← Тафсир

Тафсир · id 582

أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة

محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري

Полный текст (673 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك الشرك الذي يكون من أهله حتى يموت على ذلك كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية [البقرة:٢١٧] فبين في هذه الآية أنه أراد بالوعيد الذي فيها من يموت على ردته لا من يرجع منها إلى الإسلام الذي كان من أهله قبل ذلك، فمثل ذلك قوله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] هو الشرك الذي يموت عليه. لا الشرك الذي ينزع عنه، ويرجع إلى الإسلام حتى يموت عليه. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٧/ ٣٠٤ - ٣٠٨) (وانظر: شرح مشكل الآثار-١٤/ ١٨٢ - ١٨٣) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] هو: المشرك بالله الذي يموت على شركه، دون الذي يرجع عن شركه قبل موته. وعلى هذا فإن الآية غير دالة حالة على وجوب حد الردة على الراجع عن الكفر إلى الإسلام. وإليك بيان الأقوال في حكم قتل المرتد الذي يرجع عن ردته، ومعنى الآية على كل قول في ذلك:- - القول الأول: أنه يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. وعلى هذا القول: فإن الآية جاءت في بيان مصير من أشرك بالله، سواء مات على الشرك أو الإسلام. - وهذا قول: بعض الفقهاء. (١) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 527

١ - عموم الآيات التي فيها بيان أن الكفر محبط للعمل الصالح، وأن الله لا يغفر لفاعله. ومن هذه الآيات: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] وقوله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]. وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآيات جاءت لتهويل أمر الشرك بالله، وبيان أن هذا مصير من مات عليه، وليست لبيان عدم قبول توبة من رجع إلى الإيمان. (١) ٢ - عموم قول الرسول ﷺ :" من بدل دينه فاقتلوه " (٢) فقد دل هذا الحديث على وجوب قتل من ارتد عن دينه رجع عن ردته أو لم يرجع. وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث ليس على ظاهره في العموم، وإنما المراد به: إيجاب قتل من ارتد عن دينه إذا استتيب فلم يتب ويرجع عن ردته. (٣) - القول الثاني: أنه لا يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. وعلى هذا القول: فإن الآية جاءت في بيان مصير من أشرك بالله، ومات على ذلك. - وهذا قول: جمهور الفقهاء. (٤) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]

стр. 528

٢ - ما رواه معاذ بن جبل ﵁: أن الرسول ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له:" وأيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها ". (١) ٣ - ما رواه أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى أناس من جهينة يقال لهم: الحرقات، قال: فأتيت على رجل منهم، فذهبت أطعنه فقال: (لا إله إلا الله) فطعنته فقتلته، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: " قتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ " قلت: يارسول الله إنما فعل ذلك تعوذاً. قال: " فهلا شققت عن قلبه " (٢) فقد دلت هذه الآية والأحاديث على: أنه لا يجوز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته، كما لا يجوز قتل من آمن بالله ابتداءً. الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية غير دالة على جواز قتل المرتد الذي يرجع عن ردته. لأن الآية إنما وردت فيمن لم يؤمن حتى مات على كفره. وقد دل على ذلك قوله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فالواجب حمل ما أطلق في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد بالموت على الكفر. (٣)

стр. 529

وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة:٨٩] قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث. وقال مالك، والثوري، والليث، والأوزاعي: تجزئ قبل الحنث. وقال الأوزاعي: في المُحْرِم يصيبه أذى في رأسه، أنه يجزئه أن يكفر قبل أن يحلق. وقال الشافعي ﵁: يجوز تقديم الرقبة والكسوة والإطعام قبل الحنث، ولا يجوز تقديم الصوم. قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] والمراد: إذا حنثتم، يريد: فحنثتم، لاتفاق الجميع على أنه لو قال: (والله لأكلمنَّ زيداً اليوم)، أنه إن كلمه قبل مضي الوقت، لم يلزمه كفارة، فعلمت أن وجوبها غير متعلق بالحلف دون الحنث. (مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧)

стр. 530

بين الإمام الطحاوي الأقوال في حكم تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين، مختاراً القول بعدم جواز ذلك، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] والمراد هو: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم، فدلت الآية على أن وجوب الكفارة مترتب على الحنث دون الحلف. وإليك بيان الأقوال في المسألة، وذكر القول الراجح منها:- - القول الأول: أنه لا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين. - وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن جبير - والضحاك - وإبراهيم. وإليه ذهب: أبو حنيفة. (١) ومن أدلة هذا القول: ١ - أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] أي: فكفارته إذا حنثتم. كما أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم. فسبب الكفارة على هذا القول: هو الحنث في اليمين. (٢) ومثل هذه الآية في إضمار مقدر: قوله جلا وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والمعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر. وقوله جلا وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] والمعنى: فحلق ففدية من صيام. (٣)

стр. 531

الدراسة ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن الرسول ﷺ أنه قال:" من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه ". (١) فقد دل هذا الحديث على أن كفارة اليمين إنما تجب بعد الحنث في اليمين. ٣ - أن الكفارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام الفرض. (٢) ٤ - أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هنالك ما يرفع، فلا معنى لفعلها. (٣) - القول الثاني: أنه يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث في اليمين. - وهذا قول: عمر بن الخطاب - وابن عمر - وابن عباس - وعائشة ﵃. وقول: الحسن البصري - وابن سيرين - والشعبي - وقتادة. (٤) وإليه ذهب: جمهور الفقهاء. (٥) إلا أن الإمام الشافعي قال: إن التكفير قبل الحنث إنما يجوز إذا كان بالإطعام أو الكسوة أو العتق لأنه فعل مالي، ولا يجوز إذا كان بالصوم لأنه فعل بدني، كما أنه يجوز تقديم الزكاة قبل الحول، ولا يجوز تقديم صوم رمضان قبل وقته. (٦) ومن أدلة هذا القول: ١ - أن معنى قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩]- أي: فكفارته إذا أردتم الحنث. كما أن معنى قول الله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩]- أي: ذلك كفارة أيمانكم إذا أردتم الحنث.

