Полный текст (433 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَاعْلَم أَن الَّذِي يجب أَن يبين من هَذَا الْخَبَر قَوْله
أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده
وَأما قَوْله مَرضت فقد فسره النَّبِي ﷺ وَبَين معنى ذَلِك إِشَارَة إِلَى مرض وليه فأضاف إِلَى نَفسه إِكْرَاما لوَلِيِّه ورفعا لقدره
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة فِي الْخطاب عَرَبِيَّة وعجمية وَذَلِكَ أَن يخبر السَّيِّد عَن نَفسه وَيُرِيد عَبده إِكْرَاما لَهُ وتعظيما حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ توهم من جلالته وَعظم مَنْزِلَته مساواته لَهُ فِي الْمنزلَة وَالْجَلالَة
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يحمل قَوْله تَعَالَى
﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾
وَقَوله
﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم﴾
стр. 107
وَمَا جرى هَذَا المجرى من الْآي وَالْأَخْبَار الَّتِي ذكر فِيهَا نَفسه وَأَرَادَ وأولياءه وأنبياءه وعَلى مثله يحمل قَوْله ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ أَي آسفوا أولياءنا وأغضبوا أنبياءنا والناصرين لديننا
وَلمن كَانَ عَلَيْهِ مُقيما لإستحالة أَن يغْضب الله تَعَالَى وَأَن يُؤْذِي ويحارب
وَأما قَوْله أما إِنَّك لوعدته لَوَجَدْتنِي عِنْده مَعْنَاهُ أَي وجدت رَحْمَتي وفضلي وثوابي وكرامتي فِي عيادتك لَهُ وَهَذَا أَيْضا كَالْأولِ فِي بَاب أَنه ذكر الشَّيْء بأسمه وأيد غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾
وَهَذِه طَريقَة مُعْتَادَة غير مستنكرة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَالْأولى أَن يحمل الْخَبَر عَلَيْهِ وعَلى مثله يتَأَوَّل قَوْله ﴿وَوجد الله عِنْده﴾
على معنى أَنه وجد عِقَابه وحسابه فَذكر الله تَعَالَى وأضيف الْفِعْل إِلَيْهِ وَالْمرَاد فعله على النَّحْو الَّذِي بَيناهُ ونظائره فِي كَلَام الْعَرَب ومثاله أَيْضا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 108
وَالسَّلَام فِي أحد
هَذَا جبل يحبنا ونحبه // أخرجه البُخَارِيّ //
وَمعنى ذَلِك أَهله أَي يحب الساكنون بفنائه والمقيمون فِي ساحته ونحبهم وَإِذا احْتمل الْخَبَر مَا ذَكرْنَاهُ وَلَا يجوز على الله تَعَالَى الْحُلُول فِي الْأَمَاكِن لإستحالة كَونه محدودا ومتناهيا وَذَلِكَ لإستحالة كَونه مُحدثا وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا قُلْنَاهُ
стр. 109
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه وتأويله وَمَعْنَاهُ
روى صَفْوَان بن مُحرز أَنه كَانَ يماشي عبد الله بن عمر ﵄ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الرحمن كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى
قَالَ سمعته ﵊ يَقُول
يدنى الْمُؤمن من ربه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يضع الْجَبَّار كنفه عَلَيْهِ فيقرره بذنوبه فَيَقُول هَل تعرف
فَيَقُول رب أعرف
فَيَقُول لَهُ هَل تعرف
فَيَقُول رب أعرف
فَيَقُول عز ذكره إِنِّي سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أغفرها لَك فيعطي صحيفَة حَسَنَاته
وَأما الْكفَّار والمنافقون فينادي بهم على رُؤُوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم﴾
стр. 110
ذكر تَأْوِيله
أما قَوْله ﵊ يدنى العَبْد من ربه يَوْم الْقِيَامَة فَمَعْنَاه أَنه يقرب من رَحمته وكراماته وَعطفه ولطفه هَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة أَن يُقَال فلَان قريب من فلَان وَيُرَاد بِهِ قرب الْمنزلَة وعلو الدرجَة عِنْده وعَلى هَذَا يُقَال
إِن أَوْلِيَاء الله قريبون من الله كَمَا أَن أعداءه بعيدون مِنْهُ وَيَعْنِي بذلك قرب الدرجَة وعلو الْمرتبَة وَيُرَاد ببعد أَعدَاء الله مِنْهُم بعدهمْ من رَحمته وكرامته
وَكَذَلِكَ يُقَال إِن الله قريب من أوليائه بعيد من أعدائه وَيُقَال أَيْضا هُوَ قريب من خلقه وَالْمعْنَى فِيهِ قربه مِنْهُم علما بظواهرهم وبواطنهم وَقدرته على أَوَائِل أُمُورهم وأواخرها وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى
стр. 111
﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾
وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾
لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى الْقرب بِمَعْنى الْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر
فَأَما الَّذِي هُوَ قرب بِمَعْنى الْكَرَامَة فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾
فِي أَن المُرَاد بِهِ قرب الْمنزلَة وتوفيره الْكَرَامَة
فَأَما قَوْله إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ فتوسع لِأَن الرَّحْمَة لَا تُوصَف بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَلَا بالإكرام وَالْفضل
وَإِذا كَانَ سائغا فِي اللُّغَة كَانَ قَوْله يدنى العَبْد من ربه يَوْم الْقِيَامَة مَحْمُولا على مثله لإستحالة المساحة والمسافة وَبعد الْمَكَان وَالنِّهَايَة على الله
وَأما قَوْله ﵊ فَيَضَع الْجَبَّار كنفه عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يبين مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي معنى الدنو وَإنَّهُ على تَأْوِيل قرب الْمنزلَة والدرجة وَذَلِكَ أَن اللَّفْظ فِي الكنف إِنَّمَا يسْتَعْمل على مثل هَذَا الْمَعْنى أَلا ترى أَنه يُقَال أَنا فِي كنف فلَان وَفُلَان فِي كنفي إِذا أَرَادَ أَن يعرف إسباغ فَضله وَعطفه وتوفيره عَلَيْهِ
стр. 112
