وقول الرسول ﷺ :"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وأمرتهم أن يغيروا خلقي" (١).
فإذا كان معنى الآية هو هذا: دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من إخصاء مالا يجوز إخصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه، وغير ذلك من المعاصي، لأن الشيطان هو الداعي إلى جميع تلك المعاصي، والناهي عن كل أمر فيه طاعة للرب جلا وعلا (٢).
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء:١٢٩]
قال أبو جعفر الطحاوي: وقد روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩]، أن ذلك أريد به ما يقع في قلوبكم لبعضهن دون بعض، وذلك معفو لهم عنه، إذ لا يستطيعون دفعه عن قلوبهم، غير أنه قد يجوز أن يكون يزيد على ذلك ما يجتلبونه إلى قلوبهم.
(شرح مشكل الآثار -١/ ٢١٦)
стр. 457
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالآية هو: بيان أن ما يحدث من ميل قلبي عند بعض الرجال إلى إحدى الزوجات دون الأخريات، هو ميل معفو عنه، لأنه مما لا يملكه البشر.
وهذا قول: جمهور المفسرين.
فالأمر الذي يتعذر العدل فيه هو الحب والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه، والجماع تابع له، لأنه عنه يكون، فأمر الله جل وعلا أن يؤتى من ذلك بما يطاق، ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب على القلب. (١)
وقد كان الرسول ﷺ : (يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٢) يعني: ميل قلبه.
وعليه فإن معنى قوله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصاحبتها، لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم، ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك. (٣) بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع لكل واحد، ولذا كان من الواجب القيام به والعدل فيه.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: فكأن الزوج إذا قال لامرأته: قد طلقتك على كذا، فقالت هي له: قد قبلت ذلك منك، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله ، وإن لم يتفرقا بأبدانهما.
стр. 458
(شرح مشكل الآثار -١٣/ ٢٥٨)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالتفرق) في الآية هو: التفرق القولي، الذي هو الطلاق.
وهذه الآية للمفسرين فيها قولين:
- القول الأول: أن المراد بالتفرق في الآية هو: التفرق القولي.
- وهذا قول: بعض فقهاء المالكية.
- القول الثاني: أن المراد بالتفرق في الآية هو: التفرق بالأبدان.
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
- الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن نسبة الفعل (يتفرقا) إلى الزوجين بتثنية الضمير يدل على أن لكل واحد منهما مدخلاً في هذا التفرق، وهو التفرق بالأبدان، كما أن تراخي المدة بزوال العصمة وحصول الإغناء مترتب على التفرق بالأبدان.
وأما التفرق القولي الذي هو الطلاق فإنه مختص بالزوج، ولاحظ للمرأة فيه حتى يسند إليها، وإنما حظها في التفرق البدني الذي هو نتيجة الطلاق. (١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء:١٧٦]
стр. 459
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عمر، قال: (ثلاثة لأن يكون رسول الله ﷺ بينهن لنا قبل أن يموت، أحب إلي مما على الأرض: الخلافة، والربا، والكلالة، فقلت: الكلالة لا شك فيه هو ما دون الولد والأب، فقال: الأب يشكون فيه)
وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري (١)، قال: (قام عمر بن الخطاب خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني والله ما أدع شيئاً هو أهم إليَّ من أمر الكلالة، وقد سألت نبي الله ﷺ عنها، فما أغلظ لي في شيء قط ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري أو في جنبي، وقال: " يا عمر، أما يكفيك آية أنزلت في آخر سورة النساء "، وإني إن أعش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن أو لا يقرأ القرآن) (٢)
وعن البراء بن عازب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال: " يكفيك آية الصيف ". (٣)
فكان جميع ما في هذه الآثار، ترك المسؤول عنها الجواب عنها، ما هي؟ تورعاً عن القول في كتاب الله بما لم يوقف على حقيقته من عند الله، حتى مات عمر على ذلك.
стр. 460
كما عن طاووس (١)، قال: (سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة: من لا ولد له). وكان الذي في ذلك من عمر - يعني الولد - أن يكون كلالة، والوقوف عن الوالد، هل هو كلالة، أم لا؟
وقد روي عنه ﵁ في ذلك خلاف ما في هذا الحديث. كما عن سعيد بن المسيب، قال: (كان عمر كتب كتاباً في الكلالة، فلما حضرته الوفاة دعا بالكتاب، فمحاه، وقال: ترون فيه رأيكم) ثم نظرنا فيما روي في الكلالة سوى ذلك؟ فوجدنا عن الشعبي، قال: أمر المغيرة بن شعبة (٢) صعصعة بن صوحان (٣) أن يخطب الناس، فتكلم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمداً حين درست الآثار، وتهدمت المنار، فبلَّغ ما أرسل به، ثم توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فأقام المصحف، ووَّرث الكلالة، وكان قوياً في أمر الله ، ثم قبض أبو بكر، واستخلف عمر، فمصر الأمصار، وفرض العطاء، وكان قوياً في أمر الله ، ثم قبض عمر، واجتمع الناس على عثمان، فكانت خلافته قدراً، وقتله قدراً. فقال المغيرة: انظروا ما يقول حين انتهى إلى عثمان. فقال: أمرتني أن أخطب، فخطبت، ثم أمرتني أن أجلس، فجلست.
стр. 461
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن أبا بكر ﵁ قد كان ورَّث الكلالة، ولم نجد فيه ذكر ما كانت الكلالة عنده، فنظرنا في ذلك فوجدنا عن الشعبي: أن أبا بكر الصديق ﵁ وعمر، قالا: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
ففي هذا الحديث مع انقطاعه: أن أبا بكر وعمر، قالا: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
ثم نظرنا فيما روي في ذلك من غير هذه الوجوه التي ذكرناها؟
فوجدنا عن حميد بن عبد الرحمن (١) قال: حدثني ثلاثة من بني سعد: أن سعد بن أبي وقاص (٢) ﵁ مرض بمكة، فأتاه رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً كثيراً، وليس لي وارث إلا كلالة، أفاوصي بمالي كله؟ قال: "لا". قال: أفأوصي بنصفه؟ قال: "لا". قال: أفأوصي بثلثه؟ قال: " الثلث، والثلث كثير " (٣)
فكان في هذا الحديث قول سعد لرسول الله ﷺ : ليس لي وارث إلا الكلالة، وكانت له ابنة قد ذكرها الزهري، عن عامر بن سعد (٤).