стр. 532

فسبب الكفارة على هذا القول هو: ذات اليمين. (١) فإذا عزم الحالف على عدم العمل بيمينه بعد أن حلف، جاز له أن يكفر قبل الحنث، لأنه من تقديم العوض ولا بأس به. وليس المراد: أن مجرد الحلف هو الموجب للكفارة. (٢) ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن الرسول ﷺ أنه قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل ". (٣) فقد دل هذا الحديث على جواز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث فيها. ٣ - أن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام، فلأن تحله الكفارة وهي فعل مالي أو بدني أولى. ٤ - أن الكفارة رخصة لحل اليمين، ولذلك تجزئ قبل الحنث وبعده. - الترجيح: والقول الراجح هو جواز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث فيها. بدلالة قول الرسول ﷺ :" من حلف علي يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل " وأما الروايات التي فيها تقديم الحنث على الكفارة، فيجاب عنها: بأن (الواو) لا تفيد الترتيب، كمن قال لك: (إذا دخلت الدار فكل واشرب) فلا يفهم من هذا القول وجوب تقديم أحدهما على الآخر. ولو كان تقديم الكفارة لا يجزئ لأبانه، ولقال: (فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه). لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دل على الجواز. ومما يرجح هذا القول:

стр. 533

أنه قد قال به أربعة عشر صحابياً، وتبعهم فقهاء الأمصار في ذلك عدا أبا حنفية. (١) وعلى هذا القول فإن قول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩]- يكون معناه: ذلك كفارة أيمانكم إذا أردتم الحنث، مما يفيد جواز التكفير عن اليمين قبل وبعد الحنث فيها، إلا أن التكفير بعد الحنث أولى احتياطاً لأمر الدين. (٢) وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥] قال أبو جعفر الطحاوي: ولم يختلف أهل العلم في قاتل الصيد خطأ، أن عليه مثل ذلك، وأن ذكره العمد، لا ينفي الخطأ. (شرح معاني الآثار - ٤/ ٤٠). الدراسة بين الإمام الطحاوي أن حكم المحرم المتعمد والمخطئ سواء في وجوب الجزاء عليهم عند قتل الصيد. وأن ورود الآية في المتعمد خاصة لا ينفي حكم الآية عن غيره. وإليك أولاً: بيان المراد (بالمتعمد). في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥]:

стр. 534

القول الأول: أن المراد بالمتعمد في الآية هو: المحرم المتعمد لقتل الصيد مع كونه ناسياً لإحرامه، فهذا يجب عليه الجزاء، وأما المحرم المتعمد لقتل الصيد مع كونه ذاكراً لإحرامه، فهذا لا يجب عليه الجزاء، لأن فعله أجل أمراً، من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة. - وهذا قول: مجاهد - وابن جريج - والحسن - وإبراهيم - وابن زيد. (١) - وقد رد هذا القول بما يلي:- ١ - أن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فمن كان ذاكراً لإحرامه، عامداً لقتل الصيد فقد شمله اسم (متعمداً) وواجب عليه الجزاء، ولا معنى لاعتبار كونه ناسياً لاحرامه عامداً لقتله. (٢) ٢ - أن في الآية قرينة واضحة دالة على عدم صحة هذا القول، وهي: قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥] فإنه يدل على أنه متعمداً أمراً لا يجوز، ولذا كان آثماً، أما الناسي فهو غير آثم إجماعاً، فلا يناسب أن يقال فيه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥] كما ترى. (٣) القول الثاني: أن المراد بالمتعمد في الآية هو: المحرم المتعمد لقتل الصيد، مع كونه ذاكراً لإحرامه، فهذا يجب عليه الجزاء. - وهذا قول: الجمهور. (٤) ودليل هذا القول: أن ظاهر لفظ الآية، وما ذكر فيها من الوعيد، إنما يختص بالمتعمد على أي حال كان دون غيره. (٥) ثانياً: ذكر أقوال العلماء في حكم المحرم القاتل للصيد خطأ: - القول الأول: أن المحرم القاتل للصيد خطأ، يجب عليه الجزاء. - وهذا قول: الجمهور. (٦) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 535

١ - قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] وقوله جل وعلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] فقد جاءت هذه الآيات بالنهي عن قتل الصيد، وذلك يقتضي إيجاب البدل على متلفه، كالنهي عن قتل صيد الآدمي، أو إتلاف ماله يقتضي إيجاب البدل على متلفه. ولا يختلف هذا الحكم بالنظر إلى كون الإتلاف كان عمداً أو خطأ. (١) لأن الإتلاف مضمون من المتعمد والمخطئ إلا أن المتعمد آثم، والمخطئ غير آثم. (٢) ٢ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الضبع صيد فكلها، وفيها كبش سمين إذا أصابها المحرم ". (٣) فلفظ (المحرم) عام في المتعمد والمخطئ. (٤) ٣ - أنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغير المعذور في باب وجوب الفدية، ومن ذلك: أن الله جل وعلا قد عذر المريض ومن به أذى من رأسه، ولم يخلهما من إيجاب الكفارة فقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] فكذلك قاتل الصيد يجب عليه الجزاء سواء كان متعمداً أو مخطأ. (٥) - القول الثاني: أن المحرم القاتل للصيد خطأ، لا يجب عليه الجزاء.

