← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وعن أنس بن مالك ﵁، قال: (قدم أعراب من عرينة إلى نبي الله ﷺ فأسلموا، فاجتووا (١) المدينة حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فبعث بهم نبي الله ﷺ إلى لقاح له، فأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله ﷺ في طلبهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم). (٢) قال أمير المؤمنين عبد الملك لأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أو بذنب؟ قال: بكفر (٣). ففي الحديث الأول من هذين الحديثين أن الحكم المذكور فيه في المشركين إذا فعلوا الأفعال، لا فيمن سواهم ممن هو متمسك بالإسلام.

стр. 492

وفي الحديث الثاني منهما ما قد دل على أن العقوبة في ذلك كانت عند أنس بن مالك، إذ كانت تلك الأفعال مع الزيادة لامع الإسلام. ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجه فيه، ووجدنا الله قد قال في كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] فكان ما ذكر الله في هذه الآية قد ذكر فيه أن العقوبات المذكورات فيها جزاء لمن أصاب تلك الاشياء التي تلك العقوبات عقوبات لها، وقد تكون تلك الأشياء ممن ينتحل الإسلام وممن سواهم، وكانت المحاربة هي العداوة لله بالأفعال التي لا يرضاها قال أبو جعفر: فوجب بذلك استعمال ما في هذه الآية على من يكون منه هذه المحاربة والسعي المذكور فيها إلى يوم القيامة من أهل الملة الباقين على الإسلام، ومن أهل الملة الخارجين عن الإسلام إلى ضده، ومن أهل الذمة الباقين على ذمتهم، ومن أهل الذمة الخارجين عن ذمتهم بنقض العهد الذي كان عليهم فيها. وقد روي عن رسول الله ﷺ في ذلك حديث يوجب ما قلنا كما عن إبراهيم بن طهمان (١) .. عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل قتل امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: زانٍ بعد إحصانه، أو رجل قتل فقتل به، أو رجل خرج محارباً لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " (٢)

стр. 493

فقال قائل: فقد احتججت بحديث إبراهيم بن طهمان هذا، وفيه تخُّير الإمام في هذه الأشياء أيها رأى أنه يقيمه على أهل المحاربة. وأنت لا تقول هذا، وقد قال بالتخير قبلك في هذه العقوبة غير واحدٍ من أهل العلم؟ فذكر عن الحسن في قوله: " أو. . . أو. . . " قال: الإمام مخير: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع ". وعن إبراهيم، والحسن، والضحاك، وعطاء ومجاهد أنهم كانوا يقولون: الإمام مخير في ذلك، أي ذلك ما شاء فعل قال: فهذه الآثار كلها عن هؤلاء التابعين في تخيُّر الإمام، وقد كان مالك بن أنس يذهب إلى هذا، فإلى قول من خالفت ذلك؟ قيل له: إلى قول عبد الله بن عباس إذا خرج الرجل محارباً، فأخاف السبيل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف، وإن هو أخذ المال وقتل، قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، وإن هو قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو أخاف السبيل ولم يأخذ المال نُفي. وإلى هذا القول كان محمد بن الحسن وأبو يوسف يذهبان. وأما أبو حنيفة فكان يقول: إذا أخذ المال وقتل، كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف، ثم قتله، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلاف وأما ما حكيته عن مالك، فقد غلطت عليه فيه، لأن مالكاً كان يستعمل التخُّير كما ذكرت ما لم يقتل أو يطول مكثه في المحاربة. فإذا كان ذلك، كان حكمه أن يقتله، فقد عاد قوله بذلك إلى طائفة من قول الآخرين ممن يجعل الآية على المراتب لا على التخُّير. فقال هذا القائل: فلم لم تجعل للإمام أن يقتل بالمحاربة إذا لم يصب أهلها القتل بظاهر الآية.

стр. 494

قلت: لما قد روي عن رسول الله ﷺ مما يدفع ذلك. كما عن أبي أمامة بن سهل (١)، قال: كنت مع عثمان ﵁ في الدار وهو محصور، فدخل يوماً لحاجة، ثم خرج، فقال: لِمَ يقتلونني؟! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت لي بديني بدلاً منذ هداني الله ، فلم يقتلونني؟! (٢) فكان فيما روينا نفي رسول الله ﷺ حل دم من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بواحدة من الثلاث المذكورات في هذا الحديث، فثبت بذلك أنه لا يحل دم من خرج من المسلمين بخروجه حتى يكون في ذلك القتل، وفيما ذكرنا موافقة ما رويناه عن ابن عباس، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٥/ ٤٥ - ٦١) الدراسة بين الإمام الطحاوي الآثار الواردة في سبب نزول الآية، مرجحاً أن حكم الآية عام في بيان جزاء من ارتكب تلك الأشياء المذكورة فيها، سواء كانت تلك الأفعال من أهل الإسلام أو من غيرهم. ثم ذكر الأقوال في عقوبة من كانت منه المحاربة، مرجحاً أن العقوبات المذكورة في الآية على الترتيب بحسب نوع الجريمة. وليس الإمام مخير بينها، لأنه لو كان له ذلك لجاز له قتل المحارب وإن لم يقتل، وهذا مردود بحديث أبي أمامة الدال على عدم جواز قتل من كانت منه محاربة ولم يقتل.

