-يعني تمامًا- وقال: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس حجة (١).
وقرأ الإمام أحمد ﵀ عليه وعلى بعض أصحابه كتاب الإرجاء في السجن (٢). وسمع منه صالح كتاب الأسامي والكنى، وطاعة الرسول والمسائل وغيرها من الكتب، وتفقه عليه حتى بلغ رتبة القاضي في ذلك الوقت (٣).
بعض شيوخ صالح غير الإمام أحمد:
- جعفر بن محمد بن عيسى بن الطباع، نزيل سر من رأى، وذكر رواية صالح عنه ابن أبي حاتم الرازي، ومنه الخطيب في تاريخ بغداد (٤).
- عبد الله بن أبي بكر السكن بن الفضل بن المؤتمن العتكي الأزدي، أبو عبد الرحمن البصري، صدوق (٥).
стр. 72
- عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري ثقة ثبت: قال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة (يعني ومائتين) ومات بعدها بيسير (١).
- علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم المعروف بابن المديني، البصري الإمام الثقة الثبت، وأعلم عصره بالحديث والعلل (٢).
- هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري أبو الوليد الطيالسي: ثقة ثبت (٣).
بعض تلاميذه: روى صالح الحديث والمسائل الفقهية وغيرها في بغداد وطرسوس والرملة وأصبهان ودمشق، وسمع منه ناس كثيرون، وفيما يلي بعض تلاميذه:
- أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال، صنف الجامع لعلوم الإمام أحمد وغيره من التصانيف (٤).
стр. 73
- ابنه زهير (١).
- عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي ثقة ثبت حافظ ناقد، عابد صاحب التصانيف (٢).
- عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور، ويعرف بابن بنت منيع أبو القاسم البغوي، المحدث الحافِظ صاحب المسند وغيره من الكتب (٣).
- محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر، المحدث الأديب، أبو بكر الخرائطي، صاحب مكارم الأخلاق وغيره من الكتب (٤).
مصنفاته ومروياته:
" تقدم أن صالح بن الإمام أحمد رحمهما الله قد ابتلي مع ضيق العيش وقلة المال بكثرة العيال على حداثته، ولذلك لم يجد فرصة كافية للتصنيف والتأليف ورواية ما سمعه من الإمام أحمد وغيره من
стр. 74
المشايخ، ومع ذلك صنف بعض الكتب، وروى البض الآخر، ومن هذه الكتب:
١ - مسائل صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه.
٢ - سيرة الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
٣ - محنة الإمام أحمد ﵀.
٤ - روى كتاب الأسامي والكنى للإمام أحمد ﵀.
٥ - روى كتاب طاعة الرسول عن أبيه.
٦ - جزء في علل الحديث ومعرفة الرجال عن أبيه.
٧ - روى كتاب التاريخ عن علي بن المديني". (١)
ثناء العلماء عليه:
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بأصبهان وهو صدوق ثقة (٢). وقال ابن الجوزي: كان صدوقًا ثقة كريمًا (٣).
وقال ابن أبي يعلى: أما نقلة الفقه عن إمامنا فهم أعيان البلدان وأئمة
стр. 75
الزمان منهم ابناه صالح وعبد الله (١).
وقال ابن خلكان: وكان له -أي للإمام أحمد- ولدان عالمان، صالح وعبد الله (٢).
وقال الذهبي: صالح بن أحمد بن حنبل الإمام المحدث الحافظ الفقيه الشيباني البغدادي قاضي أصبهان (٣).
وقال في تذكرة الحفاظ (٤): وفيها -أي: في سنة ست وستين ومائتين- مات الفقيه صالح بن أحمد بن حنبل الشيباني قاضي أصبهان.
وفاته:
اختلف بعض العلماء في تحديد السنة التي توفي فيها صالح بن أحمد.
- فقال أبو نعيم الحافظ: قدم صالح بن أحمد بن حنبل أصبهان قاضيًا عليها، وتوفي بها سنة خمس وستين ومائتين.