فَأَما مَا رَوَاهُ بعض الروَاة حَتَّى يضع الْجَبَّار كنفه عَلَيْهِ فقد ذكر جمع من أهل الْعلم أَن ذَلِك تَصْحِيف من الرَّاوِي لِأَن الْإِثْبَات قد ضبطوا هَذَا الْحَرْف على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا بالنُّون وَإِذا كَانَ ذَلِك مضبوطا وَالْمعْنَى الَّذِي حملنَا عَلَيْهِ مَشْهُورا كَانَ أولى مِمَّا قَالُوا مَعَ أَنه إِن صَحَّ فَإِنَّهُ يؤول إِلَى معنى مَا ذكرنَا مَعَ أَنه غير جَار فِي الْخطاب وَلَا مُسْتَعْمل فِي اللِّسَان مثله أَن يُقَال وضعت كنفي عَليّ والأثر الْحسن والكرامة كَانَ طَرِيقا وَيكون إستعمال ذَلِك فِيهِ مجَازًا هَذَا إِذا صَحَّ أَنه قد ضبط ذَلِك بِالتَّاءِ على الْوَجْه الَّذِي قَالُوا مَعَ أَنه غير مَعْرُوف وَلَا مضبوط فَاعْلَم
стр. 113
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ من الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عِنْد أهل النَّقْل وَذَلِكَ مِمَّا يتَعَلَّق بِذكر الْمَكَان وَقد رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ أَخْبَار سنذكرها أَولا فأولا فَمن ذَلِك
مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن جَارِيَة عرضت على رَسُول الله ﷺ مِمَّن أُرِيد عتقهَا فِي الْكَفَّارَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَهَا أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة
اعْلَم أَن الْكَلَام فِي ذَلِك من وَجْهَيْن
أَحدهمَا فِي تَأْوِيل قَوْله ﷺ أَيْن الله مَعَ إستحالة كَونه فِي مَكَان
وَالثَّانِي قَوْله أَنَّهَا مُؤمنَة من غير ظُهُور عمل مِنْهَا
فَأَما الْكَلَام فِيمَا يتَضَمَّن قَوْله ﷺ أَيْن الله فَإِن ظَاهر اللُّغَة تدل من لفظ أَيْن أَنَّهَا مَوْضُوعَة للسؤال عَن الْمَكَان ويستخبر بهَا عَن مَكَان المسؤول عَنهُ بأين إِذا قيل أَيْن هُوَ وَذَلِكَ أَن أهل اللُّغَة قَالُوا
стр. 114
لما ثقل على أهل اللِّسَان فِي الإستفهام عَن الْمَكَان أَن يَقُولُوا
أهوَ فِي الْبَيْت أم فِي الْمَسْجِد أم فِي السُّوق أم فِي بقْعَة كَذَا وَكَذَا وضعُوا لَفْظَة تجمع لجمع الْأَمْكِنَة يستفهمون بهَا عَن مَكَان المسؤول عَنهُ بأين وَهَذَا هُوَ أصل هَذِه الْكَلِمَة غير أَنهم قد استعملوها عَن مَكَان الْمَسْئُول عَنهُ فِي غير هَذَا الْمَعْنى توسعا أَيْضا تَشْبِيها بِمَا وضع لَهُ وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ
عِنْد استعلام منزلَة المستعلم عِنْد من يستعلمه أَيْن منزلَة فلَان مِنْك وَأَيْنَ فلَان من الْأَمِير واستعملوه فِي إستعلام الْفرق بَين الرتبتين بِأَن يَقُولُوا أَيْن فلَان من فلَان وَلَيْسَ يُرِيدُونَ الْمَكَان وَالْمحل من طَرِيق التجاوز فِي الْبِقَاع بل يُرِيدُونَ الإستفهام عَن التربة والمنزلة وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لفُلَان عِنْد فلَان مَكَان ومنزلة وَمَكَان فلَان فِي قلب فلَان حسن ويريدون بذلك الْمرتبَة والدرجة فِي التَّقْرِيب والتبعيد وَالْإِكْرَام والإهانة فَإِذا كَانَ ذَلِك مَشْهُورا فِي اللُّغَة احْتمل أَن يُقَال
إِن معنى قَوْله ﷺ
أَيْن الله استعلام لمنزلته وَقدره عِنْدهَا وَفِي قَلبهَا وأشارت إِلَى السَّمَاء ودلت بإشارتها على أَنه فِي السَّمَاء عِنْدهَا على قَول الْقَائِل
إِذا أَرَادَ أَن يخبر عَن رفْعَة وعلو منزلَة فلَان فِي السَّمَاء
أَي هُوَ رفيع الشَّأْن عَظِيم الْمِقْدَار
كَذَلِك قَوْلهَا فِي السَّمَاء على طَرِيق الْإِشَارَة إِلَيْهَا تَنْبِيها عَن مَحَله فِي قَلبهَا
стр. 115
ومعرفتها بِهِ
وَإِنَّمَا أشارت إِلَى السَّمَاء لِأَنَّهَا كَانَت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلَالَة الْعبارَة على نَحْو هَذَا الْمَعْنى وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يحمل على غَيره مِمَّا يَقْتَضِي الْحَد والتشبيه والتمكين فِي الْمَكَان والتكييف
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
إِن الْقَائِل إِذا قَالَ
إِن الله فِي السَّمَاء وَيُرِيد بذلك أَنه فَوْقهَا من طَرِيق الصّفة لَا من طَرِيق الْجِهَة على نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ لم يُنكر ذَلِك
وَأما قَوْله ﵊ اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة فَيحْتَمل أَن يكون قد عرف إيمَانهَا بِوَحْي فَأخْبر بذلك عَن ظُهُور إشارتها الَّتِي هِيَ عَلامَة من عَلَامَات الْإِيمَان
وَيحْتَمل أَن يكون سَمَّاهَا مُؤمنَة على الظاره من حَالهَا وَأَن ذَلِك الْقدر يَكْفِي من الْمَطْلُوب من إِيمَان من يُرَاد عتقه وَأَنه لَا يعْتَبر بعد ذَلِك ظُهُور الْأَعْمَال وَالْوَفَاء
стр. 116
بالعبادات
стр. 117
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى وتأويله وَمَعْنَاهُ
وَنَظِير هَذَا الْخَبَر فِي بَاب السُّؤَال عَن الْمَكَان مَا رُوِيَ أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق السَّمَاء
فَقَالَ ﷺ كَانَ فِي عماء مَا تَحْتَهُ هَوَاء وَمَا فَوْقه هَوَاء
فَفِي هَذَا الْخَبَر إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَيْن الله
وَهَذَا أقرب من أَن يكون سؤالا عَن الْمَكَان على أَن قَوْله ﷺ فِي عماء يحْتَمل أَن يكون فِي بِمَعْنى فَوق كَمَا قَالَ الله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ أَي على الأَرْض
وكما قيل فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ أَنه أَرَادَ من فَوْقهَا
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على وَجْهَيْن
أَحدهمَا بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يُقَال فِي عماء مَمْدُود والعماء فِي اللُّغَة هُوَ السَّحَاب الرَّقِيق وَرُوِيَ مَقْصُورا وَهُوَ أَن يُقَال فِي عَمَّا
стр. 118
فَإِذا رُوِيَ مَقْصُورا احْتمل أَن يكون الْمَعْنى أَنه كَانَ وَحده وَلم يكن سواهُ فَشبه الْعَدَم بالعمى توسعا لإستحالة أَن يرى مَا هُوَ عدم كَمَا يَسْتَحِيل أَن يرى بالعمى فَكَأَنَّهُ قَالَ
أَنه لم يكن شَيْء سواهُ وَلَا فَوق وَلَا تَحت وَلَا هَوَاء