стр. 495

وإليك أولاً: بيان الآثار الواردة في سبب نزول الآية: ١ - ما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]. قال: (نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه) (١) ٢ - ما روي عن أنس بن مالك ﵁: " أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]. (٢) الترجيح: والراجح هو القول بأن سبب نزول الآية هو ما ورد في الرواية الثانية، لأن صيغة السببية فيها صريحة خلافاً للرواية الأولى، كما أنها أصح سنداً لكونها ثابتة في الكتب الستة، إلا أن حكم الآية عام فيمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المسألة الثانية: بيان الأقوال في المراد (بالمحاربة) في الآية:

стр. 496

القول الأول: أن المراد بالمحاربة: الكفر بعد الإسلام، لأن الكفر يبعث على محاربة الإسلام وأهله. القول الثاني: أن المراد بالمحاربة: المعادة لأولياء الله وأولياء رسول الله ﷺ . وإنما عبر في الآية بلفظ الجلالة (الله) دون لفظ (الأولياء) إكباراً لأذيتهم، وبياناً لمكانتهم من الله جل وعلا، كما عبر بلفظ الجلالة (الله) عن العباد الفقراء في قوله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] وذلك لطفاً بهم ورحمة لهم. القول الثالث: أن المراد بالمحاربة: المخالفة لله جل وعلا ولرسوله ﷺ وذلك بترك ما أمروا به، وفعل ما نهوا عنه مجاهرة عياناً. (١) وهذا هو القول الصواب، لكونه أعم الأقوال. المسألة الثالثة: بيان المراد بالمحاربين عند الفقهاء: المراد بالمحاربين عند الفقهاء: هم القوم على أي ملة كانوا الذين يجتمعون ولهم منعة ممن أرادهم، ويقصدون الناس مجاهرة في أي مكان كانوا، ويتعدون عليهم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، ويظهرون الفساد في الأرض. (٢) وهناك شروط للمحاربة مختلف فيها: أ - أن يكون فعل المحاربة في الصحراء - وهذا الشرط للعلماء فيه قولان: ١ - أن يكون فعل المحاربة في الصحراء خارج البلد. - وهذا قول: أبي حنيفة - وأحمد - والثوري - وإسحاق. (٣) - وحجة هذا القول: أن الذي يكون داخل البلد إذا اعتدى عليه أحد فإنه يغاث إذا استغاث، فتذهب شوكة المعتدي. بخلاف الذي يكون في الصحراء فإنه إذا تعدي عليه فإنه لا يغاث لبعده عمن يغيثه ويعينه. (٤)

стр. 497

٢ - أن يكون فعل المحاربة في الصحراء وداخل البلد. - وهذا قول: مالك - والشافعي - والأوزاعي - والليث بن سعد - وأبي يوسف - وأبي ثور. (١) - وحجة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]. فهذه الآية عامة في بيان عقوبة كل من صدر عنه ذلك الفعل في أي مكان من الأرض. ٢ - أن عقوبة المحاربة حد ثابت كسائر الحدود، فلا يختلف في وجوب إقامته على من كانت منه تلك الأفعال في أي مكان. (٢) ٣ - أن مرتكبي تلك الأفعال في البنيان أحق بالعقوبة من مرتكبيها في الصحراء. لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة. ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، وأما المسافر فإنه لا يكون معه غالباً إلا بعض ماله. وهذا القول هو الصواب لقوة حجته. (٣) ب - أن يكون مع المحاربين سلاح - وهذا الشرط للعلماء فيه قولان: ١ - أن يكون مع المحاربين سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فهم غير محاربين، لأنهم لا يمنعون من يقصدهم للدفاع عن نفسه. - وهذا قول: أبي حنفية - وأحمد. ٢ - أن يكون مع المحاربين سلاح أو بدون سلاح، فهم محاربون في كلا الحالتين. - وهذا قول: مالك - والشافعي. (٤) وهذا هو القول الصحيح، فكل من قطع الطريق وأخاف المسلمين وروع الآمنين فهو من المحاربين سواء كان معه سلاح أو حجارة أو عصى أو ليس معه شيء، لعموم الآية، فهي لم تخص حملة السلاح دون غيرهم. (٥) المسألة الرابعة: هل العقوبات المذكورة في الآية على الترتيب أم على التخيير؟ للعلماء في هذه المسألة قولان:-

стр. 498

القول الأول: أن هذه العقوبات على التخيير. - وهذا قول: ابن عباس- وإبراهيم النخعي - والحسن - وعطاء - وسعيد بن المسيب - ومالك. (١) - وكيفية التخيير هي: أن المحارب إذا قتل فلابد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه ولا نفيه. وإنما التخيير في قتله أو صلبه. وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. وأما إذا أخاف السبيل فقط، فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه. (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] فقد جاءت العقوبات المذكورة في الآية معطوف بعضها على بعض بـ (أو) وقد وجدنا أن العطوف التي بـ (أو) في القرآن بمعنى (التخيير) في كل ما أوجب الله به فرضاً. وذلك كقوله جل وعلا في كفارة اليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩]

стр. 499

وكقوله جل وعلا في كفارة قتل الصيد حال الإحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥] فإذا كانت العطوف التي بـ (أو) في القرآن الكريم، في كل ما أوجب الله به فرضاً بمعنى: التخيير، فكذلك المراد بها في الآية التي معنا: التخيير، إذ لا فرق ظاهر بين تلك الآيات. (١) - وقد رد هذا الاستدلال: أ- بأنه لو كان المراد من (أو) في الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك، علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير. ب- أن المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهمَّ بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب قتله، كالعزم على سائر المعاصي. فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، وأنه يجب أن يضمر في كل فعل على حدة، فعلاً على حدة. (٢) ٢ - قوله جل وعلا: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] فقد دلت هذه الآية على أن الإفساد في الأرض بمنزلة قتل النفس في باب وجوب قتل فاعله، والمحاربون مفسدون في الأرض مستحقون للقتل بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم للناس، وإن لم يقتلوا أحداً ولم يأخذوا مالاً. وقد رد هذا الاستدلال: بأن المراد بالإفساد في الأرض: الإفساد الذي يكون معه قتلُ، أو يكون المراد به: إظهار الفساد في الأرض، مما يستحق به القتل على وجه الدفع.

