Полный текст (433 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
للخواطر والإرادات والعزوم والنيات وَهِي مُقَدمَات الْأَفْعَال وفواتح الْحَوَادِث ثمَّ جعل سَائِر الْجَوَارِح تَابِعَة لَهَا من الحركات والسكنات حَتَّى تقع حركاتها بِحَسب إرادات الْقُلُوب لَهَا إِذا كَانَت اختيارية كسبية
ثمَّ أخبر أَن الْقُلُوب جَارِيَة على حسب إِرَادَة الله تَعَالَى إِذْ كَانَت تَحت سُلْطَانه وَقدرته ليستفاد بذلك أَن من كَانَت فواتح الْأُمُور جَارِيَة تَحت قدرته فَكَذَلِك غاياتها ونهاياتها وَهَذَا أَيْضا يدل على صِحَة مَا نقُول أَن أَفعَال الْحَيَوَان مقدرَة لله تَعَالَى مخلوقة لَهُ وَأَنَّهَا لَا تحدث إِلَّا على حسب سَابق إِرَادَة الله ومشيئته فِيهَا فَدلَّ ﷺ بِذكر الْقلب وَكَونه تَحت الْقُدْرَة جَارِيا على المُرَاد على أَن مَا عداهُ أولى بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تصدر أَفعَال الْجَوَارِح عَن تقلبه وإرادته
أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن ذَلِك يَقع مِنْكُم بِنِعْمَة من الله فِي توفيقه إيَّاكُمْ لفعلها وَيكون معنى قَوْله فِي كف الرَّحْمَن أَي بِهِ يَقع وَبِحسن إنعامه وألطافه يكون وَيحدث ثمَّ أَنه يجازي من فَضله من شَاءَ بِمَا شَاءَ وَمِنْه قَول ذِي الْأصْبع من معنى الْكَفّ الَّذِي يُرَاد بِهِ النِّعْمَة
стр. 177
(زمَان بِهِ لله كف كَرِيمَة ... علينا ونعماه لَهُنَّ بشير) أَرَادَ بذلك نعم ظَاهِرَة لله فِيهِ
ذكر خبر آخر من مثل هَذَا الْمَعْنى وتأويله
روى أنس وَعَائِشَة وَأم سَلمَة ﵃ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن قُلُوب بني آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الله يقلبها كَيفَ يَشَاء // أخرجه ابْن مَاجَه //
أعلم أَن أهل الْعلم قد تأولوا ذَلِك على وُجُوه
وَإِنَّمَا مثل رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه قدرَة الْقَدِيم بأوضح مَا يَفْعَلُونَ من أنفسهم لِأَن الرجل مِنْهُم لَا يكون على شَيْء أقدر مِنْهُ إِذا كَانَ بَين أصبعيه وَلذَلِك يضْرب الْمثل بِهِ فَيَقُولُونَ
مَا فلَان إِلَّا فِي يَدي وخنصري
يُرِيدُونَ بذلك أَنه عَلَيْهِ مسلط وَأَنه لَا يعْتَذر عَلَيْهِ أَن يكون على مَا يُريدهُ
وَقَالَ بعض أهل الْعلم الأصبعين هَهُنَا بِمَعْنى النعمتين
وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَن الْعَرَب يَقُولُونَ لفُلَان على أصْبع حسن إِذا أنعم عَلَيْهِ نعْمَة حَسَنَة
стр. 178
وَذكرنَا قَول الرَّاعِي فِي ذَلِك
(ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ ... عَلَيْهَا إِذا مَا اجدب النَّاس أصبعا)
أَي إِذا وَقع النَّاس فِي الجدب والقحط ترى لَهُ علينا أثرا حسنا
فَإِن قيل وَمَا تَفْصِيل مَا بَين النعمتين اللَّتَيْنِ يتَصَرَّف الْقلب بَينهمَا د
قيل يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى النَّفْع وَالرَّفْع وَذَلِكَ يشْتَمل جَمِيع النعم لِأَن النعم على ضَرْبَيْنِ ظَاهِرَة وباطنة فالظاهرة مِنْهَا مَا نفع المنتفعين بهَا والباطنة مَا دفع من وُجُوه الشَّرّ وَصرف عوارض المحن
فَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل أَن يكون معنى الْخَبَر أَفَادَ بِهِ إفادتنا إِظْهَار نعْمَة الله علينا وَأَنَّهَا قد سبقت وشملت بَاطِنا وظاهرا
وَخص الْقُلُوب بِالذكر لِأَنَّهَا مُعظم مَا فِي الْأَبدَان وبفسادها يفْسد الْجمل
وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ مُبين أثرين من إِرَادَة الله وفعلين من أَفعاله فِي الْفضل وَالْعدْل وَقد رُوِيَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر مَا يدل على ذَلِك وَهُوَ أَن بَعضهم قَالَ
إِذا شَاءَ أزاغه وَإِذا شَاءَ أَقَامَهُ فَأخْبر أَن الْقُلُوب فِي زيغها وإستقامتها جَارِيَة
стр. 179
تَحت قدرَة الله وقبضته وَفِي ملكه وسطانه وَتَحْقِيق ذَلِك أَنه قد روى فِيهِ أَنه قَالَ ﷺ بعده
يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي
فَدلَّ على صِحَة تأويلنا على أَن مَعْنَاهُ التَّوْفِيق والخذلان وَفِيه دَلِيل على صِحَة مَذْهَبنَا لِأَنَّهُ عرفنَا أَن الإزاغة وَالْإِقَامَة مِمَّا يجريان على حسب الْقُدْرَة ونفاذ الْمَشِيئَة
وَأعلم أَن لفظ الْأصْبع مُشْتَرك الْمَعْنى فِي اللُّغَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا والمعاني الَّتِي بَينا وَقد يُقَال للجارحة اصبع أَيْضا وَلَيْسَ مُخَصّصا بِهِ بل يجوز أَن يُقَال لَهُ وَلغيره على الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد قَامَت الدّلَالَة وأوضحنا الْحجَّة فِيمَا قيل على إستحالة وصف الله بالجوارح والأدوات والأبعاض والآلات فَلم يجز أَن يحمل ذَلِك على معنى الْجَارِحَة لإستحالته فِي صفته تَعَالَى فَوَجَبَ أَن يحمل على أحد مَا ذكرنَا من الْمعَانِي لِأَنَّهَا تفِيد الْمَعْنى الصَّحِيح وَلَا تفِيد الكيف والتشبيه الَّذِي يتعالى الله عَن ذكره عَنهُ
وَإِنَّمَا ثني لفظ الإصبعين وَالْقُدْرَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ جرى على طَرِيق الْمثل والمثل الْجَارِي فِيمَا بَين النَّاس فِي مثل هَذَا الْمَعْنى على هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ مَا فلَان إِلَّا بَين أُصْبُعِي إِذا أَرَادَ وَاضْرِبْ الْمثل بِأَنَّهُ مسلط عَلَيْهِ قَادر على مَا يُرِيد مِنْهُ فحكي على لفظ الْمثل على اللَّفْظ الْجَارِي الْمَعْهُود
وَذَلِكَ لفظ التَّثْنِيَة فَلذَلِك سَاغَ أَن يُقَال أَنه بِمَعْنى الْقُدْرَة وَهِي وَاحِدَة وَإِن كَانَ اللَّفْظ مثنى إِذْ لَيست حَقِيقَة معنى الْأصْبع معنى الْقُدْرَة فيوهم القدرتين
стр. 180
وَإِنَّمَا يتَمَثَّل ذَلِك وَالْمرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان
ذكر خبر الإصبع أَيْضا على غير هَذَا الْوَجْه مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه
روى إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁
أَن رجلا من أهل الْكتاب جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الله ﵎ يمسك السَّمَوَات على إِصْبَع وَالْأَرْض على إِصْبَع وَالْجِبَال وَالشَّجر على إِصْبَع وَالْمَاء وَالثَّرَى على إِصْبَع ثمَّ يَقُول أَنا الْجَبَّار
قَالَ فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَرَأَ قَوْله ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ // أخرجه سعيد بن مَنْصُور //
ذكر تَأْوِيله
اعْلَم أَن الْخَبَر يحْتَمل فِي تَأْوِيله وُجُوهًا صَحِيحَة لَا يُؤَدِّي إِلَى إِثْبَات الْجَوَارِح لمن يَسْتَحِيل فِي وَصفه ذَلِك وَهُوَ الله جلّ ذكره لإستحالة كَونه جسما مبتعضا متجزأ محدودا فمما يُمكن أَن يُقَال فِي تَأْوِيله مِمَّا لَا يُؤَدِّي إِلَى الْمحَال فِي وصف الله عز ذكره
أَن المُرَاد بِهِ إِصْبَع بعض خلقه وَيشْهد لصِحَّة ذَلِك أَنه لم يذكر فِي الْخَبَر أُصْبُعه بل اطلق ذَلِك مُنْكرا
وَاحْتمل أَن يكون على مَا قُلْنَا أَنه يُرِيد بِهِ أصْبع بعض خلقه وَلَيْسَ يُنكر فِي
стр. 181
مَقْدُور الله أَن يخلق خلقا على هَذَا الْوَجْه
وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي فِي تَأْوِيل ذَلِك
يحْتَمل أَن يكون خلق من خلق الله يُوَافق اسْمه اسْم الإصبع فَقَالَ إِنَّه يحمل السَّمَوَات على ذَلِك وَيكون ذَلِك تَسْمِيَة للمحمول عَلَيْهِ بِمَا ذكر فِيهِ
فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد ذكر فِي الْخَبَر الَّذِي رويتم قبل هَذَا أَصَابِع الرَّحْمَن وأضيف إِلَيْهِ أَفَرَأَيْتُم أَنه لَو أضَاف ذَلِك إِلَى نَفسه فَكيف يكون
قيل كَانَ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالْملك وَالسُّلْطَان على معنى قَول الْقَائِل
مَا فلَان إِلَّا بَين أُصْبُعِي إِذا أَرَادَ الْإِخْبَار عَن جَرَيَان قدرته عَلَيْهِ فَذكر مُعظم الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله تَعَالَى على جَمِيعهَا مُعظما لشأن الرب فِي قدرته وَملكه وسلطانه
فَضَحِك رَسُول الله ﷺ كالمتعجب مِنْهُ أَنه مستعظم ذَلِك فِي قدرته وَأَن ذَلِك يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ وَلذَلِك قَرَأَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 182
﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾
أَي لَيْسَ قدره فِي الْقُدْرَة على مَا يخلق على الْحَد الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم ويحيط بِهِ الْعد والحصر وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل مَا ذكرنَا من التَّأْوِيل وَكَانَ صرفه إِلَيْهِ أولى من صرفه إِلَى مَا يَسْتَحِيل فِي صفة الله
ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
روى عبيد عَن عُمَيْر عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
يَأْخُذ الْجَبَّار سماءه وأرضه بِيَدِهِ ثمَّ يقبضهَا ويبسطها وَيَقُول
أَنا الْجَبَّار أَنا الْملك أَمِين الْجَبَابِرَة أَمِين المتكبرين // اخرجه ابْن جرير //
ذكر تَأْوِيله
أعلم أَن أَخذه السَّمَاء وَالْأَرْض بِيَدِهِ يرجع إِلَى تعريفنا قدرته عَلَيْهِ وجريان سُلْطَانه فيهمَا
وَقَبضه لَهما يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى إفنائهما كَقَوْل الْقَائِل قبض الله روح فلَان إِلَيْهِ إِذا فناه ثمَّ يبسطهما أَي يعيدهما على الْوَجْه الَّذِي يُرِيد والهيئة الَّتِي يَشَاء كَونهمَا عَلَيْهَا وَقد قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾
стр. 183
فتأول بعض أهل التَّفْسِير ذَلِك على معنى الإفناء وَأَنه يفني السَّمَوَات وَالْأَرضين بقدرته
وَقيل يفنيهما بِيَمِينِهِ أَي بقسمه الَّتِي أقسم بهَا ثمَّ يُعِيدهَا
وَقَوله وَيَقُول أَنا الْملك أَيْن الْمُلُوك يشْهد لهَذَا التَّأْوِيل فِي معنى الإفناء وَذَلِكَ مَا ذكره فِي قَوْله ﴿لمن الْملك الْيَوْم لله الْوَاحِد القهار﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ذَلِك عِنْد إفناء خلقه وإماتتهم فَلَا يكون لَهُ مُجيب فيجيب نَفسه بقوله تَعَالَى ﴿لله الْوَاحِد القهار﴾
стр. 184
وَأعلم أَن الْقَبْض والبسط فِي صفة الله ظَاهر قد ورد بِهِ الْقُرْآن وَذَلِكَ يرجع إِلَى معنى الْفِعْل وَالْفِعْل وَاقع بِالْقُدْرَةِ فَتكون فَائِدَة الْخَبَر تعريفنا أَنه هُوَ الْقَادِر على الْقَبْض والبسط
فَتَارَة يقبض الْكل ثمَّ يبسطه فدلنا على قدرته على الْقَبْض والبسط جملَة وتفصيلا وَنبهَ بذلك على أَمر الْمعَاد وَأَنه يُغني الْخلق ثمَّ يعيدهم ويميتهم ثمَّ يحييهم وعرفنا عجزهم وضعفهم وَزَوَال أملاكهم ودعاويهم وَأَنه هُوَ الَّذِي تفرد بِالْملكِ وَالْقُدْرَة وَلَا يَزُول ملكه وَقدرته
ذكر خبر فِي التجلي مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه وتأويله
روى حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ قَوْله ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ ثمَّ قَالَ هَكَذَا يَعْنِي أَنه أخرج طرف الْخِنْصر فَقَالَ
فَقلت لَهُ
стр. 185
أَرَأَيْت يَا أَبَا مُحَمَّد مَا تُرِيدُ بِهَذَا فَضرب بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ
أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَتقول مَا تُرِيدُ بِهَذَا
ذكر تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَن الَّذِي يُفَسر من هَذَا الحَدِيث معنى التجلي وَمعنى الْخِنْصر
فَأَما التجلي فَمَعْنَاه فِي كَلَام الْعَرَب ظُهُور الشَّيْء وَالشَّيْء قد يظْهر بمعنيين مُخْتَلفين
يظْهر جهرة وعيانا بالحس
وَيظْهر بِالدّلَالَةِ كَقَوْل الْقَائِل تجلى الْأَمر لي حَتَّى عَرفته وَقد تجلى الله لِلْخلقِ بعلاماته ودلائله ويتجلى للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة جهرة وعيانا
وَالصَّحِيح فِي معنى التجلي فِي الْآيَة أَن الله خلق رُؤْيَة فِي الْجَبَل حَتَّى رأى ربه وَذَلِكَ بِأَن أَحْيَاهُ وَجعله عَالما رائيا ثمَّ دكه بعد الرُّؤْيَة وَجعله فرقا قطعا عَلامَة لمُوسَى ﵇ فِي أَنه لَا يرَاهُ فِي الدُّنْيَا
وَأما قَوْله وَأخرج طرف الْخِنْصر فَإِن من أهل الْعلم من يَقُول
إِن مَعْنَاهُ الشي الْيَسِير من آيَاته كإشارة المخلوقين بذلك فَذكر الْخِنْصر وَضرب الْمثل بِهِ لَا أَنه جعل لَهُ خنصرا