стр. 536

- وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - وطاووس - وسعيد بن جبير - والزهري - وسالم بن عبد الله - والقاسم بن محمد. (١) وإليه ذهب: داود الظاهري - والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه. (٢) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل. (٣) وقد رد هذا الاستدلال: بأن الكتاب والسنة قد دلا على وجوب الجزاء على المحرم القاتل للصيد خطأً، وقد تقدم بيان ذلك. ٢ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فخص المتعمد بإيجاب الجزاء عليه، فلو شاركه المخطئ والناسي في الوجوب لم يكن للتخصيص معنى. والذي يؤكد هذا المفهوم: أنه جل وعلا قال في آخر الآية: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:٩٥]- (والإنتقام) إنما يكون في العمد دون الخطأ، وقوله: (ومن عاد) المراد منه: ومن عاد إلى ما تقدم ذكره، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ. (٤) وقد رد هذا الاستدلال بما يلي: أ - أنه ليس في تخصيص المتعمد بالجزاء في الآية دليل على نفي هذا الجزاء عن غيره، لأن في هذا تمسكاً بالمسكوت عنه، وهذا لا يجوز. ب - أن تخصيص المتعمد بالذكر في الآية دون المخطئ، مع أن حكمهما واحد من حيث وجوب الجزاء عليهما، يحتمل أن يكون تخصيصاً من أجل أحد الأمور التالية:

стр. 537

١ - أن تخصيص المتعمد بالذكر لعظم ذنبه، تنبيهاً على وجوب ذلك الجزاء على من قصر ذنبه عنه من المخطئ والناسي من طريق أولى، لأن الواجب - وهو الجزاء - لما رفع أعلى الذنبين، فلأن يرفع الأدنى أولى. (١) ٢ - أن تخصيص المتعمد بالذكر، لأن الغالب - في أحوال الناس - أن قاتل الصيد لا يكون إلا متعمداً، فألحق به المخطئ وإن كان نادراً. (٢) ٣ - أن المتعمد إنما ذكر ليناط به الوعيد في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:٩٥] إذ لا وعيد على المخطئ والناسي. (٣) الترجيح: والقول الراجح هو: وجوب الجزاء على المحرم القاتل للصيد خطأً، لأنه متى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء، لم يجب عليه شيء آخر، فيكون لغواً عارياً من حكم، وذلك غير جائز. ولأن الكفارات إنما تجب لرفع الجنايات سواء كانت عمداً أو خطأً. (٤) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة:٩٦]

стр. 538

قال أبو جعفر الطحاوي: وقول الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، يحتمل ما حرم عليهم منه، هو أن يصيدوه. ألا ترى إلى قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فنهاهم الله تعالى في هذه الآية عن قتل الصيد وأوجب عليهم الجزاء في قتلهم إياه. فدل ما ذكرنا أن الذي حرم على المحرمين من الصيد، هو قتله. وقد رأينا النظر أيضاً يدل على هذا، وذلك أنهم أجمعوا أن الصيد يحرمه الإحرام على المحرم، ويحرمه الحرم على الحلال. وكان من صاد صيداً في الحل فذبحه في الحل، ثم أدخله الحرم، فلا بأس بأكله إياه في الحرم. ولم يكن إدخاله لحم الصيد كإدخاله الصيد نفسه وهو حيّ الحرم، لأنه لو كان كذلك، لنهى عن إدخاله ولمنع من أكله إياه فيه كما يمنع من الصيد في ذلك كله، ولكان إذا أكله في الحرم، وجب عليه ما وجب في قتل الصيد. فلما كان الحرم لا يمنع من لحم الصيد الذي صيد في الحل، كما يمنع من الصيد الحيّ، كان النظر على ذلك أن يكون كذلك الإحرام أيضاً، يحرم على المحرم الصيد الحيّ، ولا يحرم عليه لحمه إذا تولّى الحلال ذبحه، قياساً، ونظراً على ما ذكرنا من حكم المحرم. فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى. (شرح معاني الآثار-٢/ ١٧٥ - ١٧٦) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] هو تحريم الانتفاع بالصيد الذي يصيده المحرم دون الصيد الذي يصيده الحلال. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بالآية:-

стр. 539

- القول الأول: أن المراد بالآية هو: تحريم انتفاع المحرم بالصيد الذي يصيده المحرم أو الحلال. فكل معاني صيد البر تحرم على المحرم من اصطياد، وأكل، وقتل، وبيع، وشراء، وإمساك، وتملك، وغير ذلك. - وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن مسعود - وابن عمر ﵃. وقول: مجاهد - وسعيد بن جبير - وطاووس - والثوري - وإسحاق. (١) - ومن أدلة هذا القول: ١ - قوله جل وعلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] فعموم هذه الآية يتناول تحريم الاصطياد، والمصيد نفسه، لوقوع الاسم عليهما. وقد رد هذا الاستدلال: بأن الحيوان إنما يسمى صيداً ما دام حياً، فأما اللحم فلا يسمى بهذا الاسم - صيداً - بعد الذبح إلا مجازاً، باعتبار استصحاب الاسم السابق. (٢) ومما يدل على أن لفظ الآية لم يشمل اللحم: أنه غير محظور على المحرم التصرف في اللحم بالإتلاف والشراء والبيع وسائر وجوه التصرف. (٣) ٢ - ما روي عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً، فرده عليه رسول الله ﷺ وقال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ". (٤) ٣ - ما روي عن زيد بن أرقم ﵁ أنه قال: " أُهدي لرسول الله ﷺ عضو من لحم صيد فرده، وقال: " إنا لا نأكله إنا حرم ". (٥)

