Полный текст (759 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٣٤٦) ومسلم(٢٧٣٠) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
٥ - قوله: "حفيظ لا ينسى": ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧]. وقد نفى الله عن نفسه النسيان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ =стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
٦ - قوله: "يقظان لا يسهو": لم يثبت لله تعالى اسم "يقظان" لذا لا يجوز أن نطلقه على الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا نسمي الله عزَّوجلَّ إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ . والله لا ينام ولا يسهو وقد نزه نفسه عن ذلك في أعظم آية من القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
٧ - قوله: "رقيب لا يغفل": "الرقيب" من أسماء الله تعالى، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
٨ - قوله: "يتكلم": الكلام صفة من صفات الله تعالى، وهو من الصفات الفعلية الاختيارية، يتكلم متى شاء كيف شاء ، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وسيأتي مزيد تفصيل في المبحث الخاص بصفة الكلام لله تعالى.
٩ - قوله: "يتحرك": لقد وصف الله نفسه بأنه حي، وكل حي لا بد وأن له حركة، كذلك وصف الله نفسه بالنزول والمجيء والإتيان وكل ذلك يدل على أن الله تعالى يتحرك حركة تليق به سبحانه، لا نعقل كيفيتها.
لكن لفظ: "الحركة" لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يقله السلف إلا في معرض =стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الرد على المعطلة من الجهمية وغيرهم. انظر نقض الدارمي على المريسي (١/ ٢١٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢١).
والأصل الالتزام بالألفاظ الشرعية التي جاءت بها النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله ﷺ باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله ﷺ كما نفاه وهو أن يثبت النزول، والإتيان، والمجيء، وينفى المثل، والسمي، والكفؤ، والند". الفتاوى (١٦/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، وانظر مختصر الصواعق لابن القيم (٤/ ١٢٣٠ - ١٢٣٢).
١٠ - قوله: "ويسمع ويبصر وينظر": تقدم دليل السمع والبصر، وأما قوله "نظر" فدليله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمر ان: ٧٧].
١١ - قوله "ويقبض ويبسط": يدل على اسمين من أسماء الله تعالى وهما "القابض"، "الباسط "، ويدل على إثبات صفتي القبض والبسط لله تعالى.
ودليل الصفتين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وجاء ثبوت الاسمين في السنة، فعن أنس ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال". رواه أبو داود (٤/ ١٦٥ رقم ٣٤٤٥) بسند صحيح. انظر "غاية المرام" للألباني ص ١٩٤. =стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٤٤) .
ودليل المحبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
١٣ - قوله: "يكره ويبغض": ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].
ودليل البغض قوله ﷺ : "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" رواه مسلم(٢٦٣٧) .
١٤ - قوله: "يرضى ويسخط": دليل "الرضى" قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ =стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 181
المطلب الثاني: صفة الوجه لله تعالى
٣٧ - حدثنا أبو معن قال: ثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان في قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال: ما أريد به وجهه (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٧).
هذا الأثر مكرر، انظر الأثر رقم(٨) .
التعليق: صفة الوجه من الصفات الذاتية لله تعالى، وقد دل على ثبوتها القرآن الكريم وسنة نبينا محمد ﷺ . والسلف الصالح مجمعون على أن لله وجها يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
- فمن القرآن الكريم: الآية التي في الباب، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
وقو له تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢].
ومن السنة المطهرة:
- ما جاء عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله عزَّوجلَّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". رواه مسلم(١٧٩) .
- وقال ﷺ : "وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك" أخرجه =стр. 182
...................................................
الحواشي
(٤٢٤) . وصححه المحدِّث الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم بنفس المصدر.
- ومن السلف: قول أبي بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عزَّوجلَّ (ص ١٠ - ١١): "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز أن يكون عدما كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم، تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه ﷺ ".
وقال أبو الحسن الأشعري في الإبانة عن أصول الديانة (ص ١٢٤ - ١٢٥): "فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجها؟
قيل له: نقول ذلك خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص ٤٨٦): "والقول في الوجه عند أهل السنة كالقول في بقية الصفات، فيثبتونه لله على ما يليق بجلاله وكبريائه من غير كيف ولا تحديد، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل".
