← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5899

مشكل الحديث وبيانه

ابن فورك

Полный текст (433 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فَمن ذَلِك النُّزُول بِمَعْنى الإنتقال وَذَلِكَ فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ على معنى النقلَة والتحويل وَمن ذَلِك النُّزُول بِمَعْنى الْإِعْلَام كَقَوْلِه ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ أَي أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا ﷺ وَالنُّزُول أَيْضا بِمَعْنى القَوْل وَالْعِبَادَة وَذَلِكَ فِي قَوْله ﴿سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ وَالنُّزُول أَيْضا بِمَعْنى الإقبال على الشَّيْء وَذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَعْمل فِي قَوْلهم والجاري فِي عرفهم وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ إِن فلَانا أَخذ بمكارم الْأَخْلَاق ثمَّ نزل مِنْهَا إِلَى سفافها أَي أقبل مِنْهَا إِلَى رديئها وَمثله فِي نُقْصَان الدرجَة والمرقبة لأَنهم يَقُولُونَ نزلت منزلَة فلَان عَن فلَان عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ إِلَى مَا دونهَا إِذا انحط قدره عِنْده وَمن ذَلِك أَيْضا النُّزُول بِمَعْنى نزُول الحكم من ذَلِك قَول النَّاس قد كُنَّا فِي عدل وَخير حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان إِلَى حكمهم وكل ذَلِك فِي معنى النُّزُول مُتَعَارَف بَين أهل اللُّغَة غير مَرْفُوع عِنْدهم اشْتِرَاك مَعْنَاهُ فَأَما قَوْله

стр. 142

﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ فَمن أهل التَّأْوِيل من قَالَ مَعْنَاهُ وخلقنا الْحَدِيد وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْحَدِيد أَنزَلْنَاهُ على معنى النَّقْل من علو إِلَى أَسْفَل فَأَما قَوْله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة﴾ فَإِن إِنْزَال الْقُرْآن لَيْسَ هُوَ على معنى النَّقْل والتحويل لإستحالة الإنتقال على الْكَلَام وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِعْلَام والإسماع والإفهام وَقَوله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾ يكْشف أَيْضا على أَنه لَيْسَ كل نزُول وإنزال نقل وتحويل بل ذَلِك لفظ مُشْتَرك الْمَعْنى قد يكون نقلا وتحويلا وَيكون على غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا على الْمُتَعَارف والمعهود بَين أهل اللُّغَة وَإِذا كَانَ اللَّفْظ مُشْتَرك الْمَعْنى وَجب التَّرْتِيب وَإِضَافَة مَا يَلِيق فِي الْمَذْكُور والمضاف إِلَيْهِ على حسب مَا يَلِيق بِهِ أَلا ترى أَنه إِذا أضيف إِلَى السكينَة لم يكن حَرَكَة وَلَا نقلة وَإِذا أضيف إِلَى الْكَلَام لم يكن أَيْضا تَفْرِيغ مَكَان وشغل مَكَان وَإِذا أُرِيد بِهِ الحكم وَتغَير الْمرتبَة فَكَذَلِك وَإِذا كَانَ مَا وصف بِهِ الرب جلّ ذكره من النُّزُول مَحْمُولا على بعض هَذِه الْمعَانِي الَّتِي لَا تَقْتَضِي لَهُ مَا لَا يَلِيق بنعته من إِيجَاب حدث يحدث فِي ذَاته وتغيير يلْحقهُ أَو نقص تمثيلا أَو تحديدا وَهُوَ أَن

стр. 143

يكون على أحد وُجُوه من الْمعَانِي أما أَن يُرَاد بِهِ إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والإستعطاف بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي قُلُوب أهل الْخَيْر مِنْهُم من أسعده بتوفيقه لطاعته حَتَّى يزعجهم إِلَى الْجد والإنكماش فِي التَّوْبَة والإنابة والإقبال على الطَّاعَة وَوجدنَا الله قد خص بالمدح المستغفرين بالأسحار وَقَالَ فِي وَصفهم أَيْضا ﴿كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك هُوَ المُرَاد بِهِ وَهُوَ الْأَخْبَار عَمَّا يظْهر من الطافه ومعونته وتأييده وَلأَهل ولَايَته فِي مثل هَذَا الْوَقْت بالزواجر الَّتِي يقيمها فِي نُفُوسهم والمواعظ الَّتِي تنبههم بِقُوَّة التَّرْغِيب والترهيب وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فعلا يظهره بأَمْره فيضاف إِلَيْهِ كَمَا يُقَال ضرب الْأَمِير اللص ونادى الْأَمِير فِي الْبَلَد الْيَوْم وَإِنَّمَا أَمر بذلك فيضاف إِلَيْهِ على معنى أَنه عَن أمره ظهر وبأمره حصل وَإِذا كَانَ ذَلِك مُحْتملا فِي اللُّغَة لم يُنكر أَن يكون لله مَلَائِكَة يَأْمُرهُم بالنزول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بِهَذَا النداء وَالدُّعَاء فيضاف ذَلِك إِلَى الله على الْوَجْه الَّذِي يُقَال ضرب الْأَمِير اللص ونادى فِي الْبِلَاد وَقد روى لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ بِمَا يُؤَيّد هَذَا الْبَاب

стр. 144

وَهُوَ بِضَم الْيَاء من ينزل وَذكر أَنه قد ضَبطه عَمَّن سَمعه عَنهُ من الثِّقَات الضابطين وَإِذا كَانَ ذَلِك مَحْفُوظًا مضبوطا كَمَا قَالَ فوجهه ظَاهر وَلما ذَكرْنَاهُ مِمَّا يحْتَملهُ من التَّأْوِيل مؤيد شَاهد وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون على معنى أَنهم يَقُولُونَ مازلنا فِي خير حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان على معنى نزُول حكمهم وَأمرهمْ فَيكون تَقْدِير التَّأْوِيل مَا قُلْنَا فِيهِ من الْأَخْبَار عَمَّا يَفْعَله الله تَعَالَى فِي كل لَيْلَة من أَفعاله الَّتِي هِيَ ترغيب لأهل الْخَيْر فِي الْخَيْر وَزِيَادَة فِي الدَّوَاعِي إِلَى الطَّاعَة والإستعطاف لأهل الْعَطف مَعَ إِنَّه إِذا لم يحل مَا أطلق عَلَيْهِ من هَذَا الْوَصْف من أَن يكون مِمَّا يلْزم الذَّات لأجل فعل أَو يكون مِمَّا يجب لأجل إفعال وَبَطل أَن يكون ذَلِك مِمَّا يلْزم الذَّات وَجب أَن يكون ذَلِك مِمَّا يُوصف بِهِ من أجل فعل يَفْعَله وَقد رُوِيَ لنا عَن الْأَوْزَاعِيّ ﵀ أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الْخَبَر فَقَالَ يفعل مَا يَشَاء وَهَذَا إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَن ذَلِك فعل يظْهر مِنْهُ عز ذكره وَرُوِيَ عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ فِي هَذَا الْخَبَر ينزل أمره فِي كل شَيْء وَأما هُوَ جلّ ذكره فَهُوَ دَائِم لَا يَزُول ولسنا ننكر تَسْمِيَة الله تَعَالَى بأسماء أَفعاله إِذا ورد بهَا التَّوْقِيف بهَا كَسَائِر مَا يُسمى لأجل الْفِعْل مثل قَوْله ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ وَقَوله

