Полный текст (433 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل إِذا مللتم وَمثل هَذَا قَوْلك فِي الْكَلَام أَن هَذَا الْفرس لَا يفتر حَتَّى تفتر الْخَيل وَلَيْسَ المُرَاد بذلك أَنه يفتر إِذا فترت الْخَيل وَلَو كَانَ المُرَاد هَذَا مَا كَانَ لَهُ فضل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يفتر مَعهَا وَأي فَضِيلَة لَهُ وَإِنَّمَا المُرَاد بِهَذَا الْمثل أَنه لَا يفتر وَإِن فتر الْخَيل وَكَذَلِكَ يَقُول الْقَائِل للرجل فِي كَلَامه الألد فِي خصومته
فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى يَنْقَطِع خصومه
يُرِيد بذلك أَنه لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطع خصومه وَلَو أَرَادَ بِهِ أَن يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعُوا لم يكن لَهُ فِي ذَلِك القَوْل فضل على غَيره وَلَا وَجب لَهُ مدحه وَقد جَاءَ مثل ذَلِك فِي كَلَامهم وَفِي الشّعْر أَيْضا كَمَا قَالَ قَائِلهمْ
(صليت مني هُذَيْل بحرق ... لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا)
لم يرد بِأَنَّهُم يملون الشَّرّ إِذا ملوه وَلَو أَرَادَ ذَلِك مَا كَانَ لَهُم فِيهِ مدح لأَنهم حِينَئِذٍ يكونُونَ فِيهِ مثلهم بل أَرَادَ أَنهم لَا يملون الشَّرّ وَإِن مله خصومهم فعلى هَذَا يكون الْخَبَر
إِن الله لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة وَإِن تركُوا هم طَاعَته وَقصرُوا فِيهَا لِأَن الله لَا يُوصف بالملال على الْحَقِيقَة
стр. 212
ذكر خبر آخر وتأويله
رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
لَا تسبوا الدَّهْر // أخرجه مُسلم // فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
أعلم أَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُوصف بِأَنَّهُ دهر وَأَنه الدَّهْر على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هَذَا مثل وَأَصله أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت تَقول أصابني الدَّهْر فِي مَالِي بِكَذَا ونالتني قوارع الده ومصائبه فيضيفون كل حَادث يحدث مِمَّا هُوَ جَار بِقَضَاء الله وَقدره وخلقه وَتَقْدِيره من مرض أَو صِحَة أَو غنى أَو فقر أَن حَيَاة أَو موت إِلَى الدَّهْر وَيَقُولُونَ لعن الله هَذَا الدَّهْر وَالزَّمَان وَكَذَا قَالَ قَائِلهمْ
(أَمن الْمنون وريبها يتوجع ... والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
وَقد يُسمى الدَّهْر الْمنون وَالزَّمَان أَيْضا لِأَنَّهُ جالب الْمنون عِنْدهم والمنون الْمنية
وروى بَعضهم هَذَا الْبَيْت
(أَمن الْمنون وريبه تتوجع ... والدهر لَيْسَ بمتعب من يجزع)
كَأَنَّهُ قَالَ أَمن الدَّهْر وريبه تتوجع
وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ
стр. 213
﴿نتربص بِهِ ريب الْمنون﴾ أَي ريب الدَّهْر وحوادثه
وَكَانَت الْعَرَب تَقول لَا أَلْقَاك آخر الْمنون أَي آخر الدَّهْر
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن أهل الْجَاهِلِيَّة بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من نِسْبَة أقدار الله وأفعاله إِلَى الدَّهْر فَقَالَ
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر
فَقَالَ ﷺ لَا تسبوا الدَّهْر
أَي إِذا أَصَابَتْكُم المصائب لَا تنسبوها إِلَيْهِ فَإِن الله هُوَ الَّذِي أَصَابَكُم بهَا لَا الدَّهْر وَإِنَّكُمْ إِذا سببتم الدَّهْر وفاعل ذَلِك لَيْسَ هُوَ الدَّهْر وَقع السب على فَاعل ذَلِك وَهُوَ الله تَعَالَى أَلا ترى أَن الرجل مِنْهُم إِذا أَصَابَته جَائِحَة من مَال أَو ولد أَو بدن سبّ فَاعل ذَلِك وتوهمه الدَّهْر فَكَانَ المسبوب هُوَ الله جلّ ذكره
ومثاله فِي الْكَلَام أَن يكون رجلا يُسمى زيدا وَله عبد يُسمى بكر فَأمر بكرا أَن يقتل رجلا فَقتله فسب النَّاس بكرا فَقَالَ لَهُم قَائِل لَا تسبوا بكرا فَإِن زيدا هُوَ بكر يُرِيد أَن زيدا هُوَ الْقَائِل لِأَن الَّذِي أمره كَأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِل كَذَلِك
стр. 214
الدَّهْر تكون المصائب فِيهِ والنوازل وَهِي بأقدار الله تَعَالَى فيسبه النَّاس لكَون المصائب فِيهِ وَلَيْسَ للدهر صنع فَيَقُول الْقَائِل لاتسبوا الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر
وَزعم بعض رَوَاهُ أهل الْعلم أَن هَذِه الحَدِيث قد اخْتَصَرَهُ بعض الروَاة وغيروا مَعْنَاهُ عَن جِهَته لِأَن فِي الحَدِيث كلَاما إِذا ذكر بِأَن تَأْوِيله
وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب ﵁ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
قَالَ الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن آدم يسب الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي الْأَمر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنا الدَّهْر
стр. 215
وَإِذا روى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الشَّرْح بَان أَن التَّأْوِيل على مَا ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ قَوْله وَأَنا الدَّهْر على وَجْهَيْن
أَحدهمَا بِفَتْح الرَّاء من الدَّهْر وَيكون مَعْنَاهُ أَنه جعل ذَلِك وقتا للْفِعْل الْمَذْكُور وَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى أَنا الْبَاقِي أبدا المقلب للأحوال الَّتِي يتَغَيَّر بهَا الدَّهْر
وَقد رُوِيَ أَيْضا بِضَم الرَّاء وَإِذا رُوِيَ على هَذَا الْوَجْه يكون مَعْنَاهُ مَا تقدم ذكره أَي أَنا المغير للدهر والمحدث للحوادث فِيهِ لَا الدَّهْر كَمَا يتوهمون
وَيكون فَائِدَته تَكْذِيب من اقْتصر على الدَّهْر وَالْأَيَّام والليالي فِي حُدُوث الْحَوَادِث وتغييرها من الْمُلْحِدِينَ والزنادقة وتحقيقا لإثباته جلّ ذكره أَنه الْفَاعِل لجَمِيع الْحَوَادِث المريد لَهَا لَا مُرُور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَأَن الْأَيَّام والليالي ظرف للحوادث لَا أَنَّهَا يحدث بهَا أَو مِنْهَا شَيْء