- وقال محمد بن العباس: قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال: وكان صالح ابن أحمد ولي القضاء بأصبهان، فخرج من هاهنا، فمات بها
стр. 76
وذلك في شهر رمضان سنة ست وستين، وله حينئذ ثلاث وستون سنة، وكان مولده في سنة ثلاث ومائتين. وقال ابن أبي يعلى في هذا التاريخ: إنه أصح. ودفن بقرب قبر حممة (١) بن حممة الدوسي صاحب رسول الله ﷺ (٢).
المسألة الثانية: التعريف بكتابه المسائل:
ميزة مسائل صالح:
- تمتاز المسائل التي جمعها صالح عن أبيه بكونها جامعة لعلوم شتى، ففيها الفقه والحديث والآثار والتفسير والعلل والجرح والتعديل وأحوال الرجال، وذكر من خضب من المحدثين، وشرح لبعض الكلمات الغريبة والمصطلحات، والعقيدة والتاريخ وغير ذلك من العلوم (٣).
стр. 77
منهج صالح في مسائله:
" ليس لصالح منهج معين في تسجيل المسائل وترتيبها، فالكتاب ليس مرتبًا على الأبواب الفقهية، بل لم يميز المسائل الفقهية عن المسائل المتعلقة بالحديث والتفسير والرجال والعقيدة وغيرها.
ويبدو أنه كان يحضر مجلس الإمام أحمد، ويسمع منه مسائل متفرقة
-سواء كان السائل هو أو غيره- ويسجلها كما كان يسمع، ولعله أراد أن يرتبها عند الفراغ، لكن لم يجد الفرصة لانشغاله بالعيال والقضاء وتدريس الفقه والحديث وغير ذلك من الأعمال.
أما طريقة صالح في رواية المسائل عن أبيه فإنه أحيانا يقول: سألت أبي عن كذا، أو سألت: إلى أي شيء تذهب، أو سألته عن كذا، وأحيانا يقول: سئل عن كذا فقال كذا، وأحيانا يقول: سمعت أبي يقول كذا، وهكذا.
وأحيانًا يذكر أقوال أحمد من غير ذكر شيء من ألفاظ التحمل والرواية، كأنه كان سجلها في مجلس الإمام أحمد في عجلة فلخصها كيلا يفوته بعض النكات.
أما الراوي عن صالح فإنه عند رواية الأحاديث والآثار يقول: حدثنا صالح، ويلتزم بذلك. وعند رواية المسائل الفقهية والمسائل
стр. 78
المتعلقة بالرجال ونحوها أحيانا يقول: حدثنا صالح، وغالبا لا يذكر تحديث صالح" (١).
стр. 79
المطلب السادس التعريف بكتاب: المسائل المروية عن الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (١)
المسألة الأولى: ترجمة الإمام عبد الله بن أحمد:
اسمه ونسبه:
هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الرحمن البغدادي (٢).
ولادته ونشأته:
ولد عبد الله ببغداد في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ومائتين (٣).
وكان أصغر من أخيه صالح بن أحمد المولود في سنة (٢٠٣ هـ) (٤)،
стр. 80
ونشأ في بيت علم وورع وزهد فأخذ أبوه بيده إلى القمة في العلم والقدر وتولاه أكثر من عشرين سنة لم يفارقه فيها حتى أسمعه كل حديثه وأراه كل تصانيفه وكان لعبد الله وافر من الذكاء والقدرة على الحفظ والتنقل في رياض العلم والمواظبة على الطلب، ثم صار من أروى الناس عن أبيه (١).
طلبه للعلم:
لقد اتجه الإمام عبد الله بن أحمد إلى طلب العلم منذ نعومة أظفاره، حيث اعتنى به أبوه الإمام أحمد بن حنبل، ووجهه منذ صغره إلى علم الحديث، فكان ملازما لأبيه الإمام أحمد، فورث منه حب السنة والآثار السلفية، والاعتناء البالغ بجمعها وروايتها من شيوخه وخاصة من والده الإمام أحمد. وجاء في كتب التراجم، أن الإمام أحمد سلك مسلكا فريدا في تربية عبد الله على معرفة صحيح الحديث من سقيمه، فقد حفَّظه خمسة عشر ألف حديث عن ظهر قلب، ثم قال له: لم يقل النبي ﷺ شيئًا من هذا! فقال: ولم أذهبت أيامي في حفظ الكذب؟! قال: لتعلم الصحيح، فمِن الآن احفظ الصحيح (٢).
