Полный текст (759 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فاعترفت بسحرها، فأَمرت عبد الرحمن بن زيد (١) فقتلها، فبلغ ذلك عثمان فأنكره، فجاء عبد اللّه، فأخبره خبر الجارية، قال وكان عثمان إنما أنكر ذلك أنه صُنع دونه (٢) . الحواشي
(١) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي ولد في حياة النبي ﷺ ، دعا له النبي ﷺ بالبركة، فما رؤي عبد الرحمن بن زيد قط في قوم إلا فرعهم طولا، واستشهد أبوه باليمامة، وولي هو إمرة مكة ليزيد بن معاوية، ومات سنة بضع وستين. الإصابة (٥/ ٣٦)، والتقريب (ص ٢٨٢).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد اللّه (٣/ ١٢٨١ - مسألة رقم ١٧٧٩).
رجاله ثقات، هاسناده صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٠ - ١٨١)، وابن أبي شيبة في المصنف(٢٨٤٩١) .
التعليق: السحر: الأُخْذَةُ وكلُّ ما لَطُفَ مَأْخَذُه ودَقَّ فهو سِحْرٌ. لسان العرب (٤/ ٣٤٠). وقيل هو: "كلُّ ما كان من الشيطان فيه مَعُونة. وقيل: الأُخْذَةُ التي تأخُذُ العين" انظر: كتاب العين للفراهيدي (٣/ ١٣٥).
قال ابن قدامة في الكافي (٥/ ٣٣١): "السحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في الأبدان والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه".
ولقد دلت هذه الآثار على عظم خطورة السحر، وأن له حقيقة مؤثرة على =стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٩٢٢) . والساحر مبدل لدينه، لأنه لا يتعلم السحر إلا بعد =стр. 143
المسألة السادسة: ما جاء في النهي عن الذبح لغير اللّه
٢٥ - حدثنا قال: حدثني أبي قال: سئل سفيان (١) عن العَتِيرة؟ فقال: الحواشي
(١) سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس لكن عن =стр. 144
كان أهل الجاهلية يذبحونها في رجب مكان الأضحية فلما جاء الإسلام قال رسول الله ﷺ : "لا فَرَع ولا عَتيرة" (١) . قال أبي: والفَرَع: أول شيء ينتج يذبحونه (٢) . الحواشي
(١٩٨) . التهذيب (٢/ ٥٩)، والتقريب (ص ١٨٤).(١) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العقيقة: باب الفرع ح رقم ٥٤٧٣، وباب العتيرة ح رقم ٥٤٧٤)، ومسلم (كتاب الأضاحي: باب الفرع والعتيرة ح رقم ١٩٧٦).
والعَتِيرَة: هي الرجبية. وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية، ثم جاء الإسلام فكان على ذلك حتى نسخ بعد. غريب الحديث للقاسم ابن سلام (١/ ١٩٥).
والفَرَع: هو أوّل ما تَلده الناقة كانوا يَذْبَحونه لآلهتهم فَنُهيَ المسلمون عنه.
وقيل: كان الرجُل في الجاهلية إذا تمَّت إبلُه مائةً قدّم بكرا فنَحَره لصَنَمه وهو الفَرَع. وقد كان المسلمون يَفْعلونه في صَدْر الإسلام ثم نُسِخ. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٦). وانظر فتح الباري (٩/ ٧٣٨ - ٧٤٠).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٣٠ - رقم ١٨٤٢).
وجاء تفسير الفرع والعتيرة عن ابن شهاب الزهري كما هو عند أحمد في المسند (٢/ ٤٩٠). =стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: الآيات ١٦٢ - ١٦٣].
قال ابن كثير في تفسير القرآن (٣/ ٣٨١): "يأمره تعالى أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(٢) ﴾ [الكوثر: ٢]، أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى".
- ومن السنة المطهرة: ما جاء عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله من ذبح لغير الله". رواه مسلم(١٩٧٨) .стр. 146
المسألة السابعة: الحكم فيمن سبَّ رسول الله ﷺ -
٢٦ - حدثني أبي قال: نا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن توبة العنبري. قال سمعت أبا سوار القاضي عن أبي برزة الأسلمي (١) قال: الحواشي
(١) هو نَضلة بن عبيد، أبو برزة الأسلمي، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين على الصحيح. الإصابة (٦/ ٤٣٣)، والتقريب (ص ٤٩٤).стр. 147
أغلظ رجل لأبي بكر، فقال أبو برزة الأسلمي: ألا أضرب عنقه؟ قال فانتهره أبو بكر، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٢٩٢ - مسألة رقم ١٧٩٥).
