه الدجال الذي حذر النبي ﷺ ومن قبله من الأنبياء ﵈ أممهم منه، وذكروا لهم أحواله التي يكون عليها، وادعاءه أنه لهم إله، ومكثه في الأرض بما يمكثه فيها، ومنع الله إياه من حرمه وحرم رسوله ﷺ ، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ليقتله في الموضع الذي يقتله فيه، ولم يوجد هذا في ابن صياد، لأنه قد كان في حرم رسول الله ﷺ ، ولأن رسول الله ﷺ لم يقتله، ولو كان الدجال نفسه لقتله، ولو كان الذي قيل فيه من ذلك قيل: إنه دجال، لما أنكر أن يكون دجالاً ويكون بعده دجالون، وإن تفاضلوا فيما يكونون عليه في ذلك ويتباينون فيه، ولكنه قيل: إنه الدجال، فعاد ذلك إلى الدجال الذي هو الدجال، وقد قامت الحجة بخلاف ذلك وإذا أخرج أن يكون هو الدجال الذي ذكرنا كان كأحد بني آدم في خلقه في مدة حمله. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٧/ ٢٨٩ - ٢٩٧) الدراسة بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في مدة الحمل والرضاع، مرجحاً القول بأن مدة الحمل لا تزيد عن سنتين، كما أن مدة الرضاع لا تزيد عن سنتين. وإليك بيان أقوال العلماء في المراد بتقدير مدة الرضاع بحولين في قوله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣]:

стр. 207

القول الأول: أن تقدير مدة الرضاع بحولين هو: حد لبعض المولودين دون بعض، وهذا التقدير لمدة الرضاع يختلف باختلاف مدة الحمل، فمدة الرضاع لا حد لأقلها، وأكثرها محدود بالحولين كما دل عليه قوله جل وعلا:: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] وقوله جل ذكره: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] فدلت هاتين الآيتين على أن أكثر مدة الرضاع حولين كاملين. كما دل قوله جل وعلا: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] على أن مدة الرضاع تتداخل مع مدة الحمل: فتقصر إلى ستة أشهر، وتطول إلى سنتين، ولا تخرج عن ذلك. - وهذا قول: ابن عباس - وهو ما ذكره الإمام الطحاوي. القول الثاني: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: كان فرضاً على والدات المولودين. ثم خفف الله جل وعلا ذلك بقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات، إذا أرادوا الإتمام أتموا حولين، وإن أرادوا فطم المولود قبل ذلك، كان ذلك راجعاً إليهم. - وهذا قول: قتادة - والربيع - والضحاك. القول الثالث: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: هو من أجل قطع التنازع بين الزوجين إذا اختلفا في مدة الرضاع، فأراد أحدهما بلوغ الحولين، وأرد الآخر التقصير عنه. وبهذا يكون حكم الحاكم عند وقوع مثل هذا التنازع. - وهذا قول: ابن عباس - وعطاء - والثوري. القول الرابع: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: لبيان أن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين. فإذا وقع الرضاع خارج هذا الزمن فإنه لا يثبت به أحكام الحرمة. وقد دل على ذلك: ١ - ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " (١).

стр. 208

٢ - وما روته أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يحرم الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " (١). - وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وابن مسعود ﵃. (٢) الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح أن تكون مرادة بالآية، إذ لا تعارض بينها، والاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة:٢٣٥] قال أبو جعفر الطحاوي: التسري التفعل من السر، وهو الجماع، وقد يجعل في موضع النكاح إذا كان سبباً للجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥] أي: عقد نكاح. (مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٢٥٩)

стр. 209

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥] أي: لا تواعدوهن عقد النكاح، وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:- القول الأول: أن المراد بقوله تعالى:: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. [البقرة:٢٣٥] أي: لا تواعدوهن بالجماع في العدة عن طريق الزنا، ثم التزوج بعد إنتهاء العدة - وهذا قول: إبراهيم النخعي - وجابر بن زيد - والضحاك - وقتادة - والشافعي - والطبري. - الرد على هذا القول: هذا القول فيه بعد، لأن المواعدة بالزنا محظورة في العدة وغيرها. إذ أن الله جل وعلا حرم الزنا تحريماً مطلقاً غير مقيد بشرط، ولا مخصوص بوقت. (١) القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥] أي: لا تواعدوهن بالجماع في العدة عن طريق التزوج سراً، ثم إظهار التزوج بعد انتهاء العدة. - وهذا قول: زيد بن أسلم. - الرد على هذا القول: هذا القول فيه بعد، لأن حظر إيقاع عقد النكاح في العدة، مذكور بنصه في الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥]. (٢) القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥]: أي: لا تواعدوهن بالجماع بعد العدة عن طريق التزوج. والمعنى: لا تأخذ أيها الرجل الراغب في الزواج على المرأة المعتدة عهداً وميثاقاً أن تحبس نفسها عليك ولا تتزوج بغيرك بعد انقضاء العدة. - وهذا قول: جمهور أهل العلم. (٣) وهو ما ذهب إليه الإمام أبو جعفر الطحاوي.