وانظر للمزيد: نقض الدارمي على بشر المريسي (٢/ ٧٠٣ - ٧٢٤). ومختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٩٢ - ١٠٢١).стр. 183
المطلب الثالث: صفة اليدين لله تعالى
٣٨ - حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثني الجراح بن مليح قال: ثنا أرطأة بن المنذر، عن جعفر بن أبي إياس (١) ، عن مجاهد عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح فكتب فيها الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من خلق مخلوق، أو عمل معمول بِر أو فُجُور، أو رزق من حلال أو حرام، أو أثر أو رطب، أو يابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه وبقائه فيها وفناه متى تفنى، ثم جعل على ذلك الكتاب حفظة من الملائكة، وعلى الخلق حفظة، فتأتي ملائكة الخلق ملائكة ذلك الكتاب، فيلقون إليهم النسخ بما يكون في كل يوم وليلة من ذلك، فتهبط ملائكة الخلق إلى الخلق فيحفظونهم بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ حتى إذا استكمل كل شيء من ذلك شأنه في كل يوم وليلة انقطع، فلم يكن لها مقام ولا بقاء ثم تلا: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ١٩] فقال رجل: يا أبا عباس، الحواشي
(١) كذا في المخطوط ل (٢٥٥/ ب) "جعفر بن أبي إياس" والصحيح أنه "جعفر بن إياس" الذي يروي عن مجاهد.стр. 184
ما كنا نرى النسخ إلا فيما تحفظ علينا الملائكة في كل يوم وليلة، قال: ألستم قومًا عربًا [هل] (١) يكون نسخه إلا من كتاب قد سبق؟، ثم قرأ: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. فقال: جميع الرطب واليابس كل شيء (٢) .
٣٩ - حدثنا أبو ربيع الزهراني قال: ثنا يعقوب قال: أخبرنا حفص الحواشي
(١) أضفتها من كتاب الإبانة ليتضح المعنى.(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٤).
الإسناد فيه: هشام بن عمار الدمشقي: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح. مات سنة(٢٤٥) التقريب (ص ٥٠٤). والجراح بن مليح: هو البَهراني الحمصي، صدوق. التقريب (ص ٧٧). وجعفر بن إياس: ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد. التقريب (ص ٧٩).
وأخرجه ابن بطة في الإبانة -القسم الثاني- (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، والآجري في الشريعة(٣٣٩) وقال محققه: إسناده صحيح. وأخرجه مرفوعا الدارقطني في الصفات (ح ١٦)، وابن أبي عاصم في السنة (برقم ١٠٦) من طريق بقية بن الوليد عن أرطأة بن الوليد عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبي ﷺ وحسنه الألباني في التعليق عليه.стр. 185
ابن حميد، عن شِمر بن عطية (١) قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها في كل خميس يقول: ازدادي طيبًا لأوليائي (٢) . الحواشي
(١) شمر:-بكسر أوله وسكون الميم- بن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي، صدوق، من السادسة. التهذيب (٢/ ١٨٠)، والتقريب (ص ٢١٠).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٠٧).
الإسناد فيه: أبو ربيع الزهراني: هو سليمان بن داود العتكي، ثقة. التقريب (ص ١٩١).
ويعقوب: هو ابن عبد الله القُمِّي، صدوق يهم. التقريب (ص ٥٣٧). وحفص ابن حميد القمي: لا بأس به. التقريب (ص ١١١).
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٣٥) عن ابن حميد عن يعقوب به، وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (رقم ١٨١) من طريق أبي الربيع به، وقال محققه: إسناده مقطوع حسن.
وأخرجه كذلك أبو الشيخ -كما في حادي الأرواح (١/ ٢١٧) - من طريق أبي الربيع به.
ويشهد للجملة الأولى منه وهي قوله: "خلق الله جنة الفردوس بيده" ما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان". أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٧٩)، والدارمي في الرد على المريسي (١/ ٢٦١)، واللالكائي في شرح السنة (رقم ٧٣٠)، وأورده الذهبي في العلو للعلي الغفار (ص ٨٢) وقال: إسناده جيد. وصحح سنده الألباني في مختصر العلو (ص ١٠٥).стр. 186
٤٠ - حدئنا عيسى بن محمد قال: ئنا يزيد بن هارون، عن الحسين الجريري، عن أبي عطاف قال: كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة، سمع صريح القلم في ألواح من در ليس بينه وبينه إلا الحجاب (١) .
٤١ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤٢٤).
