فيما روي عنه في هذا المعنى. كما عن الشعبي قال: أخبرنا عدي بن حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] عمدت إلى عقالين أحدهما أسود، فجعلت أنظر إليهما، فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت، غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: (إن وسادك لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل)). (١)
أفلا ترى أنهم لما سمعوا قول الله جل وعز: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] حملوا ذلك على ما حملوه عليه حتى بين الله لهم في كتابه وعلى لسان رسوله أن الذي أراده خلاف ما ظنوه، وكذلك ما كان من قصة ابن أم مكتوم وأبي أحمد لما تلا عليهما رسول الله ﷺ ما تلا ظناً أنهما من المفضولين فيما تلاه عليهما، فبين الله لهما بإنزاله على رسوله ﷺ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] أنه لم يردهما ولا أمثالهما من ذوي الضرر، وإنما أراد غيرهما ممن لا ضرر به.
стр. 422
وفيما ذكرنا ما قد دل على أن القراءة في ذلك كما قرأها من قرأها بالرفع وهم: عاصم، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة، لا كما قرأها مخالفوهم: ﴿غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] بالنصب، وهم: أبو جعفر (١)، وشيبة (٢)، ونافع، وابن كثير (٣)، وعبد الله بن عامر (٤)، وقد كان أبو عبيد القاسم بن سلام ذهب إلى قراءة هؤلاء المدنيين، وقال مع ذلك: إن الرفع وجه في العربية ممكن غير مستنكر، وكذلك كان الفراء (٥) يذهب إلى صحته في العربية، ويقول: هو على النعت للقاعدين. قال: وما كان من نعتهم كان كذلك إعرابه بالرفع لا بغيره كما قال : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] فكان نعته إياهم بمثل ما ذكرهم به من الجر لا ما سواه. والله نسأله التوفيق.
стр. 423
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام في السبب الذي به اختار: ﴿غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] بالنصب، فقال: وروي عن أصحاب رسول الله ﷺ غير واحد ذكرهم - أن نزولها كان على الاستثناء، فوجب بذلك أن تكون منصوبة.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه لم يرو عن واحد من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: إنما نزلت للاستثناء مما كان نزل قبلها، وإنما روي عنه منهما في سبب نزولها ما قد رويناه في ذلك في صدر هذا الباب. ولو كانت كلها نزلت معاً، لجاز أن يكون ذلك على الاستثناء، فيكون النصب فيه أولى من الرفع، ولكنه إنما كان الذي نزل أولاً منها هو قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ونحن نحيط علماً أن الله لم يعن القاعدين بالزمانة مع النية أنهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن المجاهدون أفضل منهم، لأنهم جاهدوا بقوتهم، وتخلف الآخرون عن الجهاد بعجزهم عنه. وقد قال الله :: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩١ - ٩٢]، ثم أعلم بعد ذلك أن السبيل على خلاف هؤلاء بقوله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٩٣]. وقال : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١].
стр. 424
ومن حمل الأمر على غير ما ذكرنا، كان قد قال قولاً عظيماً، ونسب الله إلى أنه قد تعبد خلقه بما هم عاجزون عنه. وإذا كان نزول ما قد تلونا على ما قد ذكرنا، كان ما أنزل الله بعد ذلك من قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] تبياناً لما كان أنزله قبل ذلك من القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدين، فكان الرفع أولى به من غيره.
(شرح مشكل الآثار-٤/ ١٤١ - ١٥٥)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] كما بين - رحمه الله تعالى - أن سبب نزول الآية دال على أن نزولها كان على مرحلتين. ورد الاعتراض الوارد على ذلك والقول بأن نزولها كان مرة واحدة، ثم ذكر القراءات الواردة في الآية، مختاراً القراءة بالرفع.
[وإليك أولاً: بيان سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]:
وردت روايات متعددة وكلها متقاربة في بيان أن سبب نزول قوله جل وعلا:: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] هو ما كان من فهم خاطئ للآية عند بعض الصحابة، حيث فهموا أن الآية عامة في القاعدين مطلقاً، فنزل قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] لتصحيح هذا الفهم الخاطئ، وتحديد المقصود بالآية على وجه لا يدخله لبس ولا إشكال. ومن هذه الروايات:
стр. 425
ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] أمر رسول الله ﷺ زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]. (١)
فدلت هذه الرواية الصحيحة على: أن نزول هذه الآية كان على مرحلتين:
ففي المرحلة الأولى: نزلت الآية عامة في القاعدين، وكان نص الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥].
وقد أشكل هذا العموم في الآية على بعض الصحابة القاعدين من عذر، فظنوا أنهم داخلون في عموم هذه الآية، فكان لابد من قيد يزيل هذا الفهم الخاطئ.
وهذا ما كان في المرحلة الثانية حيث نزل قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] فكان هذا قيداً أخرج الآية من عمومها، وجعلها خاصة في القاعدين بغير عذر، وصار نص الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥].
وقد اعترض على هذا الاستدلال، والقول بأن الآية نزلت على مرحلتين: بأمرين:
١ - عدم صحة هذه الآثار لأن فيها بيان أن نص الآية في المرحلة الأولى كان عاماً في القاعدين بدون تفريق بين القاعدين بعذر والقاعدين بغير عذر.
стр. 426
٢ - على فرض أن الآية نزلت على مرحلتين، كيف يفهم الصحابة - رضوان الله عليهم - من هذه الآية - في المرحلة الأولى - هذا الفهم الخاطئ، مع أنهم رضوان الله عليهم كانوا على قدر كبير من العلم والفقه والفهم، ومع علمهم بأن الله جل وعلا قد رفع التكليف عن كل عاجز فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقد أجيب عن هذا الاعتراض:
١ - بأن هذه الآثار الواردة في سبب نزول الآية، والدالة على أن نزولها كان على مرحلتين آثار صحيحة ثابتة، فلا مدخل للاعتراض عليها.