стр. 462
فعقلنا بتصحيح أحاديث: أن معنى قوله: " وليس لي وارث إلا الكلالة " أي: ليس لي وارث مع ابنتي إلا الكلالة، لأن الابنة ليست بكلالة عند أهل العلم جميعاً.
ثم نظرنا هل روي عن رسول الله ﷺ في الكلالة غير ما ذكرنا، أم لا؟
فوجدنا سفيان يقول: سمع ابن المنكدر (١) جابر بن عبد الله، يقول: مرضت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوجدني قد أغمي علي ومعه أبو بكر يمشيان، فتوضأ رسول الله ﷺ ، فصب وضوءه عليَّ، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ فمل يجبني، حتى نزلت آية الميراث: قال: فكان له سبع أخوات، ولم يكن له والد ولا ولد. فقالوا: أيها هذه الآية؟ فقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] إلى آخر الآية.
وقال محمد بن المنكدر: قال جابر: فيَّ نزلت هذه الآية. (٢)
ووجدنا عن جابر بن عبد الله، قال: أتاني رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ، فصب الوضوء عليَّ، فعقلت، فقلت: كيف الميراث، فإنما ترثني كلالة؟ فنزل آية الفرائض. (٣)
стр. 463
ففي هذا الحديث: أن جابراً قال للنبي ﷺ : (إنما ترثني كلالة)، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ من قوله، فدل ذلك أن الكلالة هي الوارث لا الموروث
ووجدنا عن جابر بن عبد الله، قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات لي، فدخل علي رسول الله ﷺ ، فنفخ في وجهي ماءً، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: "أحسن". قلت: الشطر؟ قال: "أحسن". ثم خرج رسول الله ﷺ ، وتركني، ثم رجع فقال: " يا جابر، إن الله قد أنزل، فبين الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين "
فكان جابر يقول: فيَّ نزلت هؤلاء الآيات: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] (١).
ففي هذا الحديث: أن الأخوات اللاتي ذكر جابر للنبي ﷺ أنه كلالة مما ينكره رسول الله ﷺ وكان الولد، وقد تكون بحجب الأخوات إذا كان ذكراً، ولا يحجبهن إذا كان أنثى، ليس بكلالة، كان الوالد الذي لا يحجبهن في الأحوال كلها، أحرى أن لا يكون كلالة.
وفيما قد ذكرنا ما قد دل أن الكلالة من يرث لا من يُورَثُ، وفي ذلك ما قد دل على صحة قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء:١٢]، والله أعلم
قال أبوعبيدة معمر بن المثنى: الكلالة: كل من أورث غير أب أو ابن أو أخ، فهو عند العرب كلالة: " يورث كلالة ": وهي مصدر من تكلله النسب.
الكلالة: ما يُكَلَّلُ به النسب من الأعمام، وبني العم، والعصبة. قال: وقال بعضهم: الإخوة من الكلالة.
стр. 464
قال أبو جعفر: والقول عندنا في ذلك ما رويناه في حديثي جابر وسعد: أن الكلالة هم الوارثون، لا الموروث.
وقد روي أن آية الكلالة هي آخر آية أنزلت. كما عن البراء قال: آخر آية أنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٢] وآخر سورة نزلت براءة.
وقد روي عن ابن عباس في الكلالة أيضاً. كما عن الحسن بن محمد (١)، قال: (سألت ابن عباس عن الكلالة، قال: هو من لا ولد له ولا والد. قلت: فإن الله يقول: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] فغضب علي وانتهرني).
وقد يحتمل أن يكون الذكر للولد في هذه الآية، وترك الذكر للوالد، لأن المخاطبين في ذلك يعلمون أن الوالد في هذا المعنى أوكد من الولد، فيكون الذكر للولد يغني عن ذكر الوالد، كما قال جل وعز: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] وسكت عما سوى هؤلاء مما تحرمه الرضاعة من العمات والخالات وما أشبههن، لعلم المخاطبين بما خاطبهم به بمراده فيما سكت عنه، وهكذا كلام العرب: تخاطب بالشيء حتى إذا علمت فهم المخاطبين بما أريد منهم، أمسكوا عن بقيته، لأنهم قد علموا عنه.
والقرآن قد جاء بهذا، قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾، ثم قال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]
فلم يخبر بغير ذلك مما قد اختلف أهل العلم باللغة في مراده بذلك، فقال بعضهم: هو: لكان هذا القرآن، وقال بعضهم: هو: لكفروا به، والله أعلم بمراده في ذلك.
стр. 465
وقال : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور:١٠] ولم يذكر ما كان يكون له، ووصل ذلك بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠]
وهذا كثير في كلام العرب، وكان معقولاً أن الكلالة ما يُكَلَّلُ على الموروث والميراث الذي تركه من يستحقه بالسبب الذي يتكلل به عليه، وكان الولد غير متكلَّل عليه، لأنه منه، فكان مثل ذلك الوالد غير متكلَّل عليه، لأنه منه، فثبت بذلك: أن الكلالة ما عدا الوالد والولد جميعاً، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ١٣/ ٢٢٣ - ٢٣٩).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالكلالة) في هذه الآية هو: الوارث الذي ليس بولد ولا والد.
ثم بين - رحمه الله تعالى - أن عدم الذكر للوالد في الآية، مع كونه داخلاً في المراد بالكلالة، لأن المخاطبين في ذلك يعلمون أن الوالد في هذا المعنى أوكد من الولد، فكان الذكر للولد مغنياً عن الذكر للوالد.
وإليك بيان: أقوال العلماء في المراد (بالكلالة):
القول الأول: أن المراد بالكلالة هو: الميت المورث الذي لا ولد له ولا والد.