стр. 216
ذكر خبر آخر يَقْتَضِي التَّأْوِيل
رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عقيب كَلَام ذكره مِمَّا لَا يَقْتَضِي تَأْوِيلا وَلَا يُوهم تَشْبِيها
وَأَن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله ﵎ بوج
ذكر تَأْوِيله
أعلم أَن الْوَطْأَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى مماسة بجارحة أَو بِبَعْض الْأَجْسَام لَا يَصح فِي وصف الله تَعَالَى لإستحالة كَونه جسما وإستحالة الممارسة عَلَيْهِ وإستحالة تَغْيِيره بِمَا يحدث فِيهِ من الْحَوَادِث وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ مَحْمُولا مَعْنَاهُ على مَا تقدم ذكره فِي أَن ذَلِك يرجع إِلَى الْفِعْل دون أَن يكون معنى يتَعَلَّق بِالذَّاتِ مِمَّا يَقْتَضِي حُدُوث معنى فِيهَا
وَمعنى الحَدِيث على هَذَا التَّأْوِيل أَن آخر مَا أوقع الله سُبْحَانَهُ بالمشركين بِالطَّائِف وَكَانَ آخر غَزْوَة غَزَاهَا النَّبِي ﷺ حنين وَادي الطَّائِف وَوَج اسْم مَوضِع فِيهِ وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يذهب فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث إِلَى نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ وَيَقُول إِن ذَلِك مثل قَوْله ﷺ
اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف // أخرجه البُخَارِيّ //
فتتابع الْقَحْط عَلَيْهِم سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا الْقد وَالْعِظَام
وَالْعرب تَقول فِي كَلَامهَا اشتدت وَطْأَة السُّلْطَان على رَعيته وَلَيْسَ
стр. 217
يُرِيدُونَ وَطْء الْقدَم
وَكَذَلِكَ يُقَال وطئهم السُّلْطَان وطأ ثقيلا وَيُقَال وَطْأَة الْمُقَيد إِذا أَرَادوا وصف الْوَطْأَة بالثقل وَكَذَلِكَ قَالَ قَائِلهمْ ﴿ووطئتنا وطأ على حنق ... وَطْء الْمُقَيد يَابِس الْهَرم﴾
والمقيد أثقل شَيْء وطأ لِأَنَّهُ يرسف فِي قيوده فَيَضَع رجلَيْهِ مَعًا ويروى نابت الْهَرم وَهُوَ نبت ضَعِيف فَإِذا وَطئه الْمُقَيد فتته
وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْكَلَام سائغا وَفِي الْعَرَب جَائِزا وَجب أَن يحمل عَلَيْهِ معنى الْخَبَر لإستحالة وصف الله تَعَالَى بالجوارح والممارسة
стр. 218
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل
روى جَابر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ وَقد روى أَبُو الزبير عَن جَابر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر أَنه قَالَ
اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ // أخرجه الشَّيْخَانِ //
ذكر تَأْوِيله
أعلم أَن بعض أهل الْعلم يذهب فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث إِلَى أَن ذَلِك اهتزاز الْعَرْش على الْحَقِيقَة وَأَن الْعَرْش تحرّك على الْحَقِيقَة لمَوْت سعد ولسنا ننكر هَذَا التَّأْوِيل لأجل أَن الْعَرْش يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة وَلكنه تبطل فَائِدَته
وتأوله بَعضهم على أَن الْعَرْش هَا هُنَا السرير الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سعد وَهَذَا أَيْضا يبطل فَائِدَة الْخَبَر وَإِنَّمَا أفيد بِهَذَا الْخَبَر فَضله لسعد وَلَا فَضِيلَة لَهُ فِي تحرّك سَرِيره
وَالصَّحِيح من التَّأْوِيل فِي ذَلِك أَن يُقَال الإهتزاز هُوَ الإستبشار وَالسُّرُور يُقَال إِن فلَانا يستبشر للمعروف ويهتز لَهُ وَمِنْه قيل فِي الْمثل إِن فلَانا إِذا دعِي اهتز وَإِذا سُئِلَ ارتز وَالْكَلَام لأبي الْأسود الدؤَلِي
وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه إِذا دعِي إِلَى الطَّعَام يَأْكُلهُ ارْتَاحَ لَهُ واستبشر وَإِذا دعِي إِلَى
стр. 219
حَاجَة ارتز أَي تقبض وَلم ينْطَلق وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(وتأخذه عِنْد المكارم هزة ... كَمَا اهتز تَحت البارح الْغُصْن الرطب)
فَمَعْنَى الإهتزاز فِي الحَدِيث الإستبشار وَالسُّرُور وَأما الْعَرْش فعرش الرَّحْمَن على مَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن حَملَة الْعَرْش الَّذين يحملونه ويطوفون حوله فرحوا بقدوم روح سعد عَلَيْهِم فَأَقَامَ الْعَرْش مقَام من يحملهُ وَيَطوف بِهِ من الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَا بَكت عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض﴾
يرد أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض
وكما قَالَ ﷺ فِي أحد
هَذَا جبل يحبنا ونحبه
يُرِيد يحبنا أَهله يَعْنِي الْأَنْصَار ونحب أَهله
وَقد جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَلَائِكَة يستبشرون بأرواح الْمُؤمنِينَ وَأَن لَك مُؤمن بَابا من السَّمَاء يصعد فِيهِ عمله وَينزل مِنْهُ رزقه وتعرج مِنْهُ روحه إِذا مَاتَ فَكَأَن حَملَة الْعَرْش من الْمَلَائِكَة يفرحون ويستبشرون بقدوم روح سعد بن
стр. 220
معَاذ عَلَيْهِم لكرمه عَنهُ الله وَحسن عمل صَاحبه
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر لَيْسَ مِمَّا يرجع شَيْء مِنْهُ إِلَى صِفَات الله تَعَالَى وَلكنه مُشكل اللَّفْظ فَدخل فِي جملَة مَا ضمنا تَأْوِيله وَتَفْسِيره من مشكلات الْأَخْبَار
ذكر خبر آخر وتأويله
روى عقبَة بن عَامر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
لَو جعل الْقُرْآن فِي إهَاب ثمَّ ألقِي فِي النَّار مَا احْتَرَقَ // أخرجه أَبُو حميد //
أعلم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر على وُجُوه
فَقَالَ بَعضهم إِن من من الله عَلَيْهِ بِحِفْظ الْقُرْآن وَقَاه عَذَاب النَّار وَاحْتج لذَلِك بِحَدِيث أبي أُمَامَة أَن الله لَا يعذب قلبا وعى الْقُرْآن وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن الْأَصْمَعِي // اخرجه مُسلم //
стр. 221
وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ أَن الْقُرْآن لَو كتب فِي جلد ثمَّ طرح الْجلد فِي النَّار مَا أحرقته النَّار وَذَلِكَ فِي عهد رَسُول الله ﷺ لنبوته
وَقَالَ قوم تَأْوِيله أَن الْقُرْآن لَو كتب فِي جلد ثمَّ طرح الْجلد فِي النَّار مَا احْتَرَقَ أَي مَا أحترق الْقُرْآن
بِمَعْنى أَنه لم يبطل وَلم يندرس وَإِنَّمَا يندرس المداد ويحترق الْجلد دون الْقُرْآن وَهَذَا مثل قَوْله ﷺ حاكيا عَن الله سُبْحَانَهُ ﴿إِنِّي منزل عَلَيْك كتابا لَا يغسلهُ المَاء﴾
وَلم يرد أَنه لَو كتب الْقُرْآن فِي شَيْء وَغسل بِالْمَاءِ لم يغْتَسل إِنَّمَا أَرَادَ أَن المَاء لَا يُبطلهُ وَلَا يفنيه فَكَذَلِك قَوْله مَا احْتَرَقَ أَي فِي حَقِيقَة الْأَمر لَا يبطل وَلَا يندرس وَمثل هَذَا كثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ وهم قد كتموا الله لما قَالُوا ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾
وَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَا يكتمون الله فِي حَقِيقَة الْأَمر لأَنهم فِيمَا كتموه لم يغب مَا كتموه عَن الله وَإِنَّمَا توهموا أَنهم كتموه
وَذهب ذاهبون من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يَصح أَن يكون مَعْنَاهُ إِن من حفظ الْقُرْآن لم يعذب بالنَّار لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 222
يكون فِيكُم قوم تحقرون صَلَاتكُمْ فِي صلَاتهم وَأَعْمَالكُمْ فِي أَعْمَالهم يقرؤون الْقُرْآن لايجاوز حناجرحم يَمْرُقُونَ من الدّين كمروق السهْم من الرَّمية // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // // أخرجه البُخَارِيّ //
فَبَان أَنه أَرَادَ بقوله لَا يعذب قلبا وعى الْقُرْآن إِذا حفظ حُدُوده وَعمل بِمُوجبِه
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر دَلِيل على صِحَة مَا نقُول إِن الْقُرْآن مَكْتُوب فِي اللَّوْح وَالْجَلد غير حَال وَأَنه لَا يجب حُلُول الْكَلَام فِي مَحل الْكِتَابَة كَمَا أَنه ﷺ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَلم يكن حَالا فِيهَا وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ مَا احْتَرَقَ أَي إِن احْتَرَقَ الْجلد وبطلانه لَا يُؤَدِّي إِلَى بطلَان الْكَلَام لأجل أَنه لَيْسَ فِي مَحل كِتَابَته
وَمثل هَذَا الحَدِيث مَا روى عبد الله بن عمر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
لاينبغي لحامل الْقُرْآن أَن يجهل مَعَ من جهل وَفِي جَوْفه كَلَام الله سُبْحَانَهُ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَذَلِكَ أَن معنى قَوْله يحمل الْقُرْآن لمن حفظه ووعاه وفهمه
وَمعنى قَوْله وَفِي جَوْفه كَلَام الله أَي حفظ كَلَام الله وَذَلِكَ أَن كَلَام الله تَعَالَى مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب متلو بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف كَمَا أَن الله جلّ ذكره مَذْكُور بالألسنة معبود بالجوارح وَلَا يجوز أَن يكون فِي شَيْء من ذَلِك حَالا وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى
стр. 223
﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ وَالْمرَاد حب الْعجل لِأَن الْعجل لم يحل فِي قُلُوبهم
وَأعلم أَنا لَا نأبى أَن كَلَام الله تَعَالَى مَحْفُوظ على الْحَقِيقَة يحفظ فِي الْقُلُوب مَكْتُوب على الْحَقِيقَة فِي الْمُصحف كِتَابَة حَالَة فِيهَا متلو بالألسنة بِتِلَاوَة فِيهَا مسموع فِي الأسماع غير حَال فِي شَيْء من هَذِه الْمَخْلُوقَات وَلَا يُجَاوز
ذكر خبر آخر
فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى أَبُو أُمَامَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا تقرب العَبْد إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِمثل مَا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن) // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
قيل لَهُم إِن خُرُوج من الشَّيْء على وَجْهَيْن
أَحدهمَا كخروج الْجِسْم من الْجِسْم وَذَلِكَ بمفارقة مَكَانَهُ وإستبداله مَكَانا آخر وَلَيْسَ الله تَعَالَى جسما وَلَا كَلَامه جسم لِأَنَّهُ لَو كَانَ جسما لإقتضى محلا وَاحِدًا وَذَلِكَ فَاسد
وَالْوَجْه الثَّانِي من معنى الْخُرُوج كَقَوْلِك خرج لنا من كلامك خير كثير وأتانا مِنْهُ نفع مُبين إِذا أَرَادَ أَنه ظهر لَهُم مِنْهُ مَنَافِع
стр. 224
فَأَما الْخُرُوج الَّذِي بِمَعْنى الإنتقال فَلَا يَصح على كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَلَا على شَيْء من الْكَلَام لأجل أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَإِنَّمَا يجوز الإنتقال على الْجَوَاهِر والأجسام
فَأَما على الْوَجْه الثَّانِي فَيصح وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه مَا أنزل الله على نبيه وَأفهم عباده
وَقد قَالَ قَائِلُونَ إِن الْهَاء فِي قَوْله خرج مِنْهُ يعود إِلَى العَبْد وَخُرُوجه مِنْهُ وجوده متلوا على لِسَانه مَحْفُوظًا فِي صَدره مَكْتُوبًا بِيَدِهِ
وَذكر عِكْرِمَة أَنه شهد جَنَازَة مَعَ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ فَجعل جلّ يَقُول عِنْد الْقَبْر
يارب الْقُرْآن إغفر لَهُ
فَقَالَ ابْن عَبَّاس مَه أما علمت أَن الْقُرْآن مِنْهُ
فَقَالَ فَغطّى الرجل رَأسه كَأَنَّهُ قد أَتَى كَبِيرَة
وَمعنى قَوْله إِن الْقُرْآن مِنْهُ أَي هُوَ صفة الله الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَلم يجز أَن يكون مَا كَانَ من حكمه مربوبا مُحدثا
فَإِن قيل فَمَا معنى قَول عَمْرو بن دِينَار
أدْركْت مَشَايِخنَا يَقُولُونَ مُنْذُ سبعين سنة
إِن الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود
стр. 225
قيل مَعْنَاهُ عِنْد أهل النّظر