٢ - أن الآية في المرحلة الأولى وإن كانت عامة إلا أنه جل وعلا لم يقصد بها إلا القاعدين بغير عذر، إذ الأدلة الدالة على إخراج ذوي الأعذار ظاهرة الدلالة على ذلك ومن هذه الأدلة:
قوله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله جل وعلا:: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] وقوله جل ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩١].
ولكن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - غابت عن عقولهم هذه الآيات وما دلت عليه، وخافوا أن يكون المقصود بالآية القاعدين مطلقاً.
فلما حصل هذا الفهم الخاطئ عند بعض الصحابة استلزم الأمر نزول ما يزيل هذا الفهم الخاطئ بالكلية، ويؤكد أن المراد بالآية هو: القاعدين من غير عذر. (١)
стр. 427
وحدوث مثل هذا الفهم الخاطئ للمراد بالآية عند بعض الصحابة له أمثلة كثيرة، ولا مانع منه، وذلك لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا ولا الناس من بعدهم على درجة واحدة في فهم كتاب الله جل وعلا، بل كانوا يتفاوتون في ذلك، فقد كان يشكل على بعضهم ما لا يشكل على الآخر.
ويرجع ذلك التفاوت إلى تفاوتهم في معرفة اللغة العربية، ومعرفة ما يحيط بنزول الآية من أحداث وملابسات، زد على ذلك تفاوتهم في القدرة العقلية شأنهم شأن سائر البشر. (١)
لهذا فمن غير المستبعد أن يكون ما جاء من تكملة للآية التي معنا - من قوله جل وعلا ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] لإزالة هذا الإشكال الوارد عند بعض الصحابة في فهم المراد بالآية. ومن الأمثلة على وجود تفاوت عند الصحابة في فهم المراد بالآيات:
ما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة ويحتجان بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] ولو أنهما علما سبب النزول لما قالا ذلك، ولكن خفي عليهما فوقعا في هذا الفهم الخاطئ (٢)، فسبب نزول الآية: (أن أناساً قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وكانوا يشربون الخمر، فنزلت الآية). (٣)
فدل سبب النزول على أن المقصود بالآية، من كان يشرب الخمر قبل تحريمها،.
стр. 428
إلى غير ذلك من الأمثلة الدالة على تفاوت الصحابة ﵃ في فهم المراد بكتاب الله ﵎.
[المسألة الثانية: بيان القراءات الواردة في قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥].
القراءة الأولى: بالنصب: ﴿غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥].
- وهذه قراءة: نافع - والكسائي - وابن عامر - وأبو جعفر - وخلف. (١)
- وفي هذه القراءة من الناحية الإعرابية وجهين:
١ - النصب على الاستثناء من القاعدين.
والمعنى: (لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين). (٢)
٢ - النصب على أن (غير) في موضع الحال.
والمعنى: (لا يستوي القاعدون في حال الصحة وانتفاء الضرر مع المجاهدين، كما تقول: (جاءني أحمد غير مريض) أي: جاءني أحمد صحيحاً). (٣)
وحجة من اختار هذه القراءة:
أنه ثبت أن قوله جل وعلا: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] نزل بعد نزول قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] فلو كان صفة لم يكن النزول فيهما إلا في وقت واحد، فلما نزل قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. في وقت بعد وقت نزول قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] علم أنه استثناء. (٤)
فالقراءة بالنصب على الاستثناء أولى، لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج، كما دلت الروايات المتقدمة على ذلك.
وقد رد هذا القول:
стр. 429
١ - بأن اقتران (غير) (بالقاعدين) يكاد يوجب الرفع على أنه صفة، لأن الاستثناء ينبغي أن يكون بعد تمام الكلام. فتقول مثلاً: (لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلاناً). (١)
٢ - أنه يلزم من هذا القول: أن الله جل وعلا كلف عباده بما لا يطيقون حيث سوى بين القاعدين الأصحاء والقاعدين لعجز، ثم رفع التكليف عن القاعدين لعجزهم، وهذا قول باطل لا يصح الأخذ به. (٢)
القراءة الثانية: بالرفع: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥].
- وهذه قراءة: ابن كثير - وأبي عمرو - وعاصم - وحمزة. (٣)
- وفي هذه القراءة من الناحية الإعرابية وجهين:
١ - الرفع على أن كلمة (غير) صفة للقاعدين.
لأنه لم يقصد بالقعدين قوم بأعيانهم، بل أراد بهم الجنس، فصاروا نكرة، فجاز وصفهم بـ (غير). والمعنى: (لا يستوي القاعدون الأصحاء الذي هم غير أولي الضرر والمجاهدون). (٤)
٢ - الرفع على أن كلمة (غير) بدل من القاعدين.
والمعنى: (لا يستوي من كان من غير أولي الضرر مع المجاهدين). (٥)
وحجة من اختار هذه القراءة: أن (غير) متى كانت صفة، كان المقصود من الاستثناء حاصلاً منها، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت (أولي الضرر) من تلك المفضولية.
إلا أنه لما كان الأصل في كلمة (غير) أن تكون (صفة). كانت القراءة بالرفع على أنها صفة أولى. (٦)
القراءة الثالثة: بالجر: ﴿غيرِ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥].
- وهذه قراءة: الأعمش - وأبي حيوة. (٧)
- وفي هذه القراءة من الناحية الإعرابية وجهين:
١ - الجر لكلمة (غير) على أنها صفة للمؤمنين.