وَالْعرب تَقول وتضرب بالخنصر مثلا عِنْد تقليلهم الشَّيْء وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ
стр. 186
أَنه ظُهُور مَا أظهر من تَفْرِيق أَجزَاء الْجَبَل الَّذِي كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ يسير بِالْإِضَافَة إِلَى الْآيَات الَّتِي يظهرها الله يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ ذَلِك من النَّوْع الَّذِي يظْهر يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ فِي الْقلَّة إِلَيْهِ كطرف الْخِنْصر
فَإِن قيل كَيفَ أنكر ثَابت على من سَأَلَهُ عَن تَأْوِيله
قيل يحْتَمل أَن يكون توهم فِيهِ أَنه يظنّ أَن ذَلِك يرجع إِلَى صفة الله أَو إِثْبَات جارحة لَهُ أَو عُضْو فَلذَلِك أنكر عَلَيْهِ لينبهه على تَأْوِيله على غير مَا يتوهمه من ذكر الْخِنْصر على معنى الْجَارِحَة
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع
وَقد روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس
تجلى مثل طرف الْخِنْصر تَشْبِيها بِمَا قُلْنَا وَعَلِيهِ تأويلنا أَن ذَلِك على طَرِيق التَّمْثِيل بالشَّيْء الْيَسِير لَا على معنى إِثْبَات جارحة
وَقد قَالَ الثَّلْجِي
إِن هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ذكره حَمَّاد عَن ثَابت وَلم يروه غَيره عَنهُ من أَصْحَابه
وَقد قَالَ بَعضهم
إِن حمادا كَانَت لَهُ خرجَة إِلَى عبادان وَابْن أبي العوجاء الزنديق أَدخل فِي
стр. 187
أُصُوله ألفاظا وَأَحَادِيث احتملها فِي آخر عمره فرواها بغفلة ظَهرت فِيهِ
ذكر خبر آخر مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه وتأويله
روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ قَوْله ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الله كَانَ سميعا بَصيرًا﴾
فَوضع أَبُو هُرَيْرَة إبهامه على أُذُنه وَالَّتِي تَلِيهَا على عينه وَقَالَ هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يقْرؤهَا وَيَضَع إصبعه هَكَذَا // أخرجه أَبُو دَاوُد //
стр. 188
فَزَعَمت المشبهة أَنه أَرَادَ بِهَذَا أَن لله تَعَالَى عينا وأذنا جوارح وَلِهَذَا وضع يَده على عينه وَأذنه
ذكر تَأْوِيله
أعلم أَن الْعين وَالْأُذن إِذا كَانَا بِمَعْنى الْجَارِحَة فَلَا يَصح أَن يَكُونَا إِلَّا للأجسام
стр. 189
الْمُؤَلّفَة والأجزاء المركبة وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن الْقَدِيم لَا يَصح أَن يكون جسما وَلَا ذَا أَجزَاء وَآلَة وجارحة واستحال أَن يكون المُرَاد بِهِ إِشَارَة إِلَى الْعُضْو والجارحة وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك تَحْقِيق السّمع وَالْبَصَر وَأَن الله تَعَالَى يرى المرئيات بِرُؤْيَتِهِ وَيسمع المسموعات بسمعه
فَأَشَارَ إِلَى الْأذن وَالْعين تَحْقِيقا للسمع وَالْبَصَر لأجل أَنَّهُمَا مَحل السّمع وَالْبَصَر وَقد يُسمى مَحل الشَّيْء بإسمه لما بَينهمَا من الْمُجَاورَة والقرب وَهَذَا كَمَا قَالَ ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا﴾
وَالْمرَاد بذلك مَا فِي الْقُلُوب من الْعُلُوم والعقول لما لم يستعملوها فِي التَّوَصُّل إِلَى الْحق وَلم يعملوا فكرهم ونظرهم فِي تَعْرِيف الْحق وَكَذَلِكَ مَا لم يستعملوا الْحق وَلم يسمعوه سمع قبُول صَارُوا كَأَنَّهُمْ لَا أسماع لَهُم
وَكَذَلِكَ وَصفهم فِي آيَة أُخْرَى بِأَنَّهُم ﴿صم بكم عمي﴾ لما تعاموا عَن قبُول الْحق وتصاموا عَن فهمه وسماعه
وَإِذا كَانَ الْأذن وَالْعين مَحل السّمع وَالْبَصَر فِينَا أَرَادَ ﷺ تَحْقِيق الْوَصْف بِالْإِشَارَةِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَالْإِشَارَة إِلَى الْمحل وَالْمرَاد مَا فِيهِ من السّمع وَالْبَصَر لَا نفس الْمحل
وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام قَول الْقَائِل قبض فلَان على مَال فلَان فَقبض يَد
стр. 190
يُشِير إِلَى أَنه حائز لَهُ لَا أَنه فعل ذَلِك بل يُرِيد تَحْصِيل الْمَقْبُوض
وَأَيْضًا فَإِن هَذَا الْخَبَر أفادنا أَن وصف الله بِأَنَّهُ سميع بَصِير لَا على معنى صفة بِأَنَّهُ عليم كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل النّظر فَلم يثبتوا لله تَعَالَى فِي وَصفنَا لَهُ بِأَنَّهُ سميع بَصِير معنى خَاصّا وَفَائِدَة زَائِدَة على وَصفنَا لَهُ بِأَنَّهُ عليم وَإِذا كَانَ كَذَلِك أفادنا ﷺ بذلك تَحْقِيق معنى السّمع وَالْبَصَر على الْوَجْه الزَّائِد مَعْنَاهُ على معنى الْعلم إبطالا لقَوْل من ذهب إِلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي معنى الْعلم وَلَو كَانَ معنى الْوَصْف فِيهِ بِأَنَّهُ سميع على معنى الْوَصْف فِيهِ بِأَنَّهُ عليم لَكَانَ يُشِير إِلَى الْقلب الَّذِي هُوَ مَحل الْعلم لينبه بذلك على معنى أَنه سميع بَصِير أَنه عليم فَلَمَّا أَشَارَ إِلَى الْعين وَالْأُذن وهما محلان للسمع وَالْبَصَر حقق الْفرق بَين السّمع وَالْبَصَر وَبَين الْعلم وَبَين فَائِدَة الْوَصْف على الإختصاص على أَن الْعين وَالْأُذن وَلَيْسَ مِمَّا يبصر بِهِ وَيسمع وَإِنَّمَا يسمع ويبصر بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر اللَّذين يكونَانِ فِي الْأذن وَالْعين أَلا ترى أَنه قد يكون عين وَلَا يكون بصر وَأذن صَحِيحَة وَلَا يكون سمع
فَعلم أَن الْمَقْصُود لَيْسَ هُوَ إِثْبَات الْجَارِحَة الَّتِي لَا مدح فِي إِثْبَاتهَا بل الْمَقْصُود إِثْبَات الصّفة الَّتِي بهَا يكمل الْوَصْف بالمدح والتعظيم وَأَن الْإِشَارَة فِي ذَلِك ترجع إِلَى الْمُسْتَفَاد مِمَّا فِي الْعين وَالْأُذن من السّمع وَالْبَصَر لَا إِلَى الْعين وَالْأُذن
وَالْعرب قد تَقول كثيرا مَا فلَان إِلَّا شمس وقمر وَبدر وَإِنَّا يُرِيدُونَ بذلك التَّمْثِيل بِوَجْه دون وَجه وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَول النَّابِغَة
(لِأَنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبْق مِنْهُنَّ كَوْكَب)
وَكَذَلِكَ قَالَ الآخر
стр. 191
(النشر مسك وَالْوُجُوه دَنَانِير ... نير وأطراف الأكف غنم)