رجال إسناده ثقات، والأثر صحيح.
وأخرجه أبو داود في السنن (كتاب الحدود، باب: الحكم فيمن سبَّ رسول الله ﷺ ، ٥/ ٦٧ رقم ٤٣٦٣) من طريق حميد بن هلال عن عبد الله بن مُطرِّف عن أبي برزة به، والنسائي في السنن (كتاب تحريم الدم، باب: الحكم فيمن سب النبي ﷺ ، ٧/ ١٠٨ رقم ٤٠٧١)، من طريق شعبة عن توبة العنبري عن عبد الله بن قدامة ابن عَنَزَة عن أبي برزة به.
التعليق: التعرض لجناب الأنبياء صلوات الله عليهم أمر محرم في جميع الشرائع السماوية، والنيل من عِرض واحد من الأنبياء كالنيل من الجميع، كما أن التكذيب بأحدهم كالتكذيب بالجميع. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ويشتد الأمر خطورة إذا تعرض أحد لجناب أفضل الأنبياء، وأشرف الخلق على الإطلاق، ألا وهو نبينا محمد ﷺ . فمن سب النبي ﷺ أو استهزأ به فقد ارتد وخرج من ملة الإسلام. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري (٦٨٣/ ٢): "وقد أجمع العلماء، كما حكاه من يُرجع إليه، على أن كل =стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مسلم صدر منه سب الرسول، أو تنقيصه، وجب قتله، ويحكم بكفره وردته عن دين الإسلام، على ذلك دلت نصوص من السنة والكتاب".
وانظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (١/ ٩، ٥٣٣).
وقد دل أثر أبي برزة الأسلمي ﵁ على أن عقوبة من سب النبي ﷺ القتل أيضًا.
قال أحمد بن حنبل:" أي: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ : كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، وكان للنبي ﷺ أن يقتل". انظر سنن أبي داود (٥/ ٦٧ حاشية ٤٣٦٣).
قال ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ٥٦): "فذلك أن الحق له ﷺ ، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقه ﷺ ". لأن حقه ﷺ عظيم لا ينبغي التفريط فيه.
وقد جاء في السنة النبوية ما يدل على أن من سب النبي ﷺ فإن دمه هدر.
فعن ابن عباس ﵁: أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ -وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلمّا كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام"، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنانстр. 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ " ألا اشهدوا أن دمها هدر". أخرجه أبو داود (٥/ ٦٦ رقم ٤٣٦١)، والنسائي في السنن (٧/ ١٠٧ رقم ٤٠٧٠). والحديث صحيح. انظر إرواء الغليل (٥/ ٩١).
قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (١/ ٥١٣): "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهر وباطن، وسواء كان السابّ يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذاهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل". وقد سرد في هذا الكتاب عددًا وافرًا من الأدلة الدالة على عدم عصمة دم من شتم النبي ﷺ ، وانظر كذلك السبكي في كتابه "السيف المسلول على من سب الرسول".
قال القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٣٣): "اعلم
-وفقنا الله وإياك- أن جميع من سب النبي ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه
أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل ... وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة و =стр. 150
المسألة الثامنة: ما جاء في النهي عن قول "ما شاء الله وشئت
٢٧ - قلت تكره أن يقول الرجل ما شئت (١) ؟ قال: كان عثمان ﵁ يكرهه (٢) ، وإن قال إن شئت، أحسن. قال إسحاق: نَهيهُما واحد إلا أنه يبدأ ما شاء الله ثم شئت (٣) . الحواشي
(١) لعل السؤال هنا عن قول الرجل "ما شاء الله وشئت"، كما يُفهم من جواب إسحاق بن راهويه.(٢) لم أجد من أخرج قول عثمان ﵁.(٣) مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج (٩/ ٤٨٧٠ - مسألة رقم ٣٥٧٢).