- وهذا قول: أهل البصرة - وروي عن أبي بكر - وعمر - وعلي - وزيد بن ثابت - وابن عباس - وابن مسعود. (١)
- وحجة هذا القول: أن ظاهر الآية وقول من ذكرناهم من الصحابة يدل على أن الميت نفسه يسمى كلالة، لأنهم قالوا: (الكلالة من لا ولد له ولا والد). وهذه صفة المورث الميت. لأنه من المعلوم أنهم لم يريدوا أن الكلالة هو الوارث الذي ليس له ولد ولا والد، إذ كان وجود الولد والوالد للوارث لا يغير حكم ميراثه من مورثه، وإنما يتغير حكم الميراث بوجود هذه الصفة للميت المورث. (٢)
ومما يدل على أن الميت المورث يسمى كلالة، قول الشاعر الفرزدق:
стр. 466
ورثتم قناة الملك لا عن كلالةٍ ... عن ابني منافٍ عبد شمس وهاشم (١).
كما يؤيد هذا القول: قراءة الجمهور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء:١٢] يعني: وإن كان رجل يورث متكلَّل النسب.
فالكلالة على هذا القول مصدر من قولهم: (تكلله النسب تكللاً وكلالة) بمعني: تعطف عليه النسب. (٢)
وقيل سمي المورث كلالة: إشتقاقاً من (الكلال) وهو التعب والإعياء، فكأن المورث الميت يصير الميراث إلى الوارث من بعد تعب وإعياء. (٣)
القول الثاني: أن المراد بالكلالة هو: الورثة عدا الولد والوالد.
- وهذا قول: أهل المدينة - وأهل الكوفة. (٤)
وحجة هذا القول:
١ - ما رواه ابن المنكدر قال: (سمعت جابراً يقول: جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، فقلت يا رسول الله لمن الميراث؟ إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الفرائض). (٥) فدل هذا الحديث على أن المراد بالكلالة هو: الورثة عدا الولد والوالد، لأن جابر بن عبد الله ﵁، لم يكن له ولد يومئذ، ولا والد لأنه قتل يوم أحد.
стр. 467
٢ - وما رواه عامر بن سعد: (أن أباه - سعد بن أبي وقاص - مرض بمكة، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال سعد: يا رسول الله، إني لأدع مالاً وليس لي وارث إلا الكلالة، أفاوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فبنصفه؟ قال: لا، قال: فبثلثه؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع أهلك بعيش - أو قال: بخير - خير لك من أن تدعهم يتكففون الناس). (١) فدل هذا الحديث على أن المراد بالكلالة هو: الورثة عدا الولد والوالد.
٣ - كما يؤيد هذا القول: قراءة الكسر للراء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يورِّث كَلَالَةً﴾ [النساء:١٢] (٢) فالمراد بالكلالة على هذه القراءة هو: الورثة عدا الولد والوالد.
وعلى هذا القول، فإن الورثة سموا كلالة لأنهم: يتكللون الميت من جوانبه - أي يحيطون به من جوانبه - وليس في عمود نسبه أحد، كالإكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خالٍ. (٣)
القول الثالث: أن المراد بالكلالة هو: المال الذي لا يرثه ولد ولا والد.
- وهذا قول: عطاء، وهو قول شاذ. (٤)
قال ابن العربي في رد هذا القول: وهذا أفسد الأقوال، لأنه غير مسموع لغة، ولا مقيس معني. (٥)
القول الرابع: أن المراد بالكلالة: هو: الورثة عدا الوالد.
- وهذا قول: الحكم بن عتيبة. (٦)
- ويرد هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] فدلت الآية على أن الولد خارج من وصف الكلالة.
стр. 468
٢ - حديث جابر بن عبد الله ﵁ المتقدم - فإنه دال على أن الكلالة هم الورثة ما عدا الولد والوالد.
القول الخامس: أن المراد بالكلالة هو: الورثة عدا الولد.
- وهذا قول: عمر - وابن عباس ﵃، في رواية عنهم.
- وهذا القول خلاف قول الجمهور، فإن الجمهور قد اتفقوا على أن (الوالد) ليس من الكلالة. (١) وهو القول الصواب لأمور:
١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] فأطلق جل وعلا اسم الكلالة، ولابد أن يكون المعنى هاهنا: (ليس له ولد ولا والد)، لأن المذكور من الميراث لا يتصور إلا عند فقد الولد والوالد جميعا. (٢)
لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] ولو كان معها (أب) لم ترث شيئاً لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه لا ولد له بنص القرآن، ولا والد له بنص القرآن عند التأمل أيضاً. لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية. (٣)
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١] فلم يجعل جل وعلا للإخوة ميراثاً مع الأب، فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعاً، لأنه لم يورثهم مع الأب، كما لم يورثهم مع الابن. (٤)
стр. 469
٣ - ولأن حكم انتفاء الولد يستدل به على انتفاء حكم الوالد، لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد.
٤ - أن الله جل وعلا وإن نص على انتفاء الولد في كتابه، فقد وكَّل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة (١)، وذلك في قول الرسول ﷺ : " ألحقو الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " (٢)
٥ - أن لفظ الكلالة في كلام العرب يتناول الولد والوالد جميعاً، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالاً على انتفاء الآخر. (٣) ومما يدل على أن الوالد ليس بكلالة في كلام العرب، قول الشاعر:
فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضبُ
والمعنى: أن أبا المرء يغضب لابنه إذا ظلم، وأما أقرباؤه كالإخوة والأعمام وسائر القرابات، فإنهم لا يغضبون من أجل غضب الولد. (٤) فأصل (الكلالة) في اللغة هو: الإحاطة، ومنه: (الإكليل) لإحاطته بالرأس. فالكلالة في النسب من أحاط بالولد والوالد من الإخوة والأخوات وتكللهما وتعطف عليهما.
والولد والوالد ليسا بكلالة، لأن أصل النسب وعموده الذي ينتهي إليه هو الولد والوالد، ومن سواهما فهو خارج عنهما. وهذا يدل على صحة قول من تأول (الكلالة) على من عدا الولد والوالد، وأن الولد إذا لم يكن من الكلالة، فكذلك الوالد، لأن نسبة كل واحد منهما إلى الميت من طريق الولادة، وليس كذلك الأخوة والأخوات، لأن نسب كل واحد منهم لا يرجع إلى الميت من طريق ولادة بينهم. (٥)
стр. 470
وبهذا يظهر أن القول بأن المراد بالكلالة هو: الورثة عدا الولد، قول باطل، لتظاهر الأدلة المتقدمة على خلافه.