стр. 430
٢ - الجر لكلمة (غير) على أنها بدل من المؤمنين.
والمعنى على هذه القراءة: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء الذين هم غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله). (١)
الترجيح: القراءة الأولى والثاني قراءة صحيحة متواترة، إلا أن القراءة بالرفع أولى، لأن الصفة أغلب على (غير) من معنى الاستثناء وإن كان كلاهما جائزاً.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس، أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على النبي ﷺ ، فيأتي السهم برماية، فيصيب أحدهم، فيقتله، أويضرب فيقتل، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء:٩٧]. إلى آخر الآية (٢)
стр. 431
وعن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم بعض قبل بعض، فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم. فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ النساء:٩٧]. إلى آخر الآية (١).
فقال قائل: ما معنى قوله الذي وصله بما تلوته علينا من قوله في هذه الآية ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ (٩٩)﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، وهم لم يكن لهم ذنوب، فيعفى لهم عنها، والعفو، فإنما يكون عن مستحقي العقوبات بذنوبهم، وهؤلاء لا ذنوب لهم فيما ذكروا به من هذه الآية يستحقون العقوبة عليها.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن العفو عفوان، فعفو منهما: هو العفو الذي ذكر، وعفو منهما: هو رفع العبادة فيما يرفع فيه، فيعاد لا عبادة فيه يجب بالقيام بها الثواب، ويستحق بالترك لها العقاب، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٢) ليس ذلك على أن شيئاً قد كان عليهم فيه فعفا لهم عن ذلك الشيء، ولكنه على الترك لهم إياهم بلا حق عليهم فيهم، ولا عبادة تعبدوا بها فيهم.
стр. 432
ومن ذلك قول ابن عباس: (كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويدعون أشياء تقذراً، فلما بعث نبيه ﷺ أحل حلاله وحرم حرامه، فما حرم من شيء فهو حرام، وما أحل من شيء فهو حلال، وما سكت عنه فهو عفو). فكان معناه في قوله: وما سكت عنه فهو عفو ليس يريد به العفو عن عقوبات ذنوب كانت منهم في ذلك، ولكنه يريد به ترك ما عفي لهم عنه من ذلك بلا عبادة تعبدهم بها يوجب إتيانهم بها لهم الثواب، ويوجب تركهم الإتيان بها عليهم العقاب.
فمثل ذلك - والله أعلم - عفوه المذكور في الآية التي تلوناها على المستضعفين من الرجال والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩] وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩]، هو على إيجابه العفو منه لهم، إذ لم يكن لهم في المقام الذي كانوا فيه حيلة في التحول عنه، وفي الانتقال منه إلى ضده في الأماكن المحمودة، فرفع الله ذلك عنهم، فلم يتعبدهم فيه بما تعبد به من سواهم فيه من قوله على لسان رسوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تَرَاءَي ناراهما" (١)
وكان ما في هذا الحديث في وعيد غليظ، فرفع الله مثله عن المقيمين في تلك الأمكنة بلا استطاعة منهم الهرب عنها والتحول منها إلى الأمكنة المحمودة، ورفع عنهم التعبد في ذلك بهذا، والله أعلم بما أراد في ذلك، وإياه نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ٤٤٨ - ٤٥٢).
стр. 433
بين الإمام الطحاوي سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء:٩٧] ثم بين رحمه الله تعالى - أن المراد بالعفو في قوله جل وعلا: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩] هو: رفع الأمر بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وعدم التكليف به ابتداءً.
[وإليك أولاً: بيان سبب نزول الآية:
نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٧] في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله ﷺ ثم أسروا النفاق، وأظهروا الإيمان، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول اللهِ ﷺ ، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا، فاعتذروا عن كفرهم وعدم هجرتم بكونهم مستضعفين في أرضهم، فأبى الله جل وعلا قبول معذرتهم، واستوجبوا العذاب من ربهم (١).
وقد ذكر الإمام الطحاوي نص الروايات الورادة في سبب نزول الآية فأغنى ذكره عن ذكرها.
[ثانياً: بيان المراد (بالعفو) في قوله جل وعلا: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩]: إن المراد بالعفو في الآية هو: رفع التكليف بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وليس المراد بأنهم مكلفون بذلك ولم يفعلوا فاستحقوا العقوبة على ذلك، ولكن الله جل وعلا رفع العقوبة عنهم.
وذلك لأن القوم كانوا عاجزين عن الهجرة والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة (٢).
فالآية دليل على أن من عجز عن القيام بالأمر الواجب فإنه معذور غير مكلف به. كما قال جل وعلا في العاجزين عن الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]،
стр. 434
وكما قال جل ذكره في عموم الأوامر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
وكما قال الرسول ﷺ :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١).
ولكن لا يعذر الإنسان من القيام بالواجب إلا إذا بذل جهده، وانسدت عليه أبواب الوصول إليه، كما قال جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨] (٢)
وهذا النوع من (العفو) جاءت به اللغة العربية، قال ابن فارس في مادة (عفو): العين والفاء والحرف المعتل أصلان يدل أحدهما على (ترك الشيء) والآخر (على طلبه) فالأول: كعفو الله عن خلقه وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم فضلاً منه. وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه.