التعليق: لقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بسد جميع الأبواب الموصلة إلى الشرك، وذلك من أجل حماية جناب التوحيد، الذي لا يجوز أن يشوبه أي نوع من أنواع النِّدية أو المماثلة للخالق ﵎، لأن الشيطان حريص على إغواء الخلق، ومداخل الشرك دقيقة خفية، لا يتفطن لها إلا من رحم الله.
ولقد قام نبينا محمد ﷺ بحماية جناب التوحيد، وحذر أمته من الوقوع في=стр. 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٣٧٨) .
وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: "الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان هذا كله به شرك". أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٦٢) وسنده حسن.
وقال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: جعلت لله ندا ما شاء الله وحده.
أخرجه البخاري في الأدب المفرد(٧٨٣) . وسنده صحيح. انظر السلسلةстр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٣٩) .
وأخرج النسائي في السنن (٧/ ٦ رقم ٣٧٧٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ٦٨٤ رقم ٢١١٧): أن النبي ﷺ قال: "إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت. ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت". وسنده صحيح. انظر السلسلة الصحيحة(١٣٧) .
وإنما نهى النبي ﷺ أمته عن ذلك، ليعلمهم أن المشيئة لله وحده، وأن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله تعالى.
قال الشافعي في الأم (١/ ٣٤٧): "المشيئة إرادة الله ، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] فأَعلمَ الله خلقَه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله". وأخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٦٦) وقال محققه: إسناده صحيح.
وانظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٢٠٦)، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني (٦/ ٧٦٩).
وقد جعل العلماء هذا النهي من قبيل الشرك الأصغر، لأنه من اتخاذ الند مع الله تعالى.
قال عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (ص ١٠٤): "واعلم أن اتخاذ الند على قسمين:
الأول: أن يجعله لله شريكا في أنواع العبادة أو بعضها ... وهو شرك أكبر. =стр. 153
المسألة التاسعة: ما جاء في قول الرجل "لعمري "
٢٨ - قلت: يُكره لعمري ولعمرك؟ قال: ما أعلم به بأسا. قال إسحاق تركه أسلم لما قال إبراهيم (١) : كانوا يكرهون ويقولون: ليقل: لعمر الله (٢) . الحواشي
(١) هو النخعي.(٢) مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج (٩/ ٤٨٩٣ - مسألة رقم ٣٥٩٢).
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٧١) عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره: "لعمرك" ولا يرى بـ: "لعمري" بأسًا، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف(١٢٤٢٨) عن وكيع عن الأعمش عن إبراهيم أنه كره أن يقول: =стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٦٩٥) عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂" قالت له: وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]. قال: قلت: أكذبوا أم كُذبوا؟ قالت عائشة: كُذبوا، قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل "لعمري" لقد استيقنوا بذلك ... " الحديث.
وأخرج البخاري أيضا في صحيحه(١٦١٨) عن ابن جريج قال أخبرني عطاء: "إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قلت: أبعدَ الحجاب أو قبل؟ قال: إي "لعمري" لقد أدركته بعد الحجاب".
فهذه الآثار تدل على أن السلف كانوا يستعملون هذه اللفظة في كلامهم، ولو كانت من الحلف بغير الله، لكانوا أبعد الناس عنها، لأنهم أحرص الناس على اجتناب ما نهى الشرع عنه.
ومما يؤيد أن هذه الكلمة ليست من قبيل اليمين الشرعي، ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٤٦٩) قال أخبرنا ابن جريج، قال: "سمعت عطاء يقول: كان خالد بن العاص وشيبة بن عثمان يقولان إذا أقسما: "وأبي" فنهاهما أبو هريرة عن ذلك أن يحلفا بآبائهما، قال: فغيّر شيبة، فقال: "لعمري" وذلك أن إنسانا سأل =стр. 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عطاء عن "لعمري" وعن "لا ها الله إذًا" أبهما بأس؟ فقال: لا، ثم حدّث هذا الحديث عن أبي هريرة، وأقول ما لم يكن حلف بغير الله فلا بأس، فليس "لعمري "بقسم".