القول السادس: أن المراد بالكلالة هو: الميت والحي جميعاً.
فالكلالة هو الميت المورث الذي لا ولد له ولا والد. أو الحي الوارث الذي ليس بولد ولا والد. فالميت يورث بالكلالة، والحي يرث بالكلالة، فاسم الكلالة يتناول الميت تارة، وبعض الورثة تارة أخرى.
- وهذا قول: جابر بن زيد (١). وأيده: الراغب الأصفهاني (٢) - وأبو منصور الأزهري.
الترجيح: والراجح هو القول السادس، لأن كل من مات ولا ولد له ولا والد، فهو كلالة ورَثَتِه، وكل وارث ليس بولد للميت ولا والد له، فهو كلالة مُوْرثِه. فكان هذا القول صحيحاً لكونه مستو من جهة العربية، ومتوافقاً من جهة الكتاب والسنة النبوية. (٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الصحيحة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 471
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١] قال أبو جعفر الطحاوي:
وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وهي العهود، لا اختلاف بين أهل العلم فيها.
(شرح مشكل الآثار-١٠/ ٣٥٥)
стр. 472
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالعقود) في الآية هو: العهود مطلقاً.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بها:
القول الأول: أن المراد (بالعقود) في الآية: العهود التي أخذها الله جل وعلا على أهل الكتاب (من العمل بما في التوراة والإنجيل من تصديق للرسول محمد ﷺ .
- وهذا قول: ابن جريج. (١)
حيث قال: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، أفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شان محمد ﷺ وهو قوله جلا وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] (٢).
- ومما يدل على هذا القول: قول ابن شهاب، حيث قال: (قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لعمرو بن حزم ﵁ حين بعثه إلى نصارى نجران وفي صدره: (هذا بيان للناس من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. . . اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة:١ - ٤] (٣)
القول الثاني: أن المراد (بالعقود) في الآية: عقود الجاهلية، التي كان يعاقد ويحالف بعضهم بعضاً على الالتزام بها من النصرة والمؤازرة لكل مظلوم.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ ومجاهد - وقتادة - والضحاك - والثوري. (٤)
القول الثالث: أن المراد (بالعقود) في الآية: العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، من بيع أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه، من نذر أو يمين.
стр. 473
- وهذا قول: زيد بن أسلم - ومحمد بن كعب القرظي - وعبد الله بن عبيدة. (١)
القول الرابع: أن المراد (بالعقود) في الآية: العقود التي عقدها الله جل وعلا على عباده، وألزمهم إياها من فرائض الدين وواجباته.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ والضحاك - ومجاهد. (٢)
- ومما يدل على هذا القول: أن الله جل وعلا أتبع هذا الأمر ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بالبيان عما أحل لعباده، وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلوماً بذلك أن قوله (أوفوا بالعقود) أمر منه لعباده بالعمل بما ألزمهم به من فرائضه المذكورة بعد ذلك، ونهي منه جل وعلا عن نقض ما عقده عليهم، أو التقصير بشيء من ذلك. (٣)
القول الخامس: أن المراد (بالعقود) في الآية: جميع العهود التي بين الله جل وعلا وبين عباده، والتي بين العباد فيما بينهم.
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
- وحجة هذا القول:
١ - أن (العقود) جمع (عقد) بفتح العين وهو: الالتزام الواقع بين جانبين في فعل ما.
٢ - أن التعريف في لفظ (العقود) تعريف يفيد الاستغراق للجنس.
وبناء على هذا فإن لفظ (العقود) يكون شاملاً للعقود التالية:-
١ - العقود التي عاقد المسلمون عليها ربهم من القيام بفرائضه.
٢ - العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين ربه جل وعلا كالأيمان والنذر.
٣ - العقود التي يتعاقدها الناس فيما بينهم كالبيع والنكاح.
٤ - العقود التي يتعاقد عليها المسلمون والكفار. (٤)
стр. 474
الترجيح: والقول الراجح هو: أن الآية عامة في كل من آمن بالله جل وعلا من المسلمين وأهل الكتاب. كما أنها عامة في كل عهد أو عقد سواء كان بين الله جلا وعلا وعباده، أو بين سائر عباده.
وذلك لأن لفظ الآية جاء عاماً ولا دليل على تخصيصه بنوع دون آخر. إلا أنه ينبغي التنبيه إلى: أن العقد الذي يجب الوفاء به، هو كل عقد وافق كتاب الله جلا وعلا وسنة رسول الله ﷺ ، فإن خالفهما فهو عقد مردود يحرم الوفاء به.
قال ابن عطية في ترجيح هذا القول: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية: أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول، فيعمم لفظ المؤمنين جملة من مظهر الإيمان، ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع. أهـ. (١)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَنَا أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة:٥]
قال أبو جعفر الطحاوي: - مسألة - في شحوم ذبائح اليهود:
قال أصحابنا، والثوري، والليث، والأوزاعي، والشافعي ﵃: لا بأس به.
وقال مالك: وعبيد الله بن الحسن ﵄: لا يؤكل.
قال أبو جعفر: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]
المراد: ذبائحهم والشحوم، وإن كانت محرمة عليهم، فإنه قد أباح لنا أكله.
стр. 475
وينبغي على قول مالك ﵁: أن لا يجوز أكل ذبيحة اليهودي من الإبل، ومن كل ذي ظفر: لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام:١٤٦] وكان لحم الجمل محرماً عليهم.
ويلزمه أن لا يأكل ما اصطاده من السمك يوم السبت.
(مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٢١٠ - ٢١١)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالطعام) في الآية هو: الذبائح. كما بين - رحمه الله تعالى - الخلاف في حكم أكل شحوم ذبائح أهل الكتاب، مرجحاً جواز ذلك، لأن الآية دالة على جواز سائر ذبائح أهل الكتاب بدون استثناء لأي جزء من أجزائها.
وإليك أولاً: بيان المراد (بالطعام) في قوله جل وعلا: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
- القول الأول: أن المراد بالآية هو: جميع المطعومات.