الإسناد ضعيف؛ لأن فيه أبا عطاف وهو مجهول.
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: أبو عطاف بصري، يروي عنه الجريري قلت له: فيروي عنه غير الجريري؟ قال لا أعلمه". تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤/ ١٣٤).
وقال البخاري في الكنى (ص ٥٣): أبو عطاف الأزدي عن أبي هريرة، روى عنه الجريري".
قلت: والقاعدة عند المحدثين: أن الراوي إذا لم يرو عنه إلا واحد ولم يوثق فإنه يوصف بالجهالة. انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (٣/ ٣٧٥).
وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٩٤) من طريق يزيد بن هارون عن الجريري عن أبي العطاف مثله. وأخرجه أبو الشيخ عن عطاء كما في الدر المنثور للسيوطي (٣/ ٥٤٩).стр. 187
وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والسماوات والأرضون يوم القيامة في كفه وقبضته (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٠).
التعليق: صفة اليدين من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له نبيه ﷺ ، وآمن بها الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فأئمة السلف مجمعون على إثبات يدين اثنتين لله تعالى كما يليق به سبحانه، وأن كلتيهما يمين كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وهي صفة ذاتية خبرية.
والدليل من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٥].
ومن السنة: قوله ﷺ : "إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض". رواه البخاري(٧٤١٩) ، ومسلم(٩٣٣) .
وقوله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزَّوجلَّ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلوا". رواه مسلم(١٨٢٧) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، =стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٦١٤) ، ومسلم(٢٦٥٢) .
وقال الترمذي في السنن (٢/ ٤٣): "وقد ذكر الله عزَّوجلَّ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة. وقال إسحق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثلُ يد، أو سمعٌ كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيفَ ولا يقول مثلُ سمع ولا كسمع؛ فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص ٢٢٥): "وأجمعوا على أنه عزَّوجلَّ يسمع ويرى وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه".
وقال ابن بطة في الإبانة -القسم الثالث- (٣/ ٣١٤): "وقالوا -أي الجهمية- لا نقول إن لله يدين؛ لأن اليدين لا تكون إلا بالأصابع، وكف، وساعدين، وراحة، ومفاصل؛ ففروا بزعمهم من التشبيه، ففيه وقعوا، وإليه صاروا.
وكل ما زعموا من ذلك، فإنما هو من صفات المخلوقين، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن يد الله بلا كيف، وقد أكذبهم الله عزَّوجلَّ وأكذبهم الرسول". =стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠١٤) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله".
وقد ثبت أيضا أن الله تعالى يقبض يديه وكفه كيف شاء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة.
فقد روى البخاري(٤٨١١) ، ومسلم(٢٧٨٦) في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. =стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٨١٢) ، ومسلم(٢٧٨٧) .
قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد (ص ٨٢ - ٨٣): "نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ ، ونقول: كلتا يدى ربنا عزَّوجلَّ يمين على ما أخبر النبي ﷺ ، ونقول: إن الله عزَّوجلَّ يقبض الأرض جميعا بإحدى يديه ويطوى السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين لا شمال فيهما".
وقال ابن القيم في مختصر الصواعق (٣/ ٩٤٩ - ٩٥٠): "إن اقتران لفظ الطي والقبض والبسط والإمساك باليد يصير المجموع حقيقة، هذا في الفعل وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية فإنها إذا أريدت لم يقترن بها ما يدل على اليد الحقيقية، بل ما يدل على المجاز كقولهم: "له عندي يد" و"أنا تحت يده" ونحو ذلك، وأما إذا قيل: "قبض بيده" و"أمسك بيده" أو "قبض بإحدى يديه" فهذا لا يكون إلا حقيقة".стр. 191
المطلب الرابع: صفة الأصابع لله تعالى
٤٢ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وقلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها (١) ما أراد (٢) . الحواشي
(١) جاء في المطبوع "يدعيها" والتصويب من المخطوط، ل(١٧٣) .(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٦٠).
التعليق: ما نقله حرب الكرماني فيه إثبات صفة الأصابع لله تعالى، وأهل السنة والجماعة يثبتون الأصابع لله كما يليق به، من غير تمثيل ولا تعطيل.
وقد أثبت النبي ﷺ لربه الأصابع في غير ما حديث، فقد روى مسلم(٢٦٥٤) في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".