فَإِذا قيل إِنَّه كَانَ فِي عماء بِالْمدِّ كَانَ سَبِيل تَأْوِيله على نَحْو مَا تأولنا عَلَيْهِ قَوْله جلّ وَعلا ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالتَّدْبِير والمفارقة لَهُ بالنعت وَالصّفة دون التحيز فِي الْمَكَان وَالْمحل والجهة
وَإِذا احْتمل مَا قُلْنَا وَلم يكن اللَّفْظ مِمَّا يخص معنى وَاحِدًا كَانَ جملَة على مَا قُلْنَاهُ أولى لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيه والتعطيل وتحديد مَا لَا يجوز أَن يكون محدودا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 119
ذكر خبر آخر فِي هَذَا الْمَعْنى وتأويله وَمَعْنَاهُ
وَمَا يشاكل هَذَا الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ
كَانَ جِبْرِيل ﵇ عِنْد النَّبِي ﷺ وَأَتَاهُ ملك فَقَالَ أَيْن تركت رَبنَا
قَالَ فِي سبع أَرضين
فَجَاءَهُ آخر فَقَالَ أَيْن تركت رَبنَا
قَالَ فِي سبع سموات
فَجَاءَهُ آخر فَسَأَلَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ فِي الْمشرق
وَجَاء آخر فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَيْن تركت رَبنَا فَقَالَ فِي الْمغرب
بَيَان تَأْوِيل ذَلِك
اعْلَم أَن الثَّلْجِي حمل ذَلِك على مَا يذهبون إِلَيْهِ من القَوْل بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان وَزعم أَنه نَظِير مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة فِي قَوْله عز ذكره ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
стр. 120
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾
وَكَانَ يذهب مَذْهَب النجار فِي القَوْل بِأَن الله فِي كل مَكَان وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَهَذَا التَّأْوِيل عندنَا مُنكر من أجل أَنه لَا يجوز أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى فِي مَكَان أَو فِي كل مَكَان من قبل أَن ظَاهر معنى فِي وَمَا وضع فِي اللُّغَة لَهُ هُوَ الْوِعَاء والظرف وَذَلِكَ لَا يصلح إِلَّا فِي الْأَجْسَام والجواهر
فَأَما قَوْله عز ذكره ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ فَإِن مَعْنَاهُ عِنْد أَصْحَابنَا
أَن الله جلّ ذكره يعلم سركم وجهركم الواقعين فِي مَحل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ محَال السِّرّ والجهر الواقعين فِي مَحل الله وَلَا يَصح الْوُقُوف على معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ دون أَن يُوصل بقوله تَعَالَى ﴿يعلم سركم وجهركم﴾
стр. 121
فان قَالَ قَائِل فَمَا معنى الْخَبَر إِذا لم يذكر فِيهِ الْعلم بل أطْلقُوا القَوْل فَقَالُوا فِي الشرق وَفِي الغرب وَفِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض
قيل إِن صَحَّ هَذَا فَمَعْنَاه أَنه فَوْقهَا وإستعمال فِي بِمَعْنى فَوق ظَاهر فِي اللُّغَة منتشر مِنْهُ قَوْله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ أَي فَوْقهَا
وَمِنْه قَوْله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ على جُذُوع النّخل وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ أَن المُرَاد بذلك من فَوْقهَا وَإِذا كَانَ ظَاهرا فِي اللُّغَة
стр. 122
اسْتِعْمَال فِي بِمَعْنى فَوق وَقد قَالَ ﵎ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾
وَقَالَ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾
وَأطلق الْمُسلمُونَ أَن الله تَعَالَى فَوق خلقه كَانَ حمله على أولى وَعَلِيهِ يتَأَوَّل أَيْضا قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
أَي هُوَ فَوق السَّمَاء إِلَه وَفَوق الأَرْض إِلَه
أنْشد بَعضهم هم صلبوا العبدى فِي جذع نَخْلَة مَعْنَاهُ على جذع نَخْلَة
وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الله فَوق مَا خلق لم يرجع بِهِ إِلَى فوقية الْمَكَان والإرتفاع على الْأَمْكِنَة بالمسافة والإشراف عَلَيْهَا بالممارسة لشَيْء مِنْهَا بل قَوْلنَا إِنَّه فَوْقهَا يحْتَمل وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه يُرَاد بِهِ أَنه قاهر لَهَا مستول عَلَيْهَا إِثْبَاتًا لإحاطة قدرته بهَا وشمول قهره لَهَا وَكَونهَا تَحت تَدْبيره جَارِيَة على حسب علمه ومشيئته
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يُرَاد أَنه فَوْقهَا على معنى أَنه مباين لَهَا بِالصّفةِ والنعت وَأَن مَا يجوز على المحدثات من الْعَيْب وَالنَّقْص وَالْعجز والآفة وَالْحَاجة لَا يَصح شَيْء
стр. 123
من ذَلِك عَلَيْهِ ولايجوز وَصفه بِهِ وَهَذَا أَيْضا مُتَعَارَف فِي اللُّغَة أَن يُقَال فلَان فَوق فلَان وَيُرَاد بذلك رفْعَة الْمرتبَة والمنزلة وَالله فَوق خلقه على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنَّمَا يمْتَنع الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن يكون على معنى التحيز فِي جِهَة الإختصاص ببقعه دون بقْعَة وَإِذا قُلْنَا أَنه فَوق الْأَشْيَاء على هَذَا الْوَجْه قُلْنَا أَيْضا فِي تَأْوِيل إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ فِيهَا على مثل هَذَا الْمَعْنى وَقد رَأينَا فِي اللُّغَة تعاقب هذَيْن الحرفين على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا شواهده من آي الْقُرْآن وَالشعر
سُؤال فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا أجزتم أَن يُقَال أَنه فِي السَّمَاء وَفِي الأَرْض على معنى أَنه فَوْقهَا أفتجيزون أَن يُقَال إِنَّه فِي كل على مثل هَذَا الْمَعْنى
قيل إِنَّمَا يُطلق من ذَلِك مَا ورد بِهِ أثر ونطق بِهِ سمع وَلَيْسَ للْقِيَاس عندنَا فِي ذَلِك مدْخل بِوَجْه من الْوُجُوه
قُلْنَا إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر كَانَ طَرِيق تَأْوِيله على نَحْو تَأْوِيل الْآيَة فِي قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ إِنَّمَا زعم مخالفونا أَنه وَاجِب أَن يُقَال
