Полный текст (180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أَن أبلغه نصر بن شبث. قَالَ. فَأتيت نصرا وَهُوَ بِكفْر عزون بسروج فأبلغته رسَالَته فأذعن وَشرط شُرُوطًا مِنْهَا: أَلا يطَأ بساطه قَالَ: فَأتيت الْمَأْمُون فَأَخْبَرته فَقَالَ: لَا أُجِيبهُ وَالله إِلَى هَذَا أبدا وَلَو أفضت إِلَى بيع قَمِيصِي هَذَا حَتَّى يطَأ بساطي. وَمَا باله ينفر مني؟ قَالَ: قلت لجرمه وَمَا تقدم مِنْهُ. فَقَالَ: أتراه أعظم جرما عِنْدِي من الْفضل بن الرّبيع، وَمن عِيسَى بن أبي خَالِد أَتَدْرِي مَا صنع بِي الْفضل؟ أَخذ قوادي وأموالى، وجنودى، وسلاحي وَجَمِيع مَا أوصى بِهِ أبي لي فَذهب بِهِ إِلَى مُحَمَّد وَتَرَكَنِي بمرو وحيدا فريدا وأسلمني وأفسد على أخي حَتَّى كَانَ من أمره مَا كَانَ وَكَانَ أَشد على من كل شَيْء، أَتَدْرِي مَا صنع بِي عِيسَى بن أبي خَالِد؟ ، طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبَائِي،، وَذهب بخراجى وفيئ، وأخرب على دياري، وأقعد إِبْرَاهِيم خَليفَة دوني وَدعَاهُ باسمى. قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أتأذن فِي الْكَلَام فأتكلم. قَالَ: تكلم. قلت الْفضل بن الرّبيع رضيعكم ومولاكم وَحَال سلفه حَالهم ترجع عَلَيْهِ بضروب كلهَا تردك إِلَيْهِ. وَعِيسَى بن أبي خَالِد رجل من أهل دولتك وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عَلَيْهِ بذلك. وَهَذَا رجل لم تكن لَهُ يَد قطّ فَيحْتَمل عَلَيْهَا وَلَا لمن مضى من سلفه إِنَّمَا كَانُوا جند بنى أُميَّة. قَالَ: إِن ذَاك كَمَا تَقول فَكيف بالحنق والغيظ وَلَكِنِّي لست أقلع عَنهُ حَتَّى يطَأ بساطي. قَالَ: فَأتيت نصرا فَأَخْبَرته بذلك. قَالَ: فصاح بِالْخَيْلِ صَيْحَة فجالت ثمَّ قَالَ: ويلي عَلَيْهِ هُوَ لم يقو على أَربع مائَة ضفدع تَحت جنَاحه يَعْنِي الزط يقوى على جلبة الْعَرَب.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر فَحدثت أَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما جَاءَهُ لِلْقِتَالِ وحصره وَبلغ مِنْهُ أعْطى الضمة وَطلب الْأمان فَأعْطَاهُ وتحول من مُعَسْكَره إِلَى الرقة سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَصَارَ إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَوجه بِهِ إِلَى الْمَأْمُون فَكَانَ دُخُوله بَغْدَاد يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع خلون من صفر سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَأنزل مَدِينَة أبي جَعْفَر ووكل بِهِ من يحفظه.
стр. 72
فَحدثت ان الْمَأْمُون، وَأَبا إِسْحَاق المعتصم وَآخر من القواد ذهب عني اسْمه اخْتلفُوا فِي ذكر الشجعاء من القواد، والجند، وَالْموالى فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا فِي الدُّنْيَا أحد أَشْجَع من عجم أهل خُرَاسَان، وَلَا أَشد شكوة، وَلَا أثقل وَطْأَة على عَدو. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: مَا فِي الدُّنْيَا سود الرؤوس أَشْجَع وَلَا أرما، وَلَا أثبت أقداما على الْأَعْدَاء من الأتراك وَبِحَسْبِكَ أَنهم بازاء كل أمة من أعدائهم فهم ينتصفون مِنْهُم ويغزونهم فِي بِلَادهمْ، وَلَا يغزوهم أحد، فَقَالَ الْقَائِد مَا فِي الدُّنْيَا قوم أَشْجَع من أَبنَاء خُرَاسَان المولدين، وَلَا أفتك مِنْهُم فَإِنَّهُم هم الَّذين أدخلُوا الاتراك فِي السواجير وآباؤهم هم الَّذين قادوا الدولة، وهم قَامُوا بِحَرب أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ أطاعوه فاستقامت الْخلَافَة بهم. فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا تَصْنَعُونَ بإختلافنا.؟ هَذَا نصر بن شبث نرسل إِلَيْهِ فنسأله عَن أَشْجَع من لقى من جندنا وقوادنا من الْقَوْم جَمِيعًا. فَأمر بنصر فأحضر وَسَأَلَهُ عَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: الْحق أولى مَا أسْتَعْمل كل هَؤُلَاءِ قد لقِيت: أما الأتراك: فَإِنَّمَا التركي بسهامه فَإِذا أنفذها أَخذ بِالْيَدِ وَأما العجمي فبسيفه: فَإِذا كل استبسل. وَأما الْأَبْنَاء فَلم أر مثلهم لَا يكلون، وَلَا يملون، وَلَا ينهزمون يُقَاتلُون فِي شدَّة الْبرد فِي الأزر الْخلق بِلَا درع، وَلَا جوشن وَلَا مجن، وَمرَّة بِالرُّمْحِ وَمرَّة بِالسِّهَامِ يَخُوضُونَ الثَّلج فِي الْأَنْهَار ويخوضون فِي الهجير النَّار لَا يكلون وَلَا يملون. فَقَالَ الْقَائِد: حَسبنَا بك حكما بَيْننَا.
стр. 73
ذكر تَوْجِيه تَوْجِيه عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى عبيد اللَّهِ بن السّري
قَالَ أَبُو حسان الزيَادي، والهاشمي، والخوارزمي وَجَمِيع أَصْحَاب التَّارِيخ كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما وَجه بنصر بن شبث إِلَى بَغْدَاد فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَكَانَ بَينه وَبَين ابْن السرى خلاف وَمنعه من الدُّخُول فَكتب بذلك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمه مَا كَانَ مِنْهُ فَكتب إِلَيْهِ فِي محاربته إِن أمتنع فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى طلب الْأمان.
فَحَدثني الْحَرَّانِي قَالَ: ذكر عَطاء صَاحب مظالم عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: قَالَ رجل من أخوة أَمِير الْمُؤمنِينَ لِلْمَأْمُونِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن عبد اللَّهِ بن طَاهِر يمِيل إِلَى ولد أبي طَالب وَكَذَا كَانَ أَبوهُ وجده. قَالَ فَدفع الْمَأْمُون ذَلِك وَأنْكرهُ. ثمَّ عَاد بِمثل هَذَا القَوْل فَدس إِلَيْهِ الْمَأْمُون رجلا ثمَّ قَالَ لَهُ: امْضِ فِي هَيْئَة الْغُزَاة أَو النساك إِلَى مصر فَادع جمَاعَة من كبرائها إِلَى الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا وَاذْكُر مناقبه، وَعلمه، وفضائله، ثمَّ صر بعد ذَلِك إِلَى بعض بطانة عبد اللَّهِ بن طَاهِر، ثمَّ ائته فَأَدَعُهُ، ورغبه فِي استجابته لَهُ، وابحث عَن دَقِيق نِيَّته بحثا شافيا وأتني بِمَا تسمع مِنْهُ. قَالَ: فَفعل الرجل مَا قَالَ لَهُ وَأمره بِهِ حَتَّى إِذا دَعَا جمَاعَة من الرؤساء والأعلام قعد يَوْمًا بِبَاب عبد اللَّهِ وَقد ركب إِلَى عبيد اللَّهِ بن السّري بعد صلحه وَأَمَانَة فَلَمَّا انْصَرف قَامَ إِلَيْهِ الرجل فَأخْرج من كمه رقْعَة فَدَفعهَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَأَخذهَا بِيَدِهِ. قَالَ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل فَخرج الْحَاجِب إِلَيْهِ فَأدْخلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَاعد على بِسَاط مَا بَينه وَبَين الأَرْض غَيره وَقد مد رجلَيْهِ وخفاه فيهمَا فَقَالَ لَهُ: قد فهمت مَا فِي رقعتك من جملَة كلامك فهات مَا عنْدك. قَالَ: ولى أمانك وَذمَّة اللَّهِ مَعَك؟ . قَالَ: لَك ذَلِك. قَالَ: فأظهر لَهُ مَا أَرَادَ وَدعَاهُ إِلَى الْقَاسِم وَأخْبرهُ بفضائله، وَعلمه، وزهده فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ أتنصفني؟ . قَالَ: نعم، قَالَ: هَل يجب شكر اللَّهِ على الْعباد؟ . قَالَ:
стр. 74
نعم. قَالَ: فَهَل يجب شكر بَعضهم لبَعض عِنْد الْإِحْسَان والْمنَّة، والتفضل؟ قَالَ نعم. قَالَ: فتجئ إِلَى وَأَنا فِي هَذِه الْحَال الَّتِي ترى لي خَاتم فِي الْمشرق جَائِز، وَفِي الْمغرب كَذَلِك وَفِيمَا بَينهمَا أَمْرِي مُطَاع، وَقَوْلِي مَقْبُول، ثمَّ مَا الْتفت يَمِيني وَلَا شمَالي وورائي، وقدامي إِلَّا رَأَيْت نعْمَة لرجل أنعمها على، وَمِنْه ختم بهَا رقبتي، ويدا لائحة بَيْضَاء ابتدأني بهَا تفضلا وكرما فتدعوني إِلَى الْكفْر بِهَذِهِ النِّعْمَة، وَهَذَا الْإِحْسَان وَتقول أغدر بِمن كَانَ أَولا لهَذَا واخرا، وَاسع فِي إِزَالَة خيط عُنُقه وَسَفك دَمه تراني لَو دعوتني إِلَى الْجنَّة عيَانًا من حَيْثُ أعلم أَكَانَ الله يحب أَن أغدر بِهِ، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعَته ... . فَسكت الرجل. فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ: أما إِنَّه قد بَلغنِي أَمرك وتالله مَا أَخَاف عَلَيْك الا نَفسك فأرحل عَن هَذَا الْبَلَد فَإِن السُّلْطَان الْأَعْظَم إِن بلغه أَمرك وَمَا أَمن ذَلِك عَلَيْك كنت الْجَانِي على ظهرك وَظهر غَيْرك. قَالَ: فَلَمَّا أيس الرجل مِمَّا عِنْده جَاءَ إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَاسْتَبْشَرَ وَقَالَ: ذَاك غرس يَدي، وإلف أدبي. وترب تلقيحي وَلم يظْهر من ذَلِك لأحد شَيْئا ولأعلم بِهِ عبد اللَّهِ أَلا بعد موت الْمَأْمُون.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: قَالَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر يحاصر لِعبيد اللَّهِ ابْن السّري:
(بكرت تسبل دمعا ... إِذْ رَأَتْ وَشك براحي)
(وتبدلت صقيلا ... ويمينا بوشاحي)
( [وتماديت بسير ... لغدو ورواح] )
(زعمت جهلا بإنى ... تَعب غير مراح)
(أقصري عني فإنى ... سالك قصد فلاحى)
(أَنا لِلْمَأْمُونِ عبد ... مِنْهُ فِي ظلّ جنَاح)
(إِن يعاف اللَّهِ يَوْمًا ... فقريب مستراحي)
стр. 75
(أَو يكن هلك فَقولِي ... بعويل وصياح)
(حل فِي مصر قَتِيل ... ودعى عَنْك التلاحي)
وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد الثوابي، عَن ابْن ذِي القلمين قَالَ: بعث عبيد اللَّهِ بن السرى إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما ورد مصر جمَاعَة صانعوه من دُخُولهَا بِأَلف وصيف ووصيفة، مَعَ كل وصيف ألف دِينَار فِي كيس حَرِير وَبعث بهم إِلَيْهِ لَيْلًا فَرد ذَلِك عبد اللَّهِ عَلَيْهِ وَكتب إِلَيْهِ: لَو قبلت هديتك لَيْلًا لقبلتها نَهَارا ﴿بل أَنْتُم بهديتكم تفرحون ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون﴾ قَالَ: فَحِينَئِذٍ طلب الْأمان مِنْهُ وَخرج إِلَيْهِ.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: خرج عبيد اللَّهِ بن السّري إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر يَوْم الْخَمِيس لخمس بَقينَ من رَجَب سنة أحدى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَأدْخل عبد اللَّهِ ابْن السرى لسبع بَقينَ من رَجَب وَأنزل مَدِينَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. قَالَ: وَأقَام عبد اللَّهِ بن طَاهِر بِمصْر واليا عَلَيْهَا وَسَائِر الشأم.