стр. 540

فقد دلت هذه الأحاديث على أنه يحرم على المحرم الانتفاع بالصيد بكل حال، وإن كان الذي صاده حلال. وقد رد هذا الاستدلال: بأنه ليس في هذه الأحاديث ما يدل على السبب الذي رد به رسول الله ﷺ ذلك الصيد. وإنما ذكر فيها أنه أهدي لرسول الله ﷺ لحم صيد فرده، وعليه فإن سبب رده قد يكون أن ذلك الصيد صاده الصحابي الحلال لأجل الرسول ﷺ المحرم، فلزم رده. ولو أن ذلك الصحابي الحلال لم يصده لأجل الرسول ﷺ لصح قبوله. وقد بين ذلك حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " (١) فوجب الأخذ بجميع هذه الأحاديث الصحيحة، وتوجيه كل واحد منها إلى المعنى الصحيح الذي يتفق به مع الأحاديث الأخرى، دون المعنى الذي يتعارض به مع أي حديث صحيح. (٢) القول الثاني: أن المراد بالآية هو: تحريم انتفاع المحرم بالصيد الذي يصيده المحرم دون الصيد الذي يصيده الحلال. - وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعثمان بن عفان - وأبي هريرة - والزبير بن العوام - وطلحة بن عبيد الله - وأبي قتادة - وجابر بن عبد الله ﵃. وإليه ذهب: جمهور الفقهاء. (٣) - ومن أدلة هذا القول:

стр. 541

١ - قوله جل وعلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] فظاهر الآية أن المُحَرم هو صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون، فكأنه قال لهم: (وحرم عليكم ما صدتم في البر) فيخرج من هذا التحريم: ١ - مصيد غيرهم. ٢ - ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل على هذا الحكم المستفاد من الآية قوله جل وعلا في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] وقوله جل وعلا في أول السورة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] (١) ٢ - ما رواه عبد الله بن قتادة، عن أبيه ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ حاجاً، وخرجنا معه، قال: فَصَرَفَ من أصحابه فيهم أبو قتادة، فقال: " خذوا ساحل البحر حتى تلقوني " قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا قِبَلَ رسول الله ﷺ ، أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة، فإنه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمها، قال: فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون، قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله ﷺ ! إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون! فحملنا ما بقي من لحمها، فقال: " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ " قال: قالوا: لا، قال: " فكلوا ما بقي من لحمها ". (٢)

стр. 542

٣ - ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". (١) فقد دلت هذه الأحاديث على جواز انتفاع المحرم بما صاده الحلال، إذا كان الحلال لم يصده من أجل ذلك المحرم ولا بأمره أو مساعدته. الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالآية: تحريم انتفاع المحرم بالصيد الذي يصيده المحرم، دون الصيد الذي يصيده الحلال. إذ أن هذا القول هو المؤيد بما ثبت عن الرسول ﷺ من قوله وفعله. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة:٩٦] قال أبو جعفر الطحاوي: وكانت حاجتنا إلى ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله ما قد اختلف فيه أهل العلم من المراد بقول الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فكان المزني قد حكى لنا في ذلك عن الشافعي، أن هذه الآية قد دلته على أن الذي حرمه الله على عباده في حرمهم من الصيد هو ما كان أحل لهم أكله في حال حلهم. وكان ابن أبي عمران (٢)

стр. 543

يحكي لنا في ذلك مما يذكره عن أصحابه، ومما كان يجتبيه من قولهم: أن الذي حرمه الله على الناس في إحرامهم من الصيد هو ما كانوا يصيدونه ليأكلوه، وما كانوا يصيدونه منه بجوارحهم من الكلاب ومما سواها مما يطعمونها إياه، ومما أكله عليهم حرام كالذئاب وما أشبهها من ذوي الأنياب من السباع، ومن ذوي المخالب من الطير، ويقول: قد دخل هذا فيما حرم على المحرم اصطياده في إحرامه. وكان الذي حكاه لنا ابن أبي عمران من ذلك عندنا أولى بتأويل الآية التي تلونا، لأن الله قال فيها: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فعمَّ بذلك جميع الصيد المأكول، وغير المأكول. غير أن ابن أبي عمران قد كان أتبع ذلك حجة احتج بها فيه، فقال: وقد رأينا رسول الله ﷺ قال: " خمس من الدواب يقتلن في الحرم والإحرام: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (١)، فكانت الروايات في ذلك ما نحن مستغنون عن ذكر أسانيدها لاتفاق الفريقين اللذين ذكرنا عليهما. قال ابن أبي عمران: ولما حصر رسول الله ﷺ ذلك بعدد معلوم، عقلنا بذلك أنه لا شيء فيما أباح للمحرم قتله في إحرامه ما يخرج عن ذلك العدد إلى غيره ..