وجاء في حديث "اختصام الملأ الأعلى" أن النبي ﷺ قال: " ... فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ... الحديث. رواه الترمذي في السنن (٥/ ٢٨٥ رقم ٣٢٣٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وانظر السلسلة الصحيحة(٣١٦٩) .
وروى البخاري(٤٨١١) ، ومسلم(٢٧٨٦) في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على =стр. 192
المطلب الخامس: صفة القدم لله تعالى
٤٣ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: والكرسي موضع قدميه.
وقال حرب الكرماني أيضا: ويضع قدمه في جهنم فتزوى (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩ - ٣٦٠).
التعليق: ما نقله حرب الكرماني عن أئمة السلف فيه إثبات صفة القدم لله تعالى، وهي من الصفات الذاتية الخبرية، وقد جاء إثباتها في السنة المطهرة، فقد أخرج البخاري(٦٦٦١) ، ومسلم(٢٨٤٨) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : =стр. 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٨٥٠) .
وجاء عن ابن عباس ما يدل على أن لله قدمين، فقد روى عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وأبو بكر بن خزيمة في التوحيد (ص ١٠٧ - ١٠٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٠) كلهم من طرق عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله". قال الحاكم عقب تخريجه للحديث: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٥١): "وقد روى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن الكرسي موضع القدمين، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي موسى مثله".
وأورد ابن قدامة في كتابه تحريم النظر في كتب الكلام (ص ٣٨) أن حنبلًا قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ عن هذه الأحاديث التي تُروى أن الله ﵎ يُرى، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يضع قدمه، وما أشبه ذلك. فقال أبو عبد الله ﵁: نؤمن بها ونصدق بها ولا نَرُدّ منها شيئا إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على الرسول ﷺ قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].стр. 194
المطلب السادس: صفة العين لله تعالى
٤٤ - حدثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه (١) يقول: قال الله لموسى: أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي. وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك أيدي وبصري (٢) . الحواشي
(١) وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأَبناوي، ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة. التقريب (ص ٥١٥).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٠).
إسناده حسن، وهو من إسرائيليات وهب بن منبه، وقد عُرف بكثرة الأخذ عن أهل الكتاب كما ذكر ذلك الذهبي في الميزان (٧/ ١٤٨).
وأخرجه أحمد في الزهد (ص ٥٥)، والَاجري في الشريعة(٦٩٢) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٥١) كلهم من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.
التعليق: هذا الأثر عن وهب بن منبه فيه إثبات صفة العين لله تعالى، وهي من الصفات الذاتية الخبرية، وجاء الكتاب والسنة بإثبات عينين لله تعالى تليقان به.
قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ =стр. 195
المطلب السابع: صفة السمع لله تعالى
٤٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: الحمد لله الذي وسع
الحواشي
(٧٤٠٨) ، ومسلم(٢٩٣٣) .
وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أن لله عينين اثنتين خلاف الأعور.
قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي (١/ ٣٢٧): "ففي تأويل قول رسول الله "أن الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور".
وقال القحطاني في نونيته (ص ٩٤):
لله وجه لا يحد بصورة ......... ولربنا عينان ناظرتان
وقال أبو بكر بن خزيمة في التوحيد (ص ٥٠): "نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى، وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السموات العلى، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى على خالقنا خافية في السموات السبع والأرضين السبع ولا مما بينهم ولا فوقهم ولا أسفل منهن، لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار ولججها، كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه". وانظر للمزيد: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٥٢ - ٦٩).стр. 196
سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة (١) إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها فكان يخفى عليَّ كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٢) . الحواشي
(١) خولة بنت ثعلبة بن أصرم الأنصارية الخزرجية، صحابية، هي التي ظاهر منها زوجها فنزلت فيها سورة: ﴿قد سمع﴾، ويقال لها: خويلة بالتصغير، وزوجها هو: أوس بن الصامت. التقريب (ص ٦٦٤).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٠).
رجال إسناده ثقات.