стр. 145

﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه﴾ وَقد ورد الْخَبَر الصَّحِيح الَّذِي لَا يُمكن دَفعه وَكَانَ حجَّة فِي إِطْلَاق التَّسْمِيَة وَالنَّظَر شاهدة تميز بَين الْمَعْنيين يَقْتَضِي نفي مَا لَا يَلِيق بِهِ فَوَجَبَ حمله عَلَيْهَا على مَا يَصح فِي وَصفه من بعض الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا

стр. 146

فصل آخر فِي ذَلِك فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا حملتم مَا رُوِيَ من النُّزُول فِي الْخَبَر على مَا ذكرْتُمْ فعلام تحملون قَوْله ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَقَوله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ قيل هَذَا تَأْوِيل أهل الْعلم هَذِه الْآي فِي وُجُوه كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَنهم تأولوا قَوْله ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف﴾ أَن مَعْنَاهُ الإستئصال فِي الْهَلَاك والدمار بإرسال الْعَذَاب كَمَا يَقُول النَّاس أَي السُّلْطَان بلد كَذَا فقلبه ظهرا لبطن أَي استأصله وَلَيْسَ يُرِيدُونَ حُضُوره الْبَلَد بِنَفسِهِ وَلَا شُهُوده بل يُرِيدُونَ الْهَلَاك والتدمير وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا أَرَادَ بذلك ظُهُور فعل من جِهَته فِي الْبُنيان سَمَّاهُ إتيانا وَللَّه أَن يُسَمِّي أَفعاله بِمَا شَاءَ وَأَن يصف نَفسه من ذَلِك بِمَا أَرَادَ

стр. 147

وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ فَمنهمْ من قَالَ إِن مَعْنَاهُ جَاءَ رَبك بِالْملكِ صفا وَزعم أَن الْوَاو هُنَا بِمَعْنى الْبَاء وَمِنْهُم من قَالَ جَاءَ رَبك وَالْملك أَمر رَبك وَحكمه يُرِيد أَمر الْقِيَامَة وَمَا يخْتَص بِهِ ذَلِك الْوَقْت من أمره الْمَخْصُوص وَحكمه الَّذِي لَا يَقع الشّركَة فِيهِ بِالدُّعَاءِ والنداء وَقد بَينا فِيمَا قبل أَنه لَا تدافع بَين أهل اللُّغَة فِي قَوْلهم ضرب الْأَمِير اللص ونادى الْأَمِير فِي الْبَلَد بِكَذَا وَإِنَّمَا يُرَاد بذلك أَن ذَلِك الْفِعْل وَقع بأَمْره وَعَن حكمه فيضاف الْفِعْل إِلَيْهِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُضَاف إِلَى من فعله وتولاه وَنَظِير ذَلِك قَوْله فِي قصَّة قوم لوط ﴿فطمسنا أَعينهم﴾ وَكَانَ الطمس للأعين من الْمَلَائِكَة بِأَمْر الله وَإِذا كَانَ مثله مُتَعَارَف فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا ورد الْخطاب فِي الْقُرْآن على الْمُتَعَارف فِي اللُّغَة والمعهود فِيمَا بَين أَهلهَا لم يُنكر أَن يحمل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك﴾

стр. 148

وَأما قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ فقد قَالَ بعض أهل التَّفْسِير إِن مَعْنَاهُ هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله بِالْعَذَابِ فِي ظلل من الْغَمَام وَهَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة أَن يعبر عَن الشَّيْء بِفِعْلِهِ إِذا وَقع عَن أمره وتدبيره كَقَوْلِهِم أَتَى الْأَمِير بلد فلَان إِذا وصل إِلَيْهِ جَيْشه وَدخل السُّلْطَان بلد كَذَا إِذا نفذ فِيهِ أمره وَحكمه وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْله ﴿فِي ظلل من الْغَمَام﴾ يُرَاد بِهِ بظلل من الْغَمَام وَأَن فِي بِمَعْنى الْبَاء وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي التَّفْسِير عَن ابْن عَبَّاس

стр. 149

وَقَالَ بعض أهل الْعلم فِي الإستشهاد بإبدال الْبَاء من فِي أَن أَعْرَابِيًا كَانَ يقْرَأ ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ فصير الْبَاء فِي مَكَان فِي لما كَانَ عِنْده أَن ذَلِك سَوَاء مِمَّا يُبدل أَحدهمَا صَاحبه من غير إختلاف الْمَعْنى ويحكى أَيْضا أَنه سمع من بعض الْأَعْرَاب وَهُوَ يَقُول لصَاحبه ارْفَعْ بالسماء يُرِيد ارْفَعْ فِي السَّمَاء وَقَالَ بَعضهم من أهل التَّأْوِيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ أَن مَعْنَاهُ عَن عَذَاب وَاقع وحروف الصِّفَات تدخل بَعْضهَا فِي بعض ويبدل بَعْضهَا من بعض إِذا تقاربت مَعَانِيهَا وَلم تخْتَلف وروى ابْن أبي نجيح عِنْد مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ قَالَ يَأْتِيهم بوعده ووعيده وَأَن الله يكْشف لَهُم يَوْم الْقِيَامَة عَن أُمُور كَانَت مستورة عَنْهُم

стр. 150

وَقد رُوِيَ مثل قَول ابْن عَبَّاس عَن الْحسن وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ مَا حملناه عَلَيْهِ تَأْوِيل الْخَبَر وَالْآيَة مَنْقُولًا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانَ ذَلِك مِمَّا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ وَيُؤْنس المستعلم التَّأْوِيل مَا ذكرنَا ويكشف للنَّاظِر أَن الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الْأَخْبَار كتأويل الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَأَن طَرِيق التَّخْرِيج فِيهَا وَاحِد إِذا وَجب أَن يحمل مَا ورد فِي الْكتاب من أَلْفَاظ الْمَجِيء والإتيان على غير معنى النُّزُول والإنتقال الَّذِي هُوَ صفة الْجِسْم الْمَحْدُود والمتحرك المتنقل المتمكن فِي مَكَان بعد مَكَان بل هُوَ على معنى مَا ورد بِهِ الْكتاب من الْإِتْيَان والمجيء وَلَا فرق بَين أَن يرد ذَلِك من طَرِيق صَحِيح من جِهَة الْأَثر وَالسّنة وَبَين أَن يرد ذَلِك فِي الْكتاب فِي بَاب مَا يحمل عَلَيْهِ من التَّأْوِيل على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بِاللَّه تَعَالَى فعلى هَذَا تَرْتِيب الْبَاب فَاعْلَم

стр. 151

ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ بِأَرْبَع فَقَالَ إِن الله تَعَالَى لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام بِيَدِهِ الْمِيزَان يخْفض الْقسْط وَيَرْفَعهُ يرفع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه // أخرجه الإِمَام مُسلم //

стр. 152

وَفِي بعض الْأَخْبَار لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل شَيْء أدْركهُ بَصَره تَأْوِيل ذَلِك اعْلَم أَن كل مَا ذكر فِيهِ الْحجاب من أَمْثَال هَذَا الْخَبَر فَإِنَّمَا يرجع مَعْنَاهُ إِلَى الْخلق لأَنهم هم المحجوبون عَنهُ بحجاب يخلقه فيهم لَا يجوز أَن يكون الله محتجبا وَلَا محجوبا لإستحالة كَونه جوهرا أَو جسما محدودا لِأَن مَا يستره الْحجاب أكبر مِنْهُ وَيكون متناهيا محاذيا جَائِزا عَلَيْهِ المماسة والمفارقة وَمَا كَانَ