أَنه هُوَ الَّذِي تكلم بِهِ وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَنهى بِهِ وَإِلَيْهِ يعود يَعْنِي هُوَ الَّذِي يَسْأَلك عَمَّا أَمرك ونهاك
ذكر خبر آخر
وَقد روى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
فضل الْقُرْآن على الْكَلَام كفضل الْخَالِق على الْمَخْلُوق وَذَلِكَ أَنه مِنْهُ // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
وَأعلم أَن قَول الْقَائِل إِن الشَّيْء من الشَّيْء قد يكون على وُجُوه
أَحدهَا أَن يكون جُزْءا لَهُ كَقَوْلِنَا الْيَد من الْإِنْسَان وَالْوَاحد من الْعشْرَة
وَقد يكون الشَّيْء من الشَّيْء على معنى أَنه فعله وَظهر مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يَعْنِي خلقا وتدبيرا وملكا
وَقد يكون مِنْهُ على معنى أَنه صفة لَهُ وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَوْله إِن كَلَام الله من الله
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ معنى قَوْلنَا كَلَام الله من الله أَي مِنْهُ يسمع
стр. 226
وبتعليمه نعلم وبتفيهمه نفهم
وَذكر بعض أَصْحَابنَا أَن معنى قَول النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ أَنه مِنْهُ مَعْنَاهُ أَنه لَهُ قَالَ وَالْعرب تَقول إِن هَذَا مِنْك على معنى أَنه لَك كَمَا قَالَ الْقَائِل
(فمنك الْعَطاء ومنك الثَّنَاء ... )
أَي لَك الْعَطاء ولي الثَّنَاء عَلَيْك
وَأعلم أَن المشبهة قد تأولت الصَّمد على معنى أَنه مصمت لَيْسَ بأجوف وَكَيف يَصح أَن يُقَال خرج مِنْهُ كَلَامه على تَقْدِير خُرُوجه من الْأَجْسَام المجوفة فَعلمت بذلك تنَاقض قَوْلهم وَأَن معنى الْخَبَر مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ
ذكر خبر آخر
فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ
إِن الله سُبْحَانَهُ قَرَأَ طه وَيس قبل أَن يخلق آدم ﵇ بألفي عَام فَلَمَّا سمعته الْمَلَائِكَة قَالَت طُوبَى لأمة ينزل عَلَيْهَا هَذَا // ارججه الْبَيْهَقِيّ //
الْجَواب أعلم أَن معنى قَرَأَ أَي أظهر وأسمع وَأفهم كَلَامه من أَرَادَ من خلقه من الْمَلَائِكَة فِي ذَلِك الْوَقْت
وَالْعرب تَقول قَرَأت الشَّيْء إِذا تَبعته وَتقول مَا قَرَأت هَذِه النَّاقة من رَحمهَا سلاقط أَي مَا ظهر فِيهَا ولد
стр. 227
فهلى هَذَا يكون الْكَلَام سائغا وقراءته إسماعه وإفهامه بعبارات يخلقها وَكِتَابَة يحدثها وَهُوَ معنى قَوْله اقْرَأ كَلَام الله وَمعنى قَوْله ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ معنى قَوْله قَرَأَ أَي تكلم بِهِ وَذَلِكَ مجَاز كَقَوْلِهِم ذقت لهَذَا الْأَمر ذواقا بِمَعْنى اختبرته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾
أَي ابْتَلَاهُم بِهِ فَسمى ذَلِك ذواقا وَالْخَوْف لَا يذاق على الْحَقِيقَة لِأَن الذَّوْق فِي الْحَقِيقَة بالفم دون غَيره من الْجَوَارِح وَمَا قُلْنَا أَولا فأوضح فِي تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر لِأَن كَلَام الله تَعَالَى أزلي قديم سَابق لجملة الْحَوَادِث وَإِنَّمَا أسمع وَأفهم لمن أَرَادَ من خلقه على مَا أَرَادَ فِي الْأَوْقَات والأزمنة لَا أَن عبر كَلَامه يتَعَلَّق وجوده بِمدَّة وزمان
стр. 228
ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل
روى أَبُو حَازِم عَن سهل بن سعد عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
دون الله سَبْعُونَ الف حجاب من نور وظلمة وَمَا يسمع من نفس شَيْئا من حسن تِلْكَ الْحجب إِلَّا زهقت نَفسهَا // أخرجه الطَّبَرَانِيّ //
وَرُوِيَ ايضا عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ
احتجب الله من خلقه بِأَرْبَع بِنَار وظلمة وَنور وظلمة // أخرجه الإِمَام أَحْمد //
أعلم أَن معنى قَوْله دون الله سَبْعُونَ ألف حجاب أَي هُوَ حجاب لغيره من خلقه لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون محجوبا لإستحالة أَن يكون محصورا محدودا تَعَالَى الله عَن الْحَد والحصر والتشبيه والتمثيل والخلق محجوبون لَا رب الْعَالمين والحجب لَهُم وهم المحجوبون بهَا وَلَا يَصح أَن يكون دونه حجاب يَحْجُبهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ
وَقد روينَا فِيمَا قبل عَن عَليّ ﵁ أَنه أنكر على من قَالَ
стр. 229
لَا وَالَّذِي احتجب بِسبع فعلاه بِالدرةِ وَقَالَ يَا لكع إِن الله لَا يحتجب من خلقه بِشَيْء وَلَكِن يحجب خلقه عَنهُ
رَوَاهُ ابْن عَاصِم عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي البخْترِي عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ ذَلِك
وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي فِي معنى قَوْله احتجب الله عَن خلقه بِأَرْبَع أَن الله عرفنَا نَفسه بآياته ودلائله بِمَا خلق من النُّور والظلمة وَالنَّار وَأَن لَهُ آيَات لَو أظهرها لِلْخلقِ كَانَت معرفتهم بِهِ كمعرفة العيان وَذَلِكَ نَحْو مَا ذكرنَا من قَوْله ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾
وَمعنى احتجب بالنَّار أَي خلقهَا فَوق تِلْكَ الدلالات الَّتِي تبهر الْعُقُول وتدل على مَعْرفَته
وَأعلم أَن الْغَرَض من هَذَا أَن تعلم أَن الْحجاب يرجع إِلَى المحجوب من الْخلق وَأَن الْخَالِق لَا يَصح أَن يكون محدودا وَلَا محصورا فَإِذا علمت أَنه لم يرد بالْخبر هَذَا الْمَعْنى وَأَن الْحجاب يرجع إِلَى المحجوب من خلقه سلمت من الْغَلَط وَأمنا من دُخُول التَّشْبِيه عَلَيْك مِمَّا لَا يجوز فِي صفة الله تَعَالَى من إثْبَاته محدودا محصورا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
стр. 230
ذكر خبر آخر وتأويله وَمَعْنَاهُ
روى أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
إِن الله تَعَالَى حَيّ كريم يستحي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا خائبين // أخرجه الْأَمَام احْمَد //
وروى يعلى بن أُميَّة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