стр. 81
قال ابن المنادى: "لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفا سمع منها ثمانين ألفا والباقي وجادة وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ. قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغير ها ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك" (١).
قال إسماعيل بن محمد بن حاجب، سمعت مهيب بن سليم يقول: سألت عبد الله بن أحمد قلت: كم سمعت من أبيك؟ قال: مائة ألف وبضعة عشر ألفًا (٢).
وكان لا يكتب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه، فامتنع من الأخذ عن علي بن الجعد لوقفه في مسألة القرآن (٣).
وكان عبد الله يذاكر أباه في الحديث، فقال مرة: "كنت أعرض
стр. 82
الحديث على أبي ﵁، فأرى في وجهه التغير، ويقول: كأنك تطلب ما لم أسمعه. فتركتُهُ (١). وكان كثير السؤال لأبيه الإمام أحمد، فوقع له عن أبيه "مسائل" جياد كثيرة. فقال: "كل شيء أقول" قال أبي "فقد سمعته مرتين وثلاثًا، وأقله مرة" (٢).
بعض شيوخه:
لقد بدأ الإمام عبد الله بن أحمد في طلب العلم مبكرا، لذلك أخذ عن عدد كبير من العلماء، فبلغ عدد شيوخه أكثر من أربعمائة شيخ، وهذا العدد من الشيوخ غير مستغرب على رجل امتزج حب طلب العلم بلحمه ودمه.
فقد كان أبوه معجب به لحبه السنة وحرصه البالغ لطلب العلم، فقد قال مرة بعد ما حلف ألا يحدث، فالتفت إلى عبد الله وقال: "وإن كان هذا يحب من الحديث ما يحب" (٣).
стр. 83
وأذكر بعض شيوخه -عدا أبيه- الذين أخذ عنهم الإمام عبد الله ابن أحمد:
- زهير بن حرب بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد (١).
- عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الكوفي، ثقة حافظ، صاحب تصانيف (٢).
- عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم أبو الحسن ابن أبي شيبة الكوفي صاحب "المسند" و"التفسير" (٣).
- علي بن حكيم الأودي الكوفي أبو الحسن (٤).
- عمرو بن محمد بن بكير الناقد أبو عثمان البغدادي نزل الرقة ثقة حافظ وهم في حديث من العاشرة مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (٥).
- يحيى بن معين بن عون الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي ثقة
стр. 84
حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (١). وغيرهم كثير.
بعض تلاميذه:
لاشك أن من أخذ عن مثل هؤلاء العلماء الحفاظ، سوف يتحصل لديه علم كثير وفقه غزير، ومن ثم تكون آثاره عظيمة. وهذا ما حصل للإمام عبد الله بن أحمد، حيث استفاد من أبيه علوما كثيرة، وكملها بالأخذ عن غيره، فتوجهت إليه أنظار الناس، وتتلمذ على يديه عدد كبير من طلاب العلم أذكر بعضًا منهم:
- أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل أبو بكر النجاد (٢).
- الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن (٣).
- أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال، الحنبلي، جمع علوم الإمام أحمد (٤).
стр. 85
- محمد أبو الحسن بن إسحاق بن إبراهيم أبو علي المعروف بابن الصواف (١). وغيرهم كثير.
ثناء العلماء عليه:
لقد اتفقت كلمة العلماء على توثيق الإمام عبد الله بن الإمام أحمد، وأشادوا بذكره، واعترفوا بسعة علمه وتقواه وصلاحه، ومن ذلك:
- ما أثنى عليه أبوه الإمام أحمد، حيث قال عباس الدوري: كنت يومًا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فدخل ابنه عبد الله فقال: يا عباس! إنَّ أبا عبد الرحمن قد وعى علمًا كثيرا (٢).