حَدثنِي طَاهِر بن خَالِد بن نزار الغساني قَالَ: كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر حِين فتح مصر فِي أَسْفَل كتاب لَهُ: -
(أخي أَنْت ومولاي ... الَّذِي أشكر نعماه)
(فَمَا أَحْبَبْت من أَمر ... فَإِنِّي الْيَوْم أهواه)
(وَمَا تكره من شَيْء ... فَإِنِّي لست أرضاه)
(لَك اللَّهِ على ذَاك ... لَك اللَّهِ لَك اللَّهِ)
وحَدثني عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن يُوسُف: إِن أَبَاهُ كتب إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر عِنْد خُرُوج عبيد اللَّهِ بن السّري يهنئه بذلك الْفَتْح عَلَيْهِ: بَلغنِي أعز اللَّهِ الْأَمِير
стр. 76
مَا فتح اللَّهِ عَلَيْك، وَخُرُوج ابْن السّري إِلَيْك، فَالْحَمْد لله النَّاصِر لدينِهِ، الْمعز لوَلِيِّه وخليفته على عباده، المذل لمن عِنْد عَنهُ وَعَن حَقه؛ وَرغب فِي طَاعَته، ونسأل اللَّهِ أَن يظاهر لَهُ النعم، وَيفتح لَهُ بلدان الشّرك، وَالْحَمْد لله على مَا ولاك بِهِ مُنْذُ ظعنت لوجهك، فَإنَّا وَمن قبلنَا نتذكر سيرتك فِي حربك وسلمك، ونكثر التَّعَجُّب لما وفقت لَهُ من الشدَّة والليان ومواضعهما؛ وَلَا نعلم سائس جند، وَلَا رعية عدل بَينهم عدلك، وَلَا عَفا بعد الْقُدْرَة عَمَّن آسفه وأضغنه عفوك وَأَقل مَا رَأينَا ابْن شرف لم يلق بِيَدِهِ متكلا على مَا قدمت لَهُ أبوته وَمن أُوتِيَ حظا وكفاية وسلطانا وَولَايَة لم يخلد إِلَى مَا عَفا لَهُ حَتَّى يخل بمساماة مَا أُمَامَة، ثمَّ لَا نعلم سائسا اسْتحق النجح لحسن السِّيرَة، وكف معرة الِاتِّبَاع استحقاقك، وَمَا يستجيز أحد مِمَّن قبلنَا أَن يقدم عَلَيْك أحدا يهوى عِنْد الحاقة والنازلة المعضلة فليهنك هبة اللَّهِ ومزيده، وسوغك اللَّهِ هَذِه النعم الَّتِى حواها لَك بالمحافظة على مَا بِهِ تمت لَك من التَّمَسُّك بِحَبل إمامك ومولاك وَمولى جَمِيع الْمُسلمين، وملاك وأيانا الْعَيْش بِبَقَائِهِ،، وَأَنت تعلم أَنَّك لم تزل عندنَا وَعند من قبلنَا مكرما. مقدما، مُعظما، وَقد زادك اللَّهِ فِي أعين الْخَاصَّة والعامة جلالة وبجالة فأضحوا يرجونك لأَنْفُسِهِمْ، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم، وارجو أَن يوفقك اللَّهِ لمحابة، كَمَا وفْق لَك صنعه وتوفيقه، فقد أَحْسَنت جوَار النِّعْمَة فَلم تطغك، وَلم تَزْدَدْ أَلا تذللا وتواضعا فَالْحَمْد لله على مَا آتاك، وأبلاك، وأودع فِيك وَالسَّلَام.
قَالَ: وَكتب إِلَى عبد اللَّهِ طَاهِر الهدير بن صبح يستمنحه لشاعر مدحه: جعلت فدَاك أَيهَا الْأَمِير، وَمد اللَّهِ لَك فِي الْعُمر ممتعا بِالنعَم، مكفيا نَوَائِب الدَّهْر، أَنْت أَيهَا الْأَمِير سَمَاء تمطر، وبحر لَا يكدر، وغيث ممرع يحيا بِهِ المجدب، وَأَنت مُنْتَهى أبصار الْقَوْم، ومثنى أَعْنَاقهم. أَصبَحت لَهُم كالوالد تكرم زائرهم، وتصفد مادحهم وتصدر وأردهم وَقد انفرجت عَنهُ الضيقة، وأنزاحت عَنهُ الْكُرْبَة وَكَذَلِكَ كَانَ آباؤك للمتعلقين بهم، والموجهين رعيتهم نحوهم، وَإِن كنت قد تمهلت وسبقت
стр. 77
سبقا بَينا، وَذَهَبت بِحَيْثُ لَا يشق أحد غبارك، وَلَا يجْرِي إِلَى غايتك، وَفتحت يدا مخلصة مندفعة بالنوال والإفضال على الْحَالين بساحتك، والمنتجعين خصب جنابك. وَأَنا أقدم عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فِي أَشْيَاء تشبه قدرك، وَأحب أَن تكون أَكثر زادك مِمَّا أفادك اللَّهِ صَنِيعَة تصنعها، ونعمة تشكرها وتحوز أجرهَا وَتصدق الظَّن فِيهَا، وَفُلَان فِي الصُّحْبَة من ذَوي البيوتات الَّتِي ترغب فِي الصَّنَائِع عِنْدهَا، والتوسط من الإداد الَّتِي توجب أحتمال من حملهَا، وَقد أهْدى إِلَى الْأَمِير شعرًا يتَوَصَّل بِهِ إِلَيْهِ، ويستهدي من فَضله وَكَرمه مَا أعلم أَنه يُعينهُ فِي مثله، وسألني أَن أكون سَبَب ذَلِك وفاتحة، وَأولى النَّاس بالاعتداد بِمَا ذكر والتطاول والابتهاج بِهِ رَهْط الْأَمِير الأدنون. وأسرته الأقربون الَّذين جعلهم اللَّهِ سهمهم الَّذِي بِهِ يقارعون وعزهم الَّذِي بِهِ يعتزون، وسندهم الَّذِي بِهِ يلجؤون، ومعقلهم الَّذِي بِهِ يؤون فراى الْأَمِير فِي هديته واستماعها مِنْهُ وَوَضعه بِحَيْثُ وَضعه أمله ورجاؤه.
قَالَ: فَدَعَا عبد اللَّهِ بن طَاهِر بالشاعر الَّذِي وَجهه إِلَيْهِ، وأستمع مِنْهُ، وَأحسن جائزته وَصَرفه إِلَيْهِ.
قَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ بن أبي عِيسَى الترقفي قَالَ حَدثنِي: أَبُو النَّهْي. قَالَ: كنت حَاضرا لما جَاءَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى مُحَمَّد بن يُوسُف الفاريابي مخرج عبد اللَّهِ إِلَى مصر؛ وَكَانَ مُحَمَّد بن يُوسُف بقيسارية وَبَينهَا وَبَين الطَّرِيق أَمْيَال وَعبد اللَّهِ فِي خيله وَرجله. قَالَ: فجَاء صَاحب لوائه حَتَّى وقف على الْبَاب ثمَّ جَاءَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَوقف وَخرج ابْن لمُحَمد بن يُوسُف فَسلم على عبد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: أردْت الشَّيْخ قَالَ: فَدخل وَمَعَهُ ختن لمُحَمد بن يُوسُف ورجلان سماهما قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: عبد اللَّهِ بن طَاهِر الْأَمِير بِالْبَابِ، وعظمنا أمره فَقَالَ: لَا أخرج إِلَيْهِ. قَالَ: فجهدنا بِهِ فَلم يفعل. قَالَ: فَقُلْنَا مَا نقُول لَهُ؟ قَالَ: فاضطجع ثمَّ قَالَ: قُولُوا لَهُ أَنه صَاحب فرَاش. فرجعنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: شيخ كَبِير صَاحب فرَاش. فَقَالَ: مَا جِئْنَا إِلَى هَا هُنَا إِلَّا وَنحن نُرِيد الدُّخُول عَلَيْهِ، فرجعنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ. فَقَالَ: مَا آذن لَهُ. فَلم نزل بِهِ فَإِنِّي أردْت أَن يَأْذَن لَهُ فَقُلْنَا: مَا نقُول لَهُ؟ فَقَالَ: قُولُوا صَاحب
стр. 78
بَوْل. قَالَ: فصعر وَجهه ثمَّ قَالَ: نَحن فِي سوادنا أزهد من هَؤُلَاءِ فِي صوفهم ثمَّ مضى وَلم يلقه وَلَا عرض لَهُ.
حَدثنِي عبد اللَّهِ بن عَمْرو: قَالَ: حَدثنِي عبد اللَّهِ بن الْحَارِث بن الْحَارِث بن ملك ابْن رزين المرزوي الْعَدْوى التَّمِيمِي. قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدَانِ بن كيلة بن عبد اللَّهِ بن عُثْمَان ابْن جبلة بن أبي رواد قَالَ: سَأَلَني عبد اللَّهِ بن طَاهِر عَن موت عبد اللَّهِ بن الْمُبَارك فَقلت لَهُ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة. فَقَالَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر: مولدنا.
وَقَالَ حَدثنِي هَارُون بن عبد اللَّهِ بن مَيْمُون الْخُزَاعِيّ. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي شيخ من أهل الرقة. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن يزِيد بن أَسد السّلمِيّ قَالَ: كنت مَعَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بالرقة وَأَنا أحد قواده، وَكَانَت لى بِهِ خاصية أَجْلِس عَن يَمِينه فَخرج علينا يَوْمًا رَاكِبًا ومشينا بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يتَمَثَّل: -
(عَلَيْكُم بداري فأهدموها فَإِنَّهَا ... تراث كريم لَا يخَاف العواقبا)
(إِذا هم ألْقى بَين عَيْنَيْهِ عزمه ... وَأعْرض عَن ذكر العواقب جانبا)
(سأدحض عني العاربا بِالسَّيْفِ جالبا ... على قَضَاء اللَّهِ مَا كَانَ جالبا)
فدار حول الرافقة ثمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ فِي مَجْلِسه ثمَّ نظر فِي قصَص ورقاع فَوَقع فِيهَا صلات أحصيت ألف ألف وَسبع مائَة ألف فَلَمَّا فرغ نظر إِلَى مستطعما للْكَلَام فَقلت أصلح اللَّهِ الْأَمِير: مَا رَأَيْت أنبل من هَذَا الْمجْلس وَلَا أحسن فدعوت لَهُ ثمَّ قلت: لكنه سرف. فَقَالَ: السَّرف من الشّرف. فَأَرَدْت الْآيَة الَّتِي فِيهَا: ﴿إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا﴾ فَجئْت بِالْأُخْرَى: ﴿إِن اللَّهِ لَا يحب المسرفين﴾ فَقَالَ طَاهِر: صدق اللَّهِ وَمَا قُلْنَا كَمَا قُلْنَا، ثمَّ مَا ضرب الدَّهْر حَتَّى اجْتَمَعنَا مَعَ ابْنه عبد اللَّهِ ابْن طَاهِر فِي ذَلِك الْقصر بِعَيْنِه فَخرج علينا رَاكِبًا وَهُوَ يتَمَثَّل: -
стр. 79
(يأيها المتمنى أَن يكون فَتى ... مثل ابْن ليلى لقد خلى لَك السبلا)
(أنظر ثَلَاث خلال قد جمعن لَهُ ... هَل سبّ من أحد أوسب أَو بخلا)
ثمَّ دَار حول الرافقة ثمَّ انْصَرف وَجلسَ مَجْلِسه وحضرنا وأحضرت رقاع وقصص فَجعل يُوقع فِيهَا وَأَنا أحصى فبلغت صلَاته إلفي ألف وَسبع مائَة ألف زِيَادَة ألف ألف على مَا وصل أَبوهُ ثمَّ ألتفت لي مستطعما لكلامي فدعوت لَهُ وَحسنت فعالة ثمَّ اتبعت ذَلِك بِأَن قلت لكنه سرف. فَقَالَ: السَّرف من الشّرف. السَّرف من الشّرف. كررها فَقلت: إِنِّي كنت أسقطت عِنْد ذِي اليمينين وحدثته الحَدِيث فَمَا زَالَ يضْحك.
حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد المهلبي قَالَ: حَدثنِي يحيى بن الْحسن بن عَليّ بن معَاذ بن مُسلم قَالَ: إِنِّي كنت بالرقة بَين يَدي مُحَمَّد بن طَاهِر بن الْحُسَيْن على بركَة إِذْ دَعَوْت بِغُلَام لي فكلمته بِالْفَارِسِيَّةِ فَدخل العتابي وَكَانَ حَاضرا فِي كلامنا فَتكلم معي بِالْفَارِسِيَّةِ. فَقلت لَهُ: أَبَا عَمْرو مَالك وَهَذِه الرطانة؟ . قَالَ: فَقَالَ لي: قدمت بلدكم هَذِه ثَلَاث قدمات وكتبت كتب الْعَجم الَّتِي فِي الخزانة بمرو، وَكَانَت الْكتب سَقَطت إِلَى مَا هُنَاكَ مَعَ يزدْ جرد فَهِيَ قَائِمَة إِلَى السَّاعَة. فَقَالَ: كتبت مِنْهَا حَاجَتي ثمَّ قدمت نيسابور وجزتها بِعشر فراسخ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا ذودر فَذكرت كتابا لم أقض حَاجَتي مِنْهُ فَرَجَعت إِلَى مرو فأقمت أشهرا. قَالَ: قلت أَبَا عَمْرو: لم كتبت كتب الْعَجم؟ فَقَالَ لي: وَهل الْمعَانِي إِلَّا فِي كتب الْعَجم والبلاغة. اللُّغَة لنا والمعاني لَهُم ثمَّ كَانَ يذاكرني ويحدثني بِالْفَارِسِيَّةِ كثيرا.
قَالَ: وحَدثني عبد الْغفار بن مُحَمَّد النَّسَائِيّ. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن حَفْص بن عمر، عَن أبي السمراء قَالَ: خرجنَا مَعَ الْأَمِير عبد اللَّهِ بن طَاهِر متوجهين إِلَى مصر حَتَّى إِذا كُنَّا بَين الرملة ودمشق إِذا نَحن بأعرابي قد اعْترض فَإِذا شيخ فِيهِ بَقِيَّة على بعير لَهُ أَوْرَق فَسلم علينا. فَرددْنَا ﵇. قَالَ أَبُو السمراء: وَأَنا وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الرافقي، وَإِسْحَاق بن أبي ربعي وَنحن نساير الْأَمِير وَكُنَّا يؤمئذ أفره من الْأَمِير
стр. 80
دَابَّة وأجود مِنْهُ كسْوَة قَالَ: فَجعل الْأَعرَابِي ينظر فِي وُجُوهنَا قَالَ فَقلت: يَا شيخ قد ألححت فِي النّظر أعرفت شَيْئا أم أنكرته؟ قَالَ: لَا وَالله مَا عرفتكم قبل يومي هَذَا، وَلَا أنكرتكم لسوء أرَاهُ بكم وَلَكِنِّي رجل حسن الفراسة فِي النَّاس جيد الْمعرفَة بهم. قَالَ: فأشرت إِلَى إِسْحَاق بن أبي ربعي فَقلت مَا تَقول فِي هَذَا؟ فَقَالَ: -
(أرى كَاتبا داهي الْكِتَابَة بَين ... عَلَيْهِ وتأديب الْعرَاق مُنِير)
(لَهُ حركات قد يشاهدن أَنه ... عليم بتقسيط الْخراج بَصِير)
قَالَ: وَنظر إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الرافقي فَقَالَ: -
(ومظهر نسك مَا عَلَيْهِ ضَمِيره ... يحب الْهَدَايَا بِالرِّجَالِ مكور)
(إخال بِهِ جبنا وبخلا وشيمة ... تخبر عَنهُ أَنه لوزير)
ثمَّ نظر إِلَيّ وَأَنْشَأَ يَقُول: -
(وَهَذَا نديم الْأَمِير ومؤنس ... يكون لَهُ بِالْقربِ مِنْهُ سرُور)
(إخَاله الْأَشْعَار وَالْعلم رَاوِيا ... فبعض نديم مرّة وسمير)
ثمَّ نظر إِلَى الْأَمِير فَأَنْشَأَ يَقُول: -
(وَهَذَا الْأَمِير المرتجى سيب كَفه ... فَمَا إِن لَهُ فِيمَن رَأَيْت نَظِير)
(عَلَيْهِ رِدَاء من جمال وهيبة ... وَوجه بِإِدْرَاك النجاح بشير)
(لقد عصم الْإِسْلَام مِنْهُ ندا يَد ... بِهِ عَاشَ مَعْرُوف وَمَات نَكِير)
(أَلا إِنَّمَا عبد الْإِلَه بن طَاهِر ... لنا وَالِد بر بِنَا وأمير)
قَالَ: فَوَقع ذَلِك أحسن موقع من عبد اللَّهِ وَأَعْجَبهُ مَا قَالَ الشَّيْخ فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَأمره أَن يَصْحَبهُ.
قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن سعد الفِهري. قَالَ: لَقينَا البطين الشَّاعِر الْحِمصِي وَنحن مَعَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر فِيمَا بَين سَلمَة وحمص فَوقف
стр. 81
على الطَّرِيق فَقَالَ لعبد اللَّهِ بن طَاهِر: -
(مرْحَبًا مرْحَبًا أَهلا وسهلا ... بِابْن ذِي الْجُود طَاهِر بن الْحُسَيْن)
(مرْحَبًا مرْحَبًا أَهلا وسهلا ... بِابْن ذِي الغرتين فِي الدعوتين)
(مرْحَبًا مرْحَبًا بِمن كَفه الْبَحْر ... إِذا فاض مُزْبِد الرجوين)
(مَا يُبَالِي الْمَأْمُون أيده اللَّهِ ... إِذا كنتما لَهُ باقيين)
(أَنْت غرب وَذَاكَ شَرق مُقيما ... أَي فتق أَتَى من الْجَانِبَيْنِ)
(وحقيق إِذْ كنتما فِي قديم ... لزريق وَمصْعَب وحسين)
أَن تنالا مَا نلتماه من الْمجد ... وَأَن تعلوا على الثقلَيْن)
قَالَ من أَنْت ثكلتك أمك؟ . قَالَ: أَنا البطين الشَّاعِر الْحِمصِي. قَالَ: أركب يَا غُلَام وَأنْظر كم بَيت قَالَ: قَالَ: سَبْعَة فَأمر لَهُ بسبعة آلَاف دِرْهَم. أَو سبع مائَة دِينَار ثمَّ لم يزل مَعَه حَتَّى دخلُوا مصر والاسكندرية حَتَّى انخسف بِهِ وبدايته مخرج فَمَاتَ فِيهِ بالاسكندرية.
حَدثنِي مَسْعُود بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الْعَبْدي. قَالَ: أَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي. قَالَ: وَفد إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر عدَّة من الشُّعَرَاء فَعلم أَنهم على بَابه فَقَالَ لِخَادِمِهِ وَكَانَ أديبا: أخرج إِلَى الْقَوْم فَقل لَهُم من كَانَ مِنْكُم يَقُول كَمَا قَالَ كُلْثُوم بن عَمْرو فِي الرشيد حَيْثُ يَقُول: -
(فت الممادح إِلَّا أَن ألسننا ... مستنطقات بِمَا تخفي الضمائير)
(مستنبط عَزمَات الْقلب من فكر ... مَا بَينهُنَّ وَبَين اللَّهِ معمور)
(مَاذَا عَسى مادح يثنى عَلَيْك وَقد ... ناداك فِي الْوَحْي تقديس وتطهير)
فَمن كَانَ مِنْكُم يَقُول مثل هَذَا وَإِلَّا فليرحل إِلَّا أَرْبَعَة. فَخرج إِلَيْهِم رَسُوله ثَانِيَة
стр. 82
فَقَالَ: من يضف إِلَى هَذَا الْبَيْت على حُرُوف قافيته بَيْتا وَهُوَ: -
(لم يَصح للبين مِنْهُم صرد ... وغراب لَا وَلَكِن طيطوى)
فَقَالَ رجل من أهل الْموصل: -
(فأستقلوا بكرَة يقدمهم ... رجل يسكن حصني نينوي)
فَقَالَ للرسول: قل لَهُ لم تعْمل شَيْئا فَهَل عِنْده غَيره شَيْء فَقَالَ أَبُو السناء الْقَيْسِي: -
(ونبيطي طفا فِي لجه ... صَاح لما كظه التعطيط وى)
فصوبه وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ دِينَارا. قَالَ: وامتحن عبد اللَّهِ بن طَاهِر غير هَؤُلَاءِ من الشُّعَرَاء فَقَالَ: -
(قنبره تنقر فِي قَرْيَة ... وسط قراح لبنى منقر)
من كَانَ مِنْكُم يحيب بِبَيْت مثله فِيهِ خمس قافات وَخمْس راءات؟ فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء: -
(قرت بِهِ منقر وأستأنست ... بقمري ينقر مَعَ قنبر)
فصوبه وَأَجَازَهُ.
حَدثنَا مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن عدي: قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن براق. أَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر أهْدى إِلَى الْمَأْمُون قينة وأمرها أَن تنشد شعرًا لعبد اللَّهِ فَلَمَّا جَلَست فِي مجْلِس الْمَأْمُون أنشأت تَقول كَمَا أمرهَا عبد اللَّهِ: -
(أغمدي سَيفي وَقَوْلِي ... جم ياسيف طَويلا)
(قد فتحت الشرق والغرب ... وَآمَنت السبيلا)
فَلَمَّا فرغت قَالَ لَهَا الْمَأْمُون لَا تقطعي صَوْتك وَقَوْلِي مَا أَقُول لَك: -
(بِنَا نلْت الَّذِي نلْت ... فدع عَنْك الفضولا)
(أَنْت لَوْلَا نَحن فِي الشكة ... لم تسو فتيلا)
стр. 83
ثمَّ قَالَ: أرجعي إِلَيْهِ فأنشديه هَذَا فَإِن شَاءَ بعد فليردك.
قَالَ ابْن أبي طَاهِر اشْترى عبد اللَّهِ بن طَاهِر جَارِيَة المارقي بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، وأهداها إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ قَالَ لَهَا: غَنِي يَا جَارِيَة، فغنت وَهِي قَائِمَة. فَقَالَ لَهَا: لم غنيت وَأَنت قَائِمَة، وَمَا مَنعك من الْجُلُوس؟ فَقَالَت يَا سَيِّدي: أَمرتنِي أَن أغْنى وَلم تَأْمُرنِي أَن أَجْلِس فغنيت بِأَمْرك، وكرهت سوء الْأَدَب فِي الْجُلُوس بِغَيْر إذنك. فوهب لَهَا مَالا وَاسْتحْسن ذَلِك من فعلهَا.
وَذكر عَن أبي السمراء قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد أبي الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر ﵁ وَلَيْسَ فِي الْمجْلس غَيْرِي وَأَنا بِالْقربِ مِنْهُ وَدخل أَبُو الْحُسَيْن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم فأستدناه أَبُو الْعَبَّاس وناجاه شَيْء أعْتَمد إِسْحَاق على سَيْفه وأصغى لمناجاته وحولت وَجْهي وَأَنا ثَابت مَكَاني وطالت النَّجْوَى بَينهمَا وأعترتني حيرة فِيمَا بَين الْقعُود على مَا أَنا عَلَيْهِ أَو الْقيام وَانْقطع مَا كَانَا فِيهِ وَرجع إِسْحَاق إِلَى موقفه وَنظر إِلَى أَبُو الْعَبَّاس فَقَالَ يَا أَبَا السمراء: -
(إِذا النجيان دسا عَنْك أَمرهمَا ... فأرتج بسمعك تجْهَل مَا يَقُولَانِ)
(وَلَا تحملهما ثقلا بخوفهما ... بِهِ تناجيهما فِي الْمجْلس الداني)
قَالَ أَبُو السمراء فَمَا رَأَيْت أكْرم مِنْهُ، وَلَا أرْفق تأديبا ترك مطالبتي فِي هفوتي بِحَق الْأُمَرَاء وادبني أدب النظراء.
وَذكر عَن مُحَمَّد بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب: أَنه حضر أَبَا الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَعِنْده شيخ من الْفرس فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فِي عرض كَلَام جرى من حكم الْفرس كلمتان أرويهما. فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس وَمَا هما؟ قَالَ: كَانَت الْفرس تَقول لَا توحش الْحر فَإِن أوحشته فَلَا ترتبطه، وَكَانَت تَقول: أدابنك اللَّهِ تعْمل الشَّرّ فَإِنِّي إِذا رَأَيْتُك عَاملا بِهِ رَأَيْته وَاقعا بك.
стр. 84
حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ: قَالَ لي أَبُو الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر: آفَة الشَّاعِر الْبُخْل قَالَ قلت: وَمَا مِقْدَار بِهِ يبخل الشَّاعِر أعز اللَّهِ الْأَمِير. قَالَ: يَقُول أحدهم من الشّعْر خمسين بَيْتا فيفسده بِبَيْت يبخل يطرحه.
حَدثنِي بعض آل طَاهِر أَن أَبَا الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى نَاحيَة الشأم لمحاربة نصر بن شبث سَأَلَهُ الْمَأْمُون عَمَّن يسْتَخْلف بِمَدِينَة السَّلَام. فَقَالَ: اسْتخْلف أعو اللَّهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ اليقطيني فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون لَا تخرج هَذَا الْأَمر من أهلك. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَيْسَ فِي أَهلِي من يصلح لخدمة أَمِير الْمُؤمنِينَ: وأرتضيه لَهُ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: اسْتخْلف وَنحن نقومه لَك. فَلَمَّا لست أرتضيه، أَو كَمَا قَالَ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: اسْتَخْلَفَهُ وَنحن نقومه لَك. فَلَمَّا انْصَرف عبد اللَّهِ من الشأم ووافي مَدِينَة السَّلَام قَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَوْمًا يَا أَبَا الْعَبَّاس: كَيفَ رَأَيْت تقويمنا إِسْحَاق بعْدك.
قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لأَصْحَابه: هَل تعرفُون رجلا برع بِنَفسِهِ حَتَّى مد أَهله، وبرز على جَمِيع أهل دهره فِي نزاهة نَفسه، وَحسن سيرته، وكرم حزبيته فَذكر قوم نَاسا فأطروهم. فَقَالَ: لم أرد هَؤُلَاءِ. فَقَالَ على بن صَالح صَاحب الْمصلى: مَا أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحدا أكمل هَذِه الْخِصَال إِلَّا عمر بن الْخطاب ﵀. فَقَالَ الْمَأْمُون: اللَّهُمَّ غفرا لم نرد قُريْشًا وَلَا أخلافها. فَأمْسك الْقَوْم جَمِيعًا. فَقَالَ الْمَأْمُون: ذَاك عبد اللَّهِ بن طَاهِر وليته مصر وأموالها جمة فَعرض عَلَيْهِ عبيد اللَّهِ بن السرى من الْأَمْوَال مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف كَثْرَة فَمَا تعرض لدينار مِنْهَا وَلَا دِرْهَم، وَمَا خرج عَن مصر إِلَّا بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَثَلَاثَة أَفْرَاس وحمارين وَلكنه غرس يدى وخريج أدبي ولأنشدنكم أبياتا فِي صفته ثمَّ تمثل: -
(حَلِيم مَعَ التَّقْوَى شُجَاع مَعَ الجدا ... ندى حِين لَا يندى السَّحَاب سكوب)
(شَدِيد منَاط الْقلب فِي الْموقف الَّذِي ... بِهِ لقلوب الْعَالمين وجيب)
(ويجلو أمورا لَو تكلّف غَيره ... لمات خفاتا أَو يكَاد يذوب)
стр. 85
(فَتى هُوَ من غير التخلق ماجد ... وَمن غير تَأْدِيب الرِّجَال أديب)
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن طَاهِر يعظ مَنْصُور بن طَلْحَة وينهاه عَن الْكَلَام فِي الْإِمَامَة يَقُول: إِنَّمَا نبت شعرنَا على رؤوسنا ببني الْعَبَّاس وَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِي يعزى إِلَيْهِم هَذَا الْأَمر فِي مَكَان هَؤُلَاءِ لكَانَتْ الرَّحْمَة من النَّاس لَهُم لِأَن سَبِيل النَّاس على ذَلِك.
وَمن أَخْبَار طَلْحَة بن طَاهِر بن الْحُسَيْن
قَالَ أَحْمد: بن أبي طَاهِر: حَدثنِي أَبُو مُسلم عبد الرَّحْمَن بن حَمْزَة بن عفيف، حَدثنِي أبي قَالَ: خرجنَا إِلَى الصَّيْد مَعَ طَلْحَة بن طَاهِر فطفنا فَلم نصب شَيْئا ومعنا أَبُو السحيل، وَأحمد بن أبي نصر يلْعَب بالشطرنج قَالَ: فَالْتَفت إِلَى فَقَالَ: رَأَيْت مثل هَذَا الْيَوْم؟ قَالَ قلت: وَقد حضرني فِيهِ أَبْيَات ثمَّ أنشأت أَقُول: -
(كَيفَ بالصيد لنا يَا ... قوم لَا بل كَيفَ كيفا)
(بل بمحدودين قد هزا ... لنا رمحا وسيفا)
(فَلَو أَن الْوَحْش طرا ... حشرت مشتى وصيفا)
(وَخَرجْنَا وهما مَعنا ... فَمَا صدنَا خشيفا)
المحدودين أَبُو السحيل، وَأحمد بن أبي نصر.
قَالَ: وحَدثني أبي قَالَ: خرجنَا مَعَ طَلْحَة إِلَى الصَّيْد ومعنا عِقَاب فمررنا بإمرأة وَهِي تغسل بنيا لَهَا سمينا كالفهد فمضينا إِلَى صيدنا فَلَمَّا تباعدنا عَن الْمَرْأَة خلا الْعقَاب فأرسلناه فأنقض نَحْو الْمَرْأَة قَالَ قلت: ذهب وَالله الصَّبِي. قَالَ: فاتبعناه فوجدناه قد خطف الصَّبِي من الْمَرْأَة ورفعة إِلَى الْهَوَاء فضربنا لَهُ الطبل فَأرْسلهُ مَيتا. فَقَالَ لى طَلْحَة مَا ترى أَن أصنع؟ . قلت: تعطيها دِيَته فَأَعْطَاهَا دِيَته.