стр. 500

وهذا القتل للمفسد على وجه الدفع لشره وإفساده وإن لم يقتل، مما اتفق أهل العلم على جوازه، وإنما الخلاف فيمن صار في يد الإمام قبل أن يتوب هل يجوز قتله وإن لم يقتل؟. ٣ - ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زناً بعد إحصان، ورجل قتل رجلاً فقتل به، ورجل خرج محارباً لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " (١) فقد دل هذا الحديث على جواز قتل المحارب وإن لم يقتل. وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث قد روي من وجه صحاح، ولم يذكر فيه قتل المحارب، حيث رواه عثمان (٢) وابن مسعود (٣) ﵃ عن رسول الله ﷺ ولم يذكروا فيه (قتل المحارب) - وإنما ذكروا مكانه (ورجل كفر بعد إسلامه) وهذا هو الصحيح لأن المرتد هو المستحق للقتل بالاتفاق. وإن صح ذكر المحارب فيه، فالمعنى فيه: إذا قتل، حتى يكون موافقاً للروايات الأخرى. (٤) القول الثاني: أن هذه العقوبات على الترتيب. - وهذا قول: ابن عباس ﵁ والحسن - والسدي - والربيع بن أنس - وسعيد بن جبير - وأبي مجلز لاحق بن حميد - وأبي حنيفة - والشافعي - وأحمد. (٥)

стр. 501

- وكيفية الترتيب هي: أنه يجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة، ويكون التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل وأخذ المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل دون أي فعل آخر. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - ما رواه يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام: قال أنس: " فسأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام، فاصلبه ". (٢) فقد دل هذا الحديث على: أن العقوبات المذكورة في الآية على الترتيب بحسب فعل المحاربة. وهذا الحديث في إسناده ابن لهيعه، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، فهو ضعيف لا يحتج به، وقد ساقه الطبري، وهو يرى عدم صحته بقوله: (وفي إسناده نظر). ومع أن هذا الحديث ضعيف إلا أنه يقوي القول بالترتيب الذي عليه أكثر أهل العلم. (٣) ٢ - ما رواه عثمان بن عفان ﵁ عن الرسول ﷺ أنه قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد إحصان فرجم، ورجل كفر بعد إسلامه ". (٤)

стр. 502

فقد دل هذا الحديث على: حظر قتل الرجل المسلم إلا إذا ارتكب أحد هذه الأفعال، وأما أن يقتل الرجل من أجل أنه أخاف السبيل أو سرق، فحكم باطل لعدم الدليل. (١) ٣ - أن عرف القرآن الكريم قد دل على أن ما أريد به التخيير البدأ فيه بالأخف، وما أريد به الترتيب البدأ فيه بالأغلظ. ومثال ما بدئ فيه بالأخف كفارة اليمين، كما في قوله جل وعلا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] ومثال ما بدئ فيه بالأغلظ كفارة الظهار. كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة:٣ - ٤] ٤ - أن العقوبات تختلف باختلاف نوع الإجرام، ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق والقاتل، وقد سوى من قال بالتخيير بينهم، في العقوبات مع اختلاف جناياتهم. (٢)

стр. 503

الترجيح: والراجح هو القول بأن عقوبة المحارب على الترتيب، لظهور أدلته وقوتها، ولكون القياس الجلى دال على صحته، لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في المحارب وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه. وأخذ المال يتعلق به القطع في غير المحارب، فغلظ ذلك في المحارب بقطع الطرفين. وإن جمع لمحارب بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقه بين القتل وبين الصلب، لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة به، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية. وأما إن اقتصر المحارب على مجرد الإخافة، فتكون عقوبته أقل من عقوبة من تقدمه وهي النفي من الأرض. (١) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة:٣٨] قال أبو جعفر الطحاوي: فأجمعوا أن الله لم يعن بذلك كل سارق، وأنه إنما عنى به خاصاً من السراق لمقدار من المال معلوم، فلا يدخل فيما قد أجمعوا عليه أن الله تعالى عنى به خاصاً، إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه. وقد أجمعوا أن الله تعالى قد عنى سارق العشرة الدراهم، واختلفوا في سارق ما هو دونها: فقال قوم: هو ممن عنى الله تعالى، وقال قوم: ليس هو منهم. فلم يجز لنا - لما اختلفوا في ذلك - أن نشهد على الله تعالى أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناه. وجاز لنا أن نشهد فيما أجمعوا أن الله عناه، على الله أنه عناه. فجعلنا سارق العشرة الدراهم فما فوقها، داخلاً في الآية فقطعناه بها، وجعلنا سارق ما دون العشرة، خارجاً من الآية، فلم نقطعه.

стр. 504

وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمة الله عليهم أجمعين، وقد روي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعمرو بن شعيب والحمد لله رب العالمين. (شرح معاني الآثار -٣/ ١٦٧) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ هو: السارق الذي يسرق ما قيمته عشرة دراهم فما فوق ذلك، والدليل هو: ثبوت الإجماع على ذلك. وإليك بيان الأقوال في المراد بالسارق الذي يجب قطع يده: القول الأول: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، فما فوق ذلك. - وهذا القول: قد روي عن أبي بكر - وعمر - وعثمان - وعلي - وعائشة ﵃، وإليه ذهب: الجمهور: مالك - والشافعي - وأحمد. إلا أن الإمام مالك يرى أن الفضة تقدر بالدرهم، والذهب يقدر بالدينار وأما غيرهما فيقدر بالدرهم. وأما الإمام أحمد فيرى أن الفضة تقدر بالدرهم، والذهب يقدر بالدينار، وأما غيرهما فيقدر بالدرهم أو الدينار. وأما الإمام الشافعي فيرى أن كل الأشياء تقدر بالدينار. (١) وهو الصحيح لأن الدينار كان أصل النقد في ذلك الزمان. (٢) ومن أدلة هذا القول: ١ - ما رواه ابن عمر ﵁: " أن الرسول ﷺ قطع في مَجنِّ قيمته ثلاثة دراهم " (٣) قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك. (٤)

стр. 505

٢ - ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " القطع في ربع دينار فصاعداً " (١) قال البغوي: هذا الحديث متفق على صحته. (٢) فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع دينار لا ما سواه، وحديث ثمن المجن وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً، فثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وبهذا يمكن الجمع بين هذه الأحاديث لتتفق في بيان المراد بالآية. (٣) القول الثاني: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق ما قيمته دينار أو عشرة دراهم، فما فوق ذلك. - وهذا القول: قد روي عن ابن عباس - وابن مسعود ﵃. وإليه ذهب: أبو حنيفة - وأبو يوسف - وزفر - ومحمد بن الحسن - والثوري - والنخعي. (٤) ومن أدلة هذا القول: ١ - ما رواه ابن عباس ﵁: " أن الرسول ﷺ قطع في مجنِّ قيمته عشرة دراهم " (٥) وقد رد هذا الاستدلال: بأنه لا دلالة فيه على أنه لا يقطع من سرق دون ذلك. (٦)

стр. 506

٢ - ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا قطع فيما دون عشرة دراهم ". (١) وقد رد هذا الحديث: بأن في سنده: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق وكلاهما ضعيف مدلس. (٢) ٣ - أنه لما كان تقدير ما تقطع فيه يد السارق مختلفاً فيه، كان العمل بالأكثر المتفق عليه، فيه عمل باليقين. (٣) وقد قال الرسول ﷺ :" ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " (٤) وقد رد هذا الاستدلال: بأن قطع يد السارق في ربع دينار أمر متفق عليه عند الجمهور، بدلالة الحديث الصريح الثابت عن النبي ﷺ . القول الثالث: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق القليل أو الكثير. - وهذا القول: روي عن ابن عباس - وابن الزبير ﵃. وإليه ذهب: الحسن البصري - والحسن بن أبي الحسن - وهو قول الخوارج. (٥) ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] قالوا: فظاهر الآية دال على أنه يجب قطع يد كل من سرق شيئاً سواء كان قليلاً أو كثيراً. (٦)

стр. 507

وقد رد هذا الاستدلال: بأن ظاهر الآية مجمل فسقط الاحتجاج بعمومه (١)، ووجب الأخذ بما يبينه من السنة، وهو قول الرسول ﷺ : " القطع في ربع دينار فصاعداً " (٢). ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ أنه قال: " لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " (٣) قالوا: فقد دل هذا الحديث على أن يد السارق تقطع في كل ماله قيمة قل أو كثر، لأن قيمة البيضة والحبل في العادة، أقل من عشرة دراهم. وقد رد هذا الاستدلال بالأمور التالية: ١ - أن المراد بالبيضة بيضة الحديد، وأما بيضة الدجاج، فلا خلاف بين الفقهاء أنه لا قطع فيها. وأما الحبل فلا يلزم أن تكون قيمته أقل من عشرة دراهم، بل قد يكون يساوي العشرة أو أكثر من ذلك. (٤) ٢ - أن هذا الحديث خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، لأن من ظفر بسرقة القليل سرق الكثير فتقطع يده. (٥) ٣ - أن هذا الحكم، وهو قطع اليد في الشيء القليل، كان في الابتداء، ثم نسخ (٦) بقول الرسول ﷺ :" القطع في ربع دينار فصاعداً " (٧) القول الرابع: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق ما قيمته خمسة دراهم، فما فوق ذلك. - وهذا قول: عمر ﵁ وسليمان بن يسار - وابن أبي ليلى - وابن شبرمة. القول الخامس: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق ما قيمته أربعة دراهم، فما فوق ذلك.

стр. 508

- وهذا قول: أبي هريرة - وأبي سعيد الخدري ﵃. وهذان القولان لا يصح اعتبارهما مقداراً يجب القطع به، لورود الحديث الصحيح الدال على ثبوت القطع في ثلاثة دراهم. - القول السادس: أن المراد بالسارق هو: الذي يسرق ما قيمته درهمين، فما فوق ذلك. - وهذا قول: عثمان البتي. (١) وهذا قول لا يصح اعتباره مقداراً يجب القطع به، لافتقاره إلى الدليل. الترجيح: والراجح هو قول الجمهور، وهو أن المراد بالسارق الذي يجب أن تقطع يده هو: سارق ما قيمته ربع دينار فما فوق ذلك، لكونه معتمداً على الدليل الصحيح خلافاً لغيره. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة:٤٢]

стр. 509

قال أبو جعفر الطحاوي: عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك (١)، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد، فخذوه، وإن أمركم بالرجم، فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال:" أرسلوا إلى أعلم رجلين فيكم "، فجاؤوه برجل أعور، يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال النبي ﷺ :" أنتما أعلم من قبلكما؟ " فقالا: قد نحلنا قومنا بذلك، فقال النبي ﷺ لهما: " أليس عندكم التوراة فيها حكم الله؟ " فقالا: بلى، فقال النبي ﷺ " فنشدتكما بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل المن والسلوى، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون. ما تجدون في التوراة من شأن الرجم؟ " فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم، فقال النبي ﷺ : " هو ذاك "، فأمر به فرجم، ونزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [المائدة:٤٢] (٢) ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيار في أن يحكم بين اليهود إذا جاؤوه، وفي أن يعرض عنهم، فلا يحكم بينهم. فقال قوم: هذه آية محكمة، وكان ما ذكر في هذا الحديث من رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يرجمه، وقد كان له أن لا يرجمه لقول الله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ،﴾ [المائدة:٤٢] أي: فلا تحكم بينهم.

стр. 510

وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهل العلم، وذكروا أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ورووا ما قالوا في ذلك عن ابن عباس، قال: (آيتان نسختا من هذه السورة، يعني سورة المائدة: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] فكان رسول الله ﷺ مخيراً إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم على كتابنا). (١)