стр. 544

ثم نقول نحن محتجين لمذهبه في ذلك: إنا قد وجدنا الله قد قال في كتابه:: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فكان ظاهر هذه الآية على دخول صيد البر كله، وعلى أنها قد عمته كله بالتحريم في حال الإحرام، ولا يجوز أن يخرج مما قد عمه الله بمثل هذا شيء إلا بما يجب إخراجه به منه من آية مسطورة، أو من سنة مأثورة، أو من إجماع من الأمة أن الله لم يرد بما قد عمه ذلك الشيء، وإنما أراد ما سواه، وإذا عدمنا ذلك لم نخرج مما حرمه الله بتلك الآية إلا ما قد أجمع على خروجه منه، وهي الخمس التي في الحديث الذي احتج به ابن أبي عمران لا ما سواه. والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار-٩/ ١١٠ - ١١٧) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن المراد بالصيد المحرم صيده على المحرم هو جميع أنواع الحيوانات المأكول منها وغير المأكول. فالآية عند الإمام الطحاوي عامة في كل حيوانات البر إلا ما استثناه قول الرسول ﷺ : " خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم: الغراب - والحدأة - والعقرب - والفأرة - والكلب العقور". وإليك بيان أقوال العلماء في المراد بصيد البر المحرم على المحرم صيده:- القول الأول: أن المراد بالصيد المحرم هو: الحيوان الوحشي الذي يحل أكل لحمه. - وهذا قول: الإمام الشافعي وأصحابه. (١) - وحجة هذا القول: قول الرسول ﷺ : " خمس من الدواب كلهن فاسق تقتل في الحرم: الغراب - والحِدأة - والكلب العقور - والعقرب - والفأرة " (٢).

стр. 545

فقد اشمل هذا الحديث على أعيان: بعضها سباع ضارية، وبعضها هوام قاتلة، وبعضها طير لا تدخل في معنى السباع ولا هي من جملة الهوام، وإنما هي حيوان مستخبث اللحم. وتحريم الأكل يجمع بينها، فيجب اعتباره، وترتب الحكم عليه (١). القول الثاني: أن المراد بالصيد المحرم هو: الحيوان الوحشي سواء كان مأكولاً أو غير مأكول. - وهذا قول: الجمهور (٢) - وحجة هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] نص عام في جميع أنواع صيد البر، ولا يستثنى من هذا العموم إلا ما خصه قول الرسول ﷺ : " خمس من الدواب كلهن فاسق تقتل في الحرم: الغراب، والحِدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة " (٣) وفي رواية: " الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي ". (٤) وقد تلقى سائر العلماء هذا الحديث بالقبول واستعملوه في إباحة قتل هذه الحيوانات المذكورة فيها، دون غيرها من سائر الحيوانات. الترجيح: والقول الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن لفظ الآية عام في جميع أنواع صيد البر إلا ما خصه الخبر الثابت عن الرسول ﷺ وغير جائز تخصيص غيرها بالقياس عليها، لأن علة تخصيصها غير ظاهر لنا. (٥)

стр. 546

وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينٍ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة:١٠١] قال أبو جعفر الطحاوي: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: قام رسول الله ﷺ في الناس فقال: " كُتب عليكم الحج " فقام رجل من الأعراب، فقال: في كل عام؟ قال: فَغَلِقَ كلام رسول الله ﷺ وأسكت واستغضب، فمكث طويلاً، ثم تكلم فقال: " من هذا السائل "؟ فقال الأعرابي: أنا، فقال: " ويحك ما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم ما في الأرضي شيء، وحرمت عليكم منها موضع خف بعير لوقعتم فيه، قال: فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] إلى آخر الآية. (١) قال أبو جعفر: ففيما روينا أن نزول هذه الآية كان في السبب المذكور في هذه الآثار التي رويناها فيه.

стр. 547

وقد روي أن سبب نزولها كان فيما سوى ذلك عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ غضبان قد احمر وجهه، فجلس على المنبر، فقال: " لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم " فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ فقال: " في النار" فقام آخر، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك أبو حُذافة - كذا قال والصواب: أبوك حُذافة - فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً، وبمحمد ﷺ نبياً، يا رسول الله كنا حديث عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) [المائدة:٩٦] قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار أن نزول هذه الآية كان في الأسباب المذكورة فيها. فقال قائل: هذه آثار تضاد الآثار الأول، فكيف يجوز أن يكون نزول هذه الآية كان في هذين السببين جميعاً، ولا نجدها في كتاب الله في موضعين، ولو كانت نزلت في كل واحد من السببين، لكانت مذكورة منه في موضعين، كما كان قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] و [التحريم:٩] مذكوراً في موضعين إذ كانت نزلت مرتين، لأنه أريد بها في كل واحد من الموضعين غير من أريد بها في الموضع الآخر منهما.

стр. 548

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن تكون هذه السؤالات المذكورات في هذين الفصلين من هذا الباب قد كانت قبل نزول هذه الآية، ثم أنزل الله بعد ذلك هذه الآية نهياً لهم عن هذه السؤالات، وإعلاماً لهم أنه لا حاجة لهم في الجوابات عنها بحقائق أمورها التي أريدت بها، إذ كان ذلك مما إذا سمعوه ساءهم، وإذا كان ذلك إنما يستعملون به مالا منفعة لهم فيه، ومما لو جهلوه لم يضرهم، وإنما المنفعة بالسؤالات استعلام الفرائض عليهم في دينهم، وما يتقربون به إلى ربهم ، فذلك العلم الذي ينفعهم، والذي إذا جهلوه ضرهم، فعليهم السؤال عنه حتى يعلموه، والدليل على أنه إنما كره منهم السؤالات عن ما لا منفعة لهم فيه، وعن ما إذا علموه ساءهم، لا عن ما سواه من أمور دينهم التي بهم الحاجة إلى علمها حتى يؤدوا المفروض فيها عليهم، وحتى يتقربوا إلى ربهم بما يقربهم إليه منها: ما قد روي عن معاذ بن جبل مما قد دل على ذلك عن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله إني أريد أن أسألك عن أمر ويمنعني مكان هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] قال: " ما هو يا معاذ "؟ قلت: العمل الذي يدخل الجنة وينجي من النار. قال: " قد سألت عظيماً، وإنه ليسير: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ". (١)