- وقال أبو زرعة: قال لي أحمد بن حنبل ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث أو من حفظ الحديث لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ. (٣)
- وقال الإمام النسائي: ثقة. (٤)
стр. 86
- وقال ابن أبي حاتم الرازي: لقيته وسمعت معه من إبراهيم بن مالك البزاز، وكتب إلي بمسائل أبيه وبعلل الحديث، وكان صدوقا ثقة. (١)
- وقال أبو بكر الخلال: كان عبد الله رجلًا صالحًا صادق اللهجة كثير الحياء. (٢)
- وقال ابن كثير: كان إماما، ثقة، حافظا، ثبتا، مكثرا عن أبيه وغيره. (٣)
مروياته ومؤلفاته (٤):
أولا: مروياته: وقع لعبد الله عن أبيه مرويات كثيرة، وهذا دليل حرصه على ملازمة أبيه وأخذ العلم عنه. ومن ذلك:
١ - كتاب المسند.
٢ - كتاب الزهد.
стр. 87
٣ - الناسخ والمنسوخ.
٤ - التاريخ.
٥ - فضائل الصحابة.
٦ - العلل ومعرفة الرجال وغيرها.
ثانيا: مؤلفاته .
١ - زوائد المسند.
٢ - زوائد الزهد.
٣ - زوائد فضائل الصحابة.
٤ - كتاب السنة.
٥ - المسائل عن أبيه.
٦ - كتاب الرد على الجهمية وغيرها.
وفاته:
مات أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في يوم الأحد ودفن في آخر النهار لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومائتين
стр. 88
وصلى عليه زهير بن أخيه صالح ودفن في مقابر باب التُّبْنِ (١) وكان الجمع كثيرًا فوق المقدار. وكان يصبغ بالحمرة كثيف اللحية. وكان يلي القضاء بطريق خراسان في خلافة المكتفي (٢)، وكان سِنُّهُ يوم مات: سبعًا وسبعين سنةً (٣).
المسألة الثانية: التعريف بمسائله
مسائل عبد الله بن أحمد تعتبر من أجمع ما روي عن الإمام أحمد في أمور الدين. فكان عبد الله حريصا على سؤال أبيه، وجمع فتاويه، سواء التي سألها هو بنفسه، أو التي كانت ترد على الإمام أحمد من تلاميذه أو من عامة الناس، وكانت هذه الأسئلة متنوعة في الفقه
стр. 89
والتفسير والسير والعقيدة والحديث والرجال والعلل وغيرها، فجاءت مسائل عبد الله متنوعة وحاوية لأغلب فتاوى الإمام أحمد.
قيمة هذه المسائل العلمية:
لابد لهذا المسائل العظيمة أن يكون لها قيمة علمية، وذلك لأنها صادرة عن إمام عالم فذ جهبذ شهد له أهل العلم بالإمامة والرسوخ في العلم.
وأعظم ما تتميز به فتاوى الإمام أحمد تحريه ﵀ للدليل، فلا يجيب على مسألة إلا بعد معرفة دليلها من الكتاب أو من السنة أو آثار السلف. ويترك القول المخالف للدليل الصحيح.
ويدل على قيمة هذه المسائل أن الإمام أحمد يبين درجات كثير من الأحاديث التي يستدل بها في الأحكام، فيذكر للحديث طرقه وشواهده التي تقويه، كما يذكر ما في الأحاديث المعارضة له من ضعف، فيذكر ما في بعض رواتها أو متنها من كلام.
كذلك مما يعطي هذه المسائل قيمة أن عبد الله بن أحمد رتبها ترتيبا جيدا راعى فيها الترتيب الفقهي، وكافت أسئلة عبد الله الموجهة لأبيه واضحة، كما أن عبد الله قد يعضد المسائل بإيراد بعض الأحاديث من مرويات أبيه، أو من مروياته.