стр. 511

قال أبو جعفر: وكان حديث ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية بالآية المتلوة في حديثه، وكان حكم من بعد النبي ﷺ في ذلك من ولاة الأمور على مثل الذي كان عليه النبي ﷺ منها في كل واحد من هذين القولين الذين ذكرناهما، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكم بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراض عنهم، لأنهم إذا حكموا بينهم، شهد لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك، لأن من يقول: إنهم حكموا، وعليهم أن يحكموا به، يقول: قد أدوا المفترض عليهم في ذلك، ويقول الآخرون: قد حكموا بما لهم أن يحكموا به، وخرج الحكام بذلك عندهم من ترك مفترض إن كان عليهم فيه، وإذا أعرضوا عنهم، وتركوا الحكم بينهم، فأحد الفريقين يقول: قد تركوا مفترضاً عليهم، والفريق الآخر يقول: قد تركوا ما لهم تركه، وكان ما يوجب النجاة لهم عند الفريقين جميعاً أولى بهم مما يوجب لهم النجاة عند أحد الفريقين، ولا يوجبه لهم عند الفريق الآخر. هذا لو لم تكن الآية منسوخة، فإذا وجب بحديث ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده، وحسن سياقته أن تكون منسوخة بالآية التي تلونا بعدها، كان الحكم بينهم أولى، وكان التمسك بها أحرى. ووجدنا قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] يحتمل أن يكون المراد: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك، وأن يكون على معنى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله بوقوفك على ما كان بينهم مما يوجب ذلك الحكم عليهم، وإن لم يتحاكموا إليك، فنظرنا: هل روي في ذلك ما يدل على أحد هذين الاحتمالين.

стр. 512

فوجدنا عن البراء ﵁، قال: مُرّ على النبي ﷺ بيهودي قد حُمِّمَ (١) وجهه وقد ضُربَ يطاف به، فقال النبي ﷺ : " ما شأن هذا؟ " فقالوا: زنى، فقال: " ما تجدون حد الزنى في كتابكم؟ " قالوا: يحمم وجهه، ويعزر ويطاف به، فقال: " أَنشدكم بالله ما تجدون حده في كتابكم؟ " فأشاروا إلى رجل منهم، فسأله رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: نجد في التوراة الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا، ونترك أشرافنا، فاصطلحنا على شيء، فوضعنا هذا. فرجمه رسول الله ﷺ ، وقال: " أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله تعالى ". (٢) وكان في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ رجم ذلك اليهودي بلا تحاكم من اليهود إليه فيه، فدل ذلك على أن أولى الاحتمالين بالآية التي تلوناها، الموافق لهذا الحديث منهما، وأن المراد بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩]، أي: وأن احكم عليهم بما أُنزل عليك في الكتاب الذي أنزل عليك بعد علمك بوجوب ذلك على من يحكم به عليه، تحاكموا في ذلك قبل أن تحكم بينهم فيه أو لم يتحاكموا إليك فيه. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -١١/ ٤٣٥ - ٤٤١) (وانظر: شرح معاني الآثار-٤/ ١٤١ - ١٤٣).

стр. 513

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] قد اختلف في نسخه على قولين، مرجحاً أنه منسوخ بقوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] وإليك بيان الأقوال في نسخ الآية:- القول الأول: أن قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] آية محكمة. فإذا جاء أهل الكتاب إلى الحاكم المسلم فهو مخير إن شاء أعرض عنهم وردهم إلى حكم دينهم، وإن شاء حكم بينهم بما في كتاب الله جل وعلا. وعلى هذا القول فإن معنى قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] يكون: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك. - وهذا قول: عطاء - وقتادة - والشعبي - والنخعي - وعمرو بن شعيب - والزهري - وأبي ثور - ورجحه الطبري: وإليه ذهب: الإمام مالك - وأحمد - والشافعي في أحد قوليه. (١) - ومن أدلة هذا القول: ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، إلى رسول الله ﷺ فقال: " ائتوني بأعلم رجلين منكم " فأتوه بابني صوريا، فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما، قال: " فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاؤا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما ". (٢)

стр. 514

وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة وابن عمر ﵃. وهو دال على: أنه لا يجب على الحاكم المسلم الحكم بين أهل الكتاب إلا متى ما رفعوا أمرهم إليه. القول الثاني: أن قوله جل وعلا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] آية منسوخة. والناسخ لها قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] فحكم الآية الأولى كان في ابتداء الإسلام حيث كان الإمام مخير في أن يحكم بين أهل الكتاب أو يعرض عنهم، ثم صار هذا الحكم منسوخاً، وأصبح الحكم وجوب الحكم بينهم متى ما تحاكموا إلينا. (١) وعلى هذا القول فإن معنى قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] يحتمل أمرين: أ - وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك، ولا تعرض عنهم. ب - وأن احكم بينهم بما أنزل الله وإن لم يتحاكموا إليك إذا علمت ذلك منهم. - وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والحسن البصري - وعكرمة -- وعمر بن عبد العزيز- والسدي - وعطاء الخرساني. وإليه ذهب: أبو حنيفة - والشافعي في أحد قوليه. (٢) ومن أدلة هذا القول:

стр. 515

١ - ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد - وهي قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة:٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] فكان رسول الله ﷺ مخيراً إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم، حتى نزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه). (١) ٢ - أن النظر الصحيح يوجب أنها منسوخة، لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الحاكم المسلم فله أن يحكم بينهم، وأنه إذا حكم بينهم كان مصيباً عند الجماعة، وأما إذا أعرض عنهم فإنه يكون عند بعض العلماء تاركاً فرضاً، فاعلاً ما لا يحل ولا يسعه. (٢) ٣ - ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: (مروا على رسول الله ﷺ بيهودي قد حمم وجهه وهو يطاف به، فناشدهم ما حد الزنى في كتابهم؟ قال: فأحالوه على رجل منهم، فنشده الرسول ﷺ ما حد الزنى في كتابكم؟ فقال: الرجم، ولكن ظهر الزنا في أشرافنا فكرهنا أن يترك الشريف ويقام على من دونه، فوضعنا هذا عنا، فأمر به رسول الله ﷺ فرجم ثم قال: " اللهم إني أول من أحيا ما أماتوا من كتابك ". (٣) فقد دل هذا الحديث على: أنه يجب على الحاكم المسلم الحكم بين أهل الكتاب وإن لم يترافعوا إليه. لأن الرسول ﷺ حكم بينهم - في هذا الحديث - ولم يكن حكمه بناء على طلب منهم.

стр. 516

وقد رد هذا الاستدلال: بأن أكثر الروايات الواردة في هذه القصة - والتي منها حديث جابر، وابن عمر - وأبي هريرة ﵃ تدل على أن اليهود جاءوا أولاً إلى الرسول ﷺ يسألونه الحكم فيما بينهم. فوجب الأخذ بهذه الروايات دون رواية البراء ﵁ والتي لم يبين فيها أن اليهود هم الذين جاءوا إلى الرسول ﷺ . (١) وقد قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذه الروايات: (ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكونوا بادروا فجلدوه، ثم بدا لهم فسألوا فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع، والعلم عند الله - أهـ). (٢) الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية محكمة، وذلك لأن النسخ إنما يعمل به إذا كان بين الأدلة تعارض حقيقي بحيث لا يمكن الجمع بينها وإعمالها جميعاً. فيعمل بالنسخ دفعاً للتناقض في تشريع الحكيم العليم، أما إذا أنتفى هذا الأمر ولم يكن بين هذه الأدلة تعارض حقيقي، فإنه لا يقال بالنسخ فيها. (٣)

стр. 517

فقوله جل وعلا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] آيتان محكمتان إذ لا تعارض بينهما حيث أمكن الجمع بينهما من جهة أن الأولى خيرت بين الحكم وتركه، والثانية أثبتت كيفية الحكم إذا كان. فمعنى قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩] أي: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك واخترت الحكم بينهم دون الإعراض عنهم. فالآية الثانية حذف منها التخيير لدلالة الأول عليه، لأنه معطوف عليه، فحكمه في التخيير كحكم المعطوف عليه. (١) وعليه فإن حكم الآية الأولى باق لم ينسخ، فالحاكم المسلم مخير بمقتضى الآية الأولى في الحكم بين أهل الكتاب، بين الحكم بينهم، والإعراض عنهم، وإذا اختار الحكم بينهم وجب عليه أن يحكم بينهم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا، ومالك، والشافعي: لا تؤخذ اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، لا في العين ولا في اليد، ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني. وقال ابن شبرمة، تفقأ اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، وكذلك اليدان، وتؤخذ الثنيه بالضرس، والضرس بالثنية.

стр. 518

وقال الحسن: إذا قطع إصبعاً من كف، ولم يكن القاطع من تلك الكف إصبع مثلها، قطع من تلك الكف إصبع مثلها مما تلي تلك الإصبع، ولا تقطع إصبع كف بإصبع كف أخرى، وكذلك تقلع السن التي تليها، إذا لم تكن للقالع سن مثلها، وإن بلغ ذلك الأضراس، وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى، ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى. قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ﴾ بِالْأَنْفِ الآية [المائدة:٤٥] واتفقوا على أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني صحيحاً، لم يكن للمجني عليه أن يتعدى ما قابله من عضو الجاني إلى غيره، مما بإزائه، وإن تراضيا، فدل على أن المراد بالآية هو ما قابل ذلك العضو من الجاني دون غيره. (مختصر اختلاف العلماء -٥/ ١٣٠). الدراسة بين الإمام الطحاوي أن القصاص فيما دون النفس الوارد في الآية المراد به هو: مقابلة عضو المجني عليه بالعضو المماثل له من الجاني دون غيره من سائر أعضاءه، وهذا هو أحد شروط القصاص فيما دون النفس حيث اتفق علماء الأمة على اشتراط المماثلة الكاملة بين عضو الجاني وعضو المجني عليه عند القصاص فيما دون النفس، وذلك إذا كان العضو المماثل موجوداً. واختلفوا في اشتراط المماثلة في المكان إذا كان العضو المماثل معدوماً، على قولين: - القول الأول: أنه لا يشترط في القصاص المماثلة في مكان العضو، عند عدم العضو المماثل. وعلى هذا القول: فإنه يجوز أن يؤخذ العضو الأيمن بالعضو الأيسر، كما يجوز أخذ السن بالسن الذي يليه، وأخذ الإصبع بالإصبع الذي يليه. - وهذا قول: ابن سيرين - وشَريك - وابن شبرمة - والحسن بن صالح. - القول الثاني: أنه يشترط في القصاص المماثلة في مكان العضو، وعند عدم العضو المماثل يسقط القصاص.

стр. 519

وعلى هذا القول: فإنه لا يجوز أخذ العضو الأيمن بالعضو الأيسر، كما لا يجوز أخذ السن بالسن الذي يليه، ولا أخذ الإصبع بالإصبع الذي يليه. - وهذا قول: الجمهور. الترجيح: والراجح هو القول باشتراط المماثلة في المكان عند القصاص فيما دون النفس. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] فأوجب الله جل ذكره المماثلة الكاملة بين عضو الجاني وعضو المجني عليه عند استيفاء القصاص، فغير جائز تعدي العضو المماثل إلى غيره، سواء كان مثله موجوداً أو معدوماً. (١) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة:٦٠] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهُنَّ من نسل اليهود؟ فقال: " إن الله لم يعلن قوماً قط فمسخهم، فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود مسخهم، فجعلهم مثله ". (٢)

стр. 520

فقال قوم: في كتاب الله ما يدفع هذه الآثار التي رويتموها في هذا الباب في نفي من أهلكه أو مسخه أن لا يكون له نسل ولا عقب، وهو قوله : ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة:٦٠] يريد من جعلها منهم، فذكر أنه جعلهما من القوم الذين سخط عليهم ولعنهم، وذكر ذلك بالمعرفة لا بالنكرة، فكان ذلك على القردة والخنازير الموجودة المعقولة، لا على من سواها من قردة وخنازير، ولو كان ذلك على قردة وخنازير سوى القردة والخنازير الموجودة المعقولة، لكان: وجعل بينهم قردة وخنازير، على النكرة لا على المعرفة. فكان جوابنا لهم في ذلك - بتوفيق الله وعونه -: أنه قد يجوز أن يكون القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك مخلوقة على ما هي عليه كسائر الأشياء المخلوقة على ما هي عليه لا ممسوخة من خلق كانت عليه إلى قردة وخنازير، وكانت مما تناسل، ومما يُعقبُ كسائر المخلوقين سواها، ثم كان من الله جعله القردة والخنازير ممن سخط عليه من عباده الذين خرجوا عن أمره، واعتدوا عن عبادتهم التي تعبدهم بها إلى ما سواها، فمسخهم قردة وخنازير لا تناسل لها، ولا أعقاب لها، فكانت في الدنيا ما شاء الله كونها فيها، ثم أفناها بلا أعقاب خلفتها، وبقيت القردة والخنازير التي كانت قبل ذلك، ولم يلحقها مسخ حَوَّلها عما خلقت عليه إلى ما هي عليه، فكان منها التناسل في حياتها، والإعقاب بعد موتها، فبان بحمد الله ونعمته احتمال ما حملنا قول رسول الله ﷺ فيما لا يخالف ما في كتاب الله مما يوهم هؤلاء الجاهلين أنه يخالفه. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٨/ ٣٢٣ - ٣٢٤)