стр. 153

كَذَلِك كَانَت عَلَامَات الْحَدث فِيهِ قَائِمَة وَذَلِكَ أَن الْمُوَحِّدين إِنَّمَا توصلوا إِلَى الْعلم بِحَدَث الْأَجْسَام من حَيْثُ وجدوها متناهية محدودة محلا للحوادث فَكَانَ تعاقبها عَلَيْهَا دَلِيلا على حدثها وَلنْ يجوز أَن تقوم دلَالَة الْحَدث على الْقَدِيم الَّذِي لم يزل مَوْجُودا وَإِذا كَانَ هَذَا الأَصْل صَحِيحا بِمَا كشفنا عَنهُ وَجب أَن يحمل ذَلِك على النَّوْع الَّذِي بَيناهُ وقررناه وَيشْهد لذَلِك يُؤَيّدهُ قَوْله ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ فَجعل الْكفَّار محجوبين عَن رُؤْيَته بِمَا خلق فيهم من الْحجاب وَالْمَنْع مِنْهَا وَلم يصف نَفسه بالإحتجاب وَلَا بِأَنَّهُ هُوَ المحجوب وَأعلم أَن أصل معنى الإحتجاب والحجاب فِي اللُّغَة هُوَ الْمَنْع وَلذَلِك يُقَال لمن يمْنَع عَن الْأَمِير من قد دخل إِلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ حَاجِب وَلذَلِك قيل للحاجبين اللَّذين يمنعان عَن الْعَينَيْنِ لإحاطتها بهما وَإِذا قُلْنَا أَن الْكَافِر مَحْجُوب عَن ربه فَالْمَعْنى فِيهِ أَنه مَمْنُوع عَن رُؤْيَته وَالْمَنْع من الرُّؤْيَة معنى يضاد الرُّؤْيَة إِذا وجد امْتنعت الرُّؤْيَة لوُجُوده وَالَّذِي يُحَقّق وَيُؤَيّد مَا عَلَيْهِ تأويلنا مَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ وروى عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرحمن بن أبي ليلى

стр. 154

عَن عَليّ أَنه مر بقصاب وَهُوَ يَقُول لَا وَالَّذِي احتجب بسبعة أطباق فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵁ وَيحك يَا قصاب إِن الله لَا يحتجب عَن خلقه وَفِي بعض هَذِه الْأَخْبَار أَن عليا علاهُ بِالدرةِ فَقَالَ يَا لكع إِن الله لَا يحتجب عَن خلقه بِشَيْء وَلَكِن حجب خلقه عَنهُ وَفِي بعض هَذِه الْأَخْبَار أَنه قَالَ القصاب لعَلي أَو لَا أكفر عَن يَمِيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا لِأَنَّك حَلَفت بِغَيْر الله وروى عَن عَاصِم عَن عَطاء عَن أبي البخْترِي مثله عَن عَليّ فَأَما قَوْله ﵊ لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه فقد تَأَول أهل الْعلم ذَلِك مِنْهُم أَبُو عبيد ذكر أَن معنى لَو كشفها فَقَالَ أَي لَو كشف رَحمته عَن النَّار لأحرقت سبحات وَجهه أَي لأحرقت وَجه المحجوب عَنهُ بالنَّار

стр. 155

وَالْهَاء عَائِدَة فِي سبحات وَجهه إِلَى المحجوب لَا إِلَى الله لِأَن هَذَا الْوَصْف لَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ لما ذكرنَا أَنه يَسْتَحِيل أَن يكون محجوبا أَو محتجبا وَقَالَ بَعضهم معنى قَوْله حجابه النَّار أَي جعل خلقه محجوبا بِهَذَا وَرُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَن حجابه النُّور وَلَيْسَ بتفاوت معنى النَّار والنور وَمعنى الْإِضَافَة فِي الْحجاب إِلَيْهِ من طَرِيق الْجعل والخلق وَهُوَ أَن جعل الْخلق محجوبا بِهِ لِأَنَّهُ يحتجب بِهِ فَإِن قَالُوا فعلى مَاذَا تحملون مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ احتجب الله من خلقه بِأَرْبَع بِنَار وظلمة وَنور وظلمه قيل قد ذكر بعض أهل الْعلم فِي ذَلِك تَأْوِيل أَن مَعْنَاهُ أَن الله عرفنَا نَفسه بآياته ودلائله فَقَالَ لَهُ آيَات لَو ظَهرت لِلْخلقِ كَانَت معرفتهم بِهِ كمعرفة العيان كَمَا ذكر فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي معنى قَوْله احتجب بالنَّار أَي خلقهَا دون تِلْكَ الدلالات الَّتِي تبهر الْعُقُول وتدل على مَعْرفَته حَتَّى تصير كمعرفة العيان وَهَذَا الْخَبَر إِذا حمل تَأْوِيله على مَا ذكر الثَّلْجِي كَانَ معنى الإحتجاب عَن الْخلق أَنه جعل دلَالَة فَوق دلَالَة وَدلَالَة أظهر من دلَالَة وَيرجع فِي التَّحْقِيق إِلَى

стр. 156

مَا قُلْنَا أَنه يحجب الْخلق بِمَا يخلقه فيهم من مَوَانِع الْمعرفَة والربوبية لَا أَنه يحتجب احتجاب استتار كالإستتار بالأجسام الحاوية لما يُحِيط بهَا ويكتنفها وَاعْلَم أَن الْأَجْسَام لَيست تحجب على الْحَقِيقَة فِي المحدثات أَيْضا لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة غير مَانِعَة رُؤْيَة المحجوب المستور المغطى وَلَا مَانِعَة للمعرفة على الأَصْل الصَّحِيح من مذاهبنا وَذَلِكَ أَن الْمَانِع من معرفَة الشَّيْء ورؤيته ومعاينة مَا يمْنَع من وجود مَعْرفَته ومعاينته وَمَا يمْنَع من ذَلِك فَهُوَ الَّذِي يضاد وجوده وَذَلِكَ لَا يَصح إِلَّا فِي العرضين المتضادين المتعاقبين وَلَا يَصح أَن يكون الْجِسْم منعا وَلَا مَانِعا من عرض أصلا لأجل أَنه لَا يَصح أَن يكون بَين الْعرض والجسم تناف وتضاد على وَجه من الْوُجُوه فَبَان بِهَذَا أَن الَّذِي يججب عَن المعاينة والمعرفة فِي الْقَدِيم والمحدث هُوَ الْمَنْع الَّذِي هُوَ بِمَعْنى مَوْجُود تعاقب الْعلم والرؤية لمن هُوَ مَمْنُوع بِهِ فعلى ذَلِك لَا يَصح أَن يكون الْمُحدث وَلَا الْقَدِيم محجوبا بالشَّيْء من سَائِر الْأَجْسَام المغطية والمكتنفة المحيطة وَإِنَّمَا يُقَال لهَذِهِ الْأَجْسَام الساترة أَنَّهَا حجاب عَن رُؤْيَة المحجوب لما وَرَاءه من أجل أَن الْمَنْع من الرُّؤْيَة يحدث عِنْده فَسمى بإسم مَا يحدث عِنْده وَلذَلِك عطلت الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم إِن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يرى لأجل أَنه لَو كَانَ مرئيا لرأيناه السَّاعَة لإرتفاع الْحجاب والبعد واللطافة والرقة وَذَلِكَ أَن مَا قَالُوا أَنه حجاب وَمنع فَلَيْسَ بحجاب وَلَا منع على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا يُطلق عَلَيْهِ مجَازًا لأجل أَن الْمَنْع يحدث عِنْده