والثاني: أن يعفو الإنسان عن شيء بمعنى الترك، ولا يكون ذلك عن استحقاق، كقول الرسول ﷺ : "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٣) فليس العفو هنا عن استحقاق، ومعنى الحديث: تركت أن أوجب عليكم الصدقة في الخيل أهـ (٤)
وقد دل على أن هذا النوع من العفو هو المراد بالآية:
١ - أن الله جل وعلا جاء في الآية بـ (عسى) و (عسى) من الله واجب وقوعها بمقتضى كرمه وإحسانه. (٥)
стр. 435
٢ - أن الله جل وعلا قال في آخر الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٩] وهذا تأكيد لوقوع هذا العفو منه جل وعلا عن هؤلاء ا لمستضعفين، لانه جل وعلا لم يزل متصفاً بالعفو والمغفرة (١)، فلو كان المراد بالعفو في الآية ترك العقوبة لذنب حدث لكان العفو متردداً بين القبول والرد، وأما مع تأكيد تحقيق العفو فهذا لا يعني إلا أن المراد بالعفو في الآية هو: رفع التكليف بأمرتعذر القيام به.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١].
قال أبو جعفر الطحاوي:
عن عائشة ﵂ قالت: (قصر رسول الله ﷺ في السفر، وأتم) (٢).
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن المسافر بالخيار، إن شاء أتم صلاته، وإن شاء قصرها. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وبما .. عن يعلى بن منية (٣)
стр. 436
قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁، إنما قال الله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] فقد أمن الناس. فقال: إني عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (١).
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يزيد على اثنتين، وإن أتم الصلاة، فإن كان قعد في اثنتين في الظهر والعصر والعشاء، قدر التشهد، فصلاته تامة، وإن كان لم يقعد فيها قدر التشهد، فصلاته باطلة.
وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من الحديثين اللذين ذكرناهما في أول هذا الباب أن عائشة ﵂ قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها، غير المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر، عاد إلى صلاته الأولى) (٢).
فهذه عائشة ﵂ تخبر أن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين، حتى قدم المدينة فصلى إلى كل صلاة مثلها وأنه كان إذا سافر، عاد إلى صلاته الأولى.
فأخبرت أنه كان يصلي في سفره كما كان يصلي قبل أن يؤمر بتمام الصلاة، وذلك ركعتان.
فذلك خلاف حديث: أن رسول الله ﷺ أتم الصلاة في السفر، وقصر.
стр. 437
الدراسة
وأما حديث يعلى بن منية فإن أهل المقالة الأولى احتجوا بالآية المذكورة فيه، وهي قول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١] الآية قالوا فذلك على الرخصة من ا لله لهم في التقصير، لا على الحتم عليهم بذلك، وهو كقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة:٢٣٠] فذلك على التوسعة منه لهم في المراجعة، لا على إيجابه ذلك عليهم.
فكان من حجتنا عليهم لأهل المقالة الأخرى: أن هذا اللفظ قد يكون على ما ذكروا، ويكون على غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وذلك على الحتم عند جميع العلماء، لأنه ليس لأحد حج أو اعتمر أن لا يطوف بهما.
فلما كان نفي الجناح، قد يكون على التخيير، وقد يكون على الإيجاب، لم يكن لأحد أن يحمل ذلك على أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدليل يدله على ذلك، من كتاب، أو سنة، أو إجماع.
وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله ﷺ بتقصيره في أسفاره كلها.
(شرح معاني الآثار - ١/ ٤١٥ - ٤١٦).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال في حكم قصر الصلاة في السفر، مرجحاً وجوب ذلك. كما رجح أن المراد بنفي الجناح في الآية هو: على الإيجاب، بدلالة الأحاديث الدالة على قصر الصلاة في السفر.
[وإليك بيان الأقوال مفصلة في حكم قصر الصلاة في السفر:
القول الأول: أنه لا يجوز قصر الصلاة في السفر.
- وقد قيل إنه مذهب: عائشة ﵂.
وقال عطاء: كان يتم الصلاة في السفر من الصحابة: عائشة، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، رضى الله عنهم.
- وحجة من ذهب إلى هذا القول:
стр. 438
قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] فهذه الآية في صلاة الخوف خاصة.
- وقد رد هذا الاستدلال:
بالأحاديث الدالة على أن الرسول ﷺ قصر الصلاة في السفر الذي فيه أمان (١).
ومنها: حديث ابن عباس ﵁: (أن الرسول ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين) (٢)
القول الثاني: أنه يجب قصر الصلاة في السفر.
- وهذا قول: روي عن عمر - وعلي - اوبن عمر - وجابر - وابن عباس، ﵃.
وهو قول: الحسن - وعمر بن عبد العزيز - وقتادة -والثوري - والأوزاعي - وحماد بن أبي سليمان - ومحمد بن سحنون - وابن حزم - وغيرهم.
وإليه ذهب: الحنفية - ومالك - وأصحاب الرأي (٣)
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
стр. 439
١ - قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء:١٠١] فنفي الجناح في الآية لا يدل على التخيير، وإنما يدل علىلوجوب، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] فالطواف بين الصفا والمروة في الحج والعمرة واجب عند جميع العلماء، وليس في نفي الجناح في الآية دلالة على التخيير في ذلك.
٢ - ماروي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ " (١).
٣ - ما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "كان الرسول ﷺ إذا خرج مسافراً صلى ركعتين حتى يرجع" (٢).
٤ - ماروي عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: "حججت مع الرسول ﷺ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: صلوا أربعاً فإنا قوم سَفْرُ " (٣).
стр. 440
٥ - ماروي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "صحبت الرسول ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان، ﵃ في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى" (١).