стр. 231
﴿إِن الله حَيّ ستير يحب الْحيَاء والستر فَإِذا اغْتسل أحدكُم فليستتر﴾
// أخرجه الْأَمَام أَحْمد // بَيَان تأوليه)
أعلم أَن وصف الله بِالْحَيَاءِ على معنى مَا يُوصف الْمَخْلُوق من الْحيَاء الَّذِي هُوَ مِنْهُ انقباض وَتغَير وَتجمع لَا يجوز لإستحالة كَونه جسما متغيرا تحله الْحَوَادِث وَأما أَن يُوصف بِالْحَيَاءِ على معنى التّرْك فَصَحِيح وَقد عبرت الْعَرَب عَن سَبَب الشَّيْء بإسمه فَلَمَّا كَانَ الْحيَاء سَببا لترك المستحيا مِنْهُ كَانَ معنى مَا قَالَ إِن الله ليستحي لَا يتْرك يَدي العَبْد خاليتين من خير إِذا رفعهما إِلَيْهِ فِي الدُّعَاء
وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل أَيْضا قَوْله ﷺ
إِن الله ليستحي أَن يعذب المتورع قيل يَا رَسُول الله وَمن المتورع
стр. 232
قَالَ الَّذِي يُحَاسب نَفسه قبل أَن يُحَاسب // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَمعنى ذَلِك ترك تعذيبه
وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْله ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا﴾ أَي لَا يتْرك
والإستحياء من الله تَعَالَى التّرْك لِأَن المستحيي يتْرك للحياء أَشْيَاء كَمَا يتْرك للْإيمَان وَيَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي كَمَا يَنْقَطِع بِالْإِيمَان عَنْهَا وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ
الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان
وَقَالَ أَبُو وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁
إِن آخر مَا حفظ من كَلَام النُّبُوَّة إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت
يُرِيد إِذا لم يستح الرجل ركب كل فَاحِشَة وقارف كل قَبِيح وَلم يحجزه عَن ذَلِك دين وَلَا حَيَاء
стр. 233
فَأَما معنى قَوْله ﷺ إِن الله حَيّ ستير فقد فسرنا معنى الْحيَاء وَمعنى ستير أَي سَاتِر يستر على عباده كثيرا من عيوبهم وَلَا يظهرها عَلَيْهِم وستير بِمَعْنى سَاتِر كَمَا جَاءَ قدير بِمَعْنى قَادر وَعَلِيم بِمَعْنى عَالم وَإِذا حمل الْخَبَر على مَا ذكرنَا صَحَّ المُرَاد وَبَطل قَول من توهم فِيهَا التَّشْبِيه
ذكر خبر آخر وَبَيَان تَأْوِيله
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَن رجلا قَالَ لِبَنِيهِ
إِذا أَنا مت فاحرقوني ثمَّ ذروني فِي الْبَحْر لعَلي أضلّ الله تَعَالَى فَفَعَلُوا فَجَمعه الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ لَهُ مَا حملك على ذَلِك
فَقَالَ مخافتك يَا رب
وروى حميد بن عبد الرحمن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر لفظا مُشكلا زَائِدا وَهُوَ أَن قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِن رجلا أسرف على نَفسه فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت أوصى بنيه فَقَالَ
إِذا أَنا مت فأحرقوني ثمَّ ذروني فِي الرّيح فوَاللَّه لَئِن قدر عَليّ رَبِّي ليعذبني عذَابا مَا عذبه أحدا فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك فَقَالَ ﷺ فَيَقُول لَهُ الرب عِنْد الْبَعْث مَا حملك على مَا صنعت // اخرجه البُخَارِيّ //
فَيَقُول خشيتك فَيغْفر الله لَهُ
стр. 234
ذكر تَأْوِيله
أعلم أَن هَذَا الْخَبَر وَإِن لم يرجع بِشَيْء من أَلْفَاظه إِلَى مَا هُوَ صفة من صِفَات الله فَإِن لَفظه مُشكل وَكَانَ الْقَائِل لَهُ مُؤمنا مغْفُور لَهُ فَوَجَبَ أَن توقف على مَعْنَاهُ ليزول الْإِشْكَال فَأَما معنى قَوْله ﷺ ﴿أضلّ الله﴾ أَي أنسيه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾
وَلما ذكره من قَوْله أَن تضل إِحْدَاهمَا أَي ينسى
وَفِي بعض الْوُجُوه فِي تَأْوِيل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ أَي نَاسِيا فذكرك
وَالْعرب تَقول ضللت كَذَا أَو أضللته أَي نَسِيته وَإِذا كَانَ ذَلِك بِمَعْنى الضلال هَهُنَا فمراده أَن الله تَعَالَى يميتني وَلَا يَبْعَثنِي فَأَسْتَرِيح من عَذَابه
وَالْعرب تَقول ضل المَاء فِي اللَّبن إِذا غَابَ فِيهِ وَلم يتَبَيَّن وَيكون تَحْقِيق معنى قَوْله لعَلي أضلّ الله اي لَعَلَّ الله لَا ينشرني وَلَا يَبْعَثنِي فَأَسْتَرِيح من عَذَابه وَهُوَ إِظْهَار الْجزع وَالْخَوْف والخشية على أبلغ مَا يكون فِي بَابه لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يعْتَقد قَائِله أَنه لَا يجوز أَن ينشر الله أحدا وَلَا شَيْئا أَو يُمكن أَن يفوتهُ شَيْء وَمثل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عمر أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ
اللَّهُمَّ فَإِن كنت كتبتني شقيا فأمحني وأكتبني سعيدا
стр. 235
فَذكر أهل الْعلم أَن ذَلِك إِظْهَار غَايَة الْخَوْف والخشية حَتَّى يسْأَل مَا لَا يكون أَن لَو كَانَ مِمَّا لَا يكون حَتَّى لَا يفوتهُ التضرع بِكُل وَجه فِي طلب مَا يكون وَلَا يكون إِظْهَارًا لغاية الْخَوْف والخشية لَا تطلبا لما يعلم أَنه لَا يكون
وَأما معنى قَوْله لَئِن قدر على رَبِّي ليعذبني عذَابا عذبه أحدا فَلَا يَصح أَن يكون مَحْمُولا على معنى الْقُدْرَة لِأَن من توهم ذَلِك لم يكن مُؤمنا بِاللَّه وَلَا عَارِفًا بِهِ وَإِنَّمَا ذَلِك على معنى قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة يُونُس ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾
وَذَلِكَ يرجع إِلَى معنى التَّقْدِير لَا إِلَى معنى الْقُدْرَة لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يخفى على نَبِي مَعْصُوم ذَلِك
وَقَالَ الْفراء فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي لن نقدر عَلَيْهِ مَا قَدرنَا كَمَا قَالَ أَبُو صَخْر الهمذاني
(وَلَا عَائِد ذَاك الزَّمَان الَّذِي مضى ... تَبَارَكت مَا تقدر يَقع وَلَك الشُّكْر)
أَرَادَ مَا تقدر يكون فعلى ذَلِك يحمل قَوْله ﵊ حِكَايَة
стр. 236
لَئِن قدر عَليّ رَبِّي ليعذبني