стр. 549

قال أبو جعفر: أفلا ترى أن معاذاً لما ذكر للنبي ﷺ أن هذه الآية تمنعه من سؤاله إياه عن شيء يحتاج إلى الوقوف عليه، فلما وقف النبي ﷺ على ذلك، وعلم أنه ليس من الأشياء التي تكره معرفتها، والمسألة عنها، أجابه عنه. فدل ذلك على أن الأشياء المنهي عن السؤال عنها بما في الآية التي تلونا هي الأشياء التي لا دَرْكَ لهم في علمها، ولا ثواب لهم فيها، وأن الأشياء التي توصل إلى الثواب عليها، وإلى الأعمال الصالحة من أجلها، ليست بداخلة في المراد بهذه الآية. وقد روي عن بعض المتقدمين في السبب الذي من أجله كان نزول هذه الآية خلاف هذه المعاني كلها عن عكرمة في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]. قال: هي في الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ من أبي. قال: وأما سعيد بن جبير، فقال: هي في الذين سألوا رسول الله ﷺ في البحيرة والسائبة (١). وأما مقسم، فقال: هي فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات. (٢) قال: ومعنى ما روي في ذلك عن عكرمة قد وافق بعض ما قد تقدمت روايتنا له في هذا الباب.

стр. 550

وأما ما روي عن سعيد بن جبير، فمعناه عندنا - والله أعلم - من جنس المعاني التي رويناها فيما تقدم منا في هذا الباب، لأن الذين كانوا يفعلون الأشياء التي كانوا يسألون رسول الله ﷺ عنها من تلك المعاني، كانوا أبناء بعض السامعين للجوابات عنها، وكان بعض من يحضره سواهم أبناء لبعض الفاعلين لها المخبر بموضعهم منها قال أبو جعفر: فكان المُضافة إليه هذه الأشياء التي كانوا يسألون عنها قد يكون جدُّ السائل عنها، أو يكون ممن يلحق سمعه الجوابات عنها فيسوؤه ذلك، فدخل ذلك فيما نهوا عنه بهذه الآية، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٤/ ١١٠ - ١٢١) الدراسة بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزول الآية، مرجحاً أن الآية نزلت بعد تلك الأسباب جميعاً. ثم بين أن المراد بالآية هو: النهي عن السؤال في الأمور التي لا منفعة لهم فيها، والتي إذا عرفها السائل منهم ساءه معرفتها. وإليك بيان الروايات الواردة في سبب نزول الآية:- ١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله من أبي؟ قال: "أبوك فلان " فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] (١)

стр. 551

٢ - ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] (١). ٣ - ما رواه سعيد بن جبير: أنها في السؤال عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. وذلك بدلالة قول الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣] ٤ - ما رواه عكرمة ومقسم: أنها في السؤال عن الآيات الكونية. بمعنى: أنهم طلبوا من الرسول محمد ﷺ أن يريهم بعض المعجزات الدالة على صدق نبوته. ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا قال بعد ذلك: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة:١٠٢] (٢) - الترجيح: والقول الراجح هو أن سبب نزول الآية ما ورد في رواية أنس بن مالك ﵁، وذلك لكونها أصح الروايات الواردة في سبب نزول الآية. (٣) وأما الرواية الواردة عن علي ﵁ فهي أقل درجة من حيث الصحة، لأن الذي رواها عن علي هو أبو البَخْترىِ، وهو لم يلق علياً ﵁ فسند هذه الرواية منقطع. (٤)

стр. 552

وأما الرواية الواردة عن عكرمة، وابن جبير فهي رواية غير صريحة في معنى السببية، وبناء على هذا فإن هذه الروايات تحمل على أنها داخلة في المعنى الذي دلت عليه الآية، ولا نقول إنها سبب لنزول الآية. وعلى هذا فإن المراد بقول الله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] وهو: النهي عن السؤال عما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه مما لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه. (١) وأما السؤال عما نزل به القرآن مما يجب العمل به، فهذا لا شك في صحة السؤال عنه، لأن السؤال عنه من التفقه في الدين، ولذا قال من جل ذكره: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] (٢) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية، وأما قاله في سبب نزول الآية فهو خلاف القول الأولى في ذلك. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة:١٠٥]

стр. 553

قال أبو جعفر الطحاوي: عن قيس بن أبي حازم، قال: قرأ أبو بكر ﵁ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ثم قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أو قال: المنكر، فلم يغيروه، عمهم الله بعقابه". (١) قال أبو جعفر: فكان في هذه الأحاديث الأولى بالصديق ﵁ أنه كان قاله، وهو إخباره إياهم أن الناس يضعون هذه الآية التي تلاها عليهم على غير موضعها. فتأملنا ما يروى عن غيره ﵁ في هذه الآية لنعلم بذلك موضعها، هل هو تأويل يوقف عليه أو زمان من الأزمنة يكون، ويكون قبله ما قرأ عليهم رضوان الله عليه ما قد سمع النبي ﷺ يقوله في الأمر بالمعروف وتغيير المنكر.

стр. 554

فوجدنا عن أبي أمية (١)، قال: سألت أبا ثعلبة الخُشني (٢)، قلت: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أي آية؟ قلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾] المائدة:١٠٥ [فقال لي: أما والله لقد سألتُ عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا بد لك منه، فعليك بنفسك، وإياك وأمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، صبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل منكم يومئذ كأجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله " (٣) قال أبو جعفر: فعقلنا بهذا الحديث أن معنى قول أبي بكر ﵁: (إن الناس يضعون هذه الآية في غير موضعها) يريد بها سيعملونها في غير زمنها، وأن زمنها الذي يستعمل فيه هو الزمن الذي وصفه رسول الله ﷺ في حديث أبي ثعلبة بما وصفه به، ونعوذ بالله منه، وأن ما قبله من الأزمنة فإن فرض الله فيه على عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تعود الأمور إلى ما أمر الله أن يكون الناس عليه من امتثال ما أمرهم الله به ، والانتهاء عن ما نهاهم عنه.