- وحجة هذا القول: أن قوله: (وطعام) لفظ عام مطلق، فوجب حمل الآية على القول بالعموم. (١)
- القول الثاني: أن المراد بالآية هو: الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى ذكاة.
- وهذا القول: منقول عن بعض أئمة الزيدية. (٢)
- القول الثالث: أن المراد بالآية هو: ذبائح أهل الكتاب.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (٣)
- وحجة هذا القول: أن سائر طعام أهل الكتاب من الخبز والأدهان وما تدخله صناعتهم، ولا يحتاج فيه إلى ذكاة، مباح أكله، ولا يختلف حكمه بمن يتولى صنعه من مسلم أو كافر. كما أن الطعام الذي يحتاج فيه إلى ذكاة وهو غير مذكى محرم أكله، ولا يختلف حكمه بناء على من تولى إماتته من مسلم أو كافر. وعليه فلم يبقى لنا إلا حمل الآية على الذبائح المذكاة والتي يختلف حكمها باختلاف الأديان. (٤)
стр. 476
- الترجيح: والراجح هو: أن المراد بالآية: ذبائح أهل الكتاب، لأمرين:
١ - أن ما سوى الذبائح من سائر الأطعمة لا يختلف حكمه باختلاف الأديان، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
٢ - أن ما قبل هذه الآية من الآيات في بيان أحكام الصيد والذبائح، فكان حمل الآية على الذبائح المتقدم ذكرها أولى. (١)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
ثانياً: الأقوال في حكم سائر أجزاء ذبائح أهل الكتاب:
- القول الأول: أنه يحل للمسلم سائر أجزاء ذبائح أهل الكتاب، باستثناء ما حرم الله عليهم كالشحوم المحضة.
- وهذا قول: مالك وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد - وقول: الضحاك - ومجاهد - وسَوّار - وأبي الحسن التميمي.
- وحجة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] والشحوم المحضة محرمة على أهل الكتاب فليست من طعامهم.
٢ - أن الشحوم المحضة جزء من الذبيحة، ولم تبح لذابحها، فلا تباح لغيره. (٢)
القول الثاني: أنه يحل للمسلم سائر أجزاء ذبائح أهل الكتاب، بدون استثناء شيء منها.
- وهذا قول: جمهور الفقهاء والمفسرين.
- وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
١ - أن التذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض. وإذا كانت التذكية شائعة في جميع أجزاء المذبوح دخل الشحم في ذلك لا محالة.
٢ - أن الله جل وعلا نص بأنه حرم على اليهود كل ذي ظفر، فقال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام:١٤٦]
стр. 477
فكان يلزم من قال بالقول الأول: أن اليهودي إذا ذبح ماله ظفر أنه لا يحل للمسلم أكله، وهذا غير صحيح وغير وارد، لأن كون الشحوم أو غيرها محرمة على أهل الكتاب لا يلزم منه أن تكون محرمة علينا، فالتحريم ثابت في شرعهم مسكوت عنه في شرعنا، فيكون الحكم على الأصل وهو الإباحة. (١)
٣ - ما ثبت عن عبد الله بن مغَفَّل ﵁ أنه قال: (رمي إليَّ جراب (٢) من شحم يوم خيبر، فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحد، والتفت فإذا رسول الله ﷺ يتبسم). (٣)
فدل هذا الحديث على حلَّ جميع أجزاء ذبائح أهل الكتاب، لأن الرسول ﷺ لم يعترض على فعل عبد الله بن مغفل، وأقره على ذلك مع علمه ﷺ بأن هذا الشحم من ذبائح أهل الكتاب.
٤ - ما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵁: (أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية (٤) ثم أهدتها لرسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه .. ) (٥)
стр. 478
ووجه الدلالة من الحديث: أن الرسول ﷺ أكل ومن معه من ذبيحة أهل الكتاب ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه. (١)
فدل ما تقدم على أن الآية عامة في إباحة طعام أهل الكتاب ما حرم عليهم وما حل لهم.
- الترجيح: والراجح هو حل جميع أجزاء ذبائح أهل الكتاب بدون استثناء شيء منها، لأن ما حرم على أهل الكتاب هو في شريعة الإسلام أمر باطل، لكونها ناسخة لجميع الشرائع، فوجب عدم مراعاة اعتقادهم في ذلك. (٢)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة:٦]
стр. 479
قال أبو جعفر الطحاوي: والغايات للأشياء المذكورة منها ليست بأعيان، وقد وجدناها لا تدخل في الأشياء المذكورة بها، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والليل غير داخل في ذلك، ووجدناها تدخل فيها، ومن ذلك قوله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، وكانت المرافق والكعبان داخلة في ذلك، وفي هذا ما يدل على أنهم قد يدخلون ما يجعلونه غاية فيما قد جعلوه غاية له، وقد لا يدخلونه فيه.
(شرح مشكل الآثار-١٥/ ١٨٥).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن (إلى) في قوله جل وعلا: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] دالة على دخول الغاية في الحكم المتقدم. وإليك بيان هذه المسألة:
إن (إلى) تفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها منه فأمر يدور مع الدليل، ومن أظهر الأدلة في بيان ذلك: أنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، وإن لم يكن من جنسه لم يدخل فيه.
١ - فمن الأمثلة على خروج الغاية من الحكم المتقدم:
قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] لأن الإعسار علة الإنذار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً.
وكقوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] لأن الليل ليس من جنس النهار، ولو دخل الليل في الغاية لوجب الوصال، وهو أمر غير وارد.
٢ - ومن الأمثلة على دخول الغاية في الحكم المتقدم:
قولك: (بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف) لأن الطرف المتأخر من جنس الطرف المتقدم.
стр. 480
وكقولك (حفظت القرآن من أوله إلى آخره)، لأن الكلام مسوق لبيان حفظ القرآن كله. وكقوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. (١)
وكقوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] (فالمرفقين والكعبين) داخلين في حكم الغسل، وقد دل على ذلك عدة أحاديث منها:
حديث جابر ﵁: " أن الرسول ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ". (٢)
ومنها: قول الرسول ﷺ : " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ". (٣)
стр. 481
ومنها: حديث نعيم بن عبد الله المجمر ﵁ قال: " رأيت أبا هريرة ﵁ يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ". (١)
فبينت هذه الأحاديث المتقدمة الغسل الواجب المأمور به في الآية، مع أنه لم ينقل إلينا أن الرسول ﷺ اقتصر في وضوئه على ما دون المرفقين في غسل اليدين، وما دون الكعبين في غسل الرجلين.