فهذه أخبار متواترة عن الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، دالة على أنهم كانوا يقصرون الصلاة في السفر، ولا يتمونها. وهذا الدلالة حاصلة من جهتين:
أ- أن فرض الصلاة في كتاب الله جل وعلا مجمل مفتقر إلى البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان، فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب، وفي فعله ﷺ صلاةالسفر ركعتين، بيان منه أن ذلك، مراد الله. كفعله صلاة الفجر وصلاة الجمعة وسائر الصلوات، فوجب اتباعه في ذلك، والعمل بما ثبت عنه لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
ب- أنه لو كان مراد الله جل وعلا في الآية - التي معنا - الإتمام أو القصر على ما يختاره المسافر، لما جاز للنبي ﷺ أن يقتصر بالبيان على أحد الوجهين دون الآخر، فلما ورد البيان إلينا منه ﷺ بالقصر دون الإتمام، دل ذلك على أنه مراد الله جل وعلا دون غيره.
стр. 441
ألا ترى أنه لما كان مراد الله جل وعلا في رخصة المسافر في الإفطار أحد شيئين من إفطار أو صوم، ورد البيان من النبي ﷺ تارة بالإفطار وتارة بالصوم، وأما الصلاة فقد ورد البيان بالقصر دون الإتمام فوجب العمل به دون غيره. (١)
٦ - ماروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "سألت رسول الله ﷺ عن القصر في حال الأمن فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢) وصدقة الله علينا هي: إسقاطه عنا الإتمام، فدل ذلك على أن الفرض في السفر ركعتان. وقوله: (فاقبلوا صدقته) يوجب ذلك، لأن الأمر للوجوب، فإذا كنا مأمورين بالقصر، فالإتمام منهي عنه. (٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الحديث دال على التخيير، لأن المتصدق عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة وردها، كما في التصدق من العباد. (٤).
٧ - ماروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان، ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ما كنت عليه) (٥)
فأخبرت عائشة ﵂: أن فرض المسافر في الأصل ركعتان، وفرض المقيم أربع كفرض صلاة العصر وصلاة الظهر، فغير جائز الزيادة عليها، كما لا تجوزالزيادة على سائر الصلوات (٦).
وقد رد هذا الاستدلال بثلاثة أمور:
стр. 442
١ - مخالفة عائشة ﵂ لما روته، فإنها كانت تتم الصلاة في السفر.
٢ - إجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل معتبر في صلاة المسافر خلف المقيم.
٣ - أن قولها: (فرضت الصلاة) ليس على ظاهره، فقد خرج عنه صلاة المغرب والفجر، لأنه ما زيد فيها ولا نقص منها.
وهذا كله يضعف الاحتجاج به في وجوب قصر الصلاة في السفر (١).
القول الثالث: أنه يجوز القصر والإتمام للصلاة في السفر.
- وهذا قول: روي عن عثمان - وسعد بن أبي وقاص ﵃.
وإليه ذهب: الشافعي - وأحمد - ومالك وأصحابه في المشهور عنهم (٢).
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء:١٠١] فظاهر الآية يشعر بعدم الوجوب، لأن لفظ (لاجناح) إنما يستعمل في الرخص لا فيما يكون حتماً، فهو دال على الإباحة لا على الوجوب، ومثال ذلك: قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] وقوله جل وعلا ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]. فقد دلت هذه الآيات على أن لفظ (لاجناح) إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء، فأما إيجابه على وجه التعيين، فهذا اللفظ غير مستعمل فيه. (٣)
стр. 443
٢ - ماروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم" (١).
٣ - ماروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يارسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال: أحسنت يا عائشة، وما عاب عليَّ" (٢)
٤ - أن عثمان بن عفان ﵁ كان يتم ويقصر الصلاة في السفر، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃. (٣)
فدلت هذه الأحاديث والآثار: على جواز القصر والإتمام للصلاة في السفر، خاصة وأن رخص السفر جاءت على التخيير كالصوم والإفطار للصائم، فكذلك القصر والإتمام للمصلي (٤).
الترجيح: والراجح هو القول الثالث، لأن الآية الكريمة التي معنا، وأفعال الصحابة، دالت على جواز القصر والإتمام. وأما الأحاديث الدالةعلى القصر، فإنها لا تعدو أن تكون مؤكدة لأفضلية القصر،. وليست بدالة على وجوب القصر، والمنع من الإتمام.
وبهذا يتبين أن ماقاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
стр. 444
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء:١٠٢].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس ﵁ قال: (فرض الله على لسان نبيكم ﷺ أربعاً في الحضر، وركعتين في السفر، وركعة في الخوف). (١).
стр. 445
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقلدوه، وجعلوه أصلاً فجعلوا صلاة الخوف ركعة. فكان من الحجة عليهم في ذلك: أن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] ففرض الله صلاة الخوف ونص فرضها في كتابه هكذا. وجعل صلاة الطائفة بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام. فثبت بهذا، أن الإمام يصليها في حال الخوف ركعتين وهذا خلاف هذا الحديث، ولا يجوز أن يؤخذ بحديث يدفعه نص الكتاب. ثم قد عارضه عن ابن عباس ﵄ غيره
عن عبيد الله بن عبد الله (١) عن ابن عباس ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ بذي قرد (٢)، صلاة الخوف، والمشركون بينه وبين القبلة، فصف صفاً خلفه وصفا موازي العدو، فصلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة، ثم سلم عليهم، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعة). (٣)
стр. 446
قال أبو جعفر: فهذا عبيد الله بن عبد الله قد روي عن ابن عباس ﵄ ما خالف ماروى مجاهد عنه، ومحال أن يكون الفرض على الإمام ركعة فيصليها بأخرى بلا قعود للتشهد، ولا تسليم.