стр. 210

الترجيح: قوله تعالى: (سراً) هذا اللفظ محتمل لجميع المعاني المتقدمة، لأن الإسرار خلاف الإعلان، ولأن هذا اللفظ (السر) يكنى به عن الجماع حلاله وحرامه. (١) قال الشاعر امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي. (٢) أي: ولا يحسن الجماع أمثالي. وقال الشاعر الأعشى: فلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانحكن أو تأبدا (٣) أي: إن جماعها عليك حرام. قلت: وأظهرت هذه الأقوال وأولاها بمراد الآية- مع احتمالها لجميع هذه الأقوال- قول الجمهور القائلين إن المراد بالآية: هو أن يأخذ الرجل على المرأة المعتدة عهداً أن تحبس نفسها عليه ولا تنكح زوجاً غيره. وذلك لأن الله جل ذكره، حرم عقد النكاح في العدة، فكذلك إعطاء الوعد والعهد عليه. وأما التعريض للمرأة وهي في العدة بأن يقول: (إني في مثلك لراغب، وإن قضي شيء كان)، وما أشبهه من الكلام، مما يدل على رغبته فيها، فلا بأس به إذا لم يصرح. (٤) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة:٢٣٦]

стр. 211

قال أبو جعفر الطحاوي: وجدنا الله قد ذكر تمتع المطلقات في ثلاثة مواضع من كتابه، وهي قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقوله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٦]، فكان ذلك مما قد يحتمل أن يكون كمثل قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] فكان ذلك على الندب والحض، لا على الإيجاب، فيكون مثل ذلك قوله في متع المطلقات: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يكون ذلك على الترغيب في ذلك، والحض عليه، فيكون في المطلقات جميعاً، مدخولاً بهن كن، أو غير مدخول بهن، كما قد روي عن علي ﵁ واحتمل أن يكون ذلك على الإيجاب لبعضهن دون بعض، كما قد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: (لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق، فحسبها نصف ما فرض لها) فكان في هذا من قول ابن عمر إخراج المطلقات قبل الدخول بهن من المتع اللاتي ذكرنا. ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر، فوجدنا الواجب إبدالاً من الإبضاع يجب بوقوع التزويجات وانعقادها لا بما سوى ذلك، ولما كانت المتع لا توجبها التزويجات اللاتي لا طلاق معها، كان بأن لا يوجبها الطلاق الذي يكون بعدها أحرى. فإن قال قائل: فقد رأينا الطلاق يوجب النفقة والسكنى في العدة، ولم يكونا واجبين قبل ذلك.

стр. 212

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الأمر ليس كما ذكر، ولكنهما قد كانا واجبين بالتزويج وجوباً لم يرفعه الطلاق الواقع فيه، فهذه حجة في وجوب التمتع للمطلقات بعد الدخول، فأما المطلقات قبل الدخول، فقد اختلف أهل العلم فيهن: هل لهن متع يحكم بها على مطلقيهم الذين لم يكونوا فرضوا لهن صداقاً أم لا؟ فقال قائلون: لهن عليهم التمتع وإن كانوا قد اختلفوا في مقادير المتع، فقال قائلون منهم: هي المقدار الذي يجزئ في الصلاة من اللباس. وممن قال ذلك منهم كثير من الكوفيين، منهم أبو حنيفة، والثوري، والقائلون بقولهما. وقال آخرون منهم: مقدار المتعة في هذا هو نصف صداق مثلها من نسائها اللاتي يرجع في مثل صداقها إلى أمثال صدقات أمثالهن، وممن قال ذلك منهم حماد بن أبي سليمان، (١) وهذا هو الأولى مما قالوه في ذلك على أصولهم التي بنوا هذا المعنى عليها.

стр. 213

وقال قائلون من أهل العلم سواهم: إن المتع في هذا محضوض عليها، مأمور بها، غير مجبر عليها، وممن قال ذلك منهم: مالك بن أنس، وخالف الآخرين الذين ذكرناهم في ذلك، لأن أولئك يوجبونها، ويجبرون عليها، ويحبسون فيها، وكان الأولى مما قد قيل في ذلك عندنا - والله أعلم - الإيجاب لها، والحبس فيها، لأن التزويج وقع بلا تسمية صداق أوجب لها صداق مثلها على زوجها، كما أوجب ملك بضعها لزوجها، فلما وقع الطلاق قبل الدخول، أُسقط عن الزوج نصف الواجب عليه قبل الطلاق مما قد كان محبوساً في جميعه لو لم يطلق، فإذا طلق، فسقط عنه بالطلاق نصفه، بقي النصف الباقي عليه كما كان عليه قبل ذلك من فروضه إياه، وأخذه به، وحبسه فيه، كما إذا سمى لها صداقاً، ثم طلقها قبل دخوله بها، فزال عنه نصفه، يكون النصف الباقي لها عليه على حكم كله الذي كان لها عليه قبل الطلاق من لزومه إياه لها، ومن حبسه لها فيه. وقد رويت عن المتقدمين آثار في المتع بالطلاق نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، فمنها: أن رجلاً خاصم إلى شريح (١) في متعة امرأته، فقال شريح: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:٢٤١]﴾ فإن كانت من المتقين، فعليك متعة. ولم يقض به. ومنها. عن سعيد بن جبير، (٢) قال: لكل مطلقة متعة وعن الحسن (٣) مثله.

стр. 214

ومنها عن عطاء، قال: لكل مطلقة متاع، إلا التي طلقها قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فلها نصف الصداق وعن الشعبي (١) مثله. ومنها عن الضحاك (٢)، أنه قال: لكل مطلقة متاع حتى المختلعة وفيما ذكرنا فيما قد تقدم من هذا الباب ما قد دل على الصحيح مما قد قالوه في ذلك مما ذكرناه عنهم، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٧/ ٥٦ - ٦٣). الدراسة استدل الإمام الطحاوي بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] على: أن متعة المطلقة غير واجبة، وإنما هي من الأمور المندوب إليها. وإليك بيان الأقوال في مسألة: حكم تمتع المطلقات، وهل الآية دالة على وجوبه أم الندب إليه؟:- - القول الأول: أن المتعة للمطلقة مندوب إليها. - وهذا قول: ابن أبي ليلى - وأبي الزناد - والليث - ومالك - وبه حكم شريح القاضي. - ودليل هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فيه دلالة على أن المتعة لو كانت واجبة وجوب الحقوق المالية اللازمة بكل حال، لما خص المتقون والمحسنون بأنها واجبة عليهم دون غيرهم. فلما خصهم بالذكر دون غيرهم دل ذلك على أن المتعة مندوب إليها وليست بواجبة، لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم. - الرد على هذا الاستدلال: ١ - أنه يلزم القائل بالندب، ألا يجعل الأمر بالمتعة في الآية ندب، لأن ما كان ندباً لا يختلف فيه المحسنون وغيرهم.

стр. 215

فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم سواء، فكذلك جائز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في الإيجاب، ويكونون هم وغيرهم فيه سواء. ٢ - أن الله جل وعلا إنما ذكر المحسنين والمتقين في الأمر بالمتعة: تأكيداً لوجوبها، وليس في تخصيصهم بالذكر نفياً لإيجابها على غيرهم. كما قال جل وعلا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] فذكر أن هذا القرآن هدى للمتقين، مع كونه هدى لكافة الناس. ولم يكن في ذلك ما يوجب أن لا يكون هدى لغير المتقين. ٣ - أنه على فرضية صحة هذا القول وأن الأمر للندب لكونه خصه بالمحسنين والمتقين، فإن قوله جل وعلا: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] دال على أن ذلك عام في الجميع بالاتفاق، فوجب حمل الآيتين المتقدمتين على ذلك، والقول بوجوب متعة المطلقة. - القول الثاني: أن المتعة للمطلقة واجبة. - وهذا قول: جمهور العلماء. - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿ومتعوهن﴾ وقال: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ فهذا أمر من الله جل وعلا، والأمر يقتضي الوجوب حتى يقوم الدليل على خلافه. ٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقال: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قولك (حقاً عليك). فـ (حقاً عليك) بمعنى (واجب عليك). ٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال:: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وفي هذا التخصيص تأكيد لإيجاب المتعة، إذ جعلها من شرط الإحسان والتقوى، والإحسان والتقوى مطلب واجب على كل مؤمن، إذ أن الله جل وعلا قد أمر جميع عباده بأن يكونوا من المحسنين ومن المتقين، وما وجب من حق على المحسنين والمتقين فعلى غيرهم أوجب ولهم ألزم.
следующие страницы →