وسَأل سحنون بن سعيد التنوخي الإمامَ مالك فقال: "أرأيت قوله "لعمري" أتكون هذه يمينًا؟ قال: قال مالك: لا تكون يمينا". المدونة الكبرى (١/ ٥٨٢).
وقال ابن قدامة في المغني (١٣/ ٤٥٧): ((وإن قال: "لعَمْري" أو "لعَمْرُك" أو "عَمْرُك" فليس بيمين في قول أكثرهم". وقال الحسن في قوله "لعمري" عليه الكفارة، ولنا أنه أقسم بحياة مخلوق، فلم تلزمه كفارة، كما لو قال: و"حياتي" وذلك لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العَمْرُ، فإن التقدير "لعمرك قسمي" أو "ما أقسم به" والعَمْرُ: الحياة أو البقاء)).
وهذا مؤيد لما ورد في الباب من سؤال الكوسج للإمام أحمد عن هذه اللفظة.
فمما سبق يتبين لنا أن كلمة "لعمري" ليست بيمين شرعي، ولا من الحلف بغير الله، وأما ما ورد عن إبراهيم النخعي والحسن أنهما كانا يكرهان التلفظ بها، فلعل ذلك من باب سد الذريعة، لئلا يظن أنها من الحلف بغير الله، أو لعل هذه النصوص لم تبلغهما. والله أعلم.
وللتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى ما كتبه الشيخ حماد الأنصاري ﵀ حول كلمة "لعمري"، وهو بحث منشور ضمن "مجلة الجامعة الإسلامية" عدد ٢٦.стр. 157
المسألة العاشرة: ما جاء في الطيرة
٢٩ - قال بعضهم: كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يخرج، نَفَّر الطير، فإن أخذ -يعني- في طريقٍ أخذ منه، كأنه من الطيرة (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٣٩ - مسألة رقم ١٨٥٤).
جاء هذا الكلام منسوبا إلى الشافعي، وابن عيينة، والأصمعي كما هو في الحلية لأبي نعيم (٩/ ٩٤ - ٩٥)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ٢٣٥).
التعليق: الطِّيَرَة: بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكّن هي التَّشاؤُم بالشَّيء، وهو مصدر تَطَّير. النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٥٣).
شرعًا: هي كما قال ﷺ : "إنما الطيرة: ما أمضاك أو ردك". أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢١٣).
ولقد جاءت الشريعة بتحريم الطيرة، لأن فيها اعتقاد القلب بغير الله في جلب النفع أو دفع الضر، حيث كانت تصد الناس في الجاهلية عن مقاصدهم، فكان أحدهم إذا أراد السفر نفَّر الطير، فإذا اتجهت يمنة مضى في سفره، وإن اتجهت يسرة تشاءم ورجع. فذم الله تعالى التطير، وبين أن الخير والشر من عنده .
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١]. وقال: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(١٨) =стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٧٧٦) ، ومسلم في صحيحه(٢٢٢٤) .
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٨٠) تعليقًا على هذا الحديث:
"وهذا يحتمل أن يكون نفيا، وأن يكون نهيا، أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: "ولا عدوى ولا صفر ولا هامة" يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التى كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي، لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهي إنما يدل على المنع منه".
وقال ﷺ : "من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك". رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٠). وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة(١٠٦٥) .
وعن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك" ثلاثًا، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل". أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٣٤١ رقم ٣٩٠٥). بإسناد صحيح. انظر السلسلة الصحيحة(٤٢٩) .
قيل إن جملة "وما منا إلا؛ ولكن الله يذهبه بالتوكل" ليست من كلام النبي ﷺ ، =стр. 159
المسألة الحادية عشرة: النهي عن سب الرِّيح
٣٠ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا سعيد، قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد
الحواشي
(٤٢٩) .
قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٦٣): "وقوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" إشارة إلى أن من وقع له ذلك فسلّم لله، ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك".
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص ٣٣٠): "وذلك أن التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره وامتنع بها عما عزم عليه؛ فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام "إياك نعبد وإياك نستعين" فيصير قلبه متعلقا بغير الله، وذلك شرك فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفا لسهام الطيرة. ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة".стр. 160
ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب (١) ، قال: لا تسبوا الريح، ولكن قولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به (٢) .