وَلم يرد بذلك أَن النشر عين الْمسك وَإِنَّمَا شبه النشر بالمسك لطيب الرَّائِحَة وأطراف الأكف بالغنم لإحمراره ورطوبته بِالنعْمَةِ لَا غير ذَلِك
وَكَذَلِكَ إِشَارَته ﷺ إِلَى الْأذن وَالْعين لتحقيق كَونه سميعا بَصيرًا لَا لإِثْبَات جارحة لإستحالة الْجَوَارِح على الله
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا روى من خبر آخر أَنه قَالَ ﷺ فِي وصف الدَّجَّال وَأَنه يَدعِي الربوبية قَالَ ﷺ
إِن الدَّجَّال أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور
وَمعنى هَذَا الْخَبَر أَيْضا تَحْقِيق وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ بَصِير وَأَنه لَا يَصح عَلَيْهِ النَّقْص والعمى وَلم يرد بذلك إِثْبَات الْجَارِحَة وَإِنَّمَا أَرَادَ نفي النَّقْص لِأَن العور نقص وَقد ذكرنَا أَنه لَا مدح فِي إِثْبَات الْجَوَارِح بل إِثْبَاتهَا لله تَعَالَى مُسْتَحِيل وَوَصفه بهَا يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بنفيه وحدثه للوجوه الَّتِي بيناها قبل
стр. 192
ذكر خبر آخر فِي التجلي وتأويله
روى يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄
أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أَن يخوف أهل الأَرْض أبدى عَن بعضه وَإِذا أَرَادَ أَن يدمر عَلَيْهِم تجلى لَهَا
أعلم أَنه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله أبدى عَن بعضه أَي عَن بعض آيَاته وعلاماته مِمَّا تكون منذرة ومخوفة ومحذرة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾
وَقَوله وَإِذا أَرَادَ أَن يدمر عَلَيْهِم تجلى لَهَا يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه أَرَادَ أَن يُهْلِكهُمْ ويستأصلهم فأظهر من الْآيَات أَكثر مِمَّا أظهرها فِي الأولى حَتَّى لَا يسْتَقرّ قُلُوبهم عَلَيْهَا وَقد بَينا فِيمَا قبل معنى التجلي وَأَن ذَلِك يَنْقَسِم إِلَى وَجْهَيْن
فَتَارَة يكون تجليا بِالذَّاتِ كَمَا تجلى للجبل بِأَن أرى نَفسه الْجَبَل فتدكدك
стр. 193
وتقطع
وَتارَة يتجلى بأفعاله لخلقه بِأَن يظْهر آيَاته الناقضة للعادات وعلاماته المزعجة للقلوب والأنفس فيسمى إِظْهَاره لذَلِك تجليا وَذَلِكَ سَائِغ فِي اللُّغَة على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الْقَائِل
تجلى لنا بالمشرفية والقنا
يَعْنِي بِالسُّيُوفِ والرماح وَأَرَادَ ظُهُور الْقَوْم بِالْحَرْبِ عَلَيْهِم وَفِيهِمْ
وَأما معنى التجلي فَهُوَ الظُّهُور وَلذَلِك تَقول جلوت الْعَرُوس إِذا أظهرتها وأبرزتها وَمِنْه قَول الْقَائِل
(فَإِن الْحق مقطعه ثَلَاث ... يَمِين أَو نفاد أَو جلاء)
أَي ظهرو وبروز وَمِنْه الإنجلاء عَن الأوطان بالظهور مِنْهَا وَالْخُرُوج
وَإِذا كَانَ هَذَا سائغا فِي اللُّغَة كَانَ الْوَاجِب أَن يكون مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة وصف الله تَعَالَى بِالْكُلِّ وَالْبَعْض والجزء وَذكر الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ غَيره سَائِغ فِي اللُّغَة كَقَوْل الْقَائِل بَنو فلَان يطؤهم الطَّرِيق وَالْمرَاد أهل الطَّرِيق المارون فِيهَا
وَالْعرب تَقول إجتمعت الْيَمَامَة يُرِيدُونَ بذلك أَهلهَا
وَقَالَ الله ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَأَرَادَ أَهلهَا
وَإِذا سَاغَ ذَلِك كَانَ قَوْله أبدى عَن بعضه مَحْمُولا على هَذَا النَّحْو أَنه أبدى عَن بعض آيَاته وعلاماته من الْأَفْعَال المنذرة الخوفة
стр. 194
ذكر خبر آخر وتأويله
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَيْهِ وَعَلِيهِ ثِيَاب رثَّة فَجعل رَسُول الله ﷺ يصعد النّظر فِيهِ ويصوب ثمَّ قَالَ
أَلَك مَال
فَقَالَ نعم
فَقَالَ ﷺ إِن الله سُبْحَانَهُ إِذا أنعم على عبد يحب أَن يرى أثر نعْمَته عَلَيْهِ ثمَّ جرا لَهُ حَدِيث طَوِيل إِلَى أَن وصف الْبحيرَة الَّتِي كَانَت الْعَرَب تجرها بشق آذانها فَقَالَ ﷺ
ساعد الله أَشد من ساعدك وموساه أحد من موساك // رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم //
стр. 195
ذكر تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا خَاطب الْعَرَب على لغاتها وَالْمَفْهُوم من خطابها على عاداتها الْجَارِيَة فِيمَا بَينهم وَالْعرب تَقول عِنْد وصف الرجل بِالْقُدْرَةِ وَالْقُوَّة عِنْد إِنْفَاذ الْأَمر
فعلت ذَلِك بساعدي وبقوة ساعدي وَلَا يُرِيد بذلك إِثْبَات الساعد دون الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ وَالْقُوَّة أَلا ترى أَن الرجل إِذا قَالَ أَجمعت هَذَا المَال بِقُوَّة ساعدي وَإِنَّمَا يُرِيد أَنه جمع المَال بِرَأْيهِ وتدبيره وقوته دون الْمُبَاشرَة بالساعد وَالْغَرَض من هَذَا الْكَلَام مَعْلُوم وَالْخطاب بِهِ مُسْتَقِيم وَالْمعْنَى مَفْهُوم
وَكَذَلِكَ قصد النَّبِي ﷺ بقوله ساعد الله أَشد من ساعدك أَي أمره أَشد من أَمرك وَقدرته أتم من قدرتك على الْعَادة الَّتِي عرفت الْعَرَب فِي خطابها إِذا تَكَلَّمت بِمثل هَذَا الْخطاب لَا على إِثْبَات الساعد الَّذِي هُوَ الْجَارِحَة للقديم جلّ ذكره وَهَذَا نَظِير مَا ذكرنَا فِيمَا قيل أَن الْعَرَب تسمى مَحل الشَّيْء بإسم مَا فِيهِ من طَرِيق الْقرب كَمَا سمت الْبَصَر عينا والسمع أذنا فَسمى الْقُدْرَة ساعدا وَإِن كَانَ الساعد محلا للقدرة
فَأَما قَوْله ﷺ وموساه أحد من موساك
فَهَذَا تَحْقِيق مَا ذكرنَا من التَّأْوِيل فِي أَن المُرَاد بِهِ التَّمْثِيل وَتَحْقِيق الْوَصْف بِالْقُدْرَةِ لَا إِثْبَات الْجَارِحَة لِأَن الموسى لما كَانَت آلَة للْقطع وَكَانَ مُرَاده ﵊ أَن قطعه أسْرع من قَطعك عبر عَن الْقطع بِالْمُوسَى إِذْ كَانَت سَببا لَهُ على مَذْهَب الْعَرَب فِي تَسْمِيَة الشَّيْء بإسم مَا يجاوره وَيقرب مِنْهُ وَيتَعَلَّق بِهِ وَإِذا كَانَ
стр. 196
كَذَلِك كَانَ تَأْوِيل الْخَبَر مَحْمُولا عَلَيْهِ
وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول هلا حملتم مَا وصف نَفسه بِهِ من الْيَدَيْنِ فِي قَوْله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ و ﴿خلقت بيَدي﴾ على الْقُدْرَة كَمَا حملتم الساعد عَلَيْهِ لأجل مَا تقدم ذكره من الْبَيَان فَإِن حمل ذَلِك على الْقُدْرَة يبطل وَجه الْفَائِدَة فِيهِ فِي الإحتجاج على إِبْلِيس من حَيْثُ أَنه مَخْلُوق بِالْقُدْرَةِ كآدم ﵇