إِن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان ورد بِهِ خبر أَو لم يرد سوى من وَافَقنَا مِنْهُم فِي أَخذ أَسْمَائِهِ عَن التَّوْقِيف خُصُوصا وَلَا تَوْقِيف على هَذَا الْمَعْنى بِوَجْه بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان فَمَتَى رجعُوا فِي معنى إِطْلَاق ذَلِك إِلَى الْعلم وَالتَّدْبِير كَانَ معناهم صَحِيحا وَاللَّفْظ مَمْنُوعًا
أَلا ترى أَنه لَا يسوغ أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى مجاور لكل مَكَان أَو مماس لَهُ أَو حَال أَو مُتَمَكن فِيهِ على معنى أَنه عَالم بذلك مُدبر لَهُ
стр. 124
فَأَما قَوْلهم إِن هَذَا على سَبِيل قَوْلهم فلَان فِي بِنَاء دَاره وَفِي صلَاته وَعَمله على معنى أَنه يدبره
قيل هَذَا خطأ لِأَن مَا ذكرْتُمْ هُوَ من الْكَلَام المقلوب كَقَوْلِهِم
أدخلت القلنسوة فِي رَأْسِي وأدخلت الْقَبْر زيدا وأدخلت الْخُف فِي رجْلي وَإِنَّمَا تدخل الرجل فِي الْخُف وَزيد فِي الْقَبْر وَالرَّأْس فِي القلنسوة
كَذَلِك الْعَمَل فِي فلَان وَالْبناء فِيهِ لَا أَنه هُوَ فِي الْعَمَل وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام لَا يُقَاس وَلَا يصلح أَن يَجْعَل أصلا لِأَنَّهُ نوع من الْمجَاز وَإِنَّمَا يَجْعَل الْحَقَائِق أصولا ويستخرج مَعَانِيهَا إِذا كَانَ لإستعمال الْقيَاس فِي ذَلِك مدْخل
وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي الْإِشَارَة إِلَى فَسَاد قَول الثَّلْجِي وَمن ذهب مذْهبه فِي إِطْلَاق القوف بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان وَحمل هَذَا الْخَبَر على مثل مذْهبه فِيهِ فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 125
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَهُوَ مَا رَوَاهُ سماك بن حَرْب عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
الله أفرح بتوبة العَبْد من العَبْد إِذا ضلت رَاحِلَته فِي أَرض فلاة من يَوْم قائظ وراحلته عَلَيْهَا زَاده ومزاده إِذا ضلت أَيقَن بِالْهَلَاكِ وَإِذا وجدهَا فَرح بذلك فَالله أَشد فَرحا بتوبة عَبده من هَذَا العَبْد بِوُجُود رَاحِلَته // أخرجه ابْن مَاجَه //
وتطيره أَيْضا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
لَا يطَأ الرجل الْمَسَاجِد للصَّلَاة وَالذكر إِلَّا يتبشبش الله تَعَالَى بِهِ حِين يخرج كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب بغائبهم إِذا قدم عَلَيْهِم
تَأْوِيله
اعْلَم أَن الْفَرح فِي كَلَام الْعَرَب على وُجُوه
مِنْهَا الْفَرح بِمَعْنى السرُور من ذَلِك قَوْله ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا﴾
أَي سروا بهَا فَهَذَا الْمَعْنى لَا يَلِيق بِاللَّه لِأَنَّهُ يقْضِي جَوَاز الشَّهْوَة
стр. 126
وَالْحَاجة وَعَلِيهِ نيل الْمَنْفَعَة
وَمِنْهَا الْفَرح بِمَعْنى البطر والأشر من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾
وَقَوله ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه لفرح فخور﴾
يَعْنِي بذلك فَرح البطر والأشر وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(وَلست بمفراح إِذا الدَّهْر سرني ... وَلَا جازع من صرفه المتقلب) أَي لست ببطر وَلَا أشر وَإِن وَافقنِي الدَّهْر وساعدني
وَالْوَجْه الثَّالِث من الْفَرح أَن يكون بِمَعْنى الرِّضَا من قَوْله ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي راضون
وَلما كَانَ من يسر بالشَّيْء قد رضيه قيل إِنَّه فَرح على أَنه هُوَ بِهِ رَاض
وَمعنى الْخَبَر يحمل على ذَلِك لِأَن البطر وَالسُّرُور لَا يليقان بِاللَّه وَيكون معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى أرْضى بتوبة العَبْد من رضَا من وجد ضالته
стр. 127
وَاعْلَم أَن أصل الرِّضَا على أصولنا إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمن فِي الْمَعْلُوم أَنه يوافي ربه على الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَأَن من وَفقه الله تَعَالَى للتَّوْبَة من مَعَاصيه فقد رَضِي أَن يكون مثابا على الْخَيْر مَقْبُولًا مِنْهُ الطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَلم يزل الله عندنَا رَاضِيا عَمَّن يعلم أَنه يَمُوت على الْإِيمَان مزكيا مادحا مثنيا عَلَيْهِ بِالْإِيمَان وَالْخَيْر وَالْبر
وَتَكون فَائِدَة الْخَبَر على مَا ذكرنَا تعريفنا أَن الله هُوَ التائب على العَبْد ليتوب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾
وَيدل على صِحَة مَا نقُول
أَن الله هُوَ الْخَالِق لأعمال الْعِبَادَة والموفق للخير مِنْهَا وَأَن مَا يسْتَعْمل فِي الْخَيْر مِنْهَا لَا يصلح أَن يسْتَعْمل فِي الشَّرّ وَإِذا كَانَ كَذَلِك أَفَادَ هَذَا الْخَبَر تَعْرِيف صِحَة مَا نقُول فِي الرِّضَا وَأَن الطَّاعَة عَن رضَا الله تَعَالَى تحصل للْعَبد لَا عَن العَبْد وَأَنه هُوَ الَّذِي يُعينهُ ويوفقه لَهُ وَأَن من علمه أَهلا لذَلِك يسر لَهُ طَرِيق ذَلِك كَمَا أَن من يسر بالشَّيْء ييسر لَهُ الطَّرِيق وَكَذَلِكَ تثبت هَذِه الصّفة بِتِلْكَ الْحَالة
وعَلى نَحْو ذَلِك مَا ذكرنَا أَيْضا يتَأَوَّل قَوْله ﵊ فِي البشبشة وَذَلِكَ أَن مَعْنَاهُ يُقَارب معنى الْفَرح وَالرِّضَا بِمَا يحصل فِي التبشبش لما يبش مِنْهُ الْعَرَب تَقول
رَأَيْت لفُلَان بشابة وبشاشه أَي فَرحا وَتقول فلَان هش بش فَرح
стр. 128
إِذا كَانَ مُنْطَلقًا فِيمَا يحدث لَهُ رضَا بِهِ وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يكون معنى الْخَبَر إِن الله قد رَضِي وَطْء الواطئين للمساجد للذّكر وَالصَّلَاة وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ وَيسر لَهُم التَّقَرُّب بِهِ إِلَيْهِ وَسَهل عَلَيْهِم طَرِيق الْإِخْلَاص فِيهِ كمن يقدم عَلَيْهِ غائبه إِذا ابْتَدَأَ فِي تيسير الْأُمُور الَّتِي يرضاها لَهُ ويحلها بِهِ فَيُقَال لَهُ عِنْد ذَلِك تبشبش لَهُ