٣١ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي- قال أبي كتبنا عنه في حياة هشيم، كان سمع المغازي من محمد الحواشي
(١) أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، سيد القراء، من فضلاء الصحابة، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال له النبي ﷺ ليهنِك العلمُ أبا المنذر، وقال له إن الله أمرني أن أقرأ عليك، وكان عمر يسميه سيد المسلمين، اختلف في سنة موته اختلافا كثيرا قيل سنة تسع عشرة وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ٢٧)، والتقريب (ص ٣٦).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٥٠ - رقم ٥٩٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(٢٩٨٢٩) من طريق الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٨) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت به، ومن نفس الطريق أخرجه مرفوعا: أحمد في المسند (٥/ ١٢٣)، والترمذي (كتاب الفتن، باب: ما جاء في النهي عن سب الرياح، ٤/ ١٠٣ رقم ٢٢٥٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة(٢٧٥٦) .стр. 161
ابن إسحاق- قال: حدثنا منصور -يعني ابن المعتمر- عن مجاهد قال: هاجت ريح على عهد عبد الله بن عباس، فسبَّها الناس. فقال ابن عباس: لا تسبوها، فإنها تجيء بالعذاب والرحمة، ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم لا تجعل الريح علينا عذابا (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٥٦ - رقم ٦٠٣).
وفي إسناده البكائي، قال عنه ابن حجر في التقريب (ص ١٦٠): "صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة".
وأخرجه محمد بن جعفر الخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٩٢٩) من طريق سفيان عن منصور به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(٢٩٨٣٠) عن شيبان عن منصور به.
وهذه متابعة من سفيان وشيبان للبكائي فيتقوى الأثر بها. وجاء نحو هذا عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ بإسناد صحيح. انظر سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٢٨ رقم ٣٧٢٧).
التعليق: المقصود مِن سب الريح: هو أن يشتمها الإنسان أو يلعنها، ولقد نهى الله تعالى عن سب الريح، لأنها خلق من خلقه، وجند من جنوده، لا تأئير لها في شيء إلا بأمر الله تعالى، فمسبتها في حقيقة الأمر مسبة لله ﵎، لأنه هو الذي أوجدها وأمرها. =стр. 162
المسألة الثانية عشرة: ما جاء في التصاوير
٣٢ - حدثنا محمد بن محبوب، قال حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال: الصورة الرأس، فإذا قطع
الحواشي
(٨٩٩) .
فهذا النبي ﷺ يخاف أن تكون هذه الريح فيها عذاب من الله، وهو أتقى الخلق، وأكرمهم على الله وزمانه أفضل الأزمنة، فكيف بزماننا هذا وكثير من الناس قد بعدوا عن شرع ربهم، وغفلوا عن سنة نبيهم ﷺ . والله المستعان!.стр. 163
الرأس فليس هي صورة.
حدثنا أحمد قال: حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عكرمة نحوه، لم يذكر ابن عباس (١) .
٣٣ - حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدئنا أبي قال: حدثنا سعيد، عن عدي بن ثابت، عن خالد بن سعد قال: دُعي أبو مسعود لطعام فقال: أفي البيت صورة؟ فقيل له: نعم. فلم يذهب حتى كسرت (٢) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٥٠ - مسألة رقم ١٦٧٦).
أثر ابن عباس: إسناد رجاله ثقات، ووُهَيب: هو ابن خالد بن عجلان الباهلي. التقريب (ص ٥١٥)، وخالد: هو ابن مهران الحذاء. التقريب (ص ١٣١). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٧٠) من طريق وهب عن أيوب عن عكرمة به. والأثر صحيح موقوفا ولم يثبت رفعه. انظر السلسلة الصحيحة(١٩٢١) . -وأثر عكرمة: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(٢٥٨٠٨) عن ابن علية عن أيوب عن عكرمة مثله. وإسناده صحيح.(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٤٠).