فلما تضاد الخبران، عن ابن عباس ﵄ تنافياً، ولم يكن لأحد أن يحتج في ذلك بمجاهد عن ابن عباس ﵄، لأن خصمة يحتج عليه بعبيد الله عن ابن عباس ﵄ بخلاف ذلك
فثبت بما ذكرنا أن فرض صلاة الخوف ركعتان على الإمام، ثم لم يُذَكر المأمومين بقضاء ولا غيره في هذه الآثار.
فاحتمل أن يكونوا قضوا، ولا بد فيما يوجبه النظر من أن يكونوا قد قضوا ركعة ركعة، لأنا رأينا الفرض على الإمام في صلاة الأمن والإقامة مثل الفرض على المأموم سواء، وكذلك الفرض عليهما في صلاة الأمن في السفر سواء، ومحال أن يكون المأموم فرضه ركعة فيدخل مع غيره ممن فرضه ركعتان إلا وجب عليه ما وجب على إمامه.
ألا ترى أن مسافراً لو دخل في صلاة مقيم صلى أربعاً، فكان المأموم يجب عليه ما يجب على إمامه، ويزيد فرضه بزيادة فرض إمامه، وقد يكون على المأموم ما ليس على إمامه.
من ذلك أنا رأينا المقيم يصلي خلف المسافر فيصلي بصلاته، ثم يقوم بعد ذلك فيقضي تمام صلاة المقيم، فكان المأموم قد يجب عليه ما ليس على إمامه، ولا يجب على إمامه ما لا يجب عليه.
فلما ثبت بما ذكرنا وجوب الركعتين على الإمام ثبت أن مثلهما على المأموم
وقد كان أبو يوسف ﵀ قال مرة: لا يصلى صلاة الخوف بعد رسول الله ﷺ ، وزعم أن الناس إنما صلوها مع رسول الله ﷺ كما صلوها لفضل الصلاة معه، وهذا القول -عندنا- ليس بشيء لأن أصحاب النبي ﷺ قد صلوها بعده، قد صلاها حذيفة بطبرستان، وما في ذلك فأشهر من أن يحتاج إلى أن نذكره هاهنا.
стр. 447
فإن احتج في ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء:١٠٢] الآية، فقال: إنما أمر بذلك، إذا كان فيهم، فإذا لم يكن فيهم، انقطع ما أمر به من ذلك.
قيل له: فقد قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] الآية، فكان الخطاب هاهنا له، وقد أجمع أن ذلك كان معمولاً به بعده، كما كان يعمل به في حياته.
(شرح معاني الآثار - ١/ ٣٠٩ - ٣٢٠).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في عدد ركعات صلاة الخوف، مرجحاً القول بأنها ركعتان كما بين أن الخطاب في الآية لعامة المؤمنين، وإن كان موجهاً لرسول الله ﷺ راداً بذلك على أبي يوسف في قوله: إن صلاة الخوف لا تكون إلا مع الرسول ﷺ خاصة.
[وإليك أولاً: بيان أقوال العلماء في عدد ركعات صلاة الخوف:
القول الأول: أن صلاة الخوف ركعة واحدة:
- وهذا قول: جابر بن عبد الله - وحذيفة بن اليمان - وأبي هريرة - وابن عباس وابن عمر - وزيد بن ثابت - وأبي موسى الأشعري - وسعيد بن جبير - والثوري - وأحمد - وإسحاق، وغيرهم (١).
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئاً، لأنها غير دالة على أنهم يقضون ركعة ثانية، وأما الإمام فتكون صلاته ركعتان.
стр. 448
٢ - ماروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعاً، وفي الخوف ركعة) (١).
٣ - ما روي عن ثعلبة بن زَهْدَم، أنه قال: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان (٢)، فقام فقال:
أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا) (٣).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن من صفات صلاة الخوف: أن يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، فتكون صلاة الإمام ركعتان، وصلاة المأموم ركعة واحدة.
стр. 449
وقد اعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد بالحديث أن كل طائفة صلت مع الإمام ركعة، وأتموا لأنفسهم ركعة. وأما قوله: (ولم يقضوا) أي: لم يعيدوا الصلاة بعد تحقق الأمن لهم.
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن هذا قول بعيد جداً، لأن المتبادر من قوله: (ولم يقضوا) أي: لم يصلوا ركعة أخرى غير التي صلوها مع الإمام.
القول الثاني: أن صلاة الخوف ركعتان.
- وهذا قول: جمهور العلماء (١).
- وقد استدلال أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] فقد دلت الآية على أن فرض صلاة الخوف ركعتان على الإمام، وعلى المأموم ركعة بنص الآية، وركعة يقضيها لكون الواجب عليه متابعة الإمام في الزيادة لا في النقصان. (٢)
٢ - ما روي عن سَهْل بن أبي حثمة أنه قال: "صلى رسول الله ﷺ بأصحابه في الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام، فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم" (٣)
стр. 450
٣ - ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ ، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة) (١).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن من صفات صلاة الخوف: أن يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، فتكون صلاة الإمام ركعتين، وصلاة المأموم ركعتين، ركعة مع الإمام، وركعة يقضيها قبل سلام الإمام أو بعده.
الترجيح: وكلا القولين صحيح، لأن الأحاديث الدالة عليها أحاديث صحيحة ثابتة، ولا مانع من العمل بها.
قال الإمام أحمد: كل حديث في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. أهـ.
كما أنه لا منافة بين هذه الأحاديث لجواز حمل أحاديث القول الأول على: أن الركعة الواحدة أقل ما يجزئ في صلاة الخوف، وحمل أحاديث القول الثاني على: أن الركعتين هي الأكمل في صلاة الخوف، لورود صلاة الخوف بكيفيات مختلفة في أحاديث متساوية من حيث الثبوت والصحة (٢).