وأخرجه البخاري تعليقًا (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وهو موصول عند أحمد في المسند (٦/ ٤٦)، والنسائي في السنن (كتاب الطلاق، باب الظهار، ٦/ ١٦٨ رقم ٣٤٦٠). وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٣٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
التعليق: لقد دل أثر عائشة ﵂ على إثبات صفة السمع كما يليق به تعالى، وأن الله وسع سمعه الأصوات كلها، وهذا يدل على عظمة الله ، فالله يسمع جميع الأصوات لا يخفى عليه شيء ولو كان الصوت صادرا من أصغرстр. 197
المطلب الثامن: صفة العلم لله تعالى
٤٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وهو يعلم ما في السماوات السبع، وما في الأرضين السبع، وما بينهن، وما تحتهن، وما تحت
الحواشي
(٦٣٨٤) ، ومسلم(٢٧٠٤) .
قال ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى" (ص ١٨٩): أنه سميع بصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فقد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريات، وعمت رحمته جميع المخلوقات، ووسع كرسيه الأرض والسموات".стр. 198
الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة، وكل شجرة، وكل زرع، وكل نبت، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك كله، وعدد الحصا، والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وقطر الأمطار، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم، وهممهم، وما توسوس به صدورهم يعلم كل شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩).
التعليق: ما نقله حرب الكرماني عن أئمة السلف يمثل إجماعهم على إثبات صفة العلم لله تعالى، وبيان سعة علمه ﵎. فلا يكون شيء في الكون إلا بعلمه، والعلم صفة ذاتية أزلية لله تعالى، فالله علم في الأزل ما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
والأدلة على إثبات هذه الصفة كثيرة جدا منها:
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
وجاء إثبات هذه الصفة على لسان النبي ﷺ حيث قال: "اللهم إني أستخيرك بعلمك ... " الحديث. رواه البخاري(١١٦٢) . =стр. 199
المطلب التاسع: صفة المغفرة لله تعالى
٤٧ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، قال سمعت يحيى بن أبي سليم وهو أبو بَلْج يحدث عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: لو أن العباد لم يذنبوا، لخلق الله خلقًا يذنبون، ثم يغفر لهم، إنه هو الغفور الرحيم (١) . الحواشي
(١٢٢) ، ومسلم(٢٣٨٠) .
ونقل أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص ٢١٣) إجماع الأئمة على إثبات صفة العلم لله تعالى كما يليق به، فقال ﵀: "وأجمعوا أنه تعالى لم يزل موجودًا حيًا قادرًا عالمًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا على ما وصف به نفسه وتسمى به في كتابه وأخبرهم به رسوله ﷺ ودلت عليه أفعاله".(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٣٥٠ - رقم ٩٩٩).
رجال إسناده ثقات إلا يحيى بن أبي سليم أبو بلج: فهو صدوق ربما أخطأ. انظر التقريب (ص ٥٥٢).
وأخرجه البزار في مسنده (٦/ ٤٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =стр. 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٤٨) عن أبي أيوب ﵃ أن النبي ﷺ قال: "لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقا يُذنبون، فيَغفر لهم".
قال العلامة الألباني: "وذلك لأنه ليس المقصود من الأحاديث -بداهة- الحض على الإكثار من الذنوب والمعاصي، ولا الإخبار فقط بأن الله غفور رحيم، وإنما الحض على الإكثار من الاستغفار، ليغفر الله له ذنوبه، فهذا هو المقصود بالذات من هذه الأحاديث". السلسلة الصحيحة (٤/ ٦٠٥).
التعليق: هذا الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ فيه إثباتُ صفة المغفرة لله تعالى، وهي من الصفات الفعلية الاختيارية، الثابتة بالكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة المغفرة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.
وفي هذا الأثر أيضا إثبات اسمين من أسماء الله تعالى وهما: "الغفور"، "الرحيم".
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد جمعت هذه الاية إثبات "المغفرة" لله تعالى، مع إثبات اسمي "الغفور" "الرحيم".
وجاء أن أبا بكر الصديق ﵃ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا =стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٠٥) .
وجاء عن ابن عباس ﵃ في قوله تعالى: ﴿وَكاَنَ اللهُ غَفُوَرَارًحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] أنه قال: "سمى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد". أخرجه البخاري تعليقًا (كتاب التفسير، باب: تفسير سورة حم السجدة).
قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٧٠٧): "وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة".стр. 202
المطلب العاشر: صفة المقت لله تعالى
٤٨ - حدثنا يحيى بن عثمان قال: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية (١) قال: ثمانية مقتهم الله وقذرهم نفسه (٢) وميزهم من خلقه: السقارون (٣) وهم القتّالون والمستكبرون، والذين إذا دعوا إلى الله وأمره كانوا بُطّاء، وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعًا، والذين يستحقون بأيمانهم ما لم يحققه (٤) الله لهم، والذين يكنزون البغضة لإخوانهم في صدورهم، فإذا لقوهم تخلقوا لهم، والمشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة، والباغون دحضة الحواشي
(١) حسان بن عطية المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة، فقيه، عابد، كان من أفاضل أهل زمانه، مات بعد العشرين ومائة. التقريب (ص ٩٨).(٢) جاء عند أبي نعيم في الحلية: "وقذرتهم نفسه".(٣) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٧٨): "السَّقَّارُ والصَّقَّارُ: اللَّعَّان لمن لا يستَحِق اللَّعن، سُمى بذلك لأنه يَضْرب الناس بلسانه، من الصَّقْر: وهو ضَرْبك الصَّخرة بالصَّاقُور وهو المِعْول".(٤) كذا في المخطوط، وعند أبي نعيم في الحلية "ما لم يحقه الله".стр. 203
الحواشي
(١) عند أبي نعيم في الحلية: "الباغون دحضة البراء"، وعند ابن عساكر في تاريخ دمشق والسيوطي في الجامع الصغير "الباغون البراء الدحضة". قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣/ ٣٣٨): "الباغون البراء: أي الطالبون، الدحضة: بالتحريك في "المصباح" دحض الرجل: زلق". وانظر المصباح المنير (١/ ٢٥٨).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٠ - ٤١١).
الإسناد فيه يحيى بن عثمان: وهو ابن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، صدوق عابد. التقريب (ص ٥٢٤). ومحمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي، صدوق كثير الغلط التقريب (ص ٤٣٨).
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٦) من طريق محمد بن كثير به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٨٦) من طريق الوضين بن عطاء مرفوعًا. وهو إسناد معضل. انظر السلسلة الضعيفة للألباني(٣٤٥٦) . ويشهد للجملة الأخيرة "والمشاؤون بالنميمة ... " ما جاء في السلسلة الصحيحة برقم(٢٨٤٩) مرفوعًا بلفظ: " ... وإن شرار عباد الله من هذه الأمة المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت".
التعليق: دلَّ هذا الأثر على إثبات صفة المقت لله تعالى، وهي من الصفات الفعلية الاختيارية، وهذه الصفة كغيرها من الصفات نثبتها لله تعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، من غير سؤال عن الكيفية. كما قال الإمام مالك- =стр. 204
المطلب الحادي عشر: هل يقال أن لله تعالى حدًا ؟
٤٩ - قلت لإسحاق: العرش بحد؟ قال: نعم بحد، وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد (١) . الحواشي
(٦٦٤) .
وقد جاء إثبات هذه الصفة في الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].
ومن السنة قوله ﷺ : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". رواه مسلم(٢٨٦٥) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية (ص ٢٦): "وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وليس المقت مثل المقت".(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٢).
وأورده ابن بطة في الإبانة، القسم الثالث (٣/ ١٦١).стр. 205
٥٠ - حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد قال: أخبرنا علي بن الحسن قال: قلت لابن المبارك (١) : يا أبا عبد الرحمن كيف نعرف ربنا؟ قال: هو على العرش فوق سبع سموات وعلمه وأمره في كل موضع. قال: قلت: بحد؟ قال: بحد، ولا نقول كما تقول الجهمية (٢) إنه هاهنا، وهاهنا في الأرض (٣) . الحواشي
(١) عبد الله بن المبارك المروزي الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام، فخر المجاهدين، قدوة الزاهدين، ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة(١٨١) وله ثلاث وستون سنة. تذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٤)، والتقريب (ص ٢٦٢).(٢) أتباع جهم بن صفوان. ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية ونفي الرؤية وإثبات خلق القرآن. وزاد عليهم بأشياء منها: أنه لا يجوز أن يوصف الله بصفة يوصف بها خلقه، لأن ذلك يقتضي التشبيه فنفى كونه حيا عالمًا وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا. ويقول: إن الإنسان مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة وأن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان معرفة الله، وأن الإيمان لا يتفاضل. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥)، ومقالات الإسلاميين (ص ١٦٤).(٣) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٢).
وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة(٢١٦) ، والدارمي في الرد على =стр. 206
٥١ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: وله حد، الله أعلم بحده (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩).