رجال إسناده ثقات.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٦٨) من طريق شعبة عن عدي بن ثابت به. وصحح إسناده ابن حجر كما في الفتح (٩/ ٣١٠)، وانظر آداب الزفاف للألباني ص ٩٣.стр. 164
٣٤ - حدثنا إسحاق قال: أخبرنا معتمر بن سليمان قال: أخبرنا ليث قال: دخلت على سالم بن عبد الله وهو متكئ على وسادة فيها تصاوير وحش أو سباع فقلت: أما تكره هذا؟ قال: يكره للذي يصورها، ثم قال سالم: سمعت أبي يحدث أن النبي ﷺ قال: من صور شيئا كلف أن يحييه يوم القيامة (١) ، وسمعت النبي ﷺ يقول: الفتنة ها هنا وأشار بيده نحو المشرق" (٢) . قال: قلت له: بما جهزك أبوك؟ قال: بتابوتين من خضب، وحجَلة (٣) من صوف، ونبد وسائد، وزريبة، وسرير عليه حشية قال: قلت: إلى من أرسل؟ قال: أرسل إلى أبي أيوب صاحب رسول الله ﷺ ليدعو لنا بالبركة، فلما رأى ما في البيت أبى أن يدخل، الحواشي
(١) أخرجه البخاري (كتاب اللباس، باب من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، ح ٥٩٦٣) عن ابن عباس مرفوعا، ومسلم (كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، ح ٢١١٠) بلفظ: "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ".(٢) أخرجه البخاري (كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ح ٣٢٧٩).(٣) الحجلة بالتَّحْريك: بَيْت كالقُبَّة يُسْتَر بالثِّيَاب وتكون له أزْرَارٌ كبَارٌ وتُجْمَع على حِجَال. النهاية لابن الأثير (١/ ٣٤٧).стр. 165
وقال: ما كنت أرى أن تدعوني إلى مثل هذا أو كما قال (١) .
٣٥ - قال إبراهيم (٢) : "أصاب أصحابنا خمائص (٣) فيها صلب (٤) ، الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٤٠).
في إسناده ليث: وهو ابن أبي سليم، وهو ضعيف. انظر ترجمته عند الأثر رقم(١٤) .
فيكون الأثر ضعيفًا. إلا ما كان مرفوعا إلى النبي ﷺ فهو صحيح كما هو مخُرَّج.
وأخرجه -دون قصة أبي أيوب ﵁ أحمد في المسند (٢/ ١٤٥) عن حفص بن غياث عن ليث به، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٨٥) عن عبد الواحد ابن زياد عن ليث به. أما قصة دعوة ابن عمر لأبي أيوب ﵃، فقد أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف(٢٥٧٦٢) ، وأحمد في الورع (ص ١٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٥٠) وجوَّد إسناده الألباني في آداب الزفاف (ص ١٢٩).(٢) هو النخعي.(٣) خمائص: جمع خميصة، وهي ثَوْب خَزٍّ أو صُوف مُعْلَم. وقيل: لا تُسَمَّى خَمِيصةً إلا أن تكون سَوْدَاء مُعْلَمة، وكانت من لِبَاس الناس قديِمًا. النهاية لابن الأثير (٢/ ٨٢).(٤) صُلْب وصلبان جمع صليب، وهو ما كان على شكل خطين متقاطعين من خشب أو معدن أو نقش أو غير ذلك. وما يصلب عليه. وعند النصارى: الخشبة التي =стр. 166
فجعلوا يضربونها بالسلوك (١) ، يمحونها بذلك" (٢) . الحواشي
(١) السلوك: هكذا جاءت هذه اللفظة أيضا عند ابن مفلح في الآداب الشرعية، ولعلها مأخوذة من "السِّلك" الذي هو الخيط، فكانوا يخيطون على الصورة من أجل أن تذهب معالمها. لكن جاء عند ابن رجب في أحكام الخواتيم (ص ٧٨) "فجعلوا يضربونها بالسواك" بدل السلوك، فلعل كلمة "السواك" صحفت إلى "السلوك" والله أعلم.(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (١/ ٢٥٢ - رقم ١٩١).
وقد أورد قولَ إبراهيم ابنُ رجب في أحكام الخواتيم (ص ٧٨)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٤٨١).
التعليق: لقد حرم الله عزَّوجلَّ على عباده أن يشابهوه في خلق المخلوقات، فهو المتفرد بالخلق لا خالق إلا هو سبحانه، وهو المصوِّر لهذه المخلوقات المباع لها من عدم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. فلمّا يقوم ابن آدم بعمل الصور يكون قد شابه الله في صنعة الخلق. فقد روى البخاري في صحيحه(٥٩٥٣) عن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة دارا بالمدينة، فرأى أعلاها مصورا يصور قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله تعالى]: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة". =стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٩٥٠) .