стр. 157

فعلى ذَلِك تَرْتِيب تَأْوِيل هَذِه الْأَخْبَار الْوَارِدَة بِلَفْظ الْحجاب ويحقق أَن الله لَا يَصح أَن يكون محجوبا وَلَا محجوبا على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ مَانع خَالق للحجاب فيضاف الْحجاب إِلَيْهِ على معنى أَنه جعله حِجَابا لمن حجبه بِهِ من طَرِيق الْفِعْل لَا من طَرِيق الإستتار والإحتواء عَلَيْهِ ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل وَهُوَ مَا رَوَاهُ الجم الْغَفِير وَالْجمع الْكثير عَن النَّبِي ﷺ بِأَلْفَاظ مفترقة وَمَعَان متفقة فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة وَهُوَ أَن قَالَ ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَا تضادون فِي رُؤْيَته // أخرجه الإِمَام أَحْمد // وَفِي بَعْضهَا لَا تضَامون من رُؤْيَته بتَشْديد الْمِيم من تضَامون الَّذِي هُوَ بِمَعْنى المضامة وَقد رُوِيَ أَيْضا مخففا على معنى نفي الضيم عَنْهُم وَالَّذِي يجب أَن يُوقف عَلَيْهِ من هَذَا الْخَبَر معنى المضارة والمضامة المنفية عَن الرائين لَهُ وَوجه تَشْبِيه رُؤْيَته بِرُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر أَن ذَلِك لَا يرجع إِلَى الرَّائِي بل يرجع إِلَى الرُّؤْيَة

стр. 158

وَرُوِيَ فِي خبر آخر لفظ أشكل من هَذَا وَهُوَ أَنه رُوِيَ أَن الله تَعَالَى يبرز كل جُمُعَة لأهل الْجنَّة وروى على كثيب من كافور فيكونون فِي الْقرب على قدر تكبيرهم إِلَى الْجُمُعَة أَلا فسارعوا فِي الْخيرَات تَأْوِيله أعلم أَن قَوْله ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لم يقْصد بِهِ إِلَّا تَحْقِيق رُؤْيَة العيان لَا تَشْبِيه المرئ بالمرئ بل تَحْصِيل ذَلِك تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ رؤيتكم الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة كرؤيتكم الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر أَي كَمَا أَنكُمْ لَا تشكون لَيْلَة الْبَدْر فِي رُؤْيَة الْقَمَر أَنه هُوَ الْبَدْر وَلَا يتخالجكم

стр. 159

فِيهِ ريب وَظن كَذَلِك ترَوْنَ الله جلّ ذكره يَوْم الْقِيَامَة مُعَاينَة يحصل مَعهَا الْيَقِين بِأَن مَا تَرَوْنَهُ هُوَ المعبود الْإِلَه الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وحقق ذَلِك قَوْله لَا تضَامون فِي رُؤْيَته فَأَما معنى قَوْله ﷺ لَا تضَامون فِي رُؤْيَته أَي لَا يَنْضَم بَعْضكُم إِلَى بعض كَمَا تنضمون فِي رُؤْيَة الْهلَال رَأس الشَّهْر بل تَرَوْنَهُ جهرة من غير تكلّف لطلب رُؤْيَته كَمَا ترَوْنَ الْبَدْر وَهُوَ الْقَمَر لَيْلَة الرَّابِع عشر إِذا عاينه المعاين جهرة لم يحْتَج إِلَى تكلّف فِي طلب رُؤْيَته ومعاينته وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ لَا تضَارونَ أَي لَا يلحقكم الضَّرَر فِي رُؤْيَته بتكلف طلب كَمَا يلْحق الْمَشَقَّة والتعب فِي طلب رُؤْيَة مَا يخفي ويدق ويغمض وكل ذَلِك المعاينة وَأَنَّهَا صفة تزيد على الْعلم وَكَذَلِكَ من روى تضَامون مخففا فَإِنَّمَا مُرَاده الضيم أَي لَا يلحقكم فِيهِ ضيم والضيم وَالضَّرَر وَاحِد فِي الْمَعْنى

стр. 160

وَقد تأولت الْمُعْتَزلَة ذَلِك على معنى رُؤْيَة الْعلم وَأَن الْمُؤمنِينَ يعْرفُونَ الله يَوْم الْقِيَامَة ضَرُورَة وَهَذَا خطأ من قبل أَن الرُّؤْيَة إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم تعدت إِلَى مفعولين وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الْقَائِل رَأَيْت زيدا فَقِيها أَي عَلمته كَذَلِك فَإِذا رَأَيْت زيدا مُنْطَلقًا فَلَا يفهم مِنْهُ إِلَّا رُؤْيَة الْبَصَر وَقد حقق ذَلِك أَيْضا بِمَا أكده بِهِ من تشبيهه بِرُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَتلك رُؤْيَة الْبَصَر لَا رؤيه علم وعَلى أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يبشر الْمُؤمنِينَ من أَصْحَابه بذلك وَذَلِكَ يُوجب أَن يكون معنى يختصون بِهِ وَأما الْعلم بِهِ فمشترك بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ يبطل معنى بشارته للْمُؤْمِنين بِالرُّؤْيَةِ وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة رُؤْيَة عيان وَقد روى الْأَثْبَات مِنْهُم خُنَيْس عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة عيَانًا وَهَذَا يرفع الْإِشْكَال وَيمْنَع الإحتمال لِأَن الرُّؤْيَة وَإِن كَانَت تسْتَعْمل فِي معنى الْعلم فَإِنَّهَا إِذا قرنت بِلَفْظ العيان لم يحْتَمل الْعلم وَذَلِكَ كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت زيدا مُعَاينَة وعيانا لَا يحْتَمل معنى الْعلم كَمَا أَنه قَالَ رَأَيْت زيدا بقلبي لم يحْتَمل رُؤْيَة الْبَصَر فَأَما مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر الآخر أَن الله جلّ ذكره ينزل كل يَوْم جُمُعَة لأهل الْجنَّة على كثيب من كافور فيكونون فِي الْقرب على قدر تبكيرهم إِلَى الْجُمُعَة أَلا فسارعوا إِلَى الْخيرَات فَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع إِن هَذَا الْخَبَر مِمَّا تفرد بروايته الْمنْهَال بن عَمْرو وَهُوَ ضَعِيف جدا مَعَ أَنه إِن

стр. 161

صَحَّ وَقيل فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَن أهل الْجنَّة يرونه على مقادير أَوْقَات الدُّنْيَا بِحَسب أَعْمَالهم الْحَسَنَة ومسارعتهم فِيهَا وكل مَا قيل فِي ذَلِك من معنى أَيَّام الدُّنْيَا وأوقاتها فِيهَا كَقَوْلِه وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا فَذَلِك على تَقْدِير أَيَّام الدُّنْيَا وأوقاتها لَا أَن هُنَالك غدْوَة وعشيا أَو جُمُعَة أَو سبتا فَأَما بروزه لأهل الْجنَّة فَذَلِك تجليه لَهُم وَهُوَ أَن يخلق لَهُم رُؤْيَة لَهُ تَعَالَى فهم على كثيب كافور فَأَما معنى قربه مِنْهُم فَذَلِك رَاجع إِلَى الكرامات والمنزلة لَا إِلَى الْمَكَان والمسافة وَذَلِكَ متعالم مَشْهُور بَين النَّاس أَنهم يَقُولُونَ فلَان قريب من فلَان وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قرب الْمنزلَة لَا قرب الْمسَافَة وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله من تقرب مني شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعا // أخرجه البُخَارِيّ // أَي تقرب بِالطَّاعَةِ ضعفت لَهُ الثَّوَاب وزدته كَرَامَة وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ لِلْفَاسِقِ فِي فسقه أَنه متباعد عَن الله يُرِيدُونَ بذلك التباعد من طَاعَته وعبادته وعَلى هَذَا الْمَعْنى يُقَال إِن الْكَافِر بعيد عَن الله وَالْمُؤمن قريب من الله وَالله قريب من الْمُؤمنِينَ بعيد عَن الْكَافرين وَمعنى ذَلِك قرب رَحمته وكرامته ولطفه وفضله من الْمُؤمنِينَ وَبعد جَمِيع ذَلِك من الْكَافِر

стр. 162

فَأَما قرب الْمَكَان فَلَا يَلِيق بِوَصْف الله تَعَالَى وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ إِن جَمِيع ذَلِك لَا يَخْلُو أَن يكون قربا بِالطَّاعَةِ من العَبْد أَو قربا بالكرامة وَإِظْهَار الرَّحْمَة من الله تَعَالَى فعلى ذَلِك جَمِيع مَا يُوصف بِهِ الله عز ذكره من قربه من الْخلق ويوصف بِهِ العَبْد من قربه من الله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْبعد

стр. 163

ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيخلو بِهِ ربه يَوْم الْقِيَامَة ويكلمه وَلَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان فَيَقُول مَا عملت فِيمَا علمت // أخرجه البُخَارِيّ // ذكر تَأْوِيله إعلم أَن معنى قَوْله سيخلو بِهِ ربه مَحْمُول على مَا جرى بِهِ الْعرف فِي كَلَام الْعَرَب من قَوْلهم خلا فلَان بِعَمَلِهِ وخلا فلَان بِنَفسِهِ وَمعنى ذَلِك إنفراده وتفرده لما تفرد بِهِ ويتفرد لَهُ فعلى ذَلِك يكون معنى الْخَبَر أَنه يكلمهُ بِكَلَام لَا يسمعهُ غَيره بل يخص المكلم بالإسماع لما يكلمهُ بِهِ فَيكون خَالِيا بِهِ على هَذَا الْوَجْه حِين يظنّ من يكلمهُ ويحاسبه أَنه لَيْسَ بمكلم لأحد سواهُ وَلَا محاسب لغيره وَإِنَّمَا حملناه على ذَلِك لإستحالة وَصفه بِالْقربِ الَّذِي هُوَ قرب الْمسَافَة

стр. 164

والمساحة وَذَلِكَ لإستحالة كَونه محدودا متناهيا لإستحالة كَونه محدودا وَقد ذكرنَا قبل مثل هَذَا الْمَعْنى فِي حَدِيث النَّجْوَى وَقد رُوِيَ مُفَسرًا قَالَ ابْن عمر ﵄ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى أما الْمُؤمن فيدنى من ربه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يضع كنفه عَلَيْهِ فيقرره بذنوبه وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن ذَلِك أدناه من طَرِيق الْكَرَامَة وَأَن كنفه ستره وَكَرمه وعفوه وَرَحمته كَذَلِك معنى خلوه بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ تَعْرِيفه أَعمال السالفة وإعلامه ومواقع الْجَزَاء من أَعماله الْخَيْر وَالشَّر بالثواب وَالْعِقَاب ذَلِك نَظِير قَوْله جلّ ذكره ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى تَأْوِيل الْعلم بِهِ وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ والسمع لكَلَامه والرؤية لذاته وَصِفَاته تعريفا لَهُم أَنه هُوَ الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أُمُور الْخلق كَذَلِك قَوْله ﷺ سيخلو الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة أَي يفرده بالتعريف يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى لَا يسمع غَيره مَا سَمعه وَلَا يعرف أحد سواهُ مَا يعرفهُ رَحْمَة بِالْمُؤْمِنِينَ من عباده وسترا

стр. 165

عَلَيْهِم بِإِظْهَار عَفوه وَكَرمه وَقد قيل إِنَّه يُحَاسب الْمُؤمن عتابا وَيُحَاسب الْكَافِر عقَابا وَلما كَانَ الله هُوَ الْقَادِر على إسماع كل وَاحِد من المحاسبين مَا يُرِيد أَن يسمعهُ كَلَامه بِحَيْثُ لَا يسمع غَيره مثله فِي تِلْكَ الْحَال لم يُنكر أَن يكون مَا روى أَنه يَخْلُو بِهِ حَتَّى يظنّ أحدهم أَنه لَيْسَ يكلم أحدا سواهُ وَمعنى تكليم الله خلقه إفهامه إيَّاهُم كَلَامه على مَا يُرِيد أما بإسماع عبارَة تدل على مُرَاده أَو بإبتداء فهم يخلقه فِي قلبه يفهم بِهِ مَا يُرِيد أَن يفهمهُ بِهِ وكل ذَلِك سَائِغ جَائِز وَهُوَ معنى مَا يكلم الله تَعَالَى بِهِ العَبْد عِنْد المحاسبة فَإِذا أفرده بِهِ إسماعا وإفهاما مَا كَانَ ذَلِك خلوا بِهِ

стр. 166

ذكر خبر آخر يَقْتَضِي التَّأْوِيل وَهُوَ مَا روى سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى لما خلق آدم ﵇ وَنفخ فِيهِ من روحه عطس آدم فَأذن الله لَهُ فَشكر الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ ربه رَحِمك الله فسبقت لَهُ من ربه رَحمته وَقَالَ لَهُ يَا آدم إذهب إِلَى الْمَلأ من الْمَلَائِكَة فَقل لَهُم السَّلَام عَلَيْكُم فَقَالَ لَهُم فَقَالُوا وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله ثمَّ رَجَعَ إِلَى ربه فَقَالَ لَهُ هَذِه تحيتك وتحية ذريتك بَينهم تَأْوِيل ذَلِك اعْلَم أَن معنى قَوْله وَنفخ فِيهِ من روحه وَمعنى قَوْله ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ وَمعنى جَمِيع ذَلِك إِضَافَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْملك وَالْفِعْل وَقد بَينا أَن أَفعاله لَا تغيره وَلَا تحله وَإِنَّمَا تحدث بقوله كن

стр. 167

فَيكون وَأَن بَعْضهَا يُضَاف إِلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْخَاص إتباعا لَهُ فِيمَا خص بِهِ نَفسه لفائدة متجددة إِمَّا للتنويه بِشَأْنِهِ وَالرَّفْع من حَاله وَقد علمنَا أَن جملَة الْأَرْوَاح مخلوقة لَهُ فَخص بَعْضهَا بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه كَمَا خص بعض الْبيُوت بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه وَإِن كَانَ كلهَا ملكا لَهُ وفعلا للتنويه بذكرها والتشريف وَالدّلَالَة على فَضلهَا وَشرف أمرهَا وَأما قَوْله فَقَالَ لَهُ رَبك رَحِمك الله حِين عطس آدم ﵇ فقد بَينا معنى مُخَاطبَة الله تَعَالَى لمن يُرِيد أَن يخاطبه وَأَن ذَلِك تَارَة يكون بإسماع بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان وَذَلِكَ نوع من التَّخْصِيص للدلالة على شرف المكلم على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ مُكَلم لجَمِيع الْمُكَلّفين بِالْأَمر وَالنَّهْي وَإِنَّمَا كَلمهمْ بوسائط الرُّسُل والمبلغين عَنهُ إِلَيْهِم فَأَما قَوْله فسبقت لَهُ من ربه رَحمته فَمَعْنَى ذَلِك الْوَعْد بِالرَّحْمَةِ لِأَن نفس

стр. 168

الرَّحْمَة لَا يَصح فِيهَا تَأَخّر وَتقدم بِحَدّ وَنِهَايَة لأجل أَنَّهَا عندنَا صفة من صِفَات ذَاته لم يزل مَوْصُوفا وَإِنَّمَا أَرَادَ هَهُنَا مَا هُوَ دلَالَة على الرَّحْمَة الَّتِي تنَاوله من قبل الله جلّ ذكره لِأَن الْكَائِن عَن الشَّيْء والمتعلق بِهِ قد يُسمى بإسمه كَمَا يُقَال لما يظْهر من قدرَة الله من أَفعاله أَنَّهَا قدرَة الله وَتَحْقِيق ذَلِك أَنه هُوَ الْكَائِن عَن قدرته كَذَلِك مَا يَبْدُو من النعم عَن سَابق الرَّحْمَة قد يُسمى رَحْمَة على التَّوَسُّع فِي الْكَلَام وَقد رُوِيَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث سبقت رَحْمَتي غَضَبي // أخرجه البُخَارِيّ // وَوجه السُّؤَال فِيهِ على أصلنَا أَنا نقُول إِن رَحْمَة الله صفة من صِفَات ذَاته وَكَذَلِكَ غَضَبه وَرضَاهُ وَلَا يَصح فِيمَا سَبيله ذَلِك أَن يكون مَسْبُوقا وَأَن يتَقَدَّم أَحدهمَا صَاحبه لِأَن ذَلِك يُوجب حدث الْمُتَأَخر مِنْهَا

стр. 169

وَوجه الْجَواب عَن ذَلِك يرد على النَّحْو الَّذِي بَينا من تَسْمِيَة المصادر عَن الشَّيْء بإسمه لما بَينهمَا من التَّعَلُّق وَكَذَلِكَ الظَّاهِر من نعم الله وفضله الَّذِي سبق إِلَى الْخلق فِي الدُّنْيَا ابْتِدَاء وأولا عَن رَحمته لَهُم فِي الْأَزَل وَكَذَلِكَ مَا يظْهر من نقمه وعقوبته وغضبه الَّذِي لم يزل يُسمى بِهِ توسعا لِأَنَّهَا عَنهُ تكون وتحدث فَلَمَّا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة لم يُنكر أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله ابْتَدَأَ الْخلق بنعمته وَمِنْه وعفوه وستره وَأخر الْعقُوبَة وَالْجَزَاء على السَّيِّئَات إِلَى العقبى وَالدَّار الْآخِرَة فَسمى مَا سبق ظُهُوره من فعله النعم لَهُم فِي الدُّنْيَا رَحْمَة وَمَا أَخّرهُ عَنْهُم إِلَى العقبى من الْعقُوبَة غَضبا على معنى مَا ذكرنَا من تَسْمِيَة الشَّيْء بإسم مَا يحدث عَنهُ وَيظْهر مِنْهُ وَقد بَينا فِيمَا قبل تَأْوِيل الرَّحْمَة وَالْغَضَب وَالرِّضَا على أصولنا وَأَن حَقِيقَة ذَلِك يرجع على أصولنا وقواعد مذاهبنا إِلَى مَا سبق وجوده لَا بِمدَّة وَتقدم كَونه لائقا بِهِ كَون سَائِر المكونات من إِرَادَة الله جلّ ذكره الْأَنْعَام على من علم أَنه ينعم عَلَيْهِ إِذا خلقه والإنتقام مِمَّن علم أَنه أهل لِأَن ينْتَقم مِنْهُ وَمَا يظْهر من النعم والنقم فِيمَا لَا يزَال عَن الرَّحْمَة وَالرِّضَا وَالْغَضَب فِيمَا لم يزل بذلك بِمَا بَينهمَا من التَّعَلُّق وَأَن أَحدهمَا يُسمى بإسم صَاحبه لِأَنَّهُ عَنهُ يَقع وعَلى حسب تعلقه فِيمَا سبق يحدث وعَلى ذَلِك تتأول الْأَلْفَاظ فِي الدُّعَاء إِذا قيل اللَّهُمَّ ارحمنا وَارْضَ عَنَّا من قبل أَن مَا هُوَ من صِفَات الذَّات لَا يَصح فِيهَا الطّلب وَالسُّؤَال وَإِنَّمَا يَصح الطّلب وَالسُّؤَال فِيمَا طَرِيقه طَرِيق الْفِعْل فَيسْأَل أَن يفعل ذَلِك

стр. 170

وعَلى هَذَا الْوَجْه يتَأَوَّل معنى الدُّعَاء فَيُقَال إِن المسؤول بِهَذَا الدُّعَاء هُوَ المرجو أَن يحدث عَن رَحمته وَرضَاهُ لَا نفس الرَّحْمَة وَالرِّضَا وَنَظِير ذَلِك أَيْضا فِي الدُّعَاء قَوْلهم اللَّهُمَّ اغْفِر لنا علمك فِينَا وشهادتك علينا وَنَفس الْعلم لَا يغْفر وَكَذَلِكَ نفس الشَّهَادَة وَإِنَّمَا تتَعَلَّق الْمَغْفِرَة بالمعلوم والمشهود وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْلهم رَضِي الله عَن فلَان ورحمه لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِخَبَر عَن تقدم الرِّضَا وَالرَّحْمَة لَهُ وَإِنَّمَا معنى ذَلِك الدُّعَاء والطلب لِأَن يفعل مَا إِذا فعله كَانَ عَن رِضَاهُ وَرَحمته فاختصر اللَّفْظ فِي الدُّعَاء إختصارا وَالْمعْنَى غير مُشكل وَلَا ملبس وَأما معنى قَوْله ﵇ ثمَّ رَجَعَ آدم ﵇ فَقَالَ لَهُ هَذِه تحيتك فَمَعْنَى ذَلِك أَنه رَجَعَ إِلَى مَسْأَلته ومخاطبته وَقد فسره بقوله فَقَالَ لَهُ وَبَين أَن ذَلِك يرجع إِلَى السُّؤَال وَالْخطاب وَلَيْسَ كل رُجُوع رُجُوعا إِلَى الْمَكَان فِي الْمَكَان بل قد يكون ذَلِك رُجُوعا عَن فعل إِلَى فعل وأخذا فِي شَيْء بعد شَيْء وعودا إِلَى مثل مَا كَانَ فِيهِ بَدَأَ من طَرِيق الْفِعْل وَالْحكم لَا من طَرِيق التنقل والتحول من مَكَان إِلَى مَكَان

стр. 171

ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل روى مُعَاوِيَة بن صَالح عَن رَاشد بن سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يطوي الْمَظَالِم يَوْم الْقِيَامَة فيجعلها تَحت قدمه إِلَّا مَا كَانَ من أجر الْأَجِير وعقر الْبَهِيمَة وفض الْخَاتم // أخرجه النَّسَائِيّ // وَتَأْويل ذَلِك اعْلَم أَنا قدمنَا معنى الْقدَم وَذكرنَا مَا فِيهِ من الإشتراك فِي استعمالهم لَهُ فِي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة وَلَيْسَ كل ذَلِك هُوَ الْجَارِحَة وَالْبَعْض والعضو فَقَط وَبينا أَن مَا سمي قدما من الْجَارِحَة فلمعنى وَهُوَ تقدمه على الْبدن وَأَن أصل مَعْنَاهُ مَأْخُوذ من التَّقَدُّم من غير أَن مثل هَذَا اللَّفْظ قد اُعْتِيدَ اسْتِعْمَاله فِي اللُّغَة فِي الْأَمر الَّذِي لَا تنَاقض فِيهِ وَلَا تطالب بِهِ يُبطلهُ ولايجعل لَهُ حكما وَكَذَلِكَ يُقَال فِي مثل هَذَا الْأَمر الَّذِي صفته مَا ذكرنَا قد جعلته تَحت قدمي على تِلْكَ المنافسة عَلَيْهِ والمطالبة لَهُ فَكَأَنَّهُ ﵊ أَرَادَ أَن يعرفنا مَرَاتِب الْأَعْمَال وإمتداد الْجَزَاء عَلَيْهَا وَأَن مِنْهَا مَا يكون إِلَى الْعَفو عَنهُ أقرب من غَيره فَخص بعض الْأَعْمَال بِالذكر تنويها بهَا أَنه عز ذكره لَا يبطل أمره وَلَا يدع الْمُطَالبَة بهَا زجرا عَن فعلهَا وتأكيدا للحث على تَركهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ بذلك إِثْبَات

стр. 172

عُضْو وجارحة لمن يَسْتَحِيل ذَلِك فِي وَصفه وَإِنَّمَا يخاطبهم على الْمَعْهُود من لغتهم والمتعارف فِيمَا بَينهم وَذَلِكَ من المتعالم الْمَشْهُود فِي خطاب الْعَرَب والعجم أَنهم يعبرون بِمثلِهِ عَن مثل هَذَا المُرَاد فَيَقُولُونَ جعلت هَذَا الْأَمر تَحت قدمي أَي أعرض عَنهُ وَلم يَطْلُبهُ وَلَا يُطَالب بِهِ وَقد رُوِيَ مثله عَن النَّبِي ﷺ أَنه لما فتح مَكَّة قَامَ على بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة قد جعلته تَحت قدمي // أخرجه مُسلم // على معنى أَنِّي أَعرَضت عَن المنافسة فِيهِ والمطالبة بِهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك مُسْتَعْملا فِي اللُّغَة على الْوَجْه الَّذِي بَينا كَانَ معنى قَوْله إِن الله يَجْعَل الْمَظَالِم تَحت قدمه يَوْم الْقِيَامَة مَحْمُولا عَلَيْهِ

стр. 173

وَلَيْسَ هَذَا الْخَبَر مِمَّا يشكل مَعْنَاهُ على من يعرف عَادَة الْعَرَب فِي الْخطاب حَتَّى يسْبق وهمه إِلَى خلاف هَذَا المُرَاد الَّذِي يتَوَهَّم أَنه قدم جارحة وطئ بهَا وَطْء الْجَارِحَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك بَان لَك وَجه هَذَا الْخَبَر فِي إِضَافَة الْقدَم إِلَيْهِ تَعَالَى وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا تمثيلا بِالْأَمر الَّذِي يُوطأ بالقدم لِأَنَّهُ إِذا أُرِيد ستره والإعراض عَنهُ وَترك كشفه والتوقيف عَلَيْهِ عمل ذَلِك ثمَّ يُقَال للَّذي شبه بِهِ على هَذَا الْمَعْنى اجْعَلْهُ تَحت قدمك وَجَعَلته تَحت قدمي توسعا وتمثيلا بِمَا ذكرنَا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 174

ذكر خبر آخر روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن أحدكُم إِذا تصدق بالتمرة من الطّيب وَلَا يقبل الله إِلَّا الطّيب يَجْعَل الله ذَلِك فِي كَفه فيربيها كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله حَتَّى يبلغ بالتمرة مثل أحد // أخرجه البُخَارِيّ // تَأْوِيل ذَلِك اعْلَم أَن معنى الْكَفّ هَهُنَا معنى الْملك وَالسُّلْطَان كَمَا قَالَ الأخطل (أعاذل أَن النَّفس فِي كف مَالك ... إِذا مَا دَعَا يَوْمًا أجابت بهَا الرسلا) وَمعنى الْخَبَر على هَذَا التَّأْوِيل إِن الله يجازي الْمُتَصَدّق بِمَا بَيناهُ من الْجَزَاء أضعافا مضاعفة وَفَائِدَته التَّرْغِيب فِي الصَّدَقَة وَأَنَّهَا يجب أَن يقْصد بهَا الطّيب من المَال ويخص بِالْإِنْفَاقِ وَيعلم أَن ذَلِك يجْرِي بِعلم الله وَقدرته وإرادته ومشيئته أَي قد علمُوا أَن الله هُوَ المطلع الشَّاهِد وللصدقات قَابل لِأَنَّهَا تقع فِي ملكه وسلطانه على حسب علمه ومشيئته

стр. 175

وَقد رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب كَانَ كثيرا مَا ينشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (هون عَلَيْك فَإِن الْأُمُور ... بكف الْإِلَه مقاديرها) (فَلَيْسَ بآتيك منهيها ... وَلَا قَاصِر عَنْك مأمورها) وَمعنى قَوْله بكف الْإِلَه أَي فِي سُلْطَانه وَملكه وَقدرته وَهَذَا أَيْضا جَائِز فِي كَلَام النَّاس فِي معاملاتهم وتعارفهم لأَنهم يَقُولُونَ مَا فلَان إِلَّا فِي كفي يُرِيدُونَ بذلك أَنه مِمَّن يجْرِي عَلَيْهِ أَمر ملكه فَفِي ذَلِك دَلِيل لنا على خلاف قَول الْقَدَرِيَّة لِأَن الصَّدَقَة فعل الْمُصدق وَقد أخبر أَنَّهَا فِي كف الله على معنى أَنَّهَا فِي ملكه وَتَحْت قدرته وَهَذَا يُوجب أَن يكون مَقْدُور الله مخلوقا لَهُ وَقد تؤول هَذَا الْخَبَر على وُجُوه أخر فَقيل إِن الْكَفّ المُرَاد بِهِ هَهُنَا الْأَثر وَالنعْمَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ معنى الْخَبَر مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بالأصابع هَهُنَا الْملك وَالْقُدْرَة وَيكون فَائِدَته أَن قُلُوبهم فِي قَبضته جَارِيَة قدرته عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى خلق الْقُلُوب محلا

стр. 176

للخواطر والإرادات والعزوم والنيات وَهِي مُقَدمَات الْأَفْعَال وفواتح الْحَوَادِث ثمَّ جعل سَائِر الْجَوَارِح تَابِعَة لَهَا من الحركات والسكنات حَتَّى تقع حركاتها بِحَسب إرادات الْقُلُوب لَهَا إِذا كَانَت اختيارية كسبية ثمَّ أخبر أَن الْقُلُوب جَارِيَة على حسب إِرَادَة الله تَعَالَى إِذْ كَانَت تَحت سُلْطَانه وَقدرته ليستفاد بذلك أَن من كَانَت فواتح الْأُمُور جَارِيَة تَحت قدرته فَكَذَلِك غاياتها ونهاياتها وَهَذَا أَيْضا يدل على صِحَة مَا نقُول أَن أَفعَال الْحَيَوَان مقدرَة لله تَعَالَى مخلوقة لَهُ وَأَنَّهَا لَا تحدث إِلَّا على حسب سَابق إِرَادَة الله ومشيئته فِيهَا فَدلَّ ﷺ بِذكر الْقلب وَكَونه تَحت الْقُدْرَة جَارِيا على المُرَاد على أَن مَا عداهُ أولى بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تصدر أَفعَال الْجَوَارِح عَن تقلبه وإرادته أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن ذَلِك يَقع مِنْكُم بِنِعْمَة من الله فِي توفيقه إيَّاكُمْ لفعلها وَيكون معنى قَوْله فِي كف الرَّحْمَن أَي بِهِ يَقع وَبِحسن إنعامه وألطافه يكون وَيحدث ثمَّ أَنه يجازي من فَضله من شَاءَ بِمَا شَاءَ وَمِنْه قَول ذِي الْأصْبع من معنى الْكَفّ الَّذِي يُرَاد بِهِ النِّعْمَة

стр. 177

(زمَان بِهِ لله كف كَرِيمَة ... علينا ونعماه لَهُنَّ بشير) أَرَادَ بذلك نعم ظَاهِرَة لله فِيهِ ذكر خبر آخر من مثل هَذَا الْمَعْنى وتأويله روى أنس وَعَائِشَة وَأم سَلمَة ﵃ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن قُلُوب بني آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الله يقلبها كَيفَ يَشَاء // أخرجه ابْن مَاجَه // أعلم أَن أهل الْعلم قد تأولوا ذَلِك على وُجُوه وَإِنَّمَا مثل رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه قدرَة الْقَدِيم بأوضح مَا يَفْعَلُونَ من أنفسهم لِأَن الرجل مِنْهُم لَا يكون على شَيْء أقدر مِنْهُ إِذا كَانَ بَين أصبعيه وَلذَلِك يضْرب الْمثل بِهِ فَيَقُولُونَ مَا فلَان إِلَّا فِي يَدي وخنصري يُرِيدُونَ بذلك أَنه عَلَيْهِ مسلط وَأَنه لَا يعْتَذر عَلَيْهِ أَن يكون على مَا يُريدهُ وَقَالَ بعض أهل الْعلم الأصبعين هَهُنَا بِمَعْنى النعمتين وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَن الْعَرَب يَقُولُونَ لفُلَان على أصْبع حسن إِذا أنعم عَلَيْهِ نعْمَة حَسَنَة

стр. 178

وَذكرنَا قَول الرَّاعِي فِي ذَلِك (ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ ... عَلَيْهَا إِذا مَا اجدب النَّاس أصبعا) أَي إِذا وَقع النَّاس فِي الجدب والقحط ترى لَهُ علينا أثرا حسنا فَإِن قيل وَمَا تَفْصِيل مَا بَين النعمتين اللَّتَيْنِ يتَصَرَّف الْقلب بَينهمَا د قيل يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى النَّفْع وَالرَّفْع وَذَلِكَ يشْتَمل جَمِيع النعم لِأَن النعم على ضَرْبَيْنِ ظَاهِرَة وباطنة فالظاهرة مِنْهَا مَا نفع المنتفعين بهَا والباطنة مَا دفع من وُجُوه الشَّرّ وَصرف عوارض المحن فَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يكون معنى الْخَبَر أَفَادَ بِهِ إفادتنا إِظْهَار نعْمَة الله علينا وَأَنَّهَا قد سبقت وشملت بَاطِنا وظاهرا وَخص الْقُلُوب بِالذكر لِأَنَّهَا مُعظم مَا فِي الْأَبدَان وبفسادها يفْسد الْجمل وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ مُبين أثرين من إِرَادَة الله وفعلين من أَفعاله فِي الْفضل وَالْعدْل وَقد رُوِيَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر مَا يدل على ذَلِك وَهُوَ أَن بَعضهم قَالَ إِذا شَاءَ أزاغه وَإِذا شَاءَ أَقَامَهُ فَأخْبر أَن الْقُلُوب فِي زيغها وإستقامتها جَارِيَة

стр. 179

تَحت قدرَة الله وقبضته وَفِي ملكه وسطانه وَتَحْقِيق ذَلِك أَنه قد روى فِيهِ أَنه قَالَ ﷺ بعده يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي فَدلَّ على صِحَة تأويلنا على أَن مَعْنَاهُ التَّوْفِيق والخذلان وَفِيه دَلِيل على صِحَة مَذْهَبنَا لِأَنَّهُ عرفنَا أَن الإزاغة وَالْإِقَامَة مِمَّا يجريان على حسب الْقُدْرَة ونفاذ الْمَشِيئَة وَأعلم أَن لفظ الْأصْبع مُشْتَرك الْمَعْنى فِي اللُّغَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا والمعاني الَّتِي بَينا وَقد يُقَال للجارحة اصبع أَيْضا وَلَيْسَ مُخَصّصا بِهِ بل يجوز أَن يُقَال لَهُ وَلغيره على الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد قَامَت الدّلَالَة وأوضحنا الْحجَّة فِيمَا قيل على إستحالة وصف الله بالجوارح والأدوات والأبعاض والآلات فَلم يجز أَن يحمل ذَلِك على معنى الْجَارِحَة لإستحالته فِي صفته تَعَالَى فَوَجَبَ أَن يحمل على أحد مَا ذكرنَا من الْمعَانِي لِأَنَّهَا تفِيد الْمَعْنى الصَّحِيح وَلَا تفِيد الكيف والتشبيه الَّذِي يتعالى الله عَن ذكره عَنهُ وَإِنَّمَا ثني لفظ الإصبعين وَالْقُدْرَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ جرى على طَرِيق الْمثل والمثل الْجَارِي فِيمَا بَين النَّاس فِي مثل هَذَا الْمَعْنى على هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ مَا فلَان إِلَّا بَين أُصْبُعِي إِذا أَرَادَ وَاضْرِبْ الْمثل بِأَنَّهُ مسلط عَلَيْهِ قَادر على مَا يُرِيد مِنْهُ فحكي على لفظ الْمثل على اللَّفْظ الْجَارِي الْمَعْهُود وَذَلِكَ لفظ التَّثْنِيَة فَلذَلِك سَاغَ أَن يُقَال أَنه بِمَعْنى الْقُدْرَة وَهِي وَاحِدَة وَإِن كَانَ اللَّفْظ مثنى إِذْ لَيست حَقِيقَة معنى الْأصْبع معنى الْقُدْرَة فيوهم القدرتين

стр. 180

وَإِنَّمَا يتَمَثَّل ذَلِك وَالْمرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان ذكر خبر الإصبع أَيْضا على غير هَذَا الْوَجْه مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه روى إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ أَن رجلا من أهل الْكتاب جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله ﵎ يمسك السَّمَوَات على إِصْبَع وَالْأَرْض على إِصْبَع وَالْجِبَال وَالشَّجر على إِصْبَع وَالْمَاء وَالثَّرَى على إِصْبَع ثمَّ يَقُول أَنا الْجَبَّار قَالَ فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَرَأَ قَوْله ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ // أخرجه سعيد بن مَنْصُور // ذكر تَأْوِيله اعْلَم أَن الْخَبَر يحْتَمل فِي تَأْوِيله وُجُوهًا صَحِيحَة لَا يُؤَدِّي إِلَى إِثْبَات الْجَوَارِح لمن يَسْتَحِيل فِي وَصفه ذَلِك وَهُوَ الله جلّ ذكره لإستحالة كَونه جسما مبتعضا متجزأ محدودا فمما يُمكن أَن يُقَال فِي تَأْوِيله مِمَّا لَا يُؤَدِّي إِلَى الْمحَال فِي وصف الله عز ذكره أَن المُرَاد بِهِ إِصْبَع بعض خلقه وَيشْهد لصِحَّة ذَلِك أَنه لم يذكر فِي الْخَبَر أُصْبُعه بل اطلق ذَلِك مُنْكرا وَاحْتمل أَن يكون على مَا قُلْنَا أَنه يُرِيد بِهِ أصْبع بعض خلقه وَلَيْسَ يُنكر فِي
следующие страницы →