التعليق: مسألة "الحد" من المسائل المهمة التي ظهرت بسبب انحراف أهل الأهواء عن الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في باب الأسماء والصفات، وهي من الألفاظ الحادثة التي لم يكن يعرفها الصدر الأول من السلف الصالح، وهي من جنس لفظ الجهة والجسم والحيز ونحوها، التي لم ترد في النصوص الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، وإنما جاء بها أهل الضلال ليبطلوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الأسماء والصفات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والعرض ونحو ذلك ولفظ الحيز ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح؛ بل ولا في اللغة أيضا؛ بل هم يختصون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ، فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى ويبطل ما دل عليه القرآن بالأدلة العقلية والسمعية". مجموع الفتاوى (١٣/ ١٤٦). =стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وموقف أهل السنة والجماعة من هذه الألفاظ المجملة أنهم لا يثبتونها ولا ينفونها حتى يعرفوا مراد قائلها، فإن كان حقًا قبلوه، وإن كان باطلا ردوه.
قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص ١٨٩ - ١٩٠): "وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحًا قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد". وانظر مجموع الفتاوى (٣/ ٤١).
قال الذهبي: وقد سئل أبو القاسم التيمي ﵀: هل يجوز أن يقال: لله حد؛ أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب هذه مسألة استعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها، لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد؛ لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحيط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضا ضال". سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٥ - ٨٦).
فإن أراد بإثبات الحد أن الله بائن من خلقه منفصل عنهم فهو حق، وإن أراد بنفي الحد أن الله لا يقدر حده إلا هو سبحانه فهذا أيضا حق، وإن قصد بالنفي أن الله في كل مكان، فهذا باطل مردود.
ولقد أثبت السلف الحد على هذا المعنى. =стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قال شيخ الإسلام: "وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس؛ فإنهم نفوا أن يحد أحد الله". بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٧٠٦).
قال عثمان بن سعيد الدارمي: "والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن يؤمن بالحد ويكل علم ذلك إلى الله. ولمكانه أيضًا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان اثنان".
ثم قال: "فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن، وادعى أنه لا شيء؛ لأن الله حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد". نقض الدارمي على المريسي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٦).
وما جاء عن إسحاق بن راهويه وابن المبارك وما نقله حرب الكرماني عن أئمة السلف يدل على أن جمهور السلف متفقون على إثبات حد لله تعالى.
قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص ١٩٠): ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حالّ في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن =стр. 209
المطلب الثاني عشر: صفة القرب لله تعالى
٥٢ - حدثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قال الله لموسى: أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي. وكنت بأقرب
الحواشي
(١) = يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا، فإنه لشى وراء نفيه إلا نفي وجوب الرب ونفي حقيقته، وأما الحدُّ بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة".
قال شيخ الإسلام: "فإن المشاهير بالإمامة في السنة أثبتوه، كما ذكره عثمان بن سعيد عنهم وسمى ابن المبارك". بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٦٩٧).
ومراد السلف من ذلك سد الطريق على الجهمية فيما ادعوه من أن الله تعالى في كل مكان.
وأما ما جاء عن الإمام أحمد من روايات في نفي الحد عن الله تعالى، فقد وجه ذلك شيخ الإسلام بقوله: "فهذا الكلام من الإمام أبي عبد الله أحمد ﵀، يبين أنه نفى أن العباد يحدون الله تعالى أو صفاته بحد، أو يُقدرون ذلك بقدر، أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك؛ وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه. وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها". بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٦٢٨).стр. 210
الأمكنة مني، فانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك أيدي وبصري (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٤١٠).
هذا الأثر مكرر، انظر الأثر رقم(٤٤) .
التعليق: هذا الأثر فيه إثبات صفة القرب لله تعالى، وأن الله يقرب من عباده الصالحين بلا كيف ندركه، والقرب قربان: قرب معنوي حيث يقرب من داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة، وقرب ذاتي وهو من الصفات الفعلية الاختيارية التي لها تعلق بمشيئته وإرادته.
وقد دل الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
وقال ﷺ : "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا". رواه مسلم(٢٧٠٤) .
وقال ﷺ : قال الله تعالى: "وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". رواه البخاري(٧٤٠٥) ، ومسلم(٢٦٧٥) .