والمقصود بالصور المنهي عنها، هي التي تكون من ذوات الأرواح. ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه(٢٢٢٥) عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل فقال يا أبا عباس: إني إنسان، إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول، سمعته يقول: "من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا". فرَبا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح".
قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٨٤): "من صور صورة في الدنيا كذا أطلق وظاهره التعميم فيتناول صورة ما لا روح فيه، لكن الذي فهم ابن عباس من بقية الحديث التخصيص بصورة ذوات الأرواح من قوله: "كلف أن ينفخ فيها الروح" فاستثنى ما لا روح فيه كالشجر". وانظر عمدة القاري للعيني (١٢/ ٣٨).
ودل أثر ابن عباس ﵁ -الذي في الباب- على أن صورة الحيوان إذا قطع منها الرأس فلا تكون محرمة، ودليل ذلك ما رواه أبو داود في السنن (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣ رقم ٤١٥٥) أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرامُ سترٍ فيهстр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٥٦) وذكر عدة فوائد لهذا الحديث فلتراجع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣٧٠): "ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان، فيجوز تصوير صورة الشجر والمعادن في الثياب والحيطان ونحو ذلك، لأن النبي ﷺ قال: "من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" ولهذا قال ابن عباس للمستفتي الذي استفتاه: صور الشجر وما لا روح فيه، وفي السنن عن النبي ﷺ أن جبريل قال له في الصورة: "مر بالرأس فليقطع" ولهذا نص الأئمة على ذلك، وقالوا: الصورة هي الرأس لا يبقى فيها روح فيبقى مثل الجمادات. وهذا التصوير ليس فيه غش ولا تلبيس، فإن كل أحد يفرق بين المصور وبين المخلوق". وكان السلف يكرهون تعليق الصور والتصاليب، سواء كانت معلقة في البيوت أو على الملابس أو غير ذلك، وكانوا يبادرون بطمسها كما في أثر إبراهيم، بل كانوا لا يدخلون البيوت التي تعلق فيها الصور. ويدل على ذلك قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة". أخرجه البخاري(٣٣٢٢) ، ومسلم(٢١٠٦) ، وقول عائشة ﵂: أن النبي ﷺ لم يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه". أخرجه البخاري =стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٩٥٢) .
قال ابن بطال: "في هذا الحديث دلالة على أنه ﷺ كان ينقض الصورة سواء كانت مما له ظل أم لا، وسواء كانت مما توطأ أم لا، سواء في الثياب وفي الحيطان وفي الفرش والأوراق وغيرها". فتح الباري (١٠/ ٤٧٣).
قال النووي في شرح مسلم (١٤/ ٣٠٩ - ٣١٠): "قال العلماء سبب امتناعهم من بيت فيه صورة، كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى".
فتدل هذه النصوص الواردة على تحريم تصوير ذوات الأرواح، وهو مما عمّت به البلوى في هذا العصر.стр. 170
المبحث الثاني:
الآثار الواردة في توحيد
الأسماء والصفات
стр. 171
تمهيد:
توحيد الأسماء والصفات: هو من أعظم علوم التوحيد وأجلها، لأنه متعلق بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، وفي تحقيقه السعادة والنجاة والفوز في الدارين، إذ به يتعرف العبد إلى خالقه ومعبوده، وتتقوى الصلة بينهما، فلا تحصل محبة العبد لربه إلا إذا تعرف عليه، وعلم أسماءه وصفاته.
وقد عرف شيخ الإسلام أسماء الله الحسنى بقوله: "الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدخ والثناء بنفسها" (١) . وتوحيد الأسماء والصفات يقوم على أسس أهمها:
- الأول: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى من غير تكييف ولا تمثيل.
- الثاني: تنزيهه ﵎ عن النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقين تنزيها بلا تعطيل. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ الحواشي
(١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٩). وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات للدكتور محمد بن خليفة التميمي ص ٢٩.стр. 172
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
- الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله تعالى.