وبهذا يظهر صحة دخول ما بعد (إلى) في الآية في الحكم المتقدم وإلى هذا القول ذهب الجمهور. خلافاً لزفر بن الهذيل، ومحمد بن داود، ومالك في رواية، حيث ذهبوا إلى أن (إلى) لانتهاء الغاية، وما بعدها غير داخل في حكم ما قبلها، وعليه فلا يجب في الوضوء غسل المرفقين والكعبين. (٢) والراجح هو القول الأول لكونه معتمداً على الدليل الصحيح الصريح الثابت بالسنة.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 482
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة:٦]
قال أبو جعفر الطحاوي: وقد اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] فأضافة قوم إلى قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] قصراً على معنى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم).
وأضافة قوم إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فقرأوا (وأرجلكم) نسقاً على قوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أرجلكم﴾ على الإضمار والنسق.
وقد اختلف في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ومن دونهم. فمما روي عنهم في ذلك .. ، أن عبد الله بن مسعود قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] بالفتح .. وعن ابن عباس: أنه قرأها كذلك، وممن قرأها كذلك: مجاهد، وعروة بن الزبير، وشهر بن حوشب (١)
وعن مجاهد: أنه قرأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] خفضها .. وعن الحسن أنه قرأها كذلك.
(شرح معاني الآثار-١/ ٤٠)
стр. 483
بين الإمام الطحاوي القراءات الواردة في قوله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] موجهاً كل قراءة، وذاكراً من قرأبها، وإليك بيان هذه القراءات:-
القراءة الأولى: بالنصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦]
- وهذه قراءة: نافع - وابن عامر - والكسائي - وحفص عن عاصم - ويعقوب. (١)
- وفي توجيه هذه القراءة من جهة الإعراب، وجهان:-
١ - أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ منصوب بالعطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ وعامل النصب فيه هو قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وعليه فإن حكم الأرجل الغسل كالأيدي. والتقدير: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم).
وقد رد هذا القول: بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة غير اعتراضيه، لأنها منشئة حكماً جديداً، إذ ليس فيها تأكيد للحكم الأول. (٢)
وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن النصب على التقديم والتأخير جائز في اللغة بلاخلاف، وله أمثلة كثيرة منها: قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ ثم قال: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩] فعطف قوله: (أجل) على قوله: (كلمة) مع أن بينهما كلام فاصل.
فكذلك في الآية التي معنا عطف قوله: (وأرجلكم) على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ مع أن بينهما فاصل على التقديم والتأخير. (٣)
وقد كان هذا التقديم والتأخير في الآية، وإدخال قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ بين الأعضاء المغسولة، من أجل المحافظة على ترتيب الوضوء. (٤)
وقد دل على صحة هذا القول الأحاديث الصريحة الصحيحة في وجوب غسل الرجلين.
стр. 484
الدراسة
٢ - أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ منصوب بالعطف على محل المجرور ﴿وَامْسَحُوا﴾ إذ أن محل ﴿وَامْسَحُوا﴾ النصب، وإن كان مجروراً بالباء.
وعلى هذا القول يكون حكم (الرجلين) المسح، ولكنه نسخ بالسنة المبينة وجوب غسل الرجلين. (١)
وقد رد هذا القول: بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، كما أنه لا يقال بالنسخ مع إمكانية الجمع والتوفيق.
وبهذا يتضح لنا أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أحد الفعلين إما قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وإما قوله: ﴿وَامْسَحُوا﴾، إلا أنه إذا اجتمع عاملان لمعمول كان إعمال الأقرب أولى. وعليه فإنه يجب أن يكون عامل النصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هو قوله: ﴿وَامْسَحُوا﴾ لكونه الأقرب. (٢)
القراءة الثانية: بالجر: ﴿وأرجُلِكُم﴾ [المائدة:٦]
- وهذه قراءة: حمزة - وأبي عمرو - وابن كثير - وأبي بكر عن عاصم - وأبي جعفر - وخلف. (٣)
- وفي توجيه هذه القراءة من جهة الإعراب، ثلاثة أوجه:-
١ - أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مجرور بالعطف على مجرورة بحرف (الباء) هو قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ فهو مجرور لفظاً ومعنى. وبهذا يكون حكم الرجلين المسح، إلا أن حكم المسح للرجلين قد نسخ في السنة بوجوب الغسل.
وقد رد هذا القول: بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، كما أنه لا يقال بالنسخ مع إمكانية الجمع والتوفيق.
٢ - أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مجرور بحرف جر مقدر دل عليه المعنى، ويتعلق هذا الحرف بفعل محذوف أيضاً يليق بالمحل، والتقدير: (وافعلوا بأرجلكم غسلاً).
стр. 485
وقد رد هذا القول: بأن حذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز، إلا أنه ليس على إطلاقه، وإنما يطرد في مواضع نص عليها أهل اللسان ليس هذا منها.
٣ - أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مجرور بالعطف على مجرور بحرف (الباء)، وهو قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ مع أنه منصوب في المعنى بالعطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فهو مجرور لأجل المجاورة لفظاً لا معنى.
وبهذا يكون حكم الرجلين الغسل لا المسح، لأن السنة الصحيحة قاضية بأن حكم الوجه واليدين والرجلين الغسل، إلا أن مسح الرأس دخل بينهما، وإن لم تكن وظيفته كوظيفتهم، لأنه مفعول قبل غسل الرجلين لا بعدهما. فكان ذكر الرجلين بعد ذكر مسح الرأس لبيان الترتيب لا ليشتركا في صفة التطهير.
وقد دل على ذلك قوله جل وعلا: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فجيء بالغاية إزالة لظن من يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة. (١)
ومثال ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] من غير تحديد.
وقوله جل وعلا في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] من غير بيان حد لذلك المسح.
وهذا مما يبين أن حكم الرجلين وجوب الغسل لا المسح.