قال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٢٧٢): "أي من تقرب إلى حبيبه =стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =
بروحه وجميع قواه، وإرادته وأقواله وأعماله: تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه.
وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية، ولا مماسة. بل هو قرب حقيقي. والرب تعالى فوق سماواته على عرشه، والعبد في الأرض. وهذا الموضع هو سر السلوك، وحقيقة العبودية".
وقرب الله تعالى لا يكون من كل أحد، وإنما يقرب تعالى من عباده المؤمنين الطائعين، فكل موضع ذكرت فيه هذه الصفة كانت مقيدة بأحوال مخصوصة.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٥/ ١٧): "وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهذا القرب من الداعي: هو قرب خاص ليس قربًا عامًا من كل أحد، فهو قريب من داعيه، وقريب من عابديه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب".
وقال ابن القيم في مختصر الصواعق (٣/ ١٢٥١): "إنّ قربَ الربّ تعالى إنما ورد خاصًا لا عامًا وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة، ولم يجئ القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب من الكافر والفاجر ... ".
وقرب الله تعالى من عباده الصالحين لا ينافي علوه عليهم، فصفات الله لا =стр. 212
المطلب الثالث عشر: صفة العلو لله تعالى
٥٣ - حدثنا أحمد قال: ثنا سريج بن النعمان قال: ثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان (١) .
٥٤ - قرأت على أبي عبد الله: رَوْح قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] من السماء الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني (ص ٣٥٣ - مسألة رقم ١٦٩٩).
رجال إسناده ثقات.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٧٤)، والآجري في الشريعة(٦٥٢) ، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد(٦٧٣) ، وأورده الذهبي في العلو (ص ٢٢٨) وصحح إسناده الألباني في مختصر العلو (ص ١٤٠).стр. 213
السابعة، إلى الأرض السابعة (١) .
٥٥ - قرأت على أبي عبد الله: علي بن حفص، في تفسير ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ من السماء السابعة، إلى الأرض السابعة (٢) .
٥٦ - قال حرب الكرماني فيما ينقله عن مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها: "وخلق الله سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرة خمس [مائة] (٣) عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٥٩ - مسألة رقم ١٨٨٧).(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٥٩ - مسألة رقم ١٨٨٨).
وأخرجه البخاري تعليقًا (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، وأخرجه ابن جرير في التفسير (٢٣/ ٨١ - ٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢١٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.(٣) لم ترد لفظة "مائة" في المخطوط، وهي مثبتة من رسالة الاصطخري وحادي الأرواح.стр. 214
فوق الماء، والله ﵎ على العرش" (١) . الحواشي
(١) مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص ٣٥٩).
التعليق: هذه الآثار المنقولة عن السلف فيها إثبات صفة العلو لله تعالى على خلقه، التي تواترت النصوص من الكتاب والسنة على إثباتها، واتفق السلف الصالح على أن الله عال على خلقه بائن منهم.
وقد تنوعت دلالات النصوص على إثبات هذه الصفة، فمرة يأتي الإخبار عنها بأن الله في السماء، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].
وقول النبي ﷺ : "ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء". رواه مسلم(١٠٦٤) .
وتارة يكون الإخبار عنها بنزول الأشياء من عند الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠].
وتارة يكون الإخبار عنها باستواء الله على عرشه، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقول النبي ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". رواه البخاري(٣١٩٤) ، ومسلم(٢٧٥١) .
وقد تضمنت الآثار التي في الباب على هذه الدلالات الثلاثة، وهناك دلالات أخرى تبين علو الله على خلقه. انظرها في: مجموع الفتاوى (٥/ ١٦٤ - ١٦٥)، وإعلام الموقعين (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢٦٣ - ٢٦٧). =стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقد أجمع أئمة السلف على علو الله تعالى على خلقه.
جاء عن الإمام الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا". أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٥٠).
وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية الكبرى (ص ٢٣).
وعلو الله على خلقه وبينونته منهم أمر معلوم من الدين بالضرورة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٥٢): "القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والعلم بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بل نصوص العلو قد قيل إنها تبلغ مئين من المواضع. والأحاديث عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك".
وعلوه سبحانه مركوز في فطر الخلق مغروز في طبائعهم.
قال ابن قدامة: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصمحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين". إئبات صفة العلو (ص ٦٣). =следующие страницы →