стр. 90
والمسائل في نفسها تحمل طابع فقه الحديث، فهي مرجع هام من مراجع الفقه الإسلامي، تمرن الطالب على استنباط المسائل من الكتاب والسنة مباشرة. وهذه المسائل لا تحتوي فقط على الفقه، بل تشتمل على أنواع من العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والآثار والتاريخ والرجال والعلل، والعقيدة وغيرها (١).
ميزة مسائل عبد الله:
كتاب المسائل لعبد الله عن أبيه له ميزات تميزه عن غيره من كتب المسائل منها:
- زيادته للأحاديث والآثار من مرويات أبيه التي لم يسمع منه بل وجدها أو قرأها عليه.
- زيادة مروياته عن غير أبيه أيضا، تكميلا للفائدة وبيانا لمستند المسألة.
- أغلب المسائل المذكورة في كتابه عليها المذهب.
- تتميز ببيان ما رآه عبد الله من أفعال أبيه في طهارته وصلاته والجنائز والصدقات وغيرها. وبيانه لهذه الأفعال من أوثق المراجع لمعرفة
стр. 91
أخلاق أحمد وعبادته ومعاملاته وما يفعله في خاصة نفسه.
- وتتميز مسائل عبد الله بأنها أكثر وضوحا من كتب المسائل الأخرى.
- كون ترتيبها ووضع النصوص في أبوابها أدق من كتب المسائل الأخرى (١).
منهج الإمام عبد الله في مسائله:
لعلي أذكر بعض النقاط التي تشير إلى المنهج الذي اتبعه عبد الله بن أحمد في مسائله:
- كان في أغلب الأحيان يصدر مسائله بقوله: سألت أبي، أو قلت لأبي.
- كان عبد الله يبين طريقة التلقي عن الإمام أحمد، فإذا سئل بنفسه فيقول: سألت، وتارة يقول: قرأت على أبي، وإذا كان السائل غيره قال: سمعت أبي سئل، أو سئل أبي وأنا حاضر، أو وأنا أسمع، أو قيل لأبي وهكذا.
- كان عبد الله يسأل أباه ويكتب عنه، ثم يقرأ عليه مرة ثانية ليتأكد من الفتوى.
стр. 92
- من منهجه أيضا أنه كان يزيد روايات في مسائله عن غير أبيه، تكميلا للفائدة. وكان هذا صنيعه في مروياته الأخرى عن أبيه.
- أنه ضمن مسائله أحاديث وآثار لم يسمعها من أبيه، وإنما وجدها أو قرأها عليه.
- أنه رتب مسائله على أبواب الفقه. ويتخللها مسائل تتعلق بالسير والحديث والعقيدة.
* * *
стр. 93
الباب الأول:
الآثار الواردة من السلف في التوحيد والقَدَر ومباحث الإيمان
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة عن السلف في مسائل التوحيد.
الفصل الثاني: الآثار الواردة عن السلف في القَدَر.
الفصل الثالث: الآثار الواردة عن السلف في مباحث الإيمان.
стр. 94
الفصل الأول:
الآثار الواردة عن السلف في مسائل التوحيد
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في توحيد الربوبية والألوهية.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في القرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق
стр. 95
المبحث الأول:
الآثار الواردة في توحيد الربوبية والألوهية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في توحيد الربوبية.
المطلب الثاني: في توحيد الألوهية.
стр. 96
المطلب الأول: في توحيد الربوبية
المسألة الأولى: ما جاء في خلق السموات والأرض
١ - قرأت على أبي عبد اللّه: أبو داود قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمع أبا الضحى يحدّث عن ابن عباس ﵁ (١) قال: قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: في كل أرض خلق مثل إبراهيم (٢).
стр. 97
٢ - قرأت على أبي عبد الله: وكيع قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم -ابن مهاجر- عن مجاهد، عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (١).
٣ - قرأت على أبي عبد اللّه: يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵁، قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] قال: لو أخبرتكم بتفسيرها لرجمتموني
стр. 98
بالحجارة (١).
٤ - قرأت على أبي عبد اللّه: عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن قتادة (٢)، في قوله ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: في كل سماء، وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه (٣).