وَاعْلَم أَن الْعَرَب كَلَامهم استعادات أَلا ترى إِلَى قَوْله ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾
بِمَعْنى الإبتلاء والإختبار وَإِن كَانَ أصل الذَّوْق بالفم وَلذَلِك تَقول الْعَرَب
نَاظر فلَانا ذُقْ مَا عِنْده
وَيَقُولُونَ ذُقْ الْقوس بالنزع ليعلم لينها وصلابتها
كَذَلِك قَوْله تبشبش الله وَالله أفرح يرجع مَعْنَاهُ فِي التَّحْقِيق إِلَى إِظْهَار الْأَفْعَال المرضية فِيمَن يَتُوب عَلَيْهِ من الْمعاصِي ويوفقه للطاعة تَشْبِيها بِحَال أَحَدنَا إِذا ظهر لَهُ مَا يسره ويؤنسه وَإِن لم يكن لائقا بِاللَّه وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ التَّقْرِيب على الإفهام بِالْخِطَابِ الْمُعْتَاد الْجَارِي بَين أَهله
وَيحْتَمل أَن يكون ﷺ قصد بِذكر هَذِه الْأَلْفَاظ فِي التَّوْبَة وَالطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَحُضُور الْمَسَاجِد وَالذكر ترغيبا فِي التَّوْبَة وحثا على فعلهَا إِذا دَعَا إِلَيْهَا بأقرب مَا يدعى إِلَى مثله من الْأَلْفَاظ لتكثر الدَّوَاعِي إِلَى فعلهَا والمبادرة إِلَيْهَا إِذا خَاطب أَهلهَا
стр. 129
بأبلغ الْأَلْفَاظ فِيهَا
ثمَّ إِن وُجُوه الإستعارات وَتَحْقِيق الْمعَانِي صَحِيح ثَابت عِنْد أهل الْمعرفَة بهَا فَلَا تلبس عَلَيْهِم وَلَا تخيل أَن المُرَاد هُوَ الْمَعْنى الصَّحِيح الَّذِي يجوز عَلَيْهِ جلّ ذكره دون مَا لَا يجوز وَهَذَا كَسَائِر مَا وصف الله جلّ ذكره بِهِ من أَوْصَاف ذَاته وَفعله مِمَّا يَقع مُشْتَركا بَينه وَبَين خلقه فَيكون لَهُ مِنْهُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصح فِي وَصفه ويليق بِحكمِهِ وَلغيره إِذا جرى عَلَيْهِ نَحْو مَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يستوحش من إِطْلَاق مثل هَذَا اللَّفْظ إِذا ورد بِهِ سمع لِأَن النّظر يكْشف عَن الصَّحِيح من الْمَعْنيين والجائز من الْحكمَيْنِ عَلَيْهِ واللغة لَا يُمكن دَفعهَا والسمع لَا سَبِيل إِلَى رده إِذا صَحَّ
وَالنَّظَر الحكم الْفَاصِل بَين الْخَطَأ وَالصَّوَاب فِيهِ كَسَائِر الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة الْمُشْتَركَة وَمَا ذكرنَا مِمَّا قيل فِي معنى مَا ورد من اطلاق لفظ الضحك هُوَ قريب من هَذَا الْمَعْنى
стр. 130
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَمِمَّا يشاكل هَذَا الْبَاب مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل أَيْضا أَلْفَاظ رويت فِي أَخْبَار مُخْتَلفَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
عجب ربكُم من شَاب لَيست لَهُ صبوة // رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد //
وَفِي خبر آخر عجب ربكُم من إياسكم وَقُنُوطِكُمْ // رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد //
وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء بل عجبت بِضَم التَّاء
وَرُوِيَ أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ
عجب رَبنَا من قوم يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
وَرُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ
ثَلَاثَة يعجب الله إِلَيْهِم
الْقَوْم إِذا اصطفوا للصَّلَاة وَالْقَوْم إِذا اصطفوا لقِتَال الْمُشْركين وَرجل يقوم إِلَى الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
стр. 131
وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن رجلا نزل ضيفا بِرَجُل من الْأَنْصَار فَقَالَ لإمرأته
تعالي حَتَّى انطوى اللَّيْل لضيفنا فَإِذا وضعت الطَّعَام بَين يَدَيْهِ فاطفئي الْمِصْبَاح حَتَّى يَأْكُل وَحده قَالَ فَفعلت ذَلِك وغدوت على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ﵊
لقد عجب الله من صنيعكما البارحة فَأنْزل الله فيهمَا ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾
معنى ذَلِك أَن أصل التَّعَجُّب إِذا اسْتعْمل فِي أَحَدنَا فَالْمُرَاد أَن يدهمه أَمر يستعظمه مِمَّا لم يعلم وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ
وَإِذا قيل فِي صفة الله تَعَالَى عجب أَو يتعجب فَالْمُرَاد بِهِ أحد شَيْئَيْنِ
إِمَّا أَن يكون يُرَاد بِهِ أَنه مِمَّا عظم قدر ذَلِك وَكبر لِأَن المتعجب مُعظم لما يتعجب مِنْهُ وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ لما كَانَ عَالما بِمَا كَانَ وَيكون لم يلق بِهِ أحد الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَقْتَضِي اسْتِدْرَاك عَالم مَا لم يكن بِهِ عَالما فَبَقيَ أَمر التَّعْظِيم لَهُ وَالتَّكْبِير فِي الْقُلُوب عِنْد أَهله إِذا يُرَاد بذلك الرِّضَا وَالْقَبُول لأجل أَن من أعجبه الشَّيْء فقد رضيه وَقَبله وَلَا يَصح أَن يعجب مِمَّا يسخطه ويكرهه فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِي ﷺ تَعْظِيم أقدار هَذِه الْأَفْعَال فِي الْقُلُوب أخبر عَنْهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّعْظِيم حثا على فعلهَا وترغيبا فِي الْمُبَادرَة إِلَيْهَا
وَأما قَوْله تَعَالَى من قِرَاءَة من قَرَأَ بل عجبت بِضَم التَّاء فتأويله على أحد وَجْهَيْن
стр. 132
إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَنه جازاهم على عجبهم لما أخبر عَنْهُم أَنهم تعجبوا من الْحق لما جَاءَهُم ﴿هَذَا لشَيْء عُجاب﴾
وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب مَعْرُوفَة فِي تَسْمِيَة جَزَاء الشَّيْء بإسمه كَمَا قَالَ الْقَائِل
(أَلا لَا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الْجَاهِلين)
وكما قَالَ تَعَالَى ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾
وكما قَالَ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾
فَسمى الثَّانِي بإسمها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ النَّبِي وَطَرِيقَة ذَلِك على نَحْو مَا مضى بَيَانه قبل فِي أَنه يذكر وليه وخصيصة وَيكون الْخَبَر عَن نَفسه وَالْمرَاد بِهِ هُوَ كَمَا قيل مَرضت فَلم تعدني وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾
وَكَقَوْلِه
стр. 133
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهِرَة التَّشْبِيه
وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
لَا تسبو الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن
// أخرجه الإِمَام أَحْمد // وَرُوِيَ لفظ آخر وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ
إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن
وَرُوِيَ فِي خبر آخر أَنه قَالَ
هَذَا نفس رَبِّي أَجِدهُ بَين كَتِفي أَتَاكُم السَّاعَة
أعلم أَن النَّفس فِي كَلَام الْعَرَب يسْتَعْمل على معنى النَّفس وَيسْتَعْمل أَيْضا على معنى التَّنْفِيس فَهُوَ من قَوْلهم نفس منفوسة إِذا كَانَ مجوفا يتنفس يخرج مِنْهُ النَّفس شَيْئا بعد شَيْء وَلَيْسَ المُرَاد بِالْخَيرِ ذَلِك لإستحالة التنفس على الله من قبل أَنه لَيْسَ بإجزاء متبعضة وَلَا أجسام متغيرة
وَكَيف يَدعِي الجسمية المشبهة إِن ذَلِك على معنى التنفس وَعِنْدهم أَن تَأْوِيل الصمت المصمد الَّذِي لَيْسَ بأجوف وَإِنَّمَا التنفس يَجِيء من أجوف فَإِذا لم يكن النَّفس بِمَعْنى التنفس فَهُوَ بِمَعْنى التَّنْفِيس وَذَلِكَ مَعْرُوف من قَوْلهم نفست عَن
стр. 134
فلَان أَي فرجت عَنهُ وَكلمت زيدا فِي التَّنْفِيس عَن غَرِيمه وَيُقَال نفس الله عَن فلَان كربه أَي فرج عَنهُ
وَفِي الْخَبَر من نفس عَن مكروب كربَة من الْمُؤمنِينَ نفس الله عَنهُ كربَة يَوْم الْقِيَامَة
فَأَما معنى قَوْله ﵊ الرّيح من نفس الرَّحْمَن فَمَعْنَاه على هَذَا الْوَجْه
أَن الرّيح مِمَّا يفرج الله بهَا عَن المكروب والمغموم
وَقد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن الله سُبْحَانَهُ فرج عَن نبيه ﵊ بِالرِّيحِ يَوْم الْأَحْزَاب فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾
وَمن الْكَلَام المتداول فِي الْعرف وَالْعَادَة بل تدافع بَين أهل اللِّسَان قَوْلهم
اعْمَلْ وَأَنت فِي نفس من أَمرك
стр. 135
﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾
وَالْمعْنَى أَنهم اغضبوا أولياءنا وَقد أنكر منكرون هَذِه الْقِرَاءَة
قَالَ سُفْيَان قَرَأت عِنْد شُرَيْح بل عجبت فَقَالَ
إِن الله لَا يعجب من شىء إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم
قَالَ فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن شريحا شَاعِر يُعجبهُ علمه وعبد الله بن مَسْعُود أعلم مِنْهُ وَكَانَ يقْرَأ بل عجبت بِضَم التَّاء
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة إِن تَقْدِيره مَعْنَاهُ
قل يَا مُحَمَّد بل عجبت أَنا من قدرَة الله تَعَالَى فأضمر الْقُدْرَة لدلَالَة الْكَلَام وَمثله مَا قَالَ الشَّاعِر
(قد أَصبَحت أم الْخِيَار تدعى ... عَليّ ذَنْب كُله لم أصنع)
(لما رَأَيْت رَأْسِي كرأس الْأَقْرَع ... من اللَّيَالِي أبطيء وأسرعي)
أَرَادَ أَن يُقَال لَهَا لَا تبطىء وأسرعي فأضمر لدلاة الْكَلَام عَلَيْهِ
стр. 136
أَي وَأَنت فِي فسحة قبل الْهَرم وَالْمَرَض وَأَشْبَاه ذَلِك من الْحَوَادِث
وَالرِّيح مِمَّا يفرج بهَا الكرب وَمن نفس الرّيح أَنَّهَا إِذا ذهبت فِي الْبَلَد الْحَار والهواجر أذهبت الوباء وأطالت للْمُسَافِر السّير وَإِذا هبت فِي بعض الْأَوْقَات أنشأت السَّحَاب وَإِذا هبت فِي بَعْضهَا ألقحت الْأَشْجَار بِإِذن الله وَذَلِكَ قَوْله عز ذكره ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾
وَكَانَت الْعَرَب تَقول
إِذا كثرت الرِّيَاح كثر الخصب وَالْخَيْر وَإِذا تنسم الرّيح عليل أَو محزون وجد لنسيمها خفَّة وفرجا مِمَّا يجد وينشدون فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر
(فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على نَفسِي محزون تجلت همومها)
وَقَالَ بعض الْعَرَب
هجمت على بطن وَاد بَين جبلين فَمَا رَأَيْت وَاديا اخصب مِنْهُ وَإِذا وُجُوه أَهله بهيجة وألوانهم مصفرة فَقلت لَهُم
واديكم اخصب وَاد وَأَنْتُم لَا تشبهون أهل الخصب
فَقَالَ لي شيخ مِنْهُم لَيْسَ لنا ريح
وَهَذَا مِمَّا يبين أَن الله جعل فِي مهب الرّيح نفسا على معنى التَّنْفِيس والتفريج عَن المكروب والهعوم الْمُشْتَملَة على الْقُلُوب وَقرن بمهب بَعْضهَا الْخَيْر
стр. 137
وَالصَّلَاح للأجساد والأبدان
فعلى هَذَا يتَأَوَّل قَوْله إِن الرّيح من نفس الرَّحْمَن
أَي هِيَ مِمَّا خلق الله فِيهَا التَّفْرِيج والتنفيس والترويح وَالْإِضَافَة من طرق الْفِعْل
وَالْمعْنَى أَن الله جعلهَا كَذَلِك وَقرن التَّنْفِيس بهَا
وَأما قَوْله إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن
فَمَعْنَاه إِنِّي لأجد تفريج الله عني وتنفيسه عَن كربتي بنصرته إيَّايَ من قبل أهل الْيمن وَذَلِكَ لما نَصره الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار نفس الله عَن نبيه ﵊ مَا كَانَ فِيهِ من أَذَى الْمُشْركين وقتلهم الله على أَيدي الْمُهَاجِرين من أهل الْيمن وَالْأَنْصَار وَكَانَ ﷺ كثيرا مَا كَانَ يمدح أهل الْيمن وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ
الْإِيمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
وَأما قَوْله ﷺ
هَذَا نفس رَبِّي أَجِدهُ بَين كَتِفي أَتَاكُم السَّاعَة
فَمَعْنَاه أَن هَذَا هُوَ الَّذِي فرج الله رَبِّي عني بِمَا يوحيه إِلَيّ السَّاعَة فصرف بِهِ همومي وغمومي وكشف عَن قلبِي وستري عَن فُؤَادِي وَذَلِكَ مَا كَانَ يجده ﷺ فِي مُسْتَقْبل أوقاته من زَوَائِد روح الْيَقِين وفوائد التَّعْرِيف والألطاف الَّتِي يجدد الله لَهُ ﷺ فَسُمي ذَلِك نفس الرب لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي نفس عَنهُ وَالْإِضَافَة من طَرِيق الْملك وَالتَّدْبِير
стр. 138
وَإِذا احْتمل لفظ النَّفس والتنفيس والتنفس وَكَانَ التنفس من صِفَات الأجوف والأجوف لَا يكون إِلَّا أجساما متلاصقة وأجزاء ملتمة على وَجه مَخْصُوص وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَجب أَن يحمل على معنى التَّنْفِيس الَّذِي هُوَ التَّفْرِيج عَن الكروب والهموم فاعلمه إِن شَاءَ الله
ذكر خبر آخر يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه
وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْجمع الْكثير من الْأَثْبَات والثقات وَهُوَ من مشاهير الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب كالمجتمع على صِحَّته عِنْد أهل النَّقْل وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ بِأَلْفَاظ مُتَغَايِرَة فِي أَخْبَار مُتَفَرِّقَة يؤول جمع ذَلِك إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ
إِن الله تَعَالَى ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا
وَفِي بعض الْأَخْبَار فِي كل لَيْلَة
وَفِي بَعْضهَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيَقُول
هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ وَهل من سَائل فَأعْطِيه // أخرجه البُخَارِيّ // الْخَبَر
ذكر تَأْوِيله
اعْلَم أَن أول مَا يجب فِي ذَلِك قبل شروعنا فِي تَأْوِيله هُوَ أَن يعلم أَن جَمِيع أَوْصَاف الله تَعَالَى مِمَّا لَا يخرج من أحد وَجْهَيْن
стр. 139
إِمَّا أَن يكون اسْتَحَقَّه لنَفسِهِ أَو لصفة قَامَت بِهِ أَو لفعل يَفْعَله وَأَنه لَا يُطلق شَيْء من الْأَلْفَاظ فِي أَوْصَافه وأسمائه المتفرعة عَن هذَيْن الْأَصْلَيْنِ إِلَّا بعد وُرُود التَّوْقِيف من الْكتاب وَالسّنة وَعَن إتفاق الْأمة وَلَا مجَال للْقِيَاس وَذَلِكَ بِوَجْه من الْوُجُوه وأدلة هَذَا الْبَاب وَشرح وجوهه مِمَّا قد ذكر فِي الْكتب وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا إِذا كَانَ الْغَرَض التَّنْبِيه على مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ المشكلة الَّتِي وَردت فِي الْأَخْبَار المروية عَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه ويجحدها أهل الْبدع لتوهمهم أَن ذَلِك مِمَّا لَا يُمكن أَن يحمل على تَأْوِيل صَحِيح من غير أَن يكون فِيهِ تَشْبِيه أَو تَحْدِيد أَو تكييف وَوصف للرب بِمَا لَا يَلِيق بِهِ
وَاعْلَم أَنه قَلما يرد فِي هَذِه الْأَخْبَار من أَمْثَال هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَّا ونظائرها مَوْجُودَة فِي الْكتاب
وَهِي إِذا وَردت فِي الْكتاب مَحْمُولَة عِنْدهم على التَّأْوِيل الصَّحِيح مخرجة على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بصفاته تَعَالَى
وَإِذا وَردت فِي الْأَخْبَار أبطلوها مناقضة مِنْهُم لأصولهم كَسَائِر مناقضاتهم فِي مذاهبهم المبينة على آرائهم الْفَاسِدَة مِمَّا لم يشْهد بهَا كتاب وَلَا سنة وَلَا بَان فِيهَا اتِّفَاق الْأمة وَذَلِكَ لجحدهم سنَن رَسُول الله ﷺ وإستخفافهم بِأَهْل النَّقْل وإستهاناتهم برواياتهم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَيظْهر مخازيهم ومناقضاتهم
فَمَا ورد فِي هَذَا الْبَاب وَالْمعْنَى من آي الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف﴾
وَقَوله
стр. 140
﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾
وَقَوله ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾
وَاعْلَم أَنه لَا فرق بَين الْإِتْيَان والمجيء وَالنُّزُول إِذا أضيف جَمِيع ذَلِك إِلَى الْأَجْسَام الَّتِي تتحرك وتنتقل وتحازي مَكَانا إِن جَمِيع ذَلِك يعقل من ظَاهرهَا
وَالْمعْنَى الَّذِي هُوَ الْحَرَكَة والنقلة الَّتِي هِيَ تَفْرِيغ مَكَان وشغل مَكَان
وَإِذا أضيف إِلَى مَا لَا يَلِيق بِهِ الإنتقال من مَكَان إِلَى مَكَان لإستحالة وَصفه كَانَ معنى مَا يُضَاف إِلَيْهِ من الْإِتْيَان والمجيء على حسب مَا يَلِيق بنعمته وَصفته إِذا ورد بِهِ الْكتاب وَكَذَلِكَ إِذا أضيف النُّزُول إِلَيْهِ وَورد بِهِ الْخَبَر الصَّحِيح الموثق بروايته وَنَقله وَصِحَّته فِي بَاب أَنه يحمل على نَحْو مَا حمل عَلَيْهِ معنى الْمَجِيء والإتيان إِذا ذكرا فِي أَوْصَافه فِي الْكتاب
وَإِذا كَانَ كَذَلِك تأملنا معنى مَا ورد فِي هَذَا الْخَبَر من لفظ النُّزُول ونزلناه على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بوصفه وعَلى الْمَعْنى الَّذِي لَا يُنكر اسْتِعْمَال مثله فِي اللِّسَان فِي مثل مَعْنَاهُ وَلَا أَن يرد الْخَبَر بِمثلِهِ
فَمن ذَلِك أَنا وجدنَا لقطَة النُّزُول فِي اللُّغَة مستعملة على معَان مُخْتَلفَة وَلم تكن هَذِه اللّقطَة مِمَّا يخص أمرا وَاحِدًا حَتَّى لَا يُمكن الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره بل وَجَدْنَاهُ مُشْتَرك الْمَعْنى وَاحْتمل التَّأْوِيل والتخريج وَالتَّرْتِيب
стр. 141
فَمن ذَلِك النُّزُول بِمَعْنى الإنتقال وَذَلِكَ فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ على معنى النقلَة والتحويل
وَمن ذَلِك النُّزُول بِمَعْنى الْإِعْلَام كَقَوْلِه ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾
أَي أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا ﷺ
وَالنُّزُول أَيْضا بِمَعْنى القَوْل وَالْعِبَادَة وَذَلِكَ فِي قَوْله ﴿سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾
وَالنُّزُول أَيْضا بِمَعْنى الإقبال على الشَّيْء وَذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَعْمل فِي قَوْلهم والجاري فِي عرفهم وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ إِن فلَانا أَخذ بمكارم الْأَخْلَاق ثمَّ نزل مِنْهَا إِلَى سفافها أَي أقبل مِنْهَا إِلَى رديئها
وَمثله فِي نُقْصَان الدرجَة والمرقبة لأَنهم يَقُولُونَ
نزلت منزلَة فلَان عَن فلَان عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ إِلَى مَا دونهَا إِذا انحط قدره عِنْده
وَمن ذَلِك أَيْضا النُّزُول بِمَعْنى نزُول الحكم من ذَلِك قَول النَّاس قد كُنَّا فِي عدل وَخير حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان إِلَى حكمهم وكل ذَلِك فِي معنى النُّزُول مُتَعَارَف بَين أهل اللُّغَة غير مَرْفُوع عِنْدهم اشْتِرَاك مَعْنَاهُ
فَأَما قَوْله
стр. 142
﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾
فَمن أهل التَّأْوِيل من قَالَ مَعْنَاهُ وخلقنا الْحَدِيد
وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْحَدِيد أَنزَلْنَاهُ على معنى النَّقْل من علو إِلَى أَسْفَل
فَأَما قَوْله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة﴾ فَإِن إِنْزَال الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ على معنى النَّقْل والتحويل لإستحالة الإنتقال على الْكَلَام وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِعْلَام والإسماع والإفهام
وَقَوله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾
يكْشف أَيْضا على أَنه لَيْسَ كل نزُول وإنزال نقل وتحويل بل ذَلِك لفظ مُشْتَرك الْمَعْنى قد يكون نقلا وتحويلا وَيكون على غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا على الْمُتَعَارف والمعهود بَين أهل اللُّغَة وَإِذا كَانَ اللَّفْظ مُشْتَرك الْمَعْنى وَجب التَّرْتِيب وَإِضَافَة مَا يَلِيق فِي الْمَذْكُور والمضاف إِلَيْهِ على حسب مَا يَلِيق بِهِ أَلا ترى أَنه إِذا أضيف إِلَى السكينَة لم يكن حَرَكَة وَلَا نقلة وَإِذا أضيف إِلَى الْكَلَام لم يكن أَيْضا تَفْرِيغ مَكَان وشغل مَكَان وَإِذا أُرِيد بِهِ الحكم وَتغَير الْمرتبَة فَكَذَلِك وَإِذا كَانَ مَا وصف بِهِ الرب جلّ ذكره من النُّزُول مَحْمُولا على بعض هَذِه الْمعَانِي الَّتِي لَا تَقْتَضِي لَهُ مَا لَا يَلِيق بنعته من إِيجَاب حدث يحدث فِي ذَاته وتغيير يلْحقهُ أَو نقص تمثيلا أَو تحديدا وَهُوَ أَن
стр. 143
يكون على أحد وُجُوه من الْمعَانِي
أما أَن يُرَاد بِهِ إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والإستعطاف بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي قُلُوب أهل الْخَيْر مِنْهُم من أسعده بتوفيقه لطاعته حَتَّى يزعجهم إِلَى الْجد والإنكماش فِي التَّوْبَة والإنابة والإقبال على الطَّاعَة وَوجدنَا الله قد خص بالمدح المستغفرين بالأسحار وَقَالَ فِي وَصفهم أَيْضا ﴿كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾
فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك هُوَ المُرَاد بِهِ وَهُوَ الْأَخْبَار عَمَّا يظْهر من الطافه ومعونته وتأييده وَلأَهل ولَايَته فِي مثل هَذَا الْوَقْت بالزواجر الَّتِي يقيمها فِي نُفُوسهم والمواعظ الَّتِي تنبههم بِقُوَّة التَّرْغِيب والترهيب
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فعلا يظهره بأَمْره فيضاف إِلَيْهِ كَمَا يُقَال ضرب الْأَمِير اللص ونادى الْأَمِير فِي الْبَلَد الْيَوْم وَإِنَّمَا أَمر بذلك فيضاف إِلَيْهِ على معنى أَنه عَن أمره ظهر وبأمره حصل وَإِذا كَانَ ذَلِك مُحْتملا فِي اللُّغَة لم يُنكر أَن يكون لله مَلَائِكَة يَأْمُرهُم بالنزول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بِهَذَا النداء وَالدُّعَاء فيضاف ذَلِك إِلَى الله على الْوَجْه الَّذِي يُقَال ضرب الْأَمِير اللص ونادى فِي الْبِلَاد
وَقد روى لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ بِمَا يُؤَيّد هَذَا الْبَاب
стр. 144
وَهُوَ بِضَم الْيَاء من ينزل وَذكر أَنه قد ضَبطه عَمَّن سَمعه عَنهُ من الثِّقَات الضابطين وَإِذا كَانَ ذَلِك مَحْفُوظًا مضبوطا كَمَا قَالَ فوجهه ظَاهر وَلما ذَكرْنَاهُ مِمَّا يحْتَملهُ من التَّأْوِيل مؤيد شَاهد
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون على معنى أَنهم يَقُولُونَ
مازلنا فِي خير حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان على معنى نزُول حكمهم وَأمرهمْ فَيكون تَقْدِير التَّأْوِيل مَا قُلْنَا فِيهِ من الْأَخْبَار عَمَّا يَفْعَله الله تَعَالَى فِي كل لَيْلَة من أَفعاله الَّتِي هِيَ ترغيب لأهل الْخَيْر فِي الْخَيْر وَزِيَادَة فِي الدَّوَاعِي إِلَى الطَّاعَة والإستعطاف لأهل الْعَطف مَعَ إِنَّه إِذا لم يحل مَا أطلق عَلَيْهِ من هَذَا الْوَصْف من أَن يكون مِمَّا يلْزم الذَّات لأجل فعل أَو يكون مِمَّا يجب لأجل إفعال وَبَطل أَن يكون ذَلِك مِمَّا يلْزم الذَّات وَجب أَن يكون ذَلِك مِمَّا يُوصف بِهِ من أجل فعل يَفْعَله
وَقد رُوِيَ لنا عَن الْأَوْزَاعِيّ ﵀ أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الْخَبَر فَقَالَ
يفعل مَا يَشَاء
وَهَذَا إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَن ذَلِك فعل يظْهر مِنْهُ عز ذكره
وَرُوِيَ عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ فِي هَذَا الْخَبَر
ينزل أمره فِي كل شَيْء وَأما هُوَ جلّ ذكره فَهُوَ دَائِم لَا يَزُول ولسنا ننكر تَسْمِيَة الله تَعَالَى بأسماء أَفعاله إِذا ورد بهَا التَّوْقِيف بهَا كَسَائِر مَا يُسمى لأجل الْفِعْل مثل قَوْله ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾
وَقَوله
стр. 145
﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه﴾
وَقد ورد الْخَبَر الصَّحِيح الَّذِي لَا يُمكن دَفعه وَكَانَ حجَّة فِي إِطْلَاق التَّسْمِيَة وَالنَّظَر شاهدة تميز بَين الْمَعْنيين يَقْتَضِي نفي مَا لَا يَلِيق بِهِ فَوَجَبَ حمله عَلَيْهَا على مَا يَصح فِي وَصفه من بعض الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا
следующие страницы →