стр. 521

الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة:٦٠] أي: أن من ضمن العقوبات التي أنزلها الله جل وعلا باليهود: أنه مسخهم قردة وخنازير على شكل القردة والخنازير التي كانت موجودة قبلهم وفي وقتهم. وليس المراد أن اليهود مسخوا قردة وخنازير لا على شكل خلق سابق لهم. كما أنه ليس المراد أن القردة والخنازير الموجودة اليوم هم من نسل أولئك اليهود الذين مسخوا قردة وخنازير، لأنه لم يثبت تناسلهم، وإنما هم من نسل القردة والخنازير المتقدمة في الوجود على اليهود الذين مسخوا قردة وخنازير. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة وهي: هل يكون للمسوخ نسل؟ على قولين:- - القول الأول: أن الممسوخ يكون له نسل. وعلى هذا القول: فإن القردة والخنازير الموجودة في الوقت الحاضر، هي من نسل اليهود الذين مسخهم الله جل وعلا قردة وخنازير. - وهذا قول: ابن قتيبة - وأبي بكر بن العربي. - ومن أدلة هذا القول: ١ - قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة:٦٠] فجاء بالألف واللام الدالة على المعرفة في قوله: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة:٦٠]. وهذا يدل على أن المراد بها القردة والخنازير المعروفة لدينا والمعاينة في الوقت الحاضر، ولو كان أراد شيئاً مضى وانقضى لقال: (وجعل منهم قردة وخنازير) منكرة، بدون الألف واللام الدالة على المعرفة (١)

стр. 522

وقد رد هذا الاستدلال: بما ثبت عن الرسول ﷺ : " من أن رجلاً سأله عن القردة والخنازير أهن من نسل اليهود؟ فقال ﵊: " إن الله لم يلعن قوماً قط فمسخهم فكان لهم نسل، حتى يهلكهم، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود مسخهم فجعلهم مثلهم ". (١) فدل هذا الحديث على أن اليهود الذين مسخوا قردة وخنازير - والمذكورين في هذه الآية - لم يكن لهم نسل. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " فُقدت أُمَّة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ". (٢) .. ومعنى هذا الحديث: أن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل امتناع الفأرة من ألبان الإبل دون ألبان الغنم على أنها من نسل يهود قد مسخوا على هيئة الفأرة. (٣) ٣ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁: (أنه أتي للرسول ﷺ بضب فأبى أن يأكل منه، وقال: " لا أدري لعله من القرون التي مسخت ". (٤) فدل هذا الحديث على أن القوم الذين مسخوا قد يكون منهم نسل يعقبهم.

стр. 523

وقد رد هذا الاستدلال: بما جاء في هذه الأحاديث من قول الرسول ﷺ في الحديث الأول (ولا أراها إلا الفأر) وقوله في الحديث الثاني (لا أدري لعله من القرون التي مسخت) وهذا يدل على أنه إنما قاله عن اجتهاد منه، قبل أن يوقفه الله جل وعلا على أن الممسوخ لا يتناسل ولا يعيش مدة طويلة، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود، ﵁. (١) - القول الثاني: أن الممسوخ لا يكون له نسل. وعلى هذا القول: فإن القردة والخنازير الموجودة في الوقت الحاضر ليست من نسل اليهود الذين مسخهم الله جل وعلا قردة وخنازير. - وهذا قول: الجمهور. ودليل هذا القول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتقدم، الدال على الممسوخ لا يكون له نسل يعقبه، ولا يبقى مدة طويلة بعد مسخه. (٢) الترجيح: والراجح هو القول الدال على أن اليهود الذين مسخوا قردة وخنازير قد هلكوا ولم يكن منهم نسل يخلفهم، لدلالة الحديث الصحيح الصريح على ذلك. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة:٧٢] قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " (٣)

стр. 524

قال أبو جعفر: فذهب ذاهبون إلى أن من ارتد عن الإسلام، وجب قتله، رجع إلى الإسلام أو لم يرجع إليه، وجعلوا ارتداده موجباً عليه القتل حداً لما كان منه، قالوا: كما أن الزاني لا ترفع عنه توبته حد الزنى، وكما أن السارق لا ترفع عنه توبته حد السرقة، كان مثل ذلك المرتد، لا ترفع عنه توبته حد ردته، وهو القتل. فكان من حجتنا عليهم في ذلك لمخالفتهم فيه أنا وجدنا الله أمرنا بإقامة حد الزنى على الزاني، وبإقامة حد السرقة على السارق، فقال في كتابه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] فكان اسم الزنى غير مفارق للزاني وإن ترك الزنى. وكذلك اسم السارق لازم للسارق وإن زال عن السرقة، وتركها. ووجدنا المرتد قد صار بردته كافراً، وكان إذا زال عن الردة إلى الإسلام لا يجوز أن يقال له: كافر، لأنه إنما كان يجوز أن يسمى بالكفر لما كان كافراً، فلما خرج عن الكفر، وصار مسلماً، لم يجز أن يقال له: كافر، لأنه لا يجوز مع ذلك أن يسمى مسلماً، فاستحال أن يسمى في حال واحدة كفاراً مسلماً، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء:١٣٧] فأثبت لهم الإيمان بعد كفرهم الذي كان منهم ارتداداً عن الإيمان، ولما كان ما ذكرنا كذلك، كان معقولاً أن من لزمه اسم معنى من هذه المعاني، ولم يزل عنه ذلك الاسم كان من أهله، ووجب أن تقام عليه عقوبته، وإن من كان من أهلها في حال، فزال عنه الاسم الذي يسمى به أهلها، زالت عنه العقوبة الواجبة على أهل ذلك الاسم.