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في هذه المسألة والله تعالى أعلم.
[المسألة الثانية: هل الخطاب في الآية خاص بالرسول ﷺ ، أم لعامة المؤمنين؟:
- القول الأول: أن الخطاب في الآية خاص بالرسول ﷺ .
وبناء على هذا القول: فإنه لا يجوز تصلى صلاة الخوف بعد الرسول ﷺ .
стр. 451
- وهذا قول: أبي يوسف - وإسماعيل بن عُليه - والحسن بن زياد - والمزني. (١)
- ودليل هذا القول: قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ﴿النساء:١٠٢] فخص الله جل وعلا هذا الصلاة بكون الرسول ﷺ فيهم، وأباح لهم فعلها معه على هذا الوجه خاصة، ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه، التي مثلها لا يوجد في الصلاة خلف غيره.
فغير جائز لأحد بعده أن يصليها إلا بإمامين، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج عند ذلك إلى تغيير هيئة الصلاة المعهودة (٢).
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الخطاب في الآية عام للرسول ﷺ ولغيره ممن يأتي بعده، وإنما جاء الخطاب موجهاً إلى الرسول ﷺ لأن الغالب في عهد الرسول ﷺ أن يكون ملازماً للصحابة في غزواتهم وسراياهم إلا للضرورة (٣).
وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف الرسول ﷺ فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض، فاندفع هذا الاستدلال (٤).
ولو كان ما ذكره دليلاً على الخصوص للزم قصر الخطابات الشرعية على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها. ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم اطرحوا توهم الخصوص في هذا الصلاة، وعدوه إلى غير الرسول ﷺ وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال (٥).
стр. 452
القول الثاني: أن الخطاب في الآية عام للرسول ﷺ ولغيره من أمته إلى يوم القيامة، إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد، كما فعل الصحابة بعده عند ما أحاط الخوف بهم.
- وهذا قول: الجمهور. (١)
- ودليل هذا القول: أن الرسول ﷺ قال:"صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
وقد ثبت عنه ﵊ كيفية الصلاة حال الخوف، فوجب اتباعه في ذلك والصلاة حال الخوف، كما كان ﵊ يصلى حال الخوف، حتى يقوم الدليل الواضح على خصوصيته ﵊ بذلك (٣).
ومن الأمثلة الدالة على أن الخطاب قد يكون موجهاً إلى الرسول ﷺ والمراد به عامة الأمة: قوله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] وقوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ففي هذه الآيات تخصيص الرسول ﷺ بالمخاطبة، مع أن الأئمة من بعده مرادون بالحكم معه.
فظهر بهذا أن فعل صلاة الخوف على الوجه الذي روي عن الرسول ﷺ جائز بعده كماجاز معه (٤).
стр. 453
الترجيح: الراجح هو قول الجمهور الدال على أن الخطاب في الآية لعامة الأمة، فتصح صلاة الخوف بعد الرسول ﷺ متى أحاط الخوف بالمسلمين. لأن الرسول ﷺ قد أدى صلاة الخوف حال الخوف. وقد أمر الله جل وعلا باتباعه في كل أمر يفعله على الوجه الذي فعله، فقال جل ذكره ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] فما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حقنا، مالم يقم دليل على اختصاصه به دون غيره من أمته.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء:١١٩]
قال أبو جعفر الطحاوي:
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يخصى الإبل، والبقر، والغنم، والخيل. (١)
وكان عبد الله ابن عمر ﵁ يقول: منها نشأت الخلق، ولا تصلح الإناث إلا بالذكور ..
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا يحل إخصاء شيء من الفحول، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبقول الله : ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] قالوا: وهو الإخصاء.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ما خيف عضاضه من البهائم، أو ما أريد شحمه منها، فلا بأس بإخصائه، وقالوا: هذا الحديث الذي احتج به علينا مخالفنا، إنما هو عن ابن عمر موقوف، وليس عن النبي ﷺ
стр. 454
فأما ماذكروامن قول الله : ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] فقد قيل: تأويله ما ذهبوا إليه، وقيل: إنه دين الله. وقد رأينا رسول الله ﷺ ضحى بكبشين موجوءين، وهما: المرضوضان خصاهما (١)، والمفعول به ذلك، قد انقطع أن يكون له نسل فلو كان إخصاؤهما مكروهاً، إذاً لما ضحى بهما رسول الله ﷺ لينتهي الناس عن ذلك، فلا يفعلونه، لأنهم متى ما علموا أن ما أخصي تجتنب أو تجافى، احجموا عن ذلك، فلم يفعلوه.
(شرح معاني الآثار - ٤/ ٣١٧)
الدراسة
[بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] إما الإخصاء، وإما دين الله، وهو الراجح فيما يراه. وإليك بيان هذه الأقوال، وذكر من قال بها:
- القول الأول: أن المراد بالآية: الإخصاء.
ومعنى الآية: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله من البهائم بإخصائهم إياها.
- وهذا قول: ابن عباس - وأنس - وعكرمة ﵃ (٢).
- القول الثاني: أن المراد بالآية: دين الله
ومعنى الآية: ولآمرنهم فليغيرن دين الله الذي ولدوا عليه. وتغيير دين الله يكون بتحريم الحلال، وتحليل الحرام.
- وهذا قول: الجمهور ومنهم: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والسدي، وغيرهم (٣).
القول الثالث: أن المراد بالآية: الوشم، وما جرى مجراه من التصنع للحسن.
ومعنى الآية: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله من الناس بالوشم فيهم.
стр. 455
- وهذا قول: ابن مسعود ﵁ والحسن البصري. (١)
ويشهد لهذا القول: قول الرسول ﷺ :"لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى" (٢).