وَإِنَّمَا ذكر الله ذَلِك فِي خطابه على طَرِيق التَّفْضِيل لآدَم على إِبْلِيس فِي قَوْله ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا ذكر فِي هَذَا الْخَبَر من الساعد لِأَنَّهُ إِن حمل على معنى الْقُدْرَة لم ينقص أصلا وَلم تبطل فَائِدَة بل أمره أظهر فِي أَنه أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَة وَلذَلِك قَالَ موساه أحد من موساك
ذكر خبر آخر وتأويله
روى عَطاء بن أبي رَبَاح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
إِذا قَامَ العَبْد إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّهُ بَين عَيْني الرَّحْمَن فَإِذا الْتفت قَالَ لَهُ الرب
стр. 197
تَعَالَى ذكره إِلَى من تلفت
أإلى من هُوَ خير مني أقبل إِلَيّ فَإِنِّي خير لَك مِمَّن تلْتَفت إِلَيْهِ
تَأْوِيل ذَلِك
أعلم أَن الْعين فِي كَلَام الْعَرَب تسْتَعْمل فِي معَان كَثِيرَة
مِنْهَا مَا يُرَاد بِهِ الرُّؤْيَة والمشاهدة
وَمِنْهَا مَا يُرَاد بِهِ الْحِفْظ والكلاءة
وَمِنْهَا مَا يُرَاد بِهِ الْجَوْدَة
وَمِنْهَا مَا يُرَاد بِهِ الدّلَالَة
وَمِنْهَا مَا يُرَاد بِهِ الْجَارِحَة
فَأَما مَا يُرَاد بِهِ الرُّؤْيَة والمشاهدة فَقَوْل الْقَائِل أَنْت على عَيْني وَاضع هَذَا الْمَتَاع على عَيْنك أَي على مرأى مِنْك ومشاهدتك
وَأما مَا يُرَاد بِهِ الْحِفْظ والكلاءة فَهُوَ قَوْلهم أَنْت بِعَين الله أَي أَنْت فِي حفظه وكلاءته
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا﴾ أَي فِي حفظنا وكلاءتنا
وَأما الَّذِي يُرَاد بِهِ الدّلَالَة فَفِي قَوْله هَذَا عين الرّوم أَي دليلهم
وَأما عين بِمَعْنى الْجَوْدَة فَفِي قَوْلهم هَذَا عين الْمَتَاع وَهَذَا عين القلادة أَي
стр. 198
جيده وَالْمُخْتَار مِنْهُ
فَأَما الْعين الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْجَارِحَة فَظَاهر الْمَعْنى فِي الإستعمال لأَنهم يَقُولُونَ عين الرّكْبَة والحدقة عين
وَإِذا كَانَ لفظ الْعين مُشْتَركا مُبين هَذِه الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة وَكَانَ وصف الله بالجارحة مستحيلا وَجب أَن يكون مَحْمُولا على بعض هَذِه الْمعَانِي الَّتِي ذكرنَا فِي معنى الْعين وَذَلِكَ أَنه إِن حمل على أَن المُرَاد بِهِ الْحِفْظ والكلاءة كَمَا قيل فِي قَوْله ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ وَفِي قصَّة نوح ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ لم يكن ذَلِك مُنْكرا وَكَانَ مَعْنَاهُ
أَن الله موفق للْمُصَلِّي حَافظ لَهُ وَأَنه يحفظه وكلاءته حِين وَفقه للصَّلَاة وحرسه عَن الْمعْصِيَة فِي تَركهَا كَانَ بِعَيْنِه على معنى أَنه تَحت حفظه ورعايته
وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك أَن مَا ذكر من الْخَبَر يدل عَلَيْهِ من قَوْله أَنا خير لَك مِمَّن تلْتَفت إِلَيْهِ
لِأَن ذَلِك واعظ لَهُ من نَفسه تَنْبِيها لَهُ من ربه بزجره عَن الإغفال ويدعوه إِلَى الإقبال وَهَذِه عَلامَة الْحِفْظ والكلاءة من قبل الله
وَإِذا قُلْنَا إِن المُرَاد بِعَين الْبَصَر وَأَنه قد يُسمى الْبَصَر عينا لأجل أَنه مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ وَيقوم بِهِ فِينَا كَانَ المُرَاد بِأَن الْمُصَلِّي بمرأى من الله ومشهد يرَاهُ وَيرى حركاته وَيسمع كَلَامه وَيشْهد قلبه وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ
стр. 199
التَّرْغِيب فِي الْحِفْظ على الصَّلَاة وَضم الْجَوَارِح للخشوع والحضور بِالْقَلْبِ وَالنِّيَّة على رُؤْيَة الْمُشَاهدَة والهيبة والإجلال لمن يُصَلِّي لَهُ ويناجيه فِي صلَاته بقرَاءَته وَذكره وتسبيحه
وَإِذا قُلْنَا المُرَاد بِالْعينِ الْجَوْدَة وَالْخيَار من الشَّيْء فَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ أَن الْمُصَلِّي مِمَّن إختاره الله من بَين خلقه لعبادته وخدمته فِي أَن وَفقه للصَّلَاة لَهُ فَهُوَ عين من عيونه وَولي من أوليائه ومختار من خلقه
وَقد قيل فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ كلا الْوَجْهَيْنِ بحفظنا ورعياتنا وكلاءتنا وعَلى مراى منا ومشهد
وَقيل فِي قَوْله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ الْأَمر أَن جَمِيعًا أَيْضا وكل ذَلِك مُحْتَمل
وَأما قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ فقد ذكر بعض أهل التَّفْسِير أَن المعني بأوليائنا وَخيَار خلقنَا لأَنهم كَانُوا هم الْمُؤمنِينَ فِي وَقت نوح ﵇
وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ بذلك أعين المَاء الَّتِي أخرجهَا الله تَعَالَى من الأَرْض
وَقَالَ بَعضهم الْمَعْنى أَنَّهَا تجْرِي بمرأى منا ومشهد من حفظنا وكلاءتنا لَا
стр. 200
تلحقها آفَة وَلَا يعترضها نقص لأجل حفظ الله تَعَالَى لَهَا وَلمن فِيهَا
وإعلم أَن اسْتِعْمَال لفظ الْعين فِي الْبَصَر توسع لما ذكرنَا أَنه تَسْمِيَة الشَّيْء بإسم مَحَله وبإسم مَا هُوَ قَائِم بِهِ وَأَن ذَلِك سَائِغ فِي اللُّغَة
وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِيمَا ثَبت لله تَعَالَى من الْوَصْف لَهُ بِالْعينِ
فَمنهمْ من قَالَ المُرَاد بِهِ الْبَصَر والرؤية
وَمِنْهُم من قَالَ إِن طَرِيق إِثْبَاتهَا صفة لله تَعَالَى السّمع وسبيل القَوْل فِيهَا سَبِيل القَوْل فِي الْيَد وَالْوَجْه وَقد مضى بَيَان ذَلِك حَيْثُ ذكرنَا تَأْوِيل الْيَد
وَإِذا كَانَ لفظ الْعين مُشْتَرك الْمَعْنى مُحْتَمل التَّأْوِيل وَلَا يخص أمرا وَاحِدًا هُوَ جارحة فَقَط كَمَا ذكرنَا من مَذْهَب المشبهة فقد بَان أَن الصَّحِيح فِي وصف الله أحد مَا ذَكرْنَاهُ لإحتمال اللَّفْظ وَله وَصِحَّة جَرَيَان ذَلِك فِي وَصفه تَعَالَى وإستحالة وَصفه بالجارحة وَالْبَعْض تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
стр. 201
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل
روى مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ رأى بصاقا فِي جِدَار الْقبْلَة فحكه ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ
إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يبصق قبل وَجهه فَإِن الله قبل وَجهه إِذا صلى // رَوَاهُ الْبَزَّار //
وَمثله مَا هُوَ قريب من مَعْنَاهُ مَا روى ابْن الْمسيب عَن أبي ذَر رَضِي عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
لَا يزَال الله سُبْحَانَهُ مُقبلا على العَبْد مَا لم يلْتَفت فِي الصَّلَاة فَإِذا صرف وَجهه انْصَرف عَنهُ // أخرجه مُسلم //
ذكر تَأْوِيله
إعلم أَن معنى قَوْله ﷺ إِن الله سُبْحَانَهُ قبل وَجهه يحْتَمل وُجُوهًا أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن ثَوَاب الله لهَذَا الْمُصَلِّي ينزل عَلَيْهِ من قبل وَجه هَذَا الْمُصَلِّي وَمثله قَوْله ﷺ
يَجِيء الْقُرْآن بَين يَدي صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة
стр. 202
أَي يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَته الْقُرْآن
وَقد رُوِيَ أَيْضا فِي خبر أَنه قَالَ
من قَرَأَ ثلث الْقُرْآن أعطي ثلث النُّبُوَّة
وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه أعطي ثلث علم النُّبُوَّة
وَمثله أَيْضا قَوْله ﵊
من عَال ثَلَاث بَنَات كن لَهُ حِجَابا من النَّار
أَي كَانَ ثَوَاب ذَلِك حِجَابا لَهُ من النَّار // أخرجه أَبُو دَاوُود //
وَقَالَ حوثرة قدم مَكَّة عمر بن الْخطاب فَجعل يطوف فِي السكَك وَيَقُول
قموا أفنيتكم فَمر بِأبي سُفْيَان فَقَالَ لَهُ ذَلِك فَقَالَ نعم حَتَّى يَجِيء مهاننا يَعْنِي خدمنا وأحدها ماهن وَهُوَ الْخَادِم
قَالَ ثمَّ مر بِهِ بعد ذَلِك فَقَالَ ألم أقل لكم قموا أفنيتكم فَقَالَ نعم حَتَّى يَجِيء مهاننا قَالَ فعلاه بِالدرةِ فَخرجت هِنْد فَقَالَت أتضربه أما وَالله لرب يَوْم لَو ضَربته لأقشعرت بك بطن مَكَّة فَقَالَ صدقت وَلَكِن الله رفع بِالْإِسْلَامِ أَقْوَامًا وَوضع بِهِ أَقْوَامًا
فقولها اقشعرت بك بطن مَكَّة أَي اقشعرت بك أهل بطن مَكَّة وَهَذَا لما
стр. 203
ذكرنَا من قَول أهل اللُّغَة أَنهم يَقُولُونَ جَاءَت تَمِيم والأزد ويريدون أَبْنَاءَهُم وَيَقُولُونَ جَاءَت الْيَمَامَة ويريدون أَهلهَا وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب ظَاهِرَة فِي خطابها
فَيحْتَمل على هَذَا الْوَجْه أَن معنى قَوْله ﷺ
فَإِن الله قبل وَجهه إِذا صلى أَي ثَوَابه وكرامته
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون الْخَبَر على معنى التَّرْغِيب فِي إدمان الْخُشُوع فِي الصَّلَاة والحض عَلَيْهَا يُرِيد ﷺ بذلك أَن أولى الْأَشْيَاء بالمصلي أَن يكون يشْتَغل قلبه بِذكر الله وَذكر عَظمته وعزته وَقدرته وَيكون الْمَعْنى أَن عَظمَة الله وعزته يجب أَن تكون من تِلْقَاء وَجهه على معنى أَنه يجب أَن يكون شغله بهَا وبذكرها وتجديد إحضارها الْقلب عَن غَيره
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك ضربا من آدَاب الصَّلَاة علمه الْمُصَلِّي حَتَّى يكون فِي صلَاته متحرما بحرمتها مُعظما لأمرها وللجهة الَّتِي اسْتقْبل إِلَيْهَا خَاصَّة تَعْظِيمًا لأمر الله تَعَالَى فَكَذَلِك لَا يبصق قبل تِلْكَ الْجِهَة
وعَلى هَذَا يكون تَقْدِير قَوْله بِأَن الله قبل وَجهه أَي أَن أمره قد وَجه عَلَيْهِ من تَعْظِيم الْجِهَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا فَيجب أَن لَا يعدل عَنْهَا بِشَيْء من جسده وَلَا شَيْء من قلبه
فَأَما قَوْله ﷺ
لَا يزَال الله مُقبلا على عَبده مَا لم يلْتَفت فِي الصَّلَاة
стр. 204
فَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ أَنه لَا يزَال خَيره مُقبلا عَلَيْهِ كَمَا يَقُول الْقَائِل أَن الْأَمِير أقبل على فلَان إِذا قبله وقربه وأناله خيرا
وَقَوله فَإِذا صرف وَجهه إنصرف عَنهُ أَي إنصرف خَيره وثوابه بقول الْقَائِل أَن الْأَمِير صرف وَجهه عَن فلَان إِذا قطع خَيره عَنهُ وَلم يحسن إِلَيْهِ فِي المستأنف كَمَا أحسن إِلَيْهِ فِيمَا قبل وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل
(وَكُنَّا إِذا الْجَبَّار صعر خَدّه ... أَقَمْنَا لَهُ من ميله فتقوما)
أَي إِذا أمال بِأَن يقطع عطيته وَنَظره لَا أَنه يُرِيد بذلك الخد الْمَعْرُوف
وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ لَا يزَال توفيق الله للْعَبد ولطفه بِهِ وأصلا إِلَيْهِ مَا لم يعرض فَإِذا أعرض فقد أعرض الله عَنهُ بِفعل الْخَيْر وإعادة اللطف عَنهُ وَهُوَ معنى قَوْله إنصرف عَنهُ وَهَذَا كَمَا قَالَ الله ﴿ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم﴾
وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَنه لما صرف الله قُلُوبهم عَن الْخَيْر بِقطع التَّوْفِيق واللطف إنصرفت قُلُوبهم عَن الْخَيْر وَهَذَا مَبْنِيّ على أصلنَا فِي أَنه لَا ينْصَرف أحد عَن الطَّاعَة إِلَّا بِصَرْف الله وَذَلِكَ بِأَن لَا يفعل لَهُ تَوْفِيقًا يصل بِهِ إِلَى فعل الْخَيْر وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾
أَي لما زاغوا فِي علمي وحكمي أزغت قُلُوبهم لما أحدثتهم وخلقتهم
стр. 205
وَأعلم أَن الَّذِي أوجب أَن يحمل التَّأْوِيل فِي ذَلِك على معنى مَا قُلْنَا إستحالة وصف الله تَعَالَى بالكون فِي وَجهه ومحاذاة ومقابلة لإستحالة كَونه جوهرا أَو جسما وَإِذا سوغت اللُّغَة هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي حملنَا عَلَيْهَا هَذَا الْكَلَام وَكَانَ مُفِيدا كَانَ حمله عَلَيْهِ أولى من وصف الله تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيق
стр. 206
ذكر خبر مِمَّا آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل
روى أَبُو ذَر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
ثَلَاثَة لَا در الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شيخ زَان وَملك كَذَّاب وعائل متكبر // أخرجه الْأَمَام مُسلم //
وروى عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