والجر بالمجاورة ثابت في اللغة العربية، وممن صرح بجوازه من أئمة اللغة: الأخفش، وأبو البقاء العكبري.
ومن أمثلة الجر بالمجاورة في القرآن الكريم:
قوله جل وعلا: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود:٨٤] بجر قوله: ﴿مُحِيطٍ﴾ لمجاورته لقوله: ﴿يَوْمٍ﴾ مع أنه نعت لقوله: ﴿عَذَابَ﴾.
стр. 486
ومثل: قراءة الأعمش لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] بجر قوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ لمجاورته لقوله: ﴿الْقُوَّةِ﴾ مع أنه نعت لقوله: ﴿الرَّزَّاقُ﴾.
ومثل: قراءة حمزة لقوله جل وعلا: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧] ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ فجرهن بالمجاورة، وهن معطوفات في المعنى على قوله: ﴿وِلْدَانٌ﴾ لأنهن يطفن ولا يُطاف بهن.
ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قولهم: (هذا جحر ضب خرب) بجر: (خرب) لمجاورته للمجرور (ضب) وكان حقه الرفع لأنه صفة في المعنى لـ (جحر) لصحة اتصافه به، بخلاف (ضب) فإنه لا يصح اتصافه بقوله: (خرب). وبهذا يتضح لنا صحة الجر بالمجاورة. (١)
القراءة الثالثة: بالرفع: ﴿وأرجُلُكُم﴾ [المائدة:٦].
- وهذه قراءة: الأعمش - والحسن بن أبي الحسن - ورويت عن نافع. (٢)
- وتوجيه هذه القراءة من جهة الإعراب:
أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: (وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة). (٣)
الترجيح: وجميع هذه القراءات قد نزل بها القرآن جميعاً، ونقلتها الأمة تلقياً من رسول الله ﷺ ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من هذه القراءات محتملة من حيث المعنى للمسح والغسل. إلا أن احتمال الغسل هو الصحيح لكون السنة الصحيحة دالة عليه. (٤)
وأما احتمال المسح فيمكن تأويله على النحو التالي:
стр. 487
١ - أن قوله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إما عطف على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتنبيه على وجوب الاقتصاد في استعمال الماء، وأن تغسل الأرجل غسلاً خفيفاً يقرب من المسح. (١)
٢ - أن قوله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إنما عطف على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ليبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل وهما الخفان، بخلاف سائر الأعضاء.
ومثال ذلك: ما روي عن الرسول ﷺ :" أنه كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه ". (٢) فليس المراد منه: أنه لم يكن بينهما حائل. وكما يقال: (قَبّل فلان رأس الأمير ويده) وإن كانت العمامة على الرأس، واليد في الكُمِّ. (٣)
٣ - أن قوله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إنما عطف على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ لتنبيه الغاسل على عدم الاكتفاء بمجرد الغسل في تطهير الرجلين، بل يجمع في تطهيرهما بين الدلك باليد الذي هو المسح والغسل الذي هو إسالة الماء على العضو المغسول.
ولعل الحكمة في الجمع بين المسح والغسل في تطهير الرجلين دون غيرهما، لأن الرجلين هما أقرب أعضاء الإنسان إلى ملامسة الأقذار لمباشرتهما للأرض، فناسب ذلك أن يجمع في تطهيرهما بين المسح والغسل، ليكون ذلك أبلغ في نظافتهما. (٤)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
стр. 488
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ [المائدة:٢٨]
قال أبو جعفر الطحاوي: وقد كان له مده يده إليه ليدفعه عن نفسه لما أراد قتله، ولكنه خاف أن يرجع صاحبه عما كان همَّ به، ويتمادى هو في الدفع عن نفسه حتى يكون في ذلك تلف صاحبه بما يفعله به، فخاف الله من أجل ذلك. ومثل ذلك قول النبي ﷺ : " اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (١) مع علمه ﷺ : أن الله لا يؤاخذه بما لا يملك، ولكن على التوقي من الزيادة فيما لا يملك حتى يدخل به فيما يملك.
(شرح مشكل الآثار -١٠/ ٢٧٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي السبب الذي من أجله قال المقتول لأخيه القاتل: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] وهو أن المقتول خاف أن يتراجع البادئ بالقتال عن الرغبة في قتله، ويتمادى هو في الدفاع عن نفسه فيكون هو القاتل المستحق لعذاب الله جل وعلا، فكان الخوف من عذاب الله جل وعلا مانعاً له من الإقدام على الدفاع عن نفسه، مع أنه جائز في حقه.
وإليك بيان أقوال المفسرين في السبب الذي من أجله قال المقتول لأخيه القائل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]:
- القول الأول: أن المقتول قال هذه المقولة لأنه كان من شرع آدم ﵇، أن من قُصد بالقتل فواجب عليه الكف عن الدفع والصبر على ما يصيبه.
стр. 489
- وهذا قول: مجاهد - والحسن. (١)
- القول الثاني: أن المقتول قال هذه المقولة إعلاماً منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله لا ابتداءً ولا مدافعة. (٢)
وقد كان له الدفاع عن نفسه، ولكنه خاف أن يتراجع البادئ بالقتال عن مراده، ويتمادى هو في دفعه حتى يقتله، ولهذا فضل أن يكون هو المقتول لا القاتل، مختاراً طريق الصبر على المصيبة طلباً للأجر من الله جل وعلا.
ومما يؤيد صحة موقف هذا المقتول:
ما ثبت في الصحيحين عن الرسول ﷺ أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (٣)
- وهذا قول: ابن عباس - وعبد الله بن عمرو - وعكرمة. (٤)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن الله جلا وعلا قد كان حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلماً، وأن المقتول إنما قال لأخيه تلك المقولة لأنه كان محرماً عليه من قتل أخيه مثل الذي كان حراماً على أخيه القاتل من قتله.
فأما الإمتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة فيه على أن القاتل حين أراد قتله، وعزم عليه، كان المقتول عالماً بما هو عليه عازم منه، ومحاول من قتله، فترك دفعه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلة، اغتالة وهو نائم، فضرب رأسه بحجر كبير فقتله.