стр. 525

وقد وجدنا عن رسول الله ﷺ ما يوجب على الراجع من الردة من الاسم ما ذكرنا من رفع القتل عنه بذلك عن ابن عباس ﵄، قال: ارتد رجل من الأنصار فلحق بمكة، ثم ندم، فأرسل إلى قومه، سلوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ قال: فأنزل الله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] فكتبوا بها إليه، فاسترجع فأسلم. (١) قال أبو جعفر: فقال أهل المقالة الأولى: فقد وجدنا في كتاب الله ما يدل على ما ذكرنا، وهو قوله جل وعز: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] فأخبر أنه من أشرك بالله حَرَمَه الجنة، ولم يذكر أن رجوعه عن شركه يخرجه من ذلك حتى يعود إلى أن يكون من أهل الجنة.

стр. 526

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك الشرك الذي يكون من أهله حتى يموت على ذلك كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية [البقرة:٢١٧] فبين في هذه الآية أنه أراد بالوعيد الذي فيها من يموت على ردته لا من يرجع منها إلى الإسلام الذي كان من أهله قبل ذلك، فمثل ذلك قوله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] هو الشرك الذي يموت عليه. لا الشرك الذي ينزع عنه، ويرجع إلى الإسلام حتى يموت عليه. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٧/ ٣٠٤ - ٣٠٨) (وانظر: شرح مشكل الآثار-١٤/ ١٨٢ - ١٨٣) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] هو: المشرك بالله الذي يموت على شركه، دون الذي يرجع عن شركه قبل موته. وعلى هذا فإن الآية غير دالة حالة على وجوب حد الردة على الراجع عن الكفر إلى الإسلام. وإليك بيان الأقوال في حكم قتل المرتد الذي يرجع عن ردته، ومعنى الآية على كل قول في ذلك:- - القول الأول: أنه يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. وعلى هذا القول: فإن الآية جاءت في بيان مصير من أشرك بالله، سواء مات على الشرك أو الإسلام. - وهذا قول: بعض الفقهاء. (١) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 527

١ - عموم الآيات التي فيها بيان أن الكفر محبط للعمل الصالح، وأن الله لا يغفر لفاعله. ومن هذه الآيات: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] وقوله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]. وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآيات جاءت لتهويل أمر الشرك بالله، وبيان أن هذا مصير من مات عليه، وليست لبيان عدم قبول توبة من رجع إلى الإيمان. (١) ٢ - عموم قول الرسول ﷺ :" من بدل دينه فاقتلوه " (٢) فقد دل هذا الحديث على وجوب قتل من ارتد عن دينه رجع عن ردته أو لم يرجع. وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث ليس على ظاهره في العموم، وإنما المراد به: إيجاب قتل من ارتد عن دينه إذا استتيب فلم يتب ويرجع عن ردته. (٣) - القول الثاني: أنه لا يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. وعلى هذا القول: فإن الآية جاءت في بيان مصير من أشرك بالله، ومات على ذلك. - وهذا قول: جمهور الفقهاء. (٤) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]

стр. 528

٢ - ما رواه معاذ بن جبل ﵁: أن الرسول ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له:" وأيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها ". (١) ٣ - ما رواه أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى أناس من جهينة يقال لهم: الحرقات، قال: فأتيت على رجل منهم، فذهبت أطعنه فقال: (لا إله إلا الله) فطعنته فقتلته، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: " قتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ " قلت: يارسول الله إنما فعل ذلك تعوذاً. قال: " فهلا شققت عن قلبه " (٢) فقد دلت هذه الآية والأحاديث على: أنه لا يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته، كما لا يجوز قتل من آمن بالله ابتداءً. الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية غير دالة على جواز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. لأن الآية إنما وردت فيمن لم يؤمن حتى مات على كفره. وقد دل على ذلك قوله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فالواجب حمل ما أطلق في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد بالموت على الكفر. (٣)

стр. 529

وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة:٨٩] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث. وقال مالك، والثوري، والليث، والأوزاعي: تجزئ قبل الحنث. وقال الأوزاعي: في المُحْرِم يصيبه أذى في رأسه، أنه يجزئه أن يكفر قبل أن يحلق. وقال الشافعي ﵁: يجوز تقديم الرقبة والكسوة والإطعام قبل الحنث، ولا يجوز تقديم الصوم. قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] والمراد: إذا حنثتم، يريد: فحنثتم، لاتفاق الجميع على أنه لو قال: (والله لأكلمنَّ زيداً اليوم)، أنه إن كلمه قبل مضي الوقت، لم يلزمه كفارة، فعلمت أن وجوبها غير متعلق بالحلف دون الحنث. (مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧)

стр. 530

بين الإمام الطحاوي الأقوال في حكم تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين، مختاراً القول بعدم جواز ذلك، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] والمراد هو: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم، فدلت الآية على أن وجوب الكفارة مترتب على الحنث دون الحلف. وإليك بيان الأقوال في المسألة، وذكر القول الراجح منها:- - القول الأول: أنه لا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين. - وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن جبير - والضحاك - وإبراهيم. وإليه ذهب: أبو حنيفة. (١) ومن أدلة هذا القول: ١ - أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] أي: فكفارته إذا حنثتم. كما أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم. فسبب الكفارة على هذا القول: هو الحنث في اليمين. (٢) ومثل هذه الآية في إضمار مقدر: قوله جلا وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والمعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر. وقوله جلا وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] والمعنى: فحلق ففدية من صيام. (٣)
следующие страницы →