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالآية: تغيير دين الله بتحليل الحرام وتحريم الحلال، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله جل وعلا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]. كما يشهد لهذا القول: قول الرسول ﷺ :"كل مولود يولد على الفطرة - أي: على دين الإسلام - فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٣).
стр. 456
وقول الرسول ﷺ :"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وأمرتهم أن يغيروا خلقي" (١).
فإذا كان معنى الآية هو هذا: دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من إخصاء مالا يجوز إخصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه، وغير ذلك من المعاصي، لأن الشيطان هو الداعي إلى جميع تلك المعاصي، والناهي عن كل أمر فيه طاعة للرب جلا وعلا (٢).
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء:١٢٩]
قال أبو جعفر الطحاوي: وقد روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩]، أن ذلك أريد به ما يقع في قلوبكم لبعضهن دون بعض، وذلك معفو لهم عنه، إذ لا يستطيعون دفعه عن قلوبهم، غير أنه قد يجوز أن يكون يزيد على ذلك ما يجتلبونه إلى قلوبهم.
(شرح مشكل الآثار -١/ ٢١٦)
стр. 457
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالآية هو: بيان أن ما يحدث من ميل قلبي عند بعض الرجال إلى إحدى الزوجات دون الأخريات، هو ميل معفو عنه، لأنه مما لا يملكه البشر.
وهذا قول: جمهور المفسرين.
فالأمر الذي يتعذر العدل فيه هو الحب والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه، والجماع تابع له، لأنه عنه يكون، فأمر الله جل وعلا أن يؤتى من ذلك بما يطاق، ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب على القلب. (١)
وقد كان الرسول ﷺ : (يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٢) يعني: ميل قلبه.
وعليه فإن معنى قوله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصاحبتها، لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم، ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك. (٣) بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع لكل واحد، ولذا كان من الواجب القيام به والعدل فيه.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: فكأن الزوج إذا قال لامرأته: قد طلقتك على كذا، فقالت هي له: قد قبلت ذلك منك، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله ، وإن لم يتفرقا بأبدانهما.
стр. 458
(شرح مشكل الآثار -١٣/ ٢٥٨)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالتفرق) في الآية هو: التفرق القولي، الذي هو الطلاق.
وهذه الآية للمفسرين فيها قولين:
- القول الأول: أن المراد بالتفرق في الآية هو: التفرق القولي.
- وهذا قول: بعض فقهاء المالكية.
- القول الثاني: أن المراد بالتفرق في الآية هو: التفرق بالأبدان.
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
- الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن نسبة الفعل (يتفرقا) إلى الزوجين بتثنية الضمير يدل على أن لكل واحد منهما مدخلاً في هذا التفرق، وهو التفرق بالأبدان، كما أن تراخي المدة بزوال العصمة وحصول الإغناء مترتب على التفرق بالأبدان.
وأما التفرق القولي الذي هو الطلاق فإنه مختص بالزوج، ولاحظ للمرأة فيه حتى يسند إليها، وإنما حظها في التفرق البدني الذي هو نتيجة الطلاق. (١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء:١٧٦]
стр. 459
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عمر، قال: (ثلاثة لأن يكون رسول الله ﷺ بينهن لنا قبل أن يموت، أحب إلي مما على الأرض: الخلافة، والربا، والكلالة، فقلت: الكلالة لا شك فيه هو ما دون الولد والأب، فقال: الأب يشكون فيه)
وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري (١)، قال: (قام عمر بن الخطاب خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني والله ما أدع شيئاً هو أهم إليَّ من أمر الكلالة، وقد سألت نبي الله ﷺ عنها، فما أغلظ لي في شيء قط ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري أو في جنبي، وقال: " يا عمر، أما يكفيك آية أنزلت في آخر سورة النساء "، وإني إن أعش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن أو لا يقرأ القرآن) (٢)
وعن البراء بن عازب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال: " يكفيك آية الصيف ". (٣)
فكان جميع ما في هذه الآثار، ترك المسؤول عنها الجواب عنها، ما هي؟ تورعاً عن القول في كتاب الله بما لم يوقف على حقيقته من عند الله، حتى مات عمر على ذلك.
стр. 460
كما عن طاووس (١)، قال: (سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة: من لا ولد له). وكان الذي في ذلك من عمر - يعني الولد - أن يكون كلالة، والوقوف عن الوالد، هل هو كلالة، أم لا؟
وقد روي عنه ﵁ في ذلك خلاف ما في هذا الحديث. كما عن سعيد بن المسيب، قال: (كان عمر كتب كتاباً في الكلالة، فلما حضرته الوفاة دعا بالكتاب، فمحاه، وقال: ترون فيه رأيكم) ثم نظرنا فيما روي في الكلالة سوى ذلك؟ فوجدنا عن الشعبي، قال: أمر المغيرة بن شعبة (٢) صعصعة بن صوحان (٣) أن يخطب الناس، فتكلم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً حين درست الآثار، وتهدمت المنار، فبلَّغ ما أرسل به، ثم توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فأقام المصحف، ووَّرث الكلالة، وكان قوياً في أمر الله ، ثم قبض أبو بكر، واستخلف عمر، فمصر الأمصار، وفرض العطاء، وكان قوياً في أمر الله ، ثم قبض عمر، واجتمع الناس على عثمان، فكانت خلافته قدراً، وقتله قدراً. فقال المغيرة: انظروا ما يقول حين انتهى إلى عثمان. فقال: أمرتني أن أخطب، فخطبت، ثم أمرتني أن أجلس، فجلست.