стр. 555

وقد روي عن رسول الله ﷺ في هذا المعنى من الأمر بالمعروف، ومن النهي عن المنكر، ومن التحذير من عواقب ترك ذلك سوى ما قد تقدمت روايتنا له في هذا الباب عن عدي بن عدي (١) عن أبيه (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يهلك العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا رأوا المنكر بين ظهرانيهم، فلم يغيروه،، عذب الله العامة والخاصة". (٣) قال أبو جعفر: ففيما ذكرنا توكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يكون الزمان الذي ينقطع ذلك فيه، وهو الزمان الذي وصفه رسول الله ﷺ في حديث أبي ثعلبة الذي لا منفعة فيه بأمر بمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا قوة مع من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فسقط الفرض عنه فيه، ويرجع أمره فيه إلى خاصة نفسه، ولا يضره مع ذلك من ضل.

стр. 556

هكذا يقول أهل الآثار في هذا الباب على ما قد صححنا هذه الآثار عليه، وأما من سواهم ممن يتعلق بالتأويل، فيذهب إلى أن قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ليس عليه سقوط مفروض عليهم من أمر بمعروف، ومن نهي عن منكر، وأنهم لا يكونون مهتدين إذا لم يفعلوا ذلك، وأنهم إنما يدخلون في قوله : ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إذا فعلوا ذلك لا إذا قصروا عنه، ويذهبون إلى أن مثله من كتاب الله قول الله لنبيه ﷺ : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] وهو مع هذا ﷺ فمفترض عليه جهاد أعداء الله وقتالهم حتى يردهم الله إلى دينه الذي بعثه الله به، وأمره أن يقاتل الناس عليه كافة، والقول الأول أبين معنى من هذا المعنى، وإن كان هذا المعنى صحيحاً، والله نسأله التوفيق. (شرح مشكل الآثار -٣/ ٢١١ - ٢١٦) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] قد اختلف المفسرون في بيان المراد به على قولين: - القول الأول: أن هذه الآية دالة على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الزمن الذي يتحقق فيه عدم جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد الشروع فيه، ويكون الداعية إليه معرضاً للأذى من كل الوجوه. (١)

стр. 557

- ودليل هذا القول: حديث أبي ثعلبة الخشني - المتقدم ذكره - والدال على أن معنى هذه الآية يعمل به في آخر الزمان حيث يتعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة، ولا يبقى من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الحال إلا إنكار القلب (١)، كما دل على ذلك قول الرسول ﷺ : " من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (٢) - القول الثاني: أن هذه الآية غير دالة على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هي دالة على أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب من عصى ربه. - ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا قال في هذه الآية: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] والمعنى: أي لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم التزمتم العمل بطاعة الله، وأديتم فيمن ضل من الناس ما أمركم الله به فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة الأمور التي يشملها الاهتداء، كما أن الله جل وعلا قد أحكم فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه وعلى لسان رسوله، ولو كان للمسلم ترك ذلك لم يكن للأمر به معنى. (٣)

стр. 558

الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المسلم لا يكون مهتدياً إلا إذا قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الآية دالة على سقوط هذا الواجب في الوقت الذي يتعذر فيه ذلك بحيث لا يقبل من الداعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يكون بدعوته لذلك معرضاً نفسه للأذى، والداعية بهذا الترك في هذه الحال لا يكون آثماً ما دام مهتدٍ في نفسه بقيامة بما أوجب الله عليه بحسب قدرته وطاقته. وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة:١٠٦]. قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس، قال: كان تميم الداري (١)، وعدي بن بداء (٢)

стр. 559

يختلفان إلى مكة للتجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما بتركته، فدفعا بتركته إلى أهله، وجبسا جاماً من فضة مخوصاً من ذهب (١)، فاستحلفهما رسول الله ﷺ بالله: ما كتمنا ولا أطلعنا. ثم عرف الجام بمكة عند قوم من أهل مكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: إن هذا لجام السهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين، فأخذ الجام، وفيهم نزلت هذه الآية (٢) فقال قائل: فهذه آية قد أنزلها الله في كتابه، وروي عن النبي ﷺ في حكمه بما أنزله عليه فيها ما قد رويته في هذا الباب، وقد روي عن ابن عباس وهو الذي روى هذا الحديث في تمسكه بها، وأنها عنده مما الحكم بما فيها قائم لم يلحقه نسخ قال ابن عباس في قوله عز جل: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ " [المائدة:١٠٦]، قال: من غير أهل الإسلام من الكفار إذا لم تجدوا المسلمين. قال أبو جعفر: فهذا يدل على أنها كانت عند ابن عباس محكمة غير منسوخة. وروي عن أبي موسى الأشعري فيها ما يدل على أن مذهبه كان فيها كمذهب ابن عباس

стр. 560

عن عامر، قال: خرج رجل من بني خثعم، فتوفي بدَقُوقاء، (١) فلم يشهد وصيته إلا رجلان نصرانيان من أهله، فأشهدهما على وصيته، فقدما الكوفة فأحلفهما أبو موسى الأشعري دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بدّلا ولا كتما، وإنها لوصيته، ثم أجاز شهادتهما. قال أبو جعفر: فدل ذلك على أنها كانت عنده محكمة غير منسوخة، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي ﷺ خلافاً لهما - يعني ابن عباس وأبا موسى - في ذلك، والله أعلم، ثم التابعون في ذلك قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك. فذكر عن إبراهيم، قال: كتب هشام بن هُبَيْرة (٢) إلى شُريح يسأله عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب إليه لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا أن يكون مسافراً قال: فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان مذهبه فيها أيضاً أنها محكمة غير منسوخة. وهذا قول: سعيد بن المسيب، وقتادة (٣)، ومجاهد، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وابن سيرين. (٤) وقد قال به من فقهاء الأمصار ابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري. فإن قال قائل: فقد روي عن الحسن ما يخالف أقوال هؤلاء الذين ذكرت.