أَي كَانَ قدره وَحكم عَليّ بالعقوبة فَإِنَّهُ يعاقبني دَائِما وَهَكَذَا كَلَام خَائِف جزع
وَلما قيل فِي الْخَبَر إِن الله تَعَالَى يغْفر لَهُ وَقد علم أَنه لَا يغْفر للْكَافِرِينَ وَجب أَن يحمل لَفظه على تَأْوِيل صَحِيح لَا يُنَافِي الْمعرفَة بِاللَّه وَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْكفْر وَإِذا حمل على ذَلِك مَا ذكرنَا بِأَن الْغَرَض وَبَان وَجه الْإِشْكَال فِيهِ فَاعْلَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 237
ذكر خبر آخر وَبَيَان تَأْوِيله
روى أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِن الرَّحِم شجنة معلقَة بمنكبي الرَّحْمَن يَقُول الله سُبْحَانَهُ لَهَا من وصلك وصلته وَمن قَطعك قطعته // أخرجه البُخَارِيّ //
وَذكر فِي خبر آخر أَنه قَالَ
أَنا الرَّحْمَن وَهَذِه الرَّحِم شققتها من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته
ذكر التَّأْوِيل
أعلم أَن الشجنة فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الشعبة من الشَّيْء والقطعة مِنْهُ وَمِنْه يُقَال شَجَرَة متشجنة أَي متفرعة كَثِيرَة الأغصان وَمِنْه مَا حكى عَنهُ أَنه قَالَ لإياس بن مُعَاوِيَة
الحَدِيث ذُو شجون فَقَالَ شجونه خير مِنْهُ وَمعنى الشجون أَن ينشعب من الحَدِيث أَحَادِيث كالوادي الَّذِي تتشعب مِنْهُ المجاري وَيتَفَرَّع عَنهُ الْأَنْهَار من الْجِهَات
стр. 238
وَمعنى قَوْله تعلّقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي اعتصمت بِاللَّه ولاذت بِهِ هَذِه كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الإستظهار والإستجارة يَقُولُونَ استظهرت بفلان واستجرت بِهِ وتعلقت بحبله وَقَالَ الشَّاعِر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
(علقت بِحَبل من حبال مُحَمَّد ... أمنت بِهِ من طَارق الْحدثَان)
(تغطيت من دهري بِظِل جنَاحه ... فعيني ترى دهري وَلَيْسَ يراني)
أَي اعتصمت بِهِ وَالله جلّ ذكره يَقُول ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾
أَي هُوَ قَادر على تصريفها كَيفَ شَاءَ والعربي يَقُول لصَاحبه إِذا أطاعه
ناصيتي بِيَدِك وزمامي بِيَدِك وقيادي بِيَدِك وَلَيْسَ ثمَّ زِمَام وَلَا قياد وَلَا نَاصِيَة وَإِنَّمَا هُوَ مثل للمطيع والمطاع
وَكَذَلِكَ قَوْله فتعلقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي استجارت واعتصمت فَالله تَعَالَى لَا يُوصف وَإِنَّمَا هُوَ مثل للمطيع والمطاع
وَكَذَلِكَ قَوْله فتعلقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي استجارت واعتصمت فَالله تَعَالَى لَا يُوصف بالمنكب تَعَالَى على ذَلِك علوا كَبِيرا
وَأعلم أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا خاطبنا على لُغَة الْعَرَب فَإِذا ورد مِنْهُ الْخطاب حمل على مُقْتَضى حكم اللُّغَة فَإِذا كَانَ مُحْتملا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا لَهُ مخرج فِي اللُّغَة وَتَأْويل صَحِيح لَا يَقْتَضِي تَشْبِيها وَلَا يُؤَدِّي إِلَى محَال فِي وصف الله جلّ ذكره وَالثَّانِي يَقْتَضِي تَشْبِيها وتكييفا وتمثيلا كَانَ أولى مَا حمل عَلَيْهِ من الْوَجْهَيْنِ مَا لَا يُؤَدِّي إِلَى وصف الله جلّ ذكره بالجوارح والآلات
على أَنه وَإِن حمل على مَا يتوهمه المشبهة من مَنْكِبي الْجَارِحَة لم يَصح مَعْنَاهُ
стр. 239
من قبل ان الرَّحِم لَا يَصح عَلَيْهَا التَّعَلُّق وَإِنَّمَا هُوَ حق لِلْقَرَابَةِ من طَرِيق النّسَب فَعلم أَن ذَلِك مثل وَالْمرَاد بِهِ مَا ذكرنَا أَنه إِنَّمَا أَرَادَ تَأْكِيد أَمر الرَّحِم والحث على وَصلهَا والزجر عَن قطعهَا فَأخْبر عَن ذَلِك بأبلغ مَا يكون من التَّأْكِيد
وَاعْلَم أَن مِثَال هَذَا أَيْضا من آي الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تَقول نفس يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾
وَذَلِكَ أَنه كَلَام مَحْمُول على نوع من التَّوَسُّع فِي عَادَة الْعَرَب فِي المخاطبة بِمثلِهِ يَقْتَضِي من مَعْنَاهُ أَن المُرَاد بِهِ بأَمْره وَقد انْتَشَر فِي كَلَامهم أَنهم يَقُولُونَ
كبر فلَان فِي جنب فلَان وهم يُرِيدُونَ بذلك فِي طَاعَته وخدمته والتقرب إِلَيْهِ كَذَلِك معنى هَذِه الْآيَة أَن النُّفُوس تظهر الحسرات يَوْم الْقِيَامَة على مَا وَقع من التَّفْرِيط مِنْهَا فِي طَاعَة الله وَالَّذِي يُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى ويوضحه أَن التَّفْرِيط لَا يَقع فِي جنب الصّفة وَلَا فِي جنب الْجَارِحَة وَلما قرب بِذكرِهِ التَّفْرِيط علم أَن المُرَاد بِهِ مَا قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ التَّقْصِير فِي طَاعَة الله والتفريط فِي عِبَادَته
стр. 240
ذكر خبر آخر وَبَيَان تَأْوِيله
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر // أخرجه البُخَارِيّ //
وَقَالَ فِي خبر آخر
صل رَحِمك يزدْ فِي عمرك
وَقَالَ من أحب أَن ينسأ لَهُ فِي عمره فَليصل رَحمَه // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم //
فَسَأَلَ سَائل عَن هَذَا الْخَبَر وَقَالَ
وَكَيف يجمع بَينه وَبَين قَوْله جلّ ذكره فِي مُحكم كِتَابه ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا﴾
فَأخْبر أَن الْأَجَل لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر فَكيف يجوز لرَسُول الله ﷺ أَن يَقُول
стр. 241
إِن صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر
تَأْوِيله وَذكر الْجَواب عَن السُّؤَال
أعلم أَنه لَيْسَ شَيْء من هَذِه الْأَخْبَار مُخَالفا لما فِي الْكتاب وَكَيف وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك مَا يُؤَيّد مَا فِي الْكتاب وَهُوَ كنحو مَا رُوِيَ أَن أم حَبِيبَة قَالَت
اللَّهُمَّ متعني بِأبي ابي سُفْيَان وبأخي مُعَاوِيَة