стр. 99
المسألة الثانية: ما جاء في خلق الشمس والقمر
٥ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد اللّه بن واقد، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عقيل، عن ابن شهاب (١) قال: الشمس والقمر ثوران عقيران (٢)، من نار خلقا، وإلى النار يصيران (٣).
стр. 100
٦ - حدثنا صالح، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا عبد الجليل، عن شهر (١)، قال: بينا الناس عند عبد اللّه بن عمرو ﵁ (٢) يستفتونه، فقال كعب (٣): هلك أخي، هكذا
стр. 101
تكون الفتن، اذهب إليه فقل له: لا تكذبن على اللّه، فإن غضب: فدعه، وإن لم يغضب فاسأله. فأتاه فقال له: يقول لك كعب لا تكذبن على اللّه، فقال نصح لي أخي، فإنه من كذب على اللّه سوّد اللّه وجهه يوم القيامة. قال إني أسألك عن الشمس والقمر، أفي السموات السبع هما أم في سماء الدنيا، أم في الهواء، أم دون ذلك؟ قال: بل هما في السموات السبع، ووجوههما إلى العرش، وأقفيتهما إلى الأرض. قال اللّه: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦]. قال: فإنه يسألك عن الرعد فما هو؟ قال ملَك يزجر السحاب بالتسبيح كما يزجر الحادي الحثيث الإبل، إذا اشتدت سحابة ضمها، لو يفضي إلى الأرض صعق من يبصره. قال: فإنه يسألك عن البرق ما هو؟ قال: هو من كذا وكذا من البرد. قال عبد الملك أحسبه قال: مِن اصطفاق البرد في السماء. قال اللّه: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ
стр. 102
سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]. قال فإنه يسألك أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأرواح أهل النار؟ قال: أما أرواح أهل الجنة، فتلتقي بالجابية (١)، وأما أرواح أهل النار، فبحضر موت (٢). قال فإنه يسألك عن الحشر ما هو؟ قال: نار تزوي الناس، تظهر من قبل المشرق (٣).
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 106
المسألة الثالثة: ما جاء في أخنع اسم عند اللّه يوم القيامة
٧ - حدثنا قال: سمعت أبي يقول: سألت أبا عمرو الشيْباني (١) عن قوله ﷺ : "أخنع اسم عند اللّه يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك" (٢)؟ فقال: أوضع اسم (٣).
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 108
المطلب الثاني: الآثار الواردة في توحيد الألوهية
المسألة الأولى: ما جاء في الإخلاص
٨ - حدثنا أبو معن (١) قال: ثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان (٢) في قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال: ما أريد به وجهه (٣).
стр. 109
أبو حاتم الرازي: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ يكتب حديثه. الجرح والتعديل (٨/ ٣٧٤)، وقال البخاري: منكر الحديث. تهذيب الكمال (٢٩/ ١٧٦)، وقال ابن حجر في التقريب (ص ٤٨٧): صدوق سيء الحفظ.
وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٥٠) من طريق أبي حذيفة عن الثوري، وأبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النهدي، صدوق سيء الحفظ وكان يصحِّف. التقريب (ص ٤٨٥).
وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية (٧/ ٧٦)، من طريق محمد بن الحسن عن الثوري، ومحمد بن الحسن، هو ابن الزبير الأسدي الكوفي لقبه التَلّ، صدوق فيه لين. التقريب (ص ٤٠٩).
وجاء هذا الأثر أيضا عن ابن عباس ومجاهد كما هو عند السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٤٧).
فالأثر يكون بهذه المتابعات والشواهد حسنًا.
وأورده ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٣٥٣)، وابن كثير في تفسيره (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) وقال: "وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له".
التعليق: توحيد الألوهية: هو إفراد اللّه بالعبادة، وهو الغاية التي من أجلها خلق اللّه الإنس والجن، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجله حصلت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وحاجة الناس إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، ومن حققه دخل الجنة، ومن صد عنه دخل النار. والأدلة على إثباته =