الَّذِي يجر إزَاره خُيَلَاء لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة
وَوجه السُّؤَال فِي هَذَا الْخَبَر هُوَ أَن قيل
إِذا كَانَ الله تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بِالنّظرِ فَمَا فَائِدَة قَوْله وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن النّظر فِي كَلَام الْعَرَب يتَصَرَّف على وُجُوه
مِنْهَا نظر العيان
وَمِنْهَا نظر الإنتظار
وَمِنْهَا نظر الإعتبار
وَمِنْهَا نظر التعطف وَالرَّحْمَة
стр. 207
فَمَعْنَى قَوْله ﷺ لَا ينظر الله إِلَيْهِم أَي لَا يرحمهم وَالنَّظَر من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِنَّمَا هُوَ رَحمته لَهُم ورأفته بهم وعبادته عَلَيْهِم وَمِنْهَا يَقُول الْقَائِل لغيره انْظُر إِلَى نظر الله إِلَيْك أَي ارْحَمْنِي رَحِمك الله
وَيُقَال أَيْضا أنظر إِلَيّ بِمَعْنى تعطف عَليّ وَيُقَال فِي الدُّعَاء أَيْضا أنظر إِلَيْنَا نظرة ترحمنا بهَا
وَرُوِيَ فِي خبر آخر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
إِن لله فِي خلقه كل يَوْم ثلاثمئة وَسِتِّينَ نظرة يخْفض فِيهَا وَيرْفَع ويعز ويذل
وَالْمرَاد بِهَذِهِ النظرات مَا يَتَجَدَّد فِي كل حَال من تَغْيِير الشؤون وَالْأَحْوَال
فَأَما وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ نَاظر فَلَا يَصح بِمَعْنى الرُّؤْيَة من قبل أَن النّظر المقرون بِالْوَجْهِ إِلَى الَّذِي فِي اللُّغَة وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الرُّؤْيَة والعيان فَلَا يُسمى الله سُبْحَانَهُ إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَسَماهُ بِهِ رَسُوله واتفقت عَلَيْهِ الْأمة وَقد ورد الْكتاب بِأَنَّهُ رائي بَصِير وَأَنه يرى ويبصر وَلم يرد بِأَنَّهُ ينظر فَلذَلِك لَا يُوصف بِالنّظرِ على معنى الرُّؤْيَة ويوصف بِالنّظرِ على معنى التعطف وَالرَّحْمَة وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ إِلَى قَوْله (وَلَا ينظر إِلَيْهِم)
أَي لَا يتعطف عَلَيْهِم وَلَا يرحمهم وَلَا يجوز أَن يُوصف رُؤْيَة الله بِأَنَّهَا نظر
стр. 208
كَمَا لَا يُوصف بِأَنَّهُ نَاظر على معنى أَنه رَأْي وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُوصف بِأَن الله رُؤْيَة بعد رُؤْيَة كَمَا لَا يُوصف بِأَن لَهُ علما بعد علم
فَمَا وصف بِهِ من تَكْرِير النظرات وتكثيرها فَذَلِك يرجع إِلَى معنى النّظر الَّذِي هُوَ الْعَطف وَالْفضل وَالرَّحْمَة وَذَلِكَ نوع الْفِعْل وَلَا يجوز فِيمَا طَرِيقه طَرِيق صِفَات الذَّات أَن تعدد وتكرر وتكثر
سُؤال فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَعمالكُم وَلكنه ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ // أخرجه الْأَمَام مُسلم //
فَمَا معنى هَذَا النّظر
قيل هَذَا يحْتَمل مَعْنَاهُ أَن يكون الإحتساب والإعتداد أَي أَنه لَا يعْتد بِمَا يظْهر على ظواهركم إِذا لم تكن مُوَافقَة لبواطنكم وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل قصدت فلَانا فَمَا نظر إِلَيّ أَي لم يَقع قصدي عِنْده موقعا اعْتد بِهِ وإحتسبه وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن الْأَعْمَال الظَّاهِرَة منوطة بِصِحَّة السرائر وَالْإِخْلَاص فِي النيات وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ
إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى // أخرجه البُخَارِيّ //
يُرِيد بذلك أَن النيات هِيَ المصححة للأعمال وَأَنَّهَا مَعَ إنفرادها عَنْهَا لَا تقع مواقع الْقبُول والأجزاء
стр. 209
سُؤال آخر
فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد رُوِيَ أَيْضا فِي الْخَبَر الآخر أَن الله تَعَالَى لم ينظر إِلَى الدُّنْيَا مُنْذُ خلقهَا فَمَا معنى ذَلِك
قيل قد بَينا فِيمَا قبل أَن النّظر الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الرُّؤْيَة لَا يَقع فِيهِ الإختصاص وَأَنه تَعَالَى هُوَ الرَّائِي لكل مرئي لَا على معنى طَرِيق الإختصاص وَلَا يُوصف بِالنّظرِ على معنى الرُّؤْيَة من طَرِيق اللَّفْظ وَالْعِبَادَة لأجل أَن السّمع لم يرد بِهِ
وَأما الَّذِي يُوصف بِهِ من ذَلِك على لفظ النّظر نفيا وإثباتا فَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى التعطف وَالرَّحْمَة أَو تَركهمَا أَو بِمَعْنى الْقبُول على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا فِي قَوْلهم فلَان مَا ينظر إِلَى فلَان إِذا أَرَادَ أَنه لَا يعْتد بِهِ وَلم يكن لَهُ عِنْده قدر وعَلى ذَلِك يحمل معنى الْخَبَر بِأَن الله تَعَالَى لما خلق الدُّنْيَا للفناء والزوال وحث على الزّهْد فِيهَا وَترك الإشتغال بهَا قيل فِي وَصفه على هَذَا الْمَعْنى أَنه لم ينظر إِلَيْهَا
أَي لم يجل قدرهَا وَلَا قدر من ركن إِلَيْهَا وَهَذَا يرجع فِي التَّحْقِيق إِلَى معنى منع لطفه المشتغلين بهَا المعرضين عَن حكم الْآخِرَة لِأَن مَا وصف من النّظر على هَذَا الْوَجْه رَاجع إِلَى معنى اللطف وَالرَّحْمَة والتوفيق وَفعل الْخَيْر واللطف بأَهْله وَيكون تَحْقِيقه أَن المشتغلين بهَا المعرضين عَن الطَّاعَة فِيهَا قد حرمُوا من
стр. 210
اللطف والتوفيق من عِنْده مَا عِنْد حرمانه أَعرضُوا عَن الطَّاعَة وَاشْتَغلُوا بالمعصية وكل ذَلِك تَرْتِيب أَمر وَصفنَا الله تَعَالَى بِالنّظرِ فِي قَول الْقَائِل نظر إِلَيْهِ وَلم ينظر إِلَيْهِ
ذكر خبر آخر وتأويله
رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
تكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا // أخرجه البُخَارِيّ //
أعلم أَن وصف الله تَعَالَى بالجلالة على معنى السَّآمَة والإستثقال للشَّيْء على معنى نفور نَفسه عَنهُ محَال لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي تغيره وحلول الْحَوَادِث فِيهِ وَذَلِكَ غير جَائِز فِي وَصفه وَلِهَذَا الْخَبَر طَرِيقَانِ من التَّأْوِيل
أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يغْضب عَلَيْكُم وَلَا يقطع عَنْكُم ثَوَابه حَتَّى تتركوا الْعَمَل وتزهدوا فِي سُؤَاله وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَسمى الفعلان مللا تَشْبِيها بالملل وليسا بملل على الْحَقِيقَة
стр. 211
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل إِذا مللتم وَمثل هَذَا قَوْلك فِي الْكَلَام أَن هَذَا الْفرس لَا يفتر حَتَّى تفتر الْخَيل وَلَيْسَ المُرَاد بذلك أَنه يفتر إِذا فترت الْخَيل وَلَو كَانَ المُرَاد هَذَا مَا كَانَ لَهُ فضل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يفتر مَعهَا وَأي فَضِيلَة لَهُ وَإِنَّمَا المُرَاد بِهَذَا الْمثل أَنه لَا يفتر وَإِن فتر الْخَيل وَكَذَلِكَ يَقُول الْقَائِل للرجل فِي كَلَامه الألد فِي خصومته
فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى يَنْقَطِع خصومه
يُرِيد بذلك أَنه لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطع خصومه وَلَو أَرَادَ بِهِ أَن يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعُوا لم يكن لَهُ فِي ذَلِك القَوْل فضل على غَيره وَلَا وَجب لَهُ مدحه وَقد جَاءَ مثل ذَلِك فِي كَلَامهم وَفِي الشّعْر أَيْضا كَمَا قَالَ قَائِلهمْ
(صليت مني هُذَيْل بحرق ... لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا)
لم يرد بِأَنَّهُم يملون الشَّرّ إِذا ملوه وَلَو أَرَادَ ذَلِك مَا كَانَ لَهُم فِيهِ مدح لأَنهم حِينَئِذٍ يكونُونَ فِيهِ مثلهم بل أَرَادَ أَنهم لَا يملون الشَّرّ وَإِن مله خصومهم فعلى هَذَا يكون الْخَبَر
إِن الله لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة وَإِن تركُوا هم طَاعَته وَقصرُوا فِيهَا لِأَن الله لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة
стр. 212
ذكر خبر آخر وتأويله
رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
لَا تسبوا الدَّهْر // أخرجه مُسلم // فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
أعلم أَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُوصف بِأَنَّهُ دهر وَأَنه الدَّهْر على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هَذَا مثل وَأَصله أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت تَقول أصابني الدَّهْر فِي مَالِي بِكَذَا ونالتني قوارع الده ومصائبه فيضيفون كل حَادث يحدث مِمَّا هُوَ جَار بِقَضَاء الله وَقدره وخلقه وَتَقْدِيره من مرض أَو صِحَة أَو غنى أَو فقر أَن حَيَاة أَو موت إِلَى الدَّهْر وَيَقُولُونَ لعن الله هَذَا الدَّهْر وَالزَّمَان وَكَذَا قَالَ قَائِلهمْ
(أَمن الْمنون وريبها يتوجع ... والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
وَقد يُسمى الدَّهْر الْمنون وَالزَّمَان أَيْضا لِأَنَّهُ جالب الْمنون عِنْدهم والمنون الْمنية
وروى بَعضهم هَذَا الْبَيْت
(أَمن الْمنون وريبه تتوجع ... والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
كَأَنَّهُ قَالَ أَمن الدَّهْر وريبه تتوجع
وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ
стр. 213
﴿نتربص بِهِ ريب الْمنون﴾ أَي ريب الدَّهْر وحوادثه
وَكَانَت الْعَرَب تَقول لَا أَلْقَاك آخر الْمنون أَي آخر الدَّهْر
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن أهل الْجَاهِلِيَّة بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من نِسْبَة أقدار الله وأفعاله إِلَى الدَّهْر فَقَالَ
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر
فَقَالَ ﷺ لَا تسبوا الدَّهْر
أَي إِذا أَصَابَتْكُم المصائب لَا تنسبوها إِلَيْهِ فَإِن الله هُوَ الَّذِي أَصَابَكُم بهَا لَا الدَّهْر وَإِنَّكُمْ إِذا سببتم الدَّهْر وفاعل ذَلِك لَيْسَ هُوَ الدَّهْر وَقع السب على فَاعل ذَلِك وَهُوَ الله تَعَالَى أَلا ترى أَن الرجل مِنْهُم إِذا أَصَابَته جَائِحَة من مَال أَو ولد أَو بدن سبّ فَاعل ذَلِك وتوهمه الدَّهْر فَكَانَ المسبوب هُوَ الله جلّ ذكره
ومثاله فِي الْكَلَام أَن يكون رجلا يُسمى زيدا وَله عبد يُسمى بكر فَأمر بكرا أَن يقتل رجلا فَقتله فسب النَّاس بكرا فَقَالَ لَهُم قَائِل لَا تسبوا بكرا فَإِن زيدا هُوَ بكر يُرِيد أَن زيدا هُوَ الْقَائِل لِأَن الَّذِي أمره كَأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِل كَذَلِك
стр. 214
الدَّهْر تكون المصائب فِيهِ والنوازل وَهِي بأقدار الله تَعَالَى فيسبه النَّاس لكَون المصائب فِيهِ وَلَيْسَ للدهر صنع فَيَقُول الْقَائِل لاتسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
وَزعم بعض رَوَاهُ أهل الْعلم أَن هَذِه الحَدِيث قد اخْتَصَرَهُ بعض الروَاة وغيروا مَعْنَاهُ عَن جِهَته لِأَن فِي الحَدِيث كلَاما إِذا ذكر بِأَن تَأْوِيله
وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب ﵁ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
قَالَ الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن آدم يسب الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي الْأَمر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنا الدَّهْر
стр. 215
وَإِذا روى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الشَّرْح بَان أَن التَّأْوِيل على مَا ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ قَوْله وَأَنا الدَّهْر على وَجْهَيْن
أَحدهمَا بِفَتْح الرَّاء من الدَّهْر وَيكون مَعْنَاهُ أَنه جعل ذَلِك وقتا للْفِعْل الْمَذْكُور وَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى أَنا الْبَاقِي أبدا المقلب للأحوال الَّتِي يتَغَيَّر بهَا الدَّهْر
وَقد رُوِيَ أَيْضا بِضَم الرَّاء وَإِذا رُوِيَ على هَذَا الْوَجْه يكون مَعْنَاهُ مَا تقدم ذكره أَي أَنا المغير للدهر والمحدث للحوادث فِيهِ لَا الدَّهْر كَمَا يتوهمون
وَيكون فَائِدَته تَكْذِيب من اقْتصر على الدَّهْر وَالْأَيَّام والليالي فِي حُدُوث الْحَوَادِث وتغييرها من الْمُلْحِدِينَ والزنادقة وتحقيقا لإثباته جلّ ذكره أَنه الْفَاعِل لجَمِيع الْحَوَادِث المريد لَهَا لَا مُرُور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَأَن الْأَيَّام والليالي ظرف للحوادث لَا أَنَّهَا يحدث بهَا أَو مِنْهَا شَيْء
следующие страницы →