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
لقد سَأَلت فِي آجال مَضْرُوبَة وأرزاق مقسومة وَلَا يُؤَخر مِنْهَا شَيْء // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق
إِن الله تَعَالَى يبْعَث ملك الْأَرْحَام فَيكْتب أجل الْمَوْلُود فِي بطن أمه ورزقه وشقاوته وسعادته // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَكَذَلِكَ روى ابْن عمر وَجَابِر ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ فِي مثل هَذَا وَهَذِه أَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ قد جَاءَت مَجِيء كتاب الله إِن لكل نفس
стр. 242
أجلهَا لَا يتَقَدَّم أجلهَا وَلَا يتَأَخَّر
فَأَما معنى الزِّيَادَة فِي الْعُمر فقد قَالَ بعض أهل الْعلم
إِن مَعْنَاهُ السعَة وَالزِّيَادَة فِي الرزق
وَقد قيل إِن الْفقر هُوَ الْمَوْت الْأَكْبَر
وَقَالَ بَعضهم إِن الله سُبْحَانَهُ أعلم مُوسَى ﵇ أَن يُمِيت عدوه ثمَّ رَآهُ بعد ينسج الخوص فَقَالَ يَا رب وَعَدتنِي أَن تميته قَالَ قد فعلت ذَلِك فَإِنِّي أفقرته وَقَالَ الشَّاعِر
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
(إِنَّمَا الْمَيِّت من يعِيش فَقِيرا ... كاسفا باله قَلِيل الرخَاء)
فَلَمَّا جَازَ أَن يُسمى الْفُقَرَاء موتا توسعا جَازَ أَن يُسمى الْغنى حَيَاة ويسميه ذُو مَادَّة فِي الْعُمر وَيُرِيد بذلك السعَة والرزق على طَرِيق الثَّوَاب والكرامة فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ قَائِل إِن معنى الزِّيَادَة فِي الْعُمر نفي الْآفَات عَنْهُم وَالزِّيَادَة فِي أفهامهم وعقولهم وبصائرهم وَلَيْسَ ذَلِك زِيَادَة فِي أَرْزَاقهم وَلَا فِي آجالهم لِأَن الْآجَال مُؤَجّلَة لَا زِيَادَة فِيهَا والأرزاق مقسومة لَا يُزَاد لأحد فِي رزقه وَلَا ينقص مِنْهُ شَيْء
стр. 243
لِأَن الله تَعَالَى قد أخبر أَنه قسم الأرزاق بَين عباده فَقَالَ ﴿نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾
وَقَالَ فِي الْأَجَل ﴿لكل أمة أجل إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
وَلم يخبر عَن ذكره أَن غير الْأَجَل والرزق بِمَنْزِلَة الرزق وَالْأَجَل وَقد أخبر أَنه يزِيد من يَشَاء فِي فَضله وَلم يخبر أَنه يزِيد من يَشَاء فِي رزقه وَيُؤَخر من يَشَاء فِي عمره
وَقَالَ قَائِلُونَ إِن الله سُبْحَانَهُ كتب أجل عَبده مائَة سنة عِنْده وَيجْعَل تركيبه وهيأته وبنيته لتعميره ثَمَانِينَ سنة فَإِذا وصل رَحمَه زَاد الله فِي ذَلِك التَّرْكِيب وَفِي تِلْكَ البنية وَوصل ذَلِك النَّقْص فَعَاشَ عشْرين سنة أُخْرَى حَتَّى يبلغ مائَة وَهُوَ الْأَجَل الَّذِي لَا مستأخر عَنهُ وَلَا مستقدم فِيهِ
وَقَالَ قَائِلُونَ إِن معنى ذَلِك أَن يكون السَّابِق فِي الْمَعْلُوم أَنه إِذا وصل رَحمَه كَانَ عمره أَكثر مِنْهُ إِذا لم يصل فَيكون كُله مِمَّا سبق فِي الْعلم على الْحَد الَّذِي يحدث وَيُوجد فِي المستأنف فَإِن قيل فَمَا معنى قَوْله ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾
стр. 244
قيل معنى ذَلِك لَا يعمر من معمر من ابْتِدَاء الْأَمر وَلَا ينقص من عمره عَن الآخر فِي الإبتداء الْأَجَل ذَلِك فِي كتاب قد أبين صِحَّته وَأظْهر قدره لَا أَنه يكون زَائِدا ثمَّ ينقص أَو نَاقِصا ثمَّ يزِيد لِأَن يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يكون الله عَالما بالأشياء قبل كَونهَا على حسب مَا يكون وَلَا يجوز ذَلِك فِي وَصفه
فَعلم أَنه المُرَاد بِهِ تعريفنا أَن التَّفَاوُت الْوَاقِع بَين الْأَعْمَار فِي إختلاف مددها فِي الطول وَالْقصر وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان على ذَلِك فِي كتاب مُبين على حكم وَاحِد صدر عَن علم سَابق مُحِيط
فصل
وَأعلم أَن الَّذين خالفوا من الْقَدَرِيَّة فَقَالُوا بِقطع الْأَجَل وَمعنى ذَلِك هُوَ أَن يكون الله قد جعل لبَعض الْأَحْيَاء مُدَّة الْحَيَاة خمسين سنة ثمَّ يقْتله الْقَاتِل فَيجْعَل ذَلِك سنة وَيقطع عَنهُ بُلُوغه الْمدَّة الَّتِي قدر الله تَعَالَى لَهُ من ذَلِك وَهَذَا عندنَا مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة أَولا وَقَول يُؤَدِّي إِلَى وصف الله تَعَالَى بالقهر وَالْغَلَبَة لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ أَن يكون أجل زيد خمسين سنة ثمَّ يقْتله الْقَاتِل فَيجْعَل ذَلِك سنة وَيقطع عَلَيْهِ بُلُوغ مُدَّة ذَلِك وَأَرَادَ غَيره لَهُ وَأَرَادَ أَن يبلغهُ وَقطع عَلَيْهِ أَجله فقد قهره فِي مُرَاده وغلبه فِي حكمه وَذَلِكَ لَا يَلِيق بوصفه تَعَالَى
стр. 245
سُؤال
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾
قيل قد تَأَول بعض أهل الْعلم ذَلِك على وُجُوه كَثِيرَة
فَمنهمْ من قَالَ مَعْنَاهُ أَن الله ينْسَخ من الْأَحْكَام مَا يَشَاء وَذَلِكَ محوه وَيثبت مِنْهَا مَا يَشَاء وَهُوَ إثْبَاته وَتَقْدِيره وَقد يُوصف جلّ ذكره بالنسخ للْحكم وبالإثبات وَلَا يَدْعُو ذَلِك إِلَى البداء وَلَا إِلَى الزِّيَادَة فِي الْعُمر على خلاف مَا ذكرنَا
وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ يمحو مَا سبق من الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ المعقبة لَهَا وَيثبت للتَّوْبَة حكمهَا
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه يمحو بَيَاض النَّهَار وَيثبت سَواد اللَّيْل وَيثبت بَيَاض النَّهَار ويمحو سَواد اللَّيْل
وَمِنْهُم من قَالَ معنى ذَلِك تعريفنا أَن الإيجاد والإعدام وَالْإِثْبَات وَالنَّفْي مُتَعَلق بمشيئته على حسب مَا سبق فِي علمه وَجرى بِهِ قلمه نفيا لِأَن يكون ذَلِك إِلَى غَيره أَو من غَيره
مَسْأَلَة
فَإِن قَالَ قَائِل من الْقَدَرِيَّة
стр. 246
أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى مخبرا عَن نوح ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ
﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغْفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾
وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾
قيل أما معنى قَول نوح ﵇ أَنه يؤخرهم إِلَى أجل مُسَمّى يَعْنِي إِن آمنُوا واتبعوه وَتَكون آجالهم وَلم يثبت الله لَهُم أَََجَلًا لم يبلغوه وَلَا قَالَ إِلَى أجل فِيكُم مُسَمّى بل لم يضف إِلَيْهِم ذَلِك الْأَجَل وينكره
فَبَان أَن المُرَاد أجل من الْآجَال لَو آمنُوا واتبعوه كَانَ لَهُم أَََجَلًا
وَأما قَوْله ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ فَهُوَ أجل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلذَلِك قَالَ ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾
أَي تشكون فِي الْبَعْث وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى للثَّواب وَالْعِقَاب وَأجل الدُّنْيَا هُوَ الْمُسَمّى للفناء وللتكليف فِيهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك شَيْء يُؤَيّد قَول الْقَدَرِيَّة الْقَائِلين بِقطع الْأَجَل
وَأما قَول من قَالَ مِنْهُم بِقطع الْأَجَل وأبى جَوَاز الزِّيَادَة فِيهِ فَيُقَال لَهُ هلا
стр. 247
زعمت أَنه يزِيد فِي الْأَجَل الْمُؤَجل إِذا وصل رَحمَه أَو تجنب الْآفَات وتعاهد من المطعومات مَا يَسْتَعِين بِهِ على إستجلاب الزِّيَادَة فِي عمره وَصرف الآفة عَنهُ
فَإِن جمعُوا بَين الْأَمريْنِ وَقَالُوا جَائِز أَن يزِيد أَحَدنَا فِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله بِنَحْوِ مَا ذَكرْنَاهُ جَازَ أَن ينقص مِنْهُ فقد فارقوا قَوْلهم وَخَرجُوا عَن ظَاهر الْكتاب وَالسّنة والعقول لِأَنَّهُ كَمَا نفي الإستقدام فِي الْأَجَل فَكَذَلِك نفى الإستيخار وَجمع بَينهمَا فِي الحكم
وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الْمَعْنى فِي قَول نوح ﵇ مَا ذَكرْنَاهُ عقيب ذَلِك ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر لَو كُنْتُم تعلمُونَ﴾
يُرِيد بذلك مِمَّا هُوَ لَهُم أجل فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ
стр. 248
ذكر خبر آخر وتأويله
وَمثل ذَلِك مِمَّا يجْرِي هَذَا المجرى وَالسُّؤَال فِيهِ كالسؤال فِيمَا ذكرنَا مَا رُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ
الدُّعَاء يرد الْبلَاء وَالصَّدَََقَة تدفع الْبلَاء // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
وَمَا رُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ
إِن الْقَضَاء وَالدُّعَاء يتعالجان
وَمَا وري أَنه قَالَ الصَّدَقَة تدفع الْقَضَاء المبرم
وَمعنى هَذِه الْأَخْبَار كلهَا على نَحْو مَا ذكرنَا وَهُوَ أَن يكون السَّابِق فِي الْعلم مِمَّا يحدث فِي المستأنف أَنه إِذا دَعَا صرف عَنهُ الْبلَاء وَكَذَلِكَ إِذا تصدق لَا أَنه يكون الْمَعْلُوم فِي الْأَزَل وُصُول الْبلَاء إِلَيْهِ ثمَّ إِذا حصل الدُّعَاء تغير الْمَعْلُوم لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يكون ذَلِك فِي الْأَزَل مَعْلُوما وَلَا قَضَاء وَذَلِكَ محَال
стр. 249
وَقيل أَيْضا إِن المُرَاد بِهِ الْعِوَض من الدُّعَاء وَالصَّدَََقَة إِذا أتاهما دفع ذَلِك عَن الْفَاعِل بهما وزر التّرْك وعقوبة الْعِصْيَان فِيهِ وَيكون معنى التَّخْصِيص بذلك الذّكر التحريض على فعله والحث عَلَيْهِ
ذكر خبر آخر وتأويله
روى حَمَّاد بن سَلمَة عَن عمار بن أبي عمار عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
إِن مُوسَى ﵇ لطم عين ملك الْمَوْت فأعوره // أخرجه البُخَارِيّ //
فَقَالَ بعض أهل الْإِلْحَاد على طَرِيق الْإِنْكَار لذَلِك إِن جَازَ على ملك الْمَوْت العور جَازَ عَلَيْهِ الْعَمى قَالَ
وَلَعَلَّ عِيسَى ﵇ قد لطم عينه الْأُخْرَى فاعماه لِأَنَّهُ أَشد كَرَاهِيَة للْمَوْت من مُوسَى ﵇ وَذَلِكَ أَنه قَالَ
اللَّهُمَّ إِن كنت صارفا هَذِه الكأس عَن أحد فأصرفها عني
بَيَان تَأْوِيله
أعلم أَن أهل النَّقْل قد صححوا هَذَا الحَدِيث وَله تَأْوِيل صَحِيح لَا يُنكر وَذَلِكَ أَن الله قد جعل للْمَلَائكَة أَن يتصوروا بِمَا شاؤوا من الصُّور الْمُخْتَلفَة أَلا ترى أَن جِبْرِيل ﵇ أَتَى رَسُول الله ﷺ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وَمرَّة فِي صُورَة أَعْرَابِي وَمرَّة أُخْرَى وَقد سد بجناحيه مَا بَين الْأُفق
стр. 250
وَكَذَلِكَ قَالَ الله ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾
إِن تقيا إسم رجل تصور جِبْرِيل بصورته لِمَرْيَم ﵇
فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف سَاغَ لنَبِيّ أَن يلطم عين ملك الْمَوْت وَإِن كَانَ على صُورَة أُخْرَى
قيل فقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا فِيهِ إِنَّمَا ينْتَقل فِيهِ من هَذِه الْأَمْثِلَة بخييلات وَأَن اللَّطْمَة أذهبت الْعين الَّتِي هِيَ تخييل وَلَيْسَت بِحَقِيقَة
وَمِنْهُم من قَالَ إِن معنى قَوْله لطم مُوسَى ﵇ عين ملك الْمَوْت توسع فِي الْكَلَام وَهُوَ نَحْو مَا يحْكى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ
أَنا فقأت عين الْفِتْنَة يُرِيد بذلك إِلْزَام مُوسَى ملك الْمَوْت الْحجَّة حِين رده فِي قبض روحه على حسب مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر
وَأعلم أَن للْعَرَب فِي نَحْو ذَلِك إستعارات يعرف مَعَانِيهَا ومجاري خطابها فِيهَا المتوسع فِي إستقراء كَلَامهم والمتبحر فِي الْمعرفَة بلغاتهم فَإِذا كَانَت اللَّطْم مستعملة عِنْدهم على أَمريْن
أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ عين الْجَارِحَة وَإِدْخَال النَّقْص فِيهَا
وَالثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ عين الشَّيْء وذاته وَيُرَاد بالعور محقه ومحوه لم يُنكر أَن يكون معنى الْكَلَام مَحْمُولا عَلَيْهِ على معنى التَّوَسُّع
следующие страницы →