стр. 86
حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر. قَالَ: حَدثنِي خزامي جَارِيَة الْعَبَّاس ابْن جَعْفَر الأشعثي الْخُزَاعِيّ اليمامية وَكَانَت قارئة تقْرَأ قَالَت: كَانَ عمك طَلْحَة يزور الْفضل بن الْعَبَّاس فَيخرج جمَاعَة من جواري أَبِيه إِلَيْهِ، فَذكرت لطلْحَة جَارِيَة مغنية قدم بهَا من الْعرَاق فَأمر بإحضارها فأحضرت مَعَ مَوْلَاهَا فأدخلت وَقعد مَوْلَاهَا خَارج الدَّار فنولت الْعود وَقيل تغنى فأندفعت تغنى: -
(شوقي إِلَيْك جَدِيد ... فِي كل يَوْم يزِيد)
(وَالْعين بعد دموع ... مثل السَّحَاب يجود)
وَهِي تبْكي ودموعها على عودهَا تقطر فَقَالَ لَهَا: وَيحك مَالك تبكين؟ فَقَالَت: إِنَّهَا تحب مَوْلَاهَا ومولاها يُحِبهَا. قَالَ: فَلم يبيعك؟ . قَالَت الْخلَّة، فَأمر بشراها فأشتريت بإثنى عشر ألف دِرْهَم وَدفع المَال إِلَى الْمولى ثمَّ أَمر بمسئلته عَن الْخَبَر فَوَافَقَ قَول الْجَارِيَة فَأمر بِتَسْلِيم الْجَارِيَة إِلَيْهِ وَترك المَال عَلَيْهِ.
حَدثنِي أَحْمد بن يحيى الرَّازِيّ. قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بن الْمثنى بن الْحجَّاج عَن قُتَيْبَة ابْن مُسلم قَالَ: بعث إِلَى طَلْحَة بن طَاهِر يَوْمًا وَقد انْصَرف من وقْعَة الشراة وَقد أَصَابَته ضَرْبَة فِي وَجهه. فَقَالَ الْغُلَام: أجب. قَالَ قلت: وَمَا يعْمل؟ قَالَ: يشرب فمضيت إِلَيْهِ فَأدْخل فَإِذا هُوَ جَالس قد عصب ضَربته وتقلنس بقلنسوة مَكِّيَّة. فَقلت: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيهَا الْأَمِير مَا حملك على لبس هَذَا. قَالَ: تبرما بِغَيْرِهِ. ثمَّ قَالَ بِاللَّه غنيني
(إِنِّي لأكنى بأجبال عَن أجبلها ... وباسم أَوديَة عَن اسْم واديها)
(عمدا ليحسبها الواشون غَائِبَة ... أُخْرَى ويحسب أَنِّي لَا أباليها)
قَالَ: أَحْسَنت وَالله أعد. فمازلت أعيدهما عَلَيْهِ حَتَّى حَضَره الْعَتَمَة فَقَالَ لخادم لَهُ: هَل بالحضرة من مَال؟ فَقَالَ: مِقْدَار سبع بدر. فَقَالَ: تحمل مَعَه. فَلَمَّا خرجت من عِنْده تَبِعنِي جمَاعَة من الغلمان يسئلوني فوزعت المَال فيهم. فَرجع إِلَيْهِ
стр. 87
الْخَبَر فَكَأَنَّهُ وجد على من ذَلِك فَلم يبْعَث إِلَى ثَلَاثًا فَجَلَست لَيْلَة فتناولت الدواة وأنشأت أَقُول: -
(عَلمنِي جودك السماح فَمَا ... أبقيت شَيْئا لَدَى من صلتك)
(تَمام شهر أَلا سمحت بِهِ ... كَأَن لى قدرَة كمقدرتك)
(تتْلف فِي الْيَوْم بالهبات وَفِي السَّاعَة ... مَا تجتنيه فِي سنتك)
(وَلست أدرى من أَيْن ينْفق لَو ... لَا أَن رَبِّي يجزى على هِبتك)
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع بعث إِلَى فصرت إِلَيْهِ فَدخلت فَسلمت فَرفع صَوته إِلَى ثمَّ قَالَ: اسقوه رطلين فسقيت رطلين ثمَّ قَالَ غنني قَالَ: فغنيته بِهَذِهِ الأبيات. فَقَالَ لي: ادن. فدنوت. فَقَالَ لي: أَجْلِس فَجَلَست. فَقَالَ لي: أعد الصَّوْت. فَأَعَدْت ففهمه فَلَمَّا عرف معنى الشّعْر قَالَ لخادم لَهُ: أحضرني مُحَمَّدًا يَعْنِي الطاهري فَقَالَ لَهُ مَا عنْدك من مَال الضّيَاع؟ قَالَ: ثَمَان مائَة ألف. قَالَ. أحضر نيها السَّاعَة فجيء يثمانين بدرة فَقَالَ: غلْمَان فأحضر ثَمَانُون مَمْلُوكا فَقَالَ أوصلوا المَال، ثمَّ قَالَ لي يَا مُحَمَّد: خُذ المَال والمماليك لَا تحْتَاج أَن تعطيهم شَيْئا.
ذكر وَفَاة طَلْحَة بن طَاهِر
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا. قَالَ: بعث الْمَأْمُون إِلَى كَاتب لطلْحَة يُقَال لَهُ على بن يحيى فَطَلَبه فأشخصه إِلَيْهِ وَخرج مشيعا لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ أكل من هَذَا المبرقط بالربيثاء فاشتكى بَطْنه فَقَالَ أجد فِي بَطْني وجعا. قَالَ: ثمَّ أصبح فَوَجَدَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الْأَحَد مَاتَ. قَالَ قلت لَهُ: بخراسان ربيثاء؟ قَالَ: يحمل من الْعرَاق أَي يَابِس. قَالَ: وَكَانَت وَفَاته ببلخ فرثاه أَبُو السحيل بِشعر لَهُ طَوِيل يَقُول فِيهِ: -
(ألم ببلخ على الْقُبُور مُسلما ... إِن الْقُبُور حَقِيقَة بالمام)
стр. 88
(شوقا إِلَى جدث أَقَامَ بقفرة ... من كَانَ معتليا على ألأقوام)
(يَا قبر طَلْحَة فِيك مثوى سيد ... لمسودين مهذبين كرام)
(من معشر تروى السيوف أكفهم ... لَا يحسرون سواعدا للطامي)
قَالَ: وَكَانَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر يسير بَين يَدي الْمَأْمُون بالحربة على أصفر فَمر أَبُو عِيسَى عَن الموكب حَتَّى ساير عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَقَالَ لَهُ: كَانَ لي برذون أصفر كَأَنَّهُ برذونك هَذَا. قَالَ إِذا يكون أصفرى هُوَ المصدوم.
(ذكر أَخْبَار من أَخْبَار الْمَأْمُون عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر)
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: ذكر لنا عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول: الْهَوَاء جسم، وَكَانَ يُخَالف من يَقُول أَنه غير جسم. قَالَ عبد اللَّهِ: وأرانا الْمَأْمُون دَلِيله على ذَلِك فَدَعَا بكوز زجاج لَهُ بلبلة فَوضع أُصْبُعه على البلبلة وملأ الْكوز مَاء فَامْتَلَأَ إِلَى أَعْلَاهُ وَلم يدْخل البلبة مِنْهُ شَيْء فَلَمَّا رفع أُصْبُعه من البلبة صَار المَاء فِيهَا حَتَّى فار فَخرج فَدلَّ على أَن الَّذِي كَانَ فِي البلبة هَوَاء مَحْصُور، وَأَن المحصور جسم.
حَدثنِي سُلَيْمَان بن يحيى بن معَاذ، عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر، عَن الْمَأْمُون قَالَ: تَفْسِير حَدِيث: " إِذا لم تستح فافعل مَا شِئْت " إِنَّمَا مَعْنَاهُ: إِذا كنت تفعل مَا لَا يستحي مِنْهُ فافعل مَا شِئْت. قَالَ: وحَدثني سُلَيْمَان بن يحيى بن معَاذ، عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر عَن الْمَأْمُون قَالَ: أرسل الْوَلِيد بن يزِيد إِلَى شراعة بن زيد فَدخل عَلَيْهِ فِي قلنسوة طَوِيلَة وطيلسان فَقَالَ الْوَلِيد لحاجبه: أهوَ هُوَ؟ ؟ فَقَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: إِنَّا لم نبعث إِلَيْك نسئلك عَن الْكتاب وَالسّنة قَالَ: لَو سَأَلَني أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْهُمَا لوجدني بهما جَاهِلا فسر الْوَلِيد بذلك فَقَالَ لَهُ: أَجْلِس فأسئلك عَن الشَّرَاب. فَقَالَ
стр. 89
أَي الشَّرَاب يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: عَن السويق. قَالَ: شراب المأتم وَالنِّسَاء وَلَا يشْتَغل بِهِ عَاقل. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن اللَّبن؟ قَالَ: فَقَالَ شراعة: إِنِّي لأَسْتَحي أُمِّي من كَثْرَة مَا أرتضعت من ثدييها أَن أَعُود فِي اللَّبن. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن المَاء؟ قَالَ: يشركك فِيهِ كل وغد حَتَّى الْحمار والبغل. فَقَالَ لَهُ: حَدثنِي عَن نَبِيذ التَّمْر؟ . قَالَ سريع الْأَخْذ. سريع الانفشاش. قَالَ: فَمَا تَقول فِي نَبِيذ الزَّبِيب؟ قَالَ: حثيث الْمدْخل عسر الْمخْرج. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْخمر؟ قَالَ: تِلْكَ صديقَة روحي. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: أَي الطَّعَام خير لأَصْحَاب الشَّرَاب؟ قَالَ الحلو خير لَهُم. وهم إِلَى الحامض أقرب. قَالَ: فَأَي الْمجَالِس خير لَهُم؟ قَالَ عجبت مِمَّن لَا يُؤْذِيه حر الشَّمْس وَلَا برد ظلّ كَيفَ يخْتَار على وَجه السَّمَاء نديما. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: أَنْت صديقي فَدَعَا لَهُ بقدح يُقَال لَهُ زب فِرْعَوْن فَقَالَ: لَا يسقى فِيهِ إِلَّا أخص النَّاس بِهِ فَسَقَاهُ فِيهِ
ذكر أَخْبَار ابْن عَائِشَة ومقتله فِي أَيَّام الْمَأْمُون
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر لما كَانَ سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَخذ إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة، وَمَالك ابْن شاهي وأصحابهم يَوْم السبت لست خلون من صفر وَأمر الْمَأْمُون بحبسهم. وَكَانَ مقتل ابْن عَائِشَة، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الإفْرِيقِي وأصحابهم لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من جمادي الْآخِرَة وصلبوا يَوْم الثُّلَاثَاء وصلب البغواري مَعَهم لليلة بقيت من رَجَب وَكَانَ سَبَب حَبسهم أَنهم كَانُوا يدعونَ إِلَى إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي.
قَالَ ابْن شبانة: أَقَامَ الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فِي الشَّمْس ثَلَاثَة أَيَّام على بَاب الْمَأْمُون وضربه يَوْم الثُّلَاثَاء بالسياط، وحبسه فِي المطبق، وَضرب مَالك بن شاهي
стр. 90
وَأَصْحَابه وَكَتَبُوا لِلْمَأْمُونِ تَسْمِيَة من دخل مَعَهم فِي هَذَا الامر من القواد وَغَيرهم فَلم يعرض لَهُم الْمَأْمُون، وَكَانُوا قد اتعدوا على أَن يقطعوا الجسر إِذا خرج الْجند يستقبلون نصر بن شبث فغمز بهم فَأخذُوا وَدخل نصر وَحده لم يستقبله أحد.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن عَمْرو الْبَلْخِي قَالَ: حَدثنِي يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق خَال الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن جرير مولى آل الْمسيب قَالَ: قَالَ عَيَّاش بن الْهَيْثَم: لما كَانَ لَيْلَة المطبق حضرت فِي وَاسِط من الْقَوْم فرآني الْمَأْمُون فَقَالَ: يَا بَائِع العساكر. يَا صديق عِيسَى ابْن أبي خَالِد تَأَخّر إِلَى السَّاعَة. مَا أملكهُ صدقه وقتلني اللَّهِ إِن لم أَقْتلك فأخفيت مِنْهُ. قَالَ: ثمَّ قلت إِن لم يرني فَذَاك أسْرع لذكره فظهرت لَهُ وَقد خرج من الطافات فَنظر إِلَيّ فَقَالَ: أدنه فدنوت فَقَالَ: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر وَالْكَفَّارَة أصلح من قَتلك وَلَا تعد.
قَالَ ابْن شبانة: وَفِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ قتل إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة وَمن كَانَ مَحْبُوسًا مَعَه وَفِيهِمْ رجل يُقَال لَهُ أَبُو مِسْمَار من شطار بَغْدَاد وَرجل آخر لم يسمه وَكَانَ السَّبَب فِي قَتلهمْ بعد حَبسهم أَن أهل المطبق رفع عَلَيْهِم أَنهم يُرِيدُونَ أَن يشغبوا. وَأَن ينقبوا السجْن، وَكَانُوا قبل ذَلِك بِيَوْم قد سدوا بَاب السجْن من دَاخل فَلم يدعوا أحدا يدْخل عَلَيْهِم فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل وسمعوا شغبهم وأصواتهم وَبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ خبرهم ركب إِلَيْهِم ودعا بهؤلاء الْأَرْبَعَة فَضرب أَعْنَاقهم فَلَمَّا كَانَ بِالْغَدَاةِ صلبهم على الجسر الْأَسْفَل وَذَلِكَ فِيمَا ذكر مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن شَبابَة فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من جمادي الْآخِرَة، وَلما كَانَ من غَد يَوْم الْأَرْبَعَاء أنزل إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فَكفن وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش، وَأنزل الإفْرِيقِي فَدفن فِي مَقَابِر الخيزران من الْجَانِب الشَّرْقِي وَترك الْبَاقُونَ على حَالهم.
وَقد ذكرُوا أَن ابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه كَانُوا دسوا من أحرق سوق العطارين، والصيارفة، والصفارين، والفرائين وَأَصْحَاب الراه دَار وَبَعض الريابين وَذَلِكَ
стр. 91
لَيْلَة السبت لليلة بقيت من جمادي الأولي. وَقبل ذَلِك أَو بعده مَا أحرقوا أَصْحَاب الْحَطب فِي البغيين وَقَالَ بَعضهم لَيْلَة الْجُمُعَة لأَرْبَع خلون من رَجَب وَقَالَ بَعضهم قبل ذَلِك.
وَقَالَ الْقَاسِم بن سعيد سَمِعت الْفضل بن مَرْوَان يَقُول: كَانَ أَبُو إِسْحَاق المعتصم بِاللَّه فِي اللَّيْلَة الَّتِي ركب الْمَأْمُون فِيهَا لقتل ابْن عَائِشَة عليلا قَالَ: فَبعث الْمَأْمُون إِلَى أبي إِسْحَاق أبْعث إِلَى بكاتبك الْفضل وَليكن مَعَه جَمِيع قوادك وجندك فركبت أَنا وهم جَمِيعًا معي وَقلت لَيْسَ هُوَ إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُ إِلَى شمع وَكَانَ فِي خزانَة أبي إِسْحَاق يَوْمئِذٍ سبع مائَة شمعة فحملتها معي وَرفعت إِلَى كل وَاحِد من الرجالة عشرا يحملهَا ثمَّ دَخَلنَا الْمَدِينَة فَلم نصل إِلَى الْمَأْمُون من كَثْرَة النَّاس. فَقلت لَهُ: بَلغنِي أَن حميدا كَانَ أول من لحق بِهِ. فَقَالَ: لَا. وَجَاء إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فَلم يصل من الزحام وَكَانَ شاربا يَعْنِي إِسْحَاق كَانَ يشرب عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة عُمَيْر الباذغيسى، وَكَانَ الْمَأْمُون أَيْضا شاربا وَلم يكن بالممتلئ. قَالَ: فوقفت فِي طَرِيقه فِي الْمَدِينَة فَلَمَّا انْصَرف بعد أَن قتل ابْن عَائِشَة فَبلغ إِلَى موضعي نزلت عَن دَابَّتي فَقَالَ: من هَذَا؟ قلت: الْفضل جعلني اللَّهِ فدَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: أركب مَعَك القواد والجند؟ قلت: نعم قَالَ: ومعك الشمع؟ قلت: نعم فَأمرت حِينَئِذٍ بعض من يقرب مني أَن يقف ثَلَاث مائَة رجل من الرجالة مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم شمعة على بَاب خُرَاسَان فَفَعَلُوا. فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِم قَالَ: مَا هَذَا؟ قلت الشمع الَّذِي سَأَلَني عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: بَارك اللَّهِ عَلَيْك. قَالَ: ثمَّ قَالَ لي: خلف جَمِيع من مَعَك هَا هُنَا قَالَ: وَفِيهِمْ الأفشين وأشناس وَتقدم إِلَيْهِم أَن يقفوا يَعْنِي فِي الْمَدِينَة على ظُهُور دوابهم، ويفوقوا قسيهم فَإِن تحرّك شَيْء أَتَوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَمَرتهمْ بذلك. ثمَّ قَالَ: أمض إِلَى أخي فأقراه السَّلَام وَقل لَهُ: قد قتل اللَّهِ عدوا لَك من حَاله وَأمره. وَمن قبل ذَلِك قد أَمرنِي بالْمقَام فِي الْمَدِينَة ثمَّ قَالَ: لهَذَا غَيْرك فَحِينَئِذٍ أَمرنِي أَن أخلف من معي هُنَاكَ مستعدين. قَالَ: ثمَّ بكر هُوَ على أبي إِسْحَاق فخبره الْخَبَر وَقَالَ لَهُ: قَامَ الْفضل بِمَا
стр. 92
نحتاج إِلَيْهِ فَكَانَ أَبُو إِسْحَاق بعد ذَلِك لَا يخل خزائنه من خَمْسَة آلَاف شمعة عدَّة.
قَالَ: الْقَاسِم بن سعيد فَقلت للفضل بلغنَا أَن ابْن عَائِشَة شتم الْمَأْمُون فِي وجهة تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَن ذَلِك دَعَاهُ إِلَى قَتله؟ فَقَالَ: لَا. وَلَا كلمة وَاحِدَة الْبَتَّةَ.
قَالَ: وَلما ركب الْمَأْمُون إِلَى المطبق فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة، والإفريقي وَأَصْحَابه الْتفت فَإِذا هُوَ بِعَبْد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ: جَزَاك اللَّهِ خيرا فَأَنت وَالله للسار، والعار، وَالْخَيْر، وَالشَّر، والشدة، والرخاء لَا كالمنتفح الأعفاج الْكثير اللجاج لَا يمت بقديم حُرْمَة، وَلَا بِحَدِيث خدمَة أَكثر من كَانَ فِي الْفِتْنَة شاطرا وَفِي السَّلامَة مقامرا. قَالَ: وَإِذا عَيَّاش بن الْقَاسِم صَاحب الجسر قد طلع. فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن اللخناء يحضر الْحَاكِم ضرب الْأَعْنَاق وَصَاحب الشرطة مَشْغُول بمجالسة الْفُسَّاق. قَالَ فارتج على عَيَّاش فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذَا الَّذِي كُنَّا فِي ذكره آنِفا. قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: شيخ قد ثقل عَن الْحَرَكَة قَالَ: لَا تقل هَذَا. فوَاللَّه لقد تغدى الْيَوْم مَعَ ابْن الْعَلَاء وَشرب مَعَه وناكه فَأَعْرض عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَنهُ بِوَجْهِهِ وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم برعاياه وَأَصْحَابه منا.
قَالَ: واستقبله الْجَعْفَرِي الملقب بكلب الْجنَّة وَمَعَهُ لِحَاف قد تترس بِهِ وعصا قد أَخذهَا من حطب الْبَقَّال فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . فَقَالَ يَا سَيِّدي: لم يحضرني غير لِحَافِي فَجَعَلته مجنا، وعصا وَجدتهَا مَعَ حطب الْبَقَّال فأختلستها مِنْهُ فَقَالَ: لله أَبوك فقد جدت بِنَفْسِك، وأسرعت إِلَى إمامك وَأمر لَهُ بِعشْرين ألف دِرْهَم.
حَدثنِي يحيى بن الْحسن قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود القَتَّات: لما قتل الْمَأْمُون ابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه تمثل بِشعر مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ:
(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة ... فَإِن كنت مِمَّن يقْدَح النَّار فأقدح)
стр. 93
ذكر أَمر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وظفر الْمَأْمُون بِهِ بعد دُخُوله بَغْدَاد وعفوه عَنهُ
حَدثنِي أَحْمد بن هَارُون، عَن أبي يَعْقُوب مؤدب ولد أبي عباد قَالَ: بعث الْمَأْمُون إِلَى شكْلَة أم إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي عِنْد دُخُوله إِلَى بَغْدَاد وأختفاء إِبْرَاهِيم مِنْهُ يسْأَلهَا عَنهُ، ويهددها ويتوعدها إِن لم تدل على مَكَانَهُ فَبعثت إِلَى الْمَأْمُون: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَنا أم من أمهاتك، فَإِن كَانَ ابْني عصى اللَّهِ جلّ وَعز فِيك فَلَا تعص اللَّهِ فِي فرق لَهَا الْمَأْمُون وَأمْسك عَنْهَا فَلم يطالبها بعد ذَلِك. وحَدثني: أَنه لما طَال حصر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وتنقله خَافَ أَن يظْهر عَلَيْهِ فَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ: ولى الثأر مُحكم فِي الْقصاص (وَالْعَفو أقرب للتقوى) وَمن تنَاوله الاغترار بِمَا مد لَهُ من أَسبَاب الرَّجَاء أمكن عَادِية الدَّهْر على نَفسه، وَقد جعلك اللَّهِ فَوق كل ذِي ذَنْب كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دُونك، فَإِن أخذت فبحقك، وَإِن عَفَوْت فبفضلك. قَالَ: فَوَقع الْمَأْمُون فِي حَاشِيَة رقعته: الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، والندم تَوْبَة /، وَبَينهمَا عَفْو اللَّهِ. وَهُوَ أَكثر مِمَّا يسئله.
وَأَخْبرنِي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لِلْمَأْمُونِ لما دخل عَلَيْهِ بعد الظفر بِهِ: ذَنبي أعظم من أَن يُحِيط بِهِ عذر، وعفو أَمِير الْمُؤمنِينَ أجل من أَن يتعاظمه ذَنْب. فَقَالَ الْمَأْمُون: حَسبك. فَإنَّا إِن قتلناك فَللَّه. وَإِن عَفَوْنَا عَنْك فَللَّه.
قَالَ أَبُو حسان الزيَادي: كَانَ ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم بن الْمهْدي فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فِي لَيْلَة الْأَحَد لثلاث عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر ربيع الآخر، وَكَانَ بعض
стр. 94
الحراس أَخذه لَيْلًا وَهُوَ متنقب مَعَ امْرَأتَيْنِ فرفعه إِلَى الجسر فَرفع إِلَى دَار الْمَأْمُون من ليلته فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْأَحَد قعد فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ لينْظر إِلَيْهِ بَنو هَاشم، والقواد، والجند، وصيروا المقنعة الَّتِي كَانَ متقنعا بهَا فِي عُنُقه، والملحفة الَّتِى كَانَ ملتحفا بهَا فِي صَدره ليراه النَّاس ويعلموا كَيفَ أَخذه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس حوله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار احْمَد بن أبي خَالِد فحبسه عِنْده فَلم يزل فِي حَبسه إِلَى أَن خرج الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل فِي عسكره وَبني ببوران بنت الْحسن فَأخْرج إِبْرَاهِيم مَعَه إِلَى الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ الْحسن بناها بِفَم الصُّلْح. فَقَالَ قوم: إِن الْحسن كلمة فِيهِ فَأَطْلقهُ ورضى عَنهُ، وخلى سَبيله، وصيره عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد وصير مَعَه ابْن يحيى بن معَاذ، وخَالِد بن يزِيد بن مزِيد يَحْفَظُونَهُ إِلَّا أَنه موسع عَلَيْهِ عِنْده أمه وَعِيَاله ويركب إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَؤُلَاء مَعَه يَحْفَظُونَهُ.
وحَدثني الْحَارِث المنجم: أَن الْمَأْمُون كَانَ صير لبوران ثَلَاثَة حوائج لما دخل بهَا فَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَحدهَا فَرضِي عَنهُ وَأطْلقهُ. وَحدثنَا الْحَارِث: أَن إِبْرَاهِيم لما دخل على الْمَأْمُون قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن رَأَيْت أَن تسمع عُذْري وَإِن كَانَ لَا عذر لي وَلَكِن الْإِقْرَار حجَّة لي فِي الْعَفو عني وَقد جردت الْإِقْرَار بالذنب فَقَالَ: قل. فَأَنْشد: -
(يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِ ... بعد الرَّسُول لآيس أَو طامع)
(وَأبر من عبد الْإِلَه على التقي ... عينا وأحكمه بِحَق صادع)
(عسل الفوارع مَا أَطَعْت فَإِن تهج ... فالصاب فِي جرع السمام الناقع)
(متيقظ حذر وَمَا يخْشَى العدا ... نَبهَان من وسنات ليل الهاجع)
(ملئت قُلُوب النَّاس مِنْهُ مَخَافَة ... ويبيت يكلؤهم بقلب خاشع)
(بِأبي وَأمي أفتدى وَبَينهمَا ... من كل معضلة وريب وَاقع)
стр. 95
(مَا أَلين الكنف الَّذِي بوأتني ... وطنا وآمن راية للراقع)
(للصالحات أَخا جعلت وللتقي ... وَأَبا رؤوفا للْفَقِير القانع)
(إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازها ... فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع)
(جمع الْقُلُوب عَلَيْك جَامع أمرهَا ... وحوى ودادك كل أَمر جَامع)
(نَفسِي فداؤك إِذْ تضل معاذري ... وألوذ مِنْك بِفضل حلم وأسع)
(أملا لفضلك والفواضل جمة ... رفعت بناءك بِالْمحل اليافع)
(فبذلت أفضل مَا يضيق ببذله ... وسع النُّفُوس من الفعال البارع)
(وعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله ... عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع)
(إِلَّا الْعُلُوّ عَن الْعقُوبَة بعد مَا ... ظَفرت يداك بمستكين خاضع)
(ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع)
(وعطفت آصرة على كَمَا وعى ... بعد أنهياض الْجِسْم عظم الظالع)
(اللَّهِ يعلم مَا أَقُول فَإِنَّهَا ... جهد الألية من حنيف رَاكِع)
(مَا إِن عصيتك والغواة تمدني ... أَسبَابهَا إِلَّا بنية طائع)
(والأفك منكدة اللِّسَان وَإِنَّمَا ... تهدي إِلَى قذع لروع السَّامع)
(قسما وَمَا أدلى لذاك بِحجَّة ... غير التضرع من مقرّ باخع)
(حَتَّى إِذا علقت حبائل شقوة ... تردى على حفر المهالك هائع)
(لم أدر أَن لمثل جُرْمِي غافرا ... فأقمت أرقب أَي حتف صارعي)
(رد الْحَيَاة على بعد ذهابها ... عَفْو الإِمَام الْقَادِر المتواضع)
(أحياك من ولأك أطول مُدَّة ... وَرمى عَدوك فِي الوتين بقاطع)
стр. 96
(كم من يَد لَك لَا تُحَدِّثنِي بهَا ... نَفسِي إِذا آلت إِلَى مطامعي)
(أسديتها عفوا إِلَى هنيئة ... فَشَكَرت مصطنعا لأكرم صانع)
(إِلَّا يَسِيرا عِنْدَمَا أوليتني ... وَهُوَ الْكثير لَدَى غير الضائع)
(إِن أَنْت جدت بِهِ على فَكُن لَهُ ... أَهلا وَإِن تمنع فَأكْرم مَانع)
قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَقُول مَا قَالَ يُوسُف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر اللَّهِ لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾
قَالَ: وغنى إِبْرَاهِيم يَوْمًا والمأمون مصطبح صَوتا لَهُ فِي شعره:
(ذهبت من الدُّنْيَا وَقد ذهبت مني ... هوى الدَّهْر بِي عَنْهَا وَولى بهَا عني)
(فَإِن أبك نَفسِي أبك نفسا نفيسة ... وَإِن أحتسبها أحتسبها على ضنى)
قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون لما سَمعه: لَا وَالله لَا تذْهب نَفسك يَا إِبْرَاهِيم على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ فليفرخ روعك فَإِن اللَّهِ قد آمنك فِي هَذِه الزلة إِلَّا أَن تحدث بِشَاهِد عدل غير مُتَّهم حَدثا وأرجوا أَن لَا يكون مِنْك إِن شَاءَ اللَّهِ.
وَحدثنَا يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق، عَن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي لما أَمر الْمَأْمُون برد ضيَاعه عَلَيْهِ قَالَ: وأنشده ذَلِك فِي مَجْلِسه: -
(الْبر بِي مِنْك وطا الْعذر عنْدك لي ... فِيمَا أتيت فَلم تعذل وَلم تلم)
(وَقَامَ علمك بِي فأحتج عنْدك لي ... مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم)
(رددت مَالِي وَلم تبخل على بِهِ ... وَقبل ردك مَالِي قد حقنت دمي)
(بَرِئت مِنْك وَمَا كافيتني بيد ... هما الحياتان من موت وَمن عدم)
стр. 97
وَقَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه قَالَ: أرسل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لما ظهر إِلَى وَصَارَ إِلَى منزله غير مرّة يسئلني أتيانه فَكنت أتثاقل عَنهُ مَخَافَة أَن يبلغ الْمَأْمُون أتياني إِيَّاه ثمَّ أَتَيْته فعاتبني على جفاى فأعتذرت بالمأمون فَقَالَ يَا هَذَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يَخْلُو من أَن يكون رَاضِيا عني فَهُوَ يحب أَن يسرني بك، أَو ساخطا على فَهُوَ لَا يكره أَن يعرني وَأَنت الْحَمد لله وَاقِف بَين هَاتين. قَالَ: فقطعني عَن جَوَابه وَبَلغت الْمَأْمُون فأستحسنها مِنْهُ
قَالَ إِسْحَاق اعتللت عِلّة فَأرْسل إِلَى إِبْرَاهِيم: إِنِّي أُرِيد أَن أعودك فَأرْسلت لَهُ: إِنِّي لم أصر إِلَى حد تحب أَن تراني فِيهِ. قَالَ: فغلظت عَلَيْهِ رسالتي وَكَانَ عِنْده مُحَمَّد ابْن وَاضح فَشَكَانِي إِلَيْهِ وَقَالَ: يرد على هَذَا المرد أحب أَن تَلقاهُ فَتَقول لَهُ: وَالله لَو خيرت أَن أجَاز بألفي ألف دِرْهَم أَو بعافيتك لاخترت عافيتك. فَأَتَانِي برسالته قَالَ: قلت لَهُ ابقاه اللَّهِ أَرْجُو أَن تكون صَادِقا وَذَاكَ أَنِّي إِن مت لم تَجِد مثلى تستشهده فبكذب لَك.
وَقَالَ: حَمَّاد عَن أَبِيه: دخلت يَوْمًا على الْمَأْمُون وَعِنْده أَبُو إِسْحَاق المعتصم، وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَعَن يَمِين الْمَأْمُون تسع قينات، وَعَن يسَاره تسع قينات يغنين جَمِيعًا صَوتا وَاحِدًا. قَالَ: فَلَمَّا جَلَست، وأطمأننت، وأنست قَالَ الْمَأْمُون كَيفَ تسمع يَا أَبَا إِسْحَاق؟ . قلت: أسمع خطأ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون لإِبْرَاهِيم أَلا تسمع؟ قَالَ كذب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَا هُنَا وَحقّ أَمِير الْمُؤمنِينَ خطأ وَلكنه يُرِيد أَن يُوهم أَنه يحسن مَا لَا يُحسنهُ غَيره. قَالَ إِسْحَاق: فَقلت إِن أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ أفهمته مَوضِع الْخَطَأ ويقربه. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون: قد أَذِنت لَك فأفعل. قَالَ: فَأَقْبَلت على إِبْرَاهِيم فَقلت لَهُ: أعلم أَنَّك لَا تفهمه هَكَذَا وَلَكِن أطرح عَنْك نصف الْعَمَل فلعلك أَن تفهم مَوضِع الْخَطَأ وَلَا أَرَاك. ثمَّ قلت للتسع اللواتي عَن يَمِين الْمَأْمُون: أمسكن عَن الْغناء. فأمسكن. فَقلت لأبراهيم تفهم الْآن فَإِن الْخَطَأ هَا هُنَا. فتفهم إِبْرَاهِيم فَقَالَ: مَا هَا هُنَا خطأ. قَالَ: فَقلت فَإِنِّي أرفع عَنْك أَكثر هَذَا الْعَمَل الْبَاقِي ثمَّ أمرت خمس جوَار مِنْهُنَّ فأمسكن
стр. 98
وَبَقِي أَربع. وَقلت لإِبْرَاهِيم. تفهم فَإِن الْخَطَأ هَا هُنَا. فتفهم إِبْرَاهِيم فَقَالَ: مَا أعلم خطأ. فَقَالَ إِسْحَاق: فَإِنِّي أطرح عَنْك الْعَمَل كُله ثمَّ أَمر الْجَوَارِي فأمسكن وَقَالَ لوَاحِدَة مِنْهُنَّ تغني فغنت وَحدهَا. فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم مَا تَقول؟ قَالَ: نعم. هَا هُنَا خطأ وأقربه. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا إِبْرَاهِيم: فهمه إِسْحَاق من نَيف وَسبعين وترا وَلَا تفهمه إِلَّا مُفردا مَتى تلْحقهُ فِي عمله.
حَدثنِي أَبُو بكر بن الخصين قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم قَالَ: غنى إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي عِنْد الْمَأْمُون يَوْمًا فَأحْسن وَفِي مَجْلِسه كَاتب من كتاب طَاهِر بن الْحُسَيْن يكنى أَبَا زيد وَكَانَ بَعثه فِي بعض أُمُوره وطرب أَبُو زيد فَأخذ بِطرف ثوب إِبْرَاهِيم فَقبله. قَالَ: فَنظر إِلَيْهِ الْمَأْمُون كالمنكر لما فعل. فَقَالَ لَهُ أَبُو زيد: مَا تنظر؟ أقبله وَالله وَلَو قتلت. قَالَ فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون وَقَالَ: أَبيت إِلَّا طرفا.
قَالَ: وَأُصِيب الْمَأْمُون بابنة لَهُ وَهُوَ يجد بهَا وجدا شَدِيدا فَجَلَسَ للنَّاس وَأمر أَن لَا يمْنَع مِنْهُ أحد وَأَن يثبت عَن كل رجل مقَالَته. قَالَ: فَدخل إِلَيْهِ فِيمَن دخل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كل مُصِيبَة تعدتك شوى إِذْ كنت المنتقم من الْأَعْدَاء وَلَك فِي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أُسْوَة سنة فَإِنَّهُ عزى عَن ابْنَته رقية فَقَالَ: موت النَّبَات من المكرمات. فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِمِائَة ألف دِرْهَم: وَأمر أَن لَا يكْتب شَيْء بعد تعزيته.
وَقَالَ إِسْحَاق الموصلى: دخل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي على الْمَأْمُون بعد صفحة عَنهُ وَعِنْده أَبُو إِسْحَاق المعتصم، وَالْعَبَّاس بن الْمَأْمُون فَلَمَّا جلس قَالَ لَهُ يَا إِبْرَاهِيم: إِنِّي استشرت أَبَا إِسْحَاق وَالْعَبَّاس آنِفا فِي أَمرك فأشارا على بقتلك. فَمَا تَقول فِيمَا قَالَا؟ فَقَالَ لَهُ: أما أَن لَا يَكُونَا قد نصحاك وأشارا عَلَيْك بِالصَّوَابِ فِي عظم الْخلَافَة وَمَا جرت بِهِ عَادَة السياسة فقد فعلا ذَلِك. وَلَكِن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تأبي أَن تجتلب النَّصْر إِلَّا من حَيْثُ عودكة اللَّهِ وَهُوَ الْعَفو. قَالَ: صدقت يَا عَم أدن مني فَدَنَا مِنْهُ فَقبل إِبْرَاهِيم يَده وضمه الْمَأْمُون إِلَيْهِ.
стр. 99
وَقَالَ قثم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان: أَخْبرنِي أَبُو عباد. قَالَ: بَينا أَنا فِي مجْلِس الْمَأْمُون إِذْ ذكر دعبل بن عَليّ الشَّاعِر فَقَامَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جعلني اللَّهِ فدَاك. أقطع لِسَانه، وأضرب عُنُقه فقد أطلق اللَّهِ لَك دَمه. قَالَ: وَبِمَ ذَاك: أهجاني؟ فوَاللَّه لَئِن كَانَ فعل ذَلِك فَمَا أَبَاحَ اللَّهِ دَمه بهجائي. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أقطع لِسَانه، وأضرب عُنُقه فقد أباحك اللَّهِ دَمه. فَأَعَادَ الْمَأْمُون كَلَامه الأول. فَقَالَ بعض من حضر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه قد هجا إِبْرَاهِيم، فَقَالَ: هَات مَا قَالَ. فأنشده: -
(أَنِّي يكون وَلَا يكون وَلم يكن ... يَرث الْخلَافَة فَاسق عَن فَاسق)
(إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعا بهَا ... فلتصلحن من بعده لمخارق)
(ولتصلحن من بعده فِي عثعث ... ولتصلحن من بعده للمارق)
قَالَ / فَقطع الْمَأْمُون عَلَيْهِ وَقَالَ: حَسبك فِي إِبْرَاهِيم مَالا يصبر عَلَيْهِ لَهُ وَلَا لَك.
وحَدثني حَمَّاد بن اسحاق قَالَ: كتب ابراهيم بن الْمهْدي إِلَى اسحاق بن ابراهيم
وَكَانَ طهر وَلَده فأهدى إِلَيْهِ النَّاس جَمِيعًا من أَصْحَاب السُّلْطَان فَبعث إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي بجراب ملح، وبرنية أشنان وَكتب إِلَيْهِ: لَوْلَا أَن البضاعة قصرت بالهمة لأنفست السَّابِقين إِلَى برك، وكرهت ان تطوى صحيفَة الْبر وَلَيْسَ لنا فِيهَا ذكر، وَقد يعثت إِلَيْك بالمبتدأ بِهِ ليمنة وبركته: والمختوم بِهِ لطيبة ونظافته. قَالَ: فاستملح ذَلِك مِنْهُ واستظرفه كل من سَمعه وَحدث الْمَأْمُون بِهِ فَقَالَ: لَا يحسن وَالله هَذَا أحد غير عمى إِبْرَاهِيم.
حَدثنَا يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن الأعلم قَالَ: كُنَّا ننقل ثِيَاب إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي اختفائه من دَار إِلَى دَار على خمسين حمل. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَخذ فِيهَا جهدت بِهِ الْجهد كُله أَلا يبرح فَقَالَ: إِن تَرَكتنِي وَإِلَّا شققت بَطْني فَكرِهت أَن آزه فَخرج فَأخذ؟ . قَالَ: وَكَانَ أَخذه فِي سنة تسع
стр. 100
وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ الْمَأْمُون لإِبْرَاهِيم حِين صفح عَنهُ: لَو لم يكن فِي حق أَبَوَيْك حق الصفح عَن جرمك لبلغت مَا أملت بتنصلك فِي لطف توصلك. وَكَانَ إِبْرَاهِيم قَالَ لَهُ: إِنَّه أَن بلغ جُرْمِي استحلال دمي فحلم أَمِير الْمُؤمنِينَ وفضله يبلغان عَفوه ولى بعدهمَا شُفْعَة الاقرار بالذنب وَحقّ الْأُبُوَّة بعد الْأَب. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون حِين عَفا عَن إِبْرَاهِيم: لَو علم أهل الجرائم لذتي فِي الْعَفو مَا حمدوني عَلَيْهِ، وَلَا أنابوا من ذنوبهم فَقَالَ إِبْرَاهِيم أما متمثلا وَأما مخترعا: -
(أَمِير الْمُؤمنِينَ عَفَوْت حَتَّى ... كَانَ النَّاس لَيْسَ لَهُم ذنُوب)
حَدثنِي أَبُو عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي، عَن بعض أَصْحَابه قَالَ: لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم قَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك يحرضه على قَتله. وَأنْشد الْمَأْمُون فَقَالَ: وَالله لَا أشمته بِهِ بل أعفو عَنهُ.
(ألم تَرَ أَن الشَّيْء للشَّيْء عِلّة ... يكون لَهُ كالنار تقدح بالزند)
(كَذَلِك جربنَا الْأُمُور وَإِنَّمَا ... يدلك مَا قد كَانَ قبل على الْبعد)
(رَأينَا حسيبا حِين صَار مُحَمَّد ... بِغَيْر أَمَان فِي يَدَيْهِ وَلَا عقد)
(فَلَو كَانَ أمضى الحكم فِيهِ بضربه ... تصيره بالقاع منعفر الخد)
(إِذا لم تكن للجند فِيهِ بَقِيَّة ... فقد كَانَ مَا بلغت من خبر الْجند)
(هم قَتَلُوهُ بعد أَن قتلوا لَهُ ... ثَلَاثِينَ ألفا من كهول وَمن مرد)
(فَمَا نصروه عَن يَد سلفت لَهُ ... وَلَا قَتَلُوهُ يَوْم ذَلِك عَن حقد)
(وَلكنه الْغدر الصراح وخفة الحلوم ... وَبعد الرَّأْي عَن سنَن الْقَصْد)
(وظني بإبراهيم أَن مَكَانَهُ ِ ... سيبعث يَوْمًا مثل أَيَّامه النكد)
(تذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ مقَامه ... وأيمانه فِي الْهزْل فِيهِ وَفِي الْجد)
... ِ (بلَى وَالَّذِي أَصبَحت عبدا خَليفَة ... لَهُ بئس أَيْمَان الْخَلِيفَة وَالْعَبْد)
стр. 101
(إِذا هز أَعْوَاد المنابر باسته ... تغني بليلى أَو بمية أَو هِنْد)
(وَوَاللَّه مَا من تَوْبَة نزعت بِهِ ... إِلَيْك وَلَا قربي لديك ولاود)
(وَلَكِن إخلاص الضَّمِير مقرب ... إِلَى اللَّهِ زلفى لَا تبيد وَلَا تكدي)
(أَتَاك بهَا كرها إِلَيْك تقوده ... على رغمه وأستأثر اللَّهِ بِالْحَمْد)
(فَإِن قلت فِي باغي الْخلَافَة قبله ... فَلم يُؤْت فِيمَا كَانَ حاول من جهد)
(وَلم ترض بعد الْعَفو حَتَّى رفدته ... وللعم أولى بالتغمد والرفد)
(وَلَيْسَ سَوَاء خارجي رمى بِهِ ... إِلَيْك سفاه الرَّأْي والرأي قدير دى)
(وَآخر فِي بَيت الْخلَافَة يلتقي ... بِهِ وَبِك الْآبَاء فِي ذرْوَة الْمجد)
(ومولاك ومولاه وجندك جنده ... وَهل يجمع الْقَيْن لحسامين فِي غمد)
(فَكيف بِمن قد بَايع النَّاس والتقت ... ببيعته الركْبَان غورا إِلَى نجد)
(وَمن صك تَسْلِيم الْخلَافَة سَمعه ... يُنَادي بهَا بَين السما طين من بعد)
(وَمَا أحد سمى بهَا قطّ نَفسه ... ففارقها حَتَّى يغيب فِي اللَّحْد)
(وَأَقْبل يَوْم الْعِيد يوجف حوله ... وجيف الْجِيَاد واصطكاك القنى الجرد)
(وَرِجَاله يَمْشُونَ بالبيض قبله ... وَقد تبعوه بالقضيب وبالبرد)
(وَقد رَابَنِي من أهل بَيْتك أنني ... رَأَيْت لَهُم وجدا بِهِ أَيّمَا وجد)
(يَقُولُونَ لَا تبعد عَن ابْن ملمة ... صبور على اللاوا ذِي مرّة جلد)
(فداني وهانت نَفسه دون ملكنا ... عَلَيْهِ على الْحَال الَّذِي قل من يفْدي)
(على حِين أعْطى النَّاس صفق أكفهم ... على بن مُوسَى بِالْولَايَةِ للْعهد)
стр. 102
(فَلَو بك فِينَا من أبي الضيم غَيره ... وَلَكِن حياري فِي الْقبُول وَفِي الرَّد)
(وتزعم هذي النابتية أَنه ... إِمَام هدى فِيمَا تسر وَمَا تبدي)
(يَقُولُونَ سنى وأية سنة ... تتمّ بصعل الرَّأْس جون الْقَفَا جعد)
(وَقد جعلُوا رخص الطَّعَام بعهده ... زعيما لَهُ بِالْيَمِينِ والطائر السعد)
(إِذا مَا رَأَوْا يَوْمًا غلاء رَأَيْتهمْ ... يحنون تحنانا إِلَى ذَلِك الْعَهْد)
قَالَ: وَكتب عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بن عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع؟ أغيب فأشتاق، ثمَّ نَلْتَقِي فَلَا أشتفي، ثمَّ يجدد إِلَى اللِّقَاء الَّذِي طلبت بِهِ الشِّفَاء شقاء من تَجْدِيد الحرقة بلوعة الْفرْقَة. فَكتب إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: أَنا الَّذِي علمتك الشوق لِأَنِّي شَكَوْت ذَلِك إِلَيْك فهيجته مِنْك.
حَدثنِي أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن جَعْفَر الرقي قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ذَا رأى لغيره، ضَعِيف الرَّأْي فِي أَمر نَفسه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: لَا تنكروه فَإِنِّي أنظر فِي أَمر غَيْرِي بطباع سليمَة مُسْتَقِيمَة، وَأنْظر فِي أَمر نَفسِي بطباع مائلة إِلَى الْهوى حَدثنَا زيد بن عَليّ بن حُسَيْن بن زيد بن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِم. قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن صَالح صَاحب الْمصلى قَالَ: لما أَرَادَ الْمَأْمُون أَن ينحى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي من مرتبَة بني هَاشم قَالَ لي: أقعده مَعَ الحرس. قَالَ: قلت لَهُ لَيْسَ لَك ذَاك. قَالَ: تَقول لي لَيْسَ لَك ذَاك؟ بلَى لي أَن أضْرب عُنُقه. قَالَ قلت: لَك أَن تضرب عُنُقه وَمَا أردْت بِهِ وَلم أقل لَيْسَ لَك ذَاك أَن لَيْسَ لَك بإن تفعل مَا أردْت وَلَكِن لَيْسَ لَك أَن تعدل عَن فعل آبَائِك. غضب الْمَنْصُور على فلَان فَلم يزله عَن مرتبَة أهل بَيته، وَغَضب الْمهْدي على عبد الصَّمد بن عَليّ فَلم يزله عَن ذَلِك وَلَيْسَ لَك إِلَّا مَا فعلوا. قَالَ: صدقت لَيْسَ لي إِلَّا مَا فعلوا قَالَ: وَأمر فأجلس مَعَ بني الْعَبَّاس.
стр. 103
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ: دخل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي يَوْمًا على الْمَأْمُون فَتَأمل جثته فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم: عشقت قطّ؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَجلك عَن الْجَواب فِي هَذَا. قَالَ: بحياتي أصدقني. قَالَ: وحياتك مَا خلوت من عشق قطّ. قَالَ لَهُ: كذبت وحياتك يَا أَبَا إِسْحَاق: -
(وَجه الَّذِي يعشق مَعْرُوف ... لِأَنَّهُ أصفر منحوف)
(لَيْسَ كمن تَلقاهُ ذَا جثة ... كَأَنَّهُ للذبح معلوف)
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد قَالَ: سَمِعت أَصْحَابنَا يَقُولُونَ اجْتمع إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَالْحسن بن سهل عِنْد الْمَأْمُون لَيْلًا فَأَرَادَ الْحسن أَن يضع من إِبْرَاهِيم ويخبره أَنه مغن عَالم بِالْغنَاءِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق: أَي صَوت تغنيه الْعَرَب أحسن؟ فَفطن إِبْرَاهِيم فَقَالَ: تسمع للغلي وسواسا إِذا انصرفت. أَي إِنَّك موسوس.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر حدث أَبُو مُوسَى هَارُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى الْهَادِي قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: أنصرفنا من دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون يَوْمًا فَقَالَ لي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي مر معي إِلَى منزلي أطعمك لَحْمًا على وَجهه، وأسقيك نبيذا على وَجهه وأسمعك غناء على وَجهه. فَقلت لَهُ: مَا عَن هَذَا منفرج فمضينا فَدَخَلْنَا إِلَى منزله فَإِذا مساليخ معلقَة، وملح قد سحق، وكوانين قد أججت فَأمر طباخية فشرحوا وكببوا وأكلنا ثمَّ أخرج الدنان فَوضعت على كراسيها وبذلت وشربنا. ثمَّ بعث إِلَى مُخَارق، وعلوية، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى فَقَالَ لَهُم: كلوا مِمَّا أكلنَا، والحقوا بِنَا فِي شَأْننَا وغناء الْقَوْم بِغَيْر زمر ولاطبل فَقَالَ: هَذَا اللَّحْم على وَجهه، وَالشرَاب على وَجهه ثمَّ الْتفت إِلَى فَقَالَ: إِنْسَان يلزمك يُقَال لَهُ مَنْصُور بن عبد اللَّهِ الْخَرشِيّ فَبعثت إِلَيْهِ فَحَضَرُوا وَأكل مِمَّا أكلنَا وشركنا فِيمَا كُنَّا فِيهِ ثمَّ انْدفع مَنْصُور فتغنى: -
(عرفت حَاجَتي إِلَيْهَا فضنت ... ورأتني صبا بهَا فتجنت)
فأستحسنه الْقَوْم جَمِيعًا ثمَّ تغنى: -
стр. 104
(أَي نور تديره الأقداح ... نور دن غذاؤه التفاح)
فأستحسنه الْقَوْم واستجادوه فَسَأَلُوهُ لمن الْغناء فَأخذ ينْسبهُ لمعبد وَابْن شريج مَعَ أغاني كَثِيرَة غناها من غنائه كل ذَلِك ينْسبهُ إِلَى الْمُتَقَدِّمين من المغنيين فَيَقُول إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي مَا أعرف هَذَا، ويلتفت إِلَى الْجَمَاعَة الَّذين حَضَرُوا فَيَقُول: اتعرفون هَذَا لمن نسبه؟ فينكر الْقَوْم أَن يَكُونُوا يعْرفُونَ ذَلِك. ثمَّ أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قَالَ لَهُ يَا فَتى: أصدقنا عَن الأغاني لمن هى؟ قَالَ: هِيَ لي أَيهَا الْأَمِير وَأَنا صنعتها فَالْتَفت إِلَيْهِ مُخَارق وعلوية فَقَالَا لَهُ: كنت أحسن النَّاس غناء حَتَّى نسبتها إِلَى نَفسك فَقَالَ لَهُم إِبْرَاهِيم: لَيْسَ كَمَا تَقولُونَ وَالله لَئِن كَانَ هَذَا قَدِيما حفظه ونسيناه إِنَّه لَا علم منا، وَإِن كَانَ هَذَا صَنْعَة لَهُ فَلَقَد اسْتغنى بصنعتها عَن غَيره.
وَكتب أَحْمد بن يُوسُف إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بَلغنِي استقلالك مَا كنت ألطفتك بِهِ فَإِن الَّذِي نَحن عَلَيْهِ من الأنسة والثقة سهل علينا قلَّة الحشمة لَك فِي الْبر فأهدينا هَدِيَّة من لَا يحتشم إِلَى من لَا يغتنم.
حَدثنَا عبد اللَّهِ بن الرّبيع قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن مَالك. قَالَ: أَخْبرنِي الْعَبَّاس ابْن على بن رائطة. قَالَ: بعث إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فِي اللَّيْل فصرت إِلَيْهِ وَإِذا هُوَ جَالس مِمَّا يَلِي دجلة فِي لَيْلَة مُقْمِرَة فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبَّاس. قلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا ترى مَا أحسن الْقَمَر وصفاء هَذَا المَاء. قَالَ: قلت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا حسنه اللَّهِ إِلَّا بك. قَالَ: فَمَا يصلح هَذَا ويتمه؟ . قَالَ: قلت رَطْل من شراب صَاف وَصَوت غناء حسن من مُخَارق أَو إِبْرَاهِيم بن المهدى. قَالَ أصبت وكأنك كنت فِي نَفسِي. ثمَّ بعث إِلَى مُخَارق، وَإِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي. وَإِلَى الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، وَإِلَى أبي إِسْحَاق المعتصم فَكلما دخل عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُم قَالَ لَهُ مثل مقَالَته لي فَيرد مثل جوابي وَنَحْوه ثمَّ رفع رَأسه إِلَى الخباز فَقَالَ: يَا غُلَام أيتهم بِطَعَام خَفِيف فأتينا ببزماء ورد فتناولنا مِنْهُ شَيْئا ثمَّ قَالَ: النَّبِيذ. فأدير علينا رَطْل. رَطْل فَقَالَ لإِبْرَاهِيم يَا عمي غننى فعناه وَالشعر لإِبْرَاهِيم والغناء لَهُ فَقَالَ: -
стр. 105
(يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِ ... بعد الرَّسُول لآيس أَو طامع)
(وَأبر من عبد الإلآه على التقى ... عينا وأحكمه بِحَق صادع)
(إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازها ... فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع)
قَالَ أَحْسَنت وَالله يَا عَم. لقد أشاروا على بقتلك فَمَنَعَنِي من ذَلِك الرقة عَلَيْك والحرج من اللَّهِ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أما أَنْت فَلم تعد مَا وفقك اللَّهِ لَهُ من الْفضل وَالْعَفو. وَأما هما فقد وَالله أشارا عَلَيْك فِي أَمْرِي بِالنَّصِيحَةِ الْخَالِصَة. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذَا وَالله الْكَلَام الْجيد النقي الَّذِي يشل السخائم، وينفي العقوق وَيزِيد فِي الْبر يَا غُلَام: مائَة ألف دِرْهَم فَحملت إِلَى منزلَة. ثمَّ جَاءَ الْمُؤَذّن فَإِذن. فَقَالَ: أنصرفوا فأنصرفوا وَأخذ أَبُو إِسْحَاق بيد إِبْرَاهِيم فأقسم عَلَيْهِ أَن يصير إِلَى منزلَة فَصَارَ إِلَيْهِ فَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم وحملان وخلع.
قَالَ: وحدثتني أنير مولاة مَنْصُور بن الْمهْدي قَالَت: قَالَت لي أَسمَاء بنت الْمهْدي: قلت لأخي إِبْرَاهِيم يَا أخي أشتهى وَالله أَن أسمع من غناءك شَيْئا فَقَالَ: إِذن وَالله يَا أُخْتِي لَا تسمعين مثله عَلَيْهِ وَعَلِيهِ ثمَّ تغلظ فِي الْيَمين إِن لم يكن أبليس ظهر لي وَعَلمنِي النقر، والنغم. وصافحني. وَقَالَ لي: أذهبي فَأَنت مني وَأَنا مِنْك.
(ذكر بِنَاء الْمَأْمُون ببوران بنت الْحسن بن سهل)
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: ذكر أَصْحَاب التَّارِيخ أَن بِنَاء الْمَأْمُون بيوران بنت الْحسن كَانَ فِي شهر رَمَضَان من سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَأَنه لما مضى إِلَى فَم الصُّلْح إِلَى معسكر الْحسن بن سهل حمل مَعَه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَمر بالمصلبين الَّذين كَانُوا مَعَ إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فِي المطبق فَأمر بإنزالهم وَكَانُوا مصلبين على الجسر الْأَسْفَل، وَكَانَ أنزالهم فِي جمادي الأولى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع لَيَال بقيت مِنْهُ. وَلما كَانَ من غَد
стр. 106
يَوْم الْأَرْبَعَاء أَمر بإنزال إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فَكفن وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي خبر ابْن عَائِشَة آنِفا.
حَدثنِي الْحَارِث بن نصر المنجم وَكَانَ من أَصْحَاب الْحسن بن سهل قَالَ: لما زار الْمَأْمُون الْحسن بن سهل للْبِنَاء ببوران ركب من بَغْدَاد زورقا حَتَّى أرقى على بَاب الْحسن بن سهل وَكَانَ الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون قد تقدم على الظّهْر فَتَلقاهُ الْحسن خَارج عسكره فِي مَوضِع كَانَ أَتَّخِذ لَهُ على شاطيء دجلة بنى لَهُ فِيهِ جوسق قَالَ فَلَمَّا عاينه الْعَبَّاس ثنى رجله لينزل فَحلف عَلَيْهِ أَلا يفعل. فَلَمَّا ساواه ثنى رجله الْحسن ليزل فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: بِحَق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تنزل فأعتنقه الْحسن وَهُوَ رَاكب ثمَّ أَمر أَن يقدم إِلَيْهِ دَابَّته ودخلا جَمِيعًا إِلَى منزل الْحسن ووافي الْمَأْمُون فِي وَقت الْعشَاء وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فَأفْطر هُوَ وَالْحسن وَالْعَبَّاس ودينار ابْن عبد اللَّهِ قَائِم على رجله حَتَّى فرغوا من الأفطار وغسلوا أَيْديهم فَدَعَا الْمَأْمُون بشراب فَأتي بجام ذهب فصب فِيهِ وَشرب. فَمد يَده بجام فِيهِ شراب إِلَى الْحسن فتباطأ عَنهُ الْحسن لِأَنَّهُ لم يكن يشرب قبل ذَلِك فغمز دِينَار بن عبد اللَّهِ الْحسن فَقَالَ الْحسن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أشربه بإذنك وأمرك؟ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَوْلَا أَمْرِي لم أمدد يَدي إِلَيْك. فَأخذ الْجَام فشربه فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة جمع بَين مُحَمَّد بن الْحسن ابْن سهل والعباسة بنت الْفضل ذِي الرياستين فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة دخل على بوران وَعِنْدهَا حمدونة، وَأم جَعْفَر، وَجدتهَا. فَلَمَّا جلس الْمَأْمُون مَعهَا نثرت عَلَيْهَا جدَّتهَا ألف درة كَانَت فِي صينية ذهب فَأمر الْمَأْمُون أَن تجمع وسألها عَن عدد الدّرّ كم هُوَ؟ فَقَالَت: ألف حَبَّة. فَأمر بعْدهَا فنقصت عشرَة فَقَالَ: من أَخذهَا مِنْكُم ردوهَا. فَقَالُوا حُسَيْن زجلة فَأمر بردهَا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّمَا نثر لنأخذه. قَالَ: ردهَا. فَإِنِّي أخلفها عَلَيْك فَردهَا وَجمع الْمَأْمُون ذَلِك الدّرّ فِي الْآنِية وَوضع فِي حجرها وَقَالَ هَذِه نحلتك فأسلي حوائجك؟ فَأَمْسَكت. فَقَالَت لَهَا جدَّتهَا كلمي سيدك وأسألية حوائجك فقد أَمرك. فَسَأَلته الرضى عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي. فَقَالَ: قد
стр. 107
فعلت، وَسَأَلته الْإِذْن لَام جَعْفَر فِي الْحَج فَإِذن لَهَا ولبستها أم جَعْفَر الْبَدنَة الأموية وابتني بهَا فِي ليلته، وأوقد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شمعة عنبر فِيهَا أَرْبَعُونَ منا فِي تور ذهب فَأنْكر الْمَأْمُون ذَلِك عَلَيْهِم. وَقَالَ: هَذَا سرف. فَلَمَّا كَانَ من غَد دَعَا بإبراهيم بن الْمهْدي فجَاء يمشي من شاطئ دجلة عَلَيْهِ مبطنة ملحم وَهُوَ متعمم بعمامة حَتَّى دخل فَلَمَّا رفع السّتْر عَن الْمَأْمُون رمى بِنَفسِهِ فصاح الْمَأْمُون يَا عَم: لَا بَأْس عَلَيْك. فَدخل فَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيم الْخلَافَة وَقبل يَده وأنشده شعرًا ودعا بِالْخلْعِ فَخلع عَلَيْهِ خلعة ثَانِيَة ودعا لَهُ بمركب وقلده سَيْفا وَخرج فَسلم على النَّاس ورد إِلَى مَوْضِعه.
قَالَ الْحَارِث: وَأقَام الْمَأْمُون سَبْعَة عشر يَوْمًا يعد لَهُ فِي كل يَوْم وَلِجَمِيعِ من مَعَه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَالَ: وخلع الْحسن بن سهل على القواد على مَرَاتِبهمْ وَحَملهمْ ووصلهم وَكَانَ مبلغ النَّفَقَة عَلَيْهِ خمسين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وَأمر الْمَأْمُون غَسَّان ابْن عباد عِنْد منصرفة أَن يدْفع إِلَى الْحسن عشرَة آلَاف ألف من مَال فَارس وأقطعه الصُّلْح فَحملت إِلَيْهِ على الْمَكَان وَكَانَت معدة عِنْد غَسَّان بن عباد. قَالَ: فَجَلَسَ الْحسن ففرقها فِي قواده، وَأَصْحَابه، وحشمه، وخدمة. قَالَ: وَلما انْصَرف الْمَأْمُون شيعه الْحسن ثمَّ رَجَعَ إِلَى فَم الصُّلْح.
فَحَدثني الْفضل بن جَعْفَر بن الْفضل. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَ أهلنا يتحدثون أَن الْحسن بن سهل كتب رِقَاعًا فِيهَا أَسمَاء ضيَاعه ونثرها على القواد وعَلى بني هَاشم فَمن وَقعت فِي يَده رقْعَة مِنْهَا فِيهَا اسْم الضَّيْعَة بعث فتسلمها.
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي الْحسن ابْن سهل يَوْمًا بأَشْيَاء كَانَت فِي أم جَعْفَر وَوصف رجاحة عقلهَا وفهمها ثمَّ قَالَ: سَأَلَهَا يَوْمًا الْمَأْمُون بِفَم الصُّلْح حَيْثُ خرج للْبِنَاء على بوران، وَسَأَلَ حمدونة بنت غضيض عَن مِقْدَار مَا أنفقت فِي ذَلِك الْأَمر. فَقَالَت حمدونة: أنْفق خَمْسَة وَعشْرين ألف ألف. قَالَ: فَقَالَت أم جَعْفَر مَا صنعت شَيْئا قد أنْفق مَا بَين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ
стр. 108
ألف ألف إِلَى سَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وأعددنا لَهُ شمعتين عنبر. قَالَ: فَدخل بهَا لَيْلًا فأوقدتا بَين يَدَيْهِ فَكثر دخانهما. فَقَالَ: أرفعوهما فقد آذَانا الدُّخان وهاتوا الشمع. قَالَ: ونحلتها أم جَعْفَر فِي ذَلِك الْيَوْم الصُّلْح. قَالَ: فَكَانَ سَبَب عود الصُّلْح إِلَى ملكي وَكَانَت قبل ذَلِك لي فَدخل على يَوْمًا حميد الطوسي فأقرأني أَرْبَعَة أَبْيَات أمتدح بهَا ذَا الرئاستين فَقلت لَهُ: ننفذها لَك إِلَى ذِي الرئاستين وأقطعك الصُّلْح فِي العاجل إِلَى أَن تَأتي مكافاتك من قبله فأقطعته إِيَّاهَا، ثمَّ ردهَا الْمَأْمُون على أم جَعْفَر فنحلتها بوران.
وحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل لَا يرفع الستور عَنهُ وَلَا يرفع الشمع من بَين يَدَيْهِ حَتَّى تطلع الشَّمْس ويتبينها إِذا نظر إِلَيْهَا، وَكَانَ متطيرا يحب أَن يُقَال لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِ أنصرفنا من فَرح وسرور وَيكرهُ أَن يذكر لَهُ جَنَازَة أَو موت أحد. قَالَ: وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ قَائِل: إِن على بن الْحُسَيْن أَدخل ابْنه الْحسن الْيَوْم الْكتاب قَالَ: فَدَعَا لى وانصرفت فَوجدت فِي منزلي عشْرين ألف دِرْهَم هبة لِلْحسنِ وكتابا بِعشْرين ألف دِرْهَم، قَالَ: وَكَانَ قد وهب لي من أرضه بِالْبَصْرَةِ مَا قوم بِخَمْسِينَ ألف دِينَار فَقَبضهُ عني بغا الْكَبِير وأضافة إِلَى أرضه
وَقَالَ أَبُو حسان الزيَادي لما صَار الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل أَقَامَ عِنْده أَيَّامًا بعد الْبناء ببوران وَكَانَ مقَامه فِي مسيره وذهابه، ورجوعه أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَدخل بَغْدَاد يَوْم الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شَوَّال. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ: خرج الْمَأْمُون نَحْو الْحسن بن سهل إِلَى فَم الصُّلْح لثمان خلون من شهر رَمَضَان وَدخل الْمَأْمُون من فَم الصُّلْح لتسْع بَقينَ من شَوَّال سنة عشر وَمِائَتَيْنِ
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر وَلما صَار الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد رُجُوعه من عِنْد الْحسن وَجه مُحَمَّد بن حميد الطوسي إِلَى مَكَّة ليقف مَعَ الإِمَام فِي الْموقف كَرَاهَة للتحلل فِيهِ فَتوجه إِلَى مَكَّة وَنفذ لما أَمر بِهِ وَلم يكن شَيْء كرهه وَرجع بالسلامة. وَكَانَ الَّذِي أَقَامَ الْحَج للنَّاس فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ صَالح بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ
стр. 109
ابْن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس فَكَانَ واليا على مَكَّة فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن حميد أَن يُقيم الْحَج للنَّاس.
خبرني مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل وَالْفضل قبله لَا ينزلان من الْمنَازل إِلَّا أَطْرَاف الْبلدَانِ فَقيل لِلْحسنِ بن سهل فِي ذَلِك فَقَالَ: الْأَطْرَاف منَازِل الاشراف يتناولن مَا يُرِيدُونَ بِالْقُدْرَةِ، ويتنالون مَا يُرِيدُونَ بِالْحَاجةِ. قَالَ أَبُو الْحسن على بن الْحُسَيْن الْكَاتِب قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَت ليحيى بن خَالِد جَارِيَة فِي آخر أَيَّامه فَولدت لَهُ ابْنا قبل الْحَادِثَة عَلَيْهِ بأيام قَالَ: فَكتبت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَبْس: إِن أُمَّهَات أولادك وأولادك قد صَارُوا فِي أَيَّام دولتك إِلَى طرف من نِعْمَتك، وَإِنَّهَا وأبنها ضائعان مَا أدخرت لَهَا وَلَا لَهُ شَيْئا. قَالَ: فَوَقع فِي كتابها قد أدخرت لَك الفل بن سهل. قَالَ: فَإِنِّي لجالس يَوْمًا بَين يَدي ذِي الرئاستين إذورد عَلَيْهِ كتاب فقرأه وَبكى ثمَّ رمى بِهِ إِلَى فَقَالَ: أتعرف هَذَا الْخط يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قلت: نعم. هَذَا خطّ أبي على يحيى بن خَالِد وَإِذا الْجَارِيَة قد انفذت توقيعه إِلَيْهِ بِعَينهَا. قَالَ: فَدَعَا بوكيله فَأمره بإحضاره مَا عِنْده من المَال، وَأَمرَنِي بإحضار مَا عِنْدِي قَالَ: فجمعنا مَا كَانَ فِي ملكنا فِي ذَلِك الْيَوْم فوجدناه ثَمَانِيَة عشر ألف دِينَارا أَكْثَرهَا لي وَحملهَا إِلَى الْجَارِيَة.
قَالَ على بن الْحُسَيْن: وَكنت أرى بَين يَدي الْحسن بن سهل ترسا فِيهِ كتبه فسالته عَن ذَلِك فَقَالَ: متعت بك. فتحنا كنابذ فأخذنا مرقد ملكهَا فَوَجَدنَا كل مَا فِيهِ من مخدة ووسادة وَغير ذَلِك بمقبض يُرِيد أَنه إِن ورد عَلَيْهِ فِي فرَاشه شَيْء يحْتَاج فِي التستر مِنْهُ كَانَ كلما يمد يَده إِلَيْهِ ترسا لَهُ فَجعلنَا مَكَان ذَلِك هَذَا الترس الَّذِي ترَاهُ فَفِيهِ كتبنَا وَمَا بَين أَيْدِينَا. وَإِن أحتجنا إِلَيْهِ استعملناه.
قَالَ: وحَدثني الْعَبَّاس بن مَيْمُون بن طائع. قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن متمم قَالَ: قلت لِلْحسنِ بن سهل: أصلحك اللَّهِ أَنْت الرجل الَّذِي يستأكل بِعِلْمِهِ فَأَخْبرُونِي عَن النُّجُوم إِذا رأيتموها أتقرطسون؟ فَقَالَ: لَا نرى الشَّيْء فنستعظمه
стр. 110
فنفسره فَيكون التَّفْسِير بالتكلف منا. فأكثرنا أصابة: أكثرنا تجربة لَا تسئل عَن هَذَا أحدا غَيْرِي.
ذكر اتِّصَال أَحْمد بن أبي خَالِد بالمأمون واستوزاره اياه بعد الْفضل بن سهل
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: حَدثُونِي عَن ثُمَامَة قَالَ: لما قتل الْفضل بن سهل بعث إِلَيّ الْمَأْمُون وَكنت لَا أنصرف من عِنْده إِلَّا أتوقعه فِي منزلي ثن يأتيني رَسُوله فِي جَوف اللَّيْل فآتيه وَكَانَ قد وهلني لمَكَان الْفضل بن سهل من الوزارة فَلَمَّا رَأَيْته قد ألح على فِي ذَلِك فتعاللت عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: إِنَّمَا أردتك لكذا. وَكَذَا فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنِّي لَا أقوم بذلك، وَأَحْرَى أَن أضن بوضعي من أَمِير الْمُؤمنِينَ وحالي أَن تَزُول عِنْده فَإِنِّي لم أر أحدا تعرض للْخدمَة والوزارة إِلَّا لم يكن لتسلم حَاله وَلَا تدوم مَنْزِلَته. قَالَ لَهُ الْمَأْمُون ياثمامة: فأشر على بِرَجُل صَالح لما أُرِيد؟ فَقلت: أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يقوم بِالْخدمَةِ إِلَى أَن يرتاد أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده اللَّهِ للموضع من يصلح لَهُ على مَا فِيهِ من الأود واللدد. قَالَ: فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأمره بِلُزُوم الْخدمَة فَلَمَّا تمكنت لَهُ الْخدمَة وَالْحُرْمَة تذمم الْمَأْمُون من تنحيته.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: إِنِّي كنت عزمت أَلا أستوزر أحدا بعد ذِي الرئاستين وَقد رَأَيْت أَن أستوزرك. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أجعَل بيني وَبَين الْغَايَة منزلَة يَتَأَمَّلهَا صديقي فيرجوها لي، وَلَا يَقُول عدوى قد بلغ الْغَايَة وَلَيْسَ إِلَّا الانحطاط. فأستحسن الْمَأْمُون ذَلِك مِنْهُ واستوزره.
وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد: كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد كَاتب الْمَأْمُون شاميا مولى لبني عَامر بن لؤى وَأَبوهُ أَبُو خَالِد الْأَحول كَانَ كَاتبا لِعبيد اللَّهِ كَاتب الْمهْدي، وَكَانَ أَحْمد ابْن أبي خَالِد، وَابْن العمركي، وَأحمد بن يُوسُف أخوانا. فَكَانَ أَحْمد يأتيهما
следующие страницы →