стр. 490
فهو إنما قال تلك المقولة عندما لاح له علامات تغلب على الظن أن أخاه يريد قتله، فذكر له تلك المقولة على سبيل الموعظة والنصيحة. فإذا كان ذلك ممكناً، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأموراً بترك منع أخيه من قتله، لم يكن جائزاً ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب التسليم له. (١)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة:٣٣ - ٣٤]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣] الآية، قال: (نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم من قتل وأفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب) (٢)
стр. 491
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: (قدم أعراب من عرينة إلى نبي الله ﷺ فأسلموا، فاجتووا (١) المدينة حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فبعث بهم نبي الله ﷺ إلى لقاح له، فأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله ﷺ في طلبهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم). (٢)
قال أمير المؤمنين عبد الملك لأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أو بذنب؟ قال: بكفر (٣).
ففي الحديث الأول من هذين الحديثين أن الحكم المذكور فيه في المشركين إذا فعلوا الأفعال، لا فيمن سواهم ممن هو متمسك بالإسلام.
стр. 492
وفي الحديث الثاني منهما ما قد دل على أن العقوبة في ذلك كانت عند أنس بن مالك، إذ كانت تلك الأفعال مع الزيادة لامع الإسلام. ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجه فيه، ووجدنا الله قد قال في كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] فكان ما ذكر الله في هذه الآية قد ذكر فيه أن العقوبات المذكورات فيها جزاء لمن أصاب تلك الاشياء التي تلك العقوبات عقوبات لها، وقد تكون تلك الأشياء ممن ينتحل الإسلام وممن سواهم، وكانت المحاربة هي العداوة لله بالأفعال التي لا يرضاها
قال أبو جعفر: فوجب بذلك استعمال ما في هذه الآية على من يكون منه هذه المحاربة والسعي المذكور فيها إلى يوم القيامة من أهل الملة الباقين على الإسلام، ومن أهل الملة الخارجين عن الإسلام إلى ضده، ومن أهل الذمة الباقين على ذمتهم، ومن أهل الذمة الخارجين عن ذمتهم بنقض العهد الذي كان عليهم فيها.
وقد روي عن رسول الله ﷺ في ذلك حديث يوجب ما قلنا كما عن إبراهيم بن طهمان (١) .. عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل قتل امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: زانٍ بعد إحصانه، أو رجل قتل فقتل به، أو رجل خرج محارباً لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " (٢)
стр. 493
فقال قائل: فقد احتججت بحديث إبراهيم بن طهمان هذا، وفيه تخُّير الإمام في هذه الأشياء أيها رأى أنه يقيمه على أهل المحاربة. وأنت لا تقول هذا، وقد قال بالتخير قبلك في هذه العقوبة غير واحدٍ من أهل العلم؟
فذكر عن الحسن في قوله: " أو. . . أو. . . " قال: الإمام مخير: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع ". وعن إبراهيم، والحسن، والضحاك، وعطاء ومجاهد أنهم كانوا يقولون: الإمام مخير في ذلك، أي ذلك ما شاء فعل
قال: فهذه الآثار كلها عن هؤلاء التابعين في تخيُّر الإمام، وقد كان مالك بن أنس يذهب إلى هذا، فإلى قول من خالفت ذلك؟ قيل له: إلى قول عبد الله بن عباس إذا خرج الرجل محارباً، فأخاف السبيل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف، وإن هو أخذ المال وقتل، قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، وإن هو قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو أخاف السبيل ولم يأخذ المال نُفي.
وإلى هذا القول كان محمد بن الحسن وأبو يوسف يذهبان.
وأما أبو حنيفة فكان يقول: إذا أخذ المال وقتل، كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف، ثم قتله، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلاف
وأما ما حكيته عن مالك، فقد غلطت عليه فيه، لأن مالكاً كان يستعمل التخُّير كما ذكرت ما لم يقتل أو يطول مكثه في المحاربة. فإذا كان ذلك، كان حكمه أن يقتله، فقد عاد قوله بذلك إلى طائفة من قول الآخرين ممن يجعل الآية على المراتب لا على التخُّير.
فقال هذا القائل: فلم لم تجعل للإمام أن يقتل بالمحاربة إذا لم يصب أهلها القتل بظاهر الآية.
стр. 494
قلت: لما قد روي عن رسول الله ﷺ مما يدفع ذلك. كما عن أبي أمامة بن سهل (١)، قال: كنت مع عثمان ﵁ في الدار وهو محصور، فدخل يوماً لحاجة، ثم خرج، فقال: لِمَ يقتلونني؟! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت لي بديني بدلاً منذ هداني الله ، فلم يقتلونني؟! (٢)
فكان فيما روينا نفي رسول الله ﷺ حل دم من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بواحدة من الثلاث المذكورات في هذا الحديث، فثبت بذلك أنه لا يحل دم من خرج من المسلمين بخروجه حتى يكون في ذلك القتل، وفيما ذكرنا موافقة ما رويناه عن ابن عباس، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار-٥/ ٤٥ - ٦١)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الآثار الواردة في سبب نزول الآية، مرجحاً أن حكم الآية عام في بيان جزاء من ارتكب تلك الأشياء المذكورة فيها، سواء كانت تلك الأفعال من أهل الإسلام أو من غيرهم. ثم ذكر الأقوال في عقوبة من كانت منه المحاربة، مرجحاً أن العقوبات المذكورة في الآية على الترتيب بحسب نوع الجريمة. وليس الإمام مخير بينها، لأنه لو كان له ذلك لجاز له قتل المحارب وإن لم يقتل، وهذا مردود بحديث أبي أمامة الدال على عدم جواز قتل من كانت منه محاربة ولم يقتل.
стр. 495
وإليك أولاً: بيان الآثار الواردة في سبب نزول الآية:
١ - ما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]. قال: (نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه) (١)
٢ - ما روي عن أنس بن مالك ﵁: " أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]. (٢)
الترجيح: والراجح هو القول بأن سبب نزول الآية هو ما ورد في الرواية الثانية، لأن صيغة السببية فيها صريحة خلافاً للرواية الأولى، كما أنها أصح سنداً لكونها ثابتة في الكتب الستة، إلا أن حكم الآية عام فيمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المسألة الثانية: بيان الأقوال في المراد (بالمحاربة) في الآية: