وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يتنافسون في الخير، ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضاً عليه، مع تنافسهم فيه، وهو نوع من المسابقة التي دعا الله جل وعلا إليها بقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].
وبقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]. (١)
وهذا النوع من الحسد هو المراد بقول الرسول ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار". (٢)
وقد دل على هذا النوع من الحسد المباح: قوله جل وعلا: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾﴾ [النساء:٣٢].
فللإنسان أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره. إلا أن بعض المحققين قال بعدم جواز ذلك، لأن تلك النعمة التي يتمناها الإنسان ربما كانت مفسدة له إما في دينه وإما في دنياه.
وعليه فينبغي للمسلم أن لا يعين شيئاً في الأمنية والطلب والدعاء، ولكن ليطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق. كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢].
стр. 387
ولذلك كان أحسن الدعاء وأفضله ما ورد في قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فهذا أولى من التمني والطلب لشيء معين، إذ كان أعم الدعاء وأكمله. (١)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء:٣٣]
(١) قال أبو جعفر الطحاوي: عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام، وأيُّما حلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة" (٢)
فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن رسول الله ﷺ أنه قد حالف في الإسلام بين المهاجرين والأنصار.
فذكر عن أنس بن مالك، قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا فقيل له: أليس قد قال النبي ﷺ : "ولا حلف في الإسلام" فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. (٣)
стр. 388
قال سفيان: فسرته العلماء: آخى بينهم.
قال: فلم يلتفت هذا المعارض الذي ذكرنا إلى ما حكيناه له عن ابن عيينة عن العلماء الذين حكاه عنهم.
وقال: قد جاء كتاب الله بما يخبر أنه قد كانت محالفة في الإسلام، وذكر قول الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣].
فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه -: أن الذي تلاه علينا من كتاب الله كما تلاه، ولكن الله قد نسخه عن ابن عباس في قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة تُورَّثُ الأنصار دون رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:٣٣] نسختها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] من النصر والنصيحة والرِّفادة ويوصي له، وقد ذهب الميراث. (١)
فأخبر ابن عباس ﵁ أن هذه الآية قد نسخها غيرها، يعني أنه نسخها قول الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦].
стр. 389
فأخبر ابن عباس في حديثه هذا أن الذي بقي لهم يعني الأحلاف بعد نزول هذه الآية هو النصر والنصيحة والوصية، وأن الميراث قد ذهب. قال: فإذا جمع ما في هذا الحديث وما في حديث أنس بن مالك دلّ على أنه قد كان هناك تحالف، ووكَّد ذلك قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال: ففي هذا ما قد خالف ما قد رويتموه أن "لا حلف في الإسلام"!!
قيل له: ما خالفه، لأن قول النبي ﷺ : "لا حلف في الإسلام" إنما كان منه عند فتحه مكة.
كما عن عمرو بن شعيب، (١) عن أبيه (٢) عن جده عبد الله بن عمرو، (٣) قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح قام خطيباً، فقال: "أيها الناس؛ إنه ما كان من حلف في الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام". (٤)
стр. 390
فأخبر عبد الله بن عمرو أن هذا القول إنما كان من رسول الله ﷺ يوم فتح مكة والذي كان من رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم من المؤاخاة بينهم التي حالف بينهم فيها، كان قبل ذلك بالمدينة، وكان الذي كان من النبي ﷺ في خطبته يوم فتح مكة مما ذكره عبد الله بن عمرو ناسخاً لذلك، ولم يكن منه ﷺ بعد قوله: "لا حلف في الإسلام" حلف إلى أن قبضه الله، صلوات الله عليه.
فقال قائل: فقد روي عن سعيد بن المسيب في تأويل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] خلاف ما رويتموه عن عبد الله بن عباس في ذلك
عن سعيد بن المسيب، قال: قال الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] قال ابن المسيب: إنما نزلت هذه الآية للذين يتبنون رجالاً غير آبائهم فيورثونهم، فأنزل الله فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، وجعل الميراث للرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمُدَّعين ميراثاً ممن ادَّعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيباً في الوصية مكان ما تعاقدوا فيه من الميراث الذي رد الله فيه أمرهم. (١)
стр. 391
فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه -: أن الذي رويناه عن عبد الله بن عباس في ذلك عندنا أولى بتأويل الآية - والله أعلم - بل في الآية ما قد دل على ما قال ابن عباس، وعلى خلاف من خالفه، لأن فيها:: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] وقد كان التحالف فيه أيمان، والتَدعِّي والتبني لم يكن فيهما أيمان، فكان ذلك معقولاً به أن التأويل الذي ذكره عبد الله بن عباس في هذه الآية أولى مما ذكره غيره في تأويلها. والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٤/ ٢٩٦ - ٣٠٣)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن في المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] قولين:
القول الأول: أن المراد هو: المهاجرين الذين كانوا يورثون الأنصار.
والقول الثاني: أن المراد هو: الذين يتبنون رجالاً غير آبائهم.
مرجحاً أن المراد به القول الأول بدلالة قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] إذ أن (الأيمان) إنما كانت في التحالف، ولم تكن في التبني.
وإليك بيان جميع الأقوال الواردة في المراد بالآية:
- القول الأول: أن المراد بالآية هو: أنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية، فقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] ثم نُسخ ذلك الحكم بما فرض الله جل وعلا - من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات، والناسخ لذلك هو قوله جل وعلا: تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦].
فالمراد (بالمعاقدة): المحالفة في الجاهلية. والمراد (بالنصيب): الميراث.
стр. 392
- وهذا قول: جمهور العلماء، منهم ابن عباس - وعكرمة - وقتادة - والضحاك - وسعيد بن جبير - والثوري - والأوزاعي - ومالك - والشافعي - وأحمد بن حنبل (١) - ورجحه الطحاوي.
- وقد رد هذا القول: بأن الآية محكمة غير منسوخة، لأنها تدل على توريث مولى الموالاة، وتوريثهم باق لم ينسخ، غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة العصبات وذوي الأرحام، وعليه فإن الآية غير متعارضة مع آية الأنفال حتى يقال بالنسخ. (٢)
والقول بعدم النسخ هو ما تؤيده السنة: فعن ابن عباس ﵁: (أن رجلاً مات على عهد الرسول ﷺ ولم يدع وارثاً إلا عبداً هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ميراثه). (٣)
- القول الثاني: أن المراد بالآية هو: أنهم كانوا يتحالفون في الجاهلية، فأمروا أن يؤتي بعضهم بعضاً نصيبه من المشورة والنصرة وما أشبه ذلك، دون الميراث.
فالمراد (بالمعاقدة): المحالفة في الجاهلية. والمراد (بالنصيب): النصرة والتأييد.
وعلى هذا القول: فالآية محكمة غير منسوخة، لأن الله جل وعلا أمر بالوفاء بالعقود، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ ومجاهد - وعطاء - والسدي - ورجحه الطبري. (٤)
стр. 393
- القول الثالث: أن المراد بالآية هو: أن المهاجرين حين قدموا المدينة آخى الرسول ﷺ بينهم وبين الأنصار، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة، ثم نسخ الله هذا الحكم بالفرائض، وبقوله جل وعلا: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦].
فالمراد بـ (المعاقدة): المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. والمرد بـ (النصيب): الميراث.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ وجابر بن زيد. (١)
- القول الرابع: أن المراد بالآية هو: أنهم كانوا في الجاهلية يتبنون أبناء غيرهم ويورثونهم، فأمر الله جل وعلا بأن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى ذوي الأرحام والعصبة.
فالمراد بـ (المعاقدة): التبني في الجاهلية. والمراد بـ (النصيب): الوصية من الميراث.
- وهذا قول: سعيد بن المسيب ﵁ والحسن البصري - واختاره ابن كيسان. (٢)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن الله جل وعلا وصف هذا التعاقد بكونه قائماً على الأيمان، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٣] وهذا إنما كان متحققاً في التعاقد والتحالف الذي كان في الجاهلية، وأما ما كان من أمر التبني والمؤاخاة، فلم يكن قائماً على الأيمان، حتى يكون داخلاً في الآية. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 394
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء:٦٠].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال النبي ﵇: "بئس مطية الرجل زعموا" (١)
قال أبو جعفر: فتأملنا ما روي عن رسول الله ﷺ في وصفه "زعموا" بما وصفها به، وذكره إياها أنها بئس مطية الرجل، فوجدنا "زعموا" لم تجئ في القرآن إلا في الإخبار عن المذمومين بأشياء مذمومة كانت منهم، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] ثم أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن:٧].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء:٥٦] ثم أتبع ذلك بإخباره بعجزهم أن دعوهم بذلك بقوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤] ثم رد عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].
ومن ذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦].
стр. 395
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٨].
ومن ذلك قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢].
ومن ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] الآية.
وكل هذه الأشياء، فإخبار عن الله تعالى بها عن قوم مذمومين في أحوال لهم مذمومة، وبأقوال كانت منهم كانوا فيها كاذبين مفترين على الله تعالى، فكان مكروهاً لأحد من الناس لزوم أخلاق المذمومين في أخلاقهم، الكافرين في أديانهم، الكاذبين في أقوالهم.
(شرح مشكل الآثار - ١/ ١٧٣ - ١٧٥)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الله جل وعلا جاء في الآية بالفعل (يزعمون) للإخبار بأن القوم كاذبون فيما ادعوا وذمهم على ذلك، إذ أن الفعل (زعم) لم يجئ في القرآن إلا في الإخبار عن قوم مذمومين بأشياء كانت منهم مذمومة.
ومما يؤكد صحة ماذهب إليه الإمام الطحاوي:
أن (الزعم) في اللغة هو: حكاية قول يكون مظنة للكذب. ومن ذلك قول العرب: (زعم فلان كذا) في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق والصحة، وتتقوى فيه شُبه الإبطال، فغاية درجة (الزعم) إذا قوي أن يكون مظنوناً.
ومن ذلك قول الرسول ﷺ : "بئس مطية الرجل: زعموا". (١)
فهذا دليل على الجهة التي تستعمل فيها (زعموا) فهي لا تستعمل في الأكثر إلا في القول الذي لا تتحقق صحته.
стр. 396
ولهذا جاءت (زعموا) في القرآن الكريم: في كل موضع ذم القائلون به، (١) كما في قوله جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. فجاء بالفعل (زعم) في الآية للإخبار بأن القوم كاذبون فيما ادعوا من أنه لا بعث ولا حساب، ولذمهم على هذا القول الباطل.
وكما في الآية التي معنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:٦٠]. فالمراد (بالزعم) في الآية هو: الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين واليهود الذين كذبوا في قولهم: أنهم آمنوا بما أنزل على الرسول محمد ﷺ وما نزل على الرسل من قبله. (٢)
فعن عامر الشعبي: أنه قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:٦٠]. (٣)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 397
قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء:٧٨]
قال أبو جعفر الطحاوي: تأملنا قوله ﷺ : "والشر ليس إليك" (١) فوجدناه محتملاً أن يكون أراد به: والشر غير مقصود به إليك، لأن من يعمل الخير يقصد به إلى الله رجاء ثوابه، وإنجاز ما وعد عليه، ومن عمل شراً، فليس يقصد به إلى الله . وإن كان كل واحد من الخير ومن الشر فمن الله ، كما قال : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] أي: فإن ذلك كله من عند الله، فييسر أهل السعادة للخير فيعملونه، فيثيبهم ويجازيهم عليه، وييسر أهل الشقاء للشر، فيعملونه، فيعاقبهم عليه، إلا أن يعفو عنهم فيما يجوز عفوه عن مثله، وهو ما خلا الشرك به، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٤/ ٢٢٢)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] دال على أن كل خير أو شر فمن الله جل وعلا، خلقاً وتقديراً. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لمذهب القدرية. وإليك بيان هذه المسألة:
القدر هو: قدرة الله على العباد.
стр. 398
والآيات المثبتة له كثيرة ومنها:
قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. وقوله جل ذكره: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] وقوله جل ذكره: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨].
وما جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحيحة في إثبات القدر من الكثرة بمكان، اذكر منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". (١)
فقد دلت هذه الآيات والأحاديث دلالة ظاهرة على أن القدر خيره وشره، حلوه ومره، من الله جل وعلا خلقاً وتقديراً، فيجب الإيمان به، والتسليم لأمره جل وعلا، والرضا بقضائه، لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". (٢) فلا يتحقق الإيمان الكامل إلا بتحقق الإيمان بجميع أركانه، والتي منها: الإيمان بالقدر خيره وشره. ومن لم يؤمن بالقدر ورده، فقد ضاد الله في أمره، ورد على رسوله ﷺ ما جاء به، وجحد القرآن وما أنزل فيه.
стр. 399
كما دلت هذه الآيات والأحاديث المتقدمة على رد الإدعاء بأن العبد هو الموجد لفعله من غير أن يكون لله جل وعلا تقدير ومشيئة في ذلك، وهذا الإدعاء هو الذي عليه جمهور القدرية.
وقد جعلته المعتزلة أحد أصولهم الخمسة وسموه بالعدل، وستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن العباد هم الذين يقصدون الخير والشر بمشيئتهم، وأما الله جل وعلا فإنه لا يريد ولا يقدر إلا الخير دون الشر.
فالله جل وعلا لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه فعمل به العباد، ثم عذبهم عليه، لكان ذلك جوراً، والله تعالى عدل لا يجور.
وقدر رد هذا الادعاء: بأنه يلزم على هذا الأصل الفاسد، أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه جل وعلا بالعجز والضعف إذ أن مشيئة العباد أغلب من مشيئته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (١)
ومذهب القدرية هذا، خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين يرون أن أفعال العباد كلها من طاعات ومعاص مخلوقة لله ، مقدرة على العباد مقضية عليهم بل وقوعها منهم.
وهذا لا يعني أن العبد مسلوب المشيئة والإرادة كما يدعي الجبرية، لكن أهل السنة يرون أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة غير خارجة عن مشيئة الله وتقديره، بل هي تابعة لمشيئته جل وعلا.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة مع قولهم: (الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة، كما قال جل ذكره: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]. أهـ. (٢)
стр. 400
ومما ينبغي التنبه له أن هناك فرق بين الخير والشر الذي هو من تقدير الله جل وعلا، وقد بين هذا الفرق رسول الله ﷺ حيث كان يقول في دعاء الاستفتاح:" والخير كله بيديك والشر ليس إليك". (١)
ومعنى هذا الدعاء: أن الله جل وعلا لا يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شرٌ كلي أو شرٌ مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو (الشر الذي ليس إليه).
ولهذا لم يضف الشر إلى الله جل وعلا مفرداً قط، وإنما يكون داخلاً في عموم المخلوقات، كما في قوله جل وعلا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]. وقوله جل ذكره: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]. (٢)
وبهذا يظهر جلياً أن القدر خيره وشره، قليله وكثيره، ظاهره وباطنه، من الله جل وعلا قضاءً وقدراَ، قدره على خلقه، فلا يعدو واحداً منهم مشيئته، ولا يجاوز قضاءه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وكل هذا عدل منه فيهم.
فيجب على العبد المؤمن بربه، الإيمان بالقدر خيره وشره، إذ في الإيمان به سعادة للعبد في الدنيا والآخرة، لأنه متى علم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، اطمأن قلبه وتعلق بربه وصرف أمره إليه.
هذا مع ما في الإيمان بالقدر من تحقيق العبودية المطلقة لله جل وعلا. (٣)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 401
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء:٨٥].
قال أبو جعفر الطحاوي: الكِفْلْ هو المثلُ، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] بمعنى: مثلُ منها، من جنسها، وكمثل قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] أي: مثلين، كماعن أبي عبيدة: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال: مثلين.
(شرح مشكل الآثار -٤/ ٢٠٣)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: (كفل) أي: مثل.
وهذا قول: جمهور المفسرين، وأهل اللغة.
فالمراد بالكفل هو: الحظ والنصيب، والمثل من كل شيء.
قال الزجاج: (الكِفْلُ) في اللغة: النصيب. أُخذ من قولهم (اكَتفلْت البعير) إذا وضعت على موضع من ظهره كساء، وركبت عليه، وإنما قيل له (كِفْل) لأنه لم يستعمل الظهر كله، وإنما استعمل نصيباً منه.
ويقال: (ما لفلان كِفْل) أي: ماله مثل.
فالكفل هو: النصيب والمثل من الخير والشر.
ومن استعماله في الخير قوله جل وعلا:: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] وإن كان أكثر ما يستعمل في الشر، ولذلك عبر به - في الآية التي معنا - في الشفاعة السيئة دون الحسنة، فقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]. أي: يكن له حظ ومثل من الوزر والإثم، والحظ من الوزر والإثم وزر وإثم. (١)
стр. 402
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء:٩٢].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا، وعثمان البتي، (١) والحسن بن حي: (٢) دية الكافر مثل دية المسلم، واليهودي، والنصراني، والمجوسي والمعاهد والذمي سواء.
وقال مالك: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.
وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث الدية، ودية المجوسي ثمانمائة، والمرأة على النصف.
قال أبو جعفر: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح قال في خطبته: (دية الكفار نصف دية المسلم). (٣)
стр. 403
قال أبو جعفر: لم ترو عن النبي ﷺ في دية الكافر أنها النصف، أعلى من هذا الحديث، وليس كل أهل العلم بالحديث يقبلون هذا الإسناد ولا يحتجون به.
وروي عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: (دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم). قال سعيد: وقضى عثمان (١) في دية المعاهد بأربعة آلاف
وروى ابن شهاب قال: كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، يجعلون دية اليهود والنصارى إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم سواء.
وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢].
قال: (نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يؤدون الدية كاملة، وبني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق، فجعل الدية سواء). (٢)
стр. 404
قال أبو جعفر: ومن جهة النظر أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] كما قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فذكر الدية في كل واحد منهما والكفارة.
واتفقوا على أن الكفارة فيهما واحدة، كذلك الدية، فتأول مالك على أن المقتولين في هذه الآية مؤمنون، لأنه قال في أول هذه الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢]: أي: إن كان ذلك المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق والحجة عليه: أن الله تعالى قد قال في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢] فدل ذلك على أنه تعالى لم يعطفه على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]؛ لأنه لو كان معطوفاً عليه، لأغنى ذلك عن وصفه بالإيمان.
وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ﴿النساء:٩٢] غير مضمر فيه المؤمن الذي تقدم ذكره؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢]: هو الذي يلي قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فإذا لم يكن ما يليه معطوفاً، عليه فما بعده أولى بذلك، فثبت أن دية المسلم والكافر سواء.
وروي عن علقمة، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والزهري.
(مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ١٥٥ - ١٥٧)
стр. 405
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال في دية الكافر، مرجحاً أن دية الكافر مثل دية المسلم بدلالة الآية.
حيث دل قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] على أن المؤمن المقتول يجب له الدية والكفارة.
ودل قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] على أن الكافر المقتول يجب له الدية والكفارة.
وإليك أولاً: بيان الأقوال في المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢]:
القول الأول: أن المراد بالآية هو: المؤمن.
والتقدير في الآية: (وإن كان المقتول مؤمناً من قوم بينكم وبينهم ميثاق).
- وهذا قول: النخعي - وجابر بن زيد - والحسن - ومالك.
فالمراد بالآية هو: المقتول المؤمن، لأن موضوع الآية فيمن قتل مؤمناً خطأ، فقد ذكر الله جل وعلا أولاً حال المؤمن المقتول خطأ، ثم ذكر حال المؤمن المقتول خطأ إذا كان في قوم هم من أهل الحرب، ثم ذكر حال المؤمن المقتول خطأ إذا كان في قوم من أهل الذمة والعهد.
ولا شك أن هذا ترتيب حسن، فكان حمل اللفظ عليه لا شك في جوازه.
- والذي يؤكد صحة هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ [النساء:٩٢] لابد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم، والذي جرى ذكره فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ، فوجب حمل اللفظ عليه.
القول الثاني: أن المراد بالآية هو: الكافر.
وقد لزمت المؤمن القاتل دية الكافر المقتول، لأن له ولقومه عهداً، فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين، ولأنها مال من أموالهم، ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب من أنفسهم.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ والزهري - والشعبي - والنخعي - وقتادة - وابن زيد.
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
стр. 406
١ - أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]. فلو كان المراد بالآية المؤمن لما كانت الدية مسلمة إلى أهله، لأن أهله كفار لا يرثونه. (١) فلزم أن يكون المراد بالآية: الكافر.
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الدية جبر لأولياء القتيل، وليست مالاً موروثاً عن القاتل، حتى يقال بأن أهله كفار لا يرثونه. (٢)
٢ - أن المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت عموم قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] فلو كان المراد من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] هو المؤمن، لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه، وهذالا يجوز بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار الحرب، فإن الله جل وعلا إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله.
وأما في هذه الآية فقد أوجب الدية والكفارة، فلو كان المراد منه المؤمن، لكان هذا إعادة وتكراراً من غير فائدة، وهذا لا يجوز.
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الله جل وعلا ذكر أولاً حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ إجمالاً، ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب فبين أن الدية لا تجب في قتله.
ثم ذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة وبين وجوب الدية والكفارة في قتله.
فالغرض من هذا التقسيم إظهار الفرق بين هذا القسم وبين القسم الذي قبله. (٣)
стр. 407
وعليه فإنه ليس في الآية تكرار من غير فائدة.
٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] فإطلاق القول بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهداً مثلهم. ومثال ذلك قول القائل: (إن هذا رجل من أهل الذمة) يفيد أنه ذمي مثلهم، فكذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] يوجب أن يكون معاهداً مثلهم، ألا ترى أنه لما أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين قال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢] فقيده بذكر الإيمان، لأنه لو أطلقه لكان المفهوم منه أنه كافر مثلهم. (١)
وقد رد هذا الاستدلال: بأمرين:
١ - أن كلمة (من) صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة (في). فكان المعنى: (وإن كان في قوم عدو لكم) فكذلك هنا يجب أن يكون المعنى: (وإن كان في قوم بينكم وبينهم ميثاق). (٢)
٢ - أن فائدة التقييد بالإيمان في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢] هو على سبيل التوكيد، لا على سبيل التقييد إذ القيد مفهوم مما قبله في الاستثناء وفي جملة الشرط، فلو أطلق ولم يأت بقوله: (وهو مؤمن) لكان الضمير الذي في (كان) عائداً على المقتول خطأ، لأنه لم يجر ذكر لغيره، فلا يعود الضمير على غير من لم يجر له ذكر، ويترك عوده على ما جرى ذكره. (٣)
وعليه فإن فائدة وصفه بالإيمان هي:
دفع التوهم الذي قد يفهم من قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء:٩٢] بحيث قد يظن ظان أنه أيضاً عدو لنا في الدين، فجاء الوصف (بالإيمان) لإزالة هذا التوهم، وتأكيد وصفه بالإيمان.
القول الثالث: أن الآية عامة في المؤمن والكافر.
стр. 408
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ والشعبي - والنخعي - والشافعي - والطبري. (١)
- وقد استدل أصحاب هذا القول: بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] فأطلق اللفظ ولم يقيده بذكر (الإيمان) فوجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكافرين من قوم بيننا وبينهم ميثاق.
وغير جائز تخصيصه بالمؤمنينن أو بالكافرين لعدم الدليل. (٢)
الترجيح: والراجح هو القول الأولى. لأن موضوع الآية فيمن قتل مؤمناً خطأ، فوجب حمل اللفظ عليه دون غيره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: بيان الأقوال في مقدار دية الكافر:
القول الأول: أن دية الكافر المعاهد مثل دية المسلم.
- وهذا القول: روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس ﵃.
وهو قول: النخعي - والشعبي - والثوري - وعلقمة - ومجاهد - وسعيد بن المسيب - والزهري - وعثمان البتي - والحسن بن حي. وإليه ذهب: الحنفية - وأصحاب الرأي. (٣)
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - ما رواه نافع عن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (دية الذمي مثل دية المسلم). (٤)
وقد رد هذا الحديث: بأن في سنده أبو كرز وهو متروك الحديث. ولو يروه عن نافع غيره. (٥)
стр. 409
٢ - ما رواه ابن عباس ﵁ قال: (ودى رسول الله ﷺ رجيلن من المشركين - وكانا منه في عهد- دية الحرين المسلمين). (١)
وقد رد هذا الحديث: بأن في سنده الحسن بن عمارة وهو متروك لا يحتج به. (٢)
٣ - ما رواه أبو الهيثم أن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا: (دية المعاهد: دية الحر المسلم). (٣)
وقد رد هذا الحديث: بأن في سنده عثمان الوقاصي وهو متروك الحديث. (٤)
كما يرد على جميع الروايات المتقدمة:
أ- بأن ما ثبت فيها من أن الرسول ﷺ أعطى في ذي العهد مثل دية المسلم، فإنما كان على معنى الاستئلاف لقومهم، إذ كان يؤديها من قبل نفسه ولا يرتبها على العاقلة. (٥)
ب- أما ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فهي روايات مضطربة منقطعة فلا حجة فيها. (٦)
٤ - أن الكافر آدمي حر معصوم الدم، فتكمل ديته كالمسلم.
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الكفر نقص مؤثر في الدية.
стр. 410
٥ - أن الله جل وعلا قال في المسلم المقتول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] وقال في الكافر الذمي المقتول مثل ذلك، فقال جل ذكره: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فلم يفرق جل وعلا بين مايجب للمسلم المقتول، وبين ما يجب للكافر المقتول، فدل ذلك على أن ديتهما سواء، كما أن الكفارة عنهما سواء. (١)
كما أن الدية اسم لمقدار من المال بدلاً من نفس الحر، كانت معلومة المقدار عندهم قبل الإسلام وبعده، وهي (مائة من الإبل). فمتى أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا المقدار.
فإطلاق لفظ الدية في الآية قد أنبأ عن هذا المعنى، وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها (دية مسلمة) قد اقتضى ذلك أيضاً. فوجب أن تكون الدية المذكورة للذمي هي الدية المذكورة للمؤمن، وإلا كان لفظ (الدية) لفظاً مجملاً مفتقراً إلى البيان، وليس الأمر كذلك. (٢)
وقد رد هذا الاستدلال بالأمور التالية:
١ - أنه ليس المراد بالآية الكافر المقتول، وإنما المراد بها المؤمن المقتول، وقد تقدم بيان صحة هذا القول، ورجحانه على غيره.
٢ - أن (الدية) اسم لما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى وليه. فلفظ (الدية) لفظ مجمل لا تعلق له بالمقدار.
ومثال ذلك قول القائل: (من أتلف ثوباً فعليه ضمانه، ومن أتلف دماً فعليه ضمانه) فهذا اللفظ لا يفهم منه المساواة في المقدار ولا التفاوت فيه، وإنما يعلم ذلك من بيان آخر.
стр. 411
وعليه: فإن الآية غير دالة على مقدار ما يعطى في الدية، وإنما فيها إيجاب الدية مطلقاً، وقد جاءت السنة الصحيحة مبينة هذا المقدار، فعن الرسول ﷺ أنه قال: (دية الكافر مثل نصف دية المسلم). (١)
فوجب الأخذ بهذا التقدير دون غيره. (٢)
القول الثاني: أن دية اليهودي والنصراني المعاهد: ثلث دية المسلم، ودية المجوسي: ثمانمائة درهم.
- وهذا القول: روي عن عمر وعثمان ﵃ وهو قول: عطاء - والحسن - وعكرمة - وسعيد بن المسيب - وعمرو بن دينار - وإسحاق - وأبي ثور. وإليه ذهب: الشافعية. (٣)
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن الرسول ﷺ : (فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم). (٤)
٢ - أن المرأة المسلمة فوق الرجل الكتابي، فوجب أن تنقص ديته عن ديتها، فتكون ديته ثلث دية المسلم. (٥)
٣ - أن المجوسي لا يجوز اعتباره بالمسلم ولا الكتابي لنقصان دينه وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته كنقص دية المرأة عن دية الرجل. (٦)
٤ - ما رواه عقبة بن عامر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (دية المجوسي ثمانمائة درهم). (٧)
стр. 412
القول الثالث: أن دية اليهودي والنصراني المعاهد: نصف دية المسلم. ودية المجوسي: ثمانمائة درهم.
- وهذا قول: عمر بن عبد العزيز - وعروة بن الزبير - وعمرو بن شعيب.
وإليه ذهب: المالكية - والحنابلة. (١)
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن الرسول ﷺ قال: (دية المعاهد نصف دية المسلم). (٢) ٨)
قال الخطابي: وليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا، ولا بأس بإسناده. أهـ. (٣)
٢ - ولأن الكفر نقص مؤثر في الدية، فأثر في تنصيفها كالأنوثة. (٤)
الترجيح: والراجح هو القول الثالث، لصحة الخبر به عن الرسول ﷺ .
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في هذه المسألة. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء:٩٤].
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله : ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]، وفي قراءة غيره منهم: (فَتَثَبَّتُوا).
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ١٤٠)
стр. 413
بين الإمام الطحاوي القراءات الواردة في قوله جل وعلا: (فتبينوا) [النساء:٩٤] من غير نسبة إلى من قرأ بها.
وإليك بيان هذه القراءات:
القراءة الأولى: (فَتَثَبَّتُوا).
- وهذه قراءة: حمزة - والكسائي - والحسن - والأعمش. (١)
- ومن اختار هذه القراءة فحجته: أنه لما كان معنى الآية الحض للمؤمنين على التأني، وترك الإقدام على القتل، دون تثبت وتبين، أتى بالتثبت، لأنه خلاف الإقدام، ولأنه أفسح للمأمور من التبين، لأن كل من أراد أن يتثبت قدر على ذلك، وليس كل من أراد أن يتبين قدر على ذلك، لأنه قد يتبين، ولا يتثبت له ما أراد بيانه. (٢)
القراءة الثاني: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
- وهذه قراءة: الباقين من القراء. (٣)
- ومن اختار هذه القراءة فحجته: أنه لما كان معنى الآية: افحصوا عن أمر من لقيتموه، واكشفوا عن حاله قبل أن تبطشوا بقتله، حتى يتبين لكم حقيقة ما هو عليه من الدِّين - لما كان هذا هو معنى الآية - كانت هذه القراءة أولى. وأيضاً فإن التبين يعم التثبت، لأن كل من تبين أمراً، فليس يتبينه إلا بعد تثبت، ظهر ذلك الأمر أو لم يظهر له، لابد من التثبت مع التبين، ففي التبين معنى التثبت، وليس كل من تثبت في أمر تبينه، فقد يتثبت ولا يتبين له الأمر، فالتبين أعم من التثبت في المعنى لاشتماله على معنى التثبت.
وعليه فالاختيار لقراءة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ لعموم لفظها، ولأن أكثر القراء عليها. (٤)
стр. 414
الدراسة
الترجيح: والراجح هو أن كلاً القراءتين صواب، لأنهما قراءتان متواترتان، ولأنهما بمعنى واحد، وإن اختلف لفظهما، فبأيهما قرأ القارئ فقد أصاب. (١)
قال ابن خالويه: والأمر بينهما قريب، لأن من تبين فقد تثبت، ومن تثبت فقد تبين. أهـ. (٢)
وقال ابن عطية: وهو الصحيح، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن التثبت يقتضي محاولة اليقين، فهما سواء. أهـ. (٣)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في القراءات الواردة في الآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء:٩٥].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الكريم (٤) أن مقسماً مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس أنه سمعه يقول: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر، قال: لما نزل غزو بدر، قال عبدُ بن جحش الأسدي أبو أحمد (٥)
стр. 415
وابن أم مكتوم (١): إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا من رخصة؟ فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] (٢)
وعن سهل بن سعد الساعدي (٣) أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، فقال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى - فأنزل الله على رسوله، وفخذه على فخذي فثقلت حتى خفت أن ترض فخذي ثم سُرَّيَ عنه فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] (٤)
стр. 416
وعن البراء بن عازب، قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] دعا رسول الله رجلاً، فجاء ومعه اللوح والدواة، أو الكتف، فقال: اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]- وخلف ظهر رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم الأعمى - فقال: يا رسول الله أنا ضرير البصر، قال: فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]. (١).
وعن أبي نضرة (٢)، قال: سألت ابن عباس عن قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] الآية. قال ابن عباس: أقوام حبستهم أمراض وأوجاع، وكان أولئك أولي الضرر، وكان القاعد المريض أعذر من القاعد الصحيح. (٣)
стр. 417
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: أفيكون ما في حديث أبي نضرة هذا عن ابن عباس مخالفاً لما في حديث مقسم، عن ابن عباس الذي قد رويته في هذا الباب، لأن في ذلك أنه نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ثم أنزل بعدها: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. وفي حديث أبي نضرة ذكر ذلك كله نسقاً، فظاهره يوجب أن نزولها كلها كان معاً.
قيل له: ما بينهما اختلاف، لأن حديث مقسم إنما فيه إخبار ابن عباس عن سبب نزولها على رسول الله ﷺ كيف كان، وحديث أبي نضرة إنما فيه عن ابن عباس الإخبار بتأوليها الذي استقر عليه أمرها، وكان ذلك منه بعد رسول الله ﷺ ، فكل واحد منه ومن حديث مقسم في معنى غير المعنى الذي فيه صاحبه، وإن كان ما استقرت عليه الآية فيهما جميعاً مؤتلفاً غير مختلف.
عن الفلتان بن عاصم الجرمي (١) أنه قال: كنا قعوداً مع النبي ﷺ فأنزل عليه - وكان إذا أنزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفَرَّغ سمعه وبصره لما جاءه من الله فلما فرغ، قال للكاتب، اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥] فقام الأعمى فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟ فأنزل الله عليه، فقلنا للأعمى: إن رسول الله ﷺ أنزل عليه.
стр. 418
قال: فبقي قائماً يقول: أتوب إلى رسول الله ﷺ ،فقال للكاتب: اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. (١)
فقال قائل: كيف تقبلون هذه الأخبار، وتثبتون بها أن نزول هذه الآية كان في البدء: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] وفي ذلك تفضيل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بعذر وبغير عذر، والقاعدون بعذر لم يقعدوا اختياراً لترك الجهاد، وإنما قعدوا عجزاً عن الجهاد، فكيف يجوز أن يستوي في ذلك فضل المجاهدين على القاعدين المعذورين، ويكونون في ذلك مع العذر الذي معهم كمن سواهم من القاعدين، ممن لا عذر معهم، وكيف يجوز أن يكون ذوو الضرر من أصحاب رسول الله ﷺ وهم في الفقه على ما هم عليه منه، والقرآن أيضاً نزل بلغتهم يظنون بالله أنه سوى في ذلك بينهم مع العذر الذي معهم، وبين غيرهم من القاعدين عن الجهاد ممن لا عذر معه، وقد سمعوا الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، ولم يؤتهم الله القوة على الجهاد، وسمعوه يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وأعظَمَ أن تكون هذه الأخبار على ما قد ذكر فيها، وقال: محال أن يكون كان نزول هذه الآية إلا كما يقرؤها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥] الآية.
стр. 419
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن هذه الآثار التي رويناها آثار صحاح ثابتة لا يدفع العلماء صحتها، ولا يطعنون في أسانيدها، ولا يختلفون أن الآية المذكورة فيها كان بدء نزولها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]. وأن ابن أم مكتوم وأبا أحمد بن جحش لما ذكرا لرسول الله ﷺ عجزهما عن الجهاد بالضر الذي بهما أنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]، فصارت الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ولم يكن ذلك عندنا - والله أعلم - على أن الله أرادهما وأمثالهما بهذه الآية، مع عجزهما عن المعنى الذي فيها مما يفضل به المجاهدون على القاعدين غير أولي الضرر، ولكنهما ذهب ذلك عنهما، حتى كان منهما من القول ما ذكر عنهما في هذه الآثار لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله عند ذلك على رسوله:: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] إعلاماً منه إياهما أنه لم يردهما ولا أمثالهما بذلك التفضيل الذي فضل به المجاهدين على القاعدين، فكيف يجوز أن يكون الأمر بخلاف ذلك وقد سمعوا الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] يعني: في تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ .
فإن قال قائل: أفيجوز أن يذهب عنهما مثل هذا من مراد الله بهذه الآية؟
стр. 420
قيل له: وما تنكر من هذا وقد كان رسول الله ﷺ لما أنزل عليه في الصيام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْودِ﴾ [البقرة:١٨٧] وتلاها عليهم، حملوها على ما قد ذكره سهل بن سعد الساعدي من حملهم إياها عليه حتى أنزل الله على رسوله ﷺ ما أعلمهم به أن مراده جل وعز غير ما ظنوه به جل وعز. كما عن سهل بن سعد الساعدي، قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] جعل الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود، فيجعلهما تحت وسادة، فينظر متى يتبينهما، فيترك الطعام. قال: فبين الله ذلك ونزلت: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. (١)
فكان في هذا الحديث تبيان الله أن الذي أراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود غير الذي ظنوا أنه أراده بهما.
وكذلك عدي بن حاتم الطائي (٢)
стр. 421
فيما روي عنه في هذا المعنى. كما عن الشعبي قال: أخبرنا عدي بن حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] عمدت إلى عقالين أحدهما أسود، فجعلت أنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت، غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: (إن وسادك لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل)). (١)
أفلا ترى أنهم لما سمعوا قول الله جل وعز: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] حملوا ذلك على ما حملوه عليه حتى بين الله لهم في كتابه وعلى لسان رسوله أن الذي أراده خلاف ما ظنوه، وكذلك ما كان من قصة ابن أم مكتوم وأبي أحمد لما تلا عليهما رسول الله ﷺ ما تلا ظناً أنهما من المفضولين فيما تلاه عليهما، فبين الله لهما بإنزاله على رسوله ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] أنه لم يردهما ولا أمثالهما من ذوي الضرر، وإنما أراد غيرهما ممن لا ضرر به.
стр. 422
وفيما ذكرنا ما قد دل على أن القراءة في ذلك كما قرأها من قرأها بالرفع وهم: عاصم، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة، لا كما قرأها مخالفوهم: ﴿غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] بالنصب، وهم: أبو جعفر (١)، وشيبة (٢)، ونافع، وابن كثير (٣)، وعبد الله بن عامر (٤)، وقد كان أبو عبيد القاسم بن سلام ذهب إلى قراءة هؤلاء المدنيين، وقال مع ذلك: إن الرفع وجه في العربية ممكن غير مستنكر، وكذلك كان الفراء (٥) يذهب إلى صحته في العربية، ويقول: هو على النعت للقاعدين. قال: وما كان من نعتهم كان كذلك إعرابه بالرفع لا بغيره كما قال : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] فكان نعته إياهم بمثل ما ذكرهم به من الجر لا ما سواه. والله نسأله التوفيق.
стр. 423
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام في السبب الذي به اختار: ﴿غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] بالنصب، فقال: وروي عن أصحاب رسول الله ﷺ غير واحد ذكرهم - أن نزولها كان على الاستثناء، فوجب بذلك أن تكون منصوبة.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه لم يرو عن واحد من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: إنما نزلت للاستثناء مما كان نزل قبلها، وإنما روي عنه منهما في سبب نزولها ما قد رويناه في ذلك في صدر هذا الباب. ولو كانت كلها نزلت معاً، لجاز أن يكون ذلك على الاستثناء، فيكون النصب فيه أولى من الرفع، ولكنه إنما كان الذي نزل أولاً منها هو قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ونحن نحيط علماً أن الله لم يعن القاعدين بالزمانة مع النية أنهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن المجاهدون أفضل منهم، لأنهم جاهدوا بقوتهم، وتخلف الآخرون عن الجهاد بعجزهم عنه. وقد قال الله :: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩١ - ٩٢]، ثم أعلم بعد ذلك أن السبيل على خلاف هؤلاء بقوله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٩٣]. وقال : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١].
стр. 424
ومن حمل الأمر على غير ما ذكرنا، كان قد قال قولاً عظيماً، ونسب الله إلى أنه قد تعبد خلقه بما هم عاجزون عنه. وإذا كان نزول ما قد تلونا على ما قد ذكرنا، كان ما أنزل الله بعد ذلك من قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] تبياناً لما كان أنزله قبل ذلك من القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدين، فكان الرفع أولى به من غيره.
(شرح مشكل الآثار-٤/ ١٤١ - ١٥٥)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] كما بين - رحمه الله تعالى - أن سبب نزول الآية دال على أن نزولها كان على مرحلتين. ورد الاعتراض الوارد على ذلك والقول بأن نزولها كان مرة واحدة، ثم ذكر القراءات الواردة في الآية، مختاراً القراءة بالرفع.
[وإليك أولاً: بيان سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]:
وردت روايات متعددة وكلها متقاربة في بيان أن سبب نزول قوله جل وعلا:: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] هو ما كان من فهم خاطئ للآية عند بعض الصحابة، حيث فهموا أن الآية عامة في القاعدين مطلقاً، فنزل قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] لتصحيح هذا الفهم الخاطئ، وتحديد المقصود بالآية على وجه لا يدخله لبس ولا إشكال. ومن هذه الروايات:
стр. 425
ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] أمر رسول الله ﷺ زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]. (١)
فدلت هذه الرواية الصحيحة على: أن نزول هذه الآية كان على مرحلتين:
ففي المرحلة الأولى: نزلت الآية عامة في القاعدين، وكان نص الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥].
وقد أشكل هذا العموم في الآية على بعض الصحابة القاعدين من عذر، فظنوا أنهم داخلون في عموم هذه الآية، فكان لابد من قيد يزيل هذا الفهم الخاطئ.
وهذا ما كان في المرحلة الثانية حيث نزل قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] فكان هذا قيداً أخرج الآية من عمومها، وجعلها خاصة في القاعدين بغير عذر، وصار نص الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥].
وقد اعترض على هذا الاستدلال، والقول بأن الآية نزلت على مرحلتين: بأمرين:
١ - عدم صحة هذه الآثار لأن فيها بيان أن نص الآية في المرحلة الأولى كان عاماً في القاعدين بدون تفريق بين القاعدين بعذر والقاعدين بغير عذر.