стр. 561

فذكر عن الحسن في قوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وهذا مما لا يقطع فيه على المخالفة بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه، وعمل به رسوله ﷺ وعمل به من عمل به من أصحابه، ولا يجوز أن ينسخ ما قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يوجب ذلك فيه. فأما ما قد ذكرناه مما يستدل به الحسن من قول الله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] ما قد دل على أنهما من أهل الصلاة، فإن ذلك مما لا دليل عندنا فيه، وإنما ذلك عند كثير من أهل العلم على أنه قصد بذلك إلى الوقت الذي يعظمه أهل الأديان جميعاً وهو ما بعد صلاة العصر ويتوقونه ويخافون نزول العقوبة بهم عند المعصية فيه، وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ من قوله: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف بعد العصر على سلعة أنه أُعطي بها كذا وكذا كاذباً" (١) فإذا كان هذا الاختلاف في هذا كما قد ذكرنا، لبقي حكم الآية على ما كان عليه حتى يكون مثله مما يوجب نسخها، وقد كان الزهري وزيد بن أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نسخ العمل به.

стр. 562

كما عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة:١٠٦] الآية، قال: ذلك كان في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب، والناس كفار، إلا رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسخت الوصية، وفُرضت الفرائض، وعمل بها المسلمون. قال أبو جعفر: وليس في هذا إلى الآن ما يوجب نسخ هذه الآية. والله الموفق للصواب. (شرح مشكل الآثار -١١/ ٤٥٧ - ٤٧١) (وانظر: مختصر اختلاف العلماء-٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) الدراسة بين الإمام الطحاوي أن قول الله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أية محكمة، وهي دالة على جواز شهادة الكافر على وصية المسلم الذي قربت وفاته في حال السفر، إذا لم يكن هناك أحد من المسلمين. كما رد على من ادعى النسخ للآية، مبيناً أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من غير أهل الإسلام. وأن المراد بقوله جل وعلا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من بعد صلاة العصر. وإليك أولاً: بيان الأقوال في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]: القول الأول: أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: أو آخران من غير قبيلتكم، فيكونا مسلمين. - وهذا قول: الحسن - وعكرمة - والزهري - وعَبيدة السلماني. وإليه ذهب: جمهور الفقهاء. (١)

стр. 563

- ومن أدلة هذا القول: أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] والكافر لا يعظم الصلاة حتى يحبس بعدها. (١) وقد رد هذا الاستدلال: بأنه ليس المراد من حبسهم من بعد الصلاة أنهم من أهل الصلاة، بحيث يعظمون تلك الصلاة، فيجتنبون الكذب بعدها. وإنما المراد من حبسهم من بعد الصلاة لأن الوقت الذي بعد تلك الصلاة - صلاة العصر - معظم لدى جميع أهل الأديان بحيث كانوا يتجنبون الكذب فيه. القول الثاني: أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]. أي: أو آخران من غير ملتكم، فلا يكونا مسلمين. - وهذا قول: جمهور المفسرين. (٢) وإليه ذهب: الإمام أحمد - والثوري - وأبو عبيد القاسم بن سلام. (٣) - ومن أدلة هذا القول: ١ - أن الله جل وعلا قال في أول الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:١٠٦] فالخطاب في الآية لجميع المؤمنين، فلما قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] كان المراد من غير المؤمنين لا محالة. ٢ - أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة:١٠٦] وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط يكون المستشهد في السفر، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر.

стр. 564

٣ - أن الله جل وعلا قال في الآية: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] فدلت الآية على وجوب الحلف على هذين الشاهدين بعد الصلاة، وقد أجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين. ٤ - أن سبب نزول الآية المتقدم - دال على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: من غير أهل الإسلام، حيث كان الشاهدان نصرانيين. (١) الترجيح: والقول الراجح هو: أن المراد بالآية غير المسلمين، لأن الخطاب في أول الآية توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة، فقال من جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] يعني من غير المؤمنين، فلم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع الكناية إليه. (٢) وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.

стр. 565

ثانياً: بيان الأقوال في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:١٠٦]: القول الأول: أن المراد بالصلاة في الآية هو: صلاة العصر. وإنما كان المراد بها صلاة العصر: لأن الناس بعد وقت صلاة العصر يكونون أكثر تجمعاً في الأسواق والمساجد. (١) كما أن وقت صلاة العصر وقت معظم ومحترم عند جميع أهل الأديان، ولذا كانوا يجتنبون فيه الحلف الكاذب. (٢) وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال في بيان مكانة هذا الوقت: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: - وذكر منهم - ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم". (٣) ولهذا فقد كان ﵊ يتخير هذا الوقت لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه، كما فعل مع العجلانيين حيث طلب منهم الملاعنة من بعد صلاة العصر. (٤) - وهذا قول: جمهور المفسرين. القول الثاني: أن المراد بالصلاة في الآية هو: صلاة الظهر أو العصر. لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. - وهذا قول: الحسن.
следующие страницы →