- الرابع: أسماء الله توقيفية، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به نبيه ﷺ لا يتجاوز الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (١) .
وقال أبو نصر السجزي: "ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، وذاك إذا ثبت الحديث ولم يبق شبهة في صحته" (٢) .
وقال ابن قدامة المقدسي: "ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان الحواشي
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٥).(٢) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٢١ - ١٢٢).стр. 173
بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها" (١) .
* * * * الحواشي
(١) ذم التأويل (ص ٩). وانظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني (ص ١٦٠ - ١٦٤)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي، والقواعد المثلى لابن عثيمين، ومعتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات للتميمي.стр. 174
المطلب الأول: ما جاء فى بعض أسماء الله وصفاته
٣٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والله ﵎: سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر وينظر، ويقبض ويبسط، ويفرح ويحب، ويكره ويبغض، ويرضى ويسخط، ويغضب ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩ - ٣٦٠).
هذه بعض الأسماء والصفات نقلها حرب الكرماني عن أئمة السلف.
ومذهب السلف في هذه الأسماء وغيرها هو إمرارها كما جاءت إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، وهذا إجماع منهم بلا خلاف.
قال الإمام الترمذي في السنن (٤/ ٣١٨): "والمذهب في هذا عند أهل العلم، من الأئمة مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث، ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمن بها ولا تفسر، ولا تتوهم ولا يقال: كيف، وهذا أمر أهل العلم =стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٣٨٤) ، ومسلم(٢٧٠٤) . =стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٣٤٦) ومسلم(٢٧٣٠) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
٥ - قوله: "حفيظ لا ينسى": ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧]. وقد نفى الله عن نفسه النسيان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ =стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
٦ - قوله: "يقظان لا يسهو": لم يثبت لله تعالى اسم "يقظان" لذا لا يجوز أن نطلقه على الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا نسمي الله عزَّوجلَّ إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ . والله لا ينام ولا يسهو وقد نزه نفسه عن ذلك في أعظم آية من القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
٧ - قوله: "رقيب لا يغفل": "الرقيب" من أسماء الله تعالى، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
٨ - قوله: "يتكلم": الكلام صفة من صفات الله تعالى، وهو من الصفات الفعلية الاختيارية، يتكلم متى شاء كيف شاء ، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وسيأتي مزيد تفصيل في المبحث الخاص بصفة الكلام لله تعالى.
٩ - قوله: "يتحرك": لقد وصف الله نفسه بأنه حي، وكل حي لا بد وأن له حركة، كذلك وصف الله نفسه بالنزول والمجيء والإتيان وكل ذلك يدل على أن الله تعالى يتحرك حركة تليق به سبحانه، لا نعقل كيفيتها.
لكن لفظ: "الحركة" لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يقله السلف إلا في معرض =стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الرد على المعطلة من الجهمية وغيرهم. انظر نقض الدارمي على المريسي (١/ ٢١٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢١).
والأصل الالتزام بالألفاظ الشرعية التي جاءت بها النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله ﷺ باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله ﷺ كما نفاه وهو أن يثبت النزول، والإتيان، والمجيء، وينفى المثل، والسمي، والكفؤ، والند". الفتاوى (١٦/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، وانظر مختصر الصواعق لابن القيم (٤/ ١٢٣٠ - ١٢٣٢).
١٠ - قوله: "ويسمع ويبصر وينظر": تقدم دليل السمع والبصر، وأما قوله "نظر" فدليله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمر ان: ٧٧].
١١ - قوله "ويقبض ويبسط": يدل على اسمين من أسماء الله تعالى وهما "القابض"، "الباسط "، ويدل على إثبات صفتي القبض والبسط لله تعالى.
ودليل الصفتين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وجاء ثبوت الاسمين في السنة، فعن أنس ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال". رواه أبو داود (٤/ ١٦٥ رقم ٣٤٤٥) بسند صحيح. انظر "غاية المرام" للألباني ص ١٩٤. =стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٤٤) .
ودليل المحبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
١٣ - قوله: "يكره ويبغض": ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].
ودليل البغض قوله ﷺ : "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" رواه مسلم(٢٦٣٧) .
١٤ - قوله: "يرضى ويسخط": دليل "